النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: بيع الأوقاف واستبدالها والتعامل مع التالف منها

  1. بيع الأوقاف واستبدالها والتعامل مع التالف منها

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة هذا الدين وجعلنا من عباده المسلمين، والصلاة والسلام على النبي المصطفى أفضل الأنبياء وسيد المرسلين.
    وبعد.
    بيع الوقف أو استبداله
    الوقف من النعم الكبيرة التي حظيت بها الأمة الإسلامية_ وإن كان ليس مقصورًا على المسلمين وحدهم، بل عرفته الأمم الأخرى، وهو في اللغة مصدر وقَفَهُ إذا حبسه وقْفًا، يقال:وقفتُ الدار للمساكين وقفًا، ولا يقال:أوقفتها إلا في لغة تميم، ويطلق عليه أيضًا:الحبس، غير أن التعبير بالوقفِ أقوى في المعنى، وهما في اللغة لفظانِ مترادفانِ، يقال: وَقَفْتُهُ وأَوْقَفْتُهُ،ويقال:حبستُه، والحبس يطلق على ما وُقِفَ، ويطلق على المصدر، وهو الإعطاء وكذلك في العرف الشرعي( ).
    وله تعريفات متقاربة في المذاهب المختلفة، فعند الحنفية هو :حبسُ العينِ على ملكِ الواقفِ، والتصدقُ بالمنفعة. وعند المالكية: إعطاءُ منفعةِ شيءٍ مدة وجوده لازمًا بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرًا. وعند الشافعية:حبسُ مالٍ يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود، وعند الحنابلة تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة ( ).
    وهذا التعريف الأخير هو أقرب التعريفات التي يمكن اختيارها، وهو مأخوذ من حديث ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّبِيَّ فِي صَدَقَتِهِ بِثَمْغٍ( )، فَقَالَ:«احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا»، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ:فَحَبَسَهَا عُمَرُ عَلَى السَّائِلِ، وَالْمَحْرُومِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِي الرِّقَابِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَجَعَلَ قَيِّمَهَا يَأْكُلُ، وَيُؤْكِلُ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ( ) مَالًا"( ).
    هذا ويثار التساؤل : هل الوقف خاص بالأمة الإسلامية، حيث أثر عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله:«لم يحبِس أهلُ الجاهلية فيما علمته دارا ولا أرضا تبررًا بحبسها، وإنما حبسَ أهلُ الإسلام»( ).
    ولكن تبين أنَّ نظام الوقف قد عرف قديمًا لدى الأمم السابقة(الفراعنة والرومان واليونان)،ومعروف الآن في فرنسا وألمانيا وأمريكا)( ).
    وبالتالي فإن عبارة الإمام الشافعي رحمه الله يمكن حملها على أحد أمرين:
    أولا: أن يكون مقصوده بأهل الجاهلية العرب فقط، وليس كل الأمم التي قبل الإسلام.
    والثاني: أن يكون مقصوده الأوقاف أو الأحباس التي على سبيل التبرر والتقرب إلى الله تعالى، وذلك لأنَّ بناء قريش مثلًا للبيت العتيق لم يكن عن قربة وإنما كان عن تفاخر ومباهاة( ).
    ويتعرض الوقف في حالات كثيرة لأمور قد تلجئ القائمين عليه إلى بيعه أو استبداله، وقد تتلف الوقفية أو تضمر أو يتضاءل نفعها، فتحتاج إلى تعامل من نوع جديد يتماشى مع العصر أو يخفظها،
    وهنا يصطدم القائمون على الوقف بإشكالية شرط الواقف، هل نخالفه أو نوافقه، وهل نغير أو نبدل، أو نظل جامدين على حال الوقف القائم؟

    وهذه مسائل يطول شرحها، ولكن أشير إليها باختصار في هذه الصفحات القليلة:
    فأقول وبالله التوفيق:
    أولا: استبدال الأوقاف وبيعها.
    استبدال الوقف فرع عن بيعه، فمن يريد استبدال الوقف، عليه في الغالب أولا أن يبيعه ثم يشتري بدله، والأصل عند الفقهاء هو عدم جواز بيع الوقف إلا للضرورة( )، بل إن الإمام أبا حنيفة يرى كراهة رجوع الواقف في وقفه، حيث لا بد من بقاء الوقف على ما أراد الواقف، فإن وجدت ضرورة للبيع ، فللفقهاء قولان في المسألة، أوردهما بإيجاز.
    القول الأول: أنه لا يجوز بيع الوقف ولا استبداله.
    وهو مذهب مالك فيما إذا كان الوقف مسجدا أو عقارا، وقول عند الشافعية، ورواية عن أحمد، إذا كان الواقف اشترط على نفسه أن لا يُباع الوقف، ونصوص الفقهاء وأدلتهم وافرة في هذا الصدد، لا يتسع المقام لذكرها( ).
    فمن ذلك ما روي عن صالح بن أحمد قال: وسألته عن رجل أوقف ضيعة على أهل بيته هل يجوز له الرجوع فيها بعد سنة أو أقل أو أكثر وهل يبيعها ؟قال: لا يجوز بيع الوقف إذا كان قال في وقفه: لا يباع ولا يورث فليس لأحد أن يرجع( ).
    ومن أشهر أدلتهم في ذلك حديث سيدنا عمر المتقدم في مشروعية الوقف، وأن النبي قال له: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر أنه لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث...... الحديث( ).
    كذلك استدلوا من المعقول بأن بيع الوقف إبطال له، ولا يجوز إبطال الوقف فلم يجُز بيعه ( ).
    القول الثاني: أنه يجوز بيع الوقف واستبداله بغيره.
    وهو قول أبي حنيفة، ومالك إذا كان الوقف منقولا، والأصح عند الشافعية، وأحمد في الرواية الأخرى ( ).
    وقال به أبو يوسف فيما إذا شرط الواقف لنفسه بيع الوقف وصَرْفَ ثمنه إلى ما هو أفضل منه( ).
    واشترط ابن عابدين وغيره من فقهاء الحنفية شروطًا كثيرة ودقيقة لبيع الوقف أو استبداله، وهي شروط تصب في مصلحة الوقف، وتتفق مع الشرع، لا يتسع المقام لسردها هنا، وإنما يرجع إليها في مظانها من كتب الفقه( ).
    والذي تطمئن إليه النفس في المسألة أنه يجوز بيع الوقف واستبداله إذا وجدت ضرورة لذلك؛ لأنَّ الغاية من الوقف هي المنفعة والفائدة التي تعود من الوقف على الجهة الموقوف عليها، ولا بد من المحافظة على هذه الغاية ما أمكن ذلك، وما استبدال وقفٍ بغيره - لا سيما مع مراعاة المماثلة- إلا استمرار لمنفعته، وصرفها في وجه من وجوه الخير على حسب تعيين الواقف، وعلى حسب تقدير المؤسسة المسؤولة عن الأوقاف( ).
    هذا ولا يخفي ما في بيع الأوقاف واستبدالها للضرورة من المصالح الكثيرة المترتبة على ذلك والتي من أبرزها:
    1 – بث الروح في الوقفيات القديمة، وإحيائها لتظل رافدًا نافعًا من روافد الخير، ينعم بها الفقراء وذوي الحاجات.
    2- مواكبة التطورات التي تحدث في المجتمع من حيث طرء منافع جديدة، ومصالح مستحدثة، تتناسب مع الزمان الذي نعيش فيه، وفي ذلك يظهر يسر الشريعة وسهولتها.
    3- أنَّ بيع الأوقاف أو استبدالها إذا كانت على هذا النحو يحفظها ويصونها، ويضمن وصول الثواب لصاحبها بدلا من انقطاعه فيكون في ذلك نفعا دنيويا وأخرويًا.
    هذا وينبغي أن يكون الذي يحكم باستبدال الوقف هو المؤسسة المسؤولة عن الوقف، أو المحكمة الشرعية،أو غيرهما من المؤسسات، وليس الواقف أو ناظر للوقف؛ لأنَّ ذلك قد يؤدي لضياع بعض الأوقاف، أو ذهاب منفعتها، أو التلاعب بها بطريقة غير شرعية( ).
    التعامل مع الأوقاف التالفة والضامرة
    مع مرور الوقت وتعاقب السنوات تتعرض الأوقاف للتلف بشكل أو بآخر، وبعضها يتعرض للهلاك التام، بحيث تصبح خراباً، مما تقتضيه المصلحة الشرعية ومصلحة المستفيدين من الوقف التعامل مع تلك الأوقاف بالصورة الصحيحة التي تضمن إصلاح التلف أو استبداله بشيء نافع...، لأن الواجب المحافظة على صورة الوقف ومعناه، فلما تعذر إبقاء صورته وجبت المحافظة على معناه( ).
    ولهذا نجد كثيرًا من الفقهاء نظروا إلى المنفعة المرجوة من الوقف فقالوا:إن ما حُبس على طلبة العلم بمحل عَيّنَهُ الواقفُ، ثم تعذر الطلبُ في ذلك المحل، فإنه لا يبطل الحبس، وتصرف الغلة على الطلبة بمحل آخر، وما حبس على مدرسة فخربت ولم يُرجَ عودُها صُرف في مثلها حقيقة إن أمكن، فتصرف الغلة لمدرسة أخرى، فإن لم يمكن، صُرِفَ في مثلها نوعا في قربة أخرى، وإن رُجيَ عودُها وقف لها ليصرف في الترميم والإحداث أو غير ذلك مما يتعلق بالإصلاح( )، وهناك نصوص فقهية كثيرة في هذا الشأن لا مجال لذكرها( ).
    ومن حجتهم في ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى سَعْدٍ لما بلغه أن بيت المال بالكوفة قد ثُقِبَ: أنِ انقل المسجدَ الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مُصَلٍّ، وكان هذا بمشهد من الصحابة فكان إجماعا( ).
    وبناء على ما سبق فإن التعامل مع الأوقاف التي تلفت أو ضمرت يكون بأحد الأمور التالية حسب واقع الوقفية:
    أولا:بيع الوقف أو استبداله على نحو ما تقدم ذكره في الفرع السابق.
    ثانيًا: نقلها من مكان إلى آخر إن كان التلف قد حصل بسبب المكان، كما لو تعرضت المنطقة التي فيها الوقف لكارثة طبيعية.
    ثالثا:إصلاح ما يمكن إصلاحه من التلف الواقع في الوقف، كتنكيس الحائط الآيل للسقوط، أو إقامة الجدار المنهدم، سواء وقع الإصلاح من نفس مال الوقف أو استعين على الإصلاح بمال آخر.
    رابعًا: تدعيم الوقف التالف بوقفية جديدة تبث فيه روح المنفعة والعطاء بحيث يستمر الخير ويتواصل.
    ولا شك أن إصلاح التالف من الأوقاف أو استبداله أو إمداده بوقفيات جديدة يعود بفوائد دنيوية وأخروية: فمن الفوائد الدنيوية: استمرار العطاء وتواصله، وعدم حرمان الفقراء ونحوهم من الموقوف عليهم من الخير، والحفاظ في نفس الوقت على كل درهم من مال الوقف، ومن الفوائد الأخروية:استمرار الثواب وتجدده في حق الواقف، بحيث لا تنقطع صدقته أو تبتر.
    تم بحمد الله .
    الحواشي:========================================== ===========
    ( ) تنظر مادة (وقف) في لسان العرب:(9/359)، ومادة(حبس) فيه أيضًا:(6/44) وفي:المصباح المنير:(1/118) شرح حدود ابن عرفة:(ص539).
    ( ) ينظر: حاشية ابن عابدين:(3/357) شرح حدود ابن عرفة:(ص539) نهاية المحتاج:(5/358)، المغني:(8/184).
    ( ) الثَّمْغُ الكَسْر في الرِّطْب خاصّة، والثَّمْغُ خَلْطُ البياضِ بالسواد، وثَمَغَةُ الجبل أَعْلاه، والثمغ هنا اسم مال كان لسيدنا عمر فوقفه بالمدينة.لسان العرب:(8/433).
    ( ) التأثل الاكتساب والاتخاذ والتثمير، يقال: تَأَثَّل مالاً اكتسبه واتخذه وثَمَّره وأَثَّل اللهُ مالَه زكاه وأَثَّل مُلْكَه عَظَّمه. لسان العرب:(11/90).
    ( ) أخرجه أحمد:(2/156)ح(6460)،وابن ماجه:(2/801)ح(2397)، والنسائي في الكبرى:(4/94)ح(6430)، وابن حبان:(11/262)ح(4899)، والدارقطني في سننه:(4/187)ح(11)، وابن خزيمة في صحيحه :(4/119) ح(2486)، وهو صحيح، وله شاهد في صحيح مسلم.
    ( ) الأم:(4/54)، نهاية المحتاج:(5/359).
    ( ) محاضرات في الوقف، للشيخ محمد أبو زهرة (ص7، 8)، أثر الوقف في نشر التعليم والثقافة (ص 282)، د ياسين بن ناصر الخطيب، (بحث مقدم إلى مؤتمر الأوقاف الأول في المملكة العربية السعودية، الذي نظمته جامعة أم القرى بالتعاون مع وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في مكة المكرمة سنة 1422هـ)، المدارس الوقفية في المدينة المنورة:(ص97)، د طارق بن عبد الله عبد القادر حجار، ضمن مؤتمر أوقاف مكة المكرمة.
    ( ) بلغة السالك:(4/9)، وينظر:أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية، محمد عبيد الله الكبيسي(ص21)، أثر الوقف في نشر التعليم والثقافة، للخطيب:(ص280).
    ( ) المغني(5/369).
    ( )حاشية الدسوقي:( 4/91)، المهذب:(1/262)، المجموع:(9/232) مغني المحتاج:(2/392)
    ( ) مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح:(1/260،261).
    ( ) سبق تخريجه.
    ( )كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير:(17/489).
    ( )حاشية ابن عابدين:(4/384، 385)، حاشية الدسوقي:(4/91)، مغني المحتاج:(2/392)، الإنصاف:(7/101)، الفروع:(4/623).
    ( )بدائع الصنائع:(6/220).
    ( ) حاشية ابن عابدين:(4/386)، البحر الرائق، لابن نجيم:(5/240 -241).
    ( ) استبدال الأوقاف وأثره في بقائها واستبدال منافعها، علاء حسين محمد، ضمن مؤتمر الوقف والزكاة والصدقة كآليات لتقوية المجتمع.... ماليزيا(2011م.(ص17).
    ( ) استبدال الأوقاف وأثره في بقائها واستبدال منافعها(ص21)بتصرف.
    ( ) شرح الزركشي:(2/203).
    ( ) حاشية ابن عابدين:(4/360)، الشرح الكبير للدردير:(4/87)، الخرشي على مختصر خليل:(7/91)، درر الحكام:(2/135).
    ( ) تنظر تلك النصوص باستفاضة في: :قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي:(1/242)، 243، حاشية الدسوقي:(4/90، 91)، مغني المحتاج:(2/392)، المغني:(5/370)، الإنصاف:(7/103)، مطالب أولي النهى:(4/3370).
    ( )أخرجه الطبراني في الكبير:(9/192)، وينظر :المغني:(5/369) والتمارين : اسم موضع بالكوفة.
    هذا وبالله التوفيق والسداد
    وكتبه الفقير إلى عفو ربه الفتاح
    محمد بن شافعي مفتاح
    حاصل على الدكتوراه في الفقه من كلية الشريعة والقانون بالقاهرة
    أستاذ الفقه المساعد ورئيس لجنة البحوث والدراسات بكلية الشريعة والقانون – جامعة الإنسانية – ماليزيا.
    Alshafie2000@gmail.com
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد شافعي مفتاح ; 08-09-2013 الساعة 10:44 سبب آخر: نسيان الجواشي

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •