خطر لي أن أضع في موضوع الأسئلة المميزة التي يسألها الطلاب لينتفع بها الباحثون إن شاء الله
وقد سألني طالب يدعى رضوان ما يلي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا طالب مبتدئ في المنطق، ولديّ إشكال فيه، وهو أن الموضوع إذا كان معدوما في معدولة المحمول السالبة، فالقضية لن تكون صحيحة. صحيح؟ مثل: "شريك الإله ليس بلاقادر"
وكذلك نقيضتها وهي الموجبة معدولة المحمول ليست صحيحة لأن الموجبة تقتضي وجود الموضوع
ألا يؤدي هذا إلى ارتفاع النقيضين؟
فأجبته:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
قولك: (الموضوع إذا كان معدوماً في معدولة المحمول السالبة، فالقضية لن تكون صحيحة. صحيح؟)
ليس صحيحاً على إطلاقه بل ينظر في خصوص كلّ قضيّة قضيّة إلى ظرف ذلك الموضوع؛ لأن صدق الموجبة يستلزم وجود الموضوع حال ثبوت المحمول له واتحاده معه في ظرف ذلك الموضوع، إن ذهناً فذهناً وإن خارجاً فخارجاً...إلخ. ألا ترى أننا نقول: شريك الباري محال الوجود، فنستحضره في الذهن لنحكم عليه، فليس كلّ موجبة تستدعي وجود الموضوع في الخارج على ما تشير إليه بكلامك.
فإذا قلنا: شريك الباري قادر، فارضين في الذهن شريكاً للباري فيجب أن يكون قادراً، فهنا عندما أخذت القضيّة ذهنيّة كفى فيها وجود موضوعها في الذهن ليحمل عليه القادر. وعلى مثل هذا الفرض قام برهان التمانع.
وأما إذا أخذت القضيّة خارجيّة أو حقيقيّة فلا تصحّ إلاّ إذا كان شريك الباري موجوداً، فلمّا استحال وجوده كان قولنا: شريك الباري قادر قضية كاذبة إذا أخذت خارجيّة أو حقيقيّة.
ومثالك سيدي هو: شريك الإله ليس بلاقادر
وهذه سالبة معدولة المحمول، والسالبة المعدولة أعمّ من الموجبة المحصلة. فتكون موجبتها المحصّلة أخصّ منها.
بيانه: شريك الإله ليس ليس قادراً ...... لأنّ معدولة المحمول أخصّ من البسيطة وثبوت الأخصّ يستلزم ثبوت الأعمّ. فتؤول إلى موجبة محصّلة باعتبار أنّ نفي النفي إثبات، وهي: شريك الإله قادر.
فإذا أخذناها ذهنيّة كما مرّ، كانت صادقة. وأما إذا أخذناها قضيّة حقيقية أو خارجيّة كانت كاذبة.
وباعتبار أنّها صادفة وأنها أخصّ من السالبة المعدولة المحمول، ومن علمنا بأنّ صدق الأخصّ يستلزم صدق الأعمّ، فإذا صدقت: شريك الإله قادر ذهنيّة فقد صدقت شريك الإله ليس بلاقادر ذهنيّة أيضاً. فيكون نقيضاهما كاذبتين، وهو قولنا: (شريك الإله لاقادر) المستلزم لقولنا: (شريك الإله ليس بقادر). وكلّ هذه قضايا ذهنيّة، وكما ترى لم يجتمع النقيضان ولم يرتفعا.
وأمّا إذا أخذت سالبتك معدولة المحمول حقيقية أو خارجيّة فقد كذبت، وهي أعمّ من الموجبة المحصّلة، وكذب الأعم يستلزم كذب الأخصّ، فتكون الموجبة المحصّة كاذبة أيضاً.
يعني إذا أخذت (شريك الإله ليس بلا قادر) (حقيقية أو خارجيّة) فتكون كاذبة
وهي أعمّ من موجبتها المحصّلة (الحقيقية أو الخارجيّة)، أعني (شريك الإله قادر)، وكذب الأعمّ يستلزم كذب الأخصّ، فيكون قولنا: (شريك الإله قادر) كاذبة.
فيكون نقيضاهما صادقين. أما الموجبة المحصلة فنقيضها: (شريك الإله ليس بقادر) وهي صادقة كقضيّة حقيقية أو خارجيّة، بلا إشكال كما هو ظاهر.
فيبقى الإشكال الذي استشكلته أنت في السالبة معدولة المحمول. فإذا أخذ قولنا: (شريك الإله ليس بلاقادر) قضيّة خارجيّة أو حقيقيّة كان نقيضها (شريك الإله لاقادر). وهذه يجب أن تكون صادقة بناء على قاعدة أن النقيضتين لا تكذبان معاً، كما يجب أن تكون كاذبة بناء على أن معدولة المحمول قضيّة موجبة والموجبة تستدعي وجود الموضوع.
فالجواب أنّ الإشكال في فهم الناس لقولهم: الموجبة المحصّلة تقتضي وجود الموضوع.
فالتحقيق تخصيص قولهم: إنّ الموجبة المحصّلة تقتضي وجود الموضوع بما عدا معدولة المحمول.
قال التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون: (واعلم أنّ متأخري المنطقيين اعتبروا قضية معدولة المحمول وحكموا بأنّ موجبتها مساوية للسالبة البسيطة، فكما أنّ السالبة لا تقتضي وجود الموضوع فكذلك الموجبة المعدولة المحمول لا تقتضي وجوده) اهـ
وقال سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد: (إذا أريد بالمحمول نفس مفهوم النقيض فهو موجبة سالبة المحمول مستغنية عن وجود الموضوع لكونها في قوة السالبة، فقولنا: "العنقاء لا أسود" إذا أريد باللاأسود نقيض الأسود أعني رَفْعَه فهي صادقة بمنزلة قولنا ليس العنقاء أسود) اهـ انظره في أحكام السلب والإيجاب من كتاب المقاصد ص63/ج2/ط عالم الكتب بتحقيق عبد الرحمن عميرة. وفي الموضع فوائد جليلة.
وكذا ههنا يا رضوان، فإنّ قولك: (شريك الإله لاقادر) مقصودك به نقيض القادر فهي بمنزلة قولك: شريك الإله ليس بقادر.
فلم يلزم اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما. وهذا سؤال من مطارح الأذكياء يبعد أن يخطر على بال المبتدي يا رضوان، فمروره ببالك دليل على نباهتك، فاحرص على تحصيل المنطق والاهتمام بالعلوم العقليّة. وسيكون لك فيها شأن إن شاء الله تعالى. وقد سرّني سؤالك، وهو من أحسن ما سألني الطلاب.
وقد سألني طالب يدعى رضوان ما يلي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا طالب مبتدئ في المنطق، ولديّ إشكال فيه، وهو أن الموضوع إذا كان معدوما في معدولة المحمول السالبة، فالقضية لن تكون صحيحة. صحيح؟ مثل: "شريك الإله ليس بلاقادر"
وكذلك نقيضتها وهي الموجبة معدولة المحمول ليست صحيحة لأن الموجبة تقتضي وجود الموضوع
ألا يؤدي هذا إلى ارتفاع النقيضين؟
فأجبته:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
قولك: (الموضوع إذا كان معدوماً في معدولة المحمول السالبة، فالقضية لن تكون صحيحة. صحيح؟)
ليس صحيحاً على إطلاقه بل ينظر في خصوص كلّ قضيّة قضيّة إلى ظرف ذلك الموضوع؛ لأن صدق الموجبة يستلزم وجود الموضوع حال ثبوت المحمول له واتحاده معه في ظرف ذلك الموضوع، إن ذهناً فذهناً وإن خارجاً فخارجاً...إلخ. ألا ترى أننا نقول: شريك الباري محال الوجود، فنستحضره في الذهن لنحكم عليه، فليس كلّ موجبة تستدعي وجود الموضوع في الخارج على ما تشير إليه بكلامك.
فإذا قلنا: شريك الباري قادر، فارضين في الذهن شريكاً للباري فيجب أن يكون قادراً، فهنا عندما أخذت القضيّة ذهنيّة كفى فيها وجود موضوعها في الذهن ليحمل عليه القادر. وعلى مثل هذا الفرض قام برهان التمانع.
وأما إذا أخذت القضيّة خارجيّة أو حقيقيّة فلا تصحّ إلاّ إذا كان شريك الباري موجوداً، فلمّا استحال وجوده كان قولنا: شريك الباري قادر قضية كاذبة إذا أخذت خارجيّة أو حقيقيّة.
ومثالك سيدي هو: شريك الإله ليس بلاقادر
وهذه سالبة معدولة المحمول، والسالبة المعدولة أعمّ من الموجبة المحصلة. فتكون موجبتها المحصّلة أخصّ منها.
بيانه: شريك الإله ليس ليس قادراً ...... لأنّ معدولة المحمول أخصّ من البسيطة وثبوت الأخصّ يستلزم ثبوت الأعمّ. فتؤول إلى موجبة محصّلة باعتبار أنّ نفي النفي إثبات، وهي: شريك الإله قادر.
فإذا أخذناها ذهنيّة كما مرّ، كانت صادقة. وأما إذا أخذناها قضيّة حقيقية أو خارجيّة كانت كاذبة.
وباعتبار أنّها صادفة وأنها أخصّ من السالبة المعدولة المحمول، ومن علمنا بأنّ صدق الأخصّ يستلزم صدق الأعمّ، فإذا صدقت: شريك الإله قادر ذهنيّة فقد صدقت شريك الإله ليس بلاقادر ذهنيّة أيضاً. فيكون نقيضاهما كاذبتين، وهو قولنا: (شريك الإله لاقادر) المستلزم لقولنا: (شريك الإله ليس بقادر). وكلّ هذه قضايا ذهنيّة، وكما ترى لم يجتمع النقيضان ولم يرتفعا.
وأمّا إذا أخذت سالبتك معدولة المحمول حقيقية أو خارجيّة فقد كذبت، وهي أعمّ من الموجبة المحصّلة، وكذب الأعم يستلزم كذب الأخصّ، فتكون الموجبة المحصّة كاذبة أيضاً.
يعني إذا أخذت (شريك الإله ليس بلا قادر) (حقيقية أو خارجيّة) فتكون كاذبة
وهي أعمّ من موجبتها المحصّلة (الحقيقية أو الخارجيّة)، أعني (شريك الإله قادر)، وكذب الأعمّ يستلزم كذب الأخصّ، فيكون قولنا: (شريك الإله قادر) كاذبة.
فيكون نقيضاهما صادقين. أما الموجبة المحصلة فنقيضها: (شريك الإله ليس بقادر) وهي صادقة كقضيّة حقيقية أو خارجيّة، بلا إشكال كما هو ظاهر.
فيبقى الإشكال الذي استشكلته أنت في السالبة معدولة المحمول. فإذا أخذ قولنا: (شريك الإله ليس بلاقادر) قضيّة خارجيّة أو حقيقيّة كان نقيضها (شريك الإله لاقادر). وهذه يجب أن تكون صادقة بناء على قاعدة أن النقيضتين لا تكذبان معاً، كما يجب أن تكون كاذبة بناء على أن معدولة المحمول قضيّة موجبة والموجبة تستدعي وجود الموضوع.
فالجواب أنّ الإشكال في فهم الناس لقولهم: الموجبة المحصّلة تقتضي وجود الموضوع.
فالتحقيق تخصيص قولهم: إنّ الموجبة المحصّلة تقتضي وجود الموضوع بما عدا معدولة المحمول.
قال التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون: (واعلم أنّ متأخري المنطقيين اعتبروا قضية معدولة المحمول وحكموا بأنّ موجبتها مساوية للسالبة البسيطة، فكما أنّ السالبة لا تقتضي وجود الموضوع فكذلك الموجبة المعدولة المحمول لا تقتضي وجوده) اهـ
وقال سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد: (إذا أريد بالمحمول نفس مفهوم النقيض فهو موجبة سالبة المحمول مستغنية عن وجود الموضوع لكونها في قوة السالبة، فقولنا: "العنقاء لا أسود" إذا أريد باللاأسود نقيض الأسود أعني رَفْعَه فهي صادقة بمنزلة قولنا ليس العنقاء أسود) اهـ انظره في أحكام السلب والإيجاب من كتاب المقاصد ص63/ج2/ط عالم الكتب بتحقيق عبد الرحمن عميرة. وفي الموضع فوائد جليلة.
وكذا ههنا يا رضوان، فإنّ قولك: (شريك الإله لاقادر) مقصودك به نقيض القادر فهي بمنزلة قولك: شريك الإله ليس بقادر.
فلم يلزم اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما. وهذا سؤال من مطارح الأذكياء يبعد أن يخطر على بال المبتدي يا رضوان، فمروره ببالك دليل على نباهتك، فاحرص على تحصيل المنطق والاهتمام بالعلوم العقليّة. وسيكون لك فيها شأن إن شاء الله تعالى. وقد سرّني سؤالك، وهو من أحسن ما سألني الطلاب.
تعليق