صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 41

الموضوع: نفحات مباركة علِيّة من شروح الحِكَم العطائيّة

  1. #1

    نفحات مباركة علِيّة من شروح الحِكَم العطائيّة

    الحمد لله على سابغ نعمة الإسلام ، و الصلاة و السلامُ على النبيّ خير أخيار الأنام ، سيّدنا و مولانا محمّد رسول الله و على آله و صحبه الطاهرين الكرام .
    هذه قبساتٌ من فوائدَ جليلةٍ علِيَّة ، نقلتُها لحضراتكم من شرح سيّدي ابن عبّاد الرُنديّ رحمه الله تعالى على الحِكم العطائيّة ..
    و اللهُ وليُّ التوفيق :
    Rajaa-Abdeyyah-1.jpg
    Bast-1.jpg
    Bast-2.jpg
    Bast-3.jpg
    يا وليُّ ياحميد ...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  2. #2

    أرجو المعذرة ، ففي نيّتي طبع ما صوّرتُهُ في المشاركة السابقة من الصفحات الأربع مصحّحاً مشكّلاً ، لكن حالتي الصحّيّة الآن لا تساعدني ، فأرجو قراءتها بترَوٍّ وَ يقظة ، و تفهّم و عدم استعجال ، إن شاء الله ..
    و الله الموفّق و المُعين ..
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  3. بسم الله الرحمن الرحيم
    .....مَقامٌ شَريفٌ مِن مَقاماتِ اليَقينِ، و هُوَ يَبْعثُ على الاِجتِهادِ في الأعْمَالِ، كما ذَكَرناهُ في الْحزنِ، لأنَّ منْ رَجا شيأً طَلَبه، و من خافَ من شيءٍ هربَ منهُ.
    و أما الرجاءُ الكاذبُ، الذي يُفتِرُ صاحبَه عن العملِ، و يُجَرِّئُهُ على المَعاصِي، و الذُّنوبِ؛ فليس هذا برجاءٍ عندَ العلماءِ، و لَكنهُ أُمْنيةٌ، و اغْتِرارٌ بالله تعالى.
    و قد ذم الله قوماً ظَنوا مثل هذا، و أصرُّوا على حبِّ الدنيا، و الرِّضا بِها، و تَمنوا الْمغفرة على ذلكَ، فسماهم خَلْفاً -و الْخَلْفُ: الرَّدِيءُ من الناسِ-؛ فقالَ عزَّ من قائلٍ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾[الأعراف:169].
    قال معروف الكرخي رضي الله تعالى عنه: [طلب الجنة بلا عملٍ، ذنبٌ من الذنوبِ؛ و ارتجاء الشفاعة بلا سبب، نوعٌ من الغرور؛ و ارتجاء رحمة من لا يطاع، جهل و حمق].
    و قال معروف الكرخي أيضاً رضي الله عنه: [رجاؤك الرحمة، ممن لا تطيعه؛ خذلان و حمق].
    و اعلم أنه ليس في أفعال الحق سبحانه ما يُوجِبُ أن يُؤمَنَ عِقابُه، إنما في أفعاله ما يَمْنعُ اليأسَ من رَحْمَتِه.
    و كما لا يَحسُنُ أن لا يظهرَ من لطفهِ في خلقهِ، لا يَحْسُن الطمَعُ في جَانبهِ، و يُؤْمَنُ أخذهُ، و انتقامهُ؛ فإنَّ من قَطعَ أشرفَ عضوٍ بربعِ الدينارِ، لا يُؤمَنُ أن يكونَ عذابهُ غداً هكذا.
    و قد قالوا: [من زعم أن الرجاءَ مع الإصرارِ صحيحٌ، فليزعُمْ أن طلب الرِّبْحِ في القبرِ، و قَدْحَ النارِ في البحرِ صحيحٌ].
    و في الحديث، عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، أنه قال: «الكَيِّسُ من دانَ نفسَهُ، و عمِلَ لما بَعدَ الموتِ؛ و العاجزُ من أتبعَ نفسَهُ هَوَاها، و تَمنَّى على اللهِ الْأَمَاني».
    و قال الحسن رضي الله تعالى عنه: [إن قوماً ألهتهمْ أمانِي المغفرةِ، حتَّى خَرَجوا مِنَ الدُّنْيا و ليسَ لَهُم حسنةٌ، يقول أحَدُهمْ: "أُحسِنُ الظنَّ بِرَبي"، و هو يَكْذِب؛ لَو أحسنَ الظنَّ بِربِّه، لأحسن العملَ، و تلا قول الله عز و جل: ﴿وَ ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾[فصلت:23].
    و كان يقول رضي الله تعالى عنه: [عبادَ اللهِ، اتَّقُوا هذهِ الأمانِي، فإِنَّها أوديةُ الهلكةِ، تَحُلُّون فيها، و اللهِ ما آتَى اللهُ عبداً بِأمانِيهِ خيْراً في الدُّنْيا، و لا في الآخرةِ].
    و كتب أبو عمير المنصوري، إلى بعض إخوانه: [أما بعد، فإنك قد أصبحتَ تُؤَمِّلُ بطولِ عُمرِكَ، و تَتَمنَّى على اللهِ الْأَمانِيَّ بسوءِ فِعلِكَ؛ و إنَّما تضربُ حَديداً بارداً].
    (مَطْلَبُ العارفينَ من اللهِ تعالى الصدقُ في العبوديةِ، و القيامُ بِحُقُوق الرُّبُوبيةِ):
    مطلبُ العارفينَ من ربهمْ، أعْلى من مطالبِ غيرِهم، سواءً كانوا عِباداً، أو زُهَّاداً، أو عُلماءَ.
    لأن مطلبَ العارفينَ من رَبِّهم، إنما هو الصِّدقُ في العُبوديةِ، و القيامِ بحقوقِ الرُّبوبيةِ فقطْ؛ من غيرِ مراعاةِ حظٍّ، و لا بقاءٍ مع نفسٍ، و كلُّ من عَداهُم لم يُفارقوا الحُظوظَ، و الأغراضَ في مَطالبِهمْ.
    و قد تقدم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى: "خيرُ ما تطلبهُ منهُ، ما هو طالِبُهُ مِنكَ".
    قال سيدي أبو مدين رضي الله تعالى عنه: [شتَّانِ بينَ من هِمَّتُه الحورُ، و القُصورُ؛ و بينَ من هِمَّتُه رفعُ الستورِ، و دَوامُ الحُضورِ].
    (بَسَطَكَ كَيْ لا يُبْقيكَ مع القبضِ، و قَبَضَكَ كي لا يَتْرُكَكَ مع الْبَسْطِ، و أخْرَجَكَ عنهُما كَي لا تكونَ لشَيْءٍ دونَهُ):
    "القبضُ"، و "البسطُ"، من الحالاتِ التِي يتَلَوَّنُ بها العارِفونَ، و هُما بمنزلةِ "الخوفِ"، و "الرجاءِ" للمريدينَ المبتدئينَ.
    و سبَبُهُما: الوارداتُ التي تَرِدُ على باطنِ العبدِ.
    و قُوَّتُهما، و ضَعْفُهما: بحسَبِ قُوَّةِ الوارداتِ، و ضَعفِهَا.
    و المقصودُ هَهُنا: أنهما وصفانِ، ناقصانِ، بالنسبة إلى ما فوقهما؛ فإِنَّهما يَقتَضِيانِ بقاءَ العبدِ، و وُجودَهُ.
    فمن لطف الله بعبده، تكوينَهُ فيهِمَا، ثُمَّ إِخراجَهُ عنْهُمَا، بفنائهِ عن نَفْسِهِ، و بقائِهِ بِرَبِّه.
    قال فارس رضي الله تعالى عنه: [القبضُ أوَّلاً، ثمَّ البسطُ، ثم لا قَبْضٌ، و لا بَسْطٌ].
    لأن القبضَ، و البسطَ، يَقَعانِ في الوجودِ، و أما معَ الفناءِ، و البقاءِ، فلا.
    و كان الْجُنيْد رضي الله تعالى عنه يقولُ: [الخوفُ يقبِضُنِي، و الرَّجاءُ يَبْسُطني، و الحقيقةُ تَجْمَعُني، و الحقُّ يفرقني؛ إذا قبضَني بالخوفِ، أفناني عَنِّي؛ و إذا بَسَطنِي بالرجاءِ، ردَّنِي عليَّ؛ و إذا جَمَعَني بالحقيقةِ، أحْضَرَني؛ و إذا فَرقني بالحقِّ، أشْهَدَنِي غيري، فغَطَّاني عنهُ؛ فهو في ذلك كلهِ مُحَرِّكِي، غير مُسَكني؛ و مُوحِشِي، غير مُؤنِسِي؛ فحُضُوري، لِذَوْق طَعمِ وُجُودي؛ فَلَيْتَه أَفْناني عَنِّي، فَمَتَّعني؛ أو غَيَّبَني عَنِّي، فروحني].
    و قد تكلم صاحب كتاب "عوارف المعارف"، في "القبض"، و "البسط"، بكلام بديع، طويل، تركت نقله ههنا اختصارا، فمن أراده فلينظره هناك.
    (العَارِفونَ إِذَا بُسِطُوا، أَخْوَفُ مِنْهُم إِذا قُبِضُوا؛ و لا يَقِفُ على حُدُودِ الأدبِ في البَسْطِ، إلا قَليلٌ):
    إنما اشتد خوف العارفين في البسطِ، ما لم يشتد في القبضِ، من قِبَل مُلائمتهِ لهوى أَنفُسهم؛ بخلاف القبضِ، ما سيقوله المؤلف الآن.
    فيخافونَ حِينَئِذٍ من رُجُوعهم إليهِ، و ذَوقِهم لِطَعمِ نُفوسِهِم، و في ذلكَ الطَّردُ، و البُعدُ.
    و قد كتب يوسف بن الحسين الرازي، إلى الجنيد رضي الله تعالى عنهما: [لا أذاقكَ الله طعمَ نفسِكَ؛ فإنك إِن ذُقتَها، لا تذوقُ بعدَها خَيْراً أَبداً].
    و من ثمَّ يتأكد عليهم في ذلك ملازمةُ الأدبِ، و دَوامُ الانقباضِ، و الانكسارِ، و ذلك أمرٌ عسيرٌ في هذهِ الحالِ؛ و لذلك لا يقفُ على حدودِ الأدبِ في البسطِ، إلا قليلٌ، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى.
    و قد قيل: "قف على البساطِ، و إياك و الانبساطَ".
    و قال رجلٌ، لأبي محمد الجريري رضي الله تعالى عنه: [كنتُ على بساطِ الأنسِ، و فَتَحَ عليَّ طريقَ البسطِ، فزللتُ زَلّةً، فحُجِبتُ عن مَقامي؛ فكيف السبيل إليهِ، دُلَّني على الوصولِ إلى ما كنتُ عليهِ؛ فبكى أبو محمد، و قال: يا أخي، الكلُّ في قهرِ هذه الحيطة؛ لَكِنِّي أنشدت أبياتاً لبعضهم، و أنشأَ يقولُ:
    قف بالديارِ، فهذهِ آثارُهمْ * تبْكِي الأحبةَ، حسرةً، و تَشَوُّقَا
    كم قد وقفتُ برَبْعِها مُسْتَخبِراً، * عن أهلِها، و سَائِلاً، أو مُشفِقا
    فأجابَنِي دَاعي الْهَوَى، في رَسْمِها: * فارقتَ من تَهْوَى، فَعَزَّ الْمُلتَقَى]
    و سُئِل بعضُ المشايخِ عن هذه الزلةِ، فقال: [انبِساطٌ مع الحقِّ، بغيرِ أدبٍ].
    قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رضي الله تعالى عنه: [و من هذا، خشِيَ الأكابرُ، و السادةُ].
    قال في "لطائف المنن": [البسطُ مزَلَّةُ أقدامِ الرجالِ؛ فهو مُوجِبٌ لِمَزيدِ حَذَرِهمْ، و كثْرةِ لَجْئِهِمْ.
    و القبضُ أقربُ إلى وجودِ السلامةِ، لأنَّه وَطنُ البُعدِ، إذْ هو في أَسْرِ قبضةِ اللهِ، و إِحاطةُ الحقِّ مُحيطَةٌ بهِ؛ و من أين يكون للعبد البسطُ، و هذا شأنهُ!
    و البَسْطُ خُروجٌ عن حُكمِ وقتهِ.
    و القبضُ، هو اللائقُ بهذهِ الدارِ؛ إذ هِيَ وطنُ التكليفِ، و إِبْهامُ الخاتمةِ، و عَدمُ العلمِ بالسابقةِ، و الْمُطالبةُ بحقوقِ اللهِ تعالى.
    قال: و أخبرني بعض الصوفية، قال: رأى شيخنا شيخهُ في المنامِ، بعد موتهِ، مقبوضاً، فقال له: يا أستاذ، مالك مَقْبوضاً؟ فقال له: يا بني، القبضُ و البسطُ مقامانِ، من لم يوفِّهِما في الدُّنيا، وَفَّاهُما في الآخرةِ؛ قال: و كان هذا الشيخُ الغالبُ عليه في حياتهِ البسط]؛ انتهى.
    (البسطُ، تأخذ النفسُ منه حظَّهَا، بوجود الفرحِ؛ و القبضُ، لا حَظَّ للنفسِ فيهِ):
    في هذا إشارةٌ لما تقدمَ، من أن مراعاة الأدبِ في البسطِ، أمرٌ عسيرٌ.
    و ذلك أن في البسطِ، وجودَ حظِّ النفسِ، فيستولي عليها الفرحُ بذلك، فلا يتمالكُ حتى يقع في سوءِ الأدبِ؛ و القبضُ ليس فيه حظٌّ للنفسِ، فلذلكَ كان أسلمَ.
    و كان الأستاذ أبو علي الدقاق رضي الله تعالى عنه، يقول: [القبضُ، حَقُّ الحقِّ منكَ؛ و البسطُ، حقُّ العبدِ منهُ؛ و لَأَنْ يكون بحقهِ مِنْكَ، أَتَم، من أن يكونَ بِحظِّكَ منهُ].
    و أما آداب القبضِ، و البسطِ، فلا أعلم الآن من استوفى الكلام فيهما، من علماء الصوفيةِ، و مُصنفيهم؛ و إنما وجدنا لهم من ذلك إشارات إلى أمور جملية.
    كقول الإمام أبي القاسم القشيري رضي الله تعالى عنه، بعد أن تكلم على لفظتي "القبض"، و "البسط"، و تبين معانيهما، إلى أن قال: [و قد يكون قبضٌ، يُشكِلُ على صاحبهِ سبَبُهُ، يجدُ في قلبهِ قَبْضاً، لا يَدْري ما مُوجِبُه، و سَبَبُهُ.
    و سبيلُ صاحبِ هذا القبضِ، التسليمُ، حتى يمضِيَ ذلكَ الوقتُ؛ لأنهُ لو تَكَلَّفَ نفيَهُ، أو اسْتَقْبلَ الوقتَ، قبلَ هُجومِهِ عليهِ، باختيارهِ، زادَ في قَبْضِهِ؛ و لعلَّه يفيدُ ذلكَ منهُ سوءَ أدبٍ.
    و إذا استسلمَ لحكمِ الوقتِ، فعَنْ قريبٍ يزولُ القبضُ، فإن الحق سبحانه قالَ: ﴿وَ اللّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْسُطُ﴾[البقرة:245].
    و قد يكون بسطٌ يَرِدُ بَغتةً، و يُصادفَ صاحِبَهُ فَلْتَةً، لا يَعرِفُ لهُ سَبباً، يهُزُّ صاحبَهُ، و يسْتَفِزُّه؛ فسبيل صاحِبِهِ السُّكونُ، و مُراعاةُ الأدبِ؛ فإنَّ في هذا الوقتِ لهُ خَطرٌ عَظيمٌ، فلْيحْذَر صاحِبُهُ مَكْراً خَفِياًّ.
    كما قال بعضهم: فُتِحَ علي بابٌ منَ البسطِ، فزَلَلْتُ زَلَّةً، فحُجِبْتُ عن مَقَامِي]، اهـ كلامُ الإمامِ أبي القاسم.
    و قد رأيتُ كلاماً مَبسوطاً، متسوفىً، في آداب القبض، و البسط، لسيدي أبي الحسنِ الشاذلي رضي الله تعالى عنهُ، فأحبَبتُ أن أَذْكُرَه هَهُنا، لِتَتِمَّ بهِ الفائِدةُ، الَّتي تَعرَّضَ لها المؤلفُ رحمهُ الله تعالى، و إن كانَ كلامُ الشيخِ أبي الحسنِ في ذلكَ أعمُّ مِمَّا هو عندَ غيرِهِ مِن أئمةِ الصوفيةِ.
    قال رضيَ الله تعالى عنهُ: [القبضُ، و البسطُ، قلَّما يخلو العبدُ منهما، و هما يَتعاقَبانِ، كتعاقب الليلِ و النهارِ، و الحق سبحانَه يرتضي منك العبوديةَ فيهِمَا.
    فمن كان وقتُهُ القبضَ، فلا يخلُو من أن يعلمَ سبَبَهُ، أو لا يعلمَ.
    و أسبابُ القبضِ ثلاثةٌ:
    • ذَنْبٌ أحدَثْتَهُ.
    • أو دُنْيا ذَهَبَتْ عنْكَ، أو نقَصَت لكَ.
    • أو ظالمٌ يؤذيكَ في نفسِكَ، أو في عِرضِك، أو يَنْسبك لغير دينِ، أو غيرَ ذلك.
    فإذا ورد عليك القبضُ، من أحد هذه الأسبابِ:
    فالعبوديةُ تقتَضِي أن ترجِعَ إلى العِلمِ، مُستَعمِلاً لهُ، كما أمركَ الله تعالى.
    أما في الذنبِ، فبالتوبةِ، و الإنابةِ، و طلبِ الإقالةِ.
    و أما فيما ذهبَ عنكَ من الدُّنيَا، أو نَقَصَ، فبِالتَّسليمِ، و الرِّضَا، و الاحتسابِ.
    و أما فيما يؤذيكَ بهِ ظالمٌ، فبالصبرِ، و الاحتمالِ؛ و احذرْ أن تظلِمَ نفسكَ، فيجتَمِعَ عليكَ ظُلمانِ، ظلمُ غيركَ لكَ، و ظلمكَ لِنَفسكَ؛ فإن فعلتَ ما التزمتَ بهِ من الصبرِ، و الاحتمالِ، أثابكَ سِعةَ الصدرِ، حتَّى تَعفُوا، و تَصْفَحَ؛ و رُبَّما أثابكَ من نورِ الرِّضَا، ما ترْحمُ بهِ من ظَلَمكَ، فتَدْعو لهُ، فتُجابُ فيهِ دعوَتُكَ.
    و ما أحسنَ ذلكَ، إذا رحِمَ الله بِكَ من ظَلَمَكَ، فتلكَ درجاتُ الصدِّيقينَ الرُّحماءِ؛ و تَوكَّل على اللهِ، إنَّ اللهَ يُحبُّ المتوكلينَ.
    و أما إذا ورد عليك القبضُ، و لم تعلمْ لهُ سَبباً:
    فالوقتُ وقتانِ؛ ليلٌ، و نهارٌ؛ فالقبضُ أشبهُ شيءٍ بالليلِ، و البسطُ أشبهُ شيءٍ بالنهارِ؛ فإذا ورَدَ القبضُ، بغير سببٍ تعلَمُهُ، فالواجبُ عليكَ السكونُ.
    و السكون على ثلاثة أشياء: عن الأقوالِ، و الحركاتِ، و الإراداتِ.
    فإن فعلت ذلكَ، فعن قريبٍ يذهب عنك الليلُ، بطلوعِ شمسِ نهاركَ، أو ببدرِ نجمٍ تهتدي بهِ، أو قمرٍ تستضيءُ بهِ، أو شمسٍ تتَبصَّرُ بِها.
    و النجومُ نجومُ العلمِ، و القمرُ قمرُ التوحيدِ، و الشمسُ شمسُ المعرفةِ؛ و إن تحركت في ظلمةِ ليلكَ، فقلَّما تسلَمُ من الهلاكِ، و اعتبرْ بقولهِ تعالى: ﴿وَ مِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[القصص:73]؛ فهذا حكمُ العبوديةِ في القبضتينِ جَمِيعاً.
    و أما من كان وقته البسط، فلا يخلو من أن يعلم له سبباً، أو لا.
    و الأسباب ثلاثة:
    الأول: زيادةٌ في الطاعةِ، أو نوالٌ في الْمُطاعِ، كالعلمِ، و المعرفةِ.
    و السببُ الثاني: زيادةٌ من دُنياً بكسبٍ، أو كرامةِ، أو هبةٍ، أو صلةٍ.
    و السبب الثالثُ: بالمدحِ، و الثناءِ منَ الناسِ، و إِقبالِهِم عليكَ بطلب الدعاءِ منكَ، و تقبيل يديكَ.
    فإذا ورد عليك البسطُ من أحد هذه الأسبابِ، فالعبوديةُ تقتضي أن ترى أثرَ النعمةِ، و المنةِ من اللهِ عليكَ.
    و احذَرْ أن تَرَى شَيْأً من ذلكَ لِنفْسِك، و حَصِّنْها أنْ لا يُلَازِمَهَا خَوْفُ السَّلْبِ، مما بهِ أنعمَ عليكَ، فتكونَ مَمْقوتاً.
    هذا في جانبِ الطاعةِ، و النوالِ من اللهِ تعالى.
    و أمّا الزيادةُ من الدنيا، فهيَ نعمةٌ أيْضاً، كَالأولى، و خَفْ مِمَّا بَطُنَ مِن آفاتِهَا.
    و أما مدحُ الناسِ لكَ، و ثناؤُهُم عليكَ، فالعبوديةُ تقتضي شكرَ النعمةِ، بما ستراهُ عليكَ.
    و خَفْ من اللهِ تعالى، أن يُظهِر ذَرَّةً مما بَطن منكَ، فيَمقُتَك أقربُ الناس إليكَ.
    فهذه آداب القبض و البسطِ، في العبوديةِ.
    و أما البسطُ، الذي لا نعلم له سبباً، فحقُّ العبودية فيهِ، ترك المسؤولِ، و الإدلالِ، و الصولةِ على النساءِ، و الرجالِ.
    اللهم إلا أن تقول: "سَلِّمْ، سَلِّمْ" إلى المماتِ؛ فهذهِ آدابُ القبضِ، و البسطِ، في العبوديةِ جَميعاً، إن عَقلتَ، و السَّلام...]؛ انتهى ما ذكره الشيخ أبو الحسن ؛ و كلَامهُ في ذلكَ حَسَنٌ، و الحمدُ لله الذي بيده سوابغ المنن.....

  4. #4
    سبحان الله الكريم الملك الوهّاب ..
    سادتي الأعزّاء ، هل تحظَون دائماً في هذه الأيام بمثل نبل الأخ المفضال السيّد حمّاد محمّد الشنقيطيّ وَ كرمه وَ شهامتِهِ حفظه الله تعالى ..
    . جزاكم الله خيراً سيّدي الأستاذ حمّاد المحترم على ما تطوّعتُم به من الإعانة على نشر الخير و المساهمة في الدلالة على سبل الرشاد مع كثرة أشغالكم و همومكم وَ ازدحام الأعمال في أوقاتكم المباركة .. وَ قد وفّرتُم على الأمة الضعيفة وقتاً و جهداً ليس بالهيّن بالنسبة لحالي ، و يسّرتُم لنا و للسادة المحترمين أهل المنتدى و زائريه الكرام مطالعة تلك الفوائد الجليلة بسهولة ... تقبَّل الله منكم و جعله تعالى كُلّهُ في ميزان حسناتكم و ضاعف لكم الأجور بخير و عافية ، و نفعنا بميراث سيّد الأوَّلين و الآخرين ، صلّى اللهُ عليه و على آله و سلّم ، آمين ...
    إنَّ الفتى إذا ترَوْنَقَ شِـيْمَةً **** قُرَشِـيَّةً قامَتْ بها الأعراقُ
    وَ أرادَ باغٍ قَطْعَ نِسبَةِ عِزِّهِ **** شَهِدَتْ لَهُ الأطوارُ و الأخلاقُ
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  5. #5
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله و صلّى اللهُ على سيّدنا محمّدٍ النبيّ الأعظم و آلِهِ الطيّبين .
    ... الصفحات المنقولُ رسمُها في المُساهمة الأولى من بداية هذا الموضوع هي عن طبعة: " دار إحياء الكتب العربيّة - بمصر " للمرحوم عيسى البابي الحلبي و شركاه سنة 1338 هـ . \ 1920 غ.
    و الصفحة المثبتة باسم Rajaa-Abdeyyah-1 شرح لقول صاحب الحكم سيّدي ابن عطاء رضي الله عنه :
    " ( الرجاءُ ما قارَنَهُ عَمَلٌ وَ إلاّ فهُوَ أُمْنِيةٌ ) قال ابن عبّاد - رحمه الله - في شرح هذه الحكمة :" الرجاءُ مقامٌ شريفٌ من مقامات اليقين و هو يبعثُ على الإجتهادِ في الأعمالِ - كما ذكرناهُ في الحزنِ ..." إلى آخر ما تقَدَّم ذكرُهُ في تلك الصفحة.
    وَ في السطر الثامن منها فائدةٌ جميلة بل قاعدة جليلة مُهِمّة جِدّاً ينبغي الوقوف عليها كثيراً و أَنْ نُوقِفَ عليها أبناءنا من الجيل الجديد الذين نلاحظ أنَّ أكثرهم - فيما يبدو - لم يتعلّموا حقيقة الخوف و الرجاء و طريقة الجمع بينهما ، مع أنَّ هذا من أَهمّ أساسيّات الإيمان .. فقد نبَّهَ رحمه الله تعالى أَنَّنا " لا نرى في أَفعالِ الله تعالى ما يُوجِبُ لأمثالِنا أَنْ نأْمَنَ عِقابَهُ ، إِنَّما في أَفعالِهِ ما يمنَعُ اليَأْسَ مِنْ رَحمَتِهِ سبحانَهُ ... " ، اللهُ أكبَر .. هذا من عجائب نفائس كنوز هذا الشرح ، و هو كلام المؤمنين العارفين حقّاً ..
    وَ كُنتُ قد استشكَلتُ قديماً توجيه هذه العبارة التي أورَدَها بعدُ وَ هي : " ... وَ كما لا يحسُنُ أن لا يظهرَ مِن لطفه في خلقه ، لا يحسن الطمعُ في جانبه وَ يُؤْمَنَ أخذُهُ و انتقامُهُ ..." على معنىً أجزم بهِ ، و إن كان يمكن حملها على وجهٍ محتمل ...
    ثُمَّ قُلت لعلّه وقع نقصٌ أو تصحيفٌ أو زيادةٌ بسببهِ [ أي لعلَّ أصل العبارة :" وَ كما لا يحسن أنْ يُظهِرَ سِرَّ لُطفِهِ في خلقِهِ " فتصحّفت :" سِر " في الخطّ المغربيّ إلى " مِـن " ، لأنَّ أكثر النُسخ القديمة من هذا الشرح هي بالخطّ المغربيّ ، إنْ لم تكن كُلُّها ، و تصحُّفُ السين فيه إلى ميم و الراء إلى نون على المشارقة احتمال قويّ ، ثُمَّ زادوا " لا " بعد " أَنْ " ...] ، ثُمَّ وقَفتُ آنِفاً على طبعة أقدم من طبعة دار الحلبيّ و هي طبعة الكاستليّة 1297 هـ . ففتّشتُ فوجدتُ فيها العبارة المشار إليها هكذا أيضاً بعينها ، بل لعلّ مكتبة الحلبي اعتمدوها وحدها في تجديد طبع هذا الشرح من غير مقابلة على مخطوطات أُخرى ( مع أنَّ هذه المطبعة الكاستليّة تابعة لإدارة جُورْنال الكوكب المصريّ التي كانت في حيّ الإسرائيليّين بالقاهرة سابقاً أيّام الخديويّين الألبان و الطليان و الفرنساويّة و الإنكَـْلِيكان ...) ، وَ قد عثرتُ على أخطاء في مواضع أخرى من المطبوعتين لبّست المعنى ، لا أدري إن كان هذا منها ، و اللهُ أَعلَم ...
    فَمن يتيسّر لهُ من السادة الأفاضل وجه هذه العبارة :" لآ يحسن أن لا يظهر من لطفه في خلقه " وحدَها أوّلاً ، ثُمَّ ثانياً وجهُ ربطها بما بعدها أي وجه الربط بينها و بين قولهِ :" لا يحسن الطمع في جانبه و يؤمَنَ أخذُهُ و انتقامُهُ " [ لا مُجَرَّد هذه العبارة الثانية مُفرَدة فإنَّها واضحة و الحمد لله] .. فنرجو أن يتفضَّل بإتحافِنا بهما ، مشكوراً .. و جزاكم الله خيراً ....
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  6. #6

    بسـم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله و صلّى اللهُ على سيّدنا محمّدٍ النبيّ الأعظم وَ على آلِهِ الطيّبينَ وَ بارَكَ وَ سَـلَّم .

    ... قُلنا : الصفحة المثبتة باسم Rajaa-Abdeyyah-1 شرحٌ لقول صاحب الحكم سيّدي ابن عطاء الله رضي الله عنه : " ( الرجاءُ ما قارَنَهُ عَمَلٌ وَ إلاّ فهُوَ أُمْنِيةٌ ) .. قال الشيخ ابن عبّاد - رحمه الله - في شـرح هذه الحكمة :" الرجاءُ مَقامٌ شَريفٌ مِن مَقاماتِ اليَقينِ ، و هُوَ يَبْعثُ على الاِجتِهادِ في الأعْمَالِ ، كما ذَكَرناهُ في الْحزنِ، لأنَّ منْ رَجا شـَـيْئاً طَلَبهُ ، و من خافَ من شــيْءٍ هرَبَ منهُ. ... الخ.
    وَ مع تكرير جزيل الشُـكرِ لحضرة الأستاذ المِفضال السـيّد حَمّاد محمّد الهاشِمِيّ الشنقيطيّ حَفظهُ الله تعالى وَ أحبابَهُ ، لمَعروفِهِ الطيّب وَ جهدِهِ المبارك ، فَقد رأيتُ أنْ أُعِيدَ نشـرَ النَص مُنَقَّحاً قدرَ المُستطاع مع اسـتدراكاتٍ وَ تصلِيحاتٍ مُهِمّةٍ لأخطاء وقعت في أصل المُصَوّر عن الطبعة القديمة ، و مزيدِ شَـكْلٍ للحروف تيسـيراً على المبتدئين أمثالي ، إِنْ شـاء اللهُ تعالى .. فَعُذْراً ... نفعنا الله بذلك .
    [قال في الحِكَم]" ( الرجاءُ ما قارَنَهُ عَمَلٌ وَ إلاّ فهُوَ أُمْنِيةٌ ) .
    [قال الشارح ابن عبّاد] : الرجاءُ مَقامٌ شَريفٌ مِن مَقاماتِ اليَقينِ ، و هُوَ يَبْعثُ على الاِجتِهادِ في الأعْمَالِ ، كما ذَكَرناهُ في الْحزنِ ، لأنَّ منْ رَجا شـَـيْئاً طَلَبهُ ، و من خافَ من شــيْءٍ هرَبَ منهُ.
    و أما الرجاءُ الكاذبُ الذي يُفتِرُ صاحبَه عن العملِ ، و يُـجَرِّئُهُ على المَعاصِي و الذُّنوبِ فليس هذا برجاءٍ عندَ العلماءِ ، و لَكنهُ أُمْنيةٌ و اغْتِرارٌ بالله تعالى.
    و قد ذم الله قوماً ظَنوا مثل هذا ، و أصرُّوا على حبِّ الدنيا و الرِّضا بِها ، و تَمنوا الْمغفرة على ذلكَ ، فسمّاهم خَلْفاً - و الْخَلْفُ: الرَّدِيءُ من الناسِ- ، فقالَ عزَّ من قائلٍ { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } [الأعراف:169].
    قال معروف الكرخي رضي الله تعالى عنه : " طلب الجنة بلا عملٍ ذنبٌ من الذُنوبِ . و ارتجاء الشفاعة بلا سـبب نوعٌ من الغُرور . و ارتجاء رحمةِ من لا يطاع جَهْلٌ و حمق ".
    و قال معروف الكرخي أيضاً رضي الله عنه: " رجاؤك الرحمةَ مِمَّنْ لا تُطيعُهُ خذلانٌ و حمقٌ " .
    و اعلم أنه ليس في أفعال الحق سبحانه ما يُوجِبُ أن يُؤمَنَ عِقابُه ، إنما في أفعاله ما يَمْنعُ اليأسَ من رَحْمَتِه.
    و كما لا يَحسُنُ أن لا يظهرَ من لطفهِ في خلقهِ ، لا يَحْسُنُ الطمَعُ في جَانبهِ و يُؤْمَنَ أخذُهُ و انتقامهُ ، فإنَّ من قَطعَ أشرفَ عضوٍ بربعِ الدينارِ لا يُؤمَنُ أن يكونَ عذابهُ غداً هكذا.
    و قد قالوا : " من زعم أن الرجاءَ مع الإصرارِ صحيحٌ ، فليزعُمْ أن طلب الرِّبْحِ في القبرِ و قَدْحَ النارِ في البحرِ صحيحٌ " .
    و في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال: « الكَيِّسُ من دانَ نفسَهُ و عمِلَ لما بَعدَ الموتِ ؛ و العاجزُ من أتبعَ نفسَهُ هَوَاها و تَمنَّى على اللهِ الْأَمَاني ».
    و قال الحسن رضي الله تعالى عنه: " إنَّ قوماً ألهتهمْ أمانِي المغفرةِ حتَّى خَرَجوا مِنَ الدُّنْيا و ليسَ لَهُم حسنةٌ ، يقول أحَدُهمْ: " أُحسِنُ الظنَّ بِرَبي" ، و هو يَكْذِب ؛ لَو أحسنَ الظنَّ بِربِّه لأحسن العملَ ، و تلا قول الله عز و جل { وَ ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ }[فصلت:23].
    و كان يقول رضي الله تعالى عنه: " عبادَ اللهِ ، اتَّقُوا هذهِ الأمانِي فإِنَّها أوديةُ الهلكةِ ، تَحُلُّون فيها ، و اللهِ ما آتَى اللهُ عبداً بِأمانِيهِ خيْراً في الدُّنْيا و لا في الآخرةِ ".
    و كتب أبو عمير المنصوري إلى بعض إخوانه : " أما بعد ، فإنك قد أصبحتَ تُؤَمِّلُ بطولِ عُمرِكَ ، و تَتَمنَّى على اللهِ الْأَمانِيَّ بسوءِ فِعلِكَ ؛ و إنَّما تضربُ حَديداً بارداً " .
    [قال في الحِكَم]( مَطْلَبُ العارفينَ من اللهِ تعالى الصدقُ في العبوديةِ و القيامُ بِحُقُوق الرُّبُوبيةِ) :
    [قال الشارح ابن عبّاد] مطلبُ العارفينَ من ربهمْ، أعْلى من مطالبِ غيرِهم، سواءً كانوا عِباداً، أو زُهَّاداً، أو عُلماءَ.
    لأن مطلبَ العارفينَ من رَبِّهم، إنما هو الصِّدقُ في العُبوديةِ ، و القيامِ بحقوقِ الرُّبوبيةِ فقطْ من غيرِ مراعاةِ حظٍّ و لا بقاءٍ مع نفسٍ ، و كلُّ من عَداهُم لم يُفارقوا الحُظوظَ و الأغْراضَ في مَطالبِهمْ.
    و قد تقدم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى: " خيرُ ما تطلبهُ منهُ، ما هو طالِبُهُ مِنكَ ".
    قال سيدي أبو مدين رضي الله تعالى عنه: " شـتَّانَ بينَ مَنْ هِمَّتُه الحورُ و القُصورُ و بينَ من هِمَّتُه رفعُ الستورِ و دَوامُ الحُضورِ ".

    يُتبَعُ ...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  7. #7
    ... ... تابع

    ... ... ... قال سيدي أبو مدين رضي الله تعالى عنه: " شـتَّانَ بينَ مَنْ هِمَّتُه الحورُ و القُصورُ و بينَ من هِمَّتُه رفعُ الستورِ و دَوامُ الحُضورِ ".
    [قال في الحِكَم]( بَسَـطَكَ كَيْ لا يُبْقيكَ مع القبضِ ، و قَبَضَكَ كي لا يَتْرُكَكَ مع الْبَسْـطِ ، و أخْرَجَكَ عنهُما كَي لا تكونَ لشَـيْءٍ دونَهُ ) :
    [قال الشارح ابن عبّاد] " القبضُ " و " البسطُ " من الحالاتِ التِي يتَلَوَّنُ بها العارِفونَ ، و هُما بمنزلةِ "الخوفِ" و "الرجاءِ" للمريدينَ المبتدئينَ.
    و سـبَبُهُما: الوارداتُ التي تَرِدُ على باطنِ العبدِ .
    و قُوَّتُهُما و ضَعْفُهما بحَسَـبِ قُوَّةِ الوارداتِ و ضَعفِهَا.
    و المقصودُ هَهُنا: أنهما وصفانِ ناقصانِ بالنسْـبة إلى ما فوقَهُما ؛ فإِنَّهما يَقتَضِيانِ بقاءَ العبدِ و وُجودَهُ.
    فمن لطف الله بعبده تكوينُهُ فيهِمَا ثُمَّ إِخراجُهُ عنْهُمَا، بفناءِهِ عن نَفْسِهِ و بقاءِهِ بِرَبِّه.
    قال فارس رضي الله تعالى عنه: " القبضُ أوَّلاً، ثمَّ البسطُ ، ثم لا قَبْضٌ و لا بَسْطٌ " .
    لأن القبضَ و البسطَ يَقَعانِ في الوجودِ ، (وجود النفس وبقية من طلب حظٍّ) و أما معَ الفناءِ و البقاءِ ، فلا.
    و كان الْجُنيْد رضي الله تعالى عنه يقولُ: " الخوفُ يقبِضُنِي، و الرَّجاءُ يَبْسُطني، و الحقيقةُ تَجْمَعُني، و الحقُّ يفرقني؛ إذا قبضَني بالخوفِ، أفناني عَنِّي؛ و إذا بَسَطنِي بالرجاءِ، ردَّنِي عليَّ؛ و إذا جَمَعَني بالحقيقةِ، أحْضَرَني؛ و إذا فَرقني بالحقِّ، أشْهَدَنِي غيري، فغَطَّاني عنهُ؛ فهو في ذلك كلهِ مُحَرِّكِي، غير مُسَكني؛ و مُوحِشِي، غير مُؤنِسِي؛ فحُضُوري، لِذَوْق طَعمِ وُجُودي؛ فَلَيْتَه أَفْناني عَنِّي، فَمَتَّعني؛ أو غَيَّبَني عَنِّي، فروحني".
    و قد تكلم صاحب كتاب "عوارف المعارف" في "القبض" و "البسـط" بكلام بديعٍ طويل ، تركت نقله ههنا اختصارا ، فمن أراده فلينظره هناك.
    [قال في الحِكَم] ( العَارِفونَ إِذَا بُسِطُوا، أَخْوَفُ مِنْهُم إِذا قُبِضُوا؛ و لا يَقِفُ على حُدُودِ الأدبِ في البَسْطِ، إلا قَليلٌ ):
    [قال الشارح ابن عبّاد] إنما اشتد خوف العارفين في البسطِ، ما لم يشتد في القبضِ مِنْ قِبَل مُلاءَمَتِهِ لِهَوى أَنفُسهم؛ بخلاف القبضِ كَما سـيقوله المؤلف الآن.
    فيخافونَ حِينَئِذٍ من رُجُوعهم إليهِ و ذَوقِهم لِطَعمِ نُفوسِهِم ، و في ذلكَ الطَّردُ و البُعدُ.
    و قد كتب يوسف بن الحسين الرازي إلى الجنيد رضي الله تعالى عنهما : " لا أذاقكَ الله طعمَ نفسِـكَ ، فإنك إِن ذُقتَها لا تذوقُ بعدَها خَيْراً أَبداً ".
    و مِنْ ثمَّ يتأكَّدُ عليهم في ذلك مُلازَمَةُ الأدبِ و دَوامُ الانقباضِ و الانكسارِ، و ذلك أمرٌ عسيرٌ في هذهِ الحالِ؛ و لذلك لا يَقِفُ على حدودِ الأدبِ في البسطِ، إلا قليلٌ، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى.
    و قد قيل: " قف على البساطِ، و إياك و الانبساطَ ".
    و قال رجلٌ لأبي محمد الجُرَيْرِيّ رضي الله تعالى عنه : " كنتُ على بساطِ الأنسِ و فَتَحَ عليَّ طريقَ البسطِ ، فزلَلْتُ زَلّةً فحُجِبتُ عن مَقامي ؛ فكيف السبيل إليهِ، دُلَّني على الوصولِ إلى ما كنتُ عليهِ ؛ فبكى أبو محمد، و قال: يا أخي ، الكلُّ في قهرِ هذه الحيطة؛ لَكِنِّي أنشدت أبياتاً لبعضهم، و أنشأَ يقولُ:

    قِفْ بالديارِ فهذهِ آثارُهمْ *** تبْكِي الأحبةَ حَسْـرَةً و تَشَـوُّقَا
    كم قد وقفتُ برَبْعِها مُسْـتَخبِراً *** عن أهلِها و مُسَائِلاً أو مُشْـفِقا
    فأجابَنِي دَاعي الْهَوَى في رَسْـمِها: *** فارقتَ مَنْ تَهْوَى فَعَزَّ الْمُلتَقَى
    ." .
    و سُـئِل بعضُ المشايخِ عن هذه الزلَّةِ فقال: " انبِسـاطٌ مع الحقِّ بغيرِ أدبٍ ".
    قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رضي الله تعالى عنه: " و من هذا خشِيَ الأكابرُ و السادةُ ...
    قال في "لطائف المِنَن" : " البَسْـطُ مزَلَّةُ أقدامِ الرجالِ ، فهو مُوجِبٌ لِمَزيدِ حَذَرِهمْ و كثْرةِ لَجَإِهِمْ . و القبضُ أقربُ إلى وجودِ السلامةِ لأنَّه وَطَنُ العَبْد [ أو العبْدِيّة] إذْ هو في أَسْـرِ قبضةِ اللهِ و إِحاطةُ الحقِّ مُحيطَةٌ بهِ ؛ و من أين يكون للعبد البسطُ و هذا شأنهُ ؟!!. و البَسْطُ خُروجٌ عن حُكمِ وقتهِ.
    و القبضُ، هو اللائقُ بهذهِ الدارِ ، إذ هِيَ وطنُ التكليفِ ، و إِبْهام الخاتمةِ و عَدمُ العلمِ بالسابقةِ و الْمُطالبةُ بحقوقِ اللهِ تعالى.
    قال: و أخبرني بعض الصوفية قال : رأى شـيخنا شـيخهُ في المنامِ بعد موتهِ مقبوضاً، فقال له: يا أسـتاذ، مالك مَقْبوضاً ؟ فقال له: يا بُنَيَّ ، القبضُ و البسطُ مقامانِ مَنْ لم يُوفِّهِما في الدُّنيا وَفَّاهُما في الآخرةِ . قال: و كان هذا الشيخُ الغالبُ عليه في حياتهِ البسط " . انتهى.
    [قال في الحِكَم]( البسطُ، تأخذ النفسُ منه حظَّهَا بوجود الفرحِ ، و القبضُ لا حَظَّ للنفسِ فيهِ ):
    [قال الشارح ابن عبّاد] في هذا إشارةٌ لما تقدمَ ، من أن مراعاة الأدبِ في البسطِ أمرٌ عسـيرٌ.
    و ذلك أن في البسطِ وجودَ حظِّ النفسِ ، فـيستولِي عليها الفرحُ بذلك ، فلا تَتمالكُ حتى تَقعَ في سُــوءِ الأدبِ . و القبضُ ليس فيه حظٌّ للنفسِ ، فلذلكَ كانَ أسْــلمَ.
    و كان الأسـتاذ أبو عليّ الدقاق رضي الله تعالى عنه يقول: " القبضُ حَقُّ الحقِّ منكَ و البسطُ حظُّ العبدِ منهُ ، و لَأَنْ تَكونَ بحقهِ مِنْكَ أَتَمّ من أن تَكونَ بِحظِّكَ منهُ ".
    ... ... ...

    يُتبَعُ ... ...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  8. #8
    ... تابع
    ... ... و كان الأسـتاذ أبو عليّ الدقاق رضي الله تعالى عنه يقول: " القبضُ حَقُّ الحقِّ منكَ و البسطُ حظُّ العبدِ منهُ ، و لَأَنْ تَكونَ بحقهِ مِنْكَ أَتَمّ من أن تَكونَ بِحظِّكَ منهُ ".
    و أما آداب القبضِ و البسطِ ، فلا أعلم الآن من اسـتوفى الكلام فيهما مِنْ علماء الصوفيةِ و مُصَنّـفِـيهم ؛ و إنما وجدنا لهم من ذلك إشارات إلى أمور جُمْلِيَّةٍ.
    كـقول الإمام أبي القاسم القشيري رضي الله تعالى عنه ، بعد أن تكلم على لفظتي "القبض" و "البسط" و بيّن معانيهما ، إلى أن قال:
    " و قد يكون قبضٌ يُشْـكِلُ على صاحبهِ سَــبَبُهُ .. يجدُ في قلبهِ قَبْضاً لا يَدْري ما مُوجِبُه و سَــبَبُهُ.
    و سـبيلُ صاحبِ هذا القبضِ التسليمُ حتى يمضِيَ ذلكَ الوقتُ ؛ لأنهُ لو تَكَلَّفَ نفيَهُ أو اسْـتَقْبلَ الوقتَ قبْلَ هُجومِهِ عليهِ باختيارهِ ، زادَ في قَبْضِهِ ؛ و لعلَّه يفيدُ ذلكَ منهُ سُــوءَ أدَبٍ.
    و إذا استسلمَ لحكمِ الوقتِ فعَنْ قريبٍ يزولُ القبضُ ، فإن الحق سبحانه قالَ: { وَ اللّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْسُطُ } [البقرة:245].
    و قد يكون بسْــطٌ يَرِدُ بَغتةً ، و يُصادفُ صاحِبَهُ فَلْتَةً ، لا يَعرِفُ لهُ سَبباً ، يهُزُّ صاحبَهُ و يسْـتَـفِـزُّه ، فســبيل صاحِبِهِ السُّـكونُ و مُراعاةُ الأدبِ ؛ فإنَّهُ في هذا الوقتِ لهُ خَطرٌ عَظيمٌ ، فلْيحْذَر صاحِبُهُ مَكْـراً خَفِياًّ.
    كما قال بعضهم: " فُتِحَ علي بابٌ منَ البسطِ فزَلَلْتُ زَلَّةً فحُجِبْتُ عن مَقَامِي " . اهـ . كلامُ الإمامِ أبي القاسم رضي الله عنه .
    و قد رأيتُ كلاماً مَبسـوطاً متسـوفىً في آداب القبض و البسـط لسيدي الإمام الشيخ أبي الحسنِ الشاذلي رضي الله تعالى عنهُ ، فأحبَبتُ أن أَذْكُرَه هَهُنا ، لِتَتِمَّ بهِ الفائِدةُ الَّتي تَعرَّضَ لها المؤلفُ رحمهُ الله تعالى ، و إنْ كانَ كلامُ الشـيخِ أبي الحسنِ في ذلكَ أعمَّ مِمَّا هو عندَ غيرِهِ مِن أئمةِ الصوفيةِ.
    قال رضيَ الله تعالى عنهُ: " القبضُ و البسـطُ قلَّما يخلو العبدُ منهما ، و هما يَتعاقَبانِ كـتعاقبِ الليلِ و النهارِ ، و الحقُّ سـُـبحانَه يرتضي منك العبوديةَ فيهِمَا.
    فمن كان وقتَهُ القبضُ ، فلا يخلُو من أن يعلمَ سـبَبَهُ أوْ لا يعلمَ .. و أسـبابُ القبضِ ثلاثةٌ:
    • ذَنْبٌ أحدَثْتَهُ.
    • أو دُنْيا ذَهَبَتْ عنْكَ ، أو نقَصَت لكَ.
    • أو ظالمٌ يؤذيكَ في نفسِكَ ، أو في عِرضِك ، أو يَنْسبك لغير دينِ ، أو غيرَ ذلك.
    فإذا ورد عليك القبضُ من أحد هذه الأسبابِ فالعبوديةُ تقتَضِي أن ترجِعَ إلى العِلمِ ، مُسـتَعمِلاً لهُ ، كما أمركَ الله تعالى.
    أما في الذنبِ ، فبالتوبةِ و الإنابةِ و طلبِ الإقالةِ.
    و أما فيما ذهبَ عنكَ من الدُّنيَا أو نَقَصَ ، فبِالتَّسليمِ و الرِّضَا و الاحتسـابِ.
    و أما فيما يؤذيكَ بهِ ظالمٌ ، فبالصبرِ و الاحتمالِ ؛
    و احذرْ أن تظلِمَ نفسَـكَ ، فيجتَمِعَ عليكَ ظُلمانِ ، ظلمُ غيركَ لكَ و ظلمُكَ لِنَفسكَ ؛ فإنْ فعلتَ ما التزمتَ بهِ من الصبرِ و الاحتمالِ ، أثابكَ سَـعَةَ الصدرِ حتَّى تَعفُو و تَصْفَحَ ؛ و رُبَّما أثابكَ من نُورِ الرِّضَا ما ترْحَمُ بهِ من ظَلَمكَ ، فتَدْعوَ لهُ فتُجابَ فيهِ دعوَتُكَ .
    و ما أحسنَ ذلكَ ، إذا رحِمَ الله بِكَ من ظَلَمَكَ ، فتلكَ درجاتُ الصدِّيقينَ الرُّحماءِ ؛ و تَوكَّل على اللهِ ، إنَّ اللهَ يُحبُّ المتوكلينَ .
    و أما إذا ورد عليك القبضُ و لم تعلمْ لهُ سَــبَباً:
    فالوقتُ وقتانِ : ليلٌ و نهارٌ ؛ فالقبضُ أشــبهُ شيءٍ بالليلِ ، و البسْـطُ أشـبهُ شيءٍ بالنهارِ ؛ فإذا ورَدَ القبضُ بغير ســبَبٍ تعلَمُهُ فالواجبُ عليكَ السُـكونُ .
    و السُـكون على ثلاثة أشـياءَ : عن الأقوالِ و الحركاتِ و الإراداتِ.
    فإن فعلت ذلكَ فعن قريبٍ يذهبْ عنك الليلُ بطلوعِ شمسِ نهاركَ ، أو ببَدْرِ نجْمٍ تهتدي بهِ ، أو قمَرٍ تسـتضيءُ بهِ ، أو شـمسٍ تتَبصَّرُ بِها.
    و النجومُ نجومُ العِلْمِ ، و القمرُ قمَرُ التوحيدِ ، و الشمسُ شـمسُ المعرفةِ ؛ و إن تحرَّكْتَ في ظلمةِ لَيْلِكَ فقلَّما تسْــلَمُ من الهلاكِ ، و اعتبرْ بقولهِ تعالى { وَ مِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ لِتَسْـكـُنُوا فِيهِ وَ لِـتَـبْـتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْـكُرُونَ} [القصص:73] ؛ فهذا حكمُ العبوديةِ في القبضتينِ جَمِيعاً.
    و أمّا مَنْ كان وقتُهُ البَسْـطَ ، فلا يخلو من أن يعلمَ له سَــبَباً أوْ لا .. و الأسْــباب ثلاثة:
    الأولُ : زيادةٌ في الطاعةِ ، أو نوالٌ في الْمُطاعِ [مِنَ المُطاعِ] ، كالعِلْمِ و المَعرِفةِ.
    و الســببُ الثاني: زيادةٌ من دُنياً بكَسْـبٍ أو كَـرامةِ أوْ هِبَةٍ أو صِلَةٍ.
    و السـبب الثالثُ: بالمدحِ و الثناءِ مِنَ الناسِ ، و إِقبالِهِم عليكَ بـطلَبِ الدُعاءِ منكَ و تقبيلِ يديكَ .
    فإذا ورد عليك البسطُ من أحد هذه الأسـبابِ فالعبوديةُ تقتضي أن ترى أثرَ النِعمَةِ و المِنَّةِ من اللهِ عليكَ.
    و احذَرْ أن تَرَى شَـيْئاً من ذلكَ لِنفْسِـك ، وَ حَصِّنْها أنْ لا يُلَازِمَهَا خَوْفُ السَّـلْبِ ، مِمّا بهِ أنعمَ عليكَ ، فتكونَ مَمْقوتاً .
    هذا في جانبِ الطاعةِ و النَوالِ مِنَ اللهِ تعالى.
    و أمّا الزيادةُ من الدنيا ، فهيَ نعمةٌ أيْضاً ، كَالأولى ، و خَفْ مِمَّا بَطَنَ مِن آفاتِهَا.
    و أما مدحُ الناسِ لكَ ، و ثناؤُهُم عليكَ ، فالعبوديةُ تقتضي شُـكرَ النعمةِ بما سـترَهُ عليكَ .
    و خَفْ من اللهِ تعالى أن يُظهِرَ ذَرَّةً مما بَطَنَ منكَ فيَمقُتَك أقربُ الناس إليكَ.
    فهذه آداب القبض و البسطِ، في العُبُوديّةِ.
    و أما البَـسْـطُ الذي لا تَـعْـلمُ له سَــبَـباً ، فحقُّ العبودية فيهِ ترك المسؤولِ [السُؤْلِ] و الإدلالِ و الصولةِ على النساءِ و الرجالِ.
    اللهم إلا أن تقول: " سَـلِّمْ سَـلِّمْ " إلى المماتِ ؛ فهذهِ آدابُ القبضِ و البسْـطِ في العبوديةِ جَميعاً ، إن عَـقـلْتَ ، و السَّلام . " . انتهى ما ذكَـره الشـيْخُ أبو الحَسَـنِ رضي الله عنه ، وَ كلَامهُ في ذلكَ حَسَـنٌ ، و الحمدُ لله الذي بيده سَـوابغ المِنَن ." ...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  9. #9
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إنصاف بنت محمد الشامي مشاهدة المشاركة
    ... تابع
    ... ... و كان الأسـتاذ أبو عليّ الدقاق رضي الله تعالى عنه يقول: " القبضُ حَقُّ الحقِّ منكَ و البسطُ حظُّ العبدِ منهُ ، و لَأَنْ تَكونَ بحقهِ مِنْكَ أَتَمّ من أن تَكونَ بِحظِّكَ منهُ ".
    ... ... ... ... ... و إذا استسلمَ لحكمِ الوقتِ فعَنْ قريبٍ يزولُ القبضُ ، فإن الحق سبحانه قالَ: { وَ اللّهُ يَقْبِضُ وَ يَبْسُطُ } [البقرة:245].
    و قد يكون بسْــطٌ يَرِدُ بَغتةً ، و يُصادفُ صاحِبَهُ فَلْتَةً ، لا يَعرِفُ لهُ سَبباً ، يهُزُّ صاحبَهُ و يسْـتَـفِـزُّه ، فســبيل صاحِبِهِ السُّـكونُ و مُراعاةُ الأدبِ ؛ فإنَّهُ في هذا الوقتِ لهُ خَطرٌ عَظيمٌ ، فلْيحْذَر صاحِبُهُ مَكْـراً خَفِياًّ.
    كما قال بعضهم: " فُتِحَ علي بابٌ منَ البسطِ فزَلَلْتُ زَلَّةً فحُجِبْتُ عن مَقَامِي " . اهـ . كلامُ الإمامِ أبي القاسم رضي الله عنه .
    ... ... ... ... و أما البَـسْـطُ الذي لا تَـعْـلمُ له سَــبَـباً ، فحقُّ العبودية فيهِ ترك المسؤولِ [السُؤْلِ] و الإدلالِ و الصولةِ على النساءِ و الرجالِ.
    اللهم إلا أن تقول: " سَـلِّمْ سَـلِّمْ " إلى المماتِ ؛ فهذهِ آدابُ القبضِ و البسْـطِ في العبوديةِ جَميعاً ، إن عَـقـلْتَ ، و السَّلام . " . انتهى ما ذكَـره الشـيْخُ أبو الحَسَـنِ رضي الله عنه ، وَ كلَامهُ في ذلكَ حَسَـنٌ ، و الحمدُ لله الذي بيده سَـوابغ المِنَن ." ...
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله و صلّى اللهُ على سيّدنا محمّدٍ النبيّ الأعظم و على آلِهِ الطيّبين وَ باركَ و سَـلَّم .
    أتحفتنا بعض الأخوات الفاضلات بنقلٍ نفيس لهُ علاقة لطيفةٌ وثيقة بما أسلفنا ههنا آنِفاً ، فأحبَبْتُ عرضهُ للسادةِ القُرّاء بلا تعليق ، وَ إِنَّ اللبيب من الإشـارةِ يفهَمُ ... كَـتبَتْ لنا :
    قال السيد محمد مهدي الرواس الرفاعي رحمه الله تعالى في كتابه بوارق الحقائق في سياق سرده لزيارة مقام منسوب لسيدنا يونس (على نبينا و عليه الصلاة و السلام) قرب خان شيخون كتب قدس اللهُ سـره وَ رضي عنه: "
    و سِـرْتُ من المشهد الأسعد إلى " جب السقا " إلى مقام نبي الله سـيّدنا يونس عليه الصلاة والسلام ، و عجيب !! .. ، فإن هناك قبر السيد الشيخ يونس الصيادي الكَفرطابي رحمةُ الله عليه ، فدخلت و نفحتني نوافح القبول و زجيت بالأنوار , و طَفِقْتُ أَرْفَلُ بعجائب الأسـرار و قُلْتُ :
    باليُونُسَـيْنِ فتحت البابَ مُلتجئاً *** إلى رِحاب نبيٍّ حلَّ فيه وَلِيّ
    ... ولي بباهِما بالإزْدِلاف إلى *** رُكنَيْهِما حُسْنُ صِدْقٍ لا يزال ولي
    و هناك : تجلت لي الروح اليونسية ، و شـملتني نفحاتها الانسية ، و برز لي - و الفضل لله تعالى - هيكلُ القالَب اليونسي بثياب بيض ، و قد سـهَّم تلك الثياب النور ، و وجه ذلك الجناب كالبدر المنير ، و كأنه في عشر السبعين ، و قد نازلَتْ قالَبَهُ الأنور لمعات جلال معها سبحات جمال ، فوقفت أمام كرسيِّ سلطان نوبته ، و قمت مقام العبد المستجدي منهُ و به قلت :
    حُوتُ الهُمُومِ قد ابتلَعْ *** عبداً أضرّ به الهلَعْ
    و إليك جاء مُغاضِباً *** من همّه و لك انقطع
    يا يونسَ الركبِ الذي *** بدرُ السـعودِ بهِ طلعْ
    لاتنس عبدك واحمِهِ *** بشـفاعة تمحو الجَزع
    وَ أعِنْهُ بالأُنس المُزيـــــــ ـــلِ بنوره ظُلَم الفزَع
    فانبسط لي الجناب الجليل اليونسي .
    فقلت : الصلاة و السلام و التحية عليك يا نبي الله .. ما السر في قوله تعالى بشأنك { فظن أن لن نقدر عليه } ؟
    فقال : لما شارف قلبي ما شارف من الإرتياح بمحبوبيتي عند ربي ، حتى أنَّ ذلك كأَنَّهُ أخذني لإلى اسـتبعادِا صدمة القدر بشأني ، فأراد تعالى ارشاد همتي بالرجوع إليه مع التحقق في المقام الأول ، فناديتُ بعد التقام الحوت ، و أنا في مهد المحبوبية ممحواً عن شهود رتبتها :" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " ، فتفضل بالنجاة ، و كذلك يمنّ عوناً منه و عناية بها على كل مؤمن يقف ببابه مع الاطمئنان به خائفاً منه ، فإن شهود الاطمئنان مُطمِع ، و شهود الخوف مُجزع ، و الأمر بين الشهودين .
    فقلت : و هل هنا محل دفن هذا الوجود الأنور ؟
    قال : هنا بقعة ينبجس منها ماء شهود هذا الوجود .
    قلت : و على هذا فمحل الدفن بنينوى .
    فقال : هناك و هنا دار واحدة من حكم تيارها البرزخي , و هناك محل الدفن .
    فقلت : و هل لزائر هذا المقام من البركة كما لزائر ذلك المقام ؟
    فقال : إن صح القصد فالبركة واحدة ، و المشهد واحد .
    ثم عم النور ، و غلبني الجلال ، و أدهشني منه وارد الحال حتى انسلخت بالكلية عني ، و سرى حال ذلك الشهود مع إلقاء خلعة يونسية مطرزة بالإذن الجامع بقراءة { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } ماية و تسعاً و ثلاثين مرة لتفريج كل كربة ، فحمدت الله ، و إني أذنت بها لكل مسلم و مسلمة حُـبّـاً برسول الله صلى الله عليه و سلم ناصّاً على قراءة الفاتحة مرة للنبي صلى الله عليه وسلم و مرة لنبي الله يونس عليه الصلاة و السلام قبل التلاوة و بعدها . " إهــ .ما كتبت بِهِ أختنا في الله تعالى من بوارق الحقائق ، جزاها اللهُ خيراً .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  10. بارك الله بك سيدتي الفاضلة المحققة ، و اثابك الخير كل الخير و الفضل كل الفضل ..

    و اسمحوا لي ان اتطفل علي مائدتكم العامرة .. و انتم اهل كرم و جود ..

    قال في الحكم :
    << ارادتك التجريد مع ارادته اياك في الاسباب : من الشهوة الخفية ..
    و ارادتك الاسباب مع اقامته اياك في التجريد : انحطاط عن الهمة العلية
    >>

    من ابدع مقالات ابن عطاء ( رض ) ؛ و لقد طالعنا لها شروحا وشروحا و لكن ......
    فهلا عطفتم علي عبد تاه بين سطرين !! فالاوقات شاردة ..
    و الاسباب واردة فكيف السبيل .....؟
    و التجريد عزيز و الهمة اعز !!
    فاين الدليل ؟؟
    و الشهوة ماضية ................ و القلب عليل ..
    عاملكم الله بلطفه ..


  11. #11
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود محمد المحرزى مشاهدة المشاركة
    بارك الله بك سيدتي الفاضلة المحققة ، و اثابك الخير كل الخير و الفضل كل الفضل ..
    و اسمحوا لي ان اتطفل علي مائدتكم العامرة .. و انتم اهل كرم و جود ..
    قال في الحكم :" ارادتك التجريد مع ارادته اياك في الاسباب : من الشهوة الخفية ..
    و ارادتك الاسباب مع اقامته اياك في التجريد : انحطاط عن الهمة العلية
    "
    من ابدع مقالات ابن عطاء رحمه الله تعالى ؛ و لقد طالعنا لها شروحا و شروحا و لكن ......
    فهلا عطفتم علي عبدٍ تاه بين سطرين !! فالاوقات شاردة .. و الاسباب واردة فكيف السبيل .....؟ و التجريد عزيز و الهمة اعز !! فاين الدليل ؟؟ و الشهوة ماضية ..... و القلب عليل ..
    عاملكم الله بلطفه ..
    .. العفو .. العفو ...
    أهلاً بكم أخانا الكريم .. كُلُّنا ضيوف ...
    ... وَ أينَ جُمجُمَتِي مِن نِعالِ أهل التحقيق ؟؟ ..!!! ؟ ..
    نشكركم على تحسين الظنّ ، وَ لكنْ ليس مِنْ طريقنا أنْ " نَتَشَيَّخَ " على أحد ، بل لآ أراهُ مِنَ المُناسِـب وَ لا مِن الحكمة و لا من الأدب أنْ أَفصِلَ بِتجريدٍ أوْ غيرِهِ لِمَنْ لا أعرِفُ شَيْئاً عن أحوالِهِ الشخصِيّة ، وَ إِن كانت كتابتُهُ تدلّ على طيبة و حماس وَ رغبة في الدين ، عموماً ... وَ لا مِن سـبيل السلامة أيضاً أن تَسـأَلوا في خاصّةِ دِينِكُم أيّ عابر سبيل ...
    أخي الكريم ، صحيح أنَّ الجذبة القلبِيّة لا بُدَّ منها للمؤمن وَ لكنْ لِتمام صِدقِها ينبغي أنْ يَتَحَرّى صاحبُها أنْ يَكونَ مُنْضبِطاً تماماً بالسُـلُوك وفق شِـرْعَةِ سيّد المرسلين صلّى اللهُ عليه و سلّم و اتّباعِ منهاجِهِ القويم عليه أفضل الصلاة و التسليم . { لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُم شِـرْعَةً وَ مِنْهاجاً } .
    أصحابُ الصُفّة رضي اللهُ عنهم ، غالِباً ، على مَرّ نحو أحدَ عَشَـرَ عاماً مِنَ العَهْدِ النبويّ المبارَك قَلَّما تجاوَزُوا بضعةً و سبعين أو بضْعَةً و ثمانين ، حاضِرِينَ مَعاً في آنٍ واحِد ، وَ إِنْ كانوا يزيدُون على أضْعافِ ذلكَ في بعض الأحيان ، وَ لَم يتجاوَزْ مجموعُهُم فيما بَلغَنا ثمانمائة وَ شَـيْئاً ... في جميع المراحِل ...
    وَ الصحابة الكِرام رضي اللهُ عنهم ، مِنَ الرِجال ، قد عُرِفَ منهُم بِأسماءِهِم ، فيما بلغَنا ، ما يزيدُ على عشرة آلاف إلى نَحوِ اثني عشر ألفاً تقريباً ... أمّا جُملَتُهُم مع الذين لَمْ تبلُغْنا أسـماءُهُم منهم ، فقد قُدِّرَت عند بعض أهل السِيَر و التوارِيخ بما يزيدُ على مائة ألف ... و الذي يجرِي على ألسِنة كثيرين اليوم ، كما في بعض الكِتابات أيضاً ، أنَّهُم قُدِّرُوا في وقت حَجَّةِ الوداع بِنحوِ مائة وَ أربعة و عِشْـرِينَ أَلْفاً ...

    يُتبَعُ قريباً إِنْ شـاء الله تعالى ... ...




    ،
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  12. اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إنصاف بنت محمد الشامي مشاهدة المشاركة
    .. العفو .. العفو ...
    أهلاً بكم أخانا الكريم .. كُلُّنا ضيوف ...
    ... وَ أينَ جُمجُمَتِي مِن نِعالِ أهل التحقيق ؟؟ ..!!! ؟ ..
    نشكركم على تحسين الظنّ ، وَ لكنْ ليس مِنْ طريقنا أنْ " نَتَشَيَّخَ " على أحد ، بل لآ أراهُ مِنَ المُناسِـب وَ لا مِن الحكمة و لا من الأدب أنْ أَفصِلَ بِتجريدٍ أوْ غيرِهِ لِمَنْ لا أعرِفُ شَيْئاً عن أحوالِهِ الشخصِيّة ، وَ إِن كانت كتابتُهُ تدلّ على طيبة و حماس وَ رغبة في الدين ، عموماً ... وَ لا مِن سـبيل السلامة أيضاً أن تَسـأَلوا في خاصّةِ دِينِكُم أيّ عابر سبيل ...
    أخي الكريم ، صحيح أنَّ الجذبة القلبِيّة لا بُدَّ منها للمؤمن وَ لكنْ لِتمام صِدقِها ينبغي أنْ يَتَحَرّى صاحبُها أنْ يَكونَ مُنْضبِطاً تماماً بالسُـلُوك وفق شِـرْعَةِ سيّد المرسلين صلّى اللهُ عليه و سلّم و اتّباعِ منهاجِهِ القويم عليه أفضل الصلاة و التسليم . { لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُم شِـرْعَةً وَ مِنْهاجاً } .
    أصحابُ الصُفّة رضي اللهُ عنهم ، غالِباً ، على مَرّ نحو أحدَ عَشَـرَ عاماً مِنَ العَهْدِ النبويّ المبارَك قَلَّما تجاوَزُوا بضعةً و سبعين أو بضْعَةً و ثمانين ، حاضِرِينَ مَعاً في آنٍ واحِد ، وَ إِنْ كانوا يزيدُون على أضْعافِ ذلكَ في بعض الأحيان ، وَ لَم يتجاوَزْ مجموعُهُم فيما بَلغَنا ثمانمائة وَ شَـيْئاً ... في جميع المراحِل ...
    وَ الصحابة الكِرام رضي اللهُ عنهم ، مِنَ الرِجال ، قد عُرِفَ منهُم بِأسماءِهِم ، فيما بلغَنا ، ما يزيدُ على عشرة آلاف إلى نَحوِ اثني عشر ألفاً تقريباً ... أمّا جُملَتُهُم مع الذين لَمْ تبلُغْنا أسـماءُهُم منهم ، فقد قُدِّرَت عند بعض أهل السِيَر و التوارِيخ بما يزيدُ على مائة ألف ... و الذي يجرِي على ألسِنة كثيرين اليوم ، كما في بعض الكِتابات أيضاً ، أنَّهُم قُدِّرُوا في وقت حَجَّةِ الوداع بِنحوِ مائة وَ أربعة و عِشْـرِينَ أَلْفاً ...

    يُتبَعُ قريباً إِنْ شـاء الله تعالى ... ...




    ،

    بل انتم اهل لذلك و زيادة ..
    سيدتي الكريمة دام فضلك ..
    نعم ؛ نحن نسلك حياة مليئة بالاحداث المتلاحقة و التي لا تعرف توقف ..
    و لذا رجوت منكم بيانا شافيا لابيات العارف الانفة ..
    و ما ذكرتموه هنا في بيان حال اهل الصفة و موقعهم في ديموجرافيا السكان ان جاز التعبير : نعرفه و لا ننكره في امة شعارها ( حي علي العمل )
    و نحن متشرعون بالسنة لا نحيد عنها ان شاء الله و من ابناء الازهر الشريف .
    لكننا لمسنا من مقالتكم تواضعا و ادبا قلما وجدناه في عالم الناس ..
    و ما اريده منكم فضلا لا امرا :
    ما هو الضابط الواجب علي المريد ان يسلكه عند تقارب الكفتان التجريد و قيام الاسباب ؟؟
    هل هو التوفيق بينهما ؟ و كيف يتصور ضابطه ؟ اذ النفس مجذوبة الي الاسباب ثم لا تلبث ان تفيق فتهفوا الي التجريد !!
    و ايضا :
    اني للمريد ان يعرف ان ما يسلكه من تجريد و تاله ليس في حقيقته الا شهوة خفية كما ذكر ابن عطاء ـ خصوصا ـ وانه لم يضبط الاسباب لانها علي الاقل في ـ نظرنا المتواضع ـ لا يمكن ان تسقط عنه بحال ؟؟
    و نعتذر اليكم مجددا ... و بارك الله لكم في اوقاتكم ...
    و السلام ...

  13. #13
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود محمد المحرزى مشاهدة المشاركة
    ... ... ... ... ...
    ما هو الضابط الواجب علي المريد ان يسلكه عند تقارب الكفتين التجريد و قيام الاسباب ؟؟
    هل هو التوفيق بينهما ؟ و كيف يتصور ضابطه ؟ اذ النفس مجذوبة الي الاسباب ثم لا تلبث ان تفيق فتهفوا الي التجريد !!
    و ايضا : انّى للمريد ان يعرف ان ما يسلكه من تجريد و تاله ليس في حقيقته الا شهوة خفية كما ذكر ابن عطاء ـ خصوصا ـ وانه لم يضبط الاسباب لانها علي الاقل في ـ نظرنا المتواضع ـ لا يمكن ان تسقط عنه بحال ؟؟
    و نعتذر اليكم مجددا ... و بارك الله لكم في اوقاتكم ...
    و السلام ...
    عُذراً .. إِذْ لَم أنتَبِه إلى مشاركتكم الطيّبة هذه إلاّ قبل قليل ... جزاكم الله خيراً ...
    أخي الفاضل ، إِنَّ ما يعنينا من الأسباب هو ما كان مُرتَبِطاً بِعمَلِ العبْد . وَ تَصرُّفاتُ العبْدِ لا تخرُج عن أحكام فعلِهِ السبعة في الشرع الشريف .. أي منها مفروضٌ واجِبٌ و منها مندوبٌ مُستَحَبٌّ وَ منها مُباحٌ أو جائز و منها مكرُوهٌ و منها ممنوع مُحَرَّم ، ثُمَّ مِنَ التصَرُّفاتِ عُقُودٌ صحيحة و عقودٌ باطِلة أوْ فاسدة ... فلا يُترَكُ ميزانُ الشرعِ طرفَةَ عَيْن ...
    وَ بعدَ التأَمُّل في ما جاء هُنا آنِفاً في المشاركة ذات رقم 6 عن حقيقة الرجاء ، نستحضِرُ أنَّ مقصود وجودنا في الدنيا : العَمَل ... {الذي خلَقَ المَوتَ و الحياةَ لِيبلُوَكُم أيُّكُم أحسَـنُ عمَلاً } ...{ إنّا جعَلْنا ما على الأرضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُم أَيُّهُم أحسَنُ عَمَلاً وَ إِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صعِيداً جُرُزاً } ... ثُمَّ إذا تَدبَّرْنا مطلع الآية الكريمة المذكورة هنا أوّلاً {تبارَكَ الذي بِيَدِهِ المُلْكُ و هو على كُلِّ شَـيْءٍ قَدير} ثُمَّ آخِر الآية الكريمة المذكورة ثانِياً :{ ... وَ إِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صعيداً جُرُزاً } ... تحقَّق لنا الجمعُ بين مقصد التجريد الصحيح (في اختيار الأسباب المُباحة أوْ حَسْـم العوائق) و بين عدم التفريط بالأسباب الواجِبة و المُستَحَبّة المندوب إليها ، إِنْ شاءَ الله تعالى ..
    فالإعتِمادُ في الكُلّ على مَنْ بِيَدِهِ المُلك عزَّ وَ جلّ ، و هُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدير .. الذي خلق الموت و الحياة ... ثُمَّ الإقتداء بسيّدنا رسول الله (صلّى اللهُ عليه و سلّم) في الإِقبالِ على اللهِ تعالى وَ الإعراض عمّا سِوى الله وَ عدم التعلُّق بِما لَو بَقينا لا يبقى لَنا ، فكَيْفَ إِذا كُنّا لا نبقى هُنا ؟؟ ..
    " مُداوَمة تَحَرّي الطاعة مع لُزوم الإفتقار وَ تركِ الإختيار ..." ، " صُمْ عنِ الأكوان .. تُصانُ وَ تُعان " .. " مَنْ نَوى في زواجِهِ رِضاء الله تعالى كُفِيَ وَ وُقِيَ " ... فَالأخذ بِسَبَبٍ مِنَ الأسبابِ المُباحةِ مع الإذنِ أرجى سلامةً مِنْ تركِ الأسبابِ بِلا إِذْنٍ ، و اللهُ أَعلَم .
    هذا على العموم . ثُمَّ إِنَّ كثيراً مِن الإِخوة المنتسبين اليوم إلى الشاذِلِيّة العَلِيّة لا خبرة لَهُم بِشرطِ سُلُوكِها وَ لا بِمَشْرَبِ أهلِها الأصلِيّ في التربِيَةِ بِها .. فَعِنْدَهُم أنَّ مَنْ دخَلَ في عهدِها وَ لَم يَكُنْ مُتَزَوِّجاً لاَ يُؤْذَنُ لهُ بِالتَزَوُّجِ حتّى يُفتَحَ لَهُ فيها وَ ترسخَ قَدَمُهُ ، وَ مَنْ دخَلَ في عهدِها وَ هو مُتَأَهِّلٌ لا يُؤْذَنُ لَهُ بمُفارَقَةِ الزوجة حتّى يُفتَحَ لَهُ أيضاً في هذا الطريق الشريف ... ( ليس تحريماً لِلمُباح و لكنهُ شرطٌ إختيارِيّ لِلتربِية بِصِدقِ المُراقبة و المُحاسبة ، و التوبة و الإِنابَة ...) .
    وَ كذلكَ رأينا في كثير من المنتسبين إلى النقشبَندِيّةِ العلِيّة اليوم ، لا يُحكِمُونَ عِلْمَ الشريعة و أُصولَ الدين و تعلُّمَ السُـنّة الشريفة ثُمَّ يَظُنُّون أنَّهُم مُتَحَقِّقُون بِطريقة حضرة شاه نقشبَنْد قُدِّسَ سِرُّهُ العزيز :" دِلْ با يار وَ دست بر كار " يعنِي مَع اشتغال اليد في العمل و الكسب ، يكونُ القَلبُ دائماً مرتَبِطاً بالذِكْرِ وَ في الحضور مع الربّ " سبحانَهُ و تعالى ، و كذلك مِن مشرب طريقَتِهِ :" خلْوَت درْ جلْوَتْ " ( أي يكونُ في الظاهر في مخالطة الخلق وَ لكن في الباطن في الشهود و الحضور مع الحقّ) وَ " نَظَر بَر قَدَم وَ سَفَر در وَطَن " ، وَ أعلاها في نظري :" نِهايَت دَر بِدايت " ... وَ إَنّى بِذلكَ لِمَنْ لَم يُحكِمْ ضرورِيّات العِلْمِ و معرِفَةَ السُـنّة وَ يُتْقِنْ أَنْ يَقْرنَ في ذلك حُسنَ الإتّباع مع مداومة الذِكْر ؟؟..!! ..؟؟ .
    كانَ اللهُ لنا و لَكُم في الدارَيْن وَ رزَقنا وَ إِيّاكُم حُسْـنَ المُتابَعَةِ لِسَـيِّدِ الثَقَلَيْن صلّى اللهُ عليه و على آلِهِ وَ صحبِهِ وَ سلّم . ظاهِراً وَ باطِناً بِفَضْلِهِ تعالى ... آمين .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  14. امين .. امين ..
    شكر الله لك سيدتي الكريمة ..
    و جزاك عنا و عن المسلمين الخير كل الخير ..
    و احسن اليكم و الينا في الدارين .
    و الحمد لله رب العالمين .

  15. #15

    تصليحات و إستدراكات مُهِمّة وَ تنبيهات مُفيدة ، إِن شاء الله :

    1 - قول الشارح رحمه الله : " القبضُ و البسطُ مِن الحالاتِ التِي يتَلَوَّنُ بها العارِفونَ ، و هُما بمنزلةِ "الخوفِ" و "الرجاءِ" للمريدينَ المبتدئينَ... إلخ ... تنبيه : هذا من الشيخ ابن عبّاد رحمه الله تعالى ، على معنى العلاقة لا على معنى البَدل ، و لا على معنى انحطاط مقامَي الخوف و الرجاء عن حالَتَي القبض و البسط ، فإِنَّ َالقبض والبسط عارِضان في الطريق لإستكمال التربِية و مجاوزتُهُما بعد ذلك بالإِنشغال بِشُهود المُكَوِّن – عزَّ وَ جلّ – عن الإنشغال بِشهود الكَون مطلوبة ، أمّا الخوفُ و الرجاء فمقامان مطلوبانِ على الدوام كما لا يخفى .. و اختيار مشايخنا أن يكونَ الخوفُ في أوَّائل العمر غالِباً على الرجاء من غير يأس ، و في أواخِر العمر يكون تغليبُ الرجاء من غير أمْن ... و هذا لا يتنافى مع قول سيّدنا الحسن البصرِيّ رضي الله عنه :" لو وُزِنَ خوفُ المؤمن و رجاءُهُ لاعتدَلا " ، عند التحقيق .
    وَ يظهر ذلك من تأمُّل قول الشارح رحمه الله :" الرجاءُ مَقامٌ شَريفٌ مِن مَقاماتِ اليَقينِ ، و هُوَ يَبْعثُ على الاِجتِهادِ في الأعْمَالِ ، كما ذَكَرناهُ في الْحزنِ ، لأنَّ منْ رَجا شـَـيْئاً طَلَبهُ ، و من خافَ من شــيْءٍ هرَبَ منهُ.
    و أما الرجاءُ الكاذبُ الذي يُفتِرُ صاحبَه عن العملِ ، و يُـجَرِّئُهُ على المَعاصِي و الذُّنوبِ فليس هذا برجاءٍ عندَ العلماءِ ، و لَكنهُ أُمْنيةٌ و اغْتِرارٌ بالله تعالى.... ". [ لقولِهِ عليه الصلاة و السلام :" ... وَ العاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفسَهُ هواها وَ تَمَنّى على الله ". الحديث .
    وَ قد قال رسولُ الله صلّى اللهُ عليه و سلّم :" لا يَمُوتَنَّ أحَدُكُم إِلاّ وَ هُوَ يُحسِنُ الظنَّ باللهِ عزَّ وَ جلّ " ، و قال لِذاك الصحابِيّ الذي كان على فراش الإختضار :" لا يجتمعانِ (الخوف و الرجاء) في هذا المقام في قلبِ عبدٍ إِلآ آتاهُ اللهُ ما يرجو وَ آمَنَهُ مِمّا يخاف " أو كما قال عليه الصلاة و السلام ... .

    يُتبَعُ ...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •