مسلمين وليس اسلاميين:قراءه نقديه اسلاميه للدلاله البدعيه لمصطلح "اسلاميين"
د. صبرى محمد خليل/استاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
أصل المصطلح
مصطلح حادث فى تاريخ الامه: من ناحية اللفظ لم يرد لفظ "اسلامى" أو "إسلاميين" في القران أو ألسنه أو أقوال السلف الصالح، إنما ورد لفظ مسلم ومسلمين، قال الله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78).
لفظ اصطلاحى وليس توقيفى: فمصطلح (اسلامى) هو لفظ اصطلاحي " توفيقي" ،رغم أن موضوعه ديني (الإسلام)، وليس مصطلح شرعي "توقيفي"، يقول د. عبد الفتاح أفكوح ( وإذا كانت كلمتا : “المسلم” و”المسلمون” وصف إلهي، فإن لفظتي: “الإسلامي” و” الإسلاميون ” وصف وضعي بشري ) (مقال بعنوان :مسلم أم إسلامي أم إسلاموي) .
استخدامه من بعض العلماء فى مراحل متاخره بدلاله غير الدلاله البدعيه المعاصره : وإذا كان بعض العلماء المسلمين قد استخدم مصطلح " إسلاميين"،فى مراحل تاريخيه متاخره، فأنهم قد استخدموه بدلالات غير دلالاته البدعيه المعاصرة،التى تقصره على طائفه معينه من المسلمين دون غيرهم ، من هؤلاء العلماء الإمام ابو الحسن الاشعرى في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)،حيث عنى بالإسلاميين كل فرق وطوائف المسلمين – بما في ذلك الفرق التي تختلف مع أهل السنة والجماعة كالشيعة، والخوارج والمرجئة والمعتزلة،مع تركيزه على المذاهب الاعتقاديه (الكلامية) المختلفة لهذه الفرق.
المسلمين نسبوا الجماعات المذهبيه الى صاحب المذهب وليس الى الاسلام:وطوال التاريخ الاسلامى ، فان المسلمين استخدموا المصطلحات ألقرانيه "المسلم - المسلمين" في وصف كل من التزم بأصول الدين الثابتة من أفراد وجماعات، أما الجماعات التي تلتزم بأحد المذاهب الاسلاميه،التي هي محصله الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة،فقد نسبوها إلى صاحب المذهب ، كالحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية في الفقه أو الاشاعره والماتريديه و الطحاويه في علم الكلام .وفى التصوف نسبو الجماعات الصوفيه الى مؤسس الطريقه"كالقادريه والشاذليه.."
استخدام المصطلح بدلالته الحديثه ظهر بعد الاستعمار: ولم يتم استخدام مصطلح "اسلامى" و"إسلاميين" بدلالاته الحديثة في المجتمعات المسلمة إلا في العصور الحديثة بعد ظهور الاستعمار ، من هذه الدلالات استخدام المصطلح الذي يقابله في اللغة الانجليزيةislamist) ) في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر في الموسوعة البريطانية بمعنى المستشرق اى الباحث الغربي المتخصص في الدراسة المجتمعات الاسلاميه. كما استخدم مصطلح (اسلامى) في المغرب في بداية القرن التاسع عشر وأواخر القرن الثامن عشر ،في مخطوطات بمدينة تطوان وبشمال المغرب ، الوصف اليهود الذين أتوا من إسبانيا ثم أسلموا ،حتى يتم التفريق بين المسلم الأصلي والذي اعتنق الإسلام حديثا ” انظر : الإهانة للمنجرة 172″( أحمد الريسوني : الحركة الإسلامية المغربية ، ص17 (.
المصطلح ليس محل اتفاق بين العلماء: و هذا المصطلح ليس محل اتفاق حتى بين العلماء المسلمين ، فقد تعددت المواقف من هذا المصطلح .
القبول المطلق: فهناك من يقبل هذا المصطلح قبول مطلق. وهو موقف يتعارض مع كون المصطلح من ناحيه اللفظ حادث فى تاريخ الامه - كما اشرنا اعلاه - ويتعارض ايضا من ناحيه اصطلاحيه مع كونه ذو دلاله معاصره بدعيه – سنشير اليها ادناه بالتفصيل - يجب رفضها.
الرفض المطلق: كما أن هناك قطاع من العلماء يرفض هذا المصطلح، انطلاقا من كونه حادث فى تاريخ الامه، يقول الدكتور محمد بن عبد العزيز المسند ( والمقصود أن هذا المصطلح " مصطلح الإسلاميين " مصطلح علماني دخيل ، لا يصح إطلاقه على أحد من أبناء هذه البلاد ، فأهل هذه البلاد كلهم مسلمون ، قد رضوا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه رسولاً ونبياً )( مصطاح الاسلاميين/ موقع فضيله الدكتور محمد بن عبد العزيز المسند/ اراء ومقالات/ 25/8/1425 هـ )
الموقف النقدى: ويقوم على التميز بين دلالتين للمصطلح:
الدلالة الاولى" الدلالة البدعية للمصطلح" : وهى دلاله تعتبر أن المصطلح هو مصطلح شرعي توقيفي – وليس اصطلاحى"توفيقى"- وهو ما يتعارض مع كون المصطلح حادث فى تاريخ الامه - وبالتالي فانه يتم استخدامه فيها باعتبار انه أصل من أصول الدين كما اشرنا اعلاه- وبالتالى يلزم من هذه الدلاله العديد من المفاهيم البدعيه ومنها:
ا/ الاختلاف على مستوى أصول الدين(المصطلح كمقابل لمصطلح "الشيع" فى القران): حيث يستخدم مصطلح” الإسلاميين” فى هذه الدلاله لوصف جماعات متعددة ، مختلفة ليس في قضايا فرعيه اجتهادية فقط ، بل في قضايا أصوليه نصيه أيضا ، وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص ، من النهى عن الاختلاف ،على مستوى أصول الدين ،التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة يقول تعالى( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية 104)، ففي هذه الدلالة يقارب أو يقابل مصطلح “الإسلاميين” مصطلح” الشيع” في القران الكريم،وقد استخدمه أشار القران الكريم للاشاره إلى ظاهره سالبه أصابت تدين اليهود والنصارى ،هي ظاهره التفرق في الدين.
ب/ إلغاء الاختلاف المباح على مستوى فروع الدين(جماعه المسلمين وليست جماعه من المسلمين): ويترتب على هذه الدلاله أن وصف جماعه معينه بأنها جماعه – حركه إسلاميه "إسلاميين" اعتبار أنها تنفرد بتمثيل الدين، اى انها جماعه المسلمين ، وليست جماعه من المسلمين، وهو ما يخالف اباحه الإسلام للاختلاف على مستوى فروع الدين الاجتهاديه، يقول ابن مفلح ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع)(الآداب الشرعية 1/186).
ج/ تكفير المخالف: ويترتب على نسبه جماعه من المسلمين إلى الإسلام " فهم إسلاميين " ، نفى نسبه سواهم من المسلمين – ولو كانوا اغلبيه المسلمين – إلى الإسلام " فهم ليسو إسلاميين "، وهو تكفير" صريح او ضمنى" . وهو ما يتعارض مع ورود الكثير من النصوص التي تفيد النهى عن تكفير المسلمين كقوله تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبغون عرض الحياة الدنيا). كما يتعارض مع تقرير علماء اهل السنه ضوابط شرعيه للتكفير استنادا الى النصوص.ورفضهم للقاعده البدعيه " تكفير المخالف فى المذهب" والتى به مذهب الخوارج الضال.
د/ يلزم من هذه الدلاله كثير من مظاهر الكهنوت:
ا/ فهى تنسب إلى زعماء وقاده جماعه من المسلمين ” التى تصفها بالإسلاميين” سلطة دينيه مطلقة ” التحليل والتحريم بدون نص قطعى” ، من خلال إيجابها طاعتهم طاعه مطلقه ، واتباعهم بدون دليل .
ب/ كما يلزم منها ان المنتمين لجماعه من المسلمين " التى تصفها بالاسلاميين" معصومين عن الخطا ،لانها تنسب هذه الجماعه الى الاسلام.
ج/ كما يلزم منها ان هذه الجماعه من المسلمين "التى تصفها بالاسلاميين" هم وسيط بين الله تعالى وغيرهم من المسلمين، لانها تنسبها إلى الإسلام على وجه الانفراد" اى دون غيرهم من المسلمين".
وكل مظاهر الكهنوت المشار اليها اعلاه تتعارض مع الاسلام للاتى:
ا/ ليس في الإسلام سلطه دينيه مطلقه ” التحليل و التحريم بدون نص قطعي" : قال تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ) (النحل:116). اما السلطة الدينيه المقيده فقد قررها الاسلام تحت مصطلح ” الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" ،ولكنها مخوله فيه بموجب الاستخلاف العام لجماعة المسلمين﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، أما اى جماعه من المسلمين – ومنها جماعه العلماء- فهي مكلفه بالأمر بالمعروف او النهى عن المنكر من باب التخصص، وليس الانفراد كما فى قوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )( آل عمران : 104 ) .
ب/ لا واسطة بين الإنسان وربه: قال تعالى( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)( الزمر :3) فالعلاقة بين الإنسان وخالقه فى التصور الاسلامى علاقة ذاتيه مباشره قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ألداع إِذَا دَعَانِ)( البقرة: 186) .
ج/ لا عصمه لأحد بعد الرسول “صلى الله عليه وسلم”: قال الإمام ابن تيمية : (والقاعدة الكلية في هذا ألا نعتقد أن أحداً معصوم بعد النبي – صلى الله عليه وسلم-)( منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية: 6/196 ).
احاله الخلاف السياسى الى صراع دينى"بين مسلمين وكفار: ويترتب على هذه الدلاله احاله الاختلاف السياسى الذى يدور فى اطار الاجتهاد فى حل قضايا الواقع الى ، صراع ديني بين مسلمين وكفار ،وهو ما يخالف تقرير أهل السنة أن الامامه" بمعنى السلطة" من فروع الدين الاجتهاديه المتغيره، وليست من أصوله النصيه الثابته " بخلاف الشيعة الذين قرروا أن الامامه من أصول الدين ، وبخلاف الخوارج الذين كفروا مخالفيهم فى المذهب الاجتهادى "، يقول الامام الآمدي ( واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات ، ولا من الأُمور اللابدِّيَّات ، بحيث لا يسع المكلَّف الإعراض عنها والجهل بها… ) (غاية المرام في علم الكلام، ص 363) .ويقول الإيجي عن الامامه: ( وهي عندنا من الفروع ، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا ) (المواقف : ص 395) .. كما يتعارض مع عدم نفى القران صفه الأيمان عن الطوائف المتصارعة( وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلي أمر الله). واخيرا يتعارض مع كون الصحابة اختلفوا في مسالة السلطة إلي حد القتال، دون أن يكفر احدهم الأخر.
الغاء تعدد أساليب التغيير: كما يلزم من هذه الدلاله الغاء تعدد اساليب التغيير ، وهو ما يتعارض مع اقرار منهج التغير الاسلامى تعدد أساليب التغيير " لذا نجد فى النصوص اشاره الى أساليبتغيير متعدده كاساليب التغيير العقدى"الفكرى" و السياسي و الاجتماعي و التربوي والذاتى…)،وبالتالي فان منهج التغيير الاسلامى قائم على ان التزام جماعه معينه بأسلوب تغيير معين، يجب أن يكون من باب التخصص لا الانفراد، ،اى دون إنكارها لأساليب التغيير الأخرى التي قد تلتزم بها جماعات أخرى . وهو ما أقرته العديد من النصوص، كقوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(التوبة:122).
الدلالة الثانيه"الدلالة الاجتهادية للمصطلح" : وتعتبر أن مصطلح”الإسلاميين ” اصطلاح بشرى، وبالتالي فانه يتم استخدامه في هذه الدلالة، باعتبار انه فرع من فروع الدين المتغيره، وليس من أصوله الثابته، وهذه الدلالة يمكن اعتبارها شكل من أشكال الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة ، بشرط التزامها بضوابط السياسة الشرعية ، واتساقها مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية.
ضوابط المصطلح فى الدلاله الثانيه : (التمييز بين وصف المفاهيم ووصف البشر). من ناحية اللفظ فان هذه الدلاله تقوم على وجوب التمييز بين استخدام مصطلح "اسلامى" في وصف البشر" أفرادا اوجماعات"، واستخدامه في وصف المفاهيم والقيم والقواعد، فكما سبق ذكره فإننا نرفض استخدام المصطلح طبقا لدلالته الأولى “التي تنطلق من أو يلزم منها ، جمله من المفاهيم ، التي تتناقض مع مقاصد الشرع وضوابطه” في وصف البشر (أفرادا وجماعات) ، أما استخدام المصطلح في وصف المفاهيم والقيم والقواعد فغير مرفوض، لكن بشرط التمييز بين ما هو أصل من أصول الدين مصدره نص ثابت، وما هو فرع مصدره الاجتهاد المتغير. يقول د. عبد الفتاح أفكوح (واجتنابا لأي إبهام أو غموض، يجب الأخذ باستعمال كل اصطلاح مشتق من لفظ “الإسلام” في سياقه الطبيعي، لأن الأمر يقتضي في هذا النهج مبدأ التمييز بين صفة الإنسان وصفة المقولات، والمفاهيم، والموضوعات؛ فالذاتية، والرؤية، والفكرة، والحياة، والبلاد جميعها لها الصفة “الإسلامية”، والذات، والأمة موصوفة بلفظ “المسلمة” أما الكاتب، والأديب، والإنسان، والمجتمع فلهم صفة “المسلم”، وليس الإسلامي … ).
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com