النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: "أصول الفقه منتج بشري" ! من سلسلة.. "ملاحظات نقدية على طروحات د. جاسم سلطان الشرعية1"

  1. "أصول الفقه منتج بشري" ! من سلسلة.. "ملاحظات نقدية على طروحات د. جاسم سلطان الشرعية1"

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، أما بعد:

    *تنبيه قبل الإنطلاق*

    ليس المراد من هذه السلسلة نقد المسائل الشرعية التي يقدمها الدكتور جاسم سلطان فقط... وإنما المراد أيضا الإجابة على أهم الأسئلة الشرعية الملحة التي يهتم لها المثقفون في العالم العربي والإسلامي... ويرون فيها قضايا ملحة تحتاج إلى مراجعة

    *المقدمة*

    يطرح د. جاسم سلطان في مشروع النهضة، وفي دورة "افهم دينك" على الخصوص... مجموعة من المقولات المعرفية الشرعية، ويطالب الشباب المسلم أن يعيد دراستها، وينظر في حقيقة نسبتها إلى الدين... وذلك لمقصد نبيل كما يظهر لي، ألا وهو تطهير الإسلام من الدخن الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: "فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن... قلت: وما دخنه ؟ قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر..."

    وهذا المقصد العظيم الذي نظن د. جاسم يسعى إليه... هو الذي دفعنا للقيام بواجب النقد والتمحيص لمقولته التأسيسية التي يقول فيها : "أصول الفقه منتج بشري"...

    وذلك وفق المنهج العلمي الذي أمرنا الله تعالى به: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"

    وقبل الخوض في تفاصيل هذا النقد تثور في الذهن أسئلة :

    ما الذي نعنيه بأصول الفقه؟
    ما الذي نعنيه بالمنتج البشري؟
    ما هي حدود الفعل الإنساني في أصول الفقه؟
    وهل يجوز الاجتهاد أو التغيير في أصول الفقه؟

    وكل هذا وغيره سنحاول الإجابة عنه في الفقرات التالية، ثم نختم ببيان موقفنا العلمي والشرعي من مقولة د. جاسم السابقة ...

    فنبدأ... بسم الله

    *معنى أصول الفقه ومنطلقاته*

    قالوا في منهجية المعرفة : الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فما الذي نعنيه بأصول الفقه؟

    أصول الفقه هو المنهج الذي من خلاله يصل المسلم إلى مراد الله، من النص الذي أنزل الله...

    فالباحث في أصول الفقه ينطلق من أصلين :

    الأصل الأول: الإيمان بوجود خالق خلق الإنسان، وكلفه، وسوف يحاسبه على مدى التزامه بهذا التكليف في عالم آخر، هو يوم الحساب، وهذا الأصل يُعرف دليله العلمي من مباحث علم الكلام ومباحث العقيدة الإسلامية

    الأصل الثاني: الإيمان بوجود معنى محدد لمراد الله تعالى من النص الذي أنزله.. وهذا المعنى الذي أنزله الله...هو رسالة الله للعالمين، للإيمان بما نزل أولا، ثم العمل به ثانيا، وبناء عليه يحاسب الإنسان أو يعاقب..

    ولذلك قال الله تعالى: " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" ،

    وورد في الحديث النبوي الصحيح : "أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا"

    فإذن الله تعالى أنزل النص، والعقل البشري ينظر في النص، ليستخرج مراد الله منه، فإن كان نظره منهجيا صحيحا... فقد أصاب الصراط المستقيم، وسَلِم من الطرد عن الحوض يوم القيامة...

    وإلا فقد وقع في التبديل والتحريف ولحق به ذم وطرد عن الحوض النبوي الشريف في يوم الموقف العظيم...

    والسؤال المنطقي هنا : هل نظر العقل في النص المنزل يكون بلا منهج ولا ميزان ؟
    الجواب : لا...وإلا لضاع مراد الله من النص الذي أنزله...وبالتالي وقع العقل في التبديل، وضاعت الفروق بين صراط الله المستقيم وغيره من السبل التي تفرق عن سبيله

    فالمنهج الذي من خلاله يتعرف المسلم على مراد الله منه... هو ما يعرف بـ "أصول الفقه الإسلامي"

    *تدوين أم اختراع*

    وربما يقول أحدهم:
    نعلم أن أول من دوّن علم أصول الفقه هو الإمام الشافعي، إذن أصول الفقه منتج بشري، وضعها الشافعي، ويمكن لأي مسلم أن يضع منهجا آخر... ومن ثم يستخرج أحكاما مختلفة عن الأحكام التي اختارها الشافعي نفسه...

    والجواب البديهي: لا؛ وإلا لأضعنا الأصل الثاني الذي ينطلق منه الأصولي... وهو أن لله تعالى مرادا محددا على أساسه كلف، وعلى أساسه يحاسب... وفعل الإمام الشافعي رحمه الله في أصول الفقه... لا يخرج عن كونه فعلا كاشفا لا فعلا مؤسسا.

    ونعني بهذا: نعم... أصول الفقه لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه مدونة ومكتوبة ... ولكن كانت معلومة ومركوزة في نفس كل مجتهد في زمنه صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الصحابة رضي الله عنهم...
    وبها كان يفرق بين الاجتهاد المقبول والتحريف المرفوض

    فلما جاء الإمام الشافعي... أظهر هذه للأصول، فكتبها وحققها واستدل عليها، ففعل الشافعي رحمه الله كان فعلا كاشفا، أي أن المنهج ثابت وموجود قبل الإمام، وكان دور الإمام البحث عنه، وتدوين قواعده وأصوله، ليسهل على الأمة التعامل مع هذه الأصول، وتقييم اجتهاد المجتهدين وفق هذه الأصول...

    ولم يكن فعل الإمام الشافعي رحمه الله فعلا مؤسسا... أي لم يخترع الإمام هذه القواعد من عند نفسه، حتى يحق لأي أصولي أن يضع منهجا آخر... وبالتالي يتوصل إلى نتائج وأحكام مختلفة...

    وقد فهم علماء الإسلام دور الإمام الشافعي الكاشف هذا... فتتابعت جهودهم من شتى المذاهب في ضبط هذه الأصول والقواعد... وفق المنهج الرباني الذي أنزله الله تعالى لفهم كتابه...

    *أصول الفقه قرآنيّة*

    وربما تتساءل: هل أشار الوحي الإلهي (القرآن الكريم) إلى معالم هذا المنهج في فهم النصوص؟

    والجواب: نعم ... أشار ...بل للقرآن الكريم المرجعية الأولى في تفصيله...وأضرب على هذا مثلين، للتوضيح... والأمثلة كثيرة، وربما تحتاج إلى رسائل خاصة في بيان رجوع قواعد علم الأصول إلى تعاليم القرآن الكريم...

    المثل الأول: قال تعالى " إنَّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ"

    فالقرآن الكريم يفهم وفق المعاني والقواعد العربية، والتي هي لغة القرآن الكريم...فمن أراد أن يغيّر المعاني العربية، ثم يحاول أن ينسب فهمه هذا إلى القرآن فهو مخطئ ومحرف لمراد الله. ومن أراد أن يغير قواعد اللغة العربية في الفهم، فيجعل الحقيقة مجازا مثلا، أو المجاز حقيقة، ثم نسب هذا إلى القرآن، فهو مخطئ ومحرف لمراد الله...

    فاللغة العربية بمعانيها ونظامها أحد مصادر علم الأصول، كما ضبط ذلك القرآن الكريم نفسه

    المثل الثاني: قال الله تعالى " هوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ"، ففي القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي هن أس الكتاب وأساسه ومرجعه...وعلى المسلم إذا أراد فهم القرآن الكريم أن يفرق بين المحكم والمتشابه من آياته...فيعرف محكمه ومتشابه...ليتشبث بالمحكم ويحعله أساسا لفهمه... ثم يؤمن بالمتشابه لأنه من الكتاب...ويفهمه في ضوء فهم الأساس والأصل أي في ضوء فهم المحكم...

    فمن أراد أن يجعل المتشابه محكما، والمحكم متشابه، فهو مخطئ ومحرف لمراد الله..

    ولو تأملت في علم الأصول لعلمت أن كل المنهج الشرعي (القواعد الأصولية) في معرفة أحكام الله تعالى ترجع إلى القرآن الكريم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بدلالة ظنية أو بدلالة قطعية
    ولو لم يوجد مثل هذا المنهج الرباني في فهم نصوص الكتاب لأصبحت أوامر الله تعالى وأحكامه لا ضابط لها، ولأصبح تكليف الله تعالى وعاء مفتوحا، يضع فيه من شاء ما شاء، وينسب هذا لله.. وهذا لا يجوز لأنه يُسقط دلالة الآية الكريمة "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"
    ولأنه يُوقع في التبديل الذي أشار اليه النبي صلى الله عليه وسلم...في حديث الحوض السابق...

    *قطعية الأصول عند العلماء*

    فإذا ثبت ما سبق، ربما نتساءل..

    هل كل أصول الفقه قطعية ؟

    والجواب: لا، بل من أصول الفقه ما هو ظني. وقد حصل خلاف العلماء في كثير من المسائل الأصولية لأنها ظنية، فالاستحسان الذي قال به الحنفية، والاستصلاح الذي قال به المالكية، خالفهم فيه الشافعية، وأعادوا النظر فيه وفق المنهج العلمي المعتبر ...

    إلا أن مثل هذا الخلاف الظني لا ينسينا أن هناك أصولا متفقا عليها كمرجعية القرآن والسنة... ودلالة بعض النصوص القطعية على المعنى الإلهي المراد... كما في دلالة "أقم الصلاة" على وجوب الصلاة... ودلالة "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" على تحريم أكل أموال الناس بالباطل...

    فما كان من الأصول قطعيا بدليله فهو قطعي...
    وما كان من الأصول ظنيا بدليله فهو ظني...

    وهكذا تترتب الأحكام وفق هذه المعايير

    *لم الخلاف إذن؟*

    وإذا فهمنا ما سبق، عرفنا جواب السؤال التالي:

    إذا كان المنهج موجودا قبل تدوينه فلماذا اختلف الفقهاء إذن ؟

    فيمكن أن نقول في الجواب : لأنهم اختلفوا في بعض تفاصيل أصول الفقه الظنية...

    -فقد يعتبر أحدهم أصلا، ثم يرتب عليه أحكاما... ولا يعتبره الآخر...
    -أو يختلفوا في تنزيل هذا الأصل على هذا الدليل...ويعتبر الآخر أصلا مختلفا...
    -أو يختلفوا في تقديم دلالة على دلالة... وفق الأصل الذي يعتبره كل واحد منهم

    وكل هذا في مساحة الظن والاجتهاد، وفي هذا إشارة إلى أن هناك مساحة وحدا فاصلا،لا يجوز الخلاف فيه، ولا في ما ينتج عنه من أحكام وهي القطعيات الشرعية، وهناك مساحة أخرى هي أكثر سعة وفسحة، هي مساحة الظنيات

    *الاجتهاد في الأصول*

    وإذا فهمنا ما سبق أيضا، فهمنا جواب السؤال الآخر:
    هل يجوز الاجتهاد في أصول الفقه؟

    نعم يجوز، ما دام في دائرة الظنيات، والمحققون من العلماء مع الاجتهاد الأصولي المعتبر ما دام في دائرة ظنيات أصول الفقه... لضرورته وحاجته...

    بل إن الأصولي قد يدقق في بعض المسائل ويضبطها بضوابط معتبرة...ولم يسبقه إلى ذلك الضبط والتدوين الأوائل؛ لأنها كانت عندهم مفهومة من ذوق الفقيه وملكته، فيهتدي إليها الأصولي المعاصر بضبط وتحقيق... لا يخدش القطعي...ويحقق ذوق الفقيه القديم المتحصَّل بممارسة أحكام الشريعة...

    ومن هذا الباب نقول: إن علم الأصول لم ينضج ولم يحترق، ومساحة البحث والتأمل فيه واسعة...لمن حصّل المؤهلات العلمية لذلك

    وبعد: فقول د. جاسم: "أصول الفقه منتج بشري"، يحتمل حقا وباطلا...

    إن قصد أن أصول الفقه موجودة بالوضع الإلهي، والإنتاج البشري يكون في الكشف عنها وتدوينها وتحقيقها، فهو حق وصحيح...

    وإن قصد أن أصول الفقه غير موجودة أصلا، والإنتاج البشري في وضعها وتأسيسها من جديد، فهو باطل وقبيح...

    وحسن الظن الذي نحمله للدكتور جاسم يدفعنا إلى أن نحمل كلامه على المعنى الأول...دون الثاني

    إلا أن: لنا اعتراضا على استخدام د. جاسم للفظ "منتج بشري"؛ لأنه يوهم المعنى القبيح الثاني...

    ولو اختار لفظا آخر لكن أحسن وأولى....

    والله تعالى وحده الهادي إلى الصواب، وهو وحده الهادي والموفق إلى كل مطلب
    ( ولا تقف ما ليس لك به علم
    إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )


  2. #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    جزاك الله خيراً أخي العزيز...

    والمقال جميل جدّاً...

    وقد يُقال إنَّ علم أصول الفقه إنتاج بشريٌّ للحاجة إلى فهم خطاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلَّم تسليماً، لكنَّه إنتاج بشريٌّ منضبط في أصله بحيث يرجع إلى قواعد منطقيَّة يجب على العاقل من حيث هو عاقل الإقرار بها. فهو في هذا كعلم المنطق، فعلم المنطق هو إنتاج بشريٌّ، ومع هذا فلا يُشكِّك فيه إلا سفسطائيٌّ.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,998
    مقالات المدونة
    2
    قلتَ: أصول الفقه هو المنهج الذي من خلاله يصل المسلم إلى مراد الله، من النص الذي أنزل الله...

    لا بد من تقييد مهم، وهو أن الذي يستخدم هذا العلم هو المجتهد، أما العامي فغاية أمره فيه أنه به يستطيع فهم كلام العلماء عند احتجاجهم.
    ==============
    قلتَ: نعم يجوز، ما دام في دائرة الظنيات، والمحققون من العلماء مع الاجتهاد الأصولي المعتبر ما دام في دائرة ظنيات أصول الفقه... لضرورته وحاجته...

    العلماء المجتهدون اجتهاداً مطلقاً هم من يحق لهم النظر في المنهج الأصولي، لكن لا أدري ما وجه كونه ضرورة وحاجة؟ المسائل الأصولية أشبعت بحثاً، والذي لم يشبع بعد هو فهمها من قبل الكثير من الناس..
    ==============
    قلتَ: ومن هذا الباب نقول: إن علم الأصول لم ينضج ولم يحترق، ومساحة البحث والتأمل فيه واسعة...لمن حصّل المؤهلات العلمية لذلك.
    فيه نظر..

    والله أعلم ..

    وفقك الله
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  4. #4
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    سيدي الشيخ جلال،

    قولكم: (إنَّ القول "إنَّ علم أصول الفقه لم ينضج" فيه نطرٌ) فيه نظرٌ!

    ولا يعني أنَّه لم ينضج أنَّ أنظار الأئمَّة السابقين رضي الله عنهم كانت قاصرة، بل يعني أنَّ التحقيق في عدد من مسائل الأصول غير حاصل، فمن الممكن بمزيد من البحث أن يُتوصَّل إلى التحقيق فيما اختُلِف فيه.

    فالأصل أنَّه بحاجة إلى البحث والنَّظر، لا في فهم ما قرَّره السادة العلماء السابقون رضي الله عنهم فقط، بل في المسائل نفسها.

    وذلك لا يكون إلا بقيد ان يكون النَّاظر متمكِّناً حقّاً.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,998
    مقالات المدونة
    2
    أما في المسائل التي اتفق عليها الأصوليون، فإن الذي سيصل إليه جهد أي باحث أو عالم في الأصول لا يمكن أن يقبل إذا خالفه، لحجية الإجماع.

    وأما في المسائل المختلف فيها، فلن يعدو الباحث المتمكن حقاً، إذا أراد تحقيق مسألة أن يرجح رأيا على آخر، وهو في هذا لم يأت بجديد، سوى أننا إذا قبلنا قوله في الأصول أن نضيف إلى أصحاب الرأي الراجح اسماً آخر من العلماء لا غير.

    هل في هذا نظر؟

    ودعوى أن عدداً من مسائل الأصول لم يتم تحقيقها ليست بصحيحة، لأن غاية الأمر أن المحققين قد اختلفوا في تحقيقاتهم، ووجود جملة (والتحقيق كذا) في كلام بعض العلماء، لا يفهم منها إلا أنها في ترجيحهم هم. إلا إذا كان يظن شخصٌ أن كلام الرازي أو الآمدي مثلاً، لم يكن ناتجاً عن تأمل وتدقيق!! (وأنت لا تقوله فيما أحسب أخي محمد)...
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  6. #6
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    سيدي الشيخ حفظكم الله،

    قولكم: "وأما في المسائل المختلف فيها، فلن يعدو الباحث المتمكن حقاً، إذا أراد تحقيق مسألة أن يرجح رأيا على آخر، وهو في هذا لم يأت بجديد، سوى أننا إذا قبلنا قوله في الأصول أن نضيف إلى أصحاب الرأي الراجح اسماً آخر من العلماء لا غير".

    أقول: اختراع الأدلَّة الجديدة لإثبات عين المطلوب من المتقدِّمين أو بعضهم هو من الاجتهاد!

    وعلم الكلام من حيث هذا الباب أمثلته ظاهرة، فالمتأخرون نقدوا أدلَّة المتقدِّمين أحياناً وأتوا بأدلَّة أخرى تُثبت عين المطلوب.

    ثمَّ إنَّ اختراع تفصيلات جديدة لم تكن من قبل ليس فيه إبطال لإجماع لا يجوز خرقه...

    وإنَّ اختراع أنظار في الدَّلالات لم يُسبق العالِم النَّاظر بها لا يعني أبداً مخالفة ما لا يجوز مخالفته!

    فإنَّ الإجماع الذي لا يجوز مخالفته هو في أنَّ الشريعة المشرَّفة تقول كذا، أمَّا كون نظرٍ ما مفيداً للعلم أو لا فهذه في نفسها مسألة نظريَّة قد يكون قد توصَّل إليها المتأخِّرون دون المتقدِّمين، ومثال ذلك أنَّه لمَّا اعتنى السادة الأصوليُّون رضي الله عنهم بالمنطق ظهرت عندهم مسائل وأنظار مخالفة لمن سبقهم -وأنا هاهنا أمثِّل بما هو إجماليٌّ، ولا أرى حاجة للتفصيل-.

    ثمَّ إنَّ ما اختلف فيه السادة المتقدِّمون يعني أنَّه لا اتِّفاق بينهم، فلئن وصل المتأخِّرون إلى أن اتَّفقوا في تلك المسألة ألا يكون في ذلك إغلاقاً لباب كان مفتوحاً؟ فيكون فعلهم هذا فعلاً نظريّاً في تحقيق المسألة بحيث تكون محقَّقة لجميعهم.

    قولكم: " إلا إذا كان يظن شخصٌ أن كلام الرازي أو الآمدي مثلاً، لم يكن ناتجاً عن تأمل وتدقيق!! (وأنت لا تقوله فيما أحسب أخي محمد)".

    أقول: قد سبق أن قلتُ -سيدي-: "ولا يعني أنَّه لم ينضج أنَّ أنظار الأئمَّة السابقين رضي الله عنهم كانت قاصرة".

    ولا يلزم ذلك أصلاً، فإنَّ الإمام الشافعيَّ رضي الله عنه كان إمام المحقِّقين ومع هذا نشأت بحوث كثيرة في علم أصول الفقه لم يكن قد بحثها...

    وكذلك ساداتنا المتقدِّمون رضي الله عنهم!

    فهل يلزم هذا سيدي؟!

    لا.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,998
    مقالات المدونة
    2
    قلت أخي محمد: اختراع الأدلَّة الجديدة لإثبات عين المطلوب من المتقدِّمين أو بعضهم هو من الاجتهاد!


    وإنَّ اختراع أنظار في الدَّلالات لم يُسبق العالِم النَّاظر بها لا يعني أبداً مخالفة ما لا يجوز مخالفته!


    هو اجتهاد في فهم كلامهم، وتوجيه النظر إلى أن الدليل الفلاني الذي كان موجوداً يدل أيضاً على المراد، وليس هذا باختراع أصلاً...

    المقارنة بين علم الكلام وبين علم الأصول في باب اختراع أنظار في الدلالات غير صحيحة، فالأنظار التي في أصول الفقه لإثبات عين كلام المتقدمين، ليس فيها اجتهاد في الأصول، بقدر ما هي توضيح لكلامهم، وتعمق فيه. وهذا القدر لا يكفي ليقال إنه اجتهاد أصولي.

    وتشبيه ما نحن فيه بعلم الكلام غير صحيح، لأننا لم نقل إن علم الكلام احترق ونضج!

    وحسب اطلاعي الضعيف -حقا لا تواضعا - على الاجتهادات المزعومة من كتَّاب القرن الرابع عشر الهجري، فإنها كلها دعاوى لا قيمة لها ولا دليل عليها..

    ====================
    كلامي عن الرازي والآمدي، موجه إلى من يدعي التحقيق في الأصول، غافلا عن أن ما دونه هؤلاء الكبار هو التحقيق، فتحقيقه مقابل تحقيقهم هو الاسم المضاف إلى أسماء الأعلام ...

    ثمَّ إنَّ ما اختلف فيه السادة المتقدِّمون يعني أنَّه لا اتِّفاق بينهم، فلئن وصل المتأخِّرون إلى أن اتَّفقوا في تلك المسألة ألا يكون في ذلك إغلاقاً لباب كان مفتوحاً؟ فيكون فعلهم هذا فعلاً نظريّاً في تحقيق المسألة بحيث تكون محقَّقة لجميعهم.
    أي متأخرين يصلون إلى الاتفاق في مسألة أصولية تغلق اختلافا أصوليا كان قائماً سابقاً؟ غاية الأمر أن يصير قول المتأخرين ترجيح لأحد المسائل الخلافية، ولا يعد إجماعاً رافعاً للخلاف؛ لأن هذه المسألة عينها (الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم) مختلفٌ فيها، ولو وصل اجتهاد مجتهد أصولي بعدهم إلى خلاف ما ذهب إليه هؤلاء الذين تقول إنهم اتفقوا، بناءا على أنه قائل بعدم حجية الاتفاق الأصولي المتأخر، فلن تخرج المسألة عن ترجيحات لرأي معروف على رأي معروف..

    ولا أدري إذا كان يوجد مثال واحد غير مخدوش لما يشير إليه أصحاب الدعوى إلى النظر والاجتهاد في أصول الفقه؟ (صادر عن محله) -ولا تذكرني باجتهاد ذلك الأصولي!! أن العبرة بخصوص السبب لا عموم اللفظ!! أو باجتهاد الآخر في إبطال القياس والإجماع وسد الذرائع !!

    قلت أخي: ومع هذا نشأت بحوث كثيرة في علم أصول الفقه لم يكن قد بحثها..

    لا يلزم من ذلك عدم علمه بها، لأن المسألة كانت في التدوين، أما بعد ذلك فقد انتهى الأمر، وتم تدوين العلوم، ولم تظهر مسألة أصولية لم يتطرق إليها العلماء، وهذا المقصود بـ نضج واحترق .. وإلا ففضل الله تعالى يعطيه لمن يشاء بأن يوضح ويدقق ما قالوه، وأن يربطه بما أشار إليه السابقون، كما فعل التقي السبكي والقرافي فيما يمكننا أن نسميه تحقيق.

    وقد أغلق باب الاجتهاد، منذ زمن... والله أعلم ..

    وفقك الله ..
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  8. بارك الله فيكم مشايخنا الكرام

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •