النتائج 1 إلى 12 من 12

الموضوع: تأملات نقدية.. في مقالة شنقيطية، عنوانها (الشعوب على دين دساتيرهم).

  1. تأملات نقدية.. في مقالة شنقيطية، عنوانها (الشعوب على دين دساتيرهم).

    تأملات نقدية.. في مقالة شنقيطية
    عنوانها (الشعوب على دين دساتيرهم)
    للدكتور محمد بن المختار الشنقيطي

    استمعت لمحاضرة ألقاها الدكتور الشنقيطي في عمان عن تجديد الفهم الديني، وتعرض فيها لمسائل في الفقه السياسي بطريقة غير مرضية في نظري، ومتأثرة إلى حد كبير بمقولات الدولة العلمانية، فأحببت أن أتابع ما يكتبه حتى أفهمه أكثر، وكان مما قرأته هذه المقالة، فهضمتها وحللتها إلى تسعة أفكار تدور حولها المقالة، ثم استخرجت منها الفكرة الرئيسية المتوغلة في كل هذه النقاط.

    والذي سأقوم به هنا أني سأعرض الفكرة تلو الفكرة، ثم أسلط عليها سهام النظر والنقد، مسلطا الأضواء إلى الثقوب السوداء التي اخترمت هذه المقالة، ومقدماً رقعاً بيضاء تحل محل هذا السواد، ولن تخلو السهام النقدية عن فوائد علمية وفرائد تأملية.

    ومن آثار هذه السهام النقدية أنها ستظهر إن شاء الله بعض الحقائق فيما يتعلق بالأفكار التي يقدمها الدكتور الشنقيطي، وستكشف جهاتٍ من الخلل في تصوره لمسائل الفقه السياسي وإحاطته بها، ولكني لن أتعرض لها تصريحاً غالباً، بل سأترك الحكم للقارئ العاقل المنصف، الذي يجرد نفسه عن هواها وسيفَ نظره عن غِمده، ثم يختار عن استبصار، لا عن تقليد ومجاراة للسائد من الأفكار، وإن زُعِم أنها نهايات الأنظار!



     الفكرة الأولى:
    أن تركيز فقهائنا في الماضي كان على شخص الامبراطور وما يتسم به من صفات، أهمها الإسلام، أكثر من تركيزهم على ركام العبيد المحيطين به.

    النقد:
    ليس صحيحاً أن تركيز فقهائنا كان على شخص الامبراطور وصفاته، وحتى نكون عمليين، فها هو أعظم الكتب في السياسة الشرعية (غياث الأمم، لإمام الحرمين) يبلغ حجمه حوالي 360 صفحة، ومبحث صفات الإمام فيه لا يزيد عن 15 صفحة [254-269] دار المنهاج، وليس هذا فحسب، بل إن المبحث المختص بالأمور التي ينخلع بها الخليفة ويجب على المسلمين عزله عن الخلافة يبلغ حجمه 45 صفحة [270-314].

    فإن كان الحجم هو المقياس؛ فمبحث صفات الإمام لا يزيد عن 4% من الكتاب، ويبلغ مبحث عزل الخليفة ثلاثة أضعاف مبحث صفات الخليفة، فهل فقهنا السياسي فعلاً هو فقه يقدس الامبراطور ويركز على صفاته على حساب الشعب!؟.

    ثم إن ذكر صفات الخليفة ليس هو لمصلحة الخليفة الشخصية، بل هي صفات يُشترط أن يتحلَّى بها الخليفة حتى يكون قادراً على سياسة الدولة والأمة الإسلامية بالحنكة والعدل والحكمة، فهي لمصلحة الشعوب الإسلامية -بل الإنسانية- في دنياهم وأخراهم، وها هي كتب السياسة الشرعية بين أيادينا أكبر شاهد.

    ولكن هل كاتبنا الفاضل قد اطلع عليها فعلاً ثم توصل إلى هذا النتيجة الطاعنة في فقهائنا الأكابر!؟ أم اكتفى بما سمعه من المستشرقين والعلمانيين وردده دون أن يتوثق!!

    موعدنا مع نقد مقالته في كل جمعة!


    قال سلطان العلماء العز بن عبدالسلام في عقيدته:
    الجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان...، وعلى الجملة ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرتها، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق وظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:
    قليل منك ينفعني ولكن... قليلك لا يقال له قليل.

  2. يقول الدكتور الشنقيطي في الفكرة التي انتقدتها آنفاً:
    (نشأ الفقه السياسي الإسلامي مطبوعا بطابعين يحسن فهمهما.
    أولهما: أنه ينتمي إلى عالم الإمبراطوريات لا عالم الدول، وقد لاحظ الفيلسوف الألماني هيغل أن "المواطن الحر الوحيد في الإمبراطورية هو شخص الإمبراطور". لذلك لا عجب أن كان تركيز فقهائنا في الماضي على هذا "المواطن الحر" وما يتسم به من صفات، أهمها الإسلام، أكثر من تركيزهم على ركام العبيد المحيطين به...)


    قال سلطان العلماء العز بن عبدالسلام في عقيدته:
    الجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان...، وعلى الجملة ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرتها، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق وظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:
    قليل منك ينفعني ولكن... قليلك لا يقال له قليل.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    4,010
    مقالات المدونة
    2
    هل توجد هذه المحاضرة مسجلة على الانترنت؟
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  4. #4
    موعدنا مع نقد مقالته في كل جمعة!
    فكرة في كل جمعة.....!!!!
    هذا كم كثير من المعلومات يا شيخ عبد السلام...
    خليها كل جمعتين أو ثلاث بالمرة...!!!!
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2004
    المشاركات
    2,543
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد فودة مشاهدة المشاركة
    فكرة في كل جمعة.....!!!!
    هذا كم كثير من المعلومات يا شيخ عبد السلام...
    خليها كل جمعتين أو ثلاث بالمرة...!!!!
    على حسب ما تسمح له المدام في المذاكرة يا سيدنا
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

  6. اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد فودة مشاهدة المشاركة
    فكرة في كل جمعة.....!!!!
    هذا كم كثير من المعلومات يا شيخ عبد السلام...
    خليها كل جمعتين أو ثلاث بالمرة...!!!!
    حياكم الله سيدنا الشيخ، لم أنتبه لتعليقكم إلا صباح اليوم، أما بخصوص فكرة كل جمعة فلأني وجدت أن الردود الطويلة لا تقرأ من الأغلب إن نزلت دفعة، على كل حال؛ فسأقوم بتنزيل قدر جيد مرتين في الأسبوع بإذن الله تعالى.

    أما بخصوص المقالة يا شيخ جلال فهي موجودة على موقعه(الفقه السياسي)، وسأنزلها اليوم على المنتدى بإذن الله.

    أما أنتم يا شيخ لؤي، فقياسكم مع الفارق .


    قال سلطان العلماء العز بن عبدالسلام في عقيدته:
    الجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان...، وعلى الجملة ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرتها، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق وظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:
    قليل منك ينفعني ولكن... قليلك لا يقال له قليل.

  7. تأملات نقدية.. في مقالة شنقيطية (2)

    عنوانها (الشعوب على دين دساتيرهم)
    للدكتور محمد بن المختار الشنقيطي

    أقول بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: هذه المقالة الثانية في نقد الفكرة الثانية التي احتوتها مقالة الدكتور الشنقيطي، وفيها من التحليل النقدي ما سينال إعجاب كل عاقل منصف بإذن الله تعالى:


     الفكرة الثانية في المقالة: الإمبراطورية الإسلامية -شأنها شأن كل إمبراطورية- لم تتأسس على المساواة التامة بين مواطنيها، بل على أساس امتياز المسلمين على غيرهم ببعض المناصب والسلوكيات وخصوصاً منصب الرئاسة، وما كان فيها من تسامح ديني وسياسي محمود في وقته ليس هو ما نطمح له اليوم من تحقيق مفهوم المواطنة المعاصر، وعليه فإن بناء الدول على أساس قانون الفتح وأخوة العقيدة (كما كان حال الإمبراطورية الإسلامية) لم يعد مناسبا أخلاقيا، ولا ممكنا عمليا.


    النقد: أما كون الدولة الإسلامية لم تتأسس على المساواة التامة بين مواطنيها فهو صحيح من جهة وباطل من جهة أخرى، فهو باطل لأن الدولة الإسلامية ساوت بين جميع المواطنين في حقوق المواطنة وواجباتها، أي الحقوق التي يحتاجها كل مواطن من حيث هو مواطن والواجبات التي تجب على كل مواطن من حيث هو مواطن، ولكنها لم تساوِ في الحقوق والواجبات بين المواطن من حيث هو مسلم والمواطن من حيث هو ملحد أو مسيحي أو وثني، فالمسلم مفهوم مركب من أمرين: إنسان، ومُعْتَقِدٌ للحقِّ الذي هو الإسلام، والكافرُ مفهومٌ مركب من أمرين: إنسان، ومُعْتَقِدٌ للباطل الذي هو: ما سوى الإسلام.

    - فاليهودي من حيث هو إنسان؛ له جميع حقوق وواجبات الإنسان، أما من حيث هو كافر فليس له حقوق وواجبات الإسلام، فالدولة إن كانت قوانينها إسلامية فهل يعقل أن يكون الحاكم والقاضي بهذه القوانين كافراً يعتقدُ بطلان هذه القوانين والأحكام، لا يعقل هذا مطلقا مهما كانت الدولة إسلامية، وإلا فلا معنى لكونها إسلامية إلا الاسم فقط.


    - فالمواطن من حيث هو مواطن يستحق أن يملك ما يحتاجه من بيت أو محل تجاري أو مزرعة أو مصنع، وهذا لا فرق فيه بين المسلم وغير المسلم في الدولة الإسلامية.


    - والمواطن من حيث هو مواطن يستحق أن يعمل في أي حرفة أو تخصص ما دام مؤهلاً لهذا التخصص، فيعمل طبيبا أو مهندسا أو تاجراً أو مزارعاً أو عاملاً أو صانعاً، وكل هذا يستوي فيه المواطن المسلم وغير المسلم أيضاً.


    - والمواطن من حيث هو مواطن يستحق أن يبني مجتمعه الصغير المسمى بالأسرة، فيتزوج وينجب الأولاد ويربيهم... الخ، وهذا لا فرق فيه أيضاً بين المسلم وغيره.


    - والمواطن من حيث هو مواطن يستحق أن يستفيد من منافع الوطن العامة كالطرق والمراعي والمياه والأنهار والبحار والأسواق...الخ، وهذا لا فرق فيه أيضا بين المسلم وغيره.


    - والمواطن من حيث هو مواطن يستحق ألا يُعتدى على ماله بسرقة ولا باحتيال، ويستحق أجر تعبه وخبرته بلا استغلال وتبخيس، ويستحق ألا يظلمه أحد ويعتدي عليه بضرب ولا بشتم ولا بغير ذلك من أصناف الأذى الحسي والمعنوي، وكل هذا يستوي فيه المسلم وغيره.


    - والمواطن من حيث هو مواطن يستحق أن تقوم الدولة بحمايته وتأمينه والصرف عليه إن صار فقيراً أو عاجزاً عن العمل، وهذا لا فرق فيه بين المسلم وغيره.


    - والمواطن من حيث هو مواطن يجب عليه أن يحمي وطنه بالدفاع عنه ضد كلِّ من يعتدي عليه، وألا يتعاون مع المعتدي عليه بأي أنواع المعونة والإمداد والتجسس، وهذا لا فرق فيه بين المسلم وغيره، وإن كان لا يسمح للكافر بالجهاد؛ لأن الجهاد عبادة، وهو مكفيٌ بالمسلمين يحمونه، فإن احتاج المسلمون في القتال إلى غير المسلمين فيجوز الاستعانة بهم عند كثير من الفقهاء، ويُدفع لهم مقابل ذلك، فتأمل!


    - والمواطن من حيث هو مواطن يستحق أن يتدين بأي دين في خاصة نفسه، أي بشرط عدم إظهار شعائر دينه بين المسلمين أو الدعوة إليها في بلاد المسلمين.
    .
    .
    .
    .
    وهنا لا بد من مزيد تفريق بين المواطن من حيث هو مواطن وبين المواطن من حيث هو مسلم في هذه النقطة خاصة، فأقول:

    لما كان المسلم إنساناً يعتقد الحق؛ فجاز له أن يظهر الحق وأن يدعو إليه، ولما كان اليهودي أو الوثني مثلاً يعتقد الباطل؛ فلم يجز له أن يظهر الباطل أو يدعو إليه، تماماً كالبائع الحريص على تسويق سلعته، فإن الدولة تسمح له بتسويقها ما دامت غير فاسدة وغير ضارة بالجتمع.

    وأيضاً لما كان شرب العصير مباحاً في الدين الحق؛ جاز إظهار شربه في المجتمع ما دام لا يؤثر في المجتمع سلبياً، ولما كان شرب الخمر ممنوعاً في الدين الحق لم يجز إظهار شربه في المجتمع، بل حتى المباح في الدين الحقِّ فإنه يحرم إظهارُه إن إثَّر في المجتمع سلبياً كالعلاقة الجنسية بين الرجل وزوجته، فإنها مباحة بين الزوجين، ولكن في السر لا في العلن، فلا يجوز في الدولة الإسلامية ممارسة الجنس المباح علانيةً ولا نشر صوره؛ لأنه ينشر الرذيلة في المجتمع، وهكذا الأمر في باقي الأحكام.

    وبناء على ما سبق، فإن الدولة التي يدعوا لها الدكتور الشنقيطي عوضا عن كونها غير إسلامية قطعاً، وعوضا عن كونها دولة علمانية بامتياز، فهي أيضا دولة غبية في نظرنا؛

    - إذ تسوِّي بين المواطنين في أمور لا يتساوون فيها، مع أن الأصل أن تتساوى المتماثلات في الأحكام، وألا تتساوى المختلفات فيها.

    - ولا تسمح هذه الدولة بتسويق أي سلعة إلا إن كانت غير فاسدة، ولكنها تسمح بتسويق أي فكرة وإن كانت فاسدة، فكثير من الدول الغربية يسمح لكل فرد بالدعوة إلى أفكاره وإن كانت عبادة الشيطان أو فرج النساء ..الخ، وبعضها يشترِط لكل عقيدة يُسمح بنشرها أن يكون هناك خمسون شخصا معتقدون بصحتها؛ مهما كانت هذه العقيدة فاسدة ومُفْسدة، وغير متناغمة مع حقيقة هذا العالم مبدئه ومعاده، أي الغاية من وجوده.
    .
    .
    .
    أما الدول الإسلامية، فهي دولة إنسانية على وفق دين الإسلام:

    • فتساوي بين جميع المواطنين في القدر الذي يشتركون فيه وهو إنسانيتهم، ولا تساوي بين المواطنين في القدر الذي يتفاوتون فيه، وهو الحق والعدل والتخصص..الخ.


    • والسماح فيها بتسويق أي فكرة أو سلعة أو دين هو فرع صلاحها وعدم فسادها، بل تقوم بدعم الصالح من الأفكار والأديان والمشاريع النافعة.


    • والسماح فيها بإظهار أي فكرة أو سلوك أو سلعة هو فرع عدم تأثيرها سلبيا في المجتمع، حتى لو كانت مباحة في نفسها كالعلاقة السرِّية بين الزوجين والملابس الداخلية الفاتنة.
    .
    .
    .
    فأي الدولتين أكمل يا دكتورنا الفاضل!!، ألا زلت مصرَّاً على إظهار الدولة العلمانية بلبوس الدولة الإسلامية ساعياً في تحسين صورتها القبيحة، دولة المواطنة التي تدعونا إليها هي دولة غبية بامتياز، ولا يعنينا كونك وغيرك مفتونين فيها تبعاً لفتنتكم بالحضارة الغربية غثها وسمينها، فهذا موقف ارتضيتموه لأنفسكم في الدنيا وستُسألون عنه في الآخرة، ولا أظنكم قادرين على الإجابة حتى في الدنيا!

    على موعد جديد مع نقد جديد في كل يوم جمعة وإثنين.


    قال سلطان العلماء العز بن عبدالسلام في عقيدته:
    الجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان...، وعلى الجملة ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرتها، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق وظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:
    قليل منك ينفعني ولكن... قليلك لا يقال له قليل.

  8. هذه مقالة (الشعوب على دين دساتيرهم) للدكتور محمد بن المختار الشنقيطي.

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الناس على دين دساتيرهم
    للدكتور محمد بن المختار الشنقيطي
    (نشأ الفقه السياسي الإسلامي مطبوعا بطابعين يحسن فهمهما.
    أولهما: أنه ينتمي إلى عالم الإمبراطوريات لا عالم الدول، وقد لاحظ الفيلسوف الألماني هيغل أن "المواطن الحر الوحيد في الإمبراطورية هو شخص الإمبراطور". لذلك لا عجب أن كان تركيز فقهائنا في الماضي على هذا "المواطن الحر" وما يتسم به من صفات، أهمها الإسلام، أكثر من تركيزهم على ركام العبيد المحيطين به.
    وثانيهما: أن العقد الاجتماعي الذي انبنت عليه الإمبراطوريات القديمة، ومنها الإمبراطوريات الإسلامية المختلفة (أموية وعباسية وعثمانية) تأسس على قانون الفتح وأخوة العقيدة لا على المساواة بين موطنين أحرار، كما هو الحال في الديمقراطيات المعاصرة.
    فالإمبراطوريات تتوسع باستمرار، ولا تثبت حدودها إلا حيث تقف (أو تنهزم) جيوشها. والفاتحون هم من يملك حق الحكم السياسي، أما الشعوب المغلوبة فأمامها أحد خيارين: إما أن تباد أو تُستعبَد دون أمل في تغيير وضعها إلى المساواة مع الشعب الفاتح (كما هو الغالب في الفتوحات الرومانية والمغولية القديمة)، وإما أن تُمنح مواطنة من الدرجة الثانية مقابل ضريبة مالية، مع فتح الباب لها للمساواة إذا اعتنقت ديانة الشعب الفاتح (كما هو الحال في الفتوحات الإسلامية).
    وربما يستثير هذا الكلام عن الفتوحات الإسلامية بعض من اعتادوا التمدح بالتاريخ من الذين يخلطون بين صورته وعبرته. والحق أن المسلمين كانوا أرحم الفاتحين في العصور الوسطى، كما شهد بذلك العديد من المؤرخين الغربيين المنصفين، مثل الفرنسي "غوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب"، لكن هذا الحكم يجب أخذه في سياقه الزمني، فهي رحمة نسبية مقارنة مع توحش الفاتحين الآخرين الذين أبادوا أمما بالكامل. لكن الإمبراطورية الإسلامية ـ شأنها شأن كل إمبراطورية ـ لم تتأسس على عقد اجتماعي يسوي بين مواطنيها، وما كان فيها من تسامح ديني وسياسي ـ يستحق الفخر والإشادة في سياقه التاريخي ـ ليس قريبا مما نطمح له اليوم من تحقيق مفهوم المواطنة المعاصر.
    * الجغرافيا والعقد الاجتماعي الجديد:
    إن بناء الدول على أساس من قانون الفتح والتضامن العرقي (كما كان الحال في الإمبراطورية الرومانية والمغولية)، أو على قانون الفتح وأخوة العقيدة (كما كان حال الإمبراطورية الإسلامية) لم يعد مناسبا أخلاقيا، ولا ممكنا عمليا.
    فالدولة المعاصرة لا تتأسس على الاشتراك في الدين أو العرق، بل على أساس الجغرافيا، وإذا تحدثنا بلغة الفقهاء فيمكن أن نقول إن العقد الاجتماعي الجديد هو عقد ملكية عقارية، ولكل شريك في هذا العقد حق الانتفاع بالعقار، وحق الشفعة، وحسن الجوار، وعليه واجبات الصيانة، والدفاع، وإعادة البناء. وليس اختلاف العقيدة أو العرق بمؤثر على هذه الحقوق والواجبات. فما يجمع بين كل الدول المعاصرة هو هذه الأولية لعامل الجغرافيا على العوامل الأخرى التي كانت أساس العقد الاجتماعي في الإمبراطوريات القديمة، مثل الاشتراك في المعتقد أو العرق.
    والملفت للنظر أن العقد الاجتماعي الجديد المتأسس على الجغرافيا أكثر انسجاما مع التجربة الإسلامية الأولى في المدينة على عهد النبوة، وهي تجربة سابقة على العصر الإمبراطوري في التاريخ الإسلامي، وأوْلى بالاعتبار مصدرا للأخلاق والقوانين السياسية الإسلامية. فحينما أسس النبي صلى الله عليه وسلم أُولى دول الإسلام في المدينة، كان من بين مواطنيها مسلمون ويهود. وقد منحت الدولة الجديدة اليهود حرية الديانة وكامل المواطنة، لأنهم أعضاء مؤسسون في العقد الاجتماعي الذي قامت على أساسه الدولة، ولم تأخذ الدولة من اليهود ضريبة الجزية التي أخذها المسلمون من المواطنين غير المسلمين فيما بعد.
    والمتأمل في دستور الدولة النبوية يجد قبولا بتعدد الهوية، وإقرارا بالمعاني المتعددة لمفهوم الأمة، فهو يؤسس للأمة الاعتقادية التي ينتمي إليها كل المسلمين داخل المدينة وخارجها، والأمة السياسية التي يدخل فيها المسلم وغير المسلم على قدم المساواة. لذلك نصت الوثيقة على أن "يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم" (المادة 25)، ثم عممت الوثيقة هذا الوضع ليشمل جميع القبائل اليهودية بالمدينة (المواد 25-35). فدستور المدينة جعل كلاً من المسلمين واليهود أمة بالمعنى الاعتقادي، لكنه دمجهما في أمة سياسية واحدة تجمع بينها الجغرافيا والحقوق السياسية.
    ومن هذه الحقوق والواجبات السياسية، أن "اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" (المادة 24) وأن "بينهم النصر على مَن دهم يثرب" (المادة 44)، وأن "بينهم النصر على مَن حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبرَّ دون الإثم" (المادة 37).
    وهذا تقنين عادل واعتراف بالهوية المتعددة لمواطني الدولة الواحدة، كما أنه اعتراف بأن الأخوة بين البشر أوسع من انتمائهم الاعتقادي، وبأن انتماءهم الاعتقادي أوسع من هويتهم الوطنية والقومية. وفي هذا عبرة عميقة إذا وعيناها فستكون خير عون لنا على ترتيب العلاقة بين العروبة والإسلام، وبين المواطنين المسلمين والمواطنين غير المسلمين في الدول العربية المعاصرة.

    * ولاية غير المسلم رئاسة الدولة:
    تشترط العديد من دساتير الدول العربية أن يكون رأس الدولة مسلماً، وهو أمر يثير إشكالا حول المساواة السياسية بين المواطنين، والأهم من ذلك أنه يجعل أساس العقد الاجتماعي التي تتأسس عليه الدولة العربية المعاصرة ملتبسا.
    وقد تتبعت جذور هذا الرأي في التراث السياسي الإسلامي، فوجدت أنه رأي فقهي مبني على مصلحة حقيقية في عصر الإمبراطوريات، حينما كان الناس على دين ملوكهم، لكنه ليس مبنيا على نص من الوحي الإسلامي، والآية التي كثيرا ما يستشهد بها القائلون بهذا الرأي استشهادا متعسفا: "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا" (سورة النساء، الآية 141) لا صلة لها بالموضوع، إذ هي تنتمي إلى الخطاب القدَري لا إلى الخطاب الشرعي.
    ولو عاش فقهاؤنا المعاصرون في عصر الماوردي أو ابن تيمية لما أخذتُ عليهم الأخذ بهذا المذهب السياسي على أية حال، فديانة رأس الدولة في الإمبراطوريات القديمة هي التي تحدد ديانة الدولة والشعب. لكننا لم نعد نعيش في عصر إمبراطوريات، ولم يعد من الخطر على الإسلام أن يكون رأس الدولة غير مسلم، لأن علاقة الدولة بالدين يحددها الدستور، لا عقيدة الرئيس أو ذوقه الشخصي. والناس اليوم على دين دساتيرهم لا على دين ملوكهم. وليس ما حقق المصلحة في القديم بمحقق لها في عصرنا بالضرورة. بل إن العدل والمصلحة يكمنان اليوم في بناء دول ديمقراطية حرة يستوي فيها مواطنوها بغض النظر عن المعتقد والعرق.
    ومن المؤسف أن الفكر السياسي الإسلامي المعاصر لم يحسم هذا الأمر حتى الآن، رغم المحاولات الخجولة هنا وهناك, وإليكم الأمثلة:
    أولا: كتب الإمام الشهيد حسن البنا في (رسالة التعاليم) المطبوعة ضمن مجموعة رسائله: "والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام، غير مجاهرين بعصيان، وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه. ولا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة، في غير مناصب الولاية العامة".
    ونسي الإمام البنا أن المواطن غير المسلم ليس عنصرا خارجيا غريبا يستعان به "عند الضرورة" فقط، بل هو عضو مؤسس في العقد الاجتماعي التي تقوم عليه الدولة المعاصرة وشريك أصيل في بنائها، وهي ليست دولة فتوح ينقسم مواطنوها إلى فاتح منتصر ومغلوب خانع، كما كان الحال في الماضي.
    ثانيا: كتب الشيخ العلامة يوسف القرضاوي في كتابه (غير المسلمين في المجتمع المسلم): "ولأهل الذمة الحق في تولى وظائف الدولة كالمسلمين، إلا ما غلب عليه الصبغة الدينية كالإمامة ورئاسة الدولة والقيادة في الجيش، والقضاء بين المسلمين، والولاية على الصدقات، ونحو ذلك".
    وزاد الشيخ الكريم في كتابه (الدين والسياسة): "وما عدا هذا المنصب الحساس [رئاسة الدولة] فالمجال مفتوح لغير المسلمين في كل ما يُحصِّلون شروطه، ويمتلكون مؤهلاته، ومن ذلك منصب الوزارة كما ذكر الإمامان: أبو الحسن الماوردي، وأبو يعلى الفرَّاء في (الأحكام السلطانية) من تولي أهل الذمة وزارة التنفيذ، وهناك بعض الوزارات لها حساسيات واعتبارات معيَّنة، مثل: وزارة الدفاع، ووزارة الداخلية...".
    وهذا اعتماد من الشيخ ـ وهو المجتهد المجدد ـ على الفقه القديم دون تدقيق مؤصِّل، وتوسيع لمفهوم الوظائف الدينية دون دليل. ونحن اليوم في مسيس حاجة إلى الخروج من طوق الفقه السياسي القديم وفهم سياقاته التاريخية الموجِّهة، وبناء فقه سياسي جديد يعتمد روح الوحي وحاجة العصر.
    ثالثا: كتب الشيخ راشد الغنوشي في كتابه (الحريات العامة في الدولة الإسلامية): "فالجميع [جميع الفقهاء] متفقون على أن الحاكمية العليا هي الشريعة، وأنه لا تجوز ولاية غير المسلم على المسلم وخاصة في بلد غالبيته إسلامية". وفي موطن آخر: "وليس أمام غير المؤمنين بالإسلام إلا أن يسلموا ليتمتعوا بالحقوق العامة للمواطنة، ومنها الارتقاء إلى حق رئاسة الدولة الإسلامية أو رئاسة مجلس الشورى أو قيادة الجيش أو رئاسة مجلس القضاء الأعلى مثلا".
    أما نقل الشيخ الغنوشي اتفاق فقهاء الماضي على رفض ولاية غير المسلم رئاسة الدولة فنقل صحيح، لكن اتفاقهم كان مبنيا على مصلحة في العصر الإمبراطوري، وليس مستمدا من نص في القرآن أو السنة حتى نجعل منه دينا. وأما اشتراطه الإسلام للحصول على كامل الحقوق السياسية فتحكُّم لا ينسجم مع مفهوم العدل الإسلامي الذي يشمل المسلم وغير المسلم على حد السواء: "وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" (سورة الشورى، الآية 15).
    * ضحايا للظلم ومسوغون له!
    فهذه الأمثلة الثلاثة تدل على أن بعض العُقَد النظرية في فقهنا السياسي تحتاج إلى حل، وبدون ذلك لن يكون طريق المستقبل أمامنا سالكا، ومما يبشر بالخير أن صحوة خجولة بدأت بالفعل في هذا الاتجاه، فالشيخ الغنوشي تخلى عن رأيه في كتابه المنشور في الثمانينات، وأصبح من القائلين بالمساواة السياسية الكاملة بين المسلم وغير المسلم، والشيخ القرضاوي لم يعد يرى بأسا في ترشح القبطي لرئاسة مصر (حسب ما ينقل عنه الأستاذ هويدي في مقاله السابق)، وقد قبل تولي المرأة رئاسة الدولة في رمضان الماضي، ود. محمد عمارة يرى أنه "يمكن التفكير بأن تكون المرأة أو غير المسلم على رأس الدولة" بناء على الفارق النوعي بين الدولة القديمة والحديثة.
    لكن هذه الصحوة الخجولة تحتاج إلى تثبيت وتأكيد بأصوات لا تخشى تديُّن العوام، ولا سطوة الفقهاء.. أصوات تؤمن بأن جوهر الإسلام هو القيام بالقسط، وأن أساس التدين الصادق هو حرية الفرد لا سطوة الدولة.
    وليس يعني هذا أن العلمانية الغربية هي الحل لعقدنا السياسية الحالية، بل الحل هو الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، وكل إحلال للقوانين الأوربية محل الشرع الإسلامي لن ينجح دون قهر لأغلب المواطنين، وإذا كنا ضد قهر الأقليات غير المسلمة والتحيز ضدها، فنحن ضد قهر الأغلبية المسلمة أو مصادرة خيارها من باب أولى، لكن المرجعية الإسلامية تحتاج إلى من يميز بين الوحي والتاريخ، ليقدمها للناس مصدراً للمساواة والبر والقسط، أما من يستأسر لصور تاريخية عتيقة، ويريد صياغة الكون على مقاسها، فهو لن يقيم دولة القسط مهما يبذلْ من جهد أو يقدمْ من تضحيات.
    إن القرآن الكريم يعلمنا أن غاية كل الرسل والرسالات هو القيام بالقسط: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط" (سورة الحديد 25)، والعدل قيمة مطلقة وقانون أزلي لا يَخرمه اختلاف المعتقد أو الأوطان أو الأجناس، كما أكد ابن تيمية ببلاغة في قوله: "إن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقا لا يباح بحال" (ابن تيمية: منهاج السنة 5/126).
    فمن التناقض الأخلاقي والمنطقي أن ندعو إلى دولة الحرية والمساواة والعدل، ونحن نحرم مخالفينا في المعتقد أو العرق أو الوطن من هذه القيم. وقد لخص الأستاذ فهمي هويدي المفارقة التي يعيشها بعض الإسلاميين في هذا المضمار ضمن تعليقه على البرنامج السياسي للحزب الذي تقدم به الإخوان المسلمون بمصر عام 2007، فكتب إن "الإخوان في البرنامج بدوا ظالمين ومظلومين في الوقت ذاته" (الشرق الأوسط 02/10/2007)، فإلى متى نظل أول ضحايا الظلم وأكبر المسوغين له؟.) أ.ه


    قال سلطان العلماء العز بن عبدالسلام في عقيدته:
    الجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان...، وعلى الجملة ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرتها، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق وظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:
    قليل منك ينفعني ولكن... قليلك لا يقال له قليل.

  9. (التأمل الثالث) ....

    تأملات نقدية.. في مقالة شنقيطية
    عنوانها (الشعوب على دين دساتيرهم)
    للدكتور محمد بن المختار الشنقيطي

    أقول بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: هذه المقالة الثالثة في نقد الفكرة الثالثة التي احتوتها مقالة الدكتور الشنقيطي، فقراءة ماتعة بإذن الله تعالى:

    الفكرة الثالثة في المقالة:
    يرى الكاتب أن العقد الاجتماعي الجديد (المواطنة) المتأسس على الجغرافيا لا العقيدة أكثر انسجاما مع التجربة الإسلامية الأولى في المدينة على عهد النبوة، وهي تجربة سابقة على العصر الإمبراطوري في التاريخ الإسلامي الشامل للدولة الأموية حتى العثمانية، فالدولة الإسلامية في المدينة لم تجعل الدين أساس ما يتعاقد عليه أفراد المجتمع فيها، بل جعلت المواطنة المبنية على جغرافيا يثرب هي الأساس، أما الامبراطوريات الإسلامية بعد ذلك فقد جعلت رابطة الدين هي أساس ما يتعاقد عليه ساكنو الدول الإسلامية، وهو ما يخالف الأساس الذي أقامه النبي صلى الله عليه وسلم.

    ويرى الكاتب أن الدولة التي أسسها النبي في المدينة قد منحت اليهود حرية الديانة وكامل المواطنة، ولم تأخذ الدولة من اليهود ضريبة الجزية التي أخذها المسلمون من المواطنين غير المسلمين فيما بعد.

    ... ... ...
    النقد: الحقيقة أن كلام الكاتب هنا مضحك للغاية، فهو يحاول أن يفرق بين الدولة الإسلامية زمن النبي صلى الله عليه وسلم والدولة الإسلامية فيما بعد في أمر مشترك في هذه الدول جميعاً_لا مفترق_، فهو يقول إن دولة النبي قد اعتمدت أساس المواطنة ولم تأخذ الجزية من اليهود الساكنين في المدينة، أما الدولة الإسلامية بعد ذلك فقد اعتمدت أساس الدين كرابطة بين المجتمع الإسلامي، ولا أدري كيف توصل إلى هذا التفريق العبقري الذي يمكن لأي عاقل نقده بسهولة، بل أي علماني –عوضا عن أي إسلامي- قادر على إبطال هذا الكلام الغريب، ولعل الكاتب لم يجرؤ على الطعن في دولة النبي صلى الله عليه وسلم حفاظاً على مشاعر المسلمين وتمريراً لكلامه بينهم، أو أنه فِعْلاً جاهل إلى هذا الحد المتدني.


    على كل حال؛ فالكاتب ذكر حكمين ينافيان أساس المواطنة التي قامت عليها دولة المدينة، الأول هو منع الكافر من رئاسة الدولة الإسلامية، والثاني هو فرض الجزية على غير المسلمين، وقد شنع الكاتب وزعق بأعلى صوته احتجاجا على هذين الحكمين الجائرين في نظره، واللذان هما من اختراع الفقهاء والامبرطوريات الإسلامية بعد دولة النبي صلى الله عليه وسلم.


    فهل حقيقة كانت دولة النبي صلى الله عليه وسلم لا ترضى بهذين الحكمين؟
    الجواب: أما أولاً فالكاتب هو المطالب بإثبات أن دولة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقبل بكلا الحكمين، ولكن الكاتب لم يأتِ بأي دليل على أن دولة النبي صلى الله عليه وسلم قد سمحت لغير المسلمين -ولو من حيث المبدأ- برئاسة الدولة ولا أنها لم تفرض عليهم الجزية.


    ولكي نسهل الأمر على هذا الكاتب المطلع جيدا على السنة النبوية؛ سآتي له بالأدلة المناقضة لما قاله من نفس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته.


    - قال تعالى: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29))، فها هو لفظ الجزية بنص القرآن، فالرسول لا بد أن يمتثل أمر الله له بأخذ الجزية، إلا إن كان عند كاتبنا احتمال آخر.


    2- (..أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا)،[البخاري].


    3- (..فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ؛ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ -تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ- إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا صلى الله عليه وسلم أَنْ نَقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ ، أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ) [البخاري].


    4- قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)، [البخاري].


    5- عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِى خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ... وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ... فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ)، [صحيح مسلم].


    6- عن مالك عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب :أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام.[موطأ مالك].


    7- عن بجالة : أن عمر كان لا يأخذ الجزية من المجوس حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه و سلم أخذ الجزية من مجوس هجر. هذا حديث حسن صحيح [الترمذي].


    8- (...وشكوه إلى أبي طالب فقال يا ابن أخي: ما تريد من قومك ؟ قال إني أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم العرب وتؤدي لهم العجم الجزية). قال أبو عيسى هذا حديث حسن [الترمذي].


    9- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى سُلَيْمَانَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ فَأُخِذَ فَأَتَوْهُ بِهِ فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ.[أبو داود].


    10- عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ - يَعْنِى مُحْتَلِمًا - دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِىِّ ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ.[أبو داود.]
    .
    .
    .
    .
    .
    وأظن أن في هذا القدر من الأحاديث الدالة على أخذ النبي الجزية من غير المسلمين كفاية!، والدكتور الشنقيطي قد اعتمد على وثيقة المدينة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود وأنه ليس فيها الجزية، وهذا يضحك الثكالى، فكأن الدولة لم يكن فيها إلا يهود بحيث يكون عدم الأخذ منهم خاصة يكون معناه عدم الأخذ من غير المسملين عامة، هذا أولاً.


    وأما ثانياً، فالآية الصريحة بأخذ الجزية من اليهود لم تنزل إلا في فترة متأخرة في المدينة، فحكم الجزية شُرِعَ متأخراً، وما ذنب الفقهاء في أنهم اطَّلعوا على جميع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يَطلع كاتبُنا إلا على ما يوافق هواه!.


    وعلى كل حال، فالنبي بناء على أساس المواطنة قام بفعل الآتي:

    * عن أبي هريرة رضي الله عنه: (بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَالَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ وَإِلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.[البخاري]، فالرسول أخرج اليهود من موطنهم، بل كان من آخر وصاياه: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" كما جاء في الصحيح، مع أن المشركين واليهود كانوا مواطنين.!

    خاتمة!
    أقولها بصراحة؛ المواطنة: كلمة حق أريد بها باطل، فالمعنى اللغوي المفهوم من المواطنة مقبول ولكنه ليس هو فقط الأساس الذي تقوم عليه الدولة كما مر بيانه في التأمل الثاني، أما المفهوم الفلسفي للمواطنة والنابع من الفلسفة العلمانية فهو الفاسد، وهو الذي يدعو إليه صاحبنا الشنقيطي بدليل أن يرفض أن يكون الدين هو أساس الدولة والرابطة الاجتماعية فيها، ومن أراد التوسع فليرجع إلى كلام شيخ الإسلام مصطفى صبري عن الجنسية الإسلامية، وليقارن بين السمين من كلامه وبين الغث من كلام غيره.


    قال سلطان العلماء العز بن عبدالسلام في عقيدته:
    الجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان...، وعلى الجملة ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرتها، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق وظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:
    قليل منك ينفعني ولكن... قليلك لا يقال له قليل.

  10. تأملات نقدية.. في مقالة شنقيطية (التأمل الرابع.. والقاطع.. والماتع!!)

    عنوانها (الشعوب على دين دساتيرهم)
    للدكتور محمد بن المختار الشنقيطي

    أقول بعد الحمد لله صاحب الخلق والأمر الماضي، والصلاة والسلام على رسول الله المبلغ والحاكم والقاضي:

    هذه المقالة الرابعة في نقد الفكرة الرابعة والأهم التي احتوتها مقالة الدكتور الشنقيطي، وذكرتُ في أثناء الرد من معالم الدولة في الإسلام ما يُسرُّ به كل حاذقٍ متعطشٍ للعلم والمعرفة.

    فقراءة ماتعة بإذن الله تعالى، ولا تنسونا من دعائكم لنا مقابل ما أعجبكم، ومن نقدكم علينا مقابل ما عكَّر بالَكُم.
    .
    .
    .
     الفكرة الرابعة في مقالة الدكتور:
    لم يعد من الخطر على الإسلام أن يكون رأس الدولة غير مسلم، لأن علاقة الدولة بالدين يحددها الدستور، لا عقيدة الرئيس أو ذوقه الشخصي، والناس اليوم على دين دساتيرهم لا على دين ملوكهم، وليس ما حقق المصلحة في القديم بمحقق لها في عصرنا بالضرورة.
    .
    .
    .
    .
    النقد:
    لو سلمنا أن علاقة الدولة بالدين في الدولة المعاصرة يحددها الدستور فقط، وليس لرئيس الدولة أي تأثير في القوانين المطبقة على الناس ولو بوسائط واحتيال، مع أن هذا مستحيل واقعياً، لكن لو سلمنا ذلك فظاهر كلام الدكتور يوحي-في هذا الموضع فقط- بأنه لا عبرة بكون الرئيس مسيحياً أو ملحداً مثلاً ما دام الدستور إسلامياً، فالدستور الإسلامي يستحيل أن يوجد فيه ما يخالف الأحكام الشرعية المتفق عليها، وما الرئيس إلا وسيلة لتنفيذ هذا الدستور الإسلامي.


    فالرئيس بعبارة أخرى لا يملك السلطة التشريعية بحيث يشرِّع من القوانين ما يخالف الأحكام الإسلامية، بل هو صاحب السلطة التنفيذية، وليس له إلا التنفيذ، أما السلطة التشريعية فهي للإسلام، فلا خطر على الأحكام الإسلامية مطلقاً، بهذا يوحي كلام الدكتور-ويا ليته قال به-، وهو يحاول بهذا الكلام أن يظهر لنا معقولية عدم اشتراط إسلام الحاكم.


    ولكن الحقيقة المرَّة هي أن الدكتور الشنقيطي لا يشترط في الدستور ألا يخالف الأحكام الشرعية المتفق عليها، بل ولا يشترط أن تكون السلطة التشريعية في الدولة هي للإسلام، بل على العكس، فالدكتور الشنقيطي يشترط أن لا تكون السلطة التشريعية في الدولة هي للإسلام؛ بحيث لا يُقبل أي قانون يخالف الإسلام، بل هو يشترط أن تكون السلطة التشريعية بيد الشعب لا بيد الشريعة، وعلى ذوق الشعب الشخصي!!


    فالشعب إن أراد بعض الأحكام الإسلامية فحينها يصير هذا الحكم الشرعي قانونياً وملزماً، فالحكم الشرعي اكتسب دستوريته وإلزاميته ومشروعيته لا لأن الله قد شرعه، بل لأن الشعب المقدس المعصوم هو الذي قد شَرَعَه، ولو تغيرت وجهة نظر الشعب أو غَلَّب الشعبُ مصالحه على تقواه ورأى أن يُشرِّع غير الحكم الشرعي فله ذلك، فتزول الصفة القانونية للحكم الشرعي لأن الشعب قد اختار غيرَه، فالشعب هو إله نفسه والحاكمية له لا لله عند الدكتور الشنقيطي، وأنا أتحدى أن ينفي الدكتور هذا المعنى عن نفسه!، وإن كنتُ أتمنى له الهداية بالرجوع عنه، فهو رأي الفلسفة العلمانية، وهو عين فصل الدين الإسلامي عن السياسة، ولا أظن الدكتور الشنقيطي جاهلاً بذلك!!


    ومن باب توضيح حال الدستور في الدولة الإسلامية، والتي لا يريدها الدكتور مفضلاً عليها الدولة العلمانية الشرقية، أقول:

    هناك نوعان من القوانين، فهناك القوانين الدستورية، أو ما فوق الدستورية، وهي القوانين الثابتة التي لا تتغير، بل هي الميزان والمعيار لكل قانون يجوز أن يشتمل عليه الدستور، بحيث يُرَدُّ أيُّ قانونٍ يخالفها؛ سواء صدر من قبل الرئيس أو المجلس النيابي أو التصويت المباشر للشعب، فهذه قوانين ثابتة لا تتغير، وهي التي تحدد طبيعة الدولة وتضمن عدالتها وتحقيقها لغايتها، سواء كانت هذه الدولة إسلامية أو علمانية ليبرالية أو اشتراكية...الخ، فكل دولة من هذه الدولة عندها قوانين دستورية لا تنقض، وبقدر احترام الشعب والحكومة لهذه القوانين يكون ازدهار الدولة وضمان تحقق العدالة فيها دون تقلبها بحسب مصالح القوى المتعددة في الدولة أو خارجها.


    فلو صوَّت المجلس النيابي –أو أغلب الشعب- في الدولة العلمانية على تجريم الإلحاد مثلاً ومعاقبة الملحدين، أو منع الوثنيين من الدعوة إلى دينهم، فإن هذا القانون يُرفض ويُنقض من قبل الدستور لأنه يخالف الأسس الأيدلوجية للدولة العلمانية، وكذلك الحال في الدولة الإسلامية، فكل حكمٍ شرعيٍ متفقٍ عليه بين العلماء فإنه حكمٌ دستوري في الدولة الإسلامية، فلا يجوز نقضه أو سنُّ ما يتعارض معه بحال، حتى لو كان مصدر المخالفة هو الشعب أو الخليفة أو أي جهة أخرى داخلية أو خارجية، فالقانون الدستوري هي القانون الأساسي الثابت، وبناءً عليه تتحدد طبيعة الدولة من كونها إسلامية أو علمانية أو يهودية أو اشتراكية...الخ.


    وهناك صنفٌ آخر من القوانين لا تكون دستورية، فليس لها صفة الثبات والإلزام الدائم والمعيارية لصحة ما سواها من القوانين، وهي في الدولة غير الإسلامية تكون إما بحسب الشعب أو الرئيس أو المجلس النيابي أو غير ذلك من جهات التشريع عندهم.


    أما في الدولة الإسلامية؛ فالقوانين غير الدستورية نوعان:

    1- النوع الأول: الأحكام الشرعية المختلف فيها بين الفقهاء، فإذا كان في المعاملات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو غيرها عدة آراء شرعية، وكانت جميعها محتملة ومعتبرة وإن كان بعضها أقوى من بعض، فهذه يجوز للسلطة التنفيذية -ممثلةً بالرئيس ومَن ينوب عنه- أن تأخذ منها ما تشاء، سواء كان المرجِّح للأخذ منها هو الدليل وقوته، أو المصلحة وما يناسب الواقع، فهذا لا يضر هنا.

    فيجوز للرئيس أو المجلس النيابي أو الشعب مباشرة أن يُصوِّت ويختار أحد هذه الآراء ما دامت كلها في دائرة الاختلاف المحمود، ولكن لا يجوز له أن يختار حكماً غيرها أو يشرع قانونا يتعارض مع جميعها، بل لا بد أن يوافقها بالجملة باختيار أحدها، وهذه القوانين يمكن أن تتغير بحسب ما يراه الحاكم أو المجلس النيابي أو غير ذلك، وهذا من سعة الإسلام ورحابة السلطة التشريعية فيه، فقد يكون بعض الآراء أكثر مناسبة لحال الناس ومصلحتهم في الواقع، فتأمل عظم الشريعة وما فيها من أدوات وكيفيات تضمن صلاحها لتكميل البشر وقيادتهم في كل زمان ومكانٍ، بخلاف الدولة العلمانية الغبية.


    2- والنوع الثاني من القوانين هذه: الأحكام الشرعية التابعة للمصلحة والمفسدة ابتداءً، فالأدلة الشرعية إن لم يوجد فيها ما يدل على حكم مسألة بخصوصها فيكون حكم الله فيها تابعا لما نراه من المفاسد والمصالح المترتبة عليها، فالله فوَّضنا وأوكل إلينا أن نشرع من القوانين ما نحقق به مصالحنا وندفع المفاسد عنا وعن العالم الذي نعيش فيه.


    فإن توقف انتظام السير على الإشارات المرورية فللخليفة أو المجلس النيابي أو وزارة النقل والمواصلات أن تلزمنا بالسير عليها، وكذلك نقول في قوانين البحار والطيران والصناعة وغير ذلك مما ليس فيه حكم شرعي خاص، بل مقاصد الشريعة هي الملحوظة في تشريعها، ويُرجع فيها لأهل الخبرة فيها، ويجوز تغييرها وتبديلها كلما تغير الواقع أو تبدلت المصلحة.


    ولا يخفى أن أهم هذه القوانين وأخطرها هو القوانين الدستورية "القانون الأساسي"، إذ لا يمكن التلاعب فيها في الدولة الإسلامية بحال، ولا يمكن أن تخضع لحسابات المصلحة والقوة كما قد يحصل في القوانين الدستورية في الدولة العلمانية وغيرها، إذ القوانين فيها تابعة إما لمصلحة أغلبية الشعب وهواه أو مصلحة الرئيس وهواه، بل حتى المشرعون الذين يُشرعون القانون الدستوري في الدولة غير الإسلامية لا يمكن تجريدهم من بشريتهم الحريصة على مصالحهم، أو على الأقل فبشريتهم لا تمكنهم من إدراك مصالح جميع الناس واحتياجاتهم الحقيقية، فيشرعون في ضوء خبرتهم الزمانية والمكانية، وما يرونه مصلحة في حياتهم الشخصية مع أن مصالح كثير من الناس قد لا تتحقق بناء على قوانينهم، بخلاف القانون الإسلامي صاحب المصدر الإلهي، إذ الله لا يحابي أحداً، والخلق كلهم عيالُه، فيشرع من القوانين ما ينظم العلاقة بينهم ويعود عليهم بالفوز في دنياهم وآخرتهم.


    هذا عوضاً عن أن القوانين الدستورية نفسها يمكن تغييرها في الدولة العلمانية، فالبشر عرضة النقص، وهذا هو الواقع فعلاً، فلا يوجد ضمان حقيقي يمنع قوى التأثير والضغط والسلطة في الدول العلمانية من تشريع ما يحقق مصالحها الشخصية ويُمكنْها من الاستبداد، وهذه من الخصائص الكبرى التي تضمن قوة الدولة الإسلامية وعدالتها حتى في أحلك ظروفها، فلا أحد في الدولة الإسلامية يستطيع أن يتلاعب بالقانون بحسب هواه ومصالحه المتغيرة.


    فالفساد والظلم حتى إن وقع فهو لا يقع مُشرعناً في الدولة الإسلامية، بل يقع مخالفا للدستور والقانون بحيث تكمن عملية الإصلاح عندنا بالضغط على السلطة التنفيذية للالتزام بالشريعة والقانون ، فلا مكان لتشريع الظلم والفساد في الدولة الإسلامية، وهو ما لا يتوفر في الدول العلمانية حتى الحالية منها، فحتى لو عدلت وأنصفت حالياً فأسباب زوال العدل مركوزة في نظامها الدستوري، والذي لا يُؤمَنُ تغيره وتلاعب الأطماع فيه مهما ضعفت هذه الدول أو افتقرت، والعز لا يبقى لأحد، وإن غداً لناظره قريب.


    بل بعض الخلل من الآن قد حصل، مثل منع الحجاب في دولة الحرية والثورة الأولى، وذكر الأمثلة يطول، وليس وحيدَها تجريمُ من ينكر تحريق النازية لليهود ومعاقبته وتغريمه، مع أنه رأي شخصي له، وقد يكون له ما يدعمه من الشواهد، في حين يَنْعَم الملحدون والمفسدون بحرية التعبير عن آرائهم والدعوة إليها دون أي تضييق يُذكر، مع أن تجريم إنكار المحرقة لليهود يتعارض مع دستور الدولة العلماني الكافل للآراء البشرية بالحرية المزعومة، ولكن الظاهر أن اللوبي الصهيوني استطاع بضغطه أن يجعل الدولة العلمانية –في ذروة قوتها- تخالف أحد أهم مبادئها الدستورية المقدسة، مع أنه لم يستطع أن يجبر خليفة الدولة الإسلامية –في ذروة ضعفها- على السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين لأنها أرضٌ وقفية، فتأمل أهمية الثبات في الدستور والذي يستحيل أن يظل ثابتا في الدولة المدنية "العلمانية" ما دام بوضع البشر المتفاوتين، وفي الأمكنة والعصور المتفاوتة.


    فأي الدولتين أكمل أيها الدكتور، الإسلامية أم العلمانية الشرقية!، اللهم أزل الغشاوة عن عيوننا وعيون المسلمين أجمعين، في زمنٍ اغترَّ فيه أكثر الخلق بالبريق الزائف للحداثة الغربية، والتي لا تقف على عُودها إذا ما قورنت بالنظام الإسلامي الإلهي، وما كان من عند الباقي فسيبقى، فكمال الدولة من كمال دستورها، وكمال دستورها من كمال النظام التشريعي فيها، إذ ما سواه منفِّذٌ أو مُقيِّم، ولا أكمل من صاحب الكمال الأزلي المطلق، وإن زعم سوى ذلك الزاعمون!!
    ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾.


    قال سلطان العلماء العز بن عبدالسلام في عقيدته:
    الجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان...، وعلى الجملة ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرتها، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق وظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:
    قليل منك ينفعني ولكن... قليلك لا يقال له قليل.

  11. تأملات نقدية.. في مقالة شنقيطية (التأمل الخامس.!)
    عنوانها (الشعوب على دين دساتيرهم(
    للدكتور محمد بن المختار الشنقيطي

    أقول بعد الحمد لله الواحد، والصلاة والسلام على رسول الله وآله الأماجد:
    هذه المقالة الخامسة في نقد الفكرة الخامسة التي احتوتها مقالة الدكتور الشنقيطي.

    الفكرة الخامسة في مقالة الدكتور
    يذكر الكاتب أن جميع الفقهاء والدول الإسلامية كانوا يشترطون إسلام رأس الدولة، فلا يقبلون كون رئيس الدولة ملحداً أو يهودياً أو بوذياً مثلاً، وقد تتبع الكاتب جذور هذا الرأي في التراث السياسي الإسلامي، فوجد أنه رأي فقهي مبني على مصلحة حقيقية في عصر الإمبراطوريات، حينما كان الناس على دين ملوكهم، لكنه ليس مبنيا على نص من الوحي الإسلامي، فهو ليس رأياً شرعياً ولا يوجد عليه نصوص شرعية تدل عليه، والآية التي كثيرا ما يستشهد بها القائلون بهذا الرأي "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا"، فاستشهادهم بها متعسف، لا صلة لها بالموضوع.

    تمهيد قبل النقد
    للدولة الإسلامية حقيقة معروفة طلبها منا الشارع، وهي السلطة العامة الملتزمة بجميع الأحكام الشرعية سواء كانت تفصيلية أو إجمالية، والتي تنظم العلاقات المتعددة بين البشر بما يصلح حياتهم في الدنيا والآخرة، وكلامنا هنا عن حقيقة هذه الدولة الإسلامية المطلوبة.
    فإن كان المتاح لنا في هذا الوقت –لأسباب كثيرة- لا يمكِّنُنا من إقامة الدولة الإسلامية المطلوبة فهذا لا يغير من حقيقة الدولة الإسلامية شيئاً، بحيث تصبح حقيقة الدولة الإسلامية هي ما هو متاح في هذا الوقت وإن لم يكن كلَّ المطلوب شرعاً.
    نعم؛ المتاح لا يجوز إهماله، ولكن أيضاً فإن المطلوب لا يجوز تحريفه وإلغاؤه.
    فكلامنا مع الدكتور الشنقيطي هنا هو عن حقيقة الدولة الإسلامية كما هي مطلوبة شرعاً لا عما هو متاح لنا منها اضطراراً، إذ ما لا يدرك كلُّه لا يترك جله.

    النقد:
    الدكتور الشنقيطي تتبع النصوص الشرعية فلم يجد أي نص يشترط كون الخليفة مسلماً، فهذا الشرط من اختراع الفقهاء، ولكن هل هذا الكلام صحيح، لنتأمل هذا الحديث:

    روي عن عبادة بن الصامت فيما بايع عليه النبي صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) [صحيح البخاري].

    فالنبي ينهانا عن منازعة الأمراء في حكمهم إلا إن رأينا منهم كفرا ظاهراً، فإذا كانت منازعتهم في حكمهم مرهونة بظهور الكفر منهم، فهل يجوز توليهم الرئاسة حال كونهم كافرين ابتداءً، الحديث أظهر من التعليق عليه في الحقيقة، ومن شدة ظهوره لعل الدكتور الشنقيطي لم يره أو لم يفهمه، فشدة القرب حجاب كما يقولون!

    وحديث آخر عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِىَ وَتَابَعَ ». قَالُوا أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ قَالَ « لاَ، مَا صَلَّوْا ».[صحيح مسلم]، وهنا نسأل: هل الكافر يصلي أصلاً، لعل الدكتور الشنقيطي يجوِّز رئاسة الدولة الإسلامية للكافر الذي يصلي فقط، أما الكافر غير المصلي فلا تجوز أمارته، وهنا نسأل أيضاً: أليس الكافر غير المصلي مواطناً أيضاً؟ فلماذا نحرمه من الرئاسة بسببٍ ديني، وهو الصلاة! أين التساوي في حقوق المواطنة المقدسة عند الدكتور الشنقيطي!؟

    وأنا لن أستغرق الآن في استعراض المؤيدات والمؤكدات المتعددة المثبتة لاشتراط إسلام الإمام أو الخليفة، ولن أغوص في حكِم ومقاصد هذا التشريع الذي تواتر بين المسلمين منذ أربعة عشر قرناً، ولن أحاول عرض هذا التشريع ضمن منظومة قانونية ودستورية تظهر عظمة دين الإسلام وصلاحه لإصلاح البشرية في شتى مراحلها وأماكنها، فهذا سيكون قريباً في تأملات نقدية جديدة لما كتبه أحد دكاترة الأزهر-وهو عضو في لجنة الخمسين- المتشبعين بحليب الحداثة والعلمانية من حيث علموا أو جهلوا، حيث سيتركز الكلام على هذه المسألة بالتحديد.

    ولكني سأسأل الدكتور قائلاً له: ما هي طبيعة الأدلة التي تطلبها لإثبات أن إسلام رئيس الدولة الإسلامية هو شرط ثابت أصلي لا خلاف فيه، ما هو كم وكيف هذه الأدلة التي تطلبها لإثبات أن أمراً ما هو من أصول الإسلام وقطعياته، لن أجاوب، ولكني سأسألك ثلاثة أسئلة كافية في التنبيه على سر الجواب:

    1- ما هي الأدلة القطعية الثبوت والدلالة على حرمة زواج المسلمة بأكثر من رجل.

    2- ما هي الأدلة القطعية الثبوت والدلالة على حرمة أكل النجاسات الجافة "الغائط".

    3- ما هي الأدلة القطعية الثبوت والدلالة على وجوب وجود أطباء وغير ذلك من التخصصات الحياتية؟

    وهناك غيرها من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، فما هو جوابك وجواب أمثالك في هذه المسائل فهو جوابي في مسألة شرطية إسلام الإمام.
    والسلام.


    قال سلطان العلماء العز بن عبدالسلام في عقيدته:
    الجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان...، وعلى الجملة ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرتها، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق وظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:
    قليل منك ينفعني ولكن... قليلك لا يقال له قليل.

  12. #12
    [SIZE=4]جزاكم الله كل خير و نفع بكم يا شبخ أبا خلف...
    لو أكملت ما بدأت لكان أنفع و أثرى ..و قد وعدت بذلك فف بوعدك يرحمك الله..
    خاصة أن هذا الشنقيطي المتطرف في شططه و خبطه و خطله يتصدر المجالس و القنوات ..و قد استضافته قناة
    الفتن و الدجل و التضليل و التحريض الجزيرة على عادته في الترويج لكل مهوس بالثورات و الهيجانات، فسمعته يدعو بلا خجل
    الى مواصلة القتال و الاقتتال في الدول العربية و ان الشعوب الآن لا خيار لها الا الوصول الى الحرية و لو على ظهر الحروب الأهلية!!
    و كيف لا يقول ذلك الآن و قد كان من أشد الناس تحريضا للعوام على الخروج و المواجهة ؟ و كيف يتراجع الآن او يعترف بخطئه
    بعد أن فاضت الأرض بدماء من حرضهم و رماهم في المحرقة الكبرى و البحر الخضم ؟؟..
    هذا نموذج صغير عما تعانيه الأمة من أمثال هؤلاء المغرورين المتعالمين المغفلين ، الذين تدفعهم أهواؤهم و أحقادهم الشخصية
    و عداواتهم النفسية مع جهالاتهم الفكرية و ضعف عقولهم على مواجهة الانظمة التي يعتبرها ظالمة بكل الوسائل..فلا يرى الا ما يتمناه
    من سقوطها و لا يبصر الا بغضه لها..و ينسى او يتناسى و يتغافل بل يعمى عما يمكن ان يؤول اليه دعواته و تحريضاته الجنونية
    التي تستخدم كل شيء لحض العوام البسطاء على تنفيذ ما يتمنون...لا شيء يردع هؤلاء العميان و لا شيء يمكن ان ينبههم
    الى خطئهم و لا شيء يمكن ان يجعلهم يراجعون انفسهم..حتى لو أدت دعواتهم الى خراب البلاد كلها و تهجير اهلها و صيرورتها
    لقمة سهلة لأعدائها و اعداء دينها يعبثون بها كما يشاؤون..بل هؤلاء اول من يدعون و يستجدون اعداء الأمة لتدمير بلادهم و غزوها
    و التدخل فيها عسكريا و استخباراتيا و اقتصاديا حين تعوزهم الوسيلة و يكتشفون ان مشروعهم الجنوني قد فشل و لم يبق لهم الا
    حل واحد للمأساة و الكارثة التي رموا العباد فيها..الارتماء في احضان الشيطان في احضان اي كان مهما كانت دوافعه و اغراضه و شروطه
    و املاآته ..اذ لا مخرج الآن الا ذلك..و هل يؤدي الجنون و الهوى الا الى ذلك؟؟
    نسأل الله تعالى العافية ..
    و نسألك يا اخانا ابا خلف ان كنت تسمعنا ان تكمل عملك المفيد للغاية في تعرية هذا المتعالم المنتسب الى الفكر الاسلامي زورا و كذبا
    و هل من عدو لفكر و عقيدة و منهج و فقه و تراث أئمة الدين على مدى القرون و الاجيال الا امثال هؤلاء النكرات ؟؟؟
    و سبحان الله العظيم: أمر واحد يجمع كل مبتدع و ضال عن المنهج الحق في القديم و الحديث، هو الطعن في أئمة الاسلام العظام
    و في منهجهم العقدي و الفقهي و السلوكي الذي ارتضوه و توارثوه منذ عصر السلف الى اليوم...[/5/size]

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •