سادتي الأعزّاء ،
ما دمنا جميعاً معترفين بأنّهُ ليس لغير الحافِظ أن يتكلّم في تصحيح الروايات و تضعيفها ، فلا يجوز لأحدٍ مِنّا أَنْ يهجُم على الكلام في ذلك فضلاً عن التكذيب و الحكم بالوضع ، إلاّ ناقلاً عن أهل الشأن بطريقة سليمة و من مصدر معتبَر وَ معتمد ...
وَ أرى أنَّ مراجعة كتاب " الرياض النضِرة في مناقِب العشرة المبشّـرة " رضي اللهُ عنهم ، قد تُفيدُ الباحِثَ في هذا الباب و تزيدُهُ بصيرةً إِنْ شـاء الله تعالى . ( أعني فيما يتعلّق بالكلام على بعض روايات الفضائل و الخصائص التي تعلّقَ بِها الروافِض لتأييد مُدّعاهُم في غُلُوّهم الباطل } ، و خاصّةً حديث :" ... و هو ولِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بعدِي" . رضي اللهُ عنه .
وَ لا شكّ عند المحقّقين أنَّ كلام ابن تيميّة الحفيد في تضعيف بعض الروايات التي وردت في فضل أمير المؤمنين في المشارق و المغارِب سيّدنا و مولانا المرتضى أبي الحسنَين عليّ بن أبي طالِب رضي اللهُ تعالى عنهُ ، لمْ يَكُن كُلُّهُ جارِياً على القواعِد الصحيحة لدى أئمّة الشأن ، بل لَمْ يخْلُ تصَرُّفُهُ في ذلك مِنْ تَهَوُّرٍ بلْ شـطَط كبير خرج فيه عن جادّةِ الصواب ، وَ عَنْ أصولٍ لا تخفى على صغار الطُلاّب ...
و من المفيد أنْ نتذَكَّر دائماً ، إِنْ شـاء الله ، أنَّ الردّ على مبتَدِعٍ ، رافِضِيٍّ أو غيرِهِ ، إذا احتَجَّ لِبِدعَتِهِ بِتحريفِ معنى روايةٍ صحيحةٍ أو ضعيفةٍ (لا تناقضُ أصلاً) أو بِتأويلٍ غير مستقيم ، لا يكونُ بِرَدّ تلك الرواية أو تكذيبها أو إِطلاق الحكم بوضعِها ، من أجلِ إسـاءة فهْمِها و تأويلها مِنْ قِبَلِ ذاك المبتدِع ، بل بِتفسيرها على وجهِ صحيح لا يتنافى مع الأصول المستقِرّة ، و هذا ما فعلَهُ الحافِظ مُحِبُّ الدين الطبرِيّ شيخ الحديث في الحرَم المُقَدَّس في زمانِهِ رحمه الله تعالى ، في كِتابِهِ النفيس :" الرياض النضِرة " ...
ثُمَّ هناك طرقٌ في التصرّف مع اختلاف الروايات ، قبل رَدّ شيْءٍ منها ، إِمّا الجمع بينها بطريق سليم ما أمكَن ( وَ هذا هو المُقَدَّم) ، وَ إمّا ترجيح الأقوى إِنْ تعذَّر الجمع أو حمل ما جاء بسند ضعيف على ما لا يتنافى مع ما في الصحيح أو معنىً مشهور مُسَـلَّم ... إِلاّ أنْ يتعيَّنَ الرَدّ ، (وَ غير ذلك ، مُفصَّل في شروح كتب المُصطلح ...) .
أمّا الهجوم على الحكم بالوضع من غير بيّنة و لا حُجّةٍ موافِقة لأصول علم الحديث ، بلْ بِمُجَرَّد الهوى فخطَرٌ عظيم بل مِنْ مواطِنِ المَهالِك و معاطِنِ العَطب ... ، و هذا ما ظَهر من تصرُّف ابن تيمِيّة في رَدِّهِ على الحِلّيّ في كثير من المواطِن كما أشار إلى ذلك مولانا الحافِظ ابن حجر العسقلانِيّ رحمه الله تعالى و غيرُهُ من السادة العلماء أيضاً ، رحمهم الله و شكر سعيَهُم .
كما أرجو أنْ نتذكَّرَ تحذير الإمام الشافعِيّ رضي اللهُ عنهُ و مِنْ قبْلِهِ شَيخه الإمام مالِك و غيرهم مِن سادتِنا السَـلَف الصالِح رضي اللهُ عنهم أنَّ المِراءَ في العِلْم يُقَسِّـي القَلْب وَ كذلك ما اشتهر عن سيّدنا عبد الله بن مسـعُود رضي اللهُ عنهُ :" نُهِينا عن التَكَلُّف " و لا شَـكَّ أَنَّ مِثل هذا لهُ حُكْمُ المرفوع ...
نسألُ الله العفو و العافِية وَ حُسنَ الختام ...