صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 26 من 26

الموضوع: الدولة المدنية، والديمقراطية، والإسلام ، مرة أخرى!

  1. الأخ الفاضل يوسف بن ميمون المداني
    سنناقش أسئلتك بعد الانتهاء من جواب الاعتراضات السابقة وهذا سيكون قريبا بإذن الله تعالى
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب


  2. الاعتراض الرابع:



    وجهه الأخ الفاضل سليم حمودة الحداد، فقال:
    سيدي ...جزاكم الله خيرا و نفع بكم ..
    لستُ أهلا و لكني أجدني مقتنعا بما كتبتموه و أصّلتموه و ما ألزمتم به متميعي الاسلاميين..الا ما استنتجتموه من قولكم ان الدول الحالية ليست اسلامية ...اذ الذي فهمته منكم سيدي أنها دول كفرية لا تختلف عن الدول الغربية ..لأنهما يشتركان في القبول بالديمقراطية ..
    و هو ما كان محل نقاش بيني و بين بعض الاخوة في موضوع آخر ..
    http://www.aslein.net/showthread.php?t=17011&page=2
    فالذي أفهمه سيدي أن الدولة الاسلامية أي غير الكافرة هي تلك التي تعلن اسلامها ..مثلها مثل الفرد المسلم ....
    و أنها لا تخرج عن اسلامها ذاك الا كما يخرج الفرد من اسلامه...أي بالاتيان بأمر قاطع الدلالة على نقض الاعلان الأول...
    و هذه الدول تعلن اسلامها في دساتيرها ،لا مجرد كون مواطنيها مسلمين...و تنص عامتها على أن قوانينها يجب ان تستمد من الاسلام..
    أما مخالفاتها لذلك في بعض قوانينها ، فهي كمخالفة الفرد المسلم لما أعلنه من اسلامه..لا يخرجهما منه...
    و كذلك اعلان بعض الدول ان نظامها ديمقراطي ...فهو كاعلان الأفراد ايمانهم بالديمقراطية لأنها لا تخالف الاسلام بنظرهم ..
    اذ كما لا نكفّر الافراد بمجرد اعلانهم ذلك ،كذلك لا نكفر دولة تعلن الأمر نفسه ...الا أن يصرحوا بما ينقض اسلامهم..
    و هذا لا يعني الرضا بذلك كله...لا بالنظام الديمقراطي و لا بمخالفات الشرع في القوانين...بل هي آثام عظيمة لا ريب..
    لكنها ليست مكفرة بمجردها لا للأفراد و للدول ...هذا ما أفهمه و الله تعالى أعلم ...
    و ان كنتُ مقتنعا تماما بما قلتموه سيدي من أن الديمقراطية تخالف الاسلام و تناقضه...
    و لكن لم أستوعب بعض نتائج البحث ....فأرجو أن يتسع صدركم لي ...بارك الله لنا فيكم ...


    هذا ما قاله الأخ الفاضل سليم


    ومن جنس كلامه أيضا ومما له تعلق به ما قررته الأخ الفاضلة إنصاف بنت محمد الشامي قالت:" عفواً .. في نظر الأمة الضعيفة : يَصِحُّ أن يُقال عن بلد أكثرِيَّتُهُ مُسلِمة و يُسمَعُ فيه الأذان علناً وَ تُقام فيه الشعائر و الجُمَع و الأعياد بلا قُيود ، وَ تُعطى الفرص الرسميّة العامّة في الأعياد (إجازة العطلة الرسميّة) و تُنَفَّذ أمور الزواج و المواريث و سائر الأحوال الشخصيّة بِحُرّيّة ، يَصِحُّ أن يُقال بلد إسلاميّ وَ إِنْ ارتكب رئيسُهُ المُسلِم كبيرة الحُكم ببعض القوانين الوضعيّة - و العِياذُ بالله - هَوىً و معصِيَةً من غير استحلال لها ، ما لَم يستحسِنْها أو يعتبِرْها أعدَلَ أو أفضَلَ أو أنسَبَ مِن شرع الله الحكيم وَ سنّة نبِيِّهِ الكريم عليه أفضلُ الصلاة و التسليم ... أو أنَّها مساوِية للشرع في المصلحة أو الرُتبة . و اللهُ أَعلَمُ .. وَ أنا لا أَزعُمُ أنَّ هذا الأَمرَ على إِطلاقِهِ بل لا بُدَّ فيه من البيان إِذْ يقتضي تفصيلاً دقيقاً وَ إلاّ حُمِلَت عِباراتُنا على ما لا يَسُوغُ بِحالٍ و على غير المقصود الشرعيّ و العياذُ بالله .
    فمع إِعتقادِنا بأَنَّهُ لا يُوجَدُ بَلَدٌ الآن يحكُمُ رئيسُهُ بالقُرآن الكريم ( فيما نعلَم) لا يُنْكَرُ أنَّهُ يصِحّ أن نقول :" الوضع كذا و كذا في البلاد الإسلامِيّة " . و اللهُ أَعلَم ...
    وَفَّقنا اللهُ وَ إيّاكُم لِما يُحِبُّ وَ يَرضى وَ زادَنا هُدىً و تسديداً و أصلح حالنا والمسلمين ، آمين . .".
    الجواب:
    وحاصل هذه الاستشكالات:
    كيف يمكن أنْ نحكم بعدم إسلامية الدول، المفيد لكونها كافرة، ونحن نعلم ما يأتي:
    -كلُّ الدول العربية، أو معظمها تعلن في دساتيرها أن دين الدولة الإسلام.
    -بعض الدول تنصُّ على أنَّ أحكامها يجب أن تكون موافقة للإسلام غير مخالفة له، وبالتالي فإنَّ وجود بعض الأحكام المخالفة للإسلام لا يخرجها عن أصل الإسلام، بل تعتبر كالعاصي الذ يفعل ما لا يعتقده. فلا يلزم كفرها.
    وهناك اعتراض حاصله، إننا نمنع عدم جواز إطلاق اسم البلاد الإسلامية على تلك الدول، فمع أننا لا نقول بوجود بلد محكوم فعليا بالقرآن، إلا أن هذا لا ينافي القول بأن البلاد إسلامية، وذلك لأن أكثر سكانها مسلمون.

    وبعد التمعن في هذه الاعتراضات المذكورة، يتبين لنا أنها وإن اشتركت تحت جنس، إلا أنها تدور حول معنيين:
    المعنى الأول: بيان متى يحكم على الدولة بأنها غير إسلامية، كما عرفنا متى يحكم عليها بالإسلام. وهل كل مخالفة للإسلام تستلزم الكفر.
    المعنى الثاني: هل هناك تلازم بين الأحكام المتعلقة بالدولة، وبين الأحكام المتعلقة بالبلاد باعتبار ما فيها من سكان، وبعض الأحكام.
    فلنتكلم الآن على هذه النقاط المهمة، بنوع من التأني والتفكر:
    ولنقدم بعض التمهيدات في شرح مصطلحات مهمة، دار حولها الكلام.

    أولا: ما معنى العبارة الموجودة في بعض الدساتير أن دين الدولة الإسلام؟ وهل يستلزم ذلك أن كل حكم في القوانين المعتبرة في الدولة ينبغي ألا يتعارض مع الإسلام.
    بشيء من التأمل، يتبين لنا أن نصَّ دولةٍ على عبارة (دين الدولة الإسلام) لا يستلزم أبداً، أن هذه الدولة تمنع من وجود أي حكم مناقض للإسلام. وذلك لأنها تنص على مصادر الأحكام المختلفة ومن هذه المصادر للأحكام العادات، ومنها الإسلام بما فيه من مذاهب فقهية، فكثير من الدول التي تنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، يوجد في أحكامها ما هو غير ناشئ عن الإسلام، وهو مقرر معتمد في القوانين. كما أن بعض ما هو إسلامي من الأحكام نجده غير معتمد لديها.
    إذن عبارة أن دين الدولة الإسلام لا تفيد أبدا أن الدولة لا توافق على مخالفة الإسلام، ولكنها تفهم بنحو آخر، حاصله: أن هذا الدين معتمد لديها في بعض الأمور، وأنها تعتبر زيادة اعتبار عن الأديان والمذاهب الأخرى لبعض الأسباب، أهمها كون أكثرية أفراد الشعب منتسبين لهذا الدين مثلاً.
    فائدة: حول تعريف مفهوم مصطلح (دين الدولة) State Religion

    state religion
    the official religion of a state as established by law.
    دين الدولة: هو الدين الرسمي للدولة المؤسس بحكم القانون.
    وبعضهم عرفه ما يأتي:
    Definition of STATE RELIGION: a religion established by law as the only official religion of a state
    دين الدولة: هو دين يعتبر قانوناً الدين الرسمي الوحيد للدولة.
    وتعريف آخر:
    دين الدولة State religion يدعى أيضا الدين الرسمي ويطلق عليه أحيانا كنيسة مؤسسة أو كنيسة الدولة state church هو: الجسم الديني أو الاعتقاد الرسمي المصادق عليه من قبل الدولة.
    والدولة التي لها دين دولة رسميّ لا تعد علمانية تماماً وليست بالضرورة ثيوقراطية أيضاً.
    أديان الدولة تكون مؤسسات لأديان مصادقا عليها حكوميا أو رسميا، ولا يلزم من ذلك أن الدولة تكون تحت سيطرة المؤسسة الدينية كالكنيسة، ولا يلزم أيضا أن تكون المؤسسة الدينية تحت سيطرة الدولة.
    ودرجة العلاقة بين الدولة وبين الدين الملقب بدين الدولة تتفاوت بين الدعم الاقتصادي مع ترك الأديان الأخرى حرة، إلى حظر أي منافسة من مكونات الأديان الأخرى وأتباعها.

    فعبارة (دين الدولة الإسلام) ليست عبارة قانونية، أقصد: هي عبارة لا تستلزم أن تكون الأحكام ناشئة عن الإسلام وجوبا في الدولة التي تضعها في مواد دستورها، بل هو تعريف ببعض الوجوه العمومية للدولة، وبعض الخصائص التي تعتبرها زيادة اعتبار عن غيرها م الخصائص الممكنة.
    ونفس هذه العبارة لا تستلزم عدم كون الإسلام هو مصدر الأحكام، فبعض الدول وضعت العبارة في دستورها، ونصت على أن الأحكام المعتبرة لديها هي الأحكام الإسلامية، مثل السعودية، بل صرحت هذه وغيرها بأنها دولة إسلامية، كدولة البحرين أيضاً، ولم تكتف بالقول بأن دين الدولة الإسلام، ولكنا لما نظرنا في هذه الدولة التي فعلت هذا الفعل، لم نرَها فعلا التزمت ما يوجبه عليها هذا الإعلان.
    وبعض الدول، نراها نصت على هذه العبارة، ولكنها التزمت أحكاماً غير إسلامية ارتأتها، وقننتها في قوانينها، ككثير من الدول العربية، وهذه الحال أكثر الأحوال الموجودة واقعا.
    وبعض الدول، لم تنص عليها أصلاً، مثل لبنان، وأعتقد أن ذلك لعدم وجود أغلبية مطلقة مستقرة على أرض لبنان لدين على آخر. فلم ترَ الدولة أن تنص على أن للدولة دينا معينا دون غيره، ولو ضممنا لذلك إعلان لبنا أنها ديمقراطية، لكفى ذلك مع حالتها الخاصة في عدم الإعلان عن دين للدولة.
    وهاكم بعض النصوص الدستورية التي وضعتها بعض الدول العربية في دساتيرها مما يتعلق بهذه العبارة.
    1-دستور مصر : وقد تم الإعلان عنه في عام 1971
    جاء في الباب الأول المادة 2:"الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".
    وفي المادة الأولى من الباب نفسه: "جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكي ديمقراطي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة".
    2-دستور سوريا وقد صدر في عام 1973
    في الباب الأول المبادئ الأساسية، الفصل الأول منه المبادئ الأساسية المادة 1: الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية شعبية واشتراكية ذات سيادة لا يجوز التنازل عن أي جزء من أراضيها وهي عضو في دولة اتحاد الجمهوريات العربية.
    وفي المادة 3:
    ف1)دين رئيس الجمهورية الإسلام.
    ف2)الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع.
    3-دستور الإمارات العربية المتحدة (أبو ظبي، دبي، الشارقة، عجمان، أم القيوين، الفجيرة) المؤقت. صدر في عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 1973.
    في الباب الأول : الاتحاد ومقوماته وأهدافه الأساسية، المادة 7: "الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيه، ولغة الاتحاد الرسمية هي اللغة العربية".
    4-دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005م
    نصَّ الدستر على أن دولة السودان جمهورية مستقلة ذات سيادة، وهي دولة ديمقراطية لا مركزية تتعدد فيها لثقافات واللغات وتتعايش فيها العناصر والأعراق والأديان".
    في الفصل الأول من الدستور وتحت عنوان (مصادر التشريع) ورد: "تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدرا للتشريعات التي تُسن على المستوى القومي وتُطبق على ولايات شمال السودان. يكون التوافق الشعبي وقيم وأعراف الشعب السوداني وتقاليده ومعتقداته الدينية التي تأخذ في الاعتبار التنوع في السودان، مصدرا للتشريعات لتي تُسن على المستوى القومي وتطبق على جنوب السودان أو ولاياته. وفي حالة وجود تشريع قومي معمول به حاليا أو قد يسن، ويكون مصدره دينيا أو عرفيا، يجوز للولاية وفقا للمادة 26 (أ) في حالة جنوب السودان التي لا يعتنق غالب سكانها ذلك الدين أو لا يمارسون ذلك العرف أن تسن تشريعا يسمح بممارسات أو ينشئ مؤسسات في تلك الولاية تلائم دين سكان الولاية وأعرافهم".
    5-دستور دولة لبنان.
    جاء في الباب الأول –أحكام أساسية –مقدمة الدستور فقرة ج-لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميعالمواطنين دون تمايز أو تفصيل. د- الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية. ي- لا شعرية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
    وفي الباب الثاني – السلطات في المادة 16-تتولى السلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النواب".
    6-دستور ليبيا
    جاء فيه: ليبيا جمهورية عربية ديمقراطية حرة، السيادة فيها للشعب.
    وفي المادة الثانية: الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقا للعادات المرعية.
    7-دستور المملكة العربية السعودية
    جائ في النظام السياسي الباب الأول المبادئ العامة المادة 1: "المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ولغتها هي اللغة العربية".
    8-دستور مملكة البحرين لسنة 2001
    في الباب الأول تحت عنوان الدولة المادة1 –أ مملكة البحرين عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة تامة، شعبها جزء من الأمة العربية، وإقليمها جزء من الوطن العربي الكبير، ولا يجو ز التنازل عن سيادتها أو التخلي عن شيء من إقليمها.
    المادة2: دين الدولة الإسلم والشريعة الإسلمية مصدر رئيسي للتشريع، ولغتها الرسمية هي اللغة العربية.
    المادة6-تصون الدولة التراث العربي والإسلامي، وتسهم في ركب الحضارة الإنسانية، وتعمل على تقوية الروابط بين البلاد الإسلامية، وتحقيق آمال الأمة العربية في الوحدة والتقدم.
    9-دستور موريتانيا
    في الباب الأول المادة1-موريتانيا جمهورية إسلامية لا تتجزأ، ديمقراطية واجتماعية.
    المادة2-الشعب الموريتاني هو مصدر كل السلطة.
    المادة 5-الإسلام دين الشعب والدولة.
    10-دستور عمان
    المادة1-سلطنة عمان دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة تامة عاصمتها مسقط.
    المادة 2-دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية هي أساس التشريع.
    11-دستور الأردن
    المادة 1: المملكة الأردنية الهاشمية دولة عربية مستقلة ملكها لا يتجزأ ولا ينزل عن شيء منه.
    المادة2-الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية.
    وفي الفصل الثالث
    المادة24، الأمة مصدر السلطات، تمارس الأمة سلطاتها على الوجه المبين في هذا الدستور.
    المادة 106 تطبق المحاكم الشرعية في قضائها أحكام الشرع الشريف.

    12-دستور تونس الذي صدر في أيام حكم بورقيبة
    المادة 1 تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلم دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها.
    المادة38: رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ودينه الإسلام.

    13-دستور الجزائر
    المادة1 الجزائر جمهورية ديمقراطية شعبية وهي وحدة لا تتجزأ. المادة 2 الإسلام دين الدولة.
    المادة6 الشعب مصدر كل سلطة.

    14-دستور المغرب
    جاء في التصدير: المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة تامة.
    المادة1: نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية.

    فعبارة (دين الدولة الإسلام) هكذا ينبغي أن نفهمها. ولا يجوز –كما أرى- أن نحمل هذه العبارة التي تبين الآن أنها مصطلح عالمي شائع، يستعمل أحيانا للإسلام وأحيانا أخرى مع غير الإسلام كالمسيحية والبوذية، أقول لا يجوز أن نحمل المصطلح أكثر مما يحتمل.
    والآن لو أتينا إلى المراد من الدولة، لعرفنا أن حكمنا على دولة ما أنها إسلامية، لا يستلزم أبداً أن كل أفرادها مسلمون، وكذلك فحكمنا على دولة معينة أنها غير إسلامية، لا يستلزم كذلك أنهم كلهم غير مسلمين، وذلك واضح ظاهر، فمفهوم الدولة يشير إلى شخصية معنوية أو اعتبارية، لا علاقة لها بالأشخاص من حيث هم كذلك، ولذلك فإن تغير رئيس الدولة، أو مات نصف شعبه مثلا بحرب أو بموت طبيعي، وحل محلهم آخرون أو لم يحل محلهم أحد أبداً، فإن ذلك لا يترتب عليه أبدا تغير صفة الدولة وما تلتزم به أما الدول الأخرى من التزامات وتعهدات ومعاهدات ونحو ذلك. وهذا أمر معلوم.
    ومن أطلق اسم البلد الإسلامية على الدول العربية أو أطلق عليها اسم دولا إسلامية، فإنما يطلقه إما لاغتراره بنحو هذه البنود الدستورية التي تبين لنا معناها والمراد منها، أو اعتبارا لكون أكثر أفراد هذه الدول مسلمين، وأنهم يسمح لهم بأداء الشعائر ونحو ذلك، وعزب عن فهم من يقول بذلك أن الحكم على الدولة لا يستلزم الحكم على الأفراد، كما قلنا، وكذلك غاب عنه أن سماح الدولة لأفرادها المسلمين بأداء الشعائر أو بعض الأحكام الخاصة لا يجعل منها دولة موصوفة أنها إسلامية حقيقة أو ناشئة عن الإسلام واقعيا، فقد رأينا بعض الدول العربية تقر في دستورها أنها دول إسلامية: مثل موريتانيا، والسعودية، والبحرين، وغيرها، ومع ذلك فلا نستطيع أن نقول إنها لمجرد هذا التصريح فهي فعلا إسلامية تماما من حيث الواقع، فإنه توجد نواقص عديدة فاتتها لكي تكون إسلامية فعلاً، إما من حيث التأسيس النظري أو عملياً.
    وإنه توجد بعض الدول الغربية تسمح لأفرادها بأداء الشعائر بقدر أو آخر. كما رأينا أن بعض الدول العربية المصرحة بأنها اشتراكية كالدولة السورية، وتصرح بأن دين الدولة الإسلام، وبعض الدول العربية كلبنان لم تصرح أبدا أن دينها دين الإسلام ومع ذلك تسمح لأفرادها بأداء الشعائر الدينية والأحكام الشخصية. أما بلد مثل السودان، فقد اضطر للتفريق بين شمال السودان وجنوبه واكتفى باعتبار الشريعة الإسلامية فيما يتعلق فقط بالتشريعات التي تسن على المستوى القومي فقط.
    على أنه لا بد من ملاحظة أن هذه المواد التي نتكلم عليها، لم تكن في أكثر دساتير الدول العربية ناصة على أن الإسلام هو المصدر الوحيد للأحكام، بل إن أكثر الدساتير نصت على أن (الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع) كما في دستور البحرين، و(ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع) كما في دستور مصر، (الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع) كما في دستور سوريا، و (والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيه) كما في دستور الإمارات المتحدة. وبعض الدول العربية لم تنص على ذلك أصلاً كما مضى بيانه. وبعضها نصَّ على أنه لا حكم فيها إلا للإسلام، ولكن الواقع العملي يكذب ذلك كما مرَّ الإشارة إليه.
    وهناك فرق بين أن يقال إن الإسلام مصدر من مصادر التشريع، أو إنه مصدر رئيسي أو رئيس من مصادر التشريع، وبين أن يكون الإسلام هو المصدر وحدَه، وأن تكون الدولة ناشئة عنه، متوجهة بالغايات الكلية التي يطلبها منها...كما أن هناك فرقا بين القول بذلك وبين تحقق العمل به في الواقع.
    فهناك خلط كبير متعمد أو غير متعمد تخلل في هذه المسألة، وله جذور تاريخية وسياسية، وأعتقد أن ما نعيشه في الوقت المعاصر من المنازعات والمقاتلات بين توجهات الشعوب، وعلاقاتها بالدول الخارجية انعكاس مباشر لما نقرره هنا.
    وهناك تأملات ينبغي أن يتأنى عندها المسلم كثيراً في هذا المقام قد نبينها في موضوع خاص بهذا الأمر لأهميته.
    ومع ذلك فإنا نقول لمن يخشى رفع وصف الإسلامية عن الدول العربية، بمختلف مواصفات دساتيرها، لئلا يلزمه تكفير من يتلبس بالدولة من الموظفين والرؤساء وغيرهم: لك أن تنظر إلى مفهوم الدولة على أنها فعل معين، ولكن بعد ذلك أن تحكم على هذا الفعل من حيث هو فعل مركب، أي إن اسم الدولة يطل يطلق على مجموعة من الأفعال والاعبتارات، قد يكون بعضها مخالفا للإسلام، وبعضها موافقا له، وقد يكون بعضها مخالفا لمقطوع به من الإسلام، وغير ذلك، فالعامل بهذا الفعل إما أن يفعله اختيارا واعتقادا أو لا، وإما أن تكون مخالفته لمقطوع به ظاهر أو لأمر مختلف فيه في الإسلام أو أنه محل الاجتهاد . وعلى ذلك يمكنك أن تفرع مسألة لزوم الكفر أو الحكم به. فمن اعتقد بأمر مخالف يقينا للإسلام، فلا نشك أنه كافر بالإسلام ، ومن فعل فعلا مخالفا للإسلام، فإن كان هذا الفعل قد نصبه الشارع علامة على الكفر، فإنا نكفره بعد وضوح المحجة، وإلا ففي عدم التكفير سعة، وليكتف بالحكم بالمعصية عندئذ.
    وأنا أرى أن في هذا التحليل والتقسيم والتنويع سعة تجعلنا نركز على الأمر في نفسه، من حيث ذاته، لا من حيث ما يمكن أن يلزمه. فلنتأمل في مفهوم الدولة من حيث حي، فإن كانت مخالفة لأمور قطعية في الإسلام، أصلية كانت أو فرعية، فإننا لا يصح لنا أن نطلق على المركب من هذه الأفعال والاعتبارات التي بعضها موافق وبعضها مخالف، إنه إسلامي، أي إنه موافق للإسلام والحال أنا نعلم مخالفته للإسلام ولو في بعض الاعتبارات. أما إذا كانت المخالفة ليست مقطوعا بها، أو هي في محل خلاف، فالأمر سهل ميسور عندئذ. وكذلك نقول: إن كان ما تخالف فيه الدولة من الأصول، فإن الحكم المترتب عليه غير الحكم المترتب على ما يخالف في أمور فرعية. وكذلك إن الأمر محل اعتقاد أو مجرد أمر عمليّ، كما لا يخفى، فكل منهما يترتب عليه ما لا يترتب على الآخر.

    وأرجو أن أكون بذلك قد وفقت في بيان المطلوب في هذه المسألة، وأن أكون قد قاربت الحق والصواب في الفهم والتحليل.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. أريد أن أضيف إليها سؤالا تباعا لما كتبتم في هذا الإعتراض.
    و لكي أبين رأيي، ألخص ما قلت في مقالتكم هذه، و أقول أن كلامكم إنحصر في هذا الإعتراض، الى التمييز بين الأقطاب الأربع الأتية:
    -----------------------------------------
    (1)-إسلامية الدولة،
    (2)-دستورية الدين الإسلامي
    (3)-أكثرية السكان المسلمين
    (4)-إسلامية المتلبس بالدولة غير المسلمة.
    -----------------------------------------
    و خلصتم سيدي إلى النتائج التالية:
    ---------------------------------------------------------------
    (أ)- (2) لا يستلزم (1) : أي يمكن أن يكون الدين الإسلامي دين الدولة على حسب الدستور بغير أن توصف بالدولة الإسلامية، إما بسبب عدم تحقق ذلك واقعا أو إيجازها مصدرية غير الإسلام.

    (ب)-(3) لا يستلزم (1) و نفي (1) لا يستلزم نفي (3) : بوصفكم أن الدولة شخصية إعتبارية، يمكن أن تكون بفضلها الدولة مسلمة بغير أن ينسحب ذلك على جميع سكانها، و يمكن أن تكون غير مسلمة بغير أن ينسحب ذلك على جميع سكانها أيضا، فلا إعتبار بذلك لأكثرية الساكنة المسلمة في دعوى أن الدولة إسلامية.

    (ج)-نفي (1) لا يستلزم نفي (4) :بقولكم:" ومع ذلك فإنا نقول لمن يخشى رفع وصف الإسلامية عن الدول العربية، بمختلف مواصفات دساتيرها، لئلا يلزمه تكفير من يتلبس بالدولة من الموظفين والرؤساء وغيره"
    -----------------------------------------------------------------
    يمكنني أن أسند رأيكم بما خلصتم إليه في أ- و ب-، في حالة إذا ما وُفِقْتُ في سبرها، و ذلك إستنادا إلى النتيجة التي قلتُها سالفا، و أن التلازم بين (1) من جهة و (2) و (3) متعذر : إن أكدنا على وصف الدولة بالإسلامية بشرط أن يكون [ الشرع] مصدرها الوحيد تصريحا منها و تحقيقا له على أرض الواقع، و أن ثبوت (2) و (3) لا يعوض هذا الشرط.
    ----------------------------------------------------------------
    سؤالي :
    هو شبيه ل(ج) : هل إسلامية الدولة تستلزم أن يكون القائم عليها مسلما؟ أو تستلزم أن يكون موظفوها مسلمون؟ (أي هل هناك، في الشرع، قول قطعي يُلزم القائم على الدولة المسلمة بأن يكون مسلما؟ هذا من جهة، أو بمثل ذلك على الموظفين في الدولة الإسلامية -من ما دون القائم عليها-؟

  4. الاعتراض الخامس :

    جاء هذا التساؤل من الأخ الفاضل يوسف ابن ميمون المداني
    قال :

    استطيع أن أستنبط من ما قرأت: نتيجة و لوازم و أسئلة .
    ===النتيجة:
    " الإختلاف الجوهري بين الدولة الإسلامية و الدولة الديمقراطية هو في باب مصدر الأحكام التشريعية. فمصدرها بالنسبة للأولى الشرع [[الذي يتمثل في القرآن و السنة، أو من جرى مجراهما]] . و مصدرها بالنسبة للثانية إختيارات الشعب. "
    ===لوازم:
    1-قد تتعرض الدولة الديمقراطية إلى صراعات إجتماعية متوالية، بلحاظ مصدرية أحكامها التي تنبني على إختيارات الشعب المتغيرة و المتغايرة. الشيء الذي يمكن أن لا يحصل بنفس الكيفية في الدولة الإسلامية، بلحاظ مصدرية أحكامها الثابت في قرآن و سنة.
    2- من المستحيل التوفيق بين الدولة الإسلامية و الدولة الديمقراطية إلا بأن يجري على أحدهما تأويل صريح في أصل هذا الإختلاف.
    3-يمكن أن يتم التوافق في بعض الوسائل و الكيفيات الإلزامية، بين الدولة الإسلامية و الدولة الديمقراطية، دون إمكانية إضفاء إسم الأولى على الأخرى أو العكس.
    ===أسئلة:
    1-سأتحدث في هذا السؤال بلسان إما: مسلم يعيش في دولة عربية، قد تأكد له أن الدولة التي يعيش فيها لا تضفى عليها صفة الدولة الإسلامية، و إما : مسلم يعيش في دولة أجنبية ترفع شعار الدولة لا إسلامية. سيكون السؤال الذي أبدا يزال يراوده هو : "أستطيع أن أتصور، في ظل دولة ديمقراطية إمكانية إنزال الأحكام الإسلامية متمثلة في ما تفرز عنه الصناديق الإنتخابية. فهلا أوضحتم لنا الكيفية النظرية و العملية لإقامة دولة إسلامية؟ و هل يجوز في نظركم إنشاؤها و لو على حد السيف كما يقال؟ فإن كان جائزا فهل هذه المجموعات التي ترفع شعار الجهاد تستطيع أن يعتمد عليها في مثل ذلك؟ "
    2- السؤال ينبعث من الازمة الأولى للنتيجة. فكما يمكن أن نرى في ظل الدولة الديمقراطية تضاربا بين المصالح، يمكن أن ينشأ في ظل الدولة الإسلامية تضاربا في فهم الأحكام. فهلا حددتم بشيء من التفصيل كيفية صدور الفهم من الحكم، و ماذا لو تعارض فهم بفهم؟ ما هي الوسائل المعتمد عند أهل السنة لفض النزاع بين الفهوم؟
    الجواب:
    كل ما ذكرته من اللوازم والنتائج صحيح في نظري.
    الجواب عن السؤال الأول:
    طريقة إقامة الدولة الإسلامية المثلى التي أراها وأعتقد بها، عن طريق الجهاد بتغيير قناعات نسبة لا بأس بها من البشر، ولا يشترط أن تتغير قناعات جميعهم. ثم بعد ذلك يتمُّ العمل على إقامة النظام الإسلامي بطريقة عادلة لنا ولهم في تلك الرقعة من الأرض. وقد عبرت عن ذلك في كتابات لي متقدمة بأن الطريق إلى إقامة الدولة الإسلامية هي امتلاك القوة المادية والمعنوية، فأما المادية فأمر معلوم، ولكنه بعيد المنال في هذز الزمان، وأما المعنوية فإجماله بما ذكرتُ، ولكنه طريق طويل لأن شروطه الواقعية تستلزم هذا الطول. ويوجب على العاملين الالتزام والجدية الهائلة في العمل، وعدم الاضطراب وتغير القناعات كما نرى ذلك حاصلاً في كثير من العاملين لهذا الهدف في زماننا.
    وهل يشترط لإقامة الدولة الإسلامية ألا يكون هناك لجوء إلى القوة المادية، لا أظنُّ عاقلا يشترط مثل هذا الشرط لإقامة العدل في بني البشر. فليس من شروط العدل الرضا الذي هو شرط واقعي لعدم اللجوء للقوة. فطلب العدالة في الواقع يستلزم بلضرورة وقوع الانحراف عن العدل فيه، وهذا الانحراف إما لجهل يصحح بالتعلم والتعليم، والحض والوعظ ونحو ذلك، وإما بقصد لعدم قناعة بحقية الإسلام، وهذا أر واقع بكثرة في زماننا، ولما درج الإنسان على النضال في سبيل ذاته وقناعاته، فإننا سنتصور وقوع المعارضة المادية إن لزم ذلك من الآخرين المعارضين للدين الحنيف، وعندئذ إما أن نقول لا يجوز معارضة القوة بالقوة، أو نقول يجوز، والحل الواقعي هو الثاني، ومدَّعي الأول، مخالف للواقع، ولما يقتضيه العمل على تحقيق العدل.
    فنحن نتصور إمكانية إيجاد الدولة الإسلامية بنوع من القوة المادية، غير المعنوية، والتي ليست متوقفة على الرضا، ولكن هذا الحل لا أصليا، ولا ابتدائيا كذلك، بمعنى أنه إذا توجهنا لإقامة الدولة بطريق القوة، فإننا لا نصل لمقصودنا في هذا الزمان غالباً، وإذا وصلنا ، فإنه لا يدوم لنا، لما لا يخفى من وجود المعارضات والمنازعات والمقاومات الهائلة التي نراها. ولذلك فإن الحلَّ الأقوم هو أن نبدأ بالنضال الفكري (المعنوي) حتى نحصِّل شرط إقامة ما يترتب عليه خارجيا، ومن ثم يمكن أن تكون هذه الدولة الأولى، مسندة لدول أخرى بالطريق الآخر الذي سيبقى دائما حلا ثانوياً مشروطا مقيدا بقيود كثيرة.
    جواب السؤال الثاني:
    نعم يمكن حصول التضارب بين الفهوم في عملية الاجتهاد في دولة تلتزم الإسلام، وتجويز تطبيق التعارض من النوع المتعدية آثاره في المجتمع، أي الذي يتعلق بأحكام عامة، لا خاصة، يستلزم بالضرورة إيقاع التعارضات والإشكالات العملية والعلمية في المجتمع، وهذا ينافي استقراره، وتقدمه ودوام قوته. ولذلك فأنا أرى ضرورة اختيار طريقة من الطرق الاجتهادية دون ما سواها في الأمور العامة التي لا يتقبل تكثر الحلول المطبَّقة، وشرط تلك الطرق التي نختار منها ان تكون شرعية، أي معتمدة على أدلة معتبرة، ثم يتمُّ اختيار الطريق الأقوم ولو في نظر القائم على إدارة الدولة. وله بعد ذلك أن يختبر مدى جدوى هذا الحل، فإن استقام الأمر دام الاختيار، وإلا يلزم البحث عن اجتهاد أصيلٍ وحلٍّ عمليٍّ آخر عن طريق التشاور والنظر الجاد. فبهذا ترتفع التعارضات الحاصلة في الامور العامة، ويتم المحافظة على الخصوصيات التي تختص آثار أحكامها على فاعليها، ولا تضرُّ الآخرين، حتى لو كانوا من غير المسلمين. ولذلك فإن الإسلام في نظري هو الذي يمكن أن يحافظ على الملل والمذاهب في ظلَِ الدولة، بشرط التزامها بالحفاظ على الأسس الكلية للدولة وللدين الذي تؤسس الدولة عليه، وأنا أقرر دائما أن هذا هو الذي كان حاصلا في الدول الإسلامية بصورة لم تقع حتى في هذا الزمان تحت ظل الديمقراطية والليبرالية. والفارق أن دولة الإسلام تقبل الناس كما هم، ولكن تفرض لهم قيودا لا يتجاوزونها فيما يتلعلق بالنظام العام للدولة، ولكن الليبرالية الجديدة لما زعمت أنها لا تضع قيودا أمام الناس فيما يتعلق بالدولة، صارت تعمل بكل جهد على تحريف الأفكار التي يعتقد الناس بها خصوصا من المتدينين، وصاروا يبذلون في سبيل ذلك كل أمر، ويضعون له من المخططات والتعاليم ما لا نكاد نتصور إمكانه فضلا عن وقوعه وتمامه، والسبب الذي يدفعهم إلى ذلك هو أنهم لو سمحوا للناس بما هم عليه من معتقدات بالتدخل في دولتهم ونظمهم التي عملوها، لكان ذلك قد يشكل طريقا لتغيير مناهجهم وأسسهم التي ارتضوها لأنفسهم، ولما كانوا لا يستطيعون التصريح بالحجر الفعلي على عقائد الناس ومنعهم عنها، لما أن ذلك يتناقض تماما مع ما يعلنون عنه من الحريات العامة ونحو ذلك ، سلكوا سبيل التغيير الحقيقي للعقائد والنظر والمفاهيم بحيث يبقى للآخر مجرد الاسم، بلا هوية ولا فكر حقيقيّ، حينئذ يقبلونه في دولتهم وهم مطمئون.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. سؤال الأخ يوسف بن ميمون المداني
    هل إسلامية الدولة تستلزم أن يكون القائم عليها مسلماً؟ أو تستلزم أن يكون موظفوها مسلمون؟ (أي هل هناك، في الشرع، قول قطعي يُلزم القائم على الدولة المسلمة بأن يكون مسلما؟ هذا من جهة، أو بمثل ذلك على الموظفين في الدولة الإسلامية -من ما دون القائم عليها-؟

    الجواب:
    إذا كنا نتكلم على دولة إسلامية من وظائفها المحافظة على أصول الدين، وقيمه العليا ومحاولة تحقيقها في المجتمع ودعوة البشر إليها بشتى الطرق، فلا شك في عدم جواز كون رئيس الدولة غير مسلم، بل الأصل ألا يصح أن يكون مسلما متواضعا في علمه ومكانته بين المسلمين، لأن مقاصد الرئاسة لا تتحقق إلا بذلك. ومن يتكلم من أهل العصر على رئاسة الدولة ويقول إن رئيس الدولة في الإسلام يصح أن يكون غير مسلم، أو لا دينياً، فهو قطعا يتكلم عن فهم مغلوط من الدولة الإسلامية، أو أنه يريد الحكم على الدولة في الإسلام بعين حكم الديمقراطية، وهذا هو الداء العضال الذي استشرى في المفكرين المنتسبين للإسلام في الغرب والشرق. أما غير الرئيس من الموظفين فالأمر محتمل فيهم بحسب مكانتهم ووظائفهم، ويراعى فيه اللحاظ المذكور سابقاً. وقد بين العلماء والفقهاء ذلك في كتبهم، وفي كتب السياسة الشرعية، ولكن درج الكتاب في هذا العصر على وصمهم بالرجعية والتأخر! وهذا الوصف لو ألصقناه بهؤلاء العصريين لكان أقرب إليهم، وإن كانوا في زمان معاصر، فهم متراجعون فكريا عما كان عليه علماء الإسلام. ولا يخفى أن أكثر الذين يتكلمون في هذه المسائل من أهل العصر متأثرون بالأفكار الغربية الليبرالية، ويحاولون قدر ما يستطيعون وما لا يستطيعون أن يصبغوا الإسلام بصبغة الليبرالية، وكثير منهم لضحالة فكرهم يعتقدون فعلا أن ما يقصدونه صحيح. ولكن مجرد الاعتقاد لا يكفي لتصحيح المراد.
    وقد سمعت بعض المغرورين الذين يحسبون الذكاء محصرا فيهم ، والمفرعة تائهة إلا عنهم وعمن يواليهم، يقول: من الشفاهة الكلام عن دار الإسلام ودار الحرب، ووزير التفويض ووزير التنفيذ، كما أنه من الغباء والجهالة الآن التكلم عن الخلافة الإسلامية على الطريقة السابقة. فهذا وأمثاله تلبسوا باعتقاد في غاية الخطورة، وهو أن الإسلام قد تغيره أحكامه في حقيقتها، لا نظرا للظروف والأحوال، وأن حقيقة الإسلام أن تلك المناصب والخصائص المنسوبة إليها، والظائقف المنوطة بها لم تكن إلا حالة عابرة لظروف تاريخية وزمانية معينة، ونحن الآن تعديناها، فوجب أن ننصرف عن التفكير في تلك المصطلحات الغريبة عن روح وفكر الزمان المعاصر. وهم بقولهم ذها يساعدون من حيث يدرون أو لا يدرون في امِّحاء التعاليم الإسلامية من نفوس الناس، وفي تحريف الشريعة وذلك لعجزهم ولعجز المسلمين عن تنفيذها بصورتها المثلى. فصاروا كأنهم يحدثون أنفسهم ويقولون: إذا لم نعد نستطيع إقامة الخلافة فالخلافة من اصلها غير صحيحة، وإذا لم نعد قادرين على تحقيق الأمور على ما نراه في تعاليم الفقهاءو وأفهام الأعلام السابقين، فلنجزم إذن أنها أفهام باطلة مرتبطة بظروف تاريخية وأحوال معينة، لم تعد موجودة. ونحن إذن غير ملزمين بها، وغير مطلوب منا أن نعمل لأجلها. فصاروا يعيدون إنتاج مفاهيم وأحكام جديدة يطلقون عليها أحكاما إسلامية بمقتضى الاجتهاد الحرّ الذي صار كل جاهل يزعم الوصول إليه! ويجدون على هذه الطريقة أنصارا ومؤيدين في وسائل الإعلام المشبوهة التي تعمل على نشر كل ما هو ممسوخ عن الإسلام، وتروج لكل شخص منحرف أو متناقض يتكلم في الشريعة.
    وكان المفروض على هؤلاء أن يقولوا: إذا لم نعد قادرين على إعادة الخلافة بصورتها السابقة، فلا أقل من أن نعمل على مقاربتها بشتى الوسائل، ولكن بدون أن نسععى إلى تغيير المفاهيم، وإنكار الأحكام الشرعية المقرره، ومن دون إضفاء صبغة الكمال على ما نحن نضطرون إليه طبقا لظروفنا المعيشة.
    لو فعلوا ذلك لكان فعلهم أحسن وأولى ولكان قصدهم أقرب.
    فهم لو فعلوا ذلك لكانوا غير مضطرين للاعتراف بأن النظام الديمقراطي هو نظام إسلامية من أصله، ولا أن الدولة المدنية بحسب تعريفهم هي عين الدولة الإسلامية!! وغير مضطرين للوقوع في تناقضات تكشف مقاصدنا ومزاعمنا المخبوء كثير منها في نفوسنا.
    وهذا المسلك قريب سهل! ولذلك نتساءل نحن كثيرا عن السبب الذي من أجله لم يعرج هؤلاء المجددون المعاصرين على هذا المسلك النقي، وتلبسوا بكل فكر مشبوه، ونافحوا عن الانحراف والشذوذ. ولم نجد جوابا حتى الآن إلا أن التغيير الحاصل في نفوسهم عن تعاليم الإسلام المعلومة بالأدلة القوية التي لا يحسن التغافل عنها، صار أمراً حقيقياً في نفوسهم، وهعم معتقدون بأن هذا الانحراف هو الأصل، وأن هذا الشذوذ هو الدين القيم.
    فالمعركة إذن هي معركة خطيرة، لا مع المجاهرين بالعداء للإسلام من العلمانيين والملاحدة في الشرق والغرب، بل مع هؤلاء الذيت يتلبسون بلبوس الإسلام، ويدعون دعاوى الفقهاة والتجديد، ويزاودون على أعلام الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين زاعمين أن ما يقررونه هو الحق وما سواه باطل.
    هذه هي خطوط المعركة كما نراها الآن، وكما نعتقد أن أوارها سيزداد اشتعالا عما قريب.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  6. ملاحظة :
    إني جد متأكدٍ من أنه ما من مسلم، تقرر قرار الإسلام في قلبه، و هو بعد ذلك يحترم عقله. ينصرف إلى مثل قولهم، بما يدعونه، على ما قررتموه فيهم، فما هي إلا أقوال تهب فيها ريح الفراغ فتدعها قاعا صفصفا.
    و بنفس الطريقة أيضا، ليس لنا أن ننصرف إلى رأيكم سيدي الكريم، بغير أن نعرف تأصيلكم للمسألة على ما عهدنا منكم، أو إرشادا إلا مصادر تؤصل المسألة بطريقة علمية تذهب الجهل بالنظر فيها.

    فإني سأعيد السؤال مرة أخرى، على أمل أن يكون جوابكم يأخذ بعين إعتباره هذه الملاحظة:
    " هل إسلامية الدولة تستلزم أن يكون القائم عليها مسلما؟ أو تستلزم أن يكون موظفوها مسلمون؟ (أي هل هناك، في الشرع، قول قطعي يُلزم القائم على الدولة المسلمة بأن يكون مسلما؟ هذا من جهة، أو بمثل ذلك على الموظفين في الدولة الإسلامية -من ما دون القائم عليها-؟"

  7. لقد أجبتك عن هذا السؤال...فإذا كنا نسلم أن دولة الإسلام لا بد لها من مراعاة أمور الدين، ورعاية شؤونه بين الناس، وتحبيب الخلق فيه، وفتح السبل أمامه...فلا يعقل أن يتولى زمام ذلك غير مسلم...وأنا أتعجب من بعض المعاصرين الذين فكروا في المسألة من جهة الدولة المدنية، ثم عمموا الحكم على دولة الإسلام، فلو كنا نتكلم على دولة مدنية، فلا إشكال في أن يكون رئيسها زنديقا أو مشركا أو غير ذلك، ثم إنهم لما عرفوا هذا الحكم المتعلق بالدولة المدنية، واعتقدوا أن دولة الإسلام مطابقة لمفهوم الدولة المدنية، قالوا بأن الإسلام لا يمانع أن يكون رئيسه غير مسلم....وهذا انحراف عن الجادة...
    وإذا كنا نسلم أن لرئيس الدولة في الإسلام ولاية على المسلمين ولاية خاصة، أخص من ولايته ورعايته لغير المسلمين وإعطائهم حقوقهم المشوعة، فلا يشك ذو عقل في أنه ينبغي أن يكون مسلما.
    أما بقية الموظفين في الدولة، ففيها تفصيلات مبينة في كتب السياسة والفقه. ومن هذه الجهة تبحث هناك أيضاً....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2013
    الدولة
    الولايات المتحدة
    المشاركات
    47
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

    بارك الله فيكم يا شيخ سعيد ونفعنا بكم وبعلومكم في الدارين آمين .

    بعد قراءة هذا التأصيل والتحليل الممتع لعلاقة الديمقراطية بالإسلام ، فعندي تساؤلات أود أن أسمع إجابتة فضيلتكم عليها . خاصة وأننا نعيش في زمن ما بعد الثورات العربية حيث انفتحت مجموعة من البلاد انفتاحا سياسيا لن تعهده من قبل .

    بناء على ما توصلتم إليه ، ما الحكم الشرعي المتعلق بالمشاركة في العمليات الديمقراطية (الإنتخابية) ؟

    (1) هل نشارك في عملية الاختيار والانتخاب أم نقاطع ؟

    (2) لو كانت المشاركة جائزة ، فهل يُشرط لصحتها أن نقتصر على اختيار من يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ؟ أم يجوز أن نختار وننتخب من نراه الأصلح سياسيا واقتصاديا وإن كان لا يدعو إلى الشرعية الإسلامية وفي نفس الوقت لا يُعلم عنعه معاداة الشريعة .

    (3) ما حكم العمل الحزبي ؟ هل يجوز أن ننشئ أحزاب سياسية "مدنية" ، وأقصد بمدنية أحزاب لا تعمل تحت مظلة "الإسلام" ولكنها في ذات الوقت لا تطالب بتشريع ما هو مجمع على حرمته تحت مظلة المذاهب الأربعة.

    هذا ما طرأ على ذهني الآن من تساؤلات ولعل يتبعه تساؤلات أخرى . أسأل الله أن يجعلكم ذخرا للإسلام والمسلمين ويرفع بكم راية الإيمان والدين .

  9. اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سليم حمودة الحداد مشاهدة المشاركة
    سيدي ...جزاكم الله خيرا و نفع بكم ..
    لستُ أهلا و لكني أجدني مقتنعا بما كتبتموه و أصّلتموه و ما ألزمتم به متميعي الاسلاميين..الا ما استنتجتموه من قولكم ان الدول الحالية ليست اسلامية ...اذ الذي فهمته منكم سيدي أنها دول كفرية لا تختلف عن الدول الغربية ..لأنهما يشتركان في القبول بالديمقراطية ..
    و هو ما كان محل نقاش بيني و بين بعض الاخوة في موضوع آخر ..
    http://www.aslein.net/showthread.php?t=17011&page=2
    فالذي أفهمه سيدي أن الدولة الاسلامية أي غير الكافرة هي تلك التي تعلن اسلامها ..مثلها مثل الفرد المسلم ....
    و أنها لا تخرج عن اسلامها ذاك الا كما يخرج الفرد من اسلامه...أي بالاتيان بأمر قاطع الدلالة على نقض الاعلان الأول...
    و هذه الدول تعلن اسلامها في دساتيرها ،لا مجرد كون مواطنيها مسلمين...و تنص عامتها على أن قوانينها يجب ان تستمد من الاسلام..
    أما مخالفاتها لذلك في بعض قوانينها ، فهي كمخالفة الفرد المسلم لما أعلنه من اسلامه..لا يخرجهما منه...
    و كذلك اعلان بعض الدول ان نظامها ديمقراطي ...فهو كاعلان الأفراد ايمانهم بالديمقراطية لأنها لا تخالف الاسلام بنظرهم ..
    اذ كما لا نكفّر الافراد بمجرد اعلانهم ذلك ،كذلك لا نكفر دولة تعلن الأمر نفسه ...الا أن يصرحوا بما ينقض اسلامهم..
    و هذا لا يعني الرضا بذلك كله...لا بالنظام الديمقراطي و لا بمخالفات الشرع في القوانين...بل هي آثام عظيمة لا ريب..
    لكنها ليست مكفرة بمجردها لا للأفراد و للدول ...هذا ما أفهمه و الله تعالى أعلم ...
    و ان كنتُ مقتنعا تماما بما قلتموه سيدي من أن الديمقراطية تخالف الاسلام و تناقضه...
    و لكن لم أستوعب بعض نتائج البحث ....فأرجو أن يتسع صدركم لي ...بارك الله لنا فيكم ...
    الأخ العزيز سليم
    بما أن الموضوع قد أعيد نشره في هذه الأيام، فقد أتيحت لي الفرصة لإعادة النظر في ما كتبته قديما..ورأيت أنه لم أجبك عن سؤالك المذكور هنا. ولم يكن هذا عن قصد أو إصرار بل ربما كان عن انشغال أو نسيان أو نحو ذلك.
    ولذلك يسرني أن أجيب هنا بحسب ما يظهر لي:
    نعم إن الانحراف عن الأحكام الإسلامية عموما فيما ليس كفرا بينا صريحا ليس كفرا، ولذلك لا يمكننا أن نطلق اسم الكفر على الدولة التي لا تحكم ببعض أحكام الإسلام إلا إذا كانت تلك الأحكام كفرا صراحا، وما ذكرته من الحكم بغير ما أنزل الله تعالى فيما سوى الكفر، لا يستلزم الكفر صحيح كما هو معلوم عند أهل السنة، خصوصا في تفسير قوله تعالى (ومن لم يحكم...الخ). وقد كتبت حديثا مقالا ف يتوضيح ذلك إزالة للشبهة عن القلوب.
    وما تفضلت به عموما صحيح لا إشكال فيه وأنا أوفقك عليه.
    وأما وصف الدول بالإسلامية ففي نفسي منها حرج كما وضحت في المقال، والسبب علمي محض لا سياسي ، وأصله أن الوصف بالإسلامي يفيد في هذا المقام كما أفهم أن الدولة قد التزمت بأحكام الإسلام من حيث الإنشاء في دستورها وقوانينها، وأي دولة لم تلتزم بذلك ففي وصفها بالإسلامية غبش ظاهر لأنها خلطت بين الإسلام وغيره. أو لم تلزم نفسها به، أو ألزمت نفسها ببعض أحكامه فقط. وهذا كله لا يفيد أنها كافرة بالطبع، فأنا لا أجيز وصف تلك الدول بأنها كافرة، والأمر لا يدور هنا بين الوصف بالكفر والإيمان، ولا يقال إن كل ما لا يكون دولة إسلامية بهذا المعنى الذي وضحناه فهو دولة كافرة، لا بالطبع، بل إذا لاحظنا أن الوصف بالإسلامية يفيد كونه ملتزمة التزاما تاما بالإسلام ولو على الأقل من حيث التنظير، فمقابلها يتصور أن يكون دولة ملتزمة جزئيا بالإسلام، وقد يكون أيضا دولة كافرة بالإسلام أو بالأديان مطلقاً، ولذلك فإن الدولة إما أن تكون إسلامية مطلقا أي تامة الإسلام نظريا على الأقل، أو كافرة إذا صرحت بما يخالف الإسلام ويناقض أصوله التي تخرج الشخص المتعين الحقيقي إلى الكفر، وقد تكون هناك دولة لا إسلامية تامة، ولا هي كافرة، بل هي مخلوطة أو خالطة، لما ذكرناه.
    وقد يتوهم بعض الناس أن الموضوع الواحد إما أن يكون كفرا أو إسلاما لا وسط بين الأمرين.
    وأقول: هناك أمران
    الأول الشخص الحقيقي، كالإنسان من الرجال والنساء الذين تحققت فيهم شروط التكليف، وهؤلاء ثلاثة أقسام إما مسلم وهو من بلغه الإسلام بشروطه وآمن، أو كافر، وهو من قامت عليه الحجة ببلوغ الإسلام بشرطه وأبى، وشخص آخر لا مؤمن حقيقة ولا كافر حقيقة، وهو من لم يبلغه الإسلام بلوغا صحيحاً.
    فها نحن قد تصورنا وجود القسمة الثلاية هنا على الأقل بالنظر للحقيقة لا بالنظر لما لدينا، أي بالنظر لما هو حكم الله تعالى لا بالنظر للحكم الدنيوي.
    والأمر الثاني الشخصية المعنوية: ومنها الدول فهذه شخصيات معنوية أو حكمية لا يمكن إثبات ماهية لها أو حقيقة إلا باعتبار ما تثبته هي لنفسها، أو يثبتها لها أصحابها، ولا تلزم بما لا تلتزم به، لأن التكليف لا يتعلق بها من حيث هي شخصية معنوية بل بمن يقومون عليها، فلا نية لها، كما هو معلوم. والأصل في أمثال هذه الشخصيات أن يقتصر على الحكم عليها بما تصرح به أو تلتزمه يقينا، ولا يقال لها إذا لم تلتزمي بذلك الأمر الفلاني فأنت ضده، فيمكن أن لا تكون ضده، ويمكن أن يكون موقفها منه متعادلاً، ونحو ذلك كل ذلك متصور.
    وبناء على ذلك نتصور إمكان إطلاق وصف الإسلامية على من التزم بالإسلام صراحة نظرياً، وإن خالف في بعض الأحكام، وعدم جواز إطلاق ذلك لما يفيده من كمال وتمام الماهية لمن لم يلتزم به التزاما تاما، ولم يشركه مع غيره، ويصور أيضا إطلاق وصف الكفر على الدول التي أعلنت في تحديد ماهياتها وهويتها المعنوية أمرا فيه مناقضة لأصول الإسلام التي يكفر من يقول بها. والله سبحانه أعلم وأعلى.
    وما يتوهم أنه من نتائج البحث أعني تكفير القسم الثالث فليس حقيقة من نتائجه بل هو أمر يتوهم أنه من نتائجه .
    والمسألة فيها تفصيل أعمق من ذلك ذكرته في كتاب جديد لي أرجو أن يطبع قريباً.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  10. اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد سمير أحمد مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

    بارك الله فيكم يا شيخ سعيد ونفعنا بكم وبعلومكم في الدارين آمين .

    بعد قراءة هذا التأصيل والتحليل الممتع لعلاقة الديمقراطية بالإسلام ، فعندي تساؤلات أود أن أسمع إجابتة فضيلتكم عليها . خاصة وأننا نعيش في زمن ما بعد الثورات العربية حيث انفتحت مجموعة من البلاد انفتاحا سياسيا لن تعهده من قبل .

    بناء على ما توصلتم إليه ، ما الحكم الشرعي المتعلق بالمشاركة في العمليات الديمقراطية (الإنتخابية) ؟

    (1) هل نشارك في عملية الاختيار والانتخاب أم نقاطع ؟

    (2) لو كانت المشاركة جائزة ، فهل يُشرط لصحتها أن نقتصر على اختيار من يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ؟ أم يجوز أن نختار وننتخب من نراه الأصلح سياسيا واقتصاديا وإن كان لا يدعو إلى الشرعية الإسلامية وفي نفس الوقت لا يُعلم عنعه معاداة الشريعة .

    (3) ما حكم العمل الحزبي ؟ هل يجوز أن ننشئ أحزاب سياسية "مدنية" ، وأقصد بمدنية أحزاب لا تعمل تحت مظلة "الإسلام" ولكنها في ذات الوقت لا تطالب بتشريع ما هو مجمع على حرمته تحت مظلة المذاهب الأربعة.

    هذا ما طرأ على ذهني الآن من تساؤلات ولعل يتبعه تساؤلات أخرى . أسأل الله أن يجعلكم ذخرا للإسلام والمسلمين ويرفع بكم راية الإيمان والدين .
    الجواب :
    1-المشاركة في الانتخابات في هذه الدول يكون تابعا للمصلحة والمنافع التي يتوقعها توقعا غالبا المنتخِبُ من عملية الانتخاب ومن ينتخِبُه لا أكثر ولا أقل.
    2-ولا يشترط لصحة الانتخاب أن يتم انتخاب من يدعو لتطبيق الشريعة فقط، بل يمكن أن يتم انتخاب من يعمل على تحقيق مصالح الناس الدنيوية أيضا، أو هي والدينية معاً، فتحقيق مصالح الناس مطلوب شرعا كذلك، سواء تحت غطاء الإسلام أو بدون غطائه، بشرط ألا يكون معلنا معاداته للإسلام.
    3-إنشاء أحزاب وتكتلات حزبية مدنية بالصورة التي ذكرتَها أخي الفاضل وهي أنها لا تعمل تحت مظلة الإسلام، ولكنها في الوثت نفسه لا تطالب بتشريع ما هو مجمع على حرمته أمر جائز بلا ريب لما ذكرناه في النقطة السابقة.
    هذا ما أراه والله تعالى أعلم .
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  11. مقال مهم .. للرفع

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •