صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 19

الموضوع: نظرات في كتاب (نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية) تأليف د. طه ج العلواني

  1. #1

    نظرات في كتاب (نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية) تأليف د. طه ج العلواني

    بسم الله الرحمن الرحيم
    نظرات في
    كتاب
    نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية
    د. منى أبو الفضل د. طه جابر العلواني

    اطلعت على هذا الكتاب، وقرأت بصورة خاصة ما يتعلق منه بعلم أصول الفقه، وهو القسم الذي كتبه د. طه جابر العلواني، وقرأته، ورأيت فيه بعض الآراء، والادعاءات التي أورثت في قلبي استغرابا وتعجبا من جرأة الكاتب، مع أني لم أرَ فيما كتبه من الأدلة ما يسوِّغ له عظيم تلك الدعاوى الهائلة.
    ويبدو أن الكاتب معجب جدا بما يقول ويقرر، إلى درجة أنه لم ينتظر القراء ليحكموا عليه، فقدم إليهم حكمه هو، مقررا ذلك، كما لو كان مخبرا بأمر ثابت في الواقع، لا يشك في ثبوته شاكٌّ! ولم يسق كلامه على سبيل الرجاء والأمل!! فقال في ص250:"إن هذا الكتاب قد نجح بفضل الله تعالى أن يقدم دليلا هادياً للباحثين في مختلف فروع المعرفة لكيفية تدبر القرآن المجيد، وطرق التدبر والتفكر فيه، ووسائل تثويره للاقتراب من مكنوناته، وهو قد أفلح في إشعار سائر أصحاب التخصصات بأن التدبر في القرآن المجيد والتفكر والتذكر والتعقل في آياته يمكن أن يعطي لتلك المعارف والتخصصات امتدادات لا حدود لها. والكتاب قد استوعب وتجاوز سائر المحاولات السابقة فيما عرف بتكشيف آيات القرآن، أو التفسير الموضوعي له أو ما إلى ذلك ليقدم القرآن المجيد مصدرا منشئا ومهيمنا على كل ما عداه، وكل ما يلزم الباحثين الآن تحويل هذا الدليل إلى خبرة وممارسة لهم ليعيدوا إلى معارفهم الاستقامة والفاعلية، ويربطوا بينها وبين القيم القرآنية العليا الحاكمة".انتهى.
    إذن ها نحن نراه يعلن أن مسألة المنهجية التي تبحث عنها الأمة الإسلامية للوصول إلى نهضتها في العالم المعاصر، قد انتهت وتمَّ إنجازها على يديه هو و أ.د. منى أبو الفضل، التي يسميها "فيلسوفة" وبالغ في تعظيم ما قامت به، ويرفعها إلى أقصى المراتب أيضا، وقد تكون هي في نفس الأمر كذلك فعلا، أو أعلى، ولكني لم أرَ فيما قرأته من بحثها هذه المكانة، بارك الله فيها وفي عملها. وهو لشدة وثوقه واطمئنانه إلى ما أتى به، لا يدعو الباحثين في إعادة مراجعة ما كتبه، لعله نسي أمراً، أو ضل عن شيء أو في شيء، أو لعله نسي أو غفل! بل إنه يجزم بأن ما كتبه من فضل الله تعالى، وهذا يعني أن ما كان من فضل الله تعالى وتوفيقه يجب بالضرورة أن يكون صحيحا، وصوابا، وذلك الأمر يمنع إعادة النظر فيه ومحاكمته.
    وهذه دعاوى لا أعتقد أن أصحاب العلم والتحقيق والتدبر القرآني سيوافقونه عليها، بدون مراجعة كان الأولى بل الواجب عليه هو أن يطلبها طلبا من الناس، لا أن يزعم أن ما يقدمه لهم تامٌّ، وأنه تجاوز كل ما يمكن أن يقدم، واشتمل على محاسن ما قُدِّم ممن سبقوه! ولم يبقَ للناس والباحثين إلا أن يجعلوه لهم منهجا معتمدا، فيستثمروه لينظروا في نتائجه التي هي بالضرورة في نظره ستكون لها هذه المنزلة الهائلة من التوقير والصواب والإجلال أيضا، فما بني على هكذا منهج عال مرتفع ينبغي أن يكون مثله.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    أولا: الفقه والفقهنة ترسخ فُرقة الأمة
    يعتقد العلواني أن عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس حاول في مشروعه جمع المرويات عن العهد النبوي وجعلها في دواوين أن تكون فقها بديلا عن فقه الأرأتيين ومن إليهم، ليكون ذلك طريقة لجمع الأمة، ومحاولة منه "للهيمنة على ظاهرة الفقه والفقهنة والاختلاف فيه" ولتتكون هذه المرويات "فقها بديلاً عن فقه الأرأتيين ومن إليهم، ويكون فقها متضمنا معنى الإلزام لاحتواء كلمة الأمة، وتجفيف منابعه، ورد الناس إلى الأمر الأول باجتماع الكلمة على القرآن ومنهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تأويله وتطبيقه وتحويله إلى واقع وثقافة تقوم عليها حضارة الأمة القطب......وبدلا من أن تكون المرويات مصدرا لمنهج التأويل القرآني وبيان كيفية تفعيل آياته في الواقع وفي ظل واقع متغير لإحداث الوثبة الحضارية وإيقاف عمليات تشظي الفقه والفقهنة وتفرق وتشظي الأمة بمقتضاها تحولت المرويات إلى مصدر ثانٍ للتشريع موازٍ للقرآن المجيد، بل ناسخ له ومخصص ومقيد، ومقدَّم عليه أحيانا".
    إذا أردنا تحليل ما يقرره د. العلواني سنجد المعاني التالية في هذه المقتطفات:
    أولاً: الفقه المعتمد على الرأي، سبب في تفريق الأمة.
    ثانياً: المرويات عن النبي عليه الصلاة والسلام، أي الأحاديث النبوية، لا تصلح لتكون مثبتة للأحكام الشرعية، ولا تصلح أدلة على الأحكام الشرعية، بل غاية ما تصلح له أن تكون منهجا عمليا يرينا كيف نفعل آيات القرآن في الواقع. فالمنشئ للأحكام هو فقط القرآن، أما السنة، فإنه لا يصح أن نأخذ منها حكما على سبيل الاستقلال أبداً!
    ثالثا: جعل السنة مصدرا للأحكام الإسلامية الشرعية، أمر خاطئ، فالسنة ليست مصدرا للتشريع أبداً، ولا يصح جعلها بإزاء القرآن! فضلا عن أن تكون مخصصة له أو ناسخة لبعض أحكامه.
    وإذا كان العلواني ينهى عن الفقه المبني على الاجتهاد والرأي بأساليب الاجتهاد المعتبرة، فلا بد أنه ينهى أيضا عن كثيرمن القواعد الأصولية المعتمدة لدى هؤلاء الفقهاء، لأن فقههم ناشئ عنها، ومعتمد عليها، ولا معنى لنفي الفقه وإبقاء قواعده التي تبنيه، إذن لا بدَّ أن تكون عنده طريقة أصولية جديدة مقترحة! وهو كذلك كما سنرى بعض معالمها فيما سيأتي من تعليقات على مواضع من الكتاب. ولكن لنا أن نتوقع من الآن أنه يخالف كثيرا من أصول الفقه المعتمدة لدى فقهاء الأمة خلال القرون الماضية،ولنا أن نتوقع أن تكون قواعده الأصولية المقترح الجديدة التي تتوقف عليها نهضة الأمة بسيطة معدودة واضحة لكل إنسان بحيث يكون في مقدور أكثر الخلق الاجتهاد والوصول إلى استنباط الأحكام الشرعية، فهو كما يبدو كاره للتعقيد وللتعمق في البحث والتدقيق في العلوم، خصوصا العلوم الدينية!!
    ولن نسترسل في توقعاتنا عن الصورة التي يرتئيها عن الفقه وأصوله، فسوف ننقل قريبا ما يفي بمقصوده وما يدل على ما نتوقعه الآن من كلامه.
    ولكن لنا أن نعيد التساؤل هنا: هل يتوقع الدكتور العلواني أنه عندما يقول للمسلمين لا تعتمدوا السنة إلا على سبيل المنهج والتجربة العملية التي قام بها نبينا محمد عليه السلام، وهي مقدمة لكم لكي تقوموا بتجربتك العملية الجديدة الموافقة للزمان والعصر الذي نعيش فيه، حتى وإن استلزم ذلك إبطال كثير من الأحكام التي جاء بها محمد عليه السلام! هل يتوقع عندما يلقي بهذه القنبلة من العيار الثقيل على الأمة الإسلامية أن تتلقاها بحمد وحبور وشكر، أم إن العاقل لا بد أن يتوقع من الناس المخالفة الواسعة لمقترحاته الغريبة المبتكرة! من الواضح أن مثل هذه المقترحات لا بد أن يتوقع القائل بها أن تواجه بالمعاندة والمعارضة اللائقة بها، وإذا كان الأمر كذلك فلم وجدناه في آخر الكتاب يعلن عن مشروعه وكأنه أمر مسلم أو سيكون مسلما من أكثر الناس، أو على الأقل من المتعلمين والمثقفين؟ والمتخصصين في هذه العلوم !
    لا شك أن العاقل يوجب على نفسه التوقف قليلا عند هذه الملاحظة، إذ القول بأنه في غمرة انفعاله وحماسه لما ظهر له غاب عنه ما تشير إليه مع وضوحه، فما الذي يؤمننا أنه كان غافلا غفلة واسعة أيضا في أثناء بحثه ونتائجه التي يواجهنا بها! ولكنا عادة لا نميل إلى افتراض الغفلة على الباحثين وذوي المشاريع الجادة في نظرهم، والعلواني منهم بلا ريب، ولذلك فإننا حرصا على مكانتهم التي يرونها لأنفسهم لا بد أن نميل في التعليل والتحليل لأمور أخرى لائقة بهذه الملاحظات الخطيرة!
    ويزداد استغرابنا عندما نلاحظ وجوه التشابه العظيمة بين ما يقدمه العلواني هنا وبين ما يقدمه كثير من العلمانيين من البحوث القادحة في السنة، وفي مكانة السنة، ومسألة تاريخية النصوص الشرعية، فنحن نراه قد اقتصر على القول بنوع من تاريخية نصوص السنة، وترك نصوص الكتاب المجيد –حتى الآن- مطلقةً، فقد وافقهم في نصف مشروعهم الذي يدعون إليه إذن! وهذا وجه آخر من الوجوه التي تستدعي انبعاث الاستغراب السابق من توقعاته المطمئنة المستبشرة بأن الباحثين سيتلقفون نتائج عمله ويتهافتون على تنفيذ ما اقترحه عليهم ليروا نتائج تفضي إلى نهضة الأمة والوثبة الحضارية المزعومة !
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3
    ثانيا: دعاوى هائلة وتناقض غريب
    ادعى د. العلواني في أثناء تصريحه السابق وجود قواعد غريبة عن الإسلام لا يعرف من أين جاءت، فقال في ص135 إن عملية جعل السنة مصدرا من مصادر التشريع :"كل ذلك حدث تحت ضغط مجموعة من الفرضيات الخاطئة، التي لا يعرف لها تاريخ ميلاد، ولا نسب شرعي مثل [النصوص متناهية والوقائع غير متناهية] و [القرآن حمّال أوجه]، والقرآن في حاجة إلى البيان والتفسير، ففيه المجمل الذي يتوقف على البيان، والمطلق الذي يحتاج ما يقيده، والعام الذي يتوقف على ما يخصصه ويبينه".
    واعاد تكرار القول بأن تناهي النصوص وعدم تناهي الواقعات قاعدة مبنية على الوهم فقال في ص157 على لسان المخلفين لمنهجية القرآن وأحكامه التي يريد المؤلف أن يعيد الخلق إليها: "فقد بنينا شيئا سميناه دليل الإجماع، لأن نصوصك –بحسب أوهامنا وظنوننا- متناهية، ووقائع حياتنا لا متناهية!! فنصوصك غير متناهية كافية( ) للحكم على كل وقائع حياتنا".
    وذكر ذلك ايضا عند الكلام على موقفه من القياس الأصولي، فقال في ص159على لسان القرآن مخاطبا الأصوليين وعلماء الأمة القائلين بالقياس: "ولم هذا؟ هل رأيتم بي قصوراً عن تلبية أية حاجة من حاجاتكم التشريعية؟ فنقول: نعم رأينا فيك قصوراً، فيقول وما هو؟ فنقول: إنا ظننا أن نصوصك متناهية ووقائع الأحكام غير متناهية...الخ". فهو يتهم الأصوليين هنا أنهم يعتقدون وجود القصور في آيات القرآن، ولذلك اخترعوا وسائل استدلال أخرى غريبة عن القرآن!
    إذن هو يصرُّ على وجود خلل عظيم في التصورات الأساسية التي تحكم بناء علم الأصول، ولذلك ينادي بإعادة مراجعته في كثير من مسائله وبحوثه القديمة التي تقف عائقا أمام نهضة المسلمين في هذا العصر.
    ومن جملة القواعد التي يعارضها الدكتور المنتشر الصيت أن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، فهو يقول إن هذه قاعدة غريبة عن الإسلام، لا يعرف من أين أتت، ولا يعرف مصدرها، وينكر بحسب ظاهر كلامه وجود مطلق في القرآن يحتاج إلى تقييد، ووجود عام يخصَّصُ...الخ ما قال!
    ومعنى كلامه أن كل ما نريده من أحكام سنجده في القرآن خصوصا، لا في السنة، لأن السنة ليس من شأنها التشريع من الأصل عنده، وهذا معناه أنه لا يصح لأحد أن يقول إن بعض النوازل أو الحوادث لا يوجد لها حكم في القرآن الكريم.
    ولا نريد الآن أن نثبت له صحة هذه القواعد، وبطلان مقالته بل تهافتها؛ فقد تكفل بذلك علم الأصول نفسه الذي يقف العلواني معارضا له، ومنكرا لكثير من فائدته، ولكنا نريد نقل كلمة أخرى للعلواني نفسه في كتابه هذا، فقد قال في ص182: "وأما الاجتهاد منه عليه الصلاة والسلام، فهو سنة سنَّها ليبين لمن بعدهم مشروعية الاجتهاد، وأن عليهم وعلى من بعدهم من المسلمين أن يفزعوا إليه عندما لا يجدون في الكتاب الكريم أو تأويلاته وتفعيلاته النبوية دليلا على الحكم" وهذا قول غريب عجيب، يصدر من الدكتور المنادي بتجديد علم الأصول ويقدم لنا كتابه هذا منهجا بديلا مرشدا للمسلمين جميعا، فهو يصرح هنا أن بعض الحوادث قد لا نجد لها حكما في القرآن الكريم، ولا في تأويلات القرآن الكريم، فضلا عن تفعيلات القرآن النبوية!! يا سلام! إذن يوجد بعض الحوادث التي لا نجد لها حكما في هذه المصادر! فكيف كنت تقول من قبل أيها الدكتور اللبيب المجتهد أن قاعدة النصوص متناهية والحوادث غير متناهية لا يعرف من الفرضيات الخاطئة، والتي لا يعرف زمان نشوئها! يعني يجب أن ترمى في الصحراء، وتنثر في الهواء كالهباء الذي لا قيمة له! فما بالك الآن تقول إنه من الصحيح أن لا يوجد حكم قرآني لبعض الحوادث والنوازل لا تأويلا ولا نصا، فيجب على المسلمين أن يفزعوا إلى الاجتهاد إذن! وما الفائدة الأعظم للاجتهاد إلا استنباط حكم شرعي غير منصوص عليه، إذن أنت تتناقض فتثبت ما فررت عنه من قبل!
    يبدو أيها الدكتور الفاضل أن كتابك لا يصلح بعدُ لأن يكون مرجعا تاما كاملا للأمة ، ولا يصلح أيضا ليكون نبراسا لها في نهضتها، لما فيه من تناقض واضح في هذه المسألة وتهافت وسخافة في التقرير والتبيين في مسائل أخرى كما سنرى.
    ونرى الدكتور يتبجح مدعيا أنه هو الذي يقرر الطريقة القرآنية للنظر في علم الأصول بل في العلوم الإسلامية عامة، وينعى على عامة الفقهاء تركهم للمنهج الصحيح، وينادي في الصفحة نفسها ص135 بضرورة "مراجعات جادة لكثير من قضايا هذا العلم تسمح بإعادته قرآنياً، ورده إلى الأمر الأول إن شاء الله تعالى"، ويقول في آخر اصفحة: "لعل ذلك يشجع لباحثين الجادين على اقتحام عقبات لمراجعات لسائر بحوثه وقواعده وجزئياته" !! والحقيقة أننا قد مللنا من الدعاوى الهائلة التي ينادي بها كثير من المعاصرين لاذين انتشر صيتهم في العالم، لا ندري كيف؟ ولمه! ولكنا فوجئنا بهم يتصدرون مقامات التجديد، وهم على هذا المستوى الضحل من الثقافة ، وعلى هذا الضعف الهائل من التركيز والتدقيق! ولذلك فإننا لا نستغرب كثيرا من الدعاوى المذكورة في هذا لكتاب، وندعو القارئ إلى عدم الاستغراب أيضا، فإنها أكبر بكثير من المنادي بها ومئات أمثاله!
    ولا يتردد هذا الدكتور الفاضل! أن يقول في ص135 إن أول الوهن بدأ عندما : "انشطر عقل الأمة إلى شطرين شطر استبدت به القضايا الكلامية فصارت الحاجة تتجه نحو بناء علم أصول الدين، أو التوحيد، أو العقيدة الذي صار فيما بعد علم الكلام. وشطر آخر انصرف نحو القضايا الفرعية وأحكام النوازل والوقائع، وكانت الأحكام بجوانبها القيمية تستأثر باهتمام العلماء وجهودهم، فلا يكاد تكييف الوقائع وتوصيف الظواهر والإحاطة بجوانبها المختلفة يأخذ من جهودهم إلا النزر اليسير".
    ولا أعرف كيف يكون عقل الأمة قد انشطر عندما اهتموا بتأصيل دينهم كليا (في علم الكلام) وجزئيا في علم الفقه، وما العلة التي تربط بين البحث والاهتمام في هذين لعلمين الضروريين وبين انشطار عقل الأمة. ولا أرى الانشطار كائنا إلا في عقل الكتاب القائلين بهذه الدعوى. فإن من ضرورة البحث في العلوم ومنهجياته العلمية الراسخة أن تبحث المسائل المنضبطة تحت موضوع معين في محل خاص بها، وتبحث غيرها من المسائل المشتركة في موضوع آخر في محل آخر، وهكذا كان البحث في علم الكلام في كتب خاصة، وله مناهج وأدلة خاصة، والبحث في الأحكام العملية (الفقه) في كتب أخرى خاصة وله مناهج وأدلة يختص بها وتختص به. وبينهام قد من الاشتراك كما بينه الأعلام الراسخون لا الأدعياء المتطاولون بلا بينة ولا برهان.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. السلام عليكم استاذ سعيد ماموقفكم من تلك البحوث حول المنهج للاستاذ طه والمفكر الحاج حمد ؟؟؟
    او بعبارة اخري من مدرسة اسلامية المعرفة في المعهد العالمي للفكر الاسلامي؟؟
    هل تلك المشاريع كفيلة لاحداث النهضة الاسلامية؟

  5. نفع الله بكم

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد فودة مشاهدة المشاركة

    إذن ها نحن نراه يعلن أن مسألة المنهجية التي تبحث عنها الأمة الإسلامية للوصول إلى نهضتها في العالم المعاصر، قد انتهت وتمَّ إنجازها على يديه هو و أ.د. منى أبو الفضل، التي يسميها "فيلسوفة" وبالغ في تعظيم ما قامت به، ويرفعها إلى أقصى المراتب أيضا، وقد تكون هي في نفس الأمر كذلك فعلا، أو أعلى، ولكني لم أرَ فيما قرأته من بحثها هذه المكانة، بارك الله فيها وفي عملها.
    منى أبو الفضل رحمها الله زوج د طه العلواني

  6. #6
    أخي عبد العزيز عبدالرحمن علي
    شكرا لك
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  7. #7
    ثالثا: مفهوم أصول الأحناف والفرق بينها وبين أصول الشافعية (أو المتكلمين)
    يزعم الدكتور الباحث الذي يقدم منهجا يدعو الأمة أن تتخذه ليكون لها آلة للنهضة ان علم الأصول : "حين تأسس واكتمل نموه وجمع أطرافه الإمام الشافعي في كتابه الرسالة المشهور أسس ليكون علم الاجتهاد والتدريب عليه، وتمكين المهتمين بالعلوم الشرعية من ممارسته علميا".
    فهو يقول إن علم الأصول تأسس واكتمل نموه على يدي الإمام الشافعي، والشافعي إمامنا وأستاذنا ولكن علم الأصول بدأه الشافعي وكمله الأعلام من بعد الإمام الشافعي، مثل الإمام الباقلاني والجويني وأبي الحسين البصري والغزالي والرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي ...الخ، وهذا أمر معلوم معروف، فالقول إن نمو هذا العلم الجليل اكتمل على يد الإمام الشافعي غير صحيح.
    ويبدو أن تصور الدكتور لعلم الأصول يحتاج لنوع مراجعة، فاستمع إليه يقول ص137: "علما بأن كثيرا من المذاهب والمجتهدين قد بدؤوا ممارسة الفتاوى والإنتاج الفقهي قبل أن يحددوا أو يؤلفوا في أصول الفقه، وقد يكتفي بعضهم كالإمام أبي حنيفة يرحمه الله وغيره بذكر أصوله أو طريقته ومنهجه في الاجتهاد بشكل إجماليّ، وانتشر فقه الإمام أبي حنيفة قبل أن تنشر أصول فقهه. وتعد أصول الحنفية من الأصول المستنبطة من فقه الإمام لا من الأصول التي تأسست لديه قبل الفقه، لبناء الفقه عليها، ثم أخذت أبعادها فيما بعد، بنى الإمام وأصحابه فقههم عليها، وقد عرف تاريخيا أن الإمام أبا حنيفة قد تكلم فيما يقرب من نصف مليون مسألة وأبدى آراءه وفتاواه فيها، قبل أن يضم أصوله كتاب جامع".
    فهو لا يكتفي أن يقول إن بعض المفتين أفتوا قبل أن يؤلفوا في أصول الفقه، بل قرر أنهم بدأوا ذلك قبل أن يحددوا أصول الفقهأيضا، ومعنى ذلك إن كان يعني كلامه، أن المفتي يفتي بلا أصل ينطلق منه، ولا قواعد يرتكن إليها! وهذا عجيب غريب، فهل يريد العلواني أن نصدق أن هذا الأمر كان يحصل من كثير من المجتهدين، والمذاهب، ألم يكن الأولى به أن يقول إننا لم نرَ لهم تأليفا أو أقوال في علم أصول الفقه، ولكن ذلك لم يكن ليمنع أنهم كانوا يعتمدون على أصول معينة يبنون عليها فقههم.
    وبعد أن بين أن طريقة المتكلمين أو الشافعي في علم الأصول هي الانتقال من القواعد الكلية من غير مبالاة بالفروع التي تتفرع عليها، كما في ص229-230، ذكر أن طريقة الأحناف : "سلكوا في كتابة أصولهم سبيل تقرير القواعد الأصولية على مقتضى الفروع المنقولة عن أئمتهم، فالقاعدة مستنبطة من الفروع دائرة حولها، لا العكس، فالدارس لأصول الفقه بهذه الطريقة يجمع الفروع التي أفتى بها الأئمة، ويقوم بتحليلها، وتقرير أنهم إنما أفتوا بها بناء على أصول يتوصل إليها فيقررها قواعد تأصيلية لتلك الفتاوى".
    إذن هو يوافق على أن أصول الشافعية تمَّ على الأقل عند الشافعي تأسيس الفقه العفروعي بناء عليها، أما ما يتعلق بالإمام أبي حنيفة، فإنه يقول: إن فقهه انتشر وظهر قبل أن تظهر أصوله، فهل يريد العلواني أن أبا حنيفة اجتهد في الفروع ولم تكن لديه أصول كلية يبني عليها، أم يريد أن هذه الأصول لم يعتنِ أبو حنيفة بالكتابة فيها، وإن كانت موجودة في نفسه كامنة فيها، وإن أعلن عن بعضها، قبل أو أثناء قيمه باجتهاداته الفقهية. فإن أراد الاحتمال الأول، فكلامه باطل بلا ريب، لأنه ما ثمَّ مجتهد يعتبر اجتهاد، ومنهم أبو حنيفة بالضرورة، إلا ويبني أحكامه التي يجتهد فيها على أصول كلية، وإن أراد الثاني، فإن العبرة في القول بوجود أصول فقهية لبعض العلماء ليست بالضرورة تابعة لكونه ألف في علم الأصول أو لم يؤلف، بل لمعرفتنا باعتماده أصولا للفقه أو عدم اعتماده، وأبو حنيفة كان لديه أصول للفقه، وإلا لم يتألف مذهب خاصٌّ منسوب إليه! ولكن التأليف في علم الأصول ليس شرطا للمجتهد لكي يصح اجتهاد، فيكفي أن تكون استنباطاته مسعتبر، وأنظاره سديدة ولو غالباً، ليكون فقيها محترما لدى الأمى وعلمائها.
    ولذلك فإنني أستغرب من طريقته في الكلام على أبي حنيفة وإدخاله أمرا غريبا، وهو كونه ألف أو لم يؤلف في علم الأصول، والواجب كان أن يبني كلامه على وجود أصول لديه أو عدم وجودها. ثم يتكلم على طريقة معرفتنا نحن بهذه الأصول، هل تمت هذه المعرفة عن طريق إعلان أبي حنيفة عن أصوله المعتمدة، كليا أو جزيا، أو أن هذه لامعرفة حصلت لدينا عن طريق اجتهاد تلامذته وأتباعه في سبر قواعد وتتبع أقواله ليتوصلوا إلى الأصول الكلية التي كانت مستكنة في نفسه فبنى عليها أحكامه الاجتهادية!
    هكذا كان يبغي أن يسلك د. العلواني في بحثه وتقريره، وهذه هي الطريقة المنهجية التي خانه ذكاؤه فيها، والغريب أنه يعلن أنه يتصدى لتعليم الأمة المنهجية الصحيحة، ولكنا نراه غير ملتزم لها في كثير من مواضع بحثه هذا!
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. #8
    رابعا: عدم أهمية الأصول المعروفة في عملية الاستدلال
    رأينا في ما مضى آثارا من هذه الفكرة السارية في الكتاب من أوله إلى آخره، وإن كان يزعم المؤلف أنه يدعو إلى تجديد الأصول، ولكنه على الأقل لا يخفي أن كثيرا من قواعد علم الأصول الموجود بين أيدينا، لا الذي يريد أن يبتكره المؤلف لنا !! غير مجدية ولا صحيحة ولا مناسبة لعلم الأصول في زماننا الذي نعيش فيه.
    وقد يبدو هذا الكلام للقارئ غريبا، وقد يعتقد اننا نتحامل على المؤلف لعظم هذه الفكرة، وهول اعتقادها، ولكنا نطمئه إلى أن المؤلف قد أعادها مرارا وتكرارا في كتابه من أوله إلى آخره بأساليب شتى، ومما قاله في هذا الصدد في ص 141 عندما كان يبين مكانة هذا العلم بين العلوم الإسلامية عند العلماء المتقدمين، وذكر عنهم أنهم وضعوه في أعلى مكانة، وعدوه بعضهم أهمَّ علم على الأطلاق، ونصَّ على أنهم "قد أعلوا مرتبة هذا العلم ومنحوه من الاهتمام ما لا مزيد عليه"، فما المشكلة إذن، وما حقيقة العلم عند المؤلف، لنستمع إليه يقول في الصفحة المشار إليها: "وقد أدى أصول الفقه أدوارا في حياة أمتنا كبيرة الأثر، عظيمة الخطر، أثرت فعلى مسيرة الأمة الحضارية وفكرها وفقهها ونظم حياتها آثارا اختلط فيها الإيجابي بالسلبي وما زالت هذا الآثار قائمة. وحين كانت الأمة تستظل بمظلة الفقه الأكبر لم تكن تلك الآثار بينة، لأن الأصول آنذاك لم تكن قد امتدت ذلك الامتداد كله بحيث هيمنت على كثير من جوانب حياة الأمة وقضاياها".
    إذن لم يكن لعلم الأصول من حيث هو علم تلك الأهمية التي جعلها له المتأخرون من العلماء، لأن الأمة عرفت أن منشئ الأحكام هو الله تعالى في قرآنه الكريم، وعلمت أن الله تعالى "أوكل إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وصفوته من خلقه صلى الله عليه وسلم أن يعلم الناس الكتاب بعد أن يتلوه عليهم، ويتبع آياته أمامهم وبينهم وفيهم ويزكيهم بها ويعلمهم الحكمة منه والأحكام فيه بتأويله العملي وتفعيله التطبيقي لآيات الكتاب"، فقد كانت وظيفة النبي عليه السلام في رأي المؤلف منحصرة في التطبيق العلمي، وإظهار قدوة حسنة للناس، فقط، ليس لها وظيفة أخرى أبداً، أي ليس لها أن تعمل على إنشاء بعض الأحكام الشرعية التي يجب الأخذ بها! وهذا رأي غريب عن وجهة نظر كافة الأصوليين من أمة النبي عليه السلام، نشتم منه رائحة حصر إنشاء الأحكام في القرآن الكريم، ونفي أن تكون للسنة النبوية وظيفة إنشاء الأحكام أي حكم، وهذا رأي قد قال به بعض المشايخ المتقدمون من الذين فتحوا أبواب العلمانية للمعارضين لأصول الدين، وأغلبهم من المنتمين لمدرسة محمد عبد والأفغاني، وها نحن نرى هذه الدعوة أيضا على ألسنة بعض العلمانيين الذيز يدعون أنهم يحترمون الكتاب أكثر من احترام الشافعي وأبي حنيفة له، ولذلك فإنهم يحرصون على أن يحصروا إنشاء الأحكام به، ويمنعون غيره ولو كان سنة النبي الكريم عليه السلام من أن تكون منشئة لأي حكم ملزم للمسلمين. نعم نحن نشتم رائحة هذا التوجه في عبارات المؤلف!
    ولم تصر على الفصل بين طريقة جيل التلقي وبين غيرهم من الميلمين في سائر الأعصار! ما الموجب لذلك، والحال أننا يمكن أن نقول إن الفارق بين جيل التلقي وبين غيرهم، أنهم كانوا يصدرون عن ملكات راسخة، حصلت عن التعلم المباشر من النبي عليه السلام، لا عن ملكة حاصلة بعلم مقسم في أبواب وفصول كما تعارف عليه المتأخرون. بالضبط كما نتكلم بالنسبة للنحو والملكة العربية في الكلام بالعربية بلا حاجة لتعلم النحو علما نظاميا مرتباً، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يجوز أ،صلا أن يقال إن الجيل الأول لم يكن بحاجة إلى علم الأصول، أو أنه كان يتفقه بلا معرفة لعلم الأصول، فالقائل بذلك يقع في المغالطة نفسها التي يقع فيها من يقول: إن الإنسان يفكر بلا حاجة لطريقة تفكير سليمة، وهي ما نسميه بالمنطق، ونعم قد لا يكون العلم بالمنطق من حيث هو علم بطرق الفكر والتأمل ومعرفة الصحيح منها من غيره، حاصل في الإنسان مدرَكا له إدراكا مباشرا، ولكنه حاصل في نفسه حصولا لا يمكنه الانفكاك عنه، ولذلك إذا تمَّ توضيح طريقة التفكير المنطقية له في أغلب المسائل التي فكر فيها، تراه يوافق على ما يقال له، ويعترف أنه فعلا كان يتبع هذه الطرق بلا شعور حصولي في نفسه.
    وإلا فكيف يفسر الدكتور المؤلف أن الصحابة كانوا يخطئون بعضهم البعض، ويعارضون بعضهم بالاستدلال والفهم من النصّ ونحوه. إن لم يكن لديهم في نفسهم طرقة أو طرق مستقرة يتبعونها للنظر والفكر الفقهي، فلا معنى للمعارضة والمراجعة، إذ لا معنى لذلك إلا وجود مرجع متفق عليه ولو اتفاقا أغلبياً، سواء كان مصرحا به أو لم يكن كذلك. وهذا هو بالضبط ما نريد بعلم الأصول.
    ويعتبر المؤلف أن جيل التلقي كان في ذهنه مجموعة من القواعد الكلية تجعل من كل واحد من الصحابة قادرا على معرفة تفاصيل ما حرم عليهم، تأمل قوله في ص144: "فهذه الكليات والقواعد تجعل قراء الصحابة والمصلين كافة قادرين على معرفة تفاصيل ما حرم عليهم ليستثنوه ويخرجوه من ميادين سلوكياتهم، ويحصرون استمتاعهم في تلكا لمجالات الرحبة التي سكت القرآن عنها، ولم ينبه بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حظر شيء منها"...وكانت هذه الطريقة التي يزعمها المؤلف هي السبب في أن :"تتجه الأنظار بعد ذلك إلى التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور أخرى، مما اشتمل القرآن المجيد عليه من آداب ووسائل اعتبار وطرائق نظر في الكون والحياة وأمثال وقصص ونظر في ميادين الخلق والتسخير والإبداع.....لأن ذلك الوهم الذي ساد فيما بعد، واختزل الكتاب والرسول والرسالة في أحكام وفقه وقانون وتشريع لم تكن هي الفكرة السائدة لدى جيل التلقي. ولو أن علوم المسلمين أخذت من هذه الأصول وفي تلك المرحلة وتم تدوينها في عهد الشيخين أبي بكر وعمر والسنوات الست الأولى من خلافة عثمان، لرأينا علوما أخرى، ولورثنا فقها عمرانيا أكبر، ولتعلمنا فلسفة حياة تجعل من الدين نظام حياة وسنن وقواعد ممارسة لا قوائم في بيان أحكام تكليفية وأحكام وضعية يزاد في كل منها وينقص بحسب السجال والجدال والاتجاهات والتيارات الإنسانية في الحياة، وبحسب الضغوط التي تفرزها التيارات الفكرية العديدة عبر العصور، حتى صارت قوائم الحلال والحرام والمنكروه والمندوب والمباح والأسباب والشروط والموانع ومنطلقات الحكم بالصحة أو الحكم بالبطلان والقضاء والأداء وما إلى ذلك تنوء بها الحاويات فضلا عن عقول وقلوب الرجال، وما زالت هذه القوائم في ازدياد، وقوائم وقواعد فهم القرآن والدور النبوي في تناقص وابتعاد عن مجالات التأثير في الحياة". انظر ص145.
    إذن هذه هي رؤية المؤلف للفقه الإسلامي عبر العصور:
    -هو فقه متكلف لا أسس له.
    -يزيد الفقهاء في الأحكام وينقصون منها بحسب الأزمان والأحوال والضغوط التي ليست من الفقه.
    -هو فقه بعيد عن أصول الكتاب والسنة والقواعد التي ارتضاها الله تعالى للناس.
    -هذا الفقه كان أحد أعظم الأسباب في تأخر المسلمين.
    -يحسن بمثل هذا الفقه أن يكون في الحاويات لا في صدور الرجال.
    لو لخصنا أصول كلامه المذكور في هذه العبارات لكنا قد أوفيناه حقه، ولكنا ما زلنا نستغرب من هذه الطيقة الشاذة التي يفكر بها أمثال هذا المؤلف، فهو يتصور فعلا أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن لديهم قواعد أصولية يرجعون إليها، ولم يكن بين خلافات فقهية ولا أقوال يتراجعون فيها، ويخطئ بعضهم بعضا في بعض الأحوال، ويقر بعضهم بعضا في أحوال اخرى. وهذا الواقع الذي كان بين الصحابة كما تشهد به كثير من النصوص والقصص والأخبار عنهم، هو الواقع نفسه الذي صرنا نراه مكتوبا مبوبا لدى الفقهاء بعد عصر الصحابة. ولم نراه أدخل السنوات الست الأولى من عصر عثمان واستبد ما بقي من سنوات حكمه ولم يذكر عصر عل رضي الله عنهم، ومن بعده، أتراه يعتقد أن الخلافات بين المسلمين ظهرت فجأة وأن الرؤى التي يقولون بها، إنما كانت طفرة، أم تراه يعتقد كما يعتقد غيره من الفرق الإسلامية أن هذه الخلافات والاختلافات كانت انحرافا مقصودا عن الدين، ولذلك لا يلقي لها بالا من أصلها، ولا يعتبرها دليلا من دلائل تطور وتراكم المعارف الفقهية، صوبناها أو خطأناها كلا أو بعضا.
    ولو لم يكن الفقهاء المتأخرون يرجعون في فقههم إلى الصحابة وإلى طريقتهم , ولكن في صورة أخرى مفصلة مدروسة مقننة، فمن أين تلقوا معارفهم وعلومهم، ونحن نعلم أن أكثرهم كانوا يرجعون في تفقهاتهم إلى الرجوع إلى فقه الصحابة وطريقتهم في التعلم والنظر، بل بعضهم كان تابعيا أخذ عن بعض الصحابة مباشرة، ثم إننا لم نستمع من قبل إلى هذا الفهم الشاذ لفقه العلماء خلال العصور السابقة، فلم يقل واحد منهم للأخر إنه كان مبتعدا طريقة الصحابة، نعم خالف بعضهم بعضا في الطريقة، والمنهج، وهذا كان موجودا بين الصحابة أنفسهم، فبعضهم كان ظاهريا وبعضهم كان يتعمق في المفاهيم والمعاني، وهكذا كان من بعدَهم، ولذلك ظهرت المدارس الفقهية ذات الأصول المختلفة المتنوعة، التي تثري الأمة، لا تعقدها كما يزعم المؤلف، إلا إذا كان لا يفهم طريقة تعليم العامة للفقع والعلم، وإلا إذا كان يتصور أن ما يعلمع الإمام الشافعي أو أبو حنيفة من أحكام ينبغي أن يكون كل واحد منا لمسلمين قادرا على فهمه والعلم به بطريقة بسيطة، أصولا وافروعا! وهذا المنهج من الفهم تكاد تشي به كلماته، ألم نره يقول إن الصحابة كانوا يكتفون بقواعد عامة تكفيهم في معرفة الحلال والحرام، وتغنيهم عن تقعرات الفقها المتأخرين...ومن قال له إن الفقهاء المتأخرين لم يضعوا قواعد عامة تكفي عوام عصرهم أيضا عن المباحثات المعقدة في الفقه، والتدقيقات المعمقة في الأحكام، ألم يعرف أنهم وضعوا متونا كانت نبراسا في أثناء العصور المختلفة لعوام المسلمين، كفتهم عن معرفة التفاصيل، وكانا إذا احتاجوا إلى شيءمنها وجدوا الفقهاء الذين أفنوا عمرهم في البحث والتعلم قادرين على دلالتهم إلى الأحكام الشرعية بحسب اجتهادهم ومقدار علمهم.
    إن المؤلف يريد من أفراد المسلمين أن يكونوا قادرين بأنفسهم على استنباط الأحكام الفقهية بدون الرجوع إلى العلماء! وهذا منهج مبطل لأصل العلم كما هو ظاهر، وهو ظاهرية ساذجة....
    ونحن نعلم السبب في كثر تكرار المؤلف لمقولة إن الإسلام يريد العمل والعمران أكثر من إرادته للعلم والتعمق فيه! وهذه تهمة وتصور أجنبي عن الفقه، بل يمكن أن نقول إنه تصور بعض المسلمين من المتقدمين والمتأخرين،ولكنه ليس تصور غيرهم من غالبية أهل الإسلام، فإن الأحكام الشرعية الفرعية تحتوي على علوم دقيقة ومعاني مستكنة في داخلها، هي علل التشريع، وأصوله العامة التي بذل كثير من الفقهاء جهودا مضنية في سبيل الغوص عليها وإظهارها للخلق، أما القول بأن الفقه إنما يراد به العمل أصالة فصحيح، ولكن هذا العمل ليس عملا اتفاقيا لا أسس له، بل هو مبني على أصول فقهية وقواعد شرعية مطردة، فواجب الفقيه بناء أحكامه عليها، ومراعاة تلك القواعد والأصول، وليس اختراع أحكام متضاربة في جوهرها، بحيث تفضي بالمجتمع المتبع لها الباني أفعاله عليها إلى التضاد والاختلاف لا إلى التوافق والائتلاف.
    والحاصل من كلام هذا المؤلف أن أغلب الأمة قد انحرفت عن منهاج الدين المنزل على النبي الخاتم عليه السلام، وأنهم انحرفوا عن منهاج الرسول الكريم عليه السلام! فماذا ترك إذن للعلمانيين وغيرهم الذين يقدحون في أغلب تراث الأمة،ويميزون بين الفهم والمفهوم، وكأن هناك فهما بدون مفهوم، وغفلوا عن أن الفهم لا حقيقة له إلا لكونه منتسبا إلى المفهوم، فإن صحت هذه النسبة، فلا يصح التفريق بين الأمرين، وإلا حكمنا بأن الفهم مخالف للمفهوم. وإن قلنا لا نستطيع الحكم بالمطابقة ولا بغيرها عرفنا أن الأمر الذي يراد لنا الانسياق إليه إنما هو السفسطة المحضة، أي أن نقول: هناك نص، سواء كان فيه معنى أو لا معنى له في نفسه، بل المعنى يفرضه عليه القارئ، لا تستطيع إدراك هذا المعنى، وإن أدركناه فلا يمكننا أن نثبت أن ما فهمناه فهو منسوب نسبة صحيحة للنص. إذن الحاصل هو نوع من العبثية السفسطية، عرف القائل بذلك أم لم يعرف. والحاصل اتفاق بين دعوة هذا المؤلف الشهير الصيت بين المسلمين وبين دعاوى كثير من العلمانيين، في النتائج وفي كثير من الأصول! وهذا ما يبعث على الاستغراب!
    وهو وإن كان ينفي ما قررناه من أن عملية التجديد! التي يدعو إليها إنما هي في حقيقة الأمر استجابة للضغوط الليبرالية المعاصرة الممثلة خير تمثيل للسفسطة في هذا المجال،فقال ذابا التهمة عن نفسه! ص147 :"إننا في محاولتنا هذه وفي مراجعاتنا لا نهدف إلى الانضمام إلى قوافل الداعين إلى تجديد أصول الفقه، سواء أولئك الذين دعوا إلى ذلك رغبة منهم في الاستجابة إلى ضغوط الليبرالية المعاصرة والتخلص من قيود تلك القواعد لصالحها، أو أولئك الذين نادوا بالتجديد ليقطعوا الصلة بين التراث الأصولي للعجز عن استيعابه....ولكننا نريد أن نعيد الأمر إلى نصابه، ونرده إلى الأمر الأول".. إذن هذه هي البراءة مما ألمحنا إليه قريبا، وإعلان عن مشروع كبير جدا جدا نشك في أن عند المؤلف الفاضل قدرة على تنجيز دعواه التي يعلن عنها! وإذا كان هنا كأحد يهدم أمورا حاصلة، ويدعي دعاوى أعظم منه (إعادة الأمر إلى نصابه، ورده إلى الأمر الأول)...نعم إعادة الأمر إلى نصابه أمر جميل جدا،ولكن هذا يتوقف على إثبات أن هناك انحرافا عنه بمثل هذا القدر العظيم الذي تدعيه، وما لم تثبت ذلك، ولم أرَك تثبت منه عشر معشار ما تزعمه حاصلاً، لم يتبق من مشروعك إلا هدم الأصول القائمة، وإتاحة الفرصة للناس ليدلوا بدلوهم بغير علم ولا هدى، وهذا وجه من وجوه الاتفاق بين دعوة المؤلف وأمثاله ودعاوى بعض العلمانيين الذين أشار إليهم في كلامه.
    ونحن لا نتحرج من أن نصرح هنا بما نقول،ونعلم أن كثيرا من الناس سيقولون لنا مستنكرين: إنك تتهم المؤلف بتهم عظيمة، وتدعي عليه بدعاوى هائلة، لو ثبتت فعلا، لتغيرت نظرتنا عنه،ولثبت بطلان كثير من الأصول التي ينادي بها، والتي لاقت قبول طائفة لا بأس بها من الناس في هذا الزمان.
    ونقول لهذا المستغرب: إننا لا نتهمه، بل نحلل ما يعلنه ويصرح به، ونستنتج لوازم هذا القيل، ونحاول لفت نظره وأنظار المتبعين له المتحمسين لدعوته إلى خطورة هذا المنهج، وإن بدت هذه التحليلات بصورة تهم، فذلك ليس أقل من التهم الهائلة التي تكفل المؤلف المحترم بتوجيهها إلى أغلب الأمة عبر هذه القرون! فالتهم التي صدرت عنه في حق أولئك الأعلام، أعظم بكثير مما قلناه عنه.
    فلا موضع للاستغراب، والاستعجاب، ومحاكمة ما نقوله بمثل هذا المنهج العاطفي غير العلمي، بل المنهج الصحيح، والطريقة الصائبة أن يعود أتباعه والمؤيدون له إلى إعادة تحليل كلامه وكلامنا ليثبتوا إما خطأنا فيما استنتجناه أو صوابنا فيه. وما سوى هذه الطريقة مجرد تشغيب وكلام لا علاقة له بالعلم والبحث.
    وسيأتي بإذن الله مزيد كلام وشواهد على ما نقوله.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  9. #9
    خامسا: عدم تصوره لحقيقة علم الكلام وإنكاره له ككثير من أهل العصر
    في أثناء بيانه لتصوراته المتعلقة بتجديد العلوم الإسلامية، عرّج قليلا على علم الكلام، ويا ليته ما فعل، وقرر ضرورة الكلام في المنهج في علم الكلام الجديد!! وقال في ص148: "فلا يكون العمل في المنهج جزءا من علم الكلام الجديد كما أطلق عليه حديثا، أو جزءا من أصول الفقه مستغرقا في جدل نافع أو غير نافع في الماوراء والجدل الميتافيزيقي مثل علم الكلام في وضعه التقليدي ومناهج النظر فيه، بل لا بد لعلم المنهج في الكلام الجديد أن يهتم برصد التيارات الفكرية القائمة ويتابع تطوراتها".
    إذن علم الكلام التقليدي –في نظره- مستغرق في جدل غير نافع، ولا بدَّ لعلم لكلام الجديد من أن يهتم بتطورات الفكر المعاصرة وتتبعها...الخ، ولا أعرف ما الذي يفهمه العلواني من مصطلح علم الكلام الجديد، وما الذي يفهمه من مصطلح علم الكلام فقط، سواء قيّد بقيد التقليدي أو لم يقيده! ولن نقف كثيرا عند القدر الذي يفهمه بالفعل، ولكنا نقول له ببساطة ووضوح: إن علم الكلام مطلقا –جددا كان أو قديما أو تقليديا....- لا بدَّ ان يهتم بتتبع المناهج الفكرية في الزمان والمكان، وبحسب القدرة الإنسانية، وقد قام علماؤنا بذلك على أفضل وجه ممكن، وأنتجوا مناقشات ونقود للأفكار المخالفة والمغاير للإسلام ، يشهد لها الأعداء قبل الموافقين والمحبين، وقاموا بواجبهم على أفضل وجه وآكده، ولكن ما الذي قمتم به أنتم أيها الباحثون والمفكرون المعاصرون الذين شرعتم أول ما شرعتم في هدم الفكر الماضي، ثم لم تقووا على وضع فكر إسلامي جديد، كلاما كان أو غير كلام، بل غاية ما أنتجتم مجرد أفكار وخطرات وتقليد للغرب، وتشويه لعلوم الإسلامية الراشخة بعد أن أعدتم إنتاجها بصورة هزيلة، بحيث صارت دراسة الشريعة في الجامعات محل استخفاف، وتعالٍ على أكثر الخلق، يفضل كثير من طلاب العلم أن يسجلوا في الجامعات الرسمية التي تمثل توجهاتكم، لمجرد أخذ الشهادة، وما أسهل أن يحظى الواحد منهم بقليل من الجهد أو بمجرد معرفته أستاذا هنا أو أستاذا هناك بعلامات عالية، ولكن عيني تكون متوجهة ومتعلقة بالعلوم الشرعية على طريقة المشايخ، وللأسف فإن طالب العلم في الزمان المعاصر يكاد ييأس من أن يجد شيخا قادرا على تحمل العلوم الشرعية بالصورة التي حملها فيها المتقدمون، والسبب في ذلك ما تعرض له المشايخ من الهجوم الشديد والاستخفاف من الحكومات العربية وغيرها، وما تبنته كثير من مؤسساتكم الفكرية والدارسات الإسلامية! من أن الكتب القديمة ينبغي أن يتم العزوف عنها، والابتعاد عنها، لأنها صعبة منسدة الباب أمام عقولهم، وما ذلك إلا لضعف بصيرتهم، حتى صار الطلاب الذين يتخرجون من الجامعات المعاصرة لا يكادون يفقهون قيلا، وهم مع ذلك مملوءون عجرفة واستعلاءً وتنكرا للسابقين، أليس هذا هو الاتجاه الذي يؤيده الدكتور العلواني وأصحابه، حتى صرت تسمع منهم بلا خجل الاستخفاف بكتب المتقدمين، أو اعتبارها مجرد تاريخ، وما نراه هنا من لمحات وآراء من المؤلف عن العلوم الإسلامية الراسخة، وضرورة العزوف عن أكثر ما فيها، وأنها هي العائق أمام النهضة...الخ إلا انعكاسا جليا لهذه الصورة المظلمة التي حملها وحملها أتباعه وأصحابه عنها.
    ومن كان هذا شأنهم فما الذي تتوقعه من موقفهممن علم الكلام، فإن كان موقفهم هو التحامل الشديد على علم الفقه وعلم الأصول، بل على علم النحو وغيره من العلوم، فإنا نتوقع ان تكون هجمتهم على علم الكلام على أشدها.
    ونقول مرة أخرى: إن من حقيقة علم الكلام، وواجب المتكلمين في كل عصر أن يقوموا بتتبع الآراء والأفكار الواقعة في أزمنتهم، وأن يعيدوا دراستها، وتعلمها، وتلخيص نقاط العف والقوة فيها، والموافقة والمخالفة للإسلام منها. وليس ذلك من الأمور العارضة على العلم، لكي يقال إنه علم كلام جديد، وما سبقه علم كلام تقليدي أو قديم، فلا يكون المتكلم متكلما فعلا وحقيقة إلا إن عرف واقع زمانه وحقيقة الأقوال والمذاهب المنتشرة، وقام بنقدها بناء على القواعد والأصول الإسلامية، ووضح ذلك لبني عصره ما وسعه الأمر! فلا قيمة في نظرنا لهذه التسمية، أعني علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد، وما نطق المؤلف بذلك إلا تقليدا لمن سبقه في هذه التسمية كما أشار، والتحقيق أن يقال إن المطلوب في هذا الزمان إعادة دراسة المسائل الجديدة المندرجة تحت موضوع علم الكلام، ونقدها، وحصرها، وتتبعها، فالمطلوب إضافة المسائل الجديدة، وإعادة الاستفادة من البحوث المعاصرة سلبا أو إيجاباً. فعلم الكلام هو هو، والمتغير هنا إنما هي المسائل، لا الحقيقة.
    وإنصافا للمؤلف، فهذه الملاحظة لا ترد عليه بخصوصه، أي إنه ليس متفردا بهذا الفهم والتنكر الشديد لعلم الكلام، بل إننا نعلم أن كثيرا من أهل العصر صاروا كذلك متنكرين لهذا العلم الجليل، تدفعهم إلى ذلك أسباب وأسباب، لا مجال هنا لحصرها وذكرها. ولكن المؤلف المحقق في المنهجية الراغب في تعليم الأمة منهجية تعيد إليهم النهضة، قلد في هذا التوجه الخاطئ غيره، وجرى على ما جروا عليه، بعلم أو بغير علم.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  10. سادسا: السنة ليست مصدرا للتشريع، بل مجرد تجربة بشرية
    أطلق المؤلف القول بهذا الحكم الخطير وأشار إليه من قريب ومن بعيد، بطرق مختلفة، وإن لم تكن واضحة وضوحا قويا، وما ذلك إلا لخطورة مثل هذا الحكم، فكان من المتوقع لمثل المؤلف، أن يلجأ إلى طرق شتى للتعبير عن هدفه، وأن يترك المجال مفتوحا قدر ما يستطيع في كلامه، لكي يستطيع المناورة، وقت الحاجة، وهذا شأن كثير من أصحاب الفكر الجديد، لا يلجون إلى آرائهم بطريقة مباشر ....
    وكان في قوله هذا يسير مستدلا عليه بآيات غير دالة إلا على أن القرآن يجب الأخذ به، ووحال هذه الآيات أنه لا يوجد أي دلالة فيها على عدم جواز نسبة الإخبار بحكم لله تعالى عن طريق النبي عليه السلام بدون أن يُذكر هذا الحكم في القرآن، فلم تكن دالة على مراد المصنف بالطبع، ولكنه ينتهز طبق لهدفه ومنهجه الذي يريد ترويجه في هذا الزمان أقل قدر من التدبر لنسبة ما يريد للقرآن الكريم، وهذا مسلك في غاية الغرابة، خصوصا أنه كثيرا ما يشنععلى المتقدمين أنهم لم يتدبروا القرآن ولم يجعلوا منه معلما لهم مرشدا، بل حكموا فيه قواعد اخترعوها في الأصول والكلام والفقه وغير ذلك من العلوم والمعارف، فما باله لا يتخذ العدة الكافية عندما يستدل بالكتاب المجيد على مثل هذا المطلب الخطير العظيم....؟!
    قال مثلا في ص153: "وأول تلك المراجعات التي ينبغي القيام بها مراجعة علم أصول الفقه على هدى القرآن الكريم، إذ إن القرآن الكريم هو المرجعية الأولى في عمليات إنشاء الأحكام، والأفكار والمعتقدات والتصورات، والتشريع، قال سبحانه وتعالى( إن الحكم إلا لله)، وقال (ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يَتولى فريق منهم وهم معرضون)، ويعتبر قوله تعالى (لا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) نصا في قوله سبحانه (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل إليك فتُقرأ في نور وهداية قوله سبحانه وتعالى(ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها).
    إذاً القرآن وحدَه هو الذي يقوم بالكشف عن الأحكام الشرعية والإنشاء للأحكام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم بمستوى التطبيق الملزم لسنن القرآن وتأويله في الواقع، والاتباع للقرآن يجعل منه صلى الله عليه وآله وسلم قدوة وأسوة لإنجاز الالتزام بالكتاب والتمسك به وتحويله إلى واقع وسنن معاشة يعيشها الناس، يمكن أن تتحول إلى ثقافة وإلى حضارة وأعراف وعادات ومنظومة حياة كاملة. تلك مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم العالمين الكتاب والحكمة والمنهج وتزكية الناس به. ....فالقرآن حاكم من حيث النظرية في الحكم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حاكم من حيث التطبيق والتأويل والتفعيل الواقعي، وبالتالي فل بد من تضافر الاثنين معا (النظرية والتطبيق) لإيجاد النظام الأمثل، فالنظرية بدون تطبيقات نبوية تتبع، وسنن يُهتدى بها لا يُحسن الإنسان اتباعها أو تطبيقها في الواقع فيقول الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم (ووجدك ضالا فهدى) وقال سبحانه وتعالى (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) بإضمار (به) بعد (لتهدي): أي وإنك لتهدي به إلى صراط مستقيم".
    وقد حرصت على نقل هذا النص على طوله، وسننقل غيره قريبا، لأهمية الموضوع المبحوث، ولئلا يقال إنك فهمت المؤلف على غير مراده، وألزمته بما لا يقول به.
    فها هو يقول بصراحة: لا منشئ للأحكام إلا القرآن، والسنة ما هي إلا تطبيق عملي للقرآن، هذا هو خلاصة ما يريد إيصاله لنا.
    ويلزم على ذلك: إنَّ كلَّ حكم أتت به السنة وليس موجودا في القرآن، فلا يجوز لنا الإلزام به، ولا يجوز لنا اعتباره حكما شرعيا بجانب الأحكام المأخوذة من القرآن. لم يصرح به تصريحا، ولكن كلامه لا يمكن أن يكون له معنى، إلا بهذه النتيجة المضمرة في كلامه، ولا ندري لم لم يصرح بها، مع أن كلمه من أوله إلى آخره، إنما ساقه ليتوصل به إلى هذه النتيجة. ولكن هذه هي عادة المنادين بالتجديد والانفكاك عن العلوم التي حررها الأعلام المتقدمون، يضعون بن يدي القارئ المقدمات، ويكادون لكثرة كلامهم أن يصرحوا بمكنون نفوسهم، ولكنهم يحجمون لأنهم يعتقدون أن الزمان ليس مناسبا بعد للإفصاح عن هذه النتائج الصادمة لمخزون الوعي في الأمة الإسلامية منا لمعارف الإسلامية المستقرة في وعيهم ومحفوظاتهم خلال القرون الماضية، والتي يعمل العاملون على تفتيتها وتفكيكها وتشكيك الناس بها.
    فلو جاء واحد وقال لك: كل حكم أتى به الرسول عليه السلام، ولم نجده في القرآن الكريم، فهذا الحكم لا يجب علينا الالتزام به. هكذا بكل صراحة ووضوح! أعتقد أن أكثر الناس من أهل الإسلام سيرفضون الموافقة على هذه الفكرة، ومن وافق عليها، سيخاف وسيرفض التصريح بها على هذا النحو، وسيختار من التعبيرات والشقشقات ما إذا قرأناه شعرنا بالملل والاستغراب من عدم جرأته الكاتب على التصريح، وظننا أنه أصيب بنقص في القدرة على التعبير فجأة، أو نوع معين من العي يمنعه من الإفصاح عن هذه المعاني المقصودة له.
    ومكانة عنده السنة إنما هي في إعطاء مثال للتطبيق للآيات القرآن.
    ولو أردنا أن نناقش استدلالاته بالآيات التي ساقها، والتي لا تدل بالطبع على ما يريد، فإنا نقول على سبيل الإيجاز:
    قال الطبري في تفسير قوله تعالى (إن الحكم إلا لله) :" القول في تأويل قوله: { قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) }
    قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم:"قل"، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم، الداعين لك إلى الإشراك بربك " إني على بيّنة من ربي"، أي إني على بيان قد تبينته، وبرهان قد وضح لي "من ربي"، يقول: من توحيدي، وما أنا عليه من إخلاص عُبُودته من غير إشراك شيء به.
    وكذلك تقول العرب:"فلان على بينة من هذا الأمر"، إذا كان على بيان منه، ومن ذلك قول الشاعر:
    أَبَيِّنَةً تَبْغُونَ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ... وقَوْلِ سُوَيْدٍ قَدْ كَفَيْتُكُمُ بِشْرَا
    "وكذبتم به" يقول: وكذبتم أنتم بربكم و"الهاء" في قوله"به" من ذكر الرب جلّ وعز" ما عندي ما تستعجلون به"، يقول: ما الذي تستعجلون من نقم الله وعذابه بيدي، ولا أنا على ذلك بقادر. وذلك أنهم قالوا حين بعث الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتوحيده، فدعاهم إلى الله، وأخبرهم أنه رسوله إليهم: هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [سورة الأنبياء: 3] . وقالوا للقرآن: هو أضغاث أحلام . وقال بعضهم: بل هو اختلاق اختلقه. وقال آخرون: بل محمد شاعر، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: أجبهم بأن الآيات بيد الله لا بيدك، وإنما أنت رسول، وليس عليك إلا البلاغ لما أرسلت به، وأنّ الله يقضي الحق فيهم وفيك، ويفصل به بينك وبينهم، فيتبين المحقُّ منكم والمبطل
    "وهو خير الفاصلين" ، أي: وهو خير من بيّن وميّز بين المحق والمبطل وأعدلهم، لأنه لا يقع في حكمه وقضائه حَيْف إلى أحد لوسيلة له إليه ولا لقرابة ولا مناسبة، ولا في قضائه جور، لأنه لا يأخذ الرشوة في الأحكام فيجور، فهو أعدل الحكام وخيرُ الفاصلين".
    ويؤيد تفسير الطبري سياق القرآن من الآيات، والمعاني التي توضحها في هذا الموضع: قال تعالى"قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ{57} قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ{58} وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ{59} وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{60} وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ{61} ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ{62}".
    وقال النسفي في تفسيره: "فقال ما عندى ما تستعجلون به يعنى العذاب الذى استعجلوه فى قولهم (فأمطر علينا حجارة من السماء) (إن الحكم إلا لله) فى تأخير عذابكم".
    وكذلك البيضاوي: "{ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } في تعجيل العذاب وتأخيره".
    وقال الرازي: "واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك . والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب . فقال تعالى قل يا محمد : { مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني قولهم { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ] والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذي أراد إنزاله فيه . ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره . ثم قال : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } وهذا مطلق يتناول الكل . والمراد ههنا إن الحكم إلا لله فقط في تأخير عذابهم { يَقْضِى الحق } أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل".
    وقال ابن عطية: "وقوله { إن الحكم إلا لله } أي القضاء والإنفاذ { يقص الحق } أي يخبر به". وكذا السمرقندي في بحر العلوم: "{ قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } يعني : على أمر بيّن . ويقال : على دين من ربي . { وَكَذَّبْتُم بِهِ } يعني : بالقرآن . ويقال : بالعذاب . وذلك أن النضر بن الحارث قال : إن كان ما تقوله حقاً فأتنا بعذاب الله فنزل : { مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني : العذاب { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } يعني : ما القضاء في ذلك إلا لله في نزول العذاب".
    -قوله تعالى (إن الحكم إلا لله)
    ورد قوله تعالى (إن الحكم إلا لله) في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم، الأول ما ذكرناه والثاني قوله تعالى {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف40
    والثالث قوله تعالى {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ }يوسف67
    ويقول الطبري في تفسيره الآية الأخيرة: "ما القضاء والحكم إلا لله دون ما سواه من الأشياء ، فإنه يحكم في خلقه بما يشاء ، فينفذ فيهم حكمه ، ويقضي فيهم، ولا يُرَدّ قضاؤه". وقال البيضاوي: "{ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } مما قضى عليكم بما أشرت به إليكم فإن الحذر لا يمنع القدر . { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } يصيبكم لا محالة إن قضي عليكم سوء ولا ينفعكم ذلك".
    وقال الإمام الرازي: "واعلم أن هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا في القضاء والقدر ، وذلك لأن الحكم عبارة عن الإلزام والمنع من النقيض وسميت حكمة الدابة بهذا الاسم ، لأنها تمنع الدابة عن الحركات الفاسدة والحكم إنما سمي حكماً لأنه يقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بحيث يصير الطرف الآخر ممتنع الحصول ، فبين تعالى أن الحكم بهذا التفسير ليس إلا لله سبحانه وتعالى ، وذلك يدل على أن جميع الممكنات مستندة إلى قضائه وقدره ومشيئته وحكمه ، إما بغير واسطة وإما بواسطة ثم قال : { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } ومعناه أنه لما ثبت أن الكل من الله ثبت أنه لا توكل إلا على الله وأن الرغبة ليست إلا في رجحان وجود الممكنات على عدمها وذلك الرجحان المانع عن النقيض هو الحكم ، وثبت بالبرهان أنه لا حكم إلا لله فلزم القطع بأن حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله ، ويوجب أنه لا توكل إلا على الله فهذا مقام شريف عال ونحن قد أشرنا إلى ما هو البرهان الحق فيه".
    فالمراد بالحكم القضاء وإيقاعه على الناس بالحق. واللفظ وإن كان يحتمل الحكم بمعنى إنشاء الحكم، ويدلُّ عليه، ولكن الحكم بمعنى إنشائه الذي يأتي به النبي عليه السلام لا يصح أن يقال عليه: إنه ليس من عند الله، وإلا لكان الرسول عليه الصلاة والسلام معارضا لهذه الآية، لأنا قد تحققنا أنه حكم بأحكام غير مذكورة في القرآن الكريم، ولذلك جزم أعلام الأمة أن ما جاء به النبي من الأحكام ينبغي الالتزام بها، وأنها أيضا من عند الله تعالى، فالرسول عليه يبلغ أحكام الله تعالى الواردة في القرآن والتي أمره بتبليغها إلى الناس. فكلاهما وحي من عند الله تعالى كما سيزداد وضوحا وتقريرا.

    وتأمل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً{59} أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً{60} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً{61}
    لتعلم علم اليقين أن حكم الرسول عليه السلام ملزم، وإن لم يرد في كتاب الله، وعدم وروده فيه لا يعني أنه يعارضه، كما هو ظاهر. ولذلك قال الإمام الرازي في تفسيره لهذه الآيات: "المسألة الثالثة : مقصود الكلام ان بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان ولم يرد التحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم . قال القاضي : ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر ، وعدم الرضا بحكم محمد عليه الصلاة والسلام كفر ، ويدل عليه وجوه : الأول : انه تعالى قال : { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون ايمانا به ، ولا شك أن الايمان بالطاغوت كفر بالله ، كما أن الكفر بالطغوت إيمان بالله . الثاني : قوله تعالى : { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } إلى قوله : { وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [ النساء : 65 ] وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام . الثالث : قوله تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور : 63 ] وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة ، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خارج عن الاسلام ، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد ، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم".
    وهذا الذي صرح به الإمام الرازي محل مقطوع به في الإسلام لا يحل لواحد أن يخالفه تصريحا أو تلميحا، فهو أصل من الأصول الكلية لا ينبغي السماح بإطلاق كلام يفيد خلافه أو يشر إلى ذلك، ولا يصح السكوت عن ذلك أيضا، لئلا يكون السكوت بابا يتوسع منه بعد ذلك في الترويج لهذا الرأي الباطل.
    وكذا قال الجصاص في هذه الآية: "وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ رَدَّ شَيْئًا مِنْ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَوَامِرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ رَدَّهُ مِنْ جِهَةِ الشَّكِّ فِيهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْقَبُولِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ التَّسْلِيمِ".
    وقال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) :" المسألة الرابعة : اعلم أن قوله تعالى : { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط : أولها : قوله تعالى : { حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا .
    واعلم أن من يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل الى معرفة الله تعالى إلا بارشاد النبي المعصوم قال : لأن قوله : { لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } تصريح بأنه لا يحصل لهم الايمان إلا بأن يستعينوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما اختلفوا فيه ، ونرى أهل العلم مختلفين في صفات الله سبحانه وتعالى ، فمن معطل ومن مشبه ، ومن قدري ومن جبري ، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا يحصل الايمان إلا بحكمه وارشاده وهدايته ، وحققوا ذلك بأن عقول أكثر الخلق ناقصة وغير وافية بادراك هذه الحقائق؟ وعقل النبي المعصوم كامل مشرق ، فاذا اتصل اشراق نوره بعقول الأمة قويت عقولهم وانقلبت من النقص إلى الكمال ، ومن الضعف إلى القوة ، فقدروا عند ذلك على معرفة هذه الأسرار الالهية . والذي يؤكذ ذلك أن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا جازمين متيقنين كاملي الايمان والمعرفة ، والذين بعدوا عنه اضطربوا او اختلفوا ، وهذه المذاهب ما تولدت إلا بعد زمان الصحابة والتابعين ، فثبت ان الأمر كما ذكرنا ، والتمسك بهذه الآية رأيته في كتب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ، فيقال له : فهذا الاستقلال الذي ذكرته إنما استخرجته من عقلك ، فاذا كان عقول الأكثرين ناقصة فلعلك ذكرت هذه الاستدلال لنقصان عقلك ، وإذا كان هذا الاحتمال قائما وجب أن يشك في صحة مذهبك وصحة هذا الدليل الذي تمسكت به ، ولأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الاله ، فلو توقفت معرفة الاله على معرفة النبوة لزم الدور ، وهو محال .
    الشرط الثاني : قوله : { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } قال الزجاج : لا تضيق صدورهم من أقضيتك .
    واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب فبين في هذه الآية انه لا بد من حصول الرضا به في القلب ، واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر ، فليس المراد من الآية ذلك ، بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق .
    الشرط الثالث : قوله تعالى : { وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول ، فبين تعالى أنه كما لا بد في الايمان من حصول ذلك اليقين في القلب . فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر ، فقوله : { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } المراد به الانقياد في الباطن ، وقوله : { وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } المراد منه الانقياد في الظاهر والله أعلم". وقال أيضا:" المسألة الخامسة : دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الخطأ في الفتوى وفي الأحكام ، لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الايجاب وبين انه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب ، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم".
    والقول المعتبر عند العلماء أن الحكم الصادر عن الرسول عليه السلام حتى لو كان من باب الاجتهاد على القول بتجويزه للرسول عليه السلام فإنه حق، ولا يمكن أن يكون مخالفا لله تعالى، فاجتهاد المعصوم معصوم، ولا يقال إنه إن كان اجتهادا، فيجوز عليه الخطأ، لأن هذا إنما جاز قوله لمجتهد غير معصوم، ألا ترى أن الأمة لو اجتمعت على حكم باجتهاد مجتهديها، فلا يصح مخالفة هذا الحكم، لأن الدليل دل على أن الأمة بمجموعها لا تضل عن حكم الله تعالى.
    وليتأمل المتأمل في كلام الإمام الشافعي المنوَّر فقد قال في أحكام القرآن: "قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ } يَعْنِي إنْ اخْتَلَفْتُمْ فِي شَيْءٍ وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، كَمَا قَالَ فِي أُولِي الْأَمْرِ .
    لِأَنَّهُ يَقُولُ : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ } يَعْنِي ( وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ) هُمْ وَأُمَرَاؤُهُمْ الَّذِينَ أُمِرُوا بِطَاعَتِهِمْ .
    { فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } يَعْنِي ( وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ) إلَى مَا قَالَ اللَّهُ وَالرَّسُولُ إنْ عَرَفْتُمُوهُ ، وَإِنْ لَمْ تَعْرِفُوهُ سَأَلْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ إذَا وَصَلْتُمْ إلَيْهِ ، أَوْ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ .
    لِأَنَّ ذَلِكَ الْفَرْضَ الَّذِي لَا مُنَازَعَةَ لَكُمْ فِيهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } .
    وَمَنْ تَنَازَعَ مِمَّنْ بَعُدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْأَمْرَ إلَى قَضَاءِ اللَّهِ ؛ ثُمَّ إلَى قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ قَضَاءٌ نَصًّا فِيهِمَا وَلَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدُّوهُ قِيَاسًا عَلَى أَحَدِهِمَا .
    وَقَالَ تَعَالَى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } الْآيَةُ .
    قَالَ الشَّافِعِيُّ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيمَا بَلَغَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي رَجُلٍ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَرْضٍ ، فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا لِلزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهَذَا الْقَضَاءُ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حُكْمٌ مَنْصُوصٌ فِي الْقُرْآنِ".
    فأوجب اتباع الرسول عليه السلام في حكمٍ غير مذكور في القرآن، بل هو من سنته. فكيف نقبل ممن يقول في هذا العصر المملوء بالفتن والانحرافات إن الأحكام التي نُلزم بها ليست إلا الأحكام الواردة في الكتاب المجيد فقط.
    فظهر مما نقلناه عن العلماء ومن مفهوم الآيات الكريمة أن سنة النبي عليه السلام واجبة التنفيذ، وهي أحكام شرعية يجب الإذعان لها.

    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  11. قول العلماء في تفسير قوله تعالى
    {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ }آل عمران23
    قال الطبري: "واختلف أهل التأويل في"الكتاب" الذي عنى الله بقوله:"يدعون إلى كتاب الله".
    فقال بعضهم: هو التوراة، دعاهم إلى الرضى بما فيها، إذ كانت الفِرَق المنتحِلةُ الكتبَ تقرُّ بها وبما فيها: أنها كانت أحكامَ الله قبل أن ينسخ منها ما نُسخ.
    ..... وقال بعضهم: بل ذلك كتابُ الله الذي أنزله على محمد، وإنما دُعِيت طائفةٌ منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم بالحقّ، فأبتْ.
    ... قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن طائفة من اليهود = الذين كانوا بين ظَهراني مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهده، ممن قد أوتي علمًا بالتوراة = أنهم دُعوا إلى كتاب الله الذي كانوا يقرّون أنه من عند الله - وهو التوراة - في بعض ما تنازعوا فيه هم ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم. وقد يجوز أن يكون تنازعهم الذي كانوا
    تنازعوا فيه، ثم دعوا إلى حكم التوراة فيه فامتنعوا من الإجابة إليه، كان أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم وأمرَ نبوته ، ويجوز أن يكون ذلك كان أمرَ إبراهيم خليل الرّحمن ودينه ، ويجوز أن يكون ذلك ما دُعوا إليه من أمر الإسلام والإقرار به، ويجوز أن يكون ذلك كان في حدّ. فَإن كل ذلك مما قد كانوا نازعوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم فيه إلى حكم التوراة، فأبى الإجابة فيه وكتمه بعضهم.
    ولا دلالة في الآية على أيّ ذلك كان من أيٍّ، فيجوز أن يقال: هو هذا دون هذا. ولا حاجة بنا إلى معرفة ذلك، لأن المعنى الذي دُعوا إلى حكمه، هو مما كان فرضًا عليهم الإجابة إليه في دينهم، فامتنعوا منه، فأخبر الله جل ثناؤه عنهم بردّتهم، وتكذيبهم بما في كتابهم، وجحودهم ما قد أخذ عليهم عهودَهم ومواثيقهم بإقامته والعمل به. فلن يعدُوا أن يكونوا في تكذيبهم محمدًا وما جاء به من الحق، مثلهم في تكذيبهم موسى وما جاء به وهم يتولونه ويقرّون به".
    ولخص البيضاوي محررا هذا الخلاف فقال محررا المعاني كعادته:"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } أي التوراة أو جنس الكتب السماوية ، ومن للتبعيض أو للبيان . وتنكير النصيب يحتمل التعظيم والتحقير . { يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } الداعي محمد عليه الصلاة والسلام وكتاب الله القرآن ، أو التوراة لما روي ( أنه عليه الصلاة والسلام دخل مدراسهم فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد على أي دين أنت . فقال : على دين إبراهيم . فقالا إن إبراهيم كان يهودياً فقال : هلموا إلى التوراة فإنها بيننا وبينكم . فأبيا فنزلت ) . وقيل نزلت في الرجم".
    ويراد بقوله تعالى (الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) اليهودُ، كما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى
    {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ }النساء44
    وقوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً }النساء51
    وأكثر المفسرين على ما نقلناه من المعنى. والأظهر أن المراد بـ(كتاب الله) هو التوراة، لأنهم كانوا مكلفين بالانقياد إليها ولو على زعمهم أنها لم تنسخ بمجيء سيدنا محمد عليه السلام. وعلى ما ذهب إليه أكثر المفسرين من أن المراد به التوراة، فليس فيه حجة للمؤلف فيما ذهب إليه في حصر إنشاء الأحكام في القرآن دون سنة النبي عليه السلام.
    ولو كان المراد به القرآن على ما ذهب إليه بعض المفسرين، في أحد وجوه التفسير، لما كان ذلك مؤثرا في إفادة ما يريده المؤلف، من حصر إنشاء الأحكام في القرآن فقط، وأن الرسول الكريم ليس له أن يكون أن يكون منشئا للأحكام! والمستفاد منه أنه يجب عليهم الانقياد للقرآن، ومن أين يوجب الانقياد للقرآن عدم وجوب الانقياد للسنة المشرفة.

    بيان معنى قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ }المائدة49
    جاء في تفسير القرطبي: "قال أبو داود عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم (ائتوني بأعلم رجلين منكم) فجاءوا بابني صوريا فنشدهما الله تعالى (كيف تجدان أمر هذين في التوراة) ؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة رجما.
    قال: (فما يمنعكما أن ترجموهما)، قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل.
    فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالشهود، فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما.
    وفي غير الصحيحين عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه، فسألوه فدعا بابن صوريا وكان عالمهم وكان أعور، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنشدك الله كيف تجدون حد الزاني في كتابكم)، فقال ابن صوريا: فأما إذ ناشدتني الله فإنا نجد في التوراة أن النظر زنية، والاعتناق زنية، والقبلة زنية، فإن شهد أربعة بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم.
    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هو ذاك).
    وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم) قالوا: نعم.
    فدعا رجلا من علمائهم فقال: (أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم) قال: لا - ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك - نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شئ نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) فأمر به فرجم، فأنزل الله تعالى: " يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " إلى قوله: " إن أوتيتم هذا فخذوه " يقول: ائتوا محمدا، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله عزوجل: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " [ المائدة 44 ]، " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " [ المائدة: 45]، " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " [ المائدة: 47 ] في الكفار كلها.
    هكذا في هذه الرواية (مر على النبي صلى الله عليه وسلم)، وفي حديث ابن عمر: أتي بيهودي ويهودية فد زنيا فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود، قل: (ما تجدون في التوراة على من زنى) الحديث.
    وفي رواية، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة قد زنيا.
    وفي كتاب أيي داود من حديث ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف (1) فأتاهم في بيت المدراس (2) فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بيننا.
    ولا تعارض في شئ من هذا كله، وهي كلها قصة واحدة، وفد ساقها أبو داود من حديث أبي هريرة سياقة حسنة فقال: زنى رجل من اليهود وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فأنه نبي بعث بالتخفيفات، فإن أفتى بفتيا دون الرجم
    قبلناها واحتججنا بها عند الله، وقلنا فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا ؟ فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب، فقال: (أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن)، فقالوا: يحمم وجهه ويجبه ويجلد، والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما، قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ألظ (3) به النشدة، فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم.
    وساق الحديث إلى أن قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإني أحكم بما في التوراة) فأمر به فرجما.
    الثانية - والحاصل من هذه الروايات أن اليهود حكمت النبي صلى الله عليه وسلم، فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة.
    واستند في ذلك إلى قول ابني صوريا، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها، وأن الاسلام ليس شرطا في الاحصان.
    فهذه مسائل أربع.
    فإذا ترافع أهل الذمة إلى الامام، فإن كان ما رفعوه ظلما كالقتل والعدوان والغصب حكم بينهم، ومنعهم منه بلا خلاف.
    وأما إذا لم يكن كذلك فالامام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي، غير أن مالكا رأى الاعراض [ عنهم ] أولى، فإن حكم حكم [ بينهم ] بحكم الاسلام.
    وقال الشافعي: لا يحكم بينهم في الحدود.
    وقال أبو حنيفة: يحكم بينهم على كل حال، وهو قول الزهري وعمر بن عبد العزيز والحكم، وروي عن ابن عباس وهو أحد قولي الشافعي، لقوله تعالى: " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " [ المائدة: 49 ] على ما يأتي بيانه [ بعد ] ، احتج مالك بقوله تعالى: " فإن جاءوك فاحكم
    بينهم أو أعرض عنهم " [ المائدة: 42 ] وهي نص في التخيير.
    قال ابن القاسم: إذا جاء الاساقفة والزانيان فالحاكم مخير، لان إنفاذ الحكم حق للاساقفة.
    والمخالف يقول: لا يلتفت إلى الاساقفة.
    قال ابن العربي: وهو الاصح، لان مسلمين لو حكما بينهما رجلا لنفذ، ولم يعتبر رضا الحاكم.
    فالكتابيون بذلك أولى.
    وقال عيسى عن ابن القاسم: لم يكونوا أهل ذمة إنما كانوا أهل حرب.
    قال ابن العربي: وهذا الذي قاله عيسى عنه إنما نزع به لما رواه الطبري وغيره: أن الزانيين كانا من أهل خيبر أو فدك، وكانوا حربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
    واسم المرأة الزانية بسرة، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة يقولون لهم أسألوا محمدا عن هذا، فإن أفتاكم بغير الرجم فخذوه [ منه ] واقبلوه، وإن أفتاكم به فاحذروه ، الحديث.
    قال ابن العربي: وهذا لو كان صحيحا لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عهدا وأمانا، وإن لم يكن عهد وذمة ودار لكان له حكم الكف عنهم والعدل فيهم، فلا حجة لرواية عيسى في هذا، وعنهم أخبر الله تعالى بقوله: " سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " ولما حكموا النبي صلى الله عليه وسلم نفذ الحكم عليهم ولم يكن لهم الرجوع، فكل من حكم رجلا في الدين وهي: الثالثة - فأصله هذه الآية.
    قال مالك: إذا حكم رجلا فحكمه ماض وإن رفع إلى قاض أمضاه، إلا أن يكون جورا بينا.
    وقال سحنون: يمضيه إن رآه [ صوابا ]
    وقال ابن العربي: وذلك في الاموال والحقوق التي تختص بالطالب، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان، والضابط أن كل حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكم فيه، وتحقيقه أن التحكيم بين الناس إنما هو حقهم لا حق الحاكم بيد أن الاسترسال على التحكيم خرم لقاعدة الولاية، ومؤد إلى تهارج الناس كتهارج الحمر، فلا بد من فاصل، فأمر الشرع بنصب الوالي ليحسم قاعدة الهرج، وأذن في التحكيم تخفيفا عنه وعنهم في مشقة الترافع لتتم المصلحتان وتحصل الفائدة.
    وقال الشافعي وغيره: التحكيم جائز وإنما هو فتوى.
    وقال بعض العلماء: إنما كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود بالرجم إقامة لحكم كتابهم، لما حرفوه وأخفوه وتركوا العمل به، ألا ترى أنه قال: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) وأن ذلك كان حين قدم المدينة، ولذلك استثبت ابني صوريا عن حكم التوراة واستحلفهما على ذلك.
    وأقوال الكفار في الحدود وفي شهادتهم عليها غير مقبولة بالاجماع، لكن فعل ذلك على طريق إلزامهم ما التزموه وعملوا به.
    وقد يحتمل أن بكون حصول طريق العلم بذلك الوحي، أو ما ألقى الله في روعه من تصديق ابني صوريا فيما قالاه من ذلك لا قولهما مجردا، فبين له [ النبي ] (2) صلى الله عليه وسلم، وأخبر بمشروعية الرجم، ومبدؤه ذلك الوقت، فيكون أفاد بما فعله إقامة حكم التوراة، وبين أن ذلك حكم شريعته، وأن التوراة حكم الله سبحانه، لقوله تعالى: " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا " [ المائدة: 44 ] (3) وهو من الانبياء.
    وقد قال عنه أبو هريرة: (فإني أحكم بما في التوراة) والله أعلم".
    قال ابن عطية: "وقوله تعالى : { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } تخير للنبي صلى الله عليه وسلم ولحكام أمته بعده في أن يحكم بينهم إذا تراضوا في نوازلهم ، وقال عكرمة والحسن : هذا التخيير منسوخ بقوله { وأن احكم بينهم بما أنزل } [ المائدة : 49 ] وقال ابن عباس ومجاهد : نسخ من المائدة آيتان ، قوله تعالى : { ولا القلائد } [ المائدة : 2 ] نسختها آية السيف وقوله : { أو أعرض عنهم } نسختها { وأن احكم بينهما بما أنزل الله } [ المائدة : 49 ] .
    قال القاضي أبو محمد : وقال كثير من العلماء هي محكمة وتخيير الحكام باق ، وهذا هو الأظهر إن شاء الله ، وفقه هذه الآية أن الأمة فيما علمت مجمعة على أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم ويتسلط عليهم في تغييره وينقر عن صورته كيف وقع فيغير ذلك ، ومن التظالم حبس السلع المبيعة وغصب المال وغير ذلك ، فأما نوازل الأحكام التي لا ظلم فيها من أحدهم للآخر وإنما هي دعاوي محتملة وطلب ما يحل ولا يحل وطلب المخرج من الإثم في الآخرة فهي التي هو الحاكم فيها مخير ، وإذا رضي به الخصمان فلا بد مع ذلك من رضى الأساقفة أو الأحبار ، قاله ابن القاسم في العتبية ، قال وأما إن رضي الأساقفة دون الخصمين أو الخصمان دون الأساقفة فليس له أن يحكم.
    قال القاضي أبو محمد : وانظر إن رضي الأساقفة لأشكال النازلة عندهم دون أن يرضى الخصمان فإنها تحتمل الخلاف وانظر إذا رضي الخصمان ولم يقع من الأحبار نكير فحكم الحاكم ثم أراد الأحبار رد ذلك الحكم وهل تستوي النوازل في هذا كالرجم في زانيين والقضاء في مال يصير من أحدهما إلى الآخر؟ وانظر إذا رضي الخصمان هل على الحاكم أن يستعلم ما عند الأحبار أو يقنع بأن لم تقع منهم معارضته؟ ومالك رحمه الله يستحب لحاكم المسلمين الإعراض عنهم وتركهم إلى دينهم".
    وفي بحر العلوم للمسرقندي: "وقال الزهري : مضت السنة أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم ، ومواريثهم إلى أهل دينهم ، إلا أن يأتوا راغبين حكم الله ، فيحكم بينهم بكتاب الله تعالى ، وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة : أن لا يحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا".
    وفي الكشاف للزمخشري: "قيل : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً - إذا تحاكم إليه أهل الكتاب - بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم . وعن عطاء والنخعي والشعبي : أنهم إذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين ، فإن شاءوا حكموا وإن شاءوا أعرضوا . وقيل : هو منسوخ بقوله : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله } وعند أبي حنيفة رحمه الله : إن احتكموا إلينا حملوا على حكم الإسلام ، وإن زنى منهم رجل بمسلمة أو سرق من مسلم شيئاً أقيم عليه الحدّ . وأما أهل الحجاز فإنهم لا يرون إقامة الحدود عليهم ، يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود . ويقولون : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين قبل نزول الجزية { فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً } لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم ، كالجلد مكان الرجم . فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم ، شقّ عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم وكانوا خلقاء بأن يعادوه ويضاروه".
    وقال الجصاص في أحكام القرآن: "وَقَالَ أَصْحَابُنَا أَهْلُ الذِّمَّةِ مَحْمُولُونَ فِي الْبُيُوعِ وَالْمَوَارِيثِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ عَلَى أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ كَالْمُسْلِمِينَ ، إلَّا فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِأَنَّهُمْ مُقَرُّونَ عَلَى أَنْ تَكُونَ مَالًا لَهُمْ ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ مُبَايَعَتُهُمْ وَتَصَرُّفُهُمْ فِيهَا وَالِانْتِفَاعُ بِهَا لَخَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَالًا لَهُمْ وَلَمَا وَجَبَ عَلَى مُسْتَهْلِكِهَا عَلَيْهِمْ ضَمَانٌ " .
    وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ لِذِمِّيٍّ خَمْرًا أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا".
    وقال أبو حيان في البحر المحيط: "{ فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } أي فإن جاؤوك للحكم بينهم فأنت مخير بين أن تحكم ، أو تعرض . والظاهر بقاء هذا الحكم من التخيير لحكام المسلمين . وعن عطاء ، والنخعي ، والشعبي ، وقتادة ، والأصم ، وأبي مسلم ، وأبي ثور : أنهم إذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين ، فإن شاؤوا حكموا وإن شاؤوا أعرضوا .
    وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وعطاء الخراساني ، وعمر بن عبد العزيز ، والزهري : التخيير منسوخ بقوله : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } فإذا جاؤوا فليس للإمام أن يردهم إلى أحكامهم . والمعنى عند غيرهم : وأن احكم بينهم بما أنزل الله إذا اخترت الحكم بينهم دون الإعراض عنهم . وعن أبي حنيفة : إنْ احتكموا إلينا حملوا على حكم الإسلام ، وأقيم الحدّ على الزاني بمسلمة ، والسارق من مسلم . وأما أهل الحجاز فلا يرون إقامة الحدود عليهم ، يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود ، ويقولون : إنّ رجم اليهوديين كان قبل نزول الجزية . وقال ابن عطية : الأمة مجمعة على أنّ حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم ، ويتسلط عليهم في تغيير ، ومن ذلك حبس السلع المبيعة وغصب المال . فأما نوازل الأحكام التي لا تظالم فيها ، وإنما هي دعاء ومحتملة ، فهي التي يخير فيها الحاكم انتهى . وفيه بعض تلخيص . وظاهر الآية يدل على مجيء المتداعيين إلى الحاكم ، ورضاهما بحكمه كاف في الإقدام على الحكم بينهما . وقال ابن القاسم : لا بد مع ذلك من رضا الأساقفة والرهبان ، فإنْ رضي الأساقفة دون الخصمين ، أو الخصمان دون الأساقفة ، فليس له أن يحكم . وقال ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، والزهري ، وغيرهم : فإن جاؤوك يعني أهل نازلة الزانيين ، ثم الآية تتناول سائر النوازل . وقال قوم : في قتيل اليهود من قريظة والنضير . وقال قوم : التخيير مختص بالمعاهدين لازمة لهم . ومذهب الشافعي : أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه ، لأنّ في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم ، فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب عليه أن يحكم بينهم ، بل يتخير في ذلك ، وهو التخيير الذي في الآية وهو مخصوص بالمعاهدين . وروي عن الشافعي مثل قول عطاء والنخعي .
    { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً } أي أنت آمن من ضررهم ، منصور عليهم على كل حال . وكانوا يتحاكمون إليه لطلب الأيسر والأهون عليهم ، فالجلد مكان الرجم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة بينهم شق عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم ، وكانوا خلقاء بأن يعادوه ويضروه ، فأمنه الله منهم ، وأخبره أنهم ليسوا قادرين على شيء من ضرره .
    { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } أي : وإن أردت الحكم بالقسط بالعدل كما تحكم بين المسلمين . والقسط : هو المبين في قوله { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ، وهو صلى الله عليه وسلم لا يحكم إلا بالقسط ، فهو أمر معناه الخبر أي : فحكمك لا يقع إلا بالعدل ، لأنك معصوم من اتباع الهوى".

    والخلاصة: أنه قد تبين لنا أنّ ما احتج به المؤلف من الآيات، وما قيد به بعضها ببعض لم يكن موفقا فيه، ولا يفيده مطلوبه، غاية ما يفيده أن أحكام القرآن واجبة لازمة يجب تنفيذها، ولكن لا يوجد دليل مطلقا فيما استدل به على أنه ليس لرسول الله عليه السلام أن يقول حكما ليس موجودا في القرآن الكريم، وكيف يقال ذلك وقد جاءت أدلة في الكتاب العزيز تدل على وجوب طاعته ابتداء، كما سبق، وسوف نذكر غيرها، بإذن الله تعالى، وكلام العلماء في ذلك واضح، لا ريب فيه.
    والمؤلف يريد حصر مهمة النبي عليه السلام بالتطبيق والتنفيذ، ويريد أن يقول: ليس للنبي عليه السلام أن يخبرنا بحكم يجب علينا تطبيقه، إذا لم يكن موجودا في الكتاب العزيز. تأمل قوله : "إذاً القرآن وحدَه هو الذي يقوم بالكشف عن الأحكام الشرعية والإنشاء للأحكام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم بمستوى التطبيق الملزم لسنن القرآن وتأويله في الواقع، والاتباع للقرآن يجعل منه صلى الله عليه وآله وسلم قدوة وأسوة لإنجاز الالتزام بالكتاب والتمسك به وتحويله إلى واقع وسنن معاشة يعيشها الناس، يمكن أن تتحول إلى ثقافة وإلى حضارة وأعراف وعادات ومنظومة حياة كاملة. تلك مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم العالمين الكتاب والحكمة والمنهج وتزكية الناس به. ....فالقرآن حاكم من حيث النظرية في الحكم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حاكم من حيث التطبيق والتأويل والتفعيل الواقعي، وبالتالي فل بد من تضافر الاثنين معا (النظرية والتطبيق) لإيجاد النظام الأمثل"، وهذا الكلام وإن كنا نقلناه عنه سابقا، ولكنا حرصنا على إعادة نقله هنا، لتذكير الناس بمراده، وتبيين معاني كلامه، خصوصا بعد سوق الآيات التي استدل بها على مراده، لنعلم أنه قد أبعد النجعة في الهدف، ولم يكن موفقا فيما يريد بيانه محتجا بالقرآن، والقرآن يدل على خلاف ما يريده.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  12. سابعاً: السنة ليس لها دور في إنشاء أحكام غير مذكورة في الكتاب
    تكلم المؤلف على لسان القرآن فقال: "فسيقول –أي القرآن- في المرحلة الأولى: أنا أخبرتكم بأن الحكم لله إنشاء وكشفا، وقلت لكم (إن الحكم إلا لله).....فإذا أنا وحدى أحمل صلاحية الإنشاء للأحكام، فليس لكم دليل سواي، لأنني وحدي الذي يحمل مؤهلات إنشاء الأحكام والكشف عنها، والنطق باسم الله سبحانه وتعالى لأني كلامه، وقد أخبرتكم بأنه ليس هناك مخلوق واحد له حق التشريع، لئلا يتخذ بعضكم بعضا أرباب من دونه، فالتشريع اختصاصه (إن الحكم إلا لله)، فمن أين أتيتم بهذا الجمع (أدلة)؟ فنقول له: إن لدينا السنة وقد رشدنا إلى الاهتداء، وذلك يعني أنها دليل إلى جانب، وفي ذلك إقرار منك بتعدد الأدلة. فيقول: أنا المؤسس للسنة، وأنا الذي أخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فحين يقوم صلى الله عليه وسلم بتنفيذ ما أنزل مني عليه في الواقع تكون السنة، فإنشاء السنة ابتداء مني، وآنذاك تكون السنة سنة قرآنية من حيث الإنشاء والكشف، وسنة نبوية من حيث التأويل والتفعيل والتطبيق، قلت: وهذا هو فهم الإمام الشافعي ابتداء حيث قال: وما سن رسول الله سنة إلا في كتاب الله أصل لها....إذن لدينا دليل واحد منشيء على سبيل الحقيقة، وإذا أردنا التساهل قلنا هما دليلان دليل على مستوى التنظير وآخر على مستوى التأويل والتفعيل والتجريب والتنفيذ ومنهج الاتباع وإنشاء النظريات إن صح التعبير والأحكام، والكشف عنها على أنها حكم الله تعالى، وتلك مهمة الكتاب فهو الدليل المنشيء، ودليل آخر يبين لنا كيفية بناء منهج التطبيق والعمل والتأسي، ليحول ذلك إلى أمر مقدور عليه بشريا، يمكن اتباعه فيه، ويمكن التأسي به فيه...فتصور وجود أدلة منشئة معي أو إلى جانبي هو أول الوهن، وبداية الانحراف، بل هو شرك ينافي التوحيد".
    إذن ها هو المؤلف ينسب للإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه يقول بقوله، وينقل عنه بعض قوله، ويتغافل عما صرح به الشافعي في الموضع نفسه وفي غيره من المواضع. وإليكم النقل التامَّ لكلام الشافعي لكي نرى أن هؤلاء المجددين المعاصرين لا يملكون سندا من الأعلام القدماء إلا بتحريف أو تخريف.
    قال الإمام الشافعي ردا على سؤال سائلٍ: "570-قال الشافعي: فقلت له: كل ما سنَّ رسول الله مع كتاب الله من سنة فهي موافقة كتابَ الله في النصِّ بمثله، وفي الجملة بالتبيين عن الله، والتبيين يكون أكثرَ تفسيراً من الجملة. 571-وما سنَّ مما ليس فيه نصُّ كتاب الله فبفرض الله طاعتَه عامةً في أمره تبعناه".
    وقال أيضا: "(290) قال الشافعي وما أعلمنا الله مما سبق في علمه وحتم قضائه الذي لا يرد من فضله عليه ونعمته انه منعه من ان يهموا به ان يضلوه وأعلمه انهم لا يضرونه من شئ
    - وفي شهادته بأنه يهدي إلى صراط مستقيم صراط الله والشهادة بتأديبه رسالته واتباع أمره وفيما وصفت مت فرضه طاعته وتأكيده إياه في الآي ذكرت ما اقدم الله به الحجة على خلقه بالتسليم لحكم رسول الله واتباع أمره (292) قال الشافعي وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه
    حكم فبحكم الله سنة وكذلك أخبرنا الله في قوله (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله) (293) وقد سن رسول الله مع كتاب الله وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب (294) وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه وجعل في اتباعه طاعته وفي العنود عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقا
    ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجا لما وصفت وما قال رسول الله (295) أخبرنا سفيان عن سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله سمع عبيد الله بن أبي رافع يحدث عن أبيه أن رسول الله قال " لا الفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الامر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ، (296) قال سفيان وحدثنيه محمد بن المنكدر عن النبي مرسلا (297) قال الشافعي الاريكة السرير".
    وهذا الكلام من الإمام الشافعي واضح تمام الوضح، لا يترك مجالا لقائل أو لوهم متوهم أن ينسب للشافعي رحمه الله أنه يقول إن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يسن أمرا إلا كان في كتاب الله، أي إن رسول الله عليه السلام في زعم المؤلف لا يحكم بأمر ليس له ذكر في كتاب الله، بحجة أن إنشاء الأحكام لا يكون إلا لكتاب الله!!
    فالشافعي يصرح بكالم مفصل أن السنة تستقل بتشريع الأحكام:"وقد سنَّ رسول الله مع كتاب الله وسنَّ فيما ليس فيه بعينه نص كتاب (294) وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه وجعل في اتباعه طاعته وفي العنود عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقا". فهل هذا الكلام الواضح يحتمل تأويلا يحرَّف به عن مرامه.
    وإليكم ما هو أصرح مما ذكرناه عن الإمام الشافعي. فقد قال رحمه الله تعالى: "(298) وسنن رسول الله مع كتاب الله وجهان أحدهما: نص كتابٍ، فاتَّبعه رسول الله كما أنزلَ الله، والآخر جملة بين رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة وأوضح كيف فرضها عاما أو خاصا، وكيف أراد أن يأتي به العباد وكلاهما اتبع فيه كتاب الله
    (299) قال: فلم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه فاجتمعوا منها على وجهين
    (300) والوجهان يجتمعان ويتفرعان
    أحدهما ما أنزل الله فيه نص كتاب فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب.
    والآخر مما أنزل الله فيه جملة كتاب فبين عن الله معنى ما أراد وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما
    (301) والوجه الثالث ما سنَّ رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب
    (302) فمنهم من قال جعل الله له بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب
    (303) ومنهم من قال لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب كما كانت سنته لتبيين عدد الصلاة وعملها، على أصل جملة فرض الصلاة وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من الشرائع، لأن الله قال: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقال: (وأحل الله البيع وحرم الربا) فما أحل وحرم فإنما بين فيه عن الله كما بين الصلاة
    (204) ومنهم من قال بل جاءته به رسالة الله فأُثْبِتَت سنَّتُه بفرض الله
    (305) ومنهم من قال ألقي في رُوعه كل ما سنَّ، وسنته الحكمة: الذي أُلقي في روعه عن الله فكان ما ألقي في روعه سنته
    (306) أخبرنا عبد العزيز عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب قال قال رسول الله " إن الروح الامين قد ألقي في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها فأجملوا في الطلب "
    (307) فكان مما ألقي في روعه سنته وهي الحكمة التي ذكر الله، وما أنزل به عليه كتاب فهو كتاب الله، وكل جاءه من نعم الله كما أراد الله وكما جاءته النعم تجمعها النعمة وتتفرق بأنها في أمورٍ بعضها غير بعض ونسأل الله العصمة والتوفيق
    (308) وأيُّ هذا كان، فقد بين الله أنه فرض فيه طاعة رسوله ولم يجعل لأحد من خلقه عذرا بخلاف أمرٍ عرَفَه من أمر رسول الله، وأنْ قد جعل الله بالناس الحاجة إليه في دينهم وأقام عليهم حجته بما دلهم عليه من سنن رسول الله معانِي ما أراد الله بفرائضه في كتابه، لِيَعْلم مَنْ عرف منها ما وصفنا أن سنته صلى الله عليه إذا كانت سنة مبينة عن الله معنى ما أراد من مفروضه فيما فيه كتاب يتلونه، وفيما ليس فيه نص كتاب أخرى، فهي كذلك أين كانت لا يختلف حكم الله ثم حكم رسوله بل هو لازم بكل حال.
    (309) وكذلك قال رسول الله في حديث أبي رافع الذي كتبنا قبل هذا".
    هذا هو كلام الشافعي واضح المعنى مفصل غاية التفصيل.
    والله لا أدري ما السبب الذي جعل المؤلف ينحرف في فهم المعنى إن كان قاصدا فهم المعنى الذي يريده الشافعي فعلا، إلا أنه اقتطع تلك العبارة اقتطاعا من كلام الشافعيّ لأمر يريد إيهام الناس أه موافق فيه للشافعي، وهيهات، وحاشا الشافعي أن يقع في مثل هذه الحفرة الخطيرة، وينحرف هذا الانحراف الشديد.
    وأين مقام من حكم على من اعتقد أن للنبي عليه السلام أن يحكم فيما لم ينزل به الله تعالى حكما في كتابه شركا ينافي التوحيد، أهذا من التقوى أو من التنفير والتحريف لكتاب الله تعالى، أم هو من الانحراف إلى هوى الليبرالية الجديدة التي تثقل عليها كثير من الأحكام النبوية الشريفة، فتراهم يزعمون أنهم إنما يقتصرون على أحكام القرآن، والحقيقة أنهم لو جوبهوا بأحكام القرآن أيضا لنفروا منها أو من بعضها إما حالا أو مآلا، خصوصا في هذا العصر الخطير الذي جعلت فيه الفتن الليبرالية والمناداة بترك الاختلافات بين الأديان، والتحريض على عدم تفضيل دين على دين بشتى الوسائل.
    وبذلك يظهر لنا الفساد التام لما زعمه المؤلف في هذه النقاط، خصوصا إذا ضممنا ما قلناه هنا لما ذكرناه آنفا. ومن أراد التوسع فليرجع إلى كلام الإمام الشافعي في الرسالة وإلى كلام الأصوليين والمفسرين. مع أن المقام أوضح من أن يحوج إلى ذلك.
    ولنُعِد التأمل مرة أخرى في قول العلواني المنقول سابقا: "وتلك مهمة الكتاب فهو الدليل المنشيء، ودليل آخر يبين لنا كيفية بناء منهج التطبيق والعمل والتأسي، ليحول ذلك إلى أمر مقدور عليه بشريا، يمكن اتباعه فيه، ويمكن التأسي به فيه...فتصور وجود أدلة منشئة معي أو إلى جانبي هو أول الوهن، وبداية الانحراف، بل هو شرك ينافي التوحيد"، فالقول بأن السنة لها أن تنشي أحكاما غير مذكورة في القرآن ولا يدل عليها هو نوع من الشرك في نظر المؤلف، فيا للتقوى الهائلة التي يتصف بها !! تلك التقوى والمجاهرة بالحق التي تحمله على الحكم على أغلب الأمة في القرون السابقة المتطاولة بأنهم أشركوا مع الله تعالى، بل إنه يحكم على رسول الله عليه السلام نفسه بأنه وقع في الشرك عندما أوجب على الناس اتباع سنته، وحذر من الاعتقاد بأنها غير ملزمة للخلق، وقال في ص182: "كما يصوب القرآن له صلى الله عليه وسلم تأويلاته وتطبيقاته فلا تأخذ موقع الحكم الملزم إلا بعد تصديق القرآن وهيمنته عليها وإقراره لها"، وهذا تصريح هطير جدا في نظرنا، أكدنا نحن هذا الفهم من كلامه من قبل، ولم نتوقف في الإعلان عنه ونسبته إلى المؤلف، إلى أن نحصل على تصريحه، كما يطالب كثير من السذج في أحيانا، فيقولون لنا: لا يصح أن تنسب لواحد قولا إلا إذا صرح به، ولم يعرف هؤلاء أن الكلام الصادر من شخص يلزمه معان لا تنفك عنه، إذا نفيناها أو نفاها صاحب الكلام تناقض، وعارض ما قرره بمنطوق لفظه، ولذك فإن ما كان لازما واضحا للكلام وللمذهب، فإنه يلزم به.
    ولو تأملنا في تلك اللوازم وإطلاق الشرك على من جعل مصدرا للأحكام بجانب القرآن، فإنه تظهر لنا حقيقة الأمر التي قد يغفل عنها بعض القراء وهي أنه يقرر أن القرآن نفسه وقع في الشرك عندما أوجب على الناس اتباع ما جاء به النبي عليه السلام...
    وعلى ضوء ما كشفنا عنه بالنقول وبالتحليلات السابقة، يظهر مدى خطورته، ومدى انحرافه عن الجادّة، وبعده العظيم عن المنهجية السديدة التي يدعو الخلق للاهتداء بها، بل هي عبارة عن مثال صريح للمنهجية التحكمية التي يريد منا الدكتور الافضل أن ننتهجها في دراسة الكتاب والسنة، فهو يقدم لنا مثالا عمليا لنقتدي به في هذا الأمر، ولكنا نطمئنه، فإنا لن نسمح لأنفسنا أن نغض الطرف عما يقوم به وغيره في هذا المجال، وسوف نناضل من أجل بيان الحقيقة للناس كافة، وإن أدى ذلك إلى ما أدى!
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  13. ثامناً: مكانة الإجماع عند المؤلف
    والمؤلف يناقش حجية الإجماع ويسلم تنزلا بأنه كذلك، وأنه يفيد رفع الحكم من الظن إلى القطع، وأنه لا بدّ له من مستند يرجع إلى الكتاب في رأيه أو إلى السنة في رأي العلماء، ولكن المؤلف المجدد يسأل القائلين بالإجماع على لسان القرآن فيقول ص157: "إذا كانت هذه هي وظيفة الإجماع فلم جعلتم الإجماعات إذا تعارضت معي هي المقدَّمة عليّ؟ فماذا نقول؟"
    هكذا يطلق المؤلف القول بأنه من الممكن أن يتعارض الإجماع المقطوع به مع القرآن، وفي هذه الحالة لا يملك أي أحد إلا أن يقول لا عبرة بالإجماع من أصله، بل الحاذق يعلم أن هذا الاحتمال يؤدي إلى إبطال أصل حجية الإجماع، لا نفي الإجماع في المحل الذي يفترض فيه وقوع التعارض مع القرآن فقط.
    فما هو الحل الذي يقترحه المؤلف في هذه الحالة، يقول في ص158: "ليس بين أيدينا إلا أن نعتذر ونقول: هذا خطأ، فتقديم الإجماع على صاحب المستند الذي يستند الإجماع إليه خطأ".
    هذا رأي المؤلف! ولكنا نقول: إن هذه الحالة لا يمكن حصولها، ومجرد افتراض ذلك خطأ من المفترض، فيستحيل أن يقع الإجماع معارضا للقرآن، إذا كان مستند الإجماع من القرآن، عند من يقول إنه لا بد أن يكون المستند من القرآن. وكذلك يستحيل هذا الفرض إذا كان المستند من السنة، لأنه يستحيل أن تعارض السنة القرآن، إلا إذا علمنا أن هناك نسخاً لحكم الآية على مذهب بعض الأعلام.
    فمجرد فرض التعارض فرض باطل، ولا يصح أن نرتب على نحو هذا الفرض التشكيك في الإجماع، ولا في غيره من المسائل الأصولية.
    ويمكن أن يريد المؤلف إن التقديم المقصود يقع بالفعل في حالة الإيجاب على المجتهد أن ينظر في الإجماعات أولا لكي لا يخالفها. وذلك لكي لا يذهب إلى ما يخالف الإجماع المقطوع به إذا نظر في القرآن، فإن بنى المؤلف على هذا الفرض، فهذا دليل آخر ينضم إلى ما مضى على أنه لا يتقن ما يتكلم فيه، أعني إنه لا يتقن علم الأصول ولا يعرف علم الكلام ، وقطعا فهو غير عالم في الحديث النبوي، وقد تبين لنا بطلان كلامه في فهم بعض الآيات التي احتج بها، أي في تفسيرها! وهذا يوجب الشك في معارفه كلها.
    وذلك لأن المراد من هذا التقديم، التقديم في مراتب الحجج، وليس راد بذلك أن القرآن يدل على أمر والإجماع دالٌّ على ما يعارض القرآن، وأن الأصوليين يوجبون تقديم مقتضى الإجماع على مقتضى القرآن. فهذا كما قررنا غير حاصل. ولكن لما كان الإجماع من الأدلة المركبة، التي لا يمكن أن تحصل واقعا وتتحقق ماصدقاتها إلا بعد النظر في الكتاب والسنة وغيرهما من الأدلة، فمعنى ذلك أن الغجماع دليل خاصّ جدا، وهذا يوجب أنه إذا وقع الإجماع فإنه يقع في ضمنه كل هذه الأدلة المذكورة. وعلى ذلك فإن الأصوليين يحذرون المجتهد في أثناء النرظ الاجتهادي من أن يعارض الإجماع القطعي عند نظره في آيات القرآن، وليعلم أن في نظره خللا ما، وعليه إذن مراجعة نظره واجتهاده، لا معارضة الإجماع نفسه. لأن الإجماع مقطوع به، ونظره مظنون، ولا عبرة بالظن في مقابل القطع.
    وإذا أراد أن بعض الإجماعات يدَّعى فيها الحكم مقطوعا به من غير وجود مستند يدل عليه، وقد يقع أن يجد بعض الناظرين في القرآن دلائل تعارض ما أجمع عليه !
    فنقول: الإجماع قد ينقل ويهمل نقل مستنده، وفي حالة كون المستند من القرآن، فنه يستحيل أن يهمل نقل المستند، إلا أن يراد إهمال النص على موضع المستند أو النص على توجيه دلالته على الإجماع، وكلتا هاتين الحالتين لا تستلزمان أن ينظر مجهتد من المجتهدين في القرآن ويتوصل إلى ما يعارض الإجماع، ويكون حكمه مسلما، لأنه لا بدّ من وجود مجتهد آخر يعمل فكره وينبه هذا المعارض إلى موضع الاستدلال، وإلى بطلان اجتهاده. وفي هذه الحالة المفروض، لا يصح أن يقال: إن الإجماع عارض ما في القرآن، أو أنهم أجمعوا على ما ينافي القرآن! بل غاية ما يقال: إن الإجماع عارض ما أدى إليه اجتهاد هذا المجتهد، ولا دليل على أن اجتهاد هذا المجتهد هو الموافق للقرآن دون ما عليه أهل الإجماع.
    فقد تبين أن إطلاق القول بوقوع الإجماع معارضا للقرآن أمر باطل، وبمني على مغالطة لم يكن يحسن بمثل الدكتور أن يقع فيها.
    ثم قال المؤلف في ص158: "وقلتم إن منكر الإجماع كافر، وأنزلتم عليه ما ورد في ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً، وقلتم إن هذا هو الغجماع، وأنا لم أرد هذا، ولا دليل لديكم يدل بمنطقي أو بمقتضى منطقي لهذا المنطوق أو المفهوم الذي ذهبتم إليه.
    فهل لدينا شيء هنا غير التراجع والأسف لنفائس الأوقات التي ضاعت في الجدل في هذا؟"
    فنقول له: نعم لدينا ما نقوله هنا غير ما تقترحه علينا، فلنا أن نقول إن كلامك المارّ غير صحيح من أصله، فأنت تزعم بإطلاق كلامك أن الأصوليين كلهم قرروا هذا القول أعني تكفير منكر الإجماع، وهذا غير صحيح بالمرة، وأنت تعلم أن أكابر العلماء قدحوا في هذا الحكم الذي أطلقه بعضهم، وقرروا أن الإجماع ما دام لم يسلم حجيته، فلا يصح تكفير منكرها. وهذا ما نصّ عليه الغزالي وغيره من الأكبر، وهو المعتمد عند المحققين. فما توهم به القراء من أن الحكم بالتكفير هو قول الأصوليين أمر باطل ، ومن العيب أن تقول به وتنقله في كتاب تدعي أنه يعلم الناس المنهجية الصحيحة التي لا عيب فيها.
    ثم إن في كلامه أمرا خطير أيضا، ففي السطرين الأخيرين المنقولين ما يدل على أنهع يتهم أكابر الأعلام من الشافعي إلى آخر من قال بحجية الإجماع، أنهم يسيرون على غير منهج القرآن، وينسبون إلى القرآن غير ما يدل عليه، ويبالغ في دعوى أنه لا دلالة لهم على ذلك أبداً. وكان ينبغي بمقتضى المنهجية السديدة المنصفة التي يزعمها أن يقول إن هناك دلائل، ولكنه يخالفها، لا أن يطلق القول بعدم وجود دلائل أصلا. وفرق بين ان تقول في حال الكلام علىا لمنهجية وتعليم الناس إياها حاكما على المجتهدين والأصوليين القائلين بذلك إنهم قالوا أمرا لا دليل عليه، وبين أن تقول: إنهم اعتمدوا على دلائلا أراها غير صحيحة. ففي الحالة الأولى أنت تتهمهم بالتعمد في مخالفة القرآن. وفي الحالة الثانية، تتيح المجال للقارئ أن يعيد النظر في قولك، ويوازنه بأقوال غيرك من الذين تخالفهم، لأن مفاده أنك تقول: هذا هو اجتهادي الذي أخالف فيه اجتهاد الآخرين. مما يرشد ولو باللازم من يقرأه إلى محاولة النظ في آراء المخالفين لك، ولكنك تقصد ان تحجبهم عن القراء، وتحجب القراء عنهم، وتقسر المتابعين لك قسرا على عدم الالتفات إلى آراء جماهير الأعلام من علماء الأمة. ولكنك بتعبيراتك المذهلة المستفزة لم تعترف أصلا بأن الآخرين الذين تخالفهم لهم اجتهاد معتبر أصلا، على الأقل بمقتضى تعبيراتك الحماسية الغريبة عن هذا العلم الرصين.
    وأريد أن أنبه القراء الكرام هنا إلى أننا لا نناقش المؤلف في جميع كلامه، ولا نحلل تعبيراته كلها، بل نقتصر على أمثلة نشير بها إلى غيرها كثير كثير مما أودعه في هذا الكتاب وفي غيره من الكتب واللقاءات المسجلة له على وسائل الإعلام. فليتجه الباحث المنصف إلى تتبع كلامه، ومقارنته بما حللناه هنا ليحكم على بينة.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  14. تاسعاً: رأيه في القياس
    ينسب العلواني لأصحاب القياس أنهم يعتقدون في القرآن قصورا عن تلبية حاجات البشر!! فيقول على لسان القرآن مخاطبا القائلين بالقياس! الذين يضعهم العلواني في خانة المخالفين للقرآن الذين حرفوا الأمر عن أصوله وطريقته الأولى في ص159: "ولم هذا هل رأيتم بي قصورا عن تلبية أية حاجة من حاجاتكم التشريعية؟ فنقول: نعم رأينا فيك قصورا؟ فيقول وما هو؟ فنقول أنا ظننا أن نصوصك متناهية ووقائع حياتنا غير متناهية، فكل صباح مساء تبرز عندنا إشكالات بالآلاف، وآيتك معدودة. فيقول أفلم تتدبروا القرآن، فقد طالبتكم بالتدبر والتدبر كان كفيلا بأن يعلمكم أنه لم يفرط الله بي من شيء...أنت أسأتم الفهم، وزعمتم أن نصوصي متناهية والحقيقة أن نصوص غير متناهية، فأنا لو فصلت نصوصي {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }لقمان27، فأنا لو أردت الدخول في التفاصيل لما كفاكم كل ما في الأرض من مياه إذا تحولت إلى مداد، وأشجار تتحول إلى أقلام، وموجودات تتحول لى أوراق لما كفاكم كل هذا لتسجيل الكلمات التي أشتمل عليها (ما نفدت كلمات ربي).....ولن أحوجكم إلى أية دلائل مخترعات أخرى، فكل ما كنتم تحتاجونه هو التدبر، وتشغيل قوى الوعي لديكم، وفهم للوقائع التي تحدث...الخ".
    فها هو بعدما رأينا تناقضه في اعتراضه على القائلين بأن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية، ويعتبر هذه المقولة باطلة من أصلها، ومن القول بالباطل على القرآن! يعود الآن ويؤسس على هذه النظرة، ولكنه ويا للأسف يعود ويتناقض مرة أخرى، ففي عين تقريره لبطلان هذه المقولة، يقرر صوابها وصحتها، وفي عين استدلاله بالآية القرآنية الدالة على تناهي نصوص القرآن من حيث حيث نصوص، يعود ويزعم أنها غير متناهية...!! وأنا لا أعرف ما هي هذه الطريقة الحكيمة التي ينادينا إليها! ما هذا اللون من السخافة الفكرية التي يدعونا إلى اتباعها، أيدعونا إلى ترك الطرائق الأصولية المضبوطة المفصلة إلى مثل هذا النحو من الإجمال التي يترك لكل قائل وما يقول، ما هو هذا التدبر لذي يقترحه بديلا عن الطريقة الأصولية المضبوطة المنضبطة التي سموها بالقياس للكشف عن حكم الله تعالى، لم يقل لنا كيف نتدبر وما ضوابط الفهم الصحيح في التدبر، ولكن الأصوليين لحكمتهم ولأنهم كانوا علماء لا أصحاب غايات ومقاصد يريدون أن يحملوا كلام الله تعالى عليها ولو بالقسر! لم يتركوا القائلين في القرآن والسنة وما يريدون، بل ضبطوا المناهج، وأحكموها، ووضعوا لها شروطا وأركانا عينوها، وطلبوا من كل من يريد الاجتهاد في القرآن والتدبر، أن ينضبط فكره ونظره بهذه المنهجية المحكمة، وإلا لزم على ذلك أن يقوِّلوا القرآن ما يرغبون، وينسبوا إليه ما يشتهون، كما يؤول إليه حال المنهجية التي يدعونا إليها العلواني ومن يسلك مسلكه.
    إنه يزعم أن من قال بأن نصوص القرآن متناهية فقد أخطأ! وما دليله على ذلك، يحتج بالىية المذكورة التي هي أبلغ دليل على تناهي النصوص المنزلة من عند الله تعالى، ويحتج بأن كلام الله تعالى لا يمكن الإحاطة به على النحو المذكور في الآية، ولكن يهمل كعادته وبحسب منهجيته التي يدعونا إليها أن الكلام الذي يتكلم عليه الله تعالى في الآية المذكورة، ليس هو القرآن الكريم، بل كلامه النفسي الذي لم ينزل لنا إلا ما يدل على بعضه كما في القرآن الكريم، فها هو العلواني الذي يريد إرجاع الأمر إلى سيرته الأولى!! يحمل هذا اللاتناهي على القرآن المنزل بين يدينا! فيا نعم هذا الفهم ويا لهول هذا الانحراف!
    إن أحدا لا يشك في أن حروف القرآن وألفاظه متناهية، نعم إنه يدل على معان كثيرة، ولكن دلالته هذه لا تنافي كون ألفاظه متناهية، وما يفهم من الآية الكريمة ليس كما ذكره أن القرآن غير متناهٍ، بل خلافه، ولكنه يكفي المؤمنين في النجاة والهداية في الدنيا والآخرة.
    قال الطبري: " يقول تعالى ذكره: ولو أن شجر الأرض كلها بريت أقلاما(والبَحْرُ يَمُدُّهُ) يقول: والبحر له مداد، والهاء في قولهيَمُدُّهُ) عائدة على البحر. وقولهمنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مِا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) وفي هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة الظاهر عليه منه، وهو يكتب كلام الله بتلك الأقلام وبذلك المداد، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفذ ذلك المداد، ولم تنفد كلمات الله.
    وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل".
    وروي عن رسول الله عليه السلام أنه قال في هذه الآية: "هِيَ فِي عِلمِ اللهِ قَلِيلٌ، وقَدْ أتاكُمُ اللهُ ما إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ انْتَفَعْتُمْ"
    وقال الإمام الرازي: "الأول: أن قوله : { وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } بينا أن المراد منه هو أن يكون بعدد كل شجرة موجودة أقلام فتكون الأقلام أكثر من الأشجار الموجودة وقوله في البحر : { والبحر يَمُدُّهُ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } إشارة إلى أن البحر لو كان أكثر من الموجود لاستوى القلم والبحر في المعنى والثاني : هو أن النقصان بالكتابة يلحق المداد أكثر فإنه هو النافد والقلم الواحد يمكن أن يكتب به كتب كثيرة فذكر المدد في البحر الذي هو كالمداد .
    ثم قال تعالى : { إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } لما ذكر أن ملكوته كثيراً أشار إلى ما يحقق ذلك فقال : { إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي كامل القدرة فيكون له مقدورات لا نهاية لها وإلا لانتهت القدرة إلى حيث لا تصلح للإيجاد وهو حكيم كامل العلم ففي علمه ما لا نهاية له فتحقق أن البحر لو كان مداداً لما نفد ما في علمه وقدرته".
    وقال السمرقندي في بحر العلوم: " قوله عز وجل : { وَلَوْ أَنَّمَا فِى الارض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } الآية . قال قتادة : ذلك أن المشركين قالوا : هذا كلام يوشك أن ينفد وينقطع . فنزل قوله تعالى : { وَلَوْ أَنّ مَّا فِى الارض } الآية . قال ابن عباس في رواية أبي صالح : إن اليهود أعداء الله . سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح فنزل { وَيَسْألُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 85 ] قالوا : كيف تقول هذا وأنت تزعم أن من أُوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً . فكيف يجتمع علم قليل وخير كثير؟ فنزل { وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى الارض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } يقول : لو أن الشجر تبرى وتجعل أقلاماً { والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } تكون كلها مداداً ، يكتب بها علم الله عز وجل ، لانكسرت الأقلام ، ولنفد المداد ، ولم ينفد علم الله تعالى . فما أعطاكم الله من العلم قليل فيما عنده من العلم . قرأ أبو عمرو : { والبحر يَمُدُّهُ } بنصب الراء . وقرأ الباقون : بالضم . فمن قرأ بالنصب نصبه . لأنّ معناه : ولو أن ما في الأرض وأن البحر يمده . ومن قرأ بالضم : فهو على الاستئناف { والبحر يَمُدُّهُ } يعني : أمد إلى كل بحر مثله ما نفدت { مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } يعني : علمه وعجائبه . ويقال : معاني كلمات الله . لأن لكل آية ولكل كلمة من المعاني ما لا يدرك ولا يحصى .
    ويقال : { مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } لأن كلمات الله لا تدرك ما تكلم به في الأزل سبحانه وتعالى".
    فالقياس طريقة للتدبر، والمستخرج بالقياس من الأحكام وسواها لا يصح أن يقال عليه إنه ألصق بالقرآن ما لا يفيده ولا يستلزمه.
    إن المؤلف العلواني لا يعزب عن فهمه أن القياس عند الأصوليين آلية للكشف عن الحكم الشرعي وذلك بالاستعانة بالنصوص الشرعية من الآيات القرآنية كما يوافق عليه العلواني، ومن الأحاديث النبوية الشريفة التي لا يرضى العلواني أن تكون مؤسسة لحكم شرعيّ ابتداءً! وقد تمَّ إثبات أن القياس من حيث هو آلية توصلنا إلى هذه الفائدة قد قام عليها الأدلة من الكتاب والسنة. فالأصوليون قرروا أن الأحكام كلها لله إما بما دل عليه في القرآن أو بما أوحاه إلى نبيه عليه السلام، على النحو الذي فصله الإمام الشافعي، وقد نقلناه عنه، ثم إن ما لم يأتنا فيه نص على عينه، فإننا نقيسه على ما أتانا في هذين المصدرين بطرق مقررة شرعا، دلنا عليها الكتاب وورسول الله عليه السلام. وكل ذلك مقرر في علم الأصول.
    وأخيرا لا ننسى أن نذكر أن العلواني أعاد في أواخر كتابه القول بأن القياس وغيره من الطرق الاستدلالية الأصولية إنما قال بها الأصوليون لأسباب تاريخية وظروف خاصة، فقال في ص243: "إيلاء الأدلة أو الأصول الاجتهادية كالقياس والاستحسان والمصلحة وغيرها عناية خاصة دراستها دراسة تاريخية، ومعرفة الظروف التي أملت على المجتهدين القول بها، ومحاولة تنمية الحس الفقهي بها لدى الباحثين في مجالات الفقه والأصول، باعتبارها أدوات منهاجية، لا مصادر لأحكام شرعية".
    في هذا النص فاجعتان كل واحدة منهما أعظم من الأخرى.
    الأولى: أنه عدَّ القياس وغيره من آليات الاستدلال الأصولية أمورا أملتها على المجتهدين ظروفا تاريخية، ويفهممن هذا أن الظروف لو تغيرت، فإنه يمكن أن تتغير هذه الآليات. وقد اشار إلى هذا المعنى غير مرة، وسبق في أوائل هذا التعليق نقله عنه، والإشارة إلى ميله إلى طرقة العلمانيين المائلين إلى تاريخية النصوص أو على الأقل تاريخية الآليات المستخرجة منها.
    الثانية: ما ذكره في أواخر الفقرة من أنه ينبغي عدّ القياس وغيره أدوات منهاجية لا مصادر لأحكام شرعية! وهذا أمر غريب جدا، فمن أيها الجهبذ من المجتهدين اعتبر القياس وغيره مصادر للأحكام الشرعية، فالمصدر يشتمل على حكم، ولا أحد قال إن القياس من حيث قياس مثلا، وكذا غيره، يشتمل على حكم شرعيّ، ولو كان كذلك لما اعتبروه دليلا إجماليا أو كليا، ولما قالوا إن القياس كاشف عن حكم شرعية بانضمام مقدمة أخرى فيها مادة الحكم وتكون من النصوص الشرعية. فمصدر الحكم لا يكون إلا الكتا بوالسنة عند العلماء، وأما عند المؤلف، فلا يكون إلا الكتاب، وأما السنة فمجرد تجربة تطبيقية فعلها الرسول عليه السلام لتعليم أمته كيفية التنزيل الواقعي للأحكام. فلا نتبعه إلا في التجربة، لا في نتائجها والأحكام التي قررها إلا إذا أكد القرآن تلك الأحكام. وقد سبق ذكر ذلك.
    ألم يقرأ العلواني في كتب الأصوليين –خصوصا منهم أهل السنة الأشاعرة الذين يتحسس منهم ومن كتبهم- أنهم قرروا أن الحكم الشرعي لا يثبت إلا بخطاب الله تعالى، حتى إنهم عرفوا الحكم الشرعيّ بأنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، والحكم الشرعي هو الحرمة والوجوب والكراهة والإباحة والندب، كما صرحوا بذلك. وأيضا فقد صرحوا أن المراد بأن القياس دليل الحكم أو أنه يثبت الحكمَ أي: إنه يكشف عن الحكم الشرعي الثابت بالخطاب الشرعيّ، استمع إلى البناني في حواشيه على جمع الجوامع يقول: " فإن قيل: أخذ الخطاب جنساً للحكم يفيد أن ما ثبت بنحو القياس ليس من الحكم مع أنه منه. فالجواب أن نحو القياس كاشف ومظهر لخطابه تعالى وهو معنى كونه دليل الحكم". ونصوص الأصوليين على هذا المعنى كثيرة متداولة.

    والخلاصة أن المؤلف يتخيل أموراً، ويلصقها بالأصوليين، بناء على سوء فهمه، أو قلة اطلاعه، ثم يقترح عين ما ذكره الأصوليون، فيقول مثلا: لا يجوز اعتبار القياس مصدرا من مصادر الأحكام الشرعية، والحال أنه لا أحد من الأعلام اعتبره كذلك. ثم يقول: بل يجب اعتبار القياس آلية ومنهجا وواسطة لإظهار الحكم الشرعي، وكاشفا عنه، لا غير، والحال أنا لو رجعنا إلى أعلام الأصوليين لوجدناهم لا يقررون إلا هذا المفهوم عن القياس.
    ولما ظهر لنا حال المؤلف هذا من الخلط ، استدعى ذلك منا العجب، وأجبرنا على السكوت عن الكتابة والتأمل في حاله ومآل آرائه.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  15. عاشراً: موقفه من تفسير القرآن بلغة العرب
    وقد اعترض العلواني على قول الأصوليين إن في القرآن مقيدا يحتاج إلى تقييد، وعاما يحتاج إلى تخصيص أو استثناء، وعدَّ ذلك تحكما منهم بالقرآن، وتطبيقا لقوانين لغة العرب على القرآن، وهذا الأمر غير صحيح عنده!!
    قال العلواني في ص161: "فقلنا له –أي للقرآن-: لكن لسانك فيه عموم وخصوص، وفيك إطلاق وتقييد، وفيك مجمل ومبين، فقال أنا بيان للناس مذ أُنلتُ، وآياتي بينات ومبينات، وليس بي شيء مما تتوهمونه، لكن الذي حدث هو أنكم أسقطتم أحكام لغتكم ولسانكم القاصر عليّ، وظننتم لتشابه الحروف بين لساني وألسنتكم أنها واحدة، تحكم بقواعد واحدة، فأسقطتم كل أحكام لسانكم عليّ، وحكمتم على ما ورد في وفقا لقواعدكم تلك، على هذا فقلتم: هذا مجمل وهذا مبين، وهذا مترادف وهذا متواطئ، وهذا عام وهذا خاص، وقد تحديتكم منذ البداية، وأثبتُّ لكم أنكم لا يمكن أن تقاربوا لساني، وأنكم أعجز إنسا وجنا بكل قواكم وطاقاتكم من محاولة الإتيان بمثلي أو مقاربة مستواي بأي شكل من الأشكال، فكونكم لم تفهموا هذا فذلك خطؤكم، لذلك سويتم بيني وبين لغة الأعراب، وربما أعليتم شأن لغة الأعراب على لساني، فكل قواعد نحوكم وصرفكم وبلاغتكم استمددتموها من أقوال البدو الأعراب، وجعلتم قواهد نحوكم وصرفكم هي الحكم فيَّ وفي ولساني....."
    هذا بعض ما قاله العلواني في هذا الباب، وهو يستنكر على الأصوليين والنحاة والبلاغيين أن فهموا قواعد اللغة العربية ثم شرعوا في فهم القرآن بناء على إتقانهم اللغةا لعربية التي بها أنزل القرآن! ومن المعلوم أن هذا الأسلوب والطريقة في الفهم مقررة من لدن الصحابة والرسول عليه الصلاة والسلام، بل إنه مذكور في القرآن أيضا، فقد قال الله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}إبراهيم4، فتأمل قول الله تعالى، إن الكتب ينزلها الله تعالى بألسنة الأقوام المخاطبين أصالة، ليكون ذلك أقرب إلى تفهيمهم، إذن ينبغي عليهم لكي يفهموا القرآن أن يفهموا لغتهم أحسن فهم، ويعرفوا قواعدها على أحسن وجه، وبلاغتها على أدق قانون، وقد ذكر ذلك كله الإمام الشافعي في أوائل كتاب الرسالة من الأم، فرجع إليه لتشفي غليلك، وتنظر الفارق بين كلام العلماء والمتخابطين، وهذه الفهوم للغتهم وأساليبها هي التي تؤهلهم لفهم ما أنزله الله تعالى، ولكن العلواني يعكس الأمور، ويعارض صريح الآية القرآنية، فيقول: لا يصح لنا أن نعمل قواعد اللغة العربية ولا بلاغتها في فهم القرآن، بل ينبغي أن نخترع للقرآن قواعد خاصة وبلاغة خاصة، لنتمكن من فهمه، ولذلك فهو يعارض ما قرره الأصوليون واللغويون من قواعد اعتمدوا عليها في دراسة القرآن الكريم واستنباط أحكامه، ويقول العلواني لهم: إنكم بذلك تكونون قد أعليتم قواعد الأعراب!! على لغة القرآن. وهذه كلمة قد يغتر بها بعض القرآن ويتخذها دليلا على إعلاء العلواني من شأن القرآن، وقد يندفع وراءه بعضهم فيقول: نعم كيف نستطيع أن نحكم على القرآن بلغة العرب، الذين يسميهم العلواني أعراباً، والأعراب لفظ يطلق على البدو الرعاة الغافلين وعلى المنافقين أحيانا، وقد نسي أن اللغة العربية هي لغة الصحابة أيضا، وهي لغة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وقد كان الرسول يحرص على إظهار علمه بلغات العرب، ونسي أن القرآن اعتبر لغات العرب في كثير من القراءات المتواترة، ونس ونسي....!ولكن يبدو أن الإنسان العاقل يستحيل أن ينسى كل هذه القواعد، لأن المشتغل بالعلم قد يغفل عن قاعدة، أو ثنتين، أو يعزب فهمه عن تطبيق بعضها، ولكن أن لا يلتفت إلى كل تلك الشواهد والاعتبارات التي هي ألف باء العلوم الشرعية، فهذا ليس نسيانا بل تناسيا مقصودا، وإنكارا يرغب الناس فيه ترغيبا، ولذلك فإننا لم نكن قد أبعدنا الرمية عندما قلنا إن أمثال العلواني يمهدون كل التمهيد للملاحدة والعلمانيين في هذا الزمان، ماذا يريد العلمانيون أحسن من إنسان ينسب نفسه للشريعة يتفاخر دائما بأنه حقق كتاب المحصول في أصول الفقه للإمام الرازي، ثم تصدر منه كل هذه الكلمات والدعاوى الفارغة عن الحقيقة، ويزعم بعد ذلك إنها هي التي يمكن تأسيس نهضة جديدة للمسلمين عليها! الله الله! هل تقام نهضة المسلمين على الجهل والتجاهل، أم على العلم والإتقان، هل النهضة المدعوّ إليها في هذا العصر من بعض من يسمون باحثين ومفكرين إسلاميين لا يمكن الوصول إليها إلا بإنكار قواعد العلوم التي أسسها أعلامنا السابقون، وأقاموا عليها كل هذه المعارف والتحقيقات التي يتفاخرون هم بها، قبل غيرهم! أنا أتعجب لشأن نهذضة تكون هذه مواصفاتها، ونهضة تكون هذه هي شروطها المعدِّة لها!!! إن وراء نهضة بهذه المواصفات لشأن خطير على أشد ما تكون الخطورة! وإنا لنحذر الناس من نهضة ترسمها هذه المراسم، وتقعدها هي المجاهل، وتعلوها وتبدأ بها هذه الدعاوى المغرضة المغياة!! التي تستدعي من الأذكياء الحريصين على احترام عقولهم إعادة النظر فيها، والحذر بل التحذير منها.
    ويرجع العلواني بعد صفحات ليؤكد ما قرره هنا من استنكاره استعمال القواعدا للغوية في تفسر القرآن الكريم، فيقول في ص170 في اعتراضه على البماحث الأصولية المتعلقة بحال المستفيد، وذلك على لسان القرآن الكريم وهو يصورد معترضا على الأصوليين: "وقلتم أيضا: إن هناك أحكاما لغوية وحَّدتم فيها بيني وبين لغة النبي أو لسانه، ولسان العرب، وأخضعتمونا جميعا لأحكام واحدة دون ملاحظة الاختلاف والمزايا، كما سبقت الإشارة"، ويقرر زيادة على ذلك فيقول إن محمدا عليه السلام كان واحدا من الناس الذين تمَّ تحديهم بالقرآن الكريم، فهو مخاطب من ضمن المخاطبين من المكلفين، فكيف وحدتم بين لغته وبين لغتي القرآن الكريم ، وجعلتم لهاتين اللغتين الخصائص نفسَها، يستأنف :"وقلتم إن هذا المستفيد يجب أن يلم بقواعد اللغة، ولم تقصدوا القواعد المستنبطة من لساني، لكنكم قصدتم القواعد التي وضعتموها أنتم، فأنا تحدثت بلساني لأني كلم الله، وقلتم ووضعتم قواعدكم وفقا للغاتكم لا للغتي ولساني...." ، كلامه، الذي نعتبره من اعتراضات صبية يتلاعبون بقواعد العلم أكثر من اعتباره علما وبحثا وتحريرا. فهل غب عن ذهنه أن الإعجاز وخصائص القرآن الكريم، لا تخرجه عن أن يكون ملتزما بقواعد اللغة، ولا تخرجه عن أن يكون قرآنا عربيا كما نص عليه منزله وواضعه، فإن كان كذلك فلماذا تستغرب إن عملوا على فهم القرآن بناء على قواعد اللغة العربية، وراعوا أيضا أساليب القرآن وخصائصه من بعد ذلك، فهناك أساليب خاصة استعملها القرآن الكريم، وليس هناك لغة خاصة للقرآن بجانب لغة العرب. وقد نبه المفسورن والباحثون من العلماء الحقيقيين في متشابه القرآن وبلاغته إلى ذلك ولم يهملوه كما ادعى العلواني فاتهمهم بأنهم لم يقوموا بتدبر القرآن، فقال في ص171: "ولو أن المجتهدين قاموا بعمليات التدبر للقرآن كله، لوجدنا تراثا ضخما في كيفية التدبر الآن" ، فهل يعتقد المؤلف فعلا أن المجتهدين لم يتدبروا القرآن، ولم يضعوا لذلك قواعد، إن كان يعتقد ذلك كما هو نص كلامه، فعو فعلا غريب عن بحوث العلماء من النحويين والمفسرين والبلاغيين والباحثين في إعجاز القرآن، وأصوله وفقهه وقصصه وغير ذلك من جهات البحث فيه، بحيث جعلوا لكل جهة من ذلك فنا على حدا، وكتبوا فيها كتبا كثيرة تتفاخر بمثلها الشعوب، ولكنها عند العلواني ومناصري تياره عبء كبير تمنعهم من الانطلاق إلى مجالات رحبة ليس فيها قيود تحجبهم عما يريدوا الوصول إليه من الأحكام التي يرغبون بتوجيه الإسلام نحوها.
    وها هو يقول أيضا في ص182 عن جيل التلقي وكيف كانوا يفهمون القرآن الكريم: "أما الكتاب فقد كانوا يتلقونه ويفهمون المراد منه دون حاجة إلى شيء من قواعد النحو أو غيرها من علوم الوسائل الحادثة المتأخرة، كما كانوا يدركون مقاصد الشارع وحكمة التشريع لما اتصفوا به من صفاء الخاطر وحدة الذهن، وجودة القريحة".
    ومن يتأمل هذا الكلام، يظن أنه يستمع لحشوي من الحشرية، أو ظاهري غيب عقله عن حقيقة الأمر، فمن هو الذي لديه مكنة في العلوم ثم يقول هذا الكلام! ألم يعرف المؤلف أن الصحابة أولا كان معظمهم عربا ، أي كانت اللغة العربية لغتهم ووسيلة فهمهم، ثم ألم يعرف أيضا أنه لم يكن المجتهدون في الصحابة جميعهم، أي لم يكن يصح لجميع الصحابة الاجتهاد، ولذلك كان أعلام الصحابة والمجتهدين منهم في استنباط الأحكام مالرجوع إليهم في ذلك عددا قليلاً، وذلك لأن عملية لاجتهاد ليست أمرا عاما سهلا مستسهلا لكل واحد، ولو كان صحابيا، فكلمة الصحابي أو كونه من جيل التلقي لا تؤهله لمجردها لأن يكون مجتهدا مستقلا في معرفة الأحكام خصوصا ما دقّ منها، فكان الصحابة لا يستغنون عن الرجوع إلى علمائهم في الفتوى والقضاء، ولا يهملون تفاوت المراتب والتدقيق في المعارف والعلوم.
    نعم لم يكن الفقه ولا اللغة العربية قد أخذت شكلان معرفيا نظاميا مرتبا مكتوبا، ولكن هذا شأن أكثر العلوم، تبدأ بالفكر والنظر دون كتابة ولا تسجيل، ثم يبدأ كتبها وترتيبها، وكون تلك القواعد البلاغية والنحوية لم تكن مكتوبة لا يستلزم أبدا أنها لم تكن موجودة، ولا أنها لم تكن حاكمة لذوق لعرب وسليقتهم، ولذلك كانوا يرجعون إليها في الحكم على الشعر والنثر ومعرفة الكلام الفصيح من سواه، وينأون عن الخطأ ويميزون بينه وبين الصواب. فكيف يجيز المؤلف لنسه أن يقول إن جيل التلقي كان يتلقى القرآن دون حاجة لتلك القواعد التي سماها حادثة، مريدا بذلك القدح فيها، والتشكيك في أهميتها، أما كان بمقدوره ان يعبر كنا عبرنا، بأنها كانت مستكنة في قلوبهم وفي صفاء سليقتهم ومكنتهم العربية التي أخذوها مشافهة وعن طريقة الممارسة العملية ونحو ذلك، ولكن كونها كذلك لا يستلزم أبدا أنها لم تكن هناك قواعد اتبعوها ولو بهذه الطرق، فوصفه تلك القواعد بأنها حادثة لا يمكننا أن نغض الطرف عنه، ولا أن نعدّه سهوا أو لفظا غير مقصود في تعبير المؤلف، بل إن الظاهر أنه يقصد إلى عدم الاعتراف بتلك القواعد التي سماها حادثة، أو بأكثرها،ولا يعتبرها من العلوم النافعة أصلا، وهذا الإطلاق لا ينبغي لمطلع على هذا التيار وأتباعه أن يستغرب صدوره منا، ولا أن يحكم علينا بالتجني عليه وعلى من يمشي خلفه، فكل ما وصفناه سابقا ولاحقا يؤكد هذا الفهم الذي نميل إليه.
    ونقول أخيراً: وكأن في العلواني انفصاما معينا، فإنا بعدما رأيناه من إنكاره على الأصوليين اعتمادهم على لغة العرب، وحكمهم في القرآن على أحكامها، يعود في آخر الكتاب ويقول كلاما يناقض تماما ما قرره وأطال فيه أولا!! مما يثير فينا استغرابا عظيما، أهذا نوع من اللعب أو التلاعب، أو هو الاستخفاف بعقول الناس الذي اعتاده هذا النمط من المفكرين المعاصرين، فلنستمع إلى ما يقول ذاكرا الأمور التي تعيد علم الأصول إلى وضعه الصحيح، ومنها كا في ص243: "ولا بد من دراسة لغوية فقهية تدرس من خلالها أساليب التعبير لدى العرب في عصر الرسالة، وملاحظة التطورات التي مرت بها هذه الأساليب، ومفاهيم المفردات للغوية كذلك ليتمكن من فهم النصوص الفهم المطلوب". إذن ها هو يعود إلى ضرورة معرفة لغة العب لفهم القرآن، ولم نره ذكر قواعد القرآن اللغوية الخاصة التي اعترض وبشّع على الأصوليين اتباعدهم عنها، ونادى عليهم بالويل والثبور لأنهم عزفوا عن دراستها –أي قواعد القرآن اللغوية كما رأينا سابقا- إلى دراسة أحكام لغة العرب، ثم تطبيقها على عبارات القرآن وآياته ليفهموها على ضوئها.
    ولا نعرف ما نسمي هذا اللون من التناقض لدى ها الحبر العظيم! فليتأمل المتاملون!
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •