صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 19 من 19

الموضوع: نظرات في كتاب (نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية) تأليف د. طه ج العلواني

  1. حادي عشر: اعتراضات تدل على عدم فهمه موضوع علم الأصول، بل على عدم معرفته بصنعة العلوم من أصلها
    ثم إنه اعترض على علماء الأصول لأنهم لأنهم لم يبحثوا في هذا العلم، أي علم أصول الفقه، نشوء دوافع الخير والشرِّ، نعم إنه يدعو العلماء الأصوليين إلى بحث هذه المسائل في علم الأصول، وينعى عليهم أن لم يبحثوها فيه، استمع إليه يصرخ في ص165 عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إنه كان يتخول هؤلاء الناس، وبيده مصباح قرآني ليعرف ما الذي ينقص هذا، .....، فهل اهتمت المباحث الأصولية في بيان المكلف وكيف تنشأ فيه دوافع الخير والشر، وتسوقه إلى أفعال لها آثار ونتائج".
    ولما نقرأ مثل هذه الاعتراضات العبقرية، لا نملك إلا أن نقول: لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، الحكيم الخبير، العليم الحليم!
    باختصار نقول: كل علم له موضوعه، ومسائله، والذي لا يعرف التمييز بين مسائل علم وعلم آخر، فيطلب أن تبحث مسائل معينة في علم والحال أن هذه المسائل لا تندرج في موضوع ذلك العلم، فهذا أقل ما يقال فيه، إنه مسكين ساذج عارٍ عن الفهم والإدراك ، وحقه أن يبتعد عن البحث، فضلا عن الحذر من الاعتراض على أهل الفنّ، فما بالنا نجد هؤلاء يتجرؤون على الدعوى بأنهم أهل التجديد في علما لأصول ثم تصدر عنهم مثل هذه العوارات الفاضحة.
    نقول له اختصارا: علم الأصول يبحث في الأدلة، وطرق الترجيح، وصفات المجتهد. هذه المباحث التي يبحث فيها علم الأصول.
    أما كلامه عن المكلف، فإن علماء الأصول يبينون صفات المكلف، وشروط التكليف، وهذا مبحث مذكور مبذول في هذا العلم الجليل.
    وأما بيان كيفية اندفاع المكلف إلى الحسن وكيفية هروبه عن الشر، فهذا ليس من مباحث علم أصول الفقه، بل بعض مسائله تدرس وتبين في علم الكلام، وبعضها، كاختيار الأوقت الأحسن للموعظة والتأثير في المواعظ والأخلاق والتربية والتعليم، وهكذا. وهذا الجهبذ المجدد يريد منا أن نخلط مباحث العلوم فنبحث جميع هذه المسائل في علم واحد. ولكنه لا يقتصر على تلك الرغبة، فلو اقتصر عليها، وقال إنني أريد أن أكتب علما اسمه علم الأصول، وأدرج فيه جميع هذه المسائل، قلنا له، مع استنكارنا عليه، أنت وشأنك. ولكن الذي لا يصح له، ونستغرب من وقوعه في، أن يعترض على العلماء السابقية وينكر عليهم في بحثهم كل قسم من هذه المسائل في فن معين من الفنون التي رسموها وعرفوها، وكتبوا فيها كاتبات واسعة، وبينوها بيانا لا يمكن إنكاره إلا لجاحد. فإن كانوا رسموا طريقا معينة رأوا أنها أحسن الطرق، واعتمدوها مسلكا لهم، ونحن نراها فعلا كذلك، فما شأنك أنت أن تقول لهم في هذا الأمر: إن رسمكم على غير هدى، وعلى غير بينة، وكان ينبغي عليكم إعادة ترتيب المسائل والبحوث على النحو الذي أقترحه عليكم، فأنا من أرى فقط وأنت عمي لا تعقلون! صم لاتسمعون آيات القرآن، ولذلك فعليكم أن تكونوا بكما لا تتكلمون!
    إن هذا الطرح الصادر عنأمثال صاحبنا هذا، وقد كنت أحسبه أعلى شأنا من ذلك، لمن مضحكات هذا الزمان.
    إن العلماء السابقية راعوا في الكتابة والتأليف في العلوم، وتنويعها فنونا متعددة، وحدة الموضوع، وارتباط المسائل بكل فن على نحو دقيق، لا نظنُّ صاحبنا هذا شمَّ ريحه، ولا ذاق طعمه. ومن أراد أن يرى حقيقة ما نقول: فليرجع إلى كتابات مختصرة لهم في العلم والتعليم، أو في الكتب التي ألفوها في مبادئ العلوم، وكيفية تمييز كل علم عن صاحبه، ومعرفة أن هذه المسألة تبحث في أي علم من العلوم.
    ومن هذا الباب، يعترض العلواني أيضا على السابقين فيستنكر عليهم أنهم لم يبحثوا في الواقع في علم أصول الفقه، فقال في ص166: "لا نجد في أصول الفقه دراسات تذكر عن هذا الي نسميه بالواقع، الذي هو عبارة عن مزيج مركب من زمان وإنسان وأحداث ووقائع ونظم وتاريخ، تتفاعل كلها لكي تساعد هذا لذي تصدى لأن يكون مستدلا على فهم كيفية الارتباط بين النص، وبين تطبيقات رسول الله وبين الواقع، لذلك وجدنا فجوة في كثير من أبواب الفقه باعدت بين بعض المسائل والواقع البشري".
    فنقول لهذا المفكر العبقري، إن البحث في الواقع المتعلق بمناطق الحكم الشرعي، له جهات، والاصولي ينص على ما يتعلق بفنه، فيقرر للفقيه أن مما ينبغي عليه أن يهتم يتحرير المناط، ومعرفة محل الحكم معرفة دقيقة، ويعرِّفع بالطرق التي بها يمكنه أن يعلم الواقع وهي طرق المعرفة، وأنه بأي الأمور يعلم أي شيء من الوقائع، سواء كانت خارجية أو عقلية، حاصلة بالفعل أو يمكن أن تحصل، وهذه الأمور كلها مذكورة في كتب الأصول، إيجازا أو تفصيلا، وبعض الأصوليين يستغنون عنذ كرها في علم الأصول لأنها مذكورة مبينة مبحوثة بتفصيل في كتب الكلام ، وعلم الكلام من مبادئ علم الأصول، كما هو معلوم عند المتقدمين، وكما هو غير معترف به عند أكثر الباحثين المجتهدين! من المعاصرين الذيت تلوثت عقولهم بأفكار غريبة مخلوطة، ثم يعترضون في نهاية الأمر على الأصولي لأنه لم يقدم لهم بحوثا في معرفة الواقع!! هذا أمر عجيب والله! الواقع هو مناط الحكم كما قلنا، ومحل تعلقه، وهذا مما يعلم بالدباهة بأنه من متعلقات بحث الفقيه أو المفتي من حيث هو مفتٍ، أو متعلقات علم القاضي إذا أراد الحكم على واقعة، وغاية ما قد يكون مما ينبغي أن يذكره الأصولي، هو آليات معرفة الواقع، ويشترك فيه مع المتكلم كما قلنا، أو أن النص على علة وسبب ضرورة معرفة الواقع على الفقيه والمفتي والقاضي.
    ولذلك فإننا إذا أردنا أن نعرف هذه الأمور ونرى متعلقات الأحكام نذهب إلى علم الفقه أو الإتفاء بما له تعلق بالحكم لاشرعي، لا أكثر من ذلك، أما وصف الواقع من حيث هو واقع، فليس أيضا من وظائف الفقيه ولا المفتي ولا القاضي كما هو معلوم.
    وبالطبع فإننا نتوقع تماما أن يقوم العلواني وصحبه باتهام الفقهاء والمفتين بأنهم لم يهتموا بتحرير الواقع، ولا معرفته، إلى آخر الاسطوانة الاعتراضية الشجبية المعلومة، فنقول إجمالا: إننا قد علمنا قدر المبالغات والاتهامات الجوفاء التي لا مستند لها التي يقوم كثيرمن المعاصرين من هذا التيار على سبيل الخصوص بإلصاقها بالفقهاء والمفسرين وعلماء الكلام، بل بعلماء الإسلام قاطبة، فضلا عن علوم اللغة ونحوها من متعلقات العلوم الشرعية. ولذلك فينبغي على كثير من القراء الحاذقين ألا يستغربوا كثيرا إن سمعوا نحو ذلك الشجب والاستنكار منهم، فإن عرفنا دوافعهم وقدر معارفهم واطلاعهم على علوم الشريعة وبحوث الفقهاء وتحريرات الأصوليين والمتكلمين، عرفنا السبب الدافع لهؤلاء إلى ما يقومون به.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. ثاني عشر: وصفه لمذهب أهل السنة بأنه نسق منغلق

    المذهب لكي يكون مذهباً، والمبدأ لكي يكون مبدأ، والنظرية لكي تكون نظرية، ينبغي ألا تقبل بكل شيء، وينبغي أن يكون لها أمور معينة ترفضها، وتتفاوت النظريات ونحوها بمقدار ما ترفض وبالأسس التي ترفضها لأجلها وبناء عليها. فكل مبدأ فهو يغلق أبوابه بمقدرا معين. حتى السفسطة تغلق أبوابها في وجه اليقين ببعض الأمور، والليبرالية تغلق أبوابها في وجه ما تسميه حظرا على الحرية، وهذكا، فلا يوجد مبدأ على وجه الأرض منفتح انفتاحا تاماً مطلقا. والانفتاحية بهذا المعنى ليست وصف مدح عند أهل العقول، فهي محض الجهل والهوى، فالهوى وحده هو الذي ينفتح على كل شيء يهواه.
    ولذلك عندما نتكلم على الإسلام من حيث هو دين خاتم للأديان، فلا نملك أن نقول عليه إنه نسق منفتح على كل شيء، بل هو يحدد أمورا يطلب من الناس الوقوف وراءها، ويتكلم على أمور يبيحها، وأمور يوجبها، فلم يترك الإسلام الأمورَ هكذا على رغبة الراغبين. وهذا معلوم بالضرورة عن الدين ومن الدين.
    وكل مذهب من المذاهب الإسلامية العقدية أو الفقهية، لكي يصح انتؤها للإسلام، لا يمكنها أن تجيز كل شيء، ولا أن تبيح أي أمر أراده البشر. فل بدَّ أن تكون في وصفها شيء من الانغلاق –بهذا المعنى السابق- تجاه بعض الأمور. وإطلاق اسم الانغلاق علي هذا النحو من الحكم والتوجيه والتقييد، إنما هو تنزلا على مذهب المنكرين للإسلام، فهم يطلقون عليه اسم النسق المنغلق، ويطلقون على الليبرالية أنها نسق منفتح، والحقيقة أنه إذا كانت الليبرالية نسقا، فلا يمكنها أن تكون إل منغلقة، ولكن الانغلاق يكون على أمور وأمور، وهذا هو القدر التي يتميز به المبادئ والأديان بعضها عن بعض. فيما توجبه أو تحظره.
    فإطلاق اسم أهل السنة على مذهب معين من المذاهب والطرائق التي ذهب إليها الخلق في فهم الإسلام، لا بد أن يستلزم بالضرورة إنكار بعض الأمور وإيجاب بعضها، والترفع عن بعض وهكذا، وهذا الحظر (عمليا أو علميا) يسميه بعضهم تحجرا، أو انغلاقا. ويصفه بعض الملاحدة بأنه من أدل الأدلة على قصور الأديان، والمذاهب التابعة لها، وتوجيه كلامهم بحسب زعمهم أن الإسلام لا يستطيع استيعاب الجميع ، مخالفين وموافقين. وهذا يفهم منه أن الليبرالية الإلحاد يستوعب الجميع ويشتمل على كل فرد من الأفراد! وهذه الدعوى محض كذب ! وتلاعب ! وخديعة موجهة مغياة مقصودة! يقع في شركها ذوو العقول الساذجة، أو المتغرضة. فإن المتأمل في الإلحاد يجد أنه بالضرورة يرفض الإيمان ولوازمه، أو يطلب من المؤمنين على أقل تقدير أن يقتصروا على أنفسهم بإيمانهم، ولا يعدوه إلى غيرهم، لأنهم إن عدوه أو طالبوا بتعدية
    آثاره وأحكامه عملا وعلما للآخرين، فإنما يحجرون –في نظر الملاحدة بالطبع- على الآخرين، فلذلك لا يملك الملحد إلا أن يحجر على الديني ويطلب منه ألا ينادي بإلزام أحكامه للآخرين، أي أحكام له. ويفي الحقيقة إن حقق الحرية للناس الآخرين في الانفكاك عن أحكام الدين المعين، فإنه يحجر في المقابل على أتباع الدين المعين هذا ويقيدهم بأمور معينة لا يرتضون بها، بل يطالبهم بالعمل الجاد على تغيير مفاهيمهم لكي تص إليه. فقد مارس الملحد التحجير الفكري والعملي فعليا ونظريا على المخالفين لأصوله. ولذلك لا نقبل من الملاحدة ا، يزعموا لأنفسهم أنهم أتباع الحرية المطلقة.
    ومن هنا يزعم المؤلف في ص174:" النسق الغربي بدأ ينغلق، ولم يعد نسقا منفتحا ستطيع أن يستوعب المستجدات، ولأنه لم يكن منفتحا، فقد قال هذا الفكر بليقينية قبل قرن أو يزيد ونفى الاحتمالية، وها هو اليوم يقول بالاحتمالية وينفي اليقينية عن كل شيء. في هذه الحالة ، هو يدخل بالإنسان في مضايق وأزمات عدة...أما النسق الإسلاميّ الذي نتعامل معه، فهو نسق مفتوح على الإنسان من عالم العهد إلى الجنة والنار، مفتوح على الحياة من بدء الخلق، إلى أن تطوى السماء كطي السجل للكتب....فهو ليسبمنغلق لكي يدخل الإنديات والنهايات ، وبعض علمائنا في تراثنا الفلسفي ومنه الأصولي، دخلوا أفكار الـ ends فقلاوا (ليس في الإماكن أبدع مما كان) و (لم يترك السالف للخالف شيئاً) هذه الأقوال لم تصدر إلا عن قناعات بانسداد الأفق المعرفي للنسق لانفصامه عن الكتاب الكوني القرآن، في حين أن هذا النسق من خلال مبدأ التجديد الذي جاء القرآن به يفترض به ألا ينغلق ولا يُغلق".
    هذا الكلام قد يسعد به بعض القراء، لأنه أقرب إلى الشعر منه إلى العلم وتالحقيق، فتراه يدغدغ عواطفك، قبل أن يغذي عقلك، ويثير غرائزك قبل أن يثير فكرك. فلو سألنا القائل بأي معنى أطلقت على الإسلام بأنه منفتح، هل لأنه لم يحدد أي قطعيات في العقيدة والفقه وغيرها من المعارف، تلك القطعيات التي جعلت منها علامة على الانغلاق للفكر الغربي! فهل تقول إن الإسلام لم يتخذ أي شيء أمرا مقطوعا به،ولذلك فإنه فكر منفتح، مخالف للفكر الغربي على حسب فهمك له، ولهذا السبب هو عند قابل لحل الإشكالات الإنسانية في مختلف المعارف والعلوم! إن قال القائل: نعم هذا هو السبب. وينبغي أن يقول بذلك بحسب ما نقلناه عنه سابقا. فنقول له: اسمح لنا أن نقول لك إن ما الفهم المعاني الحاصلة في ذهنك أو في مكتوباتك التي تبثها بين الناس، والتي تطلق عليها أنها هي الإسلام المنفتح بهذا المعنى، برئية كل البراءة من الإسلام الصحيح، ولا يمكن لنا نحن المسلمين أن نصدقك فيما تقول عن الإسلام، فالإسلام قرر مجموعة من القطعيات الواضحة العلمية والعملية، ل يجوز لواحد أن يتجاوزها، ولا ين يزعم أنها مجرد تسالٍ أو تحسينيات يمكن الاستغناء عنها. ومن ينكر هذا القدر من المقطوعات الدينية، فهو لا يعرف عن الدين شيئا.
    فقد رأينا أن الإسلام بهذا الوصف، أي بقوله ببعض القطعيات العلمية والعملية، لا يصح أن يقال عليه إنه منفتح كما قلتَ أنتَ! ولذلك فل يمكن أن يكون التفاوت بينه وبين الفكر الغربي راجعا إلى مفهوم الانفتاح والانغلاق بالنحو الذي تتبناه أنت.
    فإن قيل لنا: فعلى أي شيء كان الإسلام مفترقا عن الفكر الغربي، بل عن سار المبادئ والنظريات التي اخترعها الإنسان، أو حرفها الإنسان بعد ان كان أصلها منزلا من عند الملك الديان.
    قلنا لهذا السائل بكل وضوح: إن الفارق الذي يهمنها بيانه باعتبار هذه الطرقة من التفكير إنما هو في أن ما اعتبره الإسلام مقطوعا به، يستحيل عقلا وعمليا أن يتم إثبات بطلانه أو عدم فائدته أو إساءته للإنسان. فالقطعيات التي يعلن عنها الإسلام (علمية وعملية) هي موافقة لنفس الأمر، ومطابقة للعالم الخارجي، ولذلك فإنه يستحيل علينا أن نصل إلى يوم نضطر فيه إلى تغيير القطعيات كما اضطر الغرب إلى ذلك بسبب أنه تبين له بعد عقود أو قرون، أن ما اعتبره قطعيات، هو في نفس الأمر غير مثطوع به، وأن ما اعتبره أمورا لا يجوز تجاوزها، تبين له أنه يمكن تجاوزها علميا أو عمليا بكل سهولة، بل يمكن إثبات بطلانها. فهذا هو السبب الأساس في تغيير الغرب لبعض مفاهيمه.
    وبناء على ذلك نقول: إن كان المؤلف يفاضل بين الإسلام وبين غيره من الأفكار التي ينادي إليها الإنسان، من حيث الانفتاح والانغلاق، فلنقل له بكل وضوح، لا أيها الدكتور الفاضل، ليس هذه الطريقة هي علة التفاضل ووالأفضلية بين الإسلام وبين غيره. بل السبب الرئيس لذلك هو في حقية الإسلام التي لا يمكن أن تنقلب إلى باطل في نفس الأمر. وبالتالي فلا يجوز أن نفاضل بين الإسلام وبين غيره بمجرد الانفتاح والانغلاق على النحو الذي يتبناه المؤلف. وإلا لزمنا كما يلزمه أنلا نقطع في الإسلام بشيء، وأن نجيز تغيير كافة المبادئ والأحكام ، وهذا نوع من العبث، وإن كان بعضهم يعده انفتاحا.
    ولأجل المعنى الذي بيناه، انبرى المؤلف يتهم أهل السنة بأنهم نسق منغلق، تبعا لأن الفهم الذي يفهمون عليه الإسلام هو نسق منغلق أيضا في نظر المؤلف المجدد لنفس الدين الإسلام. وغاية ما نريد قوله هنا: إن أهل السنة تابعوا الإسلام في ما قطع فيه، ولم يقطعوا فيما لم يقطع فيه، فإن كانوا منغلقين، فالإسلام منغلق، وإلا فلا. على أنا كما قلنا لا نجعل مسألة الانغلاق والانفتاح على إطلاقها معيارا لتفاضل الأديان والمذاهب والرؤى. ولذلك فإن اتهام المؤلف لأهل السنة بأنهم نسق منغلق اتهام في غير محله،ولكن يراد به أمر آخر، وهو الانفتاح بمعنى عدم التمسك بأمر من الأمور. وبهذه الحالة يكون المؤلف راضيا.
    قال المؤلف في ص175: "وحينما نرى أن هناك طوائف وفرقا أخرى نخشى أن تُدخل إلينا شيئا لا نريده مخالفا لأعرافنا، أو مخالفنا لتقاليدنا، أو مخالفا لما ألفناه نحن الذيين نسمي أنفسنا أهل السنة والجماعة- على الأقل نغلق النسق، ونقول: هذا هو نسق أهل السنة والجماعة، ونسق أهل السنة والجماعة إذا لا انفتاح فيه على أي جهة أخرى".
    وأي إنسان فهمما قررناه، والتفت إلى المعاني التي بيناها، على سهولتها ووضوحها، يعلم تماما أن هذا الكلام والتوصيف لأهل السنة والجماعة توصيف غير صحيح، والمراد منه لا يهمنا أبدا، ولا نراه واقعيا تتفاوت المذاهب والأديان بناء عليه! إذن فإن ما قرره المؤلف هنا، وما وصفه، لا أصل للقول العلمي فيه.
    فأهل السنة إذا خالفوا غيرهم، فإنهم لا ينكرون فضلهم فيما أصابوا فيه، وإذا ردوا على غيرهم من المخالفين في بعض ما أخطاوا فيه، كردهم على أصحاب الأديان الأخرى، والمذاهب الإسلامية الأخرى، فإنهم لا يوجب عليهم ردُّهم هذا أن ينكروا كل فضيلة لدى الآخرين، ولا يستلزم عندهم ألا يتعاملوا أبدا علميا ولا عمليا مع غيرهم! إن من يقرر ذلك ويجعله توصيفا لأهل السنة، فهو يشهد على نفه بأنه جاهل بالمفاهيم والمذاهب، وجاهل أيضا بحقيقة التاريخ الذي يشهد أن بعض أعلام السنة كانوا لا يأنفون من أن يستفيدوا من المخالفين لهم في الفلسفات والأديان الأخرى، وكانوا يستعينون بهم ويتعاونون معهم في العلوم والمعارف التي لا تضر الدين، ويأخذون عنهم ,يعطونهم، ويتواصلون معهم، وهذا أمر شائع ذائع لا نرى داعيا لأن نفصل فيه، بل يكفي الإشارة إلى هذه المعاني الكلية فيه. أما ما اصطنعه المؤلف بأن جعل الخصائص الثلاثة (التوحيد والتزكية والعمران) هي الضوابط الحامية للنسق بكليته، أي للإسلام، كما جاء في ص 175، فنقول له: يعتور قولَك آفات ونواقص. فما بالك ذ1كرت التوحيد، ولم تذكر نبوة سيدنا محمد عليه السلام. وما بالك ذكرتَ التزكية، ولم تشر إلى أن التزكية قد يكون فيها اشتراك مع الآخرين، من غير المسلمين. وأما العمران، فلم تذكر لنا هل الذابط فيه اعتقاد جواز العمران أو اعتقاد وجوبه علىا لبشر, أو العمل بالتعمير لهذا الكون، وإذا كان كذلك، فما مقداره، وما موقفنا ممن لم يلتزم ذلك علما أو عملاً، أي ما حكمك ممن قال إن تعمير الكون ليس مقصودا أصليا من مقصودات الإسلام في هذا العالم، فلو عمل الإنسان بعض الأعمال والتزام الفضائل من الأخلاق واجتنب إيذاء البشر، فلا يسأل عن غير ذلك ما لم يستلزم تركه إياه ضرراً له أو لغيره ممن يجب علي حمايتهم.
    وأخيرا نصرُّ على إعادة قولنا السابق، وإن كان بلفظ آخر: إن المصنف يصر على تشويه المذاهب الإسلمية، الفقهية والعقدية، والعملية الصوفية، بطريقة أو أخرى، لا لشيء إلا لأنه لا يرضى عن أي واحد منها، والسبب في ذلك أن كل واحد منها التزم بعض القواطع الإسلامية، ومنع نفسه من أن يتعداها، سواء كان مصيبا فيها أو لم يكن مصيبا، والمؤلف رينا يعترض على الجميع في مجرد الالتزام بأمور دون أمور، واعتبر نفس القطع بها والالتزام بها، مانعا من أن يكون الفاعل مصيبا حقيقة الإسلام. فقد انكر المؤلف إذن بهذا القول جميع ما اتفق عليه الفرق الإسلامية عقديا وفقهيا وأصولياً. وكان بإمكانه أن يعيد نقد تلك الاتجاهات والأفكار بأن يبذل جهده في تصويب بعضها وتخطئه غيره، بناء على أعمال علمية رصينة دقيقة، يجعلها حجة في وجه من يخالفه، ويقيم بها البرهن على نقاوة ما يأتلفه، ولكنا ما رأينا فعل شيء من ذلك، بل اكتفى بكلام أشبه بالوعظ المبني على تصورات فاسدة، أو أغراض مفضوحة. ومنكان كذلك فإن أمره سيؤديإلى تناقضات آفات تنكشف بتراكم الأنظار والأزمان قربت أن بعدت.
    وبعد فهذا بعض ما كان بودنا أن نكتبه في نقد بعض الأفكار والمناهج الغريبة التي يدعونا إليها د. العلواني، ولم نقصد الاستقصاء في نقد أقواله. ولكنا اقتصرنا على أهما ما جاء في كتابه هذا. ولعلنا نستغل فرصة أخرى من الزمان لنعيد نقد بعض كتاباته الأخرى في الفقه والفكر والأصول، رجاء أن يكون هذا النقد عاملا من عوامل تصحيح الرؤى لهذه الأمة التي ندعو الله تعالى أن يوفقها للصواب، لا إلى مجرد قصد موافقة الأغراب.
    والله الموفق
    سعيد فودة
    28-2-2013
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. بارك الله فيك شيخ سعيد على هذه النظرات ويا ليتك تتلوها بنظرات ثاقبة في فكر عمارة وهويدي والعوا ولي طلب عندك
    أن ترسم لي منهجا اترقى فيه في الفقه والاصول بالوجادة أني أحبك في الله

  4. الله المستعان .. وبورك فيكم شيخنا .. لو أتعبوا أنفسهم في التعلم ودقة التصور لكان خيرا لهم وأقوم

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •