بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد بدأت بعون الله تعالى قبل أيام بإعادة تدريس كتاب متن أبي شجاع، و كان أن مررنا على ترجمته فتنبهت إلى أنه قد مضى على ولادته ألف عام..
و إحياء لذكر هذا العالم الجليل الذي صحبت كتابه مدة من الزمان، أحببت أن أشارككم ذكراه بنقل جزء من مقدمة شرحي على المتن، عددت فيها المسائل التي وقعت في المتن على غير المعتمد، وهاهي أنقلها لكم، راجية أن يكون فيها النفع:
الإمام ابو شجاع ومكانة متنه بين المتون
هو: الإمام أحمد بن الحسن بن أحمد الأصبهاني القاضي أبو شجاع.
ولد سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.
و ليس هو من الأئمة المشهورين، فلم يعرف عن حياته الكثير، إلا أن كتابه نال شهرة بين الناس في الماضي و الحاضر، واعتُمد في سُلَّم تدريس الفقه الشافعي، فغالبا ما يبدأ به الطالب، ثم يترقى منه لغيره من الكتب.
وفي هذا علامة على إخلاص صاحبه، وصدقه، إذ أن كثيرا من الكتب قد ألفت قبله وبعده، من أئمة أَذيَع منه صيتا، إلا أنها لم تنل ما ناله بين الناس.
وبما أن الإمام أبا شجاع متقدم على الإمام النووي، و لم يكن المذهب قد استقر في زمانه، فقد وقع في متنه ذكر لبعض المسائل على غير المعتمد؛ وهي قليلة سيأتي ذكرها في مواضعها من الكتاب، وما هو المعتمد فيها، إلا أنني لما رأيت كثيرا من المدرسين للكتاب يمرون عليها دون الإشارة إليها، وذكر سبب وقوعها في المتن، رأيت أن أذكرها هنا مجموعة؛ لألفت النظر إليها، ثم تأتي متفرقة في أماكنها خلال الشرح.
وعندما أشير في الشرح إلى أن قول الإمام أبي شجاع هو معتمد الإمام الرافعي، أو نحو ذلك، فلا أعني بهذا أن الإمام أبا شجاع تبِع الإمام الرافعي؛ لأنه متقدم عليه كما ذكرنا، وإنما المراد التنبيه إلى أن المسألة فيها خلاف بين الشيخين، وأن ترجيح الإمام الرافعي موافق لما ذكره الإمام أبو شجاع.
المسائل غير المعتمدة في متن أبي شجاع
في كتاب الطهارة:
1. في فرائض الغسل وسننه، قال الإمام أبو شجاع رحمه الله: (وفرائض الغسل ثلاثة أشياء: النية، وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه).
فيظهر من كلام الإمام أبي شجاع رحمه الله أنه يعد إزالة النجاسة في الغسل ركنا من أركانه، وهذا يعني أنه لا يكفي أن يغسل الإنسان غسة واحدة يرفع فيها الحدث ويزيل النجس، بل لا بد من تقديم إزالة النجس على رفع الحدث.
والمعتمد أنه يكفي لهما غسلة واحدة ما لم تكن النجاسة كثيرة ويتغير الماء بها، فيحكم على المكان بالنجاسة، وبقاء الحدث، فإن غسل غسلة أخرى وطهرت بها النجاسة ارتفع بها الحدث.
وقول الإمام أبي شجاع بوجوب غسل النجاسة أولا، هو ما رجحه الإمام الرافعي، إلا أن الإمام الرافعي عد غسل النجاسة قبل الغسل شرطا، وظاهر كلام الإمام أبي شجاع أنها ركن، والله أعلم.
2. في الأغسال المسنونة، قال المصنف رحمه الله في آخر عده للأغسال المسنونة: (وللمبيت بمزدلفة، ولرمي الجمار الثلاث، وللطواف) فأما قوله للمبيت بمزدلفة، فالصحيح أن الغسل مندوب بها للوقوف بالمشعر الحرام غداة يوم النحر، وليس للمبيت بها؛ لقرب زمنه من غسل الوقوف بعرفة.
وأما قوله (للطواف) فهذا على المذهب القديم للإمام الشافعي، ولم يعُده بالجديد.
في كتاب الصلاة:
3. قال في مواقيت الصلاة: (والمغرب ووقتها واحد، وهو غروب الشمس، وبمقدار ما يؤذن، ويتوضا، ويستر العورة، ويصلي خمس ركعات) هذه المسألة اختلف فيها قول الإمام الشافعي رحمه الله بين المذهب القديم والجديد، فما ذكره المصنف رحمه الله هو المذهب الجديد.
وأما المذهب القديم، فيمتد وقت المغرب إلى غياب الشفق الأحمر، وهو الذي رجحه الأكثرون، قال في الروضة بعد نقله للقولين: (قلت الأحاديث الصحيحة مصرحة بما قاله في القديم وتأويل بعضها متعذر، فهو الصواب، وممن اختاره من أصحابنا: ابن خزيمة، والخطابي، والبيهقي، والغزالي في ((الإحياء))، والبغوي في ((التهذيب)) وغيرهم والله أعلم.) اهـ فتكون هذه المسألة من المسائل التي يفتى بها على المذهب القديم، والله أعلم.
4. قال في أركان الصلاة وسننها عند عده للأركان: (ونية الخروج من الصلاة) فعد نية الخروج من الصلاة من أركانها، وهذا وجه ضعيف، والأصح أنها غير واجبة، بل مستحبة، والله أعلم.
5. قال في صلاة الجماعة: (وصلاة الجماعة سنة مؤكدة) وهذه المسألة فيها ثلاثة أوجه: فرض كفاية، وهو الأصح المعتمد الذي رجحه الإمام النووي، وسنة مؤكدة، وهو ما رجحه الإمام الرافعي، و فرض عين وهو أضعف الوجوه.
6. قال في صلاة الكسوف والخسوف: (وركوعان يطيل التسبيح فيهما دون السجود) وهذه المسألة مما اختلف فيها الترجيح بين الرافعي والنووي، فرجح الرافعي عدم ندب إطالة السجود، ورجح النووي ندبه، واستدل على ذلك بنص للإمام الشافعي، و أطال الاستدلال على هذا القول في ((المجموع)).
كتاب الزكاة:
7. قال في زكاة الخلطة عند ذكره لشروط تزكية الخليطين زكاة الواحد: (والحالب واحد) وهذه المسألة فيها وجهان، الأصح منهما أنه لا يشترط أن يكون الحالب واحدا، والله أعلم.
كتاب الصيام:
8. قال فيمن مات وعليه صوم: (ومن مات وعليه صيام من رمضان، أطعم عنه لكل يوم مد) وهذا الذي قاله هو مذهب الإمام الشافعي الجديد، وأما مذهبه القديم، فيجوز للولي أن يصوم عنه ويجزئه ذلك، ويجوز أن يطعم عنه، ولم يرجح الإمام الرافعي واحدا منهما، ورجح الإمام النووي القول القديم، واستدل عليه، وهو المعتمد المفتى به، فتكون هذه المسألة من المسائل التي يفتى بها على القديم.
كتاب الحج:
9. قال عند عده لأركان الحج: (وأركان الحج أربعة: الإحرام مع النية، والوقوف بعرفة، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة) ولم يعد منها إزالة الشعر بالحلق أو التقصير، بل عدها من الواجبات، وهو قول ضعيف، والمشهور أنه ركن.
10. لم يعد المبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى من الواجبات، بل عدها من السنن، وهذا ظاهر ترجيح الإمام الرافعي، لكن المعتمد ما رجحه الإمام النووي من أنهما واجبان، وينبني عليه الخلاف بوجوب الدم بتركهما، والله أعلم.
11. عد طواف الوداع من السنن، والأظهر أنه واجب لكل من أراد الخروج من مكة، سواء الحاج والمعتمر، ويجب بتركه دم، والله أعلم.
كتاب البيع وغيرها من المعاملات:
12. قال في فصل الشركة: (وللشركة خمسة شرائط: أن يكون على ناض من الدراهم والدنانير) المراد بالناض المال المضروب من دراهم ودنانير ونحوهما، والقول بأنها لا تصح الشركة إلا به قول ضعيف، والمعتمد أنها تصح بكل مثلي، والله أعلم.
13. قال في فصل الوكالة: (ولا يقر على موكله إلا بإذنه) فكلامه يد على صحة النيابة بالإقرار، وهذا وجه ضعيف في المذهب، والمعتمد أن التوكيل بالإقرار لا يصح، والله أعلم.
14. قال في فصل العارية: (وكل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، جازت إعارته، إذا كانت منافعه آثارا) فقد اختلف في منافع العين المعارة هل ينبغي أن تكون آثارا، أم يجوز أن تكون أعيانا، كأن يعيره الشاة ويبيحه درها، أو يعيره شجرة ويبيحه ثمرها، فينتفع المستعير بعين، وليس بأثر، والمعتمد أنه يجوز أن تكون المنفعة عينا، كما يجوز أن تكون أثرا.
15. قال في فصل الوقف: (أن يكون على أصل موجود، وفرع لا ينقطع) فقوله: "فرع لا ينقطع" كأن يقول: وقفت على زيد ثم أبنائه من بعده، فهذا الفرع ربما ينقطع، وللإمام الشافعي بصحة الوقف حينئذ قولان، اختار المصنف القول بعدم الصحة، والأظهر الصحة، والله أعلم.
كتاب النكاح:
16. قال عند كلامه على أقسام النظر: (نظره إلى زوجته، أو أمته، فيجوز أن ينظر إلى ما عدا الفرج منهما) النظر إلى فرج الزوجة فيه وجهان، أصحهما: الجواز مع الكراهة، والثاني: الحرمة، وهو ظاهر كلام المصنف، والله أعلم.
17. قال في فصل القسم والنشوز: (وإذا خاف نشوز المرأة، وعظها، فإن أبت إلا النشوز، هجرها، فإن أقامت عليه، هجرها، وضربها) ظاهر كلام المصنف أنه لا يجوز للرجل ضرب المرأة بعد تحقق نشوزها إلا إن تكرر منها، وهذا القول هو ما اختاره الإمام الرافعي، والقول الآخر أنه يجوز الضرب بشروطه عند تحقق النشوز وإن لم يتكرر، وهو الأظهر الذي اختاره الإمام النووي، والله أعلم.
كتاب الحدود:
18. قال في الكلام على حد الزنا: (وحكم اللواط، وإتيان البهائم، كحكم الزنا) هناك أقوال فيما يجب بإتيان البهائم أقوال: منها أنه يجب به ما يجب بالزنا، وهو ما اختاره المصنف، والأظهر أنه يجب فيه التعزير فقط.
19. قال في فصل الردة: (ومن ارتد عن الإسلام استتيب ثلاثا) في مدة استتابة المرتد قولان، اختار المصنف أنها ثلاثة أيام، والأظهر أنها على الفور، والله أعلم.
كتاب الأقضية والشهادات:
20. قال عند ذكره لشروط القاضي: ( وأن يكون كاتبا) ففي اشتراط كون القاضي كاتبا وجهان، الأصح منهما عند الرافعي والنووي عدم اشتراطه، لكن اختار بعض المتأخرين اشتراطه في غير الزمان الأول، والله أعلم.
فهذه هي المسائل التي اعتمد فيها المصنف رحمه الله خلاف المعتمد في المذهب، والله أعلم.
تعليق