بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين واشهد ان لااله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله اللهم صلي على محمد وال محمد

الفرق بين معنى التفسير ومعنى التاويل

التفسير هو تفتيت الشيء والاجتهاد في معرفة جزئياته المفتتة للوصول الى معرفته

فتفسير القران الكريم هو دراسة جزئيات اياته لمعرفة معانيها للوصول الى معنى الاية .

فيدرس تركيب الجمل فيها وصرفها ونحوها ومعاني مفرداتها واسباب نزولها وفي اي سياق جاءت ومتى نزلت ومقارنتها مع مثيلاتها من الايات والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وما الى ذلك من العلوم للوصول الى معانى الايات .

والتاويل هو الاخذ بالشيء وتتبعه الى مآله اي الى مايؤول اليه وينتهي عنده .

فيفسر مفسر ( الحمد لله رب العالمين ) فيقول الحمد هو ثناء لله عز وجل ورب العالمين اي خالق كل شيء ومدبره .
ويتوسع اخر في التفسير فيقول الحمد هو الثناء على الله عز وجل لانه خالقنا وهو الذي انعم علينا بكل شيء فخلق لنا مافي الارض جميعا وسخر الشمس والقمر وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لنا ولانعامنا وفجر الانهار ويسرد نعم الله على الخلق ليبين ان الله عز وجل هو اهل للثناء .

ويتوسع في تفسير رب العالمين فيقول هو خالق كل شيء ومدبر اموره هو خالق السماء والنجوم والكواكب والشمس والقمر وهو الذي جعل حجم الشمس كذا ومدارها كذا والقمر كذا وكذا وهو الذي خلق الحيوان وجعله كذا وكذا وخلق البحر وجعله كذا وكذا وخلق الشجر وجعله كذا وكذا وخلق الانسان وجعله كذا وكذا فيذكر جملة من خلق الله ليبين ان الله عز وجل هو رب كل هؤلاء وهو مدبر امورها فهو رب العالمين .

ويقول مفسر اخر ( الحمد لله ) جملة اسمية وهي تفيد الثبوت فهي اقوى دلالة من الجملة الفعلية ويذكر دلالاتها اللغوية والنحوية وهكذا في بقية علوم التفسير .

فهذه كلها تفاسير تندرج في درجات التاويل ولكن مهما توسع المفسرون في تفسير القران الكريم لايمكن ان يصلوا الى منتهى علومه ومآلها لدرجة انه لم يبق في القران الكريم من المعاني الا التي يذكرونها . فهذه الدرجة من التاويل لايعلمها الا الله وذلك لانه كلامه سبحانه وتعالى وهو الكتاب الذي لاتنقضي معاني اياته .

{ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } الكهف109

فالتفسير درجة من درجات التاويل التي تؤدي الى مآل معاني القران الكريم ومنتهى علومه . فمنه المختصر ثم الاوسع فالاوسع .

والتأويل هو التوسع والتعمق في التفسير وليس صرف المعنى عن ظاهره كما يقول البعض . وليس هناك معنى ظاهرا ومعنى باطنا كما يقول البعض الاخر وانما هناك تفسيرمختصر او موجز وهناك تفسير واسع وعميق ومفصل وكلها لايصرف المعنى عن ظاهره اما مايصرف المعنى عن ظاهره فهو ليس بتاويل وانما تزييل .

وقد اول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاية الكريمة والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما ورفع عقوبة قطع اليد وذلك في سنة القحط التي اصابت المسلمين في عهده فكيف كان هذا ؟
لمعرفة هذا يجب اولا ان نعرف ماهي السرقة فالسرقة هي اخذ مال الغير بلا مقابل ومافعله اصحاب الاموال في عام الرمادة هو استغلال جهود العمال الذين يعملون عندهم وعدم اعطائهم مايكفيهم من اجورهم التي يستحقونها وبهذا اصبح اصحاب الاموال هم المعتدين على مال العمال الذي هو ثمرة جهودهم فعندما ياخذ العامل بقية استحقاقه من صاحب المال ولو من وراءه يكون قد اخذ حقا له وليس لصاحب المال فحكم العامل ليس سارقا ولهذا رفع عمر بن الخطاب رضي الله عنه العقوبة عنهم وامر اصحاب الاموال ان يعطوا عمالهم مايكفيهم من الاجر . فلم يصرف معنى الاية الكريمة عن ظاهرها ولكن فقه المراد منها وهو حرمة حق الغير وعقوبة الاعتداء عليه .

اما حكم العامل باخذ المال بهذه الطريقة فله باب اخر غير باب السرقة .

ويقول الله عز وجل

{ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ } آل عمران7

لم اجد في كلام عربي معنى للواو ابلغ من معنى الواو التي وردت في هذه الاية الكريمة ( والراسخون ) فهي عاطفة واستئنافية في نفس الوقت ليكون المعنى انه لايعلم تاويله الى المنتهى الا الله ... بدليل الجملة الاستئنافية اذ ان الراسخين في العلم ليسوا كالذين في قلوبهم زيغ فعندما يقصر عقلهم عن فهم كل ماتشابه منه يقولون امنا به كل من عند ربنا ويتبعون المحكم . والراسخون في العلم ما يقولون هذا الا بعد ان علموا قدرا كبيرا من تاويله . بدليل العطف على لفظ الجلالة . وذلك بانهم اعادوا ماتشابه منه الى المحكم ودرسوه فعلموا قدرا كبيرا منه ولهذا يقولون امنا به كل من عند ربنا . فالراسخون في العلم عندما يتعلق الامربالاتباع فانهم لايتبعون المتشابه وانما يتبعون المحكم وعندما يتعلق الامربالعلم فانهم لا يدعون المتشابه بلا دراسة ولاعلم وانما يعيدون المتشابه الى المحكم ويدرسونه فيعلمون قدرا كبيرا منه . وبهذا يكون عندهم مقام ماعلموا من المتشابه مقام المحكم فيتبعونه وبهذا يكون اتباعهم للمتشابه ليس كاتباع الذين في قلوبهم زيغ .

والحمد لله رب العالمين