صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 26

الموضوع: الدولة المدنية، والديمقراطية، والإسلام ، مرة أخرى!

  1. #1

    الدولة المدنية، والديمقراطية، والإسلام ، مرة أخرى!

    الدولة المدنية والديمقراطية، والإسلام
    مرة أخرى

    تحليل نظريٌّ
    الديمقراطية كما ورد في الموسوعة السياسية للكيالي: (نظام سياسي اجتماعي يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأي المساواة بين المواطنين ومشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة).
    وأساس هذه النظرة هو المبدأ القائل بأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر الشرعية، وبالتالي فإن الحكومة مسؤولة أمام ممثلي المواطنين، وهي رهن إرادتهم.
    فالمقصود في النهاية تحقيق: (حكم الشعب لصالح الشعب بواسطة الشعب).
    فالنظام الديمقراطيّ إذن يشتمل على أركان:
    الأول: أن يكون الحكم لصالح الشعب، بحيث ترجع ثرواته ومنافعه المادية والمعنوية إليه دون غيره، أو لطائفة معينة منه تستأثر بها، وهذا لا نزاع فيه.
    الثاني: أن يكون الحكم التنفيذي وإدارة البلاد من أبناء الشعب وبناء على إشرافهم بطريقة أو أخرى، وهذا أيضًا لا نزاع فيه، إذ هو الضامن الأعظم لتنفيذ الأمر السابق.
    والثالث: أن يكون إثبات الأحكام مستمدًا من الشعب. وهذا الأمر الذي ينبغي الوقوف عنده قليلاً. ولنضع تحت الشعب خطوطًا، فإنه قد يكون متآلفًا متَّبعًا لدين واحد، وقد لا يكون، وقد تكون أغلبيته تابعة لدين أو مبدأ وقد لا تكون هناك أغلبية مطلقة دائماً في الشعب المعين. وعلى ذلك فلنا أن نتصور أن الأحكام الصادرة عن الشعب في لحظة معينة، أو في فترة تاريخية معينة، قد تكون موافقة لدين أو مبدأ، وقد لا تكون، ولكن على كل الأحوال، لا بدّ أن تكون الأحكام المحكَّمة في الدولة الديمقراطية، ناشئة من الشعب نفسه. فإن كان الشعب كلُّه تابعًا للمبدأ الذي تستمد منه الأحكام، سواء كان ذلك المبدأ دينًا سماويًّا أو غيره، فلنا أن نتوقع أنه يختار الأحكام المنسوبة لذلك المبدأ. وكذلك لنا أن نتصور أيضًا هذه الحالة عند كون الأغلبية تابعة لمبدأ معين، مع تفاوت بين هذه الحالة والسابقة، في تمكين الأحكام، من حيث الاختيار الشعبي لها، والتصويت، فالحالة الأولى نتوقع فيها أن يكون التصويت أكثريًّا أو كليًّا، ولكنه في الحالة الثانية ستصبح الأغلبية أقل، والإلزام أضعف.
    وأمَّا إذا كان التفاوت بين أطياف الشعب كبيرًا، فلنا أن نتوقع استبعاد اختيار الأحكام التابعة لمبدأ معين دون غيره، لأنه لا يوجد رجحان غالب لمبدأ على آخر بين الشعب، فسيكون التصويت والاختيار تابعا كذلك للنسب الواقعة بين الناس.
    وسيقع أفراد ذلك الشعب عندئذ تحت غائلة الاضطرابات، لأن كل طائفة أو فئة ستحاول شدَّ الأحكام إلى مبدأها، ناشئة عنه، أو محترمة إياه على أقل تقدير، وعندئذ لن يملك الجميع إذا أرادوا السعي إلى الاستقرار في المجتمع، إلا أن يجيزوا جميع الأحكام، أو يلفقون الأحكام حسبما يرتأون من هنا ومن هناك بلا جامع ولا وحدة موضوعية ولا منشأ مطرد. وهذا يستلزم الاضطراب في المجتمع، في أغلب الأحوال، وقد يصلون إلى حالة يقتنعون فيها بضرورة لتخلي عن مميزاتهم وعدم إدخالها في إدارة البلاد والعباد، وهو الحالة البراغماتية المطلقة، وتمثل سقوط اعتبار المبادي، ومن بينها الأديان في الأمور العامة.

    وبناء على هذه الاحتمالات لا بد من مناقشة الحالات الممكنة:
    الحالة الأولى: حالة كون كل أفراد المجتمع تابعين لمبدأ معين، مريدين له، ولما ينشأ عنه من أحكام. وهذه الحالة تكاد تكون غير واقعة بالمرة في أي بلد من البلدان في العالم أجمع، لأنه ما من بلد إلا وتوجد فيه تيارات فكرية متلونة مختلفة بنسب متغيرة. ولن نقف كثيرا عند هذه الحالة، فإنها تكاد تكون غير واقعة. والمآل فيها واضح.
    ولكن لا بدَّ من أن نشير إلى أنه في هذه الحال، لو فرضنا الشعب قاطبة اختار الدستور، والأحكام التابعة والناشئة للدين المعين الذي يتبعونه، وأجمعوا على ذلك، فلا بدَّ من ملاحظة أن هذا الإجماع على الحكم بالأحكام الناشئة عن هذا المبدأ أو الدين دون غيره، مشروط بدوامه، أي ما دام الإجماع قائما، فإن هذا التحكيم يدوم، ودوام الإجماع مشروط بدوام الحالة التي فرضناها، وما ثم ضامن لدوام تلك الحالة كما هي، بل إن قوانين الاجتماع والسياسات الدولية تستلزم عدم دوامها، خصوصًا مع التدخلات الأجنبية التي يهمها عدم بقاء الوضع مستقرا في بعض الدول.

    الحالة الثانية: حالة وجود الأغلبية تابعة لمبدأ معين (وهذه الحالة حاصلة بالفعل في غير بلد من البلدان).
    إن النتيجة التي لزمت في الحالة الأولى تلزم هنا، بفارق واحد، وهو أن درجة الإلزام والالتزام بالأحكام الناشئة عن ذاك المبدأ تكون هنا أخف وأضعف، وذلك عائد إلى أن أفراد الشعب غير مجمعين بالكلية على التحكيم المذكور، لوجود أقليات لا ترغب بهذا النوع من الأحكام، وسوف تناضل، كما يكفله لها الدستور الديمقراطي، لأجل أن تتيح مجالا لاعتبار الأحكام التي تريدها هي، إن لم تكن هي المحكمة، فلا أقل من أن تكون تلك الأحكام جائزة معتبرة في الدولة، من ناحية قانونية.
    وسوف تنشأ في هذه الحالة إشكاليات كثيرة من حيث إن بعض الأحكام والقوانين التي تريدها الأقليات قد لا ترغب بها الأكثرية، وقد تراها متسببة في اضطراب النسق الاجتماعي الذي تخدمه أحكام الأغلبية، وهكذا قد ينشأ تضارب بين الأقليات والأكثرية الغالبة، مما يتسبب ذلك إلى زيادة عدم التناسق الاجتماعي.
    وزيادة على ذلك، فلا ضامن من بقاء تلك الأغلبية أغلبية بالفعل، فبمجرد أن تضمحل أغلبيتها بظهور قوى أخرى مقاومة لها في المجتمع، وخصوصًا بعد أن يثبت عدم قدرتها على إدارة المجتمع بما فيه صلاح ومنفعة جميع أطيافه، سوف تسعى هذه القوى الناشئة إلى تغيير تلك الأحكام، وسيكون ذلك من حقها، بل قد يكون من حقها تغيير بعض المبادئ الدستورية أيضًا. وبذلك سوف يظل المجتمع في تضارب وتصارع حقيقي، إلا إذا تنازلت الأطراف عن المميزات والخصائص التي تعتقد أنها تتميز بها عن غيرها، وذلك كله في سبيل التوافق الاجتماعي القائم فقط في هذه الحالة على المنافع الدنيوية الآنية، وهو الأمر الوحيد المؤهل لأن يكون جامعًا للأطراف المختلفة.
    ولكن بفرض هذه الحالة، وهي التنازل عن المميزات والخصائص للأديان والمبادئ، سوف تنهار النظم والمبادئ فعليًّا، وسوف تنشأ حركات فكرية بعضها يزعم عدم فائدة تلك المبادي، أو بطلانها، وبعضها يزعم أن من حقه إعادة تفسر المبادي والأديان بطريقة جديدة توافق العصر الذي نعيش فيه، وجميع هذه الصور تستلزم بالضرورة زوال المبادي عن حقائقها وظهور مبادئ أخرى، وتستلزم انحراف الأديان عن حقيقتها، وظهورها في صور جديدة لم يعرفها المتقدمون في الأصول وفي الفروع.

    الحالة الثالثة: أن تكون التيارات والتوجهات الحاصلة في المجتمع متكافئة متقاربة في القوة، فلا توجد أغلبية مطلقة، دائمة، بل إن الأحوال متغيرة، لا تكاد تقف عند وضع.
    إن الذي يحصل في الحالة السابقة مآلا، يحصل في هذه الحالة ابتداءً، فإن فرضنا عدم قدرة طرف من الأطراف على تحصيل الأغلبية التي تستطيع فرض أحكامها التي ترتئيه على المجتمع، بالأسلوب الديمقراطي، فإن جميع الأطراف سوف تلجأ إلى طريقة توافقية جدًّا، وهي التنازل مسبقا عن كثير من الأحكام التي هي من خصائصها، واعتماد نسق التلفيق، أو نسق لا يتميز بأي من مميزات دين معين أو مبدأ أيديولوجي معين، ونحن لا نتصور واقعًا لهذه الحالة إلا أن تكون المنافع الدنيوية هي الحاكم الأكبر في وضع الأحكام. وسوف يضطر الجميع إلى جعل خصائص الأديان ومميزاتها، التي بها تتميز ماهياتها، من الشؤون الخاصة المتعلقة بالأفراد أو بالجماعات بشرط عدم جواز مطالبة الآخرين بها، ولا إلزامهم بمقتضاها، ولو على سبيل النصح.
    هذه هي الأحوال الممكنة واقعيا بناء على الأسس الديمقراطية، ونتائجها اللازمة فعليًّا بحسب اعتبار القوانين الاجتماعية.
    ولذلك فإن الباحث الصادق يعرف تماما الإشكاليات التي سوف يواجهها من اتخاذ الديمقراطية طريقة ومنهاجًا ومبدأ لحكم الشعوب.


    يتبع....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    الإسلام والديمقراطية
    إن من الأسس الواضحة في الشريعة الإسلامية، أن سلطة إنشاء الأحكام لا تكون إلا للشارع، وهو الله تعالى، والمبلغ عنه وهو الرسول المعصوم عليه السلام.

    والمقصود بالأحكام أصالة ليس تنزيل الحكم على واقعة بعينها، بل تعيين الحكم للأفعال الإنسانية، لا من حيث ماصدقاتها بل من حيث مفاهيمها، أعني أن يقول الشارع إن حكم الفعل الفلاني نحو أكل الميتة حرام في حالة عدم الضرورة، جائز بقدر الحاجة في حالة الضرورة إليه.
    وهذا الحكم عامّ شامل لكل ما يصدق عليه هذا الفعل في الأوقات والأمكنة والأشخاص.
    أمَّا تنزيل الحكم المعين على واقعة معينة ظاهرًا كان هذا التنزيل أو خفيًّا محتملا للخلاف، فهو من باب الإفتاء، لا من باب التشريع، وإن انضم إلى الإفتاء إلزام بمقتضى السلطة التنفيذية فإنه يصبح قضاءً.
    والمقصود من إنشاء الأحكام ليس الإفتاء، ولا القضاء، بل المعنى الأول المذكور.

    فإن اتفقنا على أن الإسلام صرح بأنه لا حكم إلا لله تعالى، بهذا المعنى من الحاكمية، فإننا سنرى هناك تعارضا ظاهرا بين الديمقراطية وبين الإسلام من هذا الباب. وبيان ذلك كما يأتي:
    الدولة تشتمل على سلطات ثلاث كما هو المشهور:
    1-السلطة التنفيذية.
    2-السلطة التشريعية.
    3-السلطة القضائية.
    فالسلطة التنفيذية رأسها الخليفة، أو الحاكم بالإسلام، قاصدًا هذا الحكم. وقد استقر عند أهل السنة على أنه لا نص ظاهرًا على تعيين الحاكم للمسلمين، ولا يتوقف تعيينه على نصٍّ من الشارع، بل يتوقف أصالة على اختيار أهل الحل والعقد له، في الحالات العادية، وفي حالات خاصة، على تولي بعض المتأهلين لذلك المنصب قهراً وقيامه بأركانه العامة، والتزامه بذلك، فأجازوه للضرورة.
    ولا نلتفت إلى رأي الشيعة الخاص بالإمامة، فهم يقولون إن الإمام لا يصح تنصيبه إلا بنص من الشارع إمَّا نصا خفيا أو جلياً. فإن محققي أهل السنة تكفلوا بالرد عليهم، وإدحاض حججهم التي تعلقوا بها في هذا المقام.

    وأمَّا السلطة القضائية، فلا يتوقف تعيين القاضي على أن يعينه الشارع كما لا يخفى أيضًا، بل تعيين القاضي يكون لمعايير تابعة لتأهله، ولاختياره من قبل السلطة التنفيذية. وتوليه القضاء.
    وأمَّا السلطة التشريعية، فإنها الموكلة في الديمقراطية بإنشاء الأحكام، ومهما اختاروا حكما من الأحكام المتعلقة بالأفعال الإنسانية، فعلى الجميع الخضوع لهذا الحكم. ومنشأ إيجاب الخضوع له، أن الديمقراطية مبدأً، توجب إلزام الجميع بالأحكام الصادرة عن السلطة التشريعية (نيابة أو بدون نيابة).
    وأمَّا الإسلام، فإن الأحكام لا بدَّ لكي تأخذ اعتبارها في الدولة الإسلامية، أن تكون ناشئة إما قطعا أو ظناً من المصادر المعتبرة للأحكام الشرعية، وهي الكتاب والسنة وما بني عليهما من دلائل خاصة وعامة. وما لا يكون كذلك، فلا اعتبار له، ولا يجوز أخذه حكماً في دولة الإسلام. وذلك بغض النظر أراده أفراد الشعب أو لم يريدوه.

    ولا يتعارض ما قررناه هنا من أن الإسلام قد ترك لأصحاب الأديان المختلفة المعتبرة أن يرجعوا إلى أحكامهم في بعض الأمور التي لا تعارض النسق الإسلامي العام ولا يتسبب أخذها منهم في إنشاء الاضطرابات داخل الدولة الإسلامية، فلذلك ترك للنصارى الأخذ بأحكامهم الخاصة، ولليهود كذلك.

    ومما لا يقبل الجدال أن هناك تعارضًا بين مبدأ الديمقراطية وبين الإسلام في إنشاء الأحكام، حيث إنَّ الديمقراطية تحيل الإنشاء لمجلس النواب، فإن تغير المجلس فللأحكام أن تتغير تبعًا لاختياراتهم غير المقيدة دستورًا بالأحكام الإسلامية، أمَّا الإسلام فلا يجيز ذلك كما ذكرنا.
    وبقدر وضوح هذا الأمر، فإن كثيرًا من الإسلاميين يدعون في هذا الزمان عدم وجود تعارض جوهري بين الديمقراطية وبين الإسلام، ويلجؤون إلى أن يطوعوا الشريعة أحيانًا، أو أن يعتمدوا على تلفيقات تأويلية معتمدة على ما هو واقع الآن فقط، كما سنشير إلى بعض مسالكهم غير المرضية علميًا.
    ولوضوح الافتراق بين طريقة الحكم في الإسلام وفي الديمقراطية، فقد أعلن أصحاب الموسوعة السياسية أنه: "بالنسبة لنظام الحكم في الإسلام، فإنه على الرغم من مناداته بالتآلف والعدل الاجتماعي واعتماد قاعدة الشورى في الحكم، فإنه لا يندرج عامة تحت تصنيف الأنظمة الديمقراطية، إذ إنه حالة مميزة عن أنظمة الحكم الأخرى".
    والأمر كما قلنا واضح لا يحتاج إلى إعلان.
    والمميز في الإسلام: أنه بالنظر إلى إنشاء الأحكام، فلا مرجعية فيه إلا إلى الشريعة، فتؤخذ الأحكام منها إمَّا قطعًا عندما تكون الأحكام مقطوعًا بها، أو ظنًّا عندما تحتاج إلى نظر وتعتمد على الاجتهاد، ولا يحل لمجتهد أن ينسب إلى الشريعة حكمًا إلا بناء على دليل ظاهر معتمد، فإن تبين أن هذا المجتهد أخطأ في اجتهاده، وظنَّ الدليل راجحًا، وهو في نفس الأمر بعد التنقيح والمراجعة، غيرُ راجح، فإنه لا يجوز اعتماد رأي هذا المجتهد أصلاً، فلا عبرة بالرأي البين خطؤه. ففي إدراك الأحكام إحالة إلى المجتهدين، ولكن بضوابط وأدلة شرعية معتبرة، فليست كل الأحكام الشرعية متفقًا عليها في الدين، ولا مقطوعًا بها، ولكن ينبغي مع ذلك أن يكون طريق إدراك الأحكام مضبوطًا بالضوابط والأدلة الإسلامية المعتبرة.

    وأمَّا في السلطتين التنفيذية والقضائية، فقد أحالت الشريعة إدارتهما إلى البشر، فالقاضي وظيفته الأساسية من حيث هو قاضٍ أن ينزِّلَ الحكم الشرعيّ، على الواقعة المعينة التي تعرض عليه على سبيل الإلزام المفوض إليه من السلطة التنفيذية الخاصة، وطريقة تنزيله عليها، والحكم به عليها، إمَّا الاجتهاد المباشر، أو التقليد، وأعني بالاجتهاد المباشر، أن يكون القاضي مجتهدًا سُلِّم له الاجتهاد، في استنباط الحكم الشرعيّ، فله في هذه الحال أن يجتهد في استنباط الحكم الشرعي من حيث هو مجتهد، لا من حيث هو قاض، ثم له بعد ذلك أن ينزل حكمه الملزم به على الواقعة المعينة من حيث هو قاضٍ لا من حيث هو مجتهد.
    فلا نرى داعيًا للخلاف أو في عزو الخلاف إلى أحد معتبر في هذين الشقين، بأن يقال: إن أهل السنة يقولون إن تنفيذ الأحكام من هاتين الجهتين يتوقف على نصٍّ خاصٍّ من الشارع، فإن نسبة ذلك لأهل السنة كذبٌ عليهم، وقصد للتشغيب؛ لإدخال الباطل ودس التحريف على الناس، بل الخلاف الأصيل راجع للجهة التشريعية، وحاصلها أن إنشاء الأحكام بالمعنى الموضح، هل يحق للناس غير المعصومين؟ أم أن هذا لا يحق إلا لله تعالى ولمن بلغ عنه أو فوَّضه –على رأيٍ- من أنبيائه عليهم السلام.
    ولذلك فإذا قيل: إن الدولة في الإسلام مدنية، بمعنى أنها تركت تنفيذ أحكامه وكيفية ذلك، والقضاء في الأحكام بالوسائل التي يرتؤونها إلى الناس من المكلفين، فهذا أمر منصوص عليه في الأغلب، على الأقل عند أهل السنة وعند أكثر الفرق الإسلامية، لا نستثني منها إلا الشيعة القائلين بالنص الإلهي ومن تبعهم في ذلك، ولا داعي للتنازع فيه أصلاً، ولذلك قرروا أن إقامة الخليفة أو الإمام واجب على الناس، والقضاء بمعنى تنزيل الأحكام الملزمة واجب على الناس بمقتضى وجود ولي الأمر المعتبر شرعًا وتوكيله القاضي، أو برضا جماعة الناس لذلك، لا على الله تعالى.
    فالإسلام يحيل إدارة الشؤون إلى الناس، ويكلفهم بذلك تكليفًا واضحًا لا لبس فيه، ولا غرر، ويشترط عليهم أن تكون الأحكام التي يديرون عليها التنفيذ والقضاء مأخوذة من الإسلام نفسه، لا من عند أنفسهم، ولا بمجرد التصويت في المجالس المنتخبة بمقتضى الأغلبية.
    فالإسلام من هذه الجهة، مدنيٌّ، لا شك في ذلك، وهو إنسانيّ لا ريب في ذلك أيضاً. ولكن إنشاء الأحكام لا بدَّ فيها من الرجوع إلى الأوامر الإلهية، وتكون ناشئة عنها إمَّا قطعًا أو ظنًّا معتبراً بحسب الأدلة الثابتة التي لم يتبين خطأها، وهذا لا ريب فيه أيضا عند أهل العلم المعتبرين في الإسلام.

    جمع المحدثين بين الديمقراطية والإسلام
    إذا عرفنا الخاصية التي تختص بها الديمقراطية عن الإسلام، وعرفنا خاصية الإسلام عنها. وعرفنا أن بعض المعاصرين من الإسلاميين يزعمون أن ليس هناك تعارض بين الديمقراطية وبين الإسلام! فكيف يمكن أن يتصرفوا لكي يحققوا زعمهم هذا؟
    هل التوفيق النظري ممكن؟
    من الناحية النظرية، لا طريقة لدعوى التوفيق بين المبدأين إلا بإحدى طريقتين:
    الطريقة الأولى: إعادة تأويل الإسلام، بحيث يصير قريبًا من الطرف الآخر.
    وذلك بأن يقال: الإسلام لا يتعارض مع كون الشعب هو المنشئ للأحكام! وهذا الزعم لا يتمُّ لهم إلا بالقول بأن الأحكام التي جاء بها الإسلام تاريخيّة، بمعنى أنها لا تتعلق بالمكلفين إلا في ظرف تاريخي أو مكاني معينين دون سواهما، وهذا هو الزعم الذي تعلق به بعض الملاحدة من العلمانيين، وتأثر به من تأثر من ضعفة المسلمين. وهذا القول على إطلاقه كفرٌ بالإسلام وخروج من ربقته، حتى وإن زعم هؤلاء أن حكم الكفر تاريخيٌّ مقيد بزمان وظروف معينة لا يتعداها إلى غيرها أيضًا!
    ومن البين أن العمل على تأويل الإسلام بهذه الطريقة أو بما يقاربها، مما يحقق مقصد تحكيم غير الله تعالى وجعله منشئا للأحكام، لن يتمَّ قبوله على المستوى العلميّ الدقيق من المسلمين إلا بأن يخرجوا من إسلامهم، أو أن تعاد صياغة مفاهيمهم عن الإسلام بحيث يرون معتقدين أن هذا الوصف للإسلام وصف صحيح مطابق. وهو الأمر الذي يعمل على تحقيقه اتجاهات مختلفة.
    وقد يقوم بهذه الطريقة من تحريف الإسلام ويمارسها بعضُ من سفه نفسَه من الإسلاميين.

    الثانية: إعادة تأويل الديمقراطية، بحيث تبدو قريبة من الإسلام.
    وهذه الطريقة يقوم بها الإسلاميون ممن استخفوا قومهم، وخافوا إعلان حقيقة الإسلام، أو تستروا بأن الواقع الحالي لا يماشيه الإعلان عن حقيقة الإسلام، وذلك بعد عجزهم عن معارضة الفارق الذي بيناه، فعكفوا على إعادة تأويل الديمقراطية، بما يصحح لهم إعلان عملهم بها ولو لفظيًا، ظانين أنهم يخدعون بهذه الطريقة الملتوية أعداء الإسلام، غافلين عما يسببه ذلك من التباس المفاهيم على أبناء الإسلام، وعما يفتحه من منافذ للعلمانيين المصرحين بحرصهم على إعادة قراءة! أي تحريف الإسلام بما يقربه إلى الإلحاد في حقيقته وإن أبقوا له الاسم!
    فشرع هؤلاء في الزعم بأن الديمقراطية ليست سوى الآليات التي يتم بها تنفيذ الأحكام. أمَّا كون الأحكام ناشئة من الشعب (مباشرة أو بواسطة نواب) فيدعون أن ذلك ليس من أصل الديمقراطية وجوهرها، بحيث يلزم أنها إن كانت ناشئة من الدين نفسه خردنا عن ربقة الديمقراطية.
    ولذلك طرحوا مفهومًا جديدًا للدولة الإسلامية فقالوا ما حاصله: هي دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية.
    وأعادوا تعريف الدولة المدنية، فقالوا ما حاصله: هي الدولة التي يقوم على تنفيذ الوظائف العامة المدبرة لثروات الشعب ومصالحه الكلية فيها أناس يختارهم الشعب لمصلحة الشعب.
    يريدون بذلك تجنب مسألة نشأة الأحكام، والتغافل عن ضرورة كون الأحكام في الدولة المدنية نابعة من الشعب نفسه بطريقة ديمقراطية كما بينا، ومتغافلين عن أن الذين أنشأوا هذه المفاهيم يتبعون فلسفات دنيوية معينة، ولن ينخدعوا بهذه التعريفات المشوهة للمفاهيم الذين هم أخبر وأعرفُ بها من غيرهم.
    فالسؤال الذي سيتم طرحه على هذه الطائفة من الإسلاميين، وسيواجهون منه حرجا عظيمـًا: ما منشأ الأحكام في هذه الدولة المدنية؟ فإن قالوا: هو الإسلام، فسيقال لهم: أنتم إذن تريدون دولة إسلامية، لا دولة ديمقراطية، وسيواجهون بالتشنيعات من الطوائف والتيارات التابعة للعلمانية والدول الغربية، يحرضونهم على التشنيع على الإسلاميين، بحجج كثيرة: منها التفرد بالسلطة، والتحجير على الآخرين، والحد من الحريات...الخ.
    وسيضطر الإسلاميون عن قرب أو بعد ما داموا حريصين على هذه اللعبة إلى التسليم لهم إمَّا نظريًّا، وهو أمر في غاية الخطورة كما هو بيِّنٌ، أو عمليًّا، كما سنبينه، وسيقعون في إحراجات ومخالفات للشريعة الإسلامية أيضًا.



    يتبع.....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3
    طريقة التوفيق العمليِّ بين الأمرين:
    سيضطر كثير من الإسلاميين الذين لن يجرؤوا على إعلان انفكاكِهم عن أحكام الإسلام وأصوله جزئيا أو كلياً، في حقيقة الأمر، أو عجزِهم عن التوفيق العلميِّ بين هاتين الطريقتين المتعارضتين إلى الطريقة العملية التلفيقية الساذجة، والتي سيقتنع بها كثير من أتباعهم، وذلك بسبب الروح الكلية السارية في الزمان المعاصر، التي تطمح إلى تجاوز كثير من التنظيرات العلمية الواقفة أمام ما يبتغونه من تفلت أو حرية وانفكاك عن الأحكام والرؤى التي يسمونها تقليدية، وما ذلك إلا لقصور نظرهم عن لوازمها الخطيرة، أو قبولاً باطنياً منهم لذلك وهو أمر في غاية الخطورة.
    سيقول هؤلاء: لا داعي للغوص في هذه الإشكالية من الناحية النظرية أصلاًً، لأنا لسنا مضطرين لذلك! فإن أغلب الشعوب العربية –حتى الآن- مسلمة، وإن عرضنا عليها العمل بالأحكام الإسلامية الشرعية، فسوف تقبلها، ولذلك فإننا نقبل بهذه اللعبة الديمقراطية، وسوف نقول: تعالوا إلى صناديق الاقتراع، ونحن متأكدون أن الشعوب ستختار الإسلام، وبذلك ستنتهي المشكلة من أصلها، وسنؤسس دولة إسلامية حقيقة. وما دامت الشعوب مسلمة، فإنها ستبقى على خيارها هذا.
    ولكنهم ربما يتغافلون عن أن هناك تأثيرات داخلية وخارجية تؤثر في الشعوب أفرادًا وجماعات، وربما يكون أغلبهم في هذا الوقت مرجحين للأحكام الإسلامية –وإن كنت أشك في ذلك-، ولكنهم في وقت مستقبل، ولعوامل كثيرة، ربما ينقلب بهم الأمر فيرجحون الأحكام غير الإسلامية على الإسلامية، ويجبرون الدولة على تغيير قوانينها، وسوف تصبح الدولة غير عاملة بقوانين الإسلام. وذلك كله بناء على الديمقراطية.
    فالمبدأ الذي رضينا به أولا، هو الذي يجب علينا الرضوخ له ثانيًا، وينبغي علينا أن نحترم خيار الأغلبية مهما كان، أليس كذلك؟ فلتكن الدولة غير إسلامية إذن في وقت وإسلامية في وقت آخر، وهكذا.

    تنبيه:
    هناك أمر لا بدَّ من الانتباه إليه، يظهر وجهة نظرنا في هذه المسألة، وهي أن الدولة المدنية بمرجعية إسلامية، المشروطة بمدة بقاء الأغلبية مريدة للأحكام الإسلامية، هو في حقيقة الأمر كالإقدام على الإسلام بشرط محدودٍ بظرفٍ ما معيَّن أو غير معين، يؤدي إلى قطع الإسلام المعقود أولاً. أي إنه كما لو قال قائل: أنا سأسلم بشرط أنه يحق لي أن أغير رأيي في إسلامي متى شئتُ! ومن المعلوم أن الإسلام المشروط بشرط غير مقبول، فلا يصح للواحد أن يصحح إسلام من يقدم على الدين بنحو هذا الشرط، بل لا يجوز تصحيح إسلام امرئ إلا إذا كان قد أطلق في نفسه ولم يقيده بلفظه أنه على الإسلام أبدًا حتى يموت، فما بالنا إذا قيل لنا: إن هذه الدولة ستكون حاكمة بالأحكام الإسلامية بشرط بقاء الأغلبية مسلمة، فإن تغيرت تغيرت، وإلا فلا، وأن هذا الشرط يشكل جزءا من ماهية الدولة وحقيقتها، لا يجوز أن نتخلى عنه، لأنا إذا قلنا إن هذه الدولة لا بد أن تكون حاكمة بأحكام الإسلام، فإنا نكون قد خرجنا عن مفهوم الدولة الديمقراطية، ونحن لا نريد إلا دولة ديمقراطية، ولا يحقق ذلك إلا التمسك بهذا الشرط.
    والسؤال هنا: مَنْ مِنَ الفقهاء الأعلام يمكن أن يقول عن هذه الحالة: إن الدولة التي تضع نحو هذا الشرط في الدستور، هي دولة إسلامية فعلاً!!؟
    أرجو أن يعاد النظر في هذه المسألة الدقيقة، وأن لا يتم تجاوزها بطرق تلفيقية علمية لا تفيد في التأسيس العلمي اللائق بهذا الدين الحنيف، بل لا تليق إلا بمضمار السياسة.

    ولنرجع إلى مناقشة أصحاب الحل العمليّ:
    بعض هؤلاء الذين يتبنون هذا الحل العمليّ للخروج من الأزمة النظرية العلمية السابقة، إذا قيل لهم كيف ترضون بأن تكون الدولة عاملة بغير أحكام الإسلام؟ يقولون: هذا من تقصير الإسلاميين، فلولا أنهم قصروا في نشر الدين والتوعية والبيان له بين الناس، لما عزفوا عن اختيار الإسلام حاكمـًا عليهم. إذن التقصير من الإسلاميين لا من الدين. وبهذا الاحتجاج يقنعون أنفسهم أنهم خرجوا عن ربقة المسؤولية.
    ولو كان الأمر مجرد عمل بحسب المقدور في الواقع، لهان الأمر، ولكن هؤلاء يزيدون ويقولون: إن الدولة في الإسلام لا علاقة لها أصلاً بالدين، ولا يجب على الحاكم أن يرعى شؤون الدين، بل إن إدخال قيد رعاية شؤون الدين في تعريف الدولة الإسلامية، أو الخلافة، تخلل إلى الفقهاء من تأثرهم بالدولة الساسانية، وليس ذلك من صلب الإسلام في شيء!
    فلو كان رئيس الدولة مراعيًا لشؤون الناس الدنيوية فقط، لكان عاملاً بأحكام الإسلام، مطيعًا لله تعالى، ولذلك يقول هؤلاء لا موجب لأن يكون رئيس الدولة مسلما أصلاً.
    ولو كان هؤلاء يتحدثون عن أي دولة لهان الأمر كما قلنا، ولكن لما كانوا يزعمون أنهم يحققون مفاهيم إسلامية، وأحكام ترجع للدين، وتعاليم الإسلام، وجب علينا معارضتهم وبيان أغلوطاتهم وتنبيه الناس عليها.
    والحقيقة أن هذا الحل العمليّ لا يفي بالغرض، فكون الشعب في أغلبه مسلمـًا، فاختار لذلك أحكامًا إسلامية، لا يكفي أن يجعل الدولة إسلامية أصلاً، ولا يحُلُّ مشكلة الدولة، ولا يجعل الطريقة الديمقراطية إسلامية في جوهرها، لأن أخذ الأحكام في الدولة ينبغي أن يكون باعتبار كونها ناشئة من الإسلام والشريعة الإسلامية، ولو حصل أن اتفق وجود دولة أحكامها غير مخالفة للشريعة الإسلامية، ولكنها لم تعتبر عدم المخالفة للإسلام شرطًا في أخذ أحكامها في الدستور، بل أجازت ذلك ولكن حصل أنها لم تخالفه في مدة معينة، لما كان ذلك كافيًا لوصف الدولة بأنها إسلامية، ولما صح أن يقال إن هؤلاء قد أقاموا دولة إسلامية، أو أنهم قاموا بالواجب عليهم من إقامة الدولة.
    فالدولة الإسلامية، ومن يقيم الدولة الإسلامية، ينبغي أن يلاحظ أنه في تأسيسه للدولة ينبغي أن تكون نشأة أحكامها إسلامية أيضًا، لا أن يتفق كونها غير مخالفة للإسلام بدون قصد كونها كذلك. فإن إقامة الدولة الإسلامية، فعل، والفعل يؤخذ فيه قصد الموافقة للأمر، وذلك للخروج من ربقته، ومن عهدة التكليف، بخلاف النهي كما هو معلوم في الأصول، فيكفي لعدم ترتب العقاب أن ينفك عنه ولا يتلبس به ولو كان غير قاصد إطاعة أمر الشارع، فهذا يترتب عليه الثواب، لا مجرد رفع العقاب.
    ولذلك فإننا نقول: لو اتفق أن حصل الإسلاميون على أغلبية في ضمن إطار الدولة الديمقراطية التي مبدأها أن السلطات الثلاث راجعة للشعب بقيد كونه شعبًا بحريته المحضة في الاختيار، فإن هذه الدولة ذات الإطار الديمقراطي، لا يصح أن تعتبر إسلامية، ولا يترتب على رئيسها صفة ولي أمر المسلمين.
    فإن الدولة بما هي شخصية معنوية لم تعتَبِر كونَ هذه الأحكام بخصوصها ناشئة عن الشريعة الإسلامية، بل الملاحَظ فيها في هذه الحالة، أنها اعتبرت الأحكام لكونها نشأت عن اختيار أغلبية الشعب، فمصدر الحاكمية عند هذه الدولة، التي هي شخصية معنوية اعتبارية، هو الشعب نفسه، لا دين الشعب في لحظة ما يسري لزومها لما بعدها من الأزمان، ولذلك لو تغير دين الشعب وبقي الشعب نفسه، فتغير خِيارُهُ، وصوَّت مختاراً لأحكامٍ غير إسلامية هذه المرة، لم يكن ذلك مخالفًا لأصل الدولة الديمقراطية، ولم يكن ذلك خروجًا عن مبدأ الديمقراطية، ولوجب اعتبار الأحكام المخالفة للإسلام أيضًا، لأن المنشأ في الحالتين واحد وهو الشعب.
    وهذا الافتراض الذي يقرُب حصوله بلحاظ هذا العالم المتموج، بل قد لا يحصل غيره في عالمنا المعاصر، يبين بوضوح أن الدولة التي تنصُّ على ضرورة قبول الحكم الموافق للإسلام لو تم اختياره، وعلى ضرورة الرضوخ للحكم غير الموافق للإسلام لو تم اختياره أيضًا وبنفس الدرجة، يستحيل أن تكون موصوفة بأنها دولة إسلامية!
    وبذلك يظهر أن هذا الفريق العلميّ عندما يقول: نحن في غنى عن التأصيل العلمي لهذا اللون من الدولة، فإنما يقول ذلك لعجزه عن التأصيل العلمي، لا لقصور في وسائل إدراكه، بل لإدراكه أن التأصيل العلمي الصحيح في هذا الحالة محال بناء على القواعد الإسلامية الصحيحة.
    فكل من يرضخ لهذا الحلّ إما أن يكون مضمرًا لما يخالف قطعيات الإسلام، ويحذر من التصريح بذلك، أو غير مدرك حقيقة لخطورة الوضع الذي يحاول إقناع الناس به، ومدى الضرر الذي يترتب عليه عملياً وعلميًّا.

    الحل المقترح:
    باختصار: إذا كان عندنا القدرة على إقامة الدولة الإسلامية بأركانها وشروطها وخصائصها فلنقمها على ما هي عليه.
    وإذا لم يكن عندنا القدرة على ذلك، لظروف عالمية معينة، ولضعفنا الظاهر، ولتكالب الناس علينا، فلا يصح لنا أن نحرف هذه المفاهيم لتكون قريبة إلى المفاهيم العلمانية، بما يؤدي إلى إسباغ صفات إسلامية على ما هو غير إسلاميّ.
    ولا يشترط للمسلم لكي يعيش في دولة أن تكون الدولة إسلامية، فكثير من المسلمين يعيشون في دول غربية وشرقية، والجميع مطبق على أنها غير إسلامية. وكذلك لا يصح أن نقول على الدول العربية إنها دول إسلامية، واصفين النظام بالإسلامي، مغالطين في ذلك لاعتمادنا على أن أكثر أفراد الشعب مسلمون، ومن أين يأتي التلازم بالحكم على الدولة بالإسلامية لمجرد كون أفرادها مسلمين، والحال أنها غير حاكمة بالإسلام، مصرحة بأنها تتخذ المناهج الغربية في الحكم في دستورها وقوانينها غير خالصة منها ما هو موافق للإسلام ومنها ما هو مخالف؟!
    فلنحترم أنفسنا، ولنعرف حقيقة الأمر ولنقف عند قدرتنا لكي لا يدفعنا غرورنا إلى امتطاء المفاسد.
    ويترتب على هذا الخيار أحكام وعلاقات معينة يجب لحاظها والبناء عليها فيما بين المشايخ والدول القائمة، قد نناقش بعضها في مقالات لاحقة بإذن الله تعالى.
    والله الموفق
    وعليه التكلان
    سعيد فودة

    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,998
    مقالات المدونة
    2
    بارك الله فيكم سيدي أبا الفداء، ونفع بكم ..
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  5. بارك الله فيك شيخنا سعيد ..وفتح لك القدير فتوح العارفين ...وهذه المقالة الرائقة العذبة الزلال لا تصدر الا من متح من غدير الأصلين و ارتوى منهما غاية الري ....

    و في سياق هذا الموضوع سمعت قبل أيام حديث أحد ممثلي التيار الإسلامي في تونس يقول : أن تطبيق الإسلام بتمامه غير لازم بل يجب تطبيق الأنظمة الغربية المتوافقة مع النسق العادي و المألوفة عالمياً التي تحض على إحترام الأنسان لإنسانيته لا لأجل قوميته و دينه لا أن الإسلام غير صالح بل العكس الإسلام لكل زمان ومكان

    ولكن لا نطبقه بتمامه الا بعد رسوخ تعاليمه في نفوس أفراد المجتمع ..وهذا يحتاج إلى زمن مديد بحيث نُرسخ الإسلام في عقول الناس حتى يجري في نفوسهم مجرى الدم في أجسادهم ...وهذا لا يكون برأيه الا تدريجاً لقمة لقمة لئلا يختنقون غصا !

    و ينسب قوله هذا إلى عوائد الشرع فأن الأحكام نزلت تدرجياً مع مراعاة الزمان و المكان و الحال !
    و يعضد ذلك بقصة وفد ثقيف إلى النبي صلى الله عليه سلم الذين أشترطوا لإسلامهم تعطيل بعض الشرائع و الأحكام لمدة معينة مثل الزكاة و غيرها فقبل ذلك النبي صلى الله وسلم و ذلك إقراراً منه على إسلاماً مشروط !

    هذا مفهوم كلامه و ليس منطوقه ... و الله المستعان !

  6. قد فصَّلتم سيدي في فصل الإسلام عن الديمقراطية،
    فهلا فصَّلتم في فصل الدولة الإسلامية عن الدولة الدينية ، متبعين المنهج نفسه، نظريا و عمليا؟

  7. #7
    سأنشر قريبا مقال أوضح فيها ماهية الدولة الثيوقراطية التي يترجمونها بالدولة الدينية لتتضح كثير من الأمور والمغالطات في كلام الخائضين في هذه المباحث....وندعو الله أن نكون من المصيبين فيما نقول...
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. #8
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد فودة مشاهدة المشاركة
    سأنشر قريبا مقال أوضح فيها ماهية الدولة الثيوقراطية التي يترجمونها بالدولة الدينية لتتضح كثير من الأمور والمغالطات في كلام الخائضين في هذه المباحث....وندعو الله أن نكون من المصيبين فيما نقول...
    .. جزاكم الله خيراً وَ زادَكُم نوراً فضيلة الأستاذ سعيد و حباكُم مَزيداً من فضلِه العظيم .
    وَ مِنَ المُؤْسِف أن يُساء استعمال لفظة " ديموقراطيّة " بين العوامّ اليوم سواء الصحفيّين أو غيرهم و يتفَشّى بكثرة حتّى يَصيرَ مُصطًلَحاً كالعَلَم على العَدْلِ و الإنصاف أو الإحسان وَ المُواساة أو حتّى الرحمة و الشفقة ، فترى أَحَدَهُم يتشكّى من إساءات بعض الأفراد لهُ أو من تخريب جماعي أو ظُلم في مَحَلَّتِهِ أو تعصُّب عِرقِيّ عليه (تمييز عنصريّ ضِدَّهُ) في مكان عملِهِ ثُمَّ يَقُول :" أَيْنَ الديموقراطِيّة ؟؟ " ، وَ يقصد أين العدالة و الإنصاف و الرحمة و نحو ذلك ...
    بل أحسستُ أنَّ بعضَهُم يقول عَمَّن يُحافِظ على نواميس الشرف و الأخلاق الفاضلة وَ العِفّة و الطهارة " هذا غير ديموقراطيّ " ...!!!
    وَ أشَدُّ مِن ذلك إطلاق بعض الصحفِيّين العرب ( أو أشباه المستعربين) اسم :" إسـلاميّين " أو مصطلح " أُصُولِيّين " على المُخرّبين و الغُلاة ، فيقولون هجمت القوّات الإسلاميّة على تيمبُوكتُو ، وَ سيطرت القُوّات الإسلامِيّة على غاوْو (في مالي) مع أنَّ تِمبُكتو بلد مسلم عريق و لا يُوجَد في سكّانِه الأصلِيّين من ينتسب إلى غير الإسلام ...
    - عفواً .. في نظر الأمة الضعيفة : يَصِحُّ أن يُقال عن بلد أكثرِيَّتُهُ مُسلِمة و يُسمَعُ فيه الأذان علناً وَ تُقام فيه الشعائر و الجُمَع و الأعياد بلا قُيود ، وَ تُعطى الفرص الرسميّة العامّة في الأعياد (إجازة العطلة الرسميّة) و تُنَفَّذ أمور الزواج و المواريث و سائر الأحوال الشخصيّة بِحُرّيّة ، يَصِحُّ أن يُقال بلد إسلاميّ وَ إِنْ ارتكب رئيسُهُ المُسلِم كبيرة الحُكم ببعض القوانين الوضعيّة - و العِياذُ بالله - هَوىً و معصِيَةً من غير استحلال لها ، ما لَم يستحسِنْها أو يعتبِرْها أعدَلَ أو أفضَلَ أو أنسَبَ مِن شرع الله الحكيم وَ سنّة نبِيِّهِ الكريم عليه أفضلُ الصلاة و التسليم ... أو أنَّها مساوِية للشرع في المصلحة أو الرُتبة . و اللهُ أَعلَمُ .. وَ أنا لا أَزعُمُ أنَّ هذا الأَمرَ على إِطلاقِهِ بل لا بُدَّ فيه من البيان إِذْ يقتضي تفصيلاً دقيقاً وَ إلاّ حُمِلَت عِباراتُنا على ما لا يَسُوغُ بِحالٍ و على غير المقصود الشرعيّ و العياذُ بالله .
    فمع إِعتقادِنا بأَنَّهُ لا يُوجَدُ بَلَدٌ الآن يحكُمُ رئيسُهُ بالقُرآن الكريم ( فيما نعلَم) لا يُنْكَرُ أنَّهُ يصِحّ أن نقول :" الوضع كذا و كذا في البلاد الإسلامِيّة " . و اللهُ أَعلَم ...
    وَفَّقنا اللهُ وَ إيّاكُم لِما يُحِبُّ وَ يَرضى وَ زادَنا هُدىً و تسديداً و أصلح حالنا والمسلمين ، آمين .
    .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  9. جزاكم الله خيرا شيخنا على ما تفضلتم به .

    قولكم سيدي :

    هذه هي الأحوال الممكنة واقعيا بناء على الأسس الديمقراطية، ونتائجها اللازمة فعليًّا بحسب اعتبار القوانين الاجتماعية.
    ولذلك فإن الباحث الصادق يعرف تماما الإشكاليات التي سوف يواجهها من اتخاذ الديمقراطية طريقة ومنهاجًا ومبدأ لحكم الشعوب.
    ما توصلتم إليه من حتمية التنازل في كل الحالات هو الحالة التي يمكن أن تسمى ديموقراطية بحق وفق المفهوم الغربي الشائع للكلمة فإن كتابات المنتمين إلى الديموقراطية الليبرالية تؤكد أن الدستور لا يكون "دستورا ديموقراطيا" إلا إذا حفظ حقوق الأقلية وحماها من طغيان الأكثرية ، وبالتالي فإنه من لازم الديموقراطية الغربية المقصودة في خطاب العوام والمثقفين حتى تكون ديموقراطية حقة أن تتعامل بالتمييز الإيجابي مع الأقلية في المجتمع .
    ويخطئ كثير من الإسلامويين اليوم إذ يعتقدون أن الديموقراطية ترادف حكم الأغلبية فقط محاولين التوصل بها إلى تطبيق الشريعة رغم رفض الأقلية له بحجة أن هذا هو حكم الديموقراطية وما يريده أغلب الشعب متناسين أنه إن جاءت إرادة الأغلبية بما يعود بالتمييز السلبي على الأقلية فإن ذلك ليس ديموقراطية وإنما دكتاتورية واستبداد الأغلبية وهو مناقض للديموقراطية الحقة المبنية على المساواة الكاملة بين جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية أو الدينية ما داموا جميعا ينتمون إلى ذات الرقعة الجغرافية التي يسمونها وطنا .
    إن فرض أحكام الأغلبية على كل المجتمع لا يرادف الديموقراطية ولا تكون ديموقراطية بحق إلا بتنازل الجميع عن بعض الخصائص والميزات لأجل إخوتهم في الوطن انطلاقا من تساوي الجميع في الحقوق المكتسب من انتماءهم إلى رقعة جغرافية واحدة لا إلى فكر أو دين ، فالمحدد للحقوق والمانح لها ليس الانتماء الديني أو الفكري وإنما الانتماء الجغرافي المحض ، وعليه فلا يوجد "أسلوب ديموقراطي" لفرض الأغلبية رؤاها وأحكامها على الأقليات بل ذلك مناف للب الديموقراطية الليبرالية الحديثة .


    بارك الله فيكم سيدي ، مقالكم هذا كاشف نافع مرجعي لمن أحب ، وثمة إيرادات أحببت سوقها بعضها جكاية لقول مخالف مفترض :

    قولكم سيدي :

    ولكن بفرض هذه الحالة، وهي التنازل عن المميزات والخصائص للأديان والمبادئ، سوف تنهار النظم والمبادئ فعليًّا، وسوف تنشأ حركات فكرية بعضها يزعم عدم فائدة تلك المبادي، أو بطلانها، وبعضها يزعم أن من حقه إعادة تفسر المبادي والأديان بطريقة جديدة توافق العصر الذي نعيش فيه، وجميع هذه الصور تستلزم بالضرورة زوال المبادي عن حقائقها وظهور مبادئ أخرى، وتستلزم انحراف الأديان عن حقيقتها، وظهورها في صور جديدة لم يعرفها المتقدمون في الأصول وفي الفروع.
    يمكن أن يقول المخالف :

    ولكن لماذا تفترضون أن الوضع الأول الزائل هو حقيقة تلك الأديان أو المبادئ ، لمَ لا يقال إن ما انهار حقيقة هو قراءة معينة لتلك المبادئ والأديان وقيام قراءة وفهم جديد لها ، وانهيار فهم لمبدأ أو دين لا يعني انهيار ذات المبدأ أو الدين ، فما راج بين من سموا أنفسهم أهل السنة من فقه واعتقاد إنما كان عقيدة وفقها من بين عقائد ومدارس فقهية أخرى كثيرة اضمحل بعضها وانقرض الآخر وكتب البقاء والرواج لهذه العقيدة الأشعرية والفقه المذهبي المحدود نتاج ظرف تاريخي ومجتمعي معين ، ولا شيء في العقل يرجح أن النمط الأشعري المذهبي في فهم الدين يمثل حقيقته بينما يمثل النمط المعتزلي أو الظاهري في الفقه مثلا شيئا آخر غير حقيقته ، فما حصل هو رواج مجموعة افكار ورؤى على حساب أخرى وكلها تنتمي إلى ذات الدين وتنطلق منه ولم يقل أحد أن حقيقة الدين زالت بزوال الاعتزال أو المذهب الظاهر أو مذهب الثوري أو الأوزاعي أو الطبري ، فما يمنع أن تزول هذا ويحل محلها مجموعة أخرى من الرؤى و التشريعات دون أن يعني ذلك زوال حقيقة الدين المفترض من قبلكم وفق التطور المجتمعي والإنساني .

    ولتطبيق هذا فإن المسلم الذي يتنازل عن حد الرجم لأجل السلام والتوافق المجتمعي مع من يرفضونه لا يكون بذلك مبدلا لحقيقة الدين ويظل مسلما ، غاية ما في الأمر أنه تنازل عن حكم لا يناسب الزمان ويصادف أنه يوافق رؤى إسلامية أخرى لم ترى تطبيق حد الرجم من الدين في شيء كالمعتزلة والخوارج ولا شيء يجعل من رأوا حدية الرجم أولى بإصابة حقيقة الدين ممن لم يره .



    قولكم سيدي :
    الثانية: إعادة تأويل الديمقراطية، بحيث تبدو قريبة من الإسلام.
    وهذه الطريقة يقوم بها الإسلاميون ممن استخفوا قومهم، وخافوا إعلان حقيقة الإسلام، أو تستروا بأن الواقع الحالي لا يماشيه الإعلان عن حقيقة الإسلام، وذلك بعد عجزهم عن معارضة الفارق الذي بيناه، فعكفوا على إعادة تأويل الديمقراطية، بما يصحح لهم إعلان عملهم بها ولو لفظيًا، ظانين أنهم يخدعون بهذه الطريقة الملتوية أعداء الإسلام، غافلين عما يسببه ذلك من التباس المفاهيم على أبناء الإسلام، وعما يفتحه من منافذ للعلمانيين المصرحين بحرصهم على إعادة قراءة! أي تحريف الإسلام بما يقربه إلى الإلحاد في حقيقته وإن أبقوا له الاسم!
    فشرع هؤلاء في الزعم بأن الديمقراطية ليست سوى الآليات التي يتم بها تنفيذ الأحكام. أمَّا كون الأحكام ناشئة من الشعب (مباشرة أو بواسطة نواب) فيدعون أن ذلك ليس من أصل الديمقراطية وجوهرها، بحيث يلزم أنها إن كانت ناشئة من الدين نفسه خردنا عن ربقة الديمقراطية.
    ولذلك طرحوا مفهومًا جديدًا للدولة الإسلامية فقالوا ما حاصله: هي دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية.
    وأعادوا تعريف الدولة المدنية، فقالوا ما حاصله: هي الدولة التي يقوم على تنفيذ الوظائف العامة المدبرة لثروات الشعب ومصالحه الكلية فيها أناس يختارهم الشعب لمصلحة الشعب
    لمَ لا "نبتدع" نحن سيدي مفهوما جديدا نسميه "الديموقراطية الإسلامية" ؟
    لا يمكن أن ننكر أن آلية الإنتخاب وفصل السلطات والمحاسبة أمام نواب الشعب وتحديد ولاية الحاكم وكلها من مميزات النظام الديموقراطي الحديث هي من أبدع ما توصل إليه العقل الإنساني في نظام الحكم ، وثمارها وفوائدها ماثلة أمام العيان بما يجعل إنكارها ضربا من إنكار الضرورات مخرج لصاحبه عن حيز العاقلين ، فبينما كان لا يجد الأقدمون في الغالب - حتى المسلمين منهم - غير السيف حلا لخلافاتهم ولترجيح من يتولى الحكم فإن العقل الغربي المعاصر وبابتداعه الآلية الديموقراطية في اختيار من يحكم قد عصم الدماء من السفك وحمى الديار من الخراب جراء التقاتل حول من أحق بالحكم من الآخر ، ولكم أن تتصوروا ما جرى في انتخابات عام 2000م في أميركا حيث فاز بوش على منافسه آل غور بفارق أقل من 1% ومع ذلك سلم له آل غور ولم ينازعه ، أقول لكم أن تتصور ذلك جرى في احدى حقبات التاريخ الماضي في احدى الدول الإسلامية وما سيتبعه في الغالب من احتراب وسفك للدماء بين الفريقين ، وما كان في تاريخنا من نماذج ناصعة كتنازل الحسن بن علي عليهما السلام لمعاوية فشذوذ عن القاعدة المطردة في تاريخنا .
    فما يمنع أن نستفيد من هذه الآلية البديعة التي أبدعها العقل الإنساني والمعرفة تراث إنساني مشترك ، مع تحوير بعض الأجزاء التي لا تلائمنا في الوضع الإسلامي كاستبدال الإسلام مكان المواطنة منبعا للحقوق والواجبات ، ومن ثم نطلق على هذا النموذج المحور "الديموقراطية الإسلامية" لاستنادها إلى الإسلام محددا للحقوق لا المواطنة .

    وقد نادى شيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله في الموقف بالديموقراطية الإسلامية وحث العلماء المسلمين على التبشير بها ، يقول شيخ الإسلام :

    [ و قد أثبتنا في الباب الرابع من الكتاب أن الإسلام جنسية مستجمعة للوازم الجنسية، لا يدانيه في هذه الميزة أي دين.
    فتحصل بين كل مسلم و مسلم من مجموعهم الذي يناهز ثلاثمائة مليون نسمة، شركة تضامن و تعادل، لا بفضل عربيهم على أعجميهم، و لا أبيضهم على أسودهم، إلا بالتقى؛ و لا يحب مسلم لأخيه المسلم إلا ما يحب لنفسه؛ تضامن أصدق، و أنزه، و أسمى مما في شركة الشيوعية العالمية الحديثة، و الماسونية القديمة؛ لكون الثانية من هذا التضامن كسب الآخرة، قبل كسب الدنيا، يُتمسك به على أنه واجب ديني، و كون الديمقراطية التي فيه أصح من الديمقراطيات القائمة على الدعايات و المخادعات.

    فالديمقراطية، التي هي وضع إلهي، تشعر بالمسئولية عند الله قبل الناس، و يتسع صدرها لصالح البشر جميعا، كما كان الله للجميع في المثل الفرنسي، و لا تعمل لحساب قومها على حساب أقوام أخرى...
    لا بد أن تفوق الديمقراطيات الموضوعة بأيدي رجال سياسيين، و أن تخدم أكثر منها لخير البشر، و الفائدة التي تضمنت لحساب الفقراء، تصل إليهم مباشرة، و طوعا من الأغنياء، الذين جعل الله في أموالهم حقاًّ للسائل و المحروم....
    تصل إليهم، و لا يبقى معظمها في أيدي السماسرة السياسيين، الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من الديمقراطية الشيوعية، و البلشفية، لإنقاذ الفقراء من أسر الأغنياء، فأصبحت النتيجة وقوع الفقراء و الأغنياء جميعا في أسر أولئك السماسرة.

    .........................

    ............... و إني أدعوا علماء الدين إلى أن يكونوا رسل هذه الديمقراطية الإسلامية، فيقوموا بالسعي البليغ لترغيب المسلمين في تعديل ما بينهم من الفروق الشاسعة الاجتماعية، التي تجعل لأصحاب الطبقات السفلى حياة كحياة الاحتضار المقيم، و تكون خطراً على أصحاب الطبقات العليا، مستعداًّ للانفجار في كل يوم و ليلة... و التي تنتصب منظراً فظيعاً، و سداًّ منيعاً لاستقرار الأخوة المطلوبة بين المسلمين، لاسيما في هذا العصر الأخير، المليء بالفتن و التسويلات. ] آ.هـ موقف العقل المجلد الأول .



    قولكم سيدي :

    هناك أمر لا بدَّ من الانتباه إليه، يظهر وجهة نظرنا في هذه المسألة، وهي أن الدولة المدنية بمرجعية إسلامية، المشروطة بمدة بقاء الأغلبية مريدة للأحكام الإسلامية، هو في حقيقة الأمر كالإقدام على الإسلام بشرط محدودٍ بظرفٍ ما معيَّن أو غير معين، يؤدي إلى قطع الإسلام المعقود أولاً. أي إنه كما لو قال قائل: أنا سأسلم بشرط أنه يحق لي أن أغير رأيي في إسلامي متى شئتُ! ومن المعلوم أن الإسلام المشروط بشرط غير مقبول، فلا يصح للواحد أن يصحح إسلام من يقدم على الدين بنحو هذا الشرط، بل لا يجوز تصحيح إسلام امرئ إلا إذا كان قد أطلق في نفسه ولم يقيده بلفظه أنه على الإسلام أبدًا حتى يموت، فما بالنا إذا قيل لنا: إن هذه الدولة ستكون حاكمة بالأحكام الإسلامية بشرط بقاء الأغلبية مسلمة، فإن تغيرت تغيرت، وإلا فلا
    يقول د/الترابي في رد هذا عندما نوقش به ما معناه : لو أن الشعب كله أو جله اختار الانحياز إلى غير الإسلام فيكون الشعب عندها قد أعلن ردة جماعية عن الإسلام فخرج بمجموعه عن الدين واعلن عدم إيمانه به فلا يلزمه الدين أصلا ، فكيف تطبق الدين على من لا يؤمن به أصلا ، هذا غير عملي ولا واقعي ولا يمكن ان تلزم ثلاثين مليونا بأفكار ودين هم لا يؤمنون به وأي قوة تملكها عندئذ الأقلية المتشبثة بأحكام الدين لتلزم أكثرية أعلنت كفرها بهذا الدين ، لذا لا غضاضة من اعتماد الديموقراطية والرضا بما يريده الشعب وإن كان فيه الخروج من الدين لمجموعه لأنا معشر المنادين بالشريعة عندها أقلية لا حول لنا ولا قوة في إلزام الأكثرية بما تكره { أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} ؟ ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها .

    فما قولكم في رد كلامه سيدي ؟

    ودمتم بخير سيدي .
    التعديل الأخير تم بواسطة هاني علي الرضا ; 15-02-2013 الساعة 17:18
    صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

  10. #10
    سيدي ...جزاكم الله خيرا و نفع بكم ..
    لستُ أهلا و لكني أجدني مقتنعا بما كتبتموه و أصّلتموه و ما ألزمتم به متميعي الاسلاميين..الا ما استنتجتموه من قولكم ان الدول الحالية ليست اسلامية ...اذ الذي فهمته منكم سيدي أنها دول كفرية لا تختلف عن الدول الغربية ..لأنهما يشتركان في القبول بالديمقراطية ..
    و هو ما كان محل نقاش بيني و بين بعض الاخوة في موضوع آخر ..
    http://www.aslein.net/showthread.php?t=17011&page=2
    فالذي أفهمه سيدي أن الدولة الاسلامية أي غير الكافرة هي تلك التي تعلن اسلامها ..مثلها مثل الفرد المسلم ....
    و أنها لا تخرج عن اسلامها ذاك الا كما يخرج الفرد من اسلامه...أي بالاتيان بأمر قاطع الدلالة على نقض الاعلان الأول...
    و هذه الدول تعلن اسلامها في دساتيرها ،لا مجرد كون مواطنيها مسلمين...و تنص عامتها على أن قوانينها يجب ان تستمد من الاسلام..
    أما مخالفاتها لذلك في بعض قوانينها ، فهي كمخالفة الفرد المسلم لما أعلنه من اسلامه..لا يخرجهما منه...
    و كذلك اعلان بعض الدول ان نظامها ديمقراطي ...فهو كاعلان الأفراد ايمانهم بالديمقراطية لأنها لا تخالف الاسلام بنظرهم ..
    اذ كما لا نكفّر الافراد بمجرد اعلانهم ذلك ،كذلك لا نكفر دولة تعلن الأمر نفسه ...الا أن يصرحوا بما ينقض اسلامهم..
    و هذا لا يعني الرضا بذلك كله...لا بالنظام الديمقراطي و لا بمخالفات الشرع في القوانين...بل هي آثام عظيمة لا ريب..
    لكنها ليست مكفرة بمجردها لا للأفراد و للدول ...هذا ما أفهمه و الله تعالى أعلم ...
    و ان كنتُ مقتنعا تماما بما قلتموه سيدي من أن الديمقراطية تخالف الاسلام و تناقضه...
    و لكن لم أستوعب بعض نتائج البحث ....فأرجو أن يتسع صدركم لي ...بارك الله لنا فيكم ...

  11. مناقشات على هامش المقال:
    الاعتراض الأول:
    تعليقا على قولي: "ولكن بفرض هذه الحالة، وهي التنازل عن المميزات والخصائص للأديان والمبادئ، سوف تنهار النظم والمبادئ فعليًّا، وسوف تنشأ حركات فكرية بعضها يزعم عدم فائدة تلك المبادي، أو بطلانها، وبعضها يزعم أن من حقه إعادة تفسر المبادي والأديان بطريقة جديدة توافق العصر الذي نعيش فيه، وجميع هذه الصور تستلزم بالضرورة زوال المبادي عن حقائقها وظهور مبادئ أخرى، وتستلزم انحراف الأديان عن حقيقتها، وظهورها في صور جديدة لم يعرفها المتقدمون في الأصول وفي الفروع".
    قال أ. هاني علي الرضا: "يمكن أن يقول المخالف :
    ولكن لماذا تفترضون أن الوضع الأول الزائل هو حقيقة تلك الأديان أو المبادئ ، لمَ لا يقال إن ما انهار حقيقة هو قراءة معينة لتلك المبادئ والأديان وقيام قراءة وفهم جديد لها ، وانهيار فهم لمبدأ أو دين لا يعني انهيار ذات المبدأ أو الدين ، فما راج بين من سموا أنفسهم أهل السنة من فقه واعتقاد إنما كان عقيدة وفقها من بين عقائد ومدارس فقهية أخرى كثيرة اضمحل بعضها وانقرض الآخر وكتب البقاء والرواج لهذه العقيدة الأشعرية والفقه المذهبي المحدود نتاج ظرف تاريخي ومجتمعي معين ، ولا شيء في العقل يرجح أن النمط الأشعري المذهبي في فهم الدين يمثل حقيقته بينما يمثل النمط المعتزلي أو الظاهري في الفقه مثلا شيئا آخر غير حقيقته ، فما حصل هو رواج مجموعة افكار ورؤى على حساب أخرى وكلها تنتمي إلى ذات الدين وتنطلق منه ولم يقل أحد أن حقيقة الدين زالت بزوال الاعتزال أو المذهب الظاهر أو مذهب الثوري أو الأوزاعي أو الطبري ، فما يمنع أن تزول هذا ويحل محلها مجموعة أخرى من الرؤى و التشريعات دون أن يعني ذلك زوال حقيقة الدين المفترض من قبلكم وفق التطور المجتمعي والإنساني .

    ولتطبيق هذا فإن المسلم الذي يتنازل عن حد الرجم لأجل السلام والتوافق المجتمعي مع من يرفضونه لا يكون بذلك مبدلا لحقيقة الدين ويظل مسلما ، غاية ما في الأمر أنه تنازل عن حكم لا يناسب الزمان ويصادف أنه يوافق رؤى إسلامية أخرى لم ترى تطبيق حد الرجم من الدين في شيء كالمعتزلة والخوارج ولا شيء يجعل من رأوا حدية الرجم أولى بإصابة حقيقة الدين ممن لم يره".
    والجواب:
    كلامي يبقى صحيحا حتى لو فرضنا الحالة التي تذكرها، وهي تقع أحيانا، بل يمكن أن نقول إنها واقعة فعلا في بعض البلاد كمصر، وإيران، والسعودية وغيرها، فهناك أفهام وتقريرات للإسلام لا أملك أنا شخصيا على لموافقة على أنها مطابقة له أو أنها الأقرب صحة بالنسة إليه. فإن زالت واضمحلت هذه الآراء الفكريات والنظريات المدعاة، فلا يستلزم ذلك أبداً زوال الإسلام بالمرة، وذلك لوجود التغاير بين الواقع والإسلام. نعم هذا صحيح.
    ولكن لنفرض أنه حصل أن وجدت مجموعة أو بعض المفكرين أظهروا الإسلم في صورته النقية المطابقة لما أنزل من عند الله تعالى، أفلا يحتمل احتمالا راجحا في هذه الحالة وجود أناس بل طوائف كثيرة تقول: إننا لا نؤمن بهذا الدين، ولو كان بيانه وتقريره على أيدي العلماء والمفكرين صحيحا مطابقا لما في نفس الأمر، وذلك أنا لا نعارض فهما للإسلم دون فهم آخر، بل إننا نعارض ونتنكر للإسلام نفسه، فنحن لا نؤمن به، وإذا كان الأمر كذلك، واتفقنا على العمل بالديمقراطية، فمن حقنا ألا نحكم إلا بما لا يتعارض مع مبادئنا الأصلية، ونطالب الدولة في هذه الحالة أو توافق على تقرير وتصحيح تجويز ما نعتقد به، حفاظا على حقنا، ما دام يمكن الجمع في ظل هذه الدولة الديمقراطية بين هذا وذاك، وإذا فرضنا أن مبادئنا لا تجتمع مع مبادئ الإسلام، فلنخترع مبدأ آخر أعلى من الاثنين –والعلو هنا ليس علو أفضلية، بل بحسب ما يمكن قبوله من المختلفين والأضداد- وسابق عليهما، من هذه الحيثية، ولنقرر أنه هو القانون المعتمد.
    ألا ترى في هذه الحالة أيضا أن المنادين بالإسلام بصورته الصحيحة، يضطر ما دام مسلما بالديمقراطية إلى أن يتنازل عن بعض الضروريات الدينية، في مقابل إرضاء الطرف الآخر، فإما التنازل، أو القبول بما يناقض الإسلام مناقضة حقيقية، وذلك كله بناء وتفريعا على مبدأ الديمقراطية.
    ولا يخفى أن كلامنا كله مبني على أن الحكم الفلاني كالرجم مثلا ثابت قطعا أو بغلبة الظنِّ، ولا يوجد دليل أقوى مما ثبت به معارض له، فلو قلنا بهذه الحالة، وافترضنا بعض الفرق الإسلامية تقول بما ينافي هذا الحكم، ولكنها لا تعتمد في قولها على دليل راجح، وارتأى هذا الفريق من محاولي التوفيق أن يأخذ بقول هذا الفريق النافي مع أنه في نفس الأمر مرجوح، بل ربما يكون باطلا على سبيل القطع. ألا ترى في هذه الحالة أنه لو قال قائل: دعونا نأخذ بهذا الدليل المرجوح الباطل، توفيقا بيننا وبين الآخرين، ولنقل إن الإسلام ليس هو بالضرورة ما يقتضيه الدليل الراجح، بل يحتمل المرجوح الذي تبين لنا أنه باطل ما دام مرجوحا، ولكنهم يتعلقون بمجرد وجود بعض القائلين به، ولا يتنازلون عن قولهم هذا ولو أظهرنا لهم بطلان هذا القول، وعدم قدرتهم على إثباته والاحتجاج عليه. ألا ترى في هذه الحالة أن العمل بما لا دليل عليه أو العمل بما يقابل الدليل الراجح ، لا عند بعض الفقهاء فقط، بل عند أكثر الفرق الإسلامية الأخرى، هو نوع من تغيير المفاهيم التي كنا نتكلم عليها، وأن هذا التغيير لم يحصل بالطريق المشروع، وهي أن يؤتى بالدلالة على جواز القول به، لوجود دلالة عليه، بل قيل به لمجرد وجود مخالفين للإسلام الراجح (قطعا أو ظنا لا يوجد ما يعارضه) والرغبة في التوفيق بين البشر، والحصول على الأمن.
    نعم فلنقل أننا في حالة عدم القدرة والاضطرار، أجاز لنا الشارع التخلي عن بعض الأحكام، ولكن لا يجوز لنا إن هذا النفي لتلك الأحكام هو عين الإسلام، بل علينا القول إن تخلينا عنها ونفينا إياها إنما وقع للضرورة، وهذا يستلزم أنه عند عدم وجود ضرورة، لا بد من العودة للعمل بالراجح المعتبر.
    فقد ظهر أيضا أن هذه الطريقة المقترحة وسيلة من وسائل مفضية إلى تغيير حقيقة الإسلام بطرق غير شرعية.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  12. الاعتراض الثاني:
    تعليقا على قولي:
    الثانية: إعادة تأويل الديمقراطية، بحيث تبدو قريبة من الإسلام.
    وهذه الطريقة يقوم بها الإسلاميون ممن استخفوا قومهم، وخافوا إعلان حقيقة الإسلام، أو تستروا بأن الواقع الحالي لا يماشيه الإعلان عن حقيقة الإسلام، وذلك بعد عجزهم عن معارضة الفارق الذي بيناه، فعكفوا على إعادة تأويل الديمقراطية، بما يصحح لهم إعلان عملهم بها ولو لفظيًا، ظانين أنهم يخدعون بهذه الطريقة الملتوية أعداء الإسلام، غافلين عما يسببه ذلك من التباس المفاهيم على أبناء الإسلام، وعما يفتحه من منافذ للعلمانيين المصرحين بحرصهم على إعادة قراءة! أي تحريف الإسلام بما يقربه إلى الإلحاد في حقيقته وإن أبقوا له الاسم!
    فشرع هؤلاء في الزعم بأن الديمقراطية ليست سوى الآليات التي يتم بها تنفيذ الأحكام. أمَّا كون الأحكام ناشئة من الشعب (مباشرة أو بواسطة نواب) فيدعون أن ذلك ليس من أصل الديمقراطية وجوهرها، بحيث يلزم أنها إن كانت ناشئة من الدين نفسه خرجنا عن ربقة الديمقراطية.
    ولذلك طرحوا مفهومًا جديدًا للدولة الإسلامية فقالوا ما حاصله: هي دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية.
    وأعادوا تعريف الدولة المدنية، فقالوا ما حاصله: هي الدولة التي يقوم على تنفيذ الوظائف العامة المدبرة لثروات الشعب ومصالحه الكلية فيها أناس يختارهم الشعب لمصلحة الشعب.

    فقال أ. هاني علي الرضا:
    لمَ لا "نبتدع" نحن سيدي مفهوما جديدا نسميه "الديموقراطية الإسلامية" ؟
    لا يمكن أن ننكر أن آلية الإنتخاب وفصل السلطات والمحاسبة أمام نواب الشعب وتحديد ولاية الحاكم وكلها من مميزات النظام الديموقراطي الحديث هي من أبدع ما توصل إليه العقل الإنساني في نظام الحكم ، وثمارها وفوائدها ماثلة أمام العيان بما يجعل إنكارها ضربا من إنكار الضرورات مخرج لصاحبه عن حيز العاقلين ، فبينما كان لا يجد الأقدمون في الغالب - حتى المسلمين منهم - غير السيف حلا لخلافاتهم ولترجيح من يتولى الحكم فإن العقل الغربي المعاصر وبابتداعه الآلية الديموقراطية في اختيار من يحكم قد عصم الدماء من السفك وحمى الديار من الخراب جراء التقاتل حول من أحق بالحكم من الآخر ، ولكم أن تتصوروا ما جرى في انتخابات عام 2000م في أميركا حيث فاز بوش على منافسه آل غور بفارق أقل من 1% ومع ذلك سلم له آل غور ولم ينازعه ، أقول لكم أن تتصور ذلك جرى في احدى حقبات التاريخ الماضي في احدى الدول الإسلامية وما سيتبعه في الغالب من احتراب وسفك للدماء بين الفريقين ، وما كان في تاريخنا من نماذج ناصعة كتنازل الحسن بن علي عليهما السلام لمعاوية فشذوذ عن القاعدة المطردة في تاريخنا .
    فما يمنع أن نستفيد من هذه الآلية البديعة التي أبدعها العقل الإنساني والمعرفة تراث إنساني مشترك ، مع تحوير بعض الأجزاء التي لا تلائمنا في الوضع الإسلامي كاستبدال الإسلام مكان المواطنة منبعا للحقوق والواجبات ، ومن ثم نطلق على هذا النموذج المحور "الديموقراطية الإسلامية" لاستنادها إلى الإسلام محددا للحقوق لا المواطنة .

    وقد نادى شيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله في الموقف بالديموقراطية الإسلامية وحث العلماء المسلمين على التبشير بها ، يقول شيخ الإسلام :

    [ و قد أثبتنا في الباب الرابع من الكتاب أن الإسلام جنسية مستجمعة للوازم الجنسية، لا يدانيه في هذه الميزة أي دين.
    فتحصل بين كل مسلم و مسلم من مجموعهم الذي يناهز ثلاثمائة مليون نسمة، شركة تضامن و تعادل، لا بفضل عربيهم على أعجميهم، و لا أبيضهم على أسودهم، إلا بالتقى؛ و لا يحب مسلم لأخيه المسلم إلا ما يحب لنفسه؛ تضامن أصدق، و أنزه، و أسمى مما في شركة الشيوعية العالمية الحديثة، و الماسونية القديمة؛ لكون الثانية من هذا التضامن كسب الآخرة، قبل كسب الدنيا، يُتمسك به على أنه واجب ديني، و كون الديمقراطية التي فيه أصح من الديمقراطيات القائمة على الدعايات و المخادعات.

    فالديمقراطية، التي هي وضع إلهي، تشعر بالمسئولية عند الله قبل الناس، و يتسع صدرها لصالح البشر جميعا، كما كان الله للجميع في المثل الفرنسي، و لا تعمل لحساب قومها على حساب أقوام أخرى...
    لا بد أن تفوق الديمقراطيات الموضوعة بأيدي رجال سياسيين، و أن تخدم أكثر منها لخير البشر، و الفائدة التي تضمنت لحساب الفقراء، تصل إليهم مباشرة، و طوعا من الأغنياء، الذين جعل الله في أموالهم حقاًّ للسائل و المحروم....
    تصل إليهم، و لا يبقى معظمها في أيدي السماسرة السياسيين، الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من الديمقراطية الشيوعية، و البلشفية، لإنقاذ الفقراء من أسر الأغنياء، فأصبحت النتيجة وقوع الفقراء و الأغنياء جميعا في أسر أولئك السماسرة.

    .........................

    ............... و إني أدعوا علماء الدين إلى أن يكونوا رسل هذه الديمقراطية الإسلامية، فيقوموا بالسعي البليغ لترغيب المسلمين في تعديل ما بينهم من الفروق الشاسعة الاجتماعية، التي تجعل لأصحاب الطبقات السفلى حياة كحياة الاحتضار المقيم، و تكون خطراً على أصحاب الطبقات العليا، مستعداًّ للانفجار في كل يوم و ليلة... و التي تنتصب منظراً فظيعاً، و سداًّ منيعاً لاستقرار الأخوة المطلوبة بين المسلمين، لاسيما في هذا العصر الأخير، المليء بالفتن و التسويلات. ] آ.هـ موقف العقل المجلد الأول.

    الجواب:
    لا يخفى أن الإسلام أجاز لأهل الحل والعقد الموثوقين بأن يقوموا بتنصيب الإمام، ولم يشترط في تعيين الإمام أن يقوم جميع أفراد الدولة، بل يكفي أن يقوم بذلك من تكون بهم الكفاية، والإقناع الغالب لدى الباقين بأن ما اختاروه مناسب ويحصل مقصود الإمامة ووظائفها.
    وهذا لا يعني أن الرجوع إلى جميع الأفراد مباشرة ممنوع، بل غايته أنه جائز، كما أن ذاك جائز.
    هذا بالنسبة لطريقة الانتخاب والتعيين.
    أما بالنسبة لإدارة وظائف الدولة وأعمالها، فلا شك أننا كمسلمين عارفين بحقيقة الأحكام الشرعية لا نتنكر للعدالة والإنصاف اللذين يجب أن يتم التعامل بهما مع جميع الناس، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، فالعدالة واجب للإنسان، ومقصود دنيا وأخرى، ولكن الأسس التي يتم تحدد طرائق العدالة، أعني الأحكام وما يماثلها، لا يحصل في الإسلام بواسطة صناديق الاقتراع كما هو معلوم. بل بالاستمداد من الشريعة المنزلة، وبالطرق المعتمدة المبنية على الأدلة المعتبرة. وغير ذلك يكون عملا بالهوى، وقولا بالتشهي. وهو مردود منبوذ في الإسلام.
    وبخصوص ما أسماه الشيخ مصطفى صبري بالديمقراطية الإسلامية، فلا يخفى أن إطلاق الديمقراطية على وسائل الانتخاب والأمور الإجرائية والتنفيذية ونحوها، مما لا ضرر منه، بل إذا كان فيه فائدة للناس، فهو مطلوب شرعا لوقوعه تحت عموم طلب ما هو نافع مما لا ينافي ما أقرته الشريعة.
    وتسميته بالديمقراطية الإسلامية، يريد به أن مصدر الأحكام هو الإسلام، وطريقة تنفيذها بين الناس جميعا مسلمين وغير مسلمين، هي الوسائل الديمقراطية، ولا يريد به كما هو واضح أن الديمقراطية ووسائل الانتخاب هي الطريقة إلى إنشاء الحكام أيضا. وقد أشرت إلى هذا الأمر في مقالتي هذه والمقالة السابقة المتعلقة بالدولة المدنية.
    وهذا الاستعمال نوع من تجريد المصطلح (الديمقراطية) من بعض أركانه، وهو أن تكون الأحكام صادرة عن إرادة الشعب، فمجلس لنواب أو ما يقوم مقامه هو المتأهل فقط بالتصويت بعد المناقشات لإنشاء الأحكام بما يرتئيه ويقرره. وهذا الاقتصار على بعض أركان الديمقراطية دون بعض، من حيث المعنى المتحصل من المفهوم التقييديّ المركب (أعني: الديمقراطية الإسلامية) لا إشكال فيه. ولكن، لو سألنا الغربيين وقلنا لهم، هل تسمون هذا النوع ديمقراطية فعلا، وهل تقرون في الأمم المتحدة أن الدولة القائمة على هذه الأركان المذكورة هي دولة ديمقراطية!! فلا أعتقد أن قرارهم سيكون بالإيجاب.
    وأنا أعلم أن هناك بعض المصطلحا في الغرب تقيد الثيوقراطية بالديمقراطية فتقول: هناك نوع من الديمقراطية الثيوقراطية، وسوف أوضحه في مقال لاحق أنشره قريبا بإذن الله تعالى، والديمقراطية الثيوقراطية: تتألف من هذين نوعين من الحكومة الديمقراطية والثيوقراطية، فالناس يختارون مُمَثِّلين لهم، ولكن القادة الدينيين يمتلكون سلطة أعظم بكثير مما تمتلكه الحكومة.
    ولكن لا يمكن أن يقال على هذا النوع من الحكومات إنه ديمقراطي تماما وموافق لتعريف اليدمقراطية المعتمد عند المختصين.
    غاية ما يقال هنا أن هذه محاولات للجمع بطريقة قد تكون صحيحة من حيث المعنى عندنا، ولكن عليها إشكالات عند الآخرين الذين لا يعتمدون الإسلام دينا، ولا يؤمنون به طريقة ولا شريعة، وهذا هو محل النقاش. ولو كان الأمر كلاما مع من يؤمن بالدين ويرضى بأحكامه بالفعل، لأمكن التوصل إلى حل قريب مرضٍ لجميع الأطراف. فهؤلاء المخالفون لأصل الدين لن يرضيهم هذه التسمية (الديمقراطية الإسلامية) كما لن يرضيهم الدولة المدنية التي مرجعيته الإسلام.
    هذا الذي أراه، وأعتقد أنه الذي يمثل الواقع فعلا، إن أردنا ألا نخدع أنفسنا، وإذا كان واقعا حقيقة في الخارج، فهو بالفعل الذي تترتب عليها افعال الناس معارضين وموافقين. وما لم ندرك حقيقة الواقع، فسوف تظل تفسيراتنا للواقع غير واقعية، وبالتالي فسوف تبقى أيضا اقتراحاتنا للحلول غير ذات قيمة مقبولة.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  13. لله درّكم سيدي , جزاكم الله خيرًا على هذه النفائس
    متابعون
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  14. الاعتراض الثالث:
    عندما قلت:
    هناك أمر لا بدَّ من الانتباه إليه، يظهر وجهة نظرنا في هذه المسألة، وهي أن الدولة المدنية بمرجعية إسلامية، المشروطة بمدة بقاء الأغلبية مريدة للأحكام الإسلامية، هو في حقيقة الأمر كالإقدام على الإسلام بشرط محدودٍ بظرفٍ ما معيَّن أو غير معين، يؤدي إلى قطع الإسلام المعقود أولاً. أي إنه كما لو قال قائل: أنا سأسلم بشرط أنه يحق لي أن أغير رأيي في إسلامي متى شئتُ! ومن المعلوم أن الإسلام المشروط بشرط غير مقبول، فلا يصح للواحد أن يصحح إسلام من يقدم على الدين بنحو هذا الشرط، بل لا يجوز تصحيح إسلام امرئ إلا إذا كان قد أطلق في نفسه ولم يقيده بلفظه أنه على الإسلام أبدًا حتى يموت، فما بالنا إذا قيل لنا: إن هذه الدولة ستكون حاكمة بالأحكام الإسلامية بشرط بقاء الأغلبية مسلمة، فإن تغيرت تغيرت، وإلا فلا.


    طلب الأستاذ الفاضل هاني علي الرضا الإجابة عن كلام لحسن الترابي يتعلق بهذا الأمر، فقال:
    يقول د/الترابي في رد هذا عندما نوقش به ما معناه : لو أن الشعب كله أو جله اختار الانحياز إلى غير الإسلام فيكون الشعب عندها قد أعلن ردة جماعية عن الإسلام فخرج بمجموعه عن الدين واعلن عدم إيمانه به فلا يلزمه الدين أصلا ، فكيف تطبق الدين على من لا يؤمن به أصلا ، هذا غير عملي ولا واقعي ولا يمكن أن تلزم ثلاثين مليونا بأفكار ودين هم لا يؤمنون به وأي قوة تملكها عندئذ الأقلية المتشبثة بأحكام الدين لتلزم أكثرية أعلنت كفرها بهذا الدين ، لذا لا غضاضة من اعتماد الديموقراطية والرضا بما يريده الشعب وإن كان فيه الخروج من الدين لمجموعه لأنا معشر المنادين بالشريعة عندها أقلية لا حول لنا ولا قوة في إلزام الأكثرية بما تكره { أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} ؟ ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها .
    فما قولكم في رد كلامه سيدي ؟

    والجواب عن ذلك:
    أخانا الفاضل الأستاذ هاني وفقه الله لكل خير....
    أنا أستغرب فعلا من أين أتت فرضية وجوب تطبيق جميع أحكام الإسلام على غير المؤمنين به، فهذا لا يقول به أحد أبداً، فإن بعض أحكام الإسلام لا تلزم غير المؤمن، لأن شرط صحتها الإسلام، وبالتالي فشرط التكليف التنجيزي بها هو الإيمان، وذلك كبعض الأحكام التي تسمى الآن أحوالاً شخصية، بالإضافة إلى أحكام العبادات ونحوها، وبعضها أحكام عامة لا يشترط فيها إسلام ولا غيره لأنها في نظر الإسلام الطريقة الأمثل للتعامل العادل بين البشر، كالأحكام المتعلقة بالبيوع ونحوها من الأحكام العامة، فالقسم الأول لا ينبغي إخضاع الكافر له، كما هو معلوم، بل يخبر على سبيل الدعوة أنه مأمور بأصل الإيمان، وما لم يؤمن فلا يلزمه لزوما تنجيزيا هذا النوع من الأحكام.
    وبناء على ذلك، فلنا أن نتصور وجود دولة إسلامية، تراعى فيها الأحكام العامة التي لا بدَّ منها لاستقرار نظام الحكم، ووجود بعض الأحكام الإسلامية لا يلزم تطبيقها على غير المسلمين، لأنهم لم يلتزموها مثلا، لعدم إيمانهم، وأحكام أخرى تطبق على المسلمين فقط، وبالتالي فلنا أن نتصور وجود أحكام خاصة لبعض الطوائف، وهذا ما كان يدعى في الدولى العثمانية بنظام الملل، وخلاصته إحالة الأحكام الخاصة لكل مجموعة أو مذهب أو طريقة، إلى أفرادها، وعدم إلزامهم بالتقيد بالأحكام المطبقة على المسلمين.
    أما كيف توجب الدولة أحكاما معينة على أناس لا يرضون بها، أو يعتقدون وجود أحكام أخرى يمكنهم تطبيقها غير تلك التي اختارتها الدولة الإسلامية، فهذا أمر سهل، فكل دولة في العالم لا يمكنها أن تخرج عن هذه الحالة في واقع الأمر، ولو نظرنا في الدولة في العالم، لرأيناها تطبق على مموعات معينة أحكاما قد يرون أنها لا تلزمهم، وتحيل إليهم أحكاما تعتقد هي أنها لا تضر بالدولة من حيث هي نظام عامّ.
    والعبرة في تحقيق ذلك واقعيا على قدرة الدولة على تنفيذ هذه الأحكام دون غيرها.
    فلو فرضنا أن الأقلية في دولة ما هي إسلامية، ولكنها لنفوذها، وثرواتها وقوتها يمكنها رعاية النظام العام بناء على هذه الفرضية، فما المانع من تنفيذ الأحكام عندئذ...!؟
    ولكن واقعيا يغلب أن لا تتمكن أقلية من فرض رؤيتها على أغلبية ترفضها، إلا في أزمنة متقاصرة، وعدم إمكان ذلك معناه بكل سهولة، زوال الدولة التي يريدها الأقلية، إسلامية كانت أو غير إسلامية.
    وفي هذه الحالة، يلزم مجموع الاتجاهات في هذا القطر المفروض أن يبحثوا عن أمر مشترك يمكنهم من التعايش بطريقة أو أخرى. وقد يكون هذا الحل الديمقراطية، وقد يكون في غيره.
    ولكني أعتقد أنه لو كان هناك دولة إسلامية ترعى الحقوق، والحريات لو مقيَّدة بعض تقييد بالنظر إلى الأحكام الإسلامية، وضمنت هذه الدولة مراعاة العدل المشترك بين البشر جميعا، فإن كثيرا من البشر ليتمنون أن يعيشوا داخل حياض تلك الدولة، ولو كانوا من غير المسلمين، لأن الإنسان يبحث عن الطمأنينه في معيشته، والعدالة في أمواله وكرامته والأمور المعنوية التي يحافظ عليها، وهذا كله تضمنه الدولة الإسلامية. ومع وجود هذه الضمانة، فقد سنتغرب عندما نرى الكميات الهائلة التي تنتمي إلى هذه الدولة دون ما سواها من الدول.
    ولكن واقعنا المعاصر فرض علينا ظروفا صار يصعب علينا، ولا يستحيل، الانفكاك منها، وحصر هذه الإمكانيات في الديمقراطية على النمط الغربي، التي تطعم أحيانا بهذا اللون أو غيره، ولكنها في الأسس والأركان تبقى الديمقراطية المبنية على المبادئ الليبرالية الغربية. وفي ظل هذه الدول، قد يعسر على المسلمين تطبيق بعض الأحكام المتعلقة بهم، خصوصا مع رعاية رجال الدولة وحمايتهم لأحكام أخرى يرون تبعا لمبدأهم أنها أولى من الأحكام الموافقة للإسلام، كأحكام بعض أنواع البيوع والربا مثلا في العالم المعاصر، فإنها مرعية من الدول الغربية، ومحفوظة باستعمالهمإياها وترويجهم لها، وهذا يمثل ضغطا هائلا على الحركات التجارية الراغبة بالتزام التعاليم الإسلامية، كما هو معلوم، ونضطر كثيرا إلى مواكبة الأحكام التي لا نعتقد صحتها شرعا، ونعتبرها أحكاما إلزامية، ونرضى بها في ظل هذا الحدّ، ولكنا لا نقول إنها إسلامية مطلقاً، ولا نغير وصفها لنعتبرها مشروعة ابتداء. وإذا جاز ذلك في ظل الدولة الديمقراطية، أعني إجبار الناس، ولو عمليا على العمل بما لا يتلاءم مع اعتقاداتهم وأحكامهم التي يرتضونها، فلم لا يجوز ذلك في دولة تعلن على الملأ أنها تلتزم منهجا ومبادئ كلية وأحكاما عامة لا تتعداها؟!
    ومن قال إن كل شخص في كل دولة لا يفعل إلا ما يعتقد به بالفعل! بل إنني أجزم أن كثيرا من أصحاب الأقليات في الدول الغربية الديمقراطية مع اختلاف أنواعها وأشكالها، يضطرون إلى التزام النمط العام اضطرارا لا بناء على القناعة.
    فدعوى ان حكم شخص لا يصح إلا بناء على رضاه التفصيلي، لا دليل عليها، واقعيا ولا نظريا. فما دام الشخص قد رضي بأن يعيش في كندا مثلا، فإنه يلزمه بعض الأحكام والقوانين المتبناة من تلك الدولة، وهي دولة ديمقراطية ليبرالية، كما هو معلوم، لا يستطيع أن يتجاوزها في كثير من الأحيان. فقد ظهر إذن أن إلزام الشخص بالعمل على خلاف ما يعتقده، أمر واقعي نظرا تفرضه الظروف العملية، وضآلة الاحتمالات الواقعية بعد اختيار مبادئ معينة كلية، فمجرد اختيار تلك المبادئ يستلزم نظريا وعمليا بعض الأحكام الأخرى التي تناقض تلك المختارة. وهذا أمر معلوم.
    إن الأساس الأكبر في اعتبار المنظومة دولة هي التمكن من بسط السلطة على رقعة أرض عليهاشعب. وهذا نوع من الأفعال، إن حصل فبها، وإلا فلا، وأما كون بسط السلطة حصل بطريقة ديمقراطية او غير ديمقراطية، أو برطريقة مخلوطة، فهذا أمر آخر، يرجع لنوع الدولة التي نتكلم عليها. فقولنا لا يمكننا أن نقيم دولة تكون فيها الإدراة التنفيذية راجعة لقلة قليلة، وتكون أحكامها غير ناشئة عن إرادة الجماهير، قول غير مصيب، إلا إذا كنا نتكلم عن الدولة الديمقراطية، والكلام عن مطلق الدولة هنا لا عن خصوص دولة ديمقراطية.
    وعودة على السؤال : فقد تبين لنا أن الواقع قد يحيل في أغلب الأوقات بصورة راجحة تَمَكُّنَ قلة من إدارة شؤون الكثرة الكاثرة في بعض الأحكام التي يتبنونها لإدارة الدولة، زمانا طويلاً، ولكن ذلك ليس أمرا مطردا دائما، فقد يتمكنون من ذلك وقد لا يتمكنون. ولكنا لو فرضناهم غير متمكنين، فقد ارتفع في هذه الحالة إقامة دولة إسلامية بصورتها الكاملة وشروطها المفروضة عن كاهلهم، ووجب عليهم البحث والعمل على تحقيق أقرب وضع إلى الإسلام، بما يطيقون، والمقاربة لذلك خطوة خطوة.
    فيظهر أن عدم القدرة العملية على تطبيق الأحكام على أغلبية لا تؤمن بها، لا يستلزم أمرا محالا، ولا يوجب علينا أن نحكم على الديمقراطية بصورتها المبدئية أنها إسلامية، ولا أن نحكم على دولة الإسلام بأنها دولة ديمقراطية تماما.
    ولكي تكون أفعالنا مطابقة ومناسبة لعلمنا، فلا نكلف أنفسنا ما لا تطيق، فنرتكب من الحماقات والمخالفات ما لا نتوقع، مبررين ذلك كله بأن الحكم الشرعي قبل التلبس بالفعل، قد لا يكون نفسَه في حال التلبس، فقد يجب حال التلبس ما لا يكون واجبا قبلُ. ولكنا ننسى أننا اخترنا التلبس بهذه الصورة، باختيارنا وقد كنا في غنى عن اختيارها من الأساس. فلا أقل أن نعترف بأننا في حالة ضرورة، ولا يسوغ لنا أن نقول إننا نطبق الصورة الصحيحة للإسلام، ونعيد تأويله بل تحريفه عن حقيقته.
    وأما الاحتجاج بقوله تعالى (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) فهو استدلال في غير محله.
    لأن المراد أنلزمكم بالدخول في الإسلام، وأنتم له كارهون، لا نفعل ذلك، ولكن نكل أمركم إلى الله ، حتى يكون هو الذي يقضي في أمركم ما يرى ويشاء. هكذا فسرها الإمام الطبري.والهاء في (أنلزمكموها) عائد إلى النبوة المذكورة، {وءاتاني رَحْمَةً مِنْ عِندهِ} أي أنلزمكم الإيمان بالنبوة وأنتم لها كارهون، أو أنلزمكم البينة والرحمة على ما اختاره البغوي، فهذا لا يصح أبدا، وهو موافق لقول من قال إن المراد بالرحمة المعجزة أي الإيمان نفسه أو الشهادتان. وقال البغوي إن المراد بالرحمة هو الهدى والمعرفة، وتأمل ما قرره الزمخشري في معنى استبعاد الإلزام وهو كارهون في تفسير الآية، قال:"المعنى أنهم صمموا على الإعراض عنها –أي عن النبوة أو عن المعجزة- فخلاهم الله وتصميمَهم ، فجُعلت تلك التخلية تعمية منه ، والدليل عليه قوله : {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كارهون} يعني أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الاهتداء بها ، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها ، ولا إكراه في الدين؟"، ووافقه أبو حيان وغيره في هذا التفسير، وهو ظاهر.
    والسبب في عدم الإكراه هنا أن الإيمان لا يقبل مع الإكراه، أي لا يعتبر تلفظ الإنسان بالشهادتين وقلبه نافر منهما كاره لهما معاند لمدلولهما، كما لا يعتبر التلفظ بالكفر في حال إكراه كفراً. فهذه المنافاة مانعة من الإكراه كما ترى.
    وهذا هو معنى لا إكراه في الدين، وأما الأحكام المتعلقة بالمعاملات المتعدية، فلا يصح عند القدرة تصحيح فعل إنسان يعمل بالربا، أو يظلم الناس ظلما ظاهرا مقدورا على منعه عنه، ونحو ذلك من الأفعال التي تتعدى آثارها إلى الآخرين، ولا يتوقف هذا الأثر عن القبول والرضا، ولا يشترط لصحة تأثيره واقعيا لا شرعيا الإذعان والمحبة. فنحو هذه الأحكام، ينبغي عند القدرة عليها منع الغير من ارتكابها. وهذا هو وظيفة الدولة الإسلامية في المقام الذي نتكلم فيه. ولذلك قلنا إن الأحكام الشخصية التي لا تتعدى آثارها إلى الغير، لا تكون غالبا من تصرفات الدولة، ولا علاقة لها بها.
    فلا يقال والحالة هذه إنا وإن قلنا بعدم الإكراه في الإيمان، لكنا نقول بالإكراه في الأفعال والمعاملات ونحوها، وهو إكراه ، لأنا بعدما بينا الفرق بين المقامين، انفرط أصل الإشكال. بالإضافة إلى ما كررناه سابقا أن هذا النوع من الإكراه حاصل واقعيا في كل دولة.
    فأنت كمسلم مثلا تعتقد أن اللباس غير الملتزم في الشوارع والاماكن العامة ممنوع إسلاميا، وتعتقد أن هذا يترتب عليه مفاسد اجتماعية كثيرة، ولكنك عندما تكون مواطنا في دولة ديمقراطية غربية ، كأمريكا أو أوروبا، لا تستطيع المطالبة بمنع النساء من هذا النوع من اللباس، لعدم قناعتهم بأن هذا التصرف يعود على المجتمع والأخلاق بالمفاسد، بل يعتقدون الأمر راجعا لحرية الاعتقاد والتصرف، وهو أمر يجب الحفاظ عليه. فالحاصل أنك تكون ملزما بالخضوع وعدم الإنكار إلا بتوجيهات شخصية للشخص المعين، أما أن تنكر إنكارا عاما فلا يقبل منك ما لم يغيروا قناعاتهم بذلك. وإلى ذلك الحين، فأنت ملزم بهذا الحكم وأمثاله. وكذلك التعامل بالربا في أكثر الأمور. بل قد تستلزم مقاتلة المسلمين في بعض الدول العربية ، بحجة أنك مواطن أمريكي وينبغي عليك الالتزام بالدستور والقوانين ما دمت مواطنا فيها، وسوف تجد من الفقهاء من يفتي لك بوجوب مقاتلة العراقيين وأنت مسلم أمريكي، لأنك إن لم تقاتلهم فسوف تترتب فتنة عليك وهكذا...
    إذن يتبين لنا أن أصل الإلزام ممنوع في العقيدة وبما لا يصح معه الإلزام، أما في الأحكام الفرعية مما لا يتوقف أثره واقعيا على المحبة والقبول والرضا، فلا يبعد الإلزام فيه إذا كان مما يترتب عليه المصالح الكلية لعامة للدولة بما فيها من أفراد الشعب، وأن هذا حاصل في الدولة الإسلامية وفي غيرها من الدول، بل نزعم أنه لا يمكن الانفكاك عنه في الواقع.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  15. استطيع أن أستنبط من ما قرأت: نتيجة و لوازم و أسئلة .

    ===النتيجة:

    " الإختلاف الجوهري بين الدولة الإسلامية و الدولة الديمقراطية هو في باب مصدر الأحكام التشريعية. فمصدرها بالنسبة للأولى الشرع [[الذي يتمثل في القرآن و السنة، أو من جرى مجراهما]] . و مصدرها بالنسبة للثانية إختيارات الشعب. "

    ===لوازم:

    1-قد تتعرض الدولة الديمقراطية إلى صراعات إجتماعية متوالية، بلحاظ مصدرية أحكامها التي تنبني على إختيارات الشعب المتغيرة و المتغايرة. الشيء الذي يمكن أن لا يحصل بنفس الكيفية في الدولة الإسلامية، بلحاظ مصدرية أحكامها الثابت في قرآن و سنة.

    2- من المستحيل التوفيق بين الدولة الإسلامية و الدولة الديمقراطية إلا بأن يجري على أحدهما تأويل صريح في أصل هذا الإختلاف.

    3-يمكن أن يتم التوافق في بعض الوسائل و الكيفيات الإلزامية، بين الدولة الإسلامية و الدولة الديمقراطية، دون إمكانية إضفاء إسم الأولى على الأخرى أو العكس.

    ===أسئلة:

    1-سأتحدث في هذا السؤال بلسان إما: مسلم يعيش في دولة عربية، قد تأكد له أن الدولة التي يعيش فيها لا تضفى عليها صفة الدولة الإسلامية، و إما : مسلم يعيش في دولة أجنبية ترفع شعار الدولة لا إسلامية. سيكون السؤال الذي أبدا يزال يراوده هو : "أستطيع أن أتصور، في ظل دولة ديمقراطية إمكانية إنزال الأحكام الإسلامية متمثلة في ما تفرز عنه الصناديق الإنتخابية. فهلا أوضحتم لنا الكيفية النظرية و العملية لإقامة دولة إسلامية؟ و هل يجوز في نظركم إنشاؤها و لو على حد السيف كما يقال؟ فإن كان جائزا فهل هذه المجموعات التي ترفع شعار الجهاد تستطيع أن يعتمد عليها في مثل ذلك؟ "

    2- السؤال ينبعث من الازمة الأولى للنتيجة. فكما يمكن أن نرى في ظل الدولة الديمقراطية تضاربا بين المصالح، يمكن أن ينشأ في ظل الدولة الإسلامية تضاربا في فهم الأحكام. فهلا حددتم بشيء من التفصيل كيفية صدور الفهم من الحكم، و ماذا لو تعاض فهم بفهم؟ ما هي الوسائل المعتمد عند أهل السنة لفض النزاع بين الفهوم؟

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •