صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 41

الموضوع: نفحات مباركة علِيّة من شروح الحِكَم العطائيّة

  1. #16

    تابِع :
    تصليحات و إستدراكات مُهِمّة وَ تنبيهات مُفيدة ، إِن شاء الله :

    .. قولي :" ... نستحضِرُ أنَّ مقصود وجودنا في الدنيا : العَمَل ... {الذي خلَقَ المَوتَ و الحياةَ لِيبلُوَكُم أيُّكُم أحسَـنُ عمَلاً } ...{ إنّا جعَلْنا ما على الأرضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُم أَيُّهُم أحسَنُ عَمَلاً وَ إِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صعِيداً جُرُزاً } ... " .
    الصواب : أنَّ مقصود وجودنا في الدنيا إِحسـانُ العَمَل (لله تعالى وَ ابتغاء رِضاه عزَّ وَ جلَّ) .

    يُتبَعُ ...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  2. #17
    نقلُنا في الصفحة الماضِية (مشاركة رقم 7) عن الإمام الجُنيد رضي الله عنهُ :"و كان الْجُنيْد رضي الله تعالى عنه يقولُ: " الخوفُ يقبِضُنِي، و الرَّجاءُ يَبْسُطني، و الحقيقةُ تَجْمَعُني، و الحقُّ يفرقني؛ إذا قبضَني بالخوفِ، أفناني عَنِّي؛ و إذا بَسَطنِي بالرجاءِ، ردَّنِي عليَّ؛ و إذا جَمَعَني بالحقيقةِ، أحْضَرَني؛ و إذا فَرقني بالحقِّ، أشْهَدَنِي غيري، فغَطَّاني عنهُ؛ فهو في ذلك كلهِ مُحَرِّكِي، غير مُسَكني؛ و مُوحِشِي، غير مُؤنِسِي؛ فحُضُوري، لِذَوْق طَعمِ وُجُودي؛ فَلَيْتَه أَفْناني عَنِّي، فَمَتَّعني؛ أو غَيَّبَني عَنِّي، فروحني".
    كذا ورد في الأصلين المطبوعَين :" أشهدَني غيرِي .." و الصواب :" أشهَدَني غيرَهُ [تعالى] ..." .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  3. #18
    تابِع :
    تصليحات و إستدراكات مُهِمّة وَ تنبيهات مُفيدة ، إِن شاء الله :


    قولُهُ تعالى { فظن أن لن نقدر عليه } : تمام الآية { و ذا النُونِ إذ ذهبَ مغاضِباً فظن أن لن نقدِرَ عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاسـتجبنا له و نجيناه من الغم و كذلك ننجي المؤمنين } (87-88 - سُورة الأنبياء) .
    {إذْ ذهبَ مغاضِباً} لقومهِ لا تَسَخُّطاً لِأمْرِ الله تعالى ، حاشى . أيْ تركَ قَومَهُ مُغاضِباً لَهُم لَمّا لَمْ يَستجيبُوا لِدعوَةِ الله أوَّلَ مرّة : قال نحوَهُ الضحاك .
    {فظن أن لن نقدر عليه} نَقدِرَ : يرجع إلى القَدْر أي التحديد لا إلى القُدرة أي التعجيز ، حاشى أنْ يظُنَّ الأنبياءُ ذلك . أي فَكان ظَنُّهُ بالله حسناً أنَّهُ تعالى لَنْ يُضَيِّقَ عليه بالمُعاتبة و تشديد المُحاسبة على استعجالِهِ بِتركِهِم أو يُضيق عليه بِتَركِهِ في بطن الحوت ... ورد نحو ذلك عن سيّدنا عبد الله ابن عباس رضي اللهُ عنهما ، و به قال مجاهد و الضحاك و غيرهما ، و هو اختيار ابن جرير الطبرِيّ رحمهم الله ، و استشهد عليه بقوله تعالى {و من قُدِرَ عليه رزقهُ فليُنفقْ مما آتاهُ الله لا يُكلّفُ اللهُ نفسا إلا ما أاتاها سَـيَجعلُ اللهُ بعد عُسْـرٍ يُسْـراً }.

    يُتبَعُ ...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  4. #19
    تابِع :

    " ... ... ... ما السر في قوله تعالى بشأنك { فظن أن لن نقدر عليه } ؟
    فقال : لما شارف قلبي ما شارف من الإرتياح لِمحبوبيتي عند ربي ، حتى أنَّ ذلك كأَنَّهُ أخذني إِلى اسـتبعادِ صدمة القدر في شأني ، فأراد تعالى ارشاد همتي بالرجوع إليه و البقاء معهُ بِالتحقق في المقام الأول ، [ شُهُود حقيقة :" كانَ اللهُ وَ لَمْ يَكُن شيْءٌ غيرُهُ " ، لِمُداومة الإِفتقار إلى الواحِدِ القهّار] ، فناديتُ بعد التقام الحوت ، و أنا في مهد المحبوبية ممحُوّاً عن شهود رتبتها :" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " ، فتفضَّلَ بالنجاةِ ، و كذلك يَمُنّ ، عوناً منه و عِناية ، بها على كل مؤمن يقف ببابه مع الاطمئنان به خائفاً منه ، فإن شهود الاطمئنان مُطمِع ، و شهود الخوف مُجزع ، و الأمر بين الشهودين . "
    كَرِّر التأمُّل هُنا و المُقارنة مع ما نقلنا في القبض و البسط عن الشارِح رحمه الله و خاصّةً ما نَقَلَهُ عن شيخ الإِسلام سيّدنا الإِمام السيّد أبي الحسن الشاذِلِيّ رضي اللهُ عنهُ يحصل المقصود إِنْ شاء الله .
    " ... ... ... و سرى حال ذلك الشهود مع إلقاء خلعة يونسية مطرزة بالإذن الجامع بقراءة { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } ماية و تسعاً و ثلاثين مرة لتفريج كل كربة ، فحمدت الله ، و إني أذنت بها لكل مسلم و مسلمة حُـبّـاً برسول الله صلى الله عليه و سلم حاضّاً على قراءة الفاتحة مرة للنبي صلى الله عليه وسلم و مرة لنبي الله يونس عليه الصلاة و السلام قبل التلاوة و بعدها . " إهــ . ...
    فائدة مُهِمّة : إرشاد حضرة مولانا الحاجّ عبد الوهّاب من رايوند أيَّدهُ الله تعالى لكلّ مسلم بنيّة رفع الضيق وَ الشِدّة عن الأُمّة الحبيبة تكرارها 376 مرّة إِنْ شاء اللهُ تعالى ...
    (مُلاحظة : تجربة الأمة الضعيفة أنَّ الأحوط (لقوّة الذاكِر و صحّتِهِ إِنْ كان ضعيفاً) أنْ لا يبدأ بِها و هو على جوع شديد ، فإِنْ فعل فلا يأكل بعدها فوراً حتّى يسْـتريحَ شيْئاً ، و اللهُ أعلَم ، وَ سأسألُ عن ذلك سادتنا الشيوخ إِن شاء الله ...) .

    يُتبَعُ ...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  5. #20
    تابِع :

    قول : " صُمْ عنِ الأكوان .. تُصانُ وَ تُعان " .
    تفسيرُهُ في تتمَّتهِ :" و أفْنَ عَنْكَ لتصيرَ باقياَ بالله " .
    هذا مروِيٌّ عن سيّدنا الإمام الربّانِيّ الكبير حضرة مولانا السيّد الشيخ أحمد الرفاعِيّ الحسينِيّ الهاشميّ رضي الله عنهُ .
    قال العلاّمة الشيخ عبد العزيز بن أحمد الديريني الشافعي رحمه الله تعالى:
    أخبرنا شيخنا و مرشدنا العارف بالله الشيخ أبو الفتح الواسطي قدس الله سره و روحه أَنَّ شيخهُ إمامَ القوم سَـيّد عصرهِ الملاذ الأجل السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه قالَ لهُ يوماً :
    " أي وَلَدِي أدفن القامة تحت الاستقامة لتكون مستقيما و مُتْ عند كلمة الحق لله تعالى و لا تعبأ بهذه الزخارف الدنيوية و احذر أن تُصَدَّ بها عَنِ اللهِ تعالى و لا تتعَدَّ حُدود الله وَ قِفْ مع الأوامر الإلهية و انصرِفْ عن النواهِي و صًمْ عن الأكوان واعلم أني رأيت جدي رسولَ الله صلّى اللهُ عليه و سلم في أول شهر رمضان في عالم المثال فقال لي :

    " يا وَلَدِي صُمْ عن الأكوان تعان و تصان و افْنَ عَنْكَ لتصير باقياً بالله "

    هذا كلامه صلى الله عليه و سلم فاعمل به و اتق الله إنَّ اللهَ مع المتقين
    " أهــ .
    .

    يُتبَعُ ...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  6. #21
    تاريخ التسجيل
    May 2013
    الدولة
    المنيعة - الجزائر
    المشاركات
    763
    مقالات المدونة
    18
    عليكم و أنتم تنقلون من هذا النبع الصافي الذي تمتزج فيه الحكمة و العمل .


  7. #22

    بسم الله الرحمن الرحيم .
    الحمد لله .. وجَدتُ أنَّنا هذه الأيّام وَ أكثرَ أهلِ الزمان في حاجةٍ مُلِحّةٍ إِلى مزيد التأمُّل في مِثْلِ ما نقلنا في المشاركة رقم 8 ، مع ما قبلها (في الصفحة الأُولى من هذا الموضوع ) عن الشيخ ابن عبّاد الرُنْدِيّ رحمه الله تعالى مِمّا نقلَهُ عن سيّدنا الإِمام شيخ الإِسـلام السيّد أبي الحسن الشاذِلِيّ رضي اللهُ عنهُ في شرح الحِكَم ، و سـائِرِ السادة العارِفِين العامِلين بِسُـنَّةِ سَـيِّدِ المُرسلين صلّى اللهُ عليه و سلّم ، و محاولة المراقبة لأحوالِنا و معاملتنا مع الله في السِرّ و العلن و معاملاتِنا مع سائر العِباد ، بِالإِستفادة من تلك النصائح و العمل بمقتضى ما فيها من الإِرشادات ، إِنْ شــاء الله ..
    فإِنَّ مِنْ أسباب النكسات : معاصي الخلوات ...
    وَ قد رأيتُ كثيرين لا يرونَ حُبَّ الدُنيا وَ طولَ الأَمَلِ فيها ذنباً بل رأيتُهُم يستغفِرُون وَ يَتُوبُونَ من أكثر الذنوب وَ قَلَّ مَنْ يفطَنُ منهُم إِلى الإِستغفارِ منْ حُبِّ الدُنيا و التوبَةِ منهُ وَ تطهير القلب من آثارِهِ و اسـتدامة ذلك بِصِدقٍ في النِيّةِ و السُلُوكِ ، مع أنَّ حُبَّ الدُنيا أدوَمُ في القلب من تلك الذنوب وَ هُوَ رأسُ كُلِّ خطيئة ...
    وَ كذلك رأيتُ بعض الناس لا يرونَ تركَ الجُهدِ لِنَشْرِ الإِسْـلامِ في العالَم كُلِّهِ [بالدعوة الحكيمة ثُمَّ بالتعليم لِمَنْ قبِلَ] نَقْصاً خطيراً و العِياذُ بالله .. وَ قد قالَ سَيِّدُنا عُمَرُ الفارُوقُ رضي اللهُ عنهُ :" ... وَ لَنْ يَهْلِكَ امْرُؤٌ حتّى يُؤْثِرَ شَــهْوَتَهُ على دِيْنِهِ " ... نسألُ اللهَ العفْوَ وَ العافِية وَ حُسْنَ الخِتام .
    قال ابنُ عبّاد رحمه الله ، بعدَ كلامٍ :
    " وَ قد رأيتُ كلاماً مَبسـوطاً مُسْــتَوْفىً في آداب القبض و البسـط لسيدي الإمام الشيخ أبي الحسنِ الشاذلي رضي الله تعالى عنهُ ، فأحبَبتُ أن أَذْكُرَه هَهُنا ، لِتَتِمَّ بهِ الفائِدةُ الَّتي تَعرَّضَ لها المؤلفُ [ابن عطاء] رحمهُ الله تعالى ، و إنْ كانَ كلامُ الشـيخِ أبي الحسنِ رضي اللهُ عنهُ في ذلكَ أعمَّ مِمَّا هو عندَ غيرِهِ مِن أئمةِ الصوفيةِ.
    قال رحِمَهُ الله تعالى وَ رضيَ عنهُ: " القبضُ و البسـطُ قلَّما يخلو العبدُ منهما ، و هما يَتعاقَبانِ كـتعاقبِ الليلِ و النهارِ ، و الحقُّ سـُـبحانَه يرتضي منك العبوديةَ فيهِمَا.
    فمن كان وقتَهُ القبضُ ..
    فلا يخلُو من أن يعلمَ سـبَبَهُ أوْ لا يعلمَ .. و أسـبابُ القبضِ ثلاثةٌ:
    • ذَنْبٌ أحدَثْتَهُ.
    • أو دُنْيا ذَهَبَتْ عنْكَ ، أو نقَصَت لكَ.
    • أو ظالمٌ يؤذيكَ في نفسِكَ ، أو في عِرضِك ، أو يَنْسبك لغير دينِ ، أو غير ذلك.
    فإذا ورد عليك القبضُ من أحد هذه الأسبابِ فالعبوديةُ تقتَضِي أن ترجِعَ إلى العِلمِ ، مُسـتَعمِلاً لهُ ، كما أمركَ الله تعالى.
    أما في الذنبِ ، فبالتوبةِ و الإنابةِ و طلبِ الإقالةِ.
    و أما فيما ذهبَ عنكَ من الدُّنيَا أو نَقَصَ ، فبِالتَّسليمِ و الرِّضَا و الاحتسـابِ.
    و أما فيما يؤذيكَ بهِ ظالمٌ ، فبالصبرِ و الاحتمالِ .
    و احذرْ أن تظلِمَ نفسَـكَ ، فيجتَمِعَ عليكَ ظُلمانِ ، ظلمُ غيركَ لكَ و ظلمُكَ لِنَفسكَ ، فإنْ فعلتَ ما التزمتَ بهِ من الصبرِ و الاحتمالِ ، أثابكَ سَــعَةَ الصدرِ حتَّى تَعفُو و تَصْفَحَ .. و رُبَّما أثابكَ من نُورِ الرِّضَا ما ترْحَمُ بهِ من ظَلَمكَ فتَدْعوَ لهُ فتُجابَ فيهِ دعوَتُكَ .
    و ما أحسنَ ذلكَ ، إذا رحِمَ الله بِكَ من ظَلَمَكَ ، فتلكَ درجاتُ الصدِّيقينَ الرُّحماءِ .. و تَوكَّل على اللهِ ، إنَّ اللهَ يُحبُّ المتوكلينَ .
    و أما إذا ورد عليك القبضُ و لم تعلمْ لهُ سَــبَباً:
    فالوقتُ وقتانِ : ليلٌ و نهارٌ ؛ فالقبضُ أشــبهُ شيءٍ بالليلِ ، و البسْـطُ أشـبهُ شيءٍ بالنهارِ ؛ فإذا ورَدَ القبضُ بغير ســبَبٍ تعلَمُهُ فالواجبُ عليكَ السُـكونُ .
    و السُـكون على ثلاثة أشـياءَ : عن الأقوالِ و الحركاتِ و الإراداتِ.
    فإن فعلت ذلكَ فعن قريبٍ يذهبْ عنك الليلُ بطلوعِ شمسِ نهاركَ ، أو ببَدْرِ نجْمٍ تهتدي بهِ ، أو قمَرٍ تسـتضيءُ بهِ ، أو شـمسٍ تتَبصَّرُ بِها.
    و النجومُ نجومُ العِلْمِ ، و القمرُ قمَرُ التوحيدِ ، و الشمسُ شـمسُ المعرفةِ ، و إن تحرَّكْتَ في ظلمةِ لَيْلِكَ فقلَّما تسْــلَمُ من الهلاكِ ، و اعتبرْ بقولهِ تعالى { وَ مِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ لِتَسْـكـُنُوا فِيهِ وَ لِـتَـبْـتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْـكُرُونَ} [القصص:73] ؛ فهذا حكمُ العبوديةِ في القبضتينِ جَمِيعاً.
    و أمّا مَنْ كان وقتُهُ البَسْـطَ ..
    فلا يخلو من أن يعلمَ له سَــبَباً أوْ لا .. و الأسْــباب ثلاثة:
    الأولُ : زيادةٌ في الطاعةِ ، أو نوالٌ في الْمُطاعِ [مِنَ المُطاعِ] ، كالعِلْمِ و المَعرِفةِ.
    و الســببُ الثاني: زيادةٌ من دُنياً بكَسْـبٍ أو كَـرامةِ أوْ هِبَةٍ أو صِلَةٍ.
    و السـبب الثالثُ: بالمدحِ و الثناءِ مِنَ الناسِ ، و إِقبالِهِم عليكَ بـطلَبِ الدُعاءِ منكَ و تقبيلِ يديكَ .
    فإذا ورد عليك البسطُ من أحد هذه الأسـبابِ فالعبوديةُ تقتضي أن ترى أثرَ النِعمَةِ و المِنَّةِ من اللهِ عليكَ.
    و احذَرْ أن تَرَى شَـيْئاً من ذلكَ لِنفْسِـك ، وَ حَصِّنْها أنْ لا يُلَازِمَهَا خَوْفُ السَّـلْبِ ، مِمّا بهِ أنعمَ عليكَ ، فتكونَ مَمْقوتاً .
    هذا في جانبِ الطاعةِ و النَوالِ مِنَ اللهِ تعالى.
    و أمّا الزيادةُ من الدنيا ، فهيَ نعمةٌ أيْضاً ، كَالأولى ، و خَفْ مِمَّا بَطَنَ مِن آفاتِهَا.
    و أما مدحُ الناسِ لكَ و ثناءُهُم عليكَ ، فالعبوديةُ تقتضي شُــكرَ النعمةِ بما سـترَهُ عليكَ .
    و خَفْ من اللهِ تعالى أن يُظهِرَ ذَرَّةً مما بَطَنَ منكَ فيَمقُتَك أقربُ الناس إليكَ.
    فهذه آداب القبض و البسطِ، في العُبُوديّةِ.
    و أما البَـسْـطُ الذي لا تَـعْـلمُ له سَــبَـباً ، فحقُّ العبودية فيهِ تَرْكُ المسؤولِ [السُؤْلِ] و الإدلالِ و الصَوْلةِ على النساءِ و الرجالِ.
    اللهم إلا أن تقول: " رَبِّ سَــلِّمْ سَــلِّمْ " إلى المماتِ ...
    فهذهِ آدابُ القبضِ و البسْـطِ في العبوديةِ جَميعاً ، إن عَـقـلْتَ ، و السَّـلام . " إهــ .
    انتهى ما ذكَـره الشـيْخُ أبو الحَسَـنِ رضي الله عنه ، وَ كلَامهُ في ذلكَ حَسَـنٌ ، و الحمدُ لله الذي بيده سَـوابغ المِنَن ." إهـ . ما نقلنا عن ابنِ عبّاد رحمه الله في شرح الحِكَم .
    جزى اللهُ عنّا سيِّدَنا مُحَمَّداً صلّى اللهُ عليه و سلّم ما هُوَ أَهلُهُ ... و الحمدُ لِلّهِ رَبِّ العالَمِين .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  8. #23
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إنصاف بنت محمد الشامي مشاهدة المشاركة
    قولُ : " صُمْ عنِ الأكوان .. تُصانُ وَ تُعان " . تفسيرُهُ في تتمَّتهِ :" و أفْنَ عَنْكَ لتصيرَ باقياَ بالله " .
    وَ هذا مروِيٌّ عن سيّدنا الإمام الربّانِيّ الكبير حضرة مولانا السيّد الشيخ أحمد الرفاعِيّ الحسينِيّ الهاشميّ رضي الله عنهُ .
    قال العلاّمة الشيخ عبد العزيز بن أحمد الديريني الشافعي رحمه الله تعالى: أخبرنا شيخنا و مرشدنا العارف بالله الشيخ أبو الفتح الواسطي قدس الله سره و روحه أَنَّ شيخهُ إمامَ القوم سَـيّد عصرهِ الملاذ الأجل السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه قالَ لهُ يوماً :
    " أي وَلَدِي أدفن القامة تحت الاستقامة لتكون مستقيما و مُتْ عند كلمة الحق لله تعالى و لا تعبَأْ بهذه الزخارف الدنيوية و احذر أن تُصَدَّ بها عَنِ اللهِ تعالى و لا تتعَدَّ حُدود الله وَ قِفْ مع الأوامر الإلهية و انصرِفْ عن النواهِي و صًمْ عن الأكوان واعلم أني رأيت جدي رسولَ الله صلّى اللهُ عليه و سلم في أول شهر رمضان في عالم المثال فقال لي: " يا وَلَدِي صُمْ عَنِ الأكوان تُعانُ وَ تُصان و افْنَ عَنْكَ لِتصِيرَ باقياً بالله "
    هذا كلامُهُ صلّى الله عليه و سلم فاعمل به و اتق الله إنَّ اللهَ مع المتقين
    " أهـ .
    تنبيهٌ آخَرُ ، أيضاً ، مَع فوائِدَ مُهِمَّةٍ جِدّاً :
    قَولُهُ رحمه الله و رضي عنهُ :" هذا كلامه صلى الله عليه و سلم فاعمل به و اتق الله إنَّ اللهَ مع المتقين " أهــ .
    قد قال قبلها :" و لا تتعَدَّ حُدودَ الله وَ قِفْ مع الأوامر الإلهية و انصرِفْ عن النواهِي " وَ أخبر أنَّ رُؤْياهُ لِجَدِّهِ الأعظَم صلّى اللهُ عليه و سلّم كانت في عالَم المِثال وَ أنَّها كانت في أوَّلِ شهرِ رمضان الذي تُصَفَّدُ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ فلا يَصِلُونَ فِيهِ إِلى ما يَصِلُونَ إِلَيْهِ في غَيْرِهِ ... " وَ ههُنا تفصيلٌ كثير ، أصابَ فيه جُمهورُ علماءِ الشريعةِ الكِرامِ ، شكرَ اللهُ سعيَهُم ، وَ غَلِطَ فيه بعضُ الناس ، لِذا أحبَبنا أنْ نسْـتَأْنِسَ بإِيراد الفوائد التاليه :
    قال العلاّمة الحافظ العراقِيّ رحمه الله في كتاب " طرح التثرِيب بِشَـرْحِ التقريب " بعد كلامٍ :" ... لو أخبر صادِقٌ عَنِ النبيّ صلّى اللهُ عليه و سلم في النوم بحُكْمٍ شرعي مُخالِفٍ لما تقرَّرَ في الشـريعة لَمْ نعتمِدْهُ .
    و ذكر بعضهم أنَّ سَـبَبَ ذلك نقصُ الرائي لعدم ضبْطِهِ . و قد حُكِيَ عن القاضي حُسَيْنٍ [أحَدِ كبارِ أصحابِ الوُجُوه في المذهبِ الشافِعِيِّ] أنَّ شَــخصا قال له ليلةَ شَــكٍّ : رأيتُ النبيَّ صَلّى اللهُ عليه وَ سَــلَّم و قال لي صُمْ غداً (أو نحو ذلك) فقال له القاضي رحمه الله : قد قال لنا في اليقظة لا تصوموا غدا فنحن نعتمد ذلك (أوْ ما هذا مَعْناهُ ) ، و حَكَى القاضي عياضٌ الإجماعَ على عدم اعتماد المنام في ذلك. " إهــ .
    وَ في معالِمِ السُنَن للإِمام الحافِظِ الفقيه أبي سُــلَيْمانَ الخَطّابِيّ رحمه الله ، تحت أحاديث رُؤْيا المُؤْمن الصادق و أنَّ الرُؤْيا الصالحة جزْءٌ من ستَّةٍ وَ أربعين جُزْءاً من النبُوّة ، في شرحِ مُنتقاهُ مِنْ سُنَنِ أبي داوُدَ رضي اللهُ عنهُ ، بعدَ كلامٍ :" ... و إنما كانت من أجزاء النبوة في حق الأنبياء صلوات اللهِ عليهم دُونَ غيرِهِم ، لأنَّ الأنبياء صلواتُ اللهِ عليهم يُوحَى إليهم في مَنامِهم كما يُوحَى إليهم في اليَقظة ... قال :" ... و قال بعضُ أهْلِ العِلْمِ معناه أن الرؤيا تجيء على موافَقَةِ النُبُوّةِ لآ أَنَّها جزءٌ باقٍ مِنَ النبوة "... إهـ .
    وَ قال بعضُ العُلَماء رحمهم الله :" ... أيْ أنَّ ذلك خصلَةٌ كريمة من خِصال الأنبِياء الكرام عليهم الصلاة و السلام لآ أنَّ ذلك المؤمِن الصادق حصل لهُ جُزْءٌ مِنَ النُبُوّةِ - حاشى - بَعْدَ خاتَمِ الأنبِياءِ و المُرسَـلِين سيّدِنا مُحَمَّدٍ رسُولِ الله صلّى اللهُ عليه و سلّم " اهـ. ثُمَّ ما جُعِلَ مُعجِزَةً لتأيِيدِ نبِيٍّ جازَ أنْ يقَعَ كرامةً لِوَلِيٍّ صادِقٍ في اتِّباعِهِ لهُ و استقامَتِهِ على نهجِهِ إِلاّ ما يُسْـتَثْنى بموجِبِ نُصُوصِ الشرعِ الشريف . وَ اللهُ أعلَم .
    وَ في كتاب تهذيب الأسماء و اللغات للإِمام النووِيّ رحمه الله تعالى :" ... و منها ( أي من خصائص النبيّ عليه الصلاة و السلام ) أنَّ مَنْ رآهُ صلّى اللهُ عليه وَ سلَّم في المنام فقد رآه حقاً فإن الشيطان لا يتمثل في صورته الكريمة ، و لكنْ لا يُعْمَلُ بما يَـسْمَعُهُ الرائي مِنْهُ في المنام مِمّا يتعلق بالأحكام ، إنْ خالفَ ما اسْـتقرَّ في الشـرعِ ، لعدم ضبْطِ الرائي لا للشـكِّ في أصلِ الرؤيا ، لأنَّ الخبَرَ لا يُقْبَلُ إلا مِنْ ضابطٍ مُكلَّفٍ و النائِمُ بخِلافِهِ " إهـ .
    وَ في مقَدِّمة الإِمام مُسْـلِم رضي اللهُ عنهُ لِجامِعِهِ في صحيح الحديث :" ... وَ حَدَّثَنا الحَسَنُ الحُلْوانِيُّ قالَ سَـمِعْتُ عَفّانَ قالَ سَــمِعْتُ أبا عَوانَةَ قالَ ما بَلَغَنِي عنِ الحَسَـنِ حدِيثٌ إِلاّ أتَيتُ بِهِ أبانَ بنَ أبِي عيّاشٍ فقَرَأَهُ عَلَيَّ " ، [أي ما بلَغَهُ حديثٌ يُروى عن الحسن البصرِيّ وَ أتى بِهِ أبانَ بنَ أبي عيّاشٍ إِلاّ وَ أخَذَهُ منهُ أبانٌ ثُمَّ قَرَّرَهُ عليه وَ زعَمَ تكَثُّراً بِغير تثَبُّتٍ أنَّهُ ثابِتٌ وَ قَرَأَهُ عليهِ وَ حَدَّثَهُ بِهِ على أنَّهُ مِنْ مَرْوِيّاتِهِ ، هذا الذي فهِمْتُهُ من جُملةِ السياق مع ما بعدَهُ و اللهُ أعلَمُ .] .. قال :" وَ حدَّثَنا سُـوَيْدُ بْنُ سَـعِيدٍ حدَّثَنا علِيُّ بْنُ مُسْـهِرٍ قالَ سَــمِعْتُ أنا وَ حَمْزَةُ الزَيّاتُ مِنْ أبانَ بْنِ أبي عَيّاشٍ نَحْواً مْنْ أَلْفِ حدِيثٍ .. قالَ عَلِيٌّ فَلَقِيتُ حَمْزَةَ فأخْبَرَنِي أَنَّهُ رأى النَبِيَّ صلّى اللهُ علَيْهِ وَ سَـلَّمَ في المَنامِ فَعَرَضَ علَيْهِ ما سَــمِعَ مِنْ أبانَ فما عَرفَ منها إِلاّ شَـيْئاً يَسِـيراً خَمْسَةً أوْ سِـتَّةً ... " .
    قال مولانا النووِيُّ ، أيضاً ، رحمه الله ، في التعليق على هذه الروايات :
    " قالَ القاضِي عِياضٌ رحِمَهُ اللهُ :" هذا وَ مِثْلُهُ اسْــتِـئْناسٌ وَ اسْـتِظْهارٌ على ما قَدْ تقرَّرَ مِنْ ضَعْفِ أبانٍ ، لآ أنَّهُ يُقْطَعُ بأمْرِ المَنامِ ، وَ لا أنَّهُ تُـبْطَلُ بِـسَــبَـبِهِ سُــنَّةٌ ثـبَـتتْ وَ لا أَنَّهُ تُـثْـبَـتُ بهِ سُــنَّةٌ لمْ تثبتْ ، وَ هذا بإجماع العلماءِ ". هذا كلام القاضي رحمه الله ، وَ كذا قالَ غيرُهُ مِنْ أصحابنا وغيرِهِمْ ، فنقلوا الاتفاقَ على أنَّهُ لا يُغَيَّرُ بسَــبَبِ ما يراهُ النائِمُ ما تقرَّرَ في الشرعِ . وَ هذا الذي ذكرناه لَيْس مخالفاً لقولِهِ صلّى اللهُ عليه وَ سَــلَّمَ " مَنْ رآني في المنامِ فقد رآني ... " ، فإنَّ مَعْنى الحديثِ أنَّ رُؤيتَهُ صَحِيحَةٌ وليسَـتْ مِنْ أضغاثِ الأحلام وَ تلبيسِ الشـيطان ، ولكنْ لا يَجُوزُ إثباتُ حُكْمٍ شــرْعِيٍّ بها لأنَّ حالةَ النومِ ليسَـتْ حالة ضبْطٍ وَ تحقيقٍ لِما يَـسْـمَعُهُ الرائِي ، وَ قد اتـفـقُوا على أنَّ مِنْ شــرْطِ مَنْ تُقْبَلُ رِوايَتُهُ وَ شـهادَتُهُ أنْ يَكُونَ مُتيقظاً لا مُغَفَّلاً ولا سَــيِّئَ الحِفْظِ وَ لا كَـثِـيرَ الخَطَأِ وَ لا مُخْتـلَّ الضَبْطِ ، و النائِمُ ليس بهذه الصفة فلم تُـقْـبَلْ روايتُهُ لاختلالِ ضَبْطِهِ.
    هذا كُلُّهُ في مَنامٍ يتعلقُ بإثباتِ حُكْمٍ عَلى خِلافِ ما يَحْكُمُ بهِ الوُلاةُ ، أمّا إذا رأى النبيَّ صَلّى اللهُ عليهِ وَسَــلَّمَ يأمُرُهُ بفِعْلِ ما هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ أوْ ينْهاهُ عَنْ مَنْهِيٍّ عنْهُ [أيْ في شِـرْعَتِهِ وَ مِنْهاجِهِ صلّى اللهُ عليهِ وَ سَـلَّم] أوْ يُرْشِـدُهُ إلى فِعْلِ مَصْلَحَةٍ ، فلا خِلافَ في اسْــتِحباب العَمَلِ على وَفْـقِهِ ، لأنَّ ذلكَ ليْسَ حُكْماً بمُجَرَّدِ المَنامِ بَلْ بِما تقرَّرَ مِنْ أصْلِ ذلكَ الشيءِ في الشَـرْعِ ، وَ اللهُ أَعْلَم ." إهـ .
    ثُمَّ الذي فَهِمْتُهُ عن أشياخِنا وَ مِنْ شُـرُوحِ النَسَــفِيَّةِ وَ غيرِها أنَّ شأْنَ الإِلْهامِ دونَ شَـأنِ المَنامِ عُموماً ، فَهَلْ رفعُ بعضِ الحُجُبِ عن العَيْنِ أو القَلْبِ في اليقظَةِ أوْ نحوُ ذلك من وقعاتِ اليقظَة أوْ عالَمِ المِثالِ في مُراقَباتِ الصادِقِينَ المُسْـتقِيمينَ بِالشَـرعِ على السُـنَّةِ ، دونَ شأْنِ المنامِ أيضاً ؟؟ .. أمْ لهُ حُكْمُهُ أمْ فوقَهُ بِقَلِيلٍ لِفُقْدانِ ما يُعتَرَضُ بِهِ مِنْ بعضِ لوازِمِ عِلّةِ النومِ في ذلك [عند غير الأنبِياءِ الكِرام عليهم السلام] ؟؟؟ .. فيه بيانٌ وَ تفصِيلٌ لا يليقُ بحال الإِنترنت ...
    لكِنْ أرجو مُراجعة ما وَرَدَ في شروحِ العُلماءِ الكِرام لِلحديث القُدسِيِّ المشهور الذي فيه :" ... ... فَإِذا أحبَبْتُهُ كُنْتُ سَــمْعَهُ الذي يَسْـمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ ... " الحديث . و نحوِهِ في كتب أهلِ الحقِّ أهلِ السُنّةِ ، من الطبعات المعتمدة ، لا مِنْ مَقُولاتِ زنادِقةِ الحُلُولِيّة وَ أصحابِ القول بالإِتّحادِ و الوحدةِ المُطلقة المزعومة الباطِلة وَ تُرَّهاتِ أذنابِهِم و المفتونِينَ بأباطيلِهِم و العياذُ بالله ...
    لكِنْ لِيُعلَمْ عُموماً أنَّ ما يُرْى في المنامِ وَ نحوِهِ لا يُروى على أنَّهُ حديثٌ نبَوِيٌّ كسائِرِ الأحادِيث الشريفةِ المروِيّةِ بالأسانيد وَ الطُرُق المعهُودة في عُلْومِ الحديث بالشروط المعروفة في تحقيق النَقْل ، وَ لكِنْ يجوزُ إِثباتُهُ في الكُتُبِ مع بيان أنَّهُ لا يُعرَفُ في الروايةِ وَ إِنَّما هو مِنْ رُؤْيا العالِم الصالِح الفُلانِيّ ، إِذا كانَ من الصالِحين الثقاتِ أهلِ الحقِّ المُتَّبِعِينَ للكتابِ وَ السُـنَّةِ الذينَ يُقتَدى بِهِم ، فَيُذْكَرُ استِئْناساً وَ عِبْرَةً في التَنَبُّهِ وَ الإِستيضاحِ فَحَسْبُ ( إِنْ لَمْ يُخالِف الشرع كما أسلفنا) مع الجَزْمِ بأنَّ في صحيحِ الأحادِيثِ المروِيَّةِ وَ حِسانِها كِفاية للفقيه و السالِك .. وَ بقِيَّةُ التفصيلِ في المُطَوّلاتِ من مُعتَمَدِ كُتُبِ المُصْطلح وَ الأُصُول ...
    وَ اللهُ وَلِيُّ الهِدايَةِ و التوفِيق .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  9. #24
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إنصاف بنت محمد الشامي مشاهدة المشاركة
    ... ... ... ...
    ... ... ... لكِنْ لِيُعلَمْ عُموماً أنَّ ما يُرْى في المنامِ وَ نحوِهِ لا يُروى على أنَّهُ حديثٌ نبَوِيٌّ كسائِرِ الأحادِيث الشريفةِ المروِيّةِ بالأسانيد وَ الطُرُق المعهُودة في عُلْومِ الحديث بالشروط المعروفة في تحقيق النَقْل ، وَ لكِنْ يجوزُ إِثباتُهُ في الكُتُبِ مع بيان أنَّهُ لا يُعرَفُ في الروايةِ وَ إِنَّما هو مِنْ رُؤْيا العالِم الصالِح الفُلانِيّ ، إِذا كانَ من الصالِحين الثقاتِ أهلِ الحقِّ المُتَّبِعِينَ للكتابِ وَ السُـنَّةِ الذينَ يُقتَدى بِهِم ، فَيُذْكَرُ استِئْناساً وَ عِبْرَةً في التَنَبُّهِ وَ مزيد الإِستيضاحِ و الفهْمِ و الإِسْــتِبْصارِ فَحَسْبُ ( إِنْ لَمْ يُخالِف الشرع كما أسلفنا) مع الجَزْمِ بأنَّ في صحيحِ الأحادِيثِ المروِيَّةِ وَ حِسانِها كِفاية للفقيه و السالِك .. وَ بقِيَّةُ التفصيلِ في المُطَوّلاتِ من مُعتَمَدِ كُتُبِ المُصْطلح وَ الأُصُول ...
    وَ اللهُ وَلِيُّ الهِدايَةِ و التوفِيق .
    ... ثُمَّ قولُ :"يا ولَدِي صُمْ عن الأكوان تعان و تصان و افْنَ عَنْكَ لتصير باقياً بالله " ..
    هذا الكلام الرائق الفائق مُوافِقٌ تماماً لما فهِمَهُ أهْلُ التحقيق من قولِ الله عزّ و جلّ { الذي خلَقَ المَوتَ و الحياةَ لِيبلُوَكُم أيُّكُم أحسَـنُ عمَلاً وَ هُوَ العزِيزُ الغَفُور } ... و قولِهِ تعالى { إنّا جعَلْنا ما على الأرضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُم أَيُّهُم أحسَنُ عَمَلاً وَ إِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صعِيداً جُرُزاً } ، أحسَنُ العَمَل الإِقتِداءُ بِسَــيِّدِنا و مولانا رَسُــولِ الله صلّى اللّهُ عليه و سلّم في إِقْبالِهِ على اللهِ عزَّ وَ جلَّ مع إِعراضِهِ عَمّا سِـواهُ مع استِحضارِنا لِما مَدحَهُ الله تعالى بِهِ بأنَّهُ { على خُلُقٍ عظيمٍ } فَلَمْ يُحدِثِْ لهُ الأُنْسُ باللهِ و الهيبَةُ جَفاءًا لِخَلْقِ الله تعالى ...
    وَ مُوافِقٌ تماماً لِما فهِمُوهُ مِن الحديث القُدسِيّ الكريم :" كُلُّ عمَلِ ابْنِ آدَمَ لهُ إِلاّ الصومُ فإِنَّهُ لِي وَ أنا أجْزِي بِهِ ..." . الحديث .. فَلْيُراجَعْ وَ لْيُتَدَبَّرْ .
    ...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  10. #25
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إنصاف بنت محمد الشامي مشاهدة المشاركة

    قَولُهُ رحمه الله و رضي عنهُ :" هذا كلامه صلى الله عليه و سلم فاعمل به و اتق الله إنَّ اللهَ مع المتقين " أهــ .
    قد قال قبلها :" و لا تتعَدَّ حُدودَ الله وَ قِفْ مع الأوامر الإلهية و انصرِفْ عن النواهِي " وَ أخبر أنَّ رُؤْياهُ لِجَدِّهِ الأعظَم صلّى اللهُ عليه و سلّم كانت في عالَم المِثال وَ أنَّها كانت في أوَّلِ شهرِ رمضان الذي تُصَفَّدُ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ فلا يَصِلُونَ فِيهِ إِلى ما يَصِلُونَ إِلَيْهِ في غَيْرِهِ ... " وَ ههُنا تفصيلٌ كثير ، أصابَ فيه جُمهورُ علماءِ الشريعةِ الكِرامِ ، شكرَ اللهُ سعيَهُم ، وَ غَلِطَ فيه بعضُ الناس ، لِذا أحبَبنا أنْ نسْـتَأْنِسَ بإِيراد الفوائد التاليه :
    قال العلاّمة الحافظ العراقِيّ رحمه الله في كتاب " طرح التثرِيب بِشَـرْحِ التقريب " بعد كلامٍ :" ... لو أخبر صادِقٌ عَنِ النبيّ صلّى اللهُ عليه و سلم في النوم بحُكْمٍ شرعي مُخالِفٍ لما تقرَّرَ في الشـريعة لَمْ نعتمِدْهُ .
    ... ... ... ... ... ... علِيُّ بْنُ مُسْـهِرٍ قالَ سَــمِعْتُ أنا وَ حَمْزَةُ الزَيّاتُ مِنْ أبانَ بْنِ أبي عَيّاشٍ نَحْواً مْنْ أَلْفِ حدِيثٍ .. قالَ عَلِيٌّ فَلَقِيتُ حَمْزَةَ فأخْبَرَنِي أَنَّهُ رأى النَبِيَّ صلّى اللهُ علَيْهِ وَ سَـلَّمَ في المَنامِ فَعَرَضَ علَيْهِ ما سَــمِعَ مِنْ أبانَ فما عَرفَ منها إِلاّ شَـيْئاً يَسِـيراً خَمْسَةً أوْ سِـتَّةً ... ".
    قال مولانا النووِيُّ ، أيضاً ، رحمه الله ، في التعليق على هذه الروايات :
    " قالَ القاضِي عِياضٌ رحِمَهُ اللهُ :" هذا وَ مِثْلُهُ اسْــتِـئْناسٌ وَ اسْـتِظْهارٌ على ما قَدْ تقرَّرَ مِنْ ضَعْفِ أبانٍ ، لآ أنَّهُ يُقْطَعُ بأمْرِ المَنامِ ، وَ لا أنَّهُ تُـبْطَلُ بِـسَــبَـبِهِ سُــنَّةٌ ثـبَـتتْ وَ لا أَنَّهُ تُـثْـبَـتُ بهِ سُــنَّةٌ لمْ تثبتْ ، وَ هذا بإجماع العلماءِ ". هذا كلام القاضي رحمه الله ، وَ كذا قالَ غيرُهُ مِنْ أصحابنا وغيرِهِمْ ، فنقلوا الاتفاقَ على أنَّهُ لا يُغَيَّرُ بسَــبَبِ ما يراهُ النائِمُ ما تقرَّرَ في الشرعِ .
    وَ هذا الذي ذكرناه لَيْس مخالفاً لقولِهِ صلّى اللهُ عليه وَ سَــلَّمَ " مَنْ رآني في المنامِ فقد رآني ... " ، فإنَّ مَعْنى الحديثِ أنَّ رُؤيتَهُ صَحِيحَةٌ وليسَـتْ مِنْ أضغاثِ الأحلام وَ تلبيسِ الشـيطان ، ولكنْ لا يَجُوزُ إثباتُ حُكْمٍ شــرْعِيٍّ بها لأنَّ حالةَ النومِ ليسَـتْ حالة ضبْطٍ وَ تحقيقٍ لِما يَـسْـمَعُهُ الرائِي ، وَ قد اتـفـقُوا على أنَّ مِنْ شــرْطِ مَنْ تُقْبَلُ رِوايَتُهُ وَ شـهادَتُهُ أنْ يَكُونَ مُتيقظاً لا مُغَفَّلاً و لا سَــيِّئَ الحِفْظِ وَ لا كَـثِـيرَ الخَطَأِ وَ لا مُخْتـلَّ الضَبْطِ ، و النائِمُ ليس بهذه الصفة فلم تُـقْـبَلْ روايتُهُ لاختلالِ ضَبْطِهِ.
    هذا كُلُّهُ في مَنامٍ يتعلقُ بإثباتِ حُكْمٍ عَلى خِلافِ ما يَحْكُمُ بهِ الوُلاةُ ، أمّا إذا رأى النبيَّ صَلّى اللهُ عليهِ وَسَــلَّمَ يأمُرُهُ بفِعْلِ ما هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ أوْ ينْهاهُ عَنْ مَنْهِيٍّ عنْهُ [أيْ في شِـرْعَتِهِ وَ مِنْهاجِهِ صلّى اللهُ عليهِ وَ سَـلَّم] أوْ يُرْشِـدُهُ إلى فِعْلِ مَصْلَحَةٍ ، فلا خِلافَ في اسْــتِحباب العَمَلِ على وَفْـقِهِ ، لأنَّ ذلكَ ليْسَ حُكْماً بمُجَرَّدِ المَنامِ بَلْ بِما تقرَّرَ مِنْ أصْلِ ذلكَ الشيءِ في الشَـرْعِ ، وَ اللهُ أَعْلَم ." إهـ .
    ... ... ... ... لكِنْ لِيُعلَمْ عُموماً أنَّ ما يُرَى في المنامِ وَ نحوِهِ لا يُروى على أنَّهُ حديثٌ نبَوِيٌّ كسائِرِ الأحادِيث الشريفةِ المروِيّةِ بالأسانيد وَ الطُرُق المعهُودة في عُلْومِ الحديث بالشروط المعروفة في تحقيق النَقْل ، وَ لكِنْ يجوزُ إِثباتُهُ في الكُتُبِ مع بيان أنَّهُ لا يُعرَفُ في الروايةِ العامّةِ الظاهِرةِ وَ إِنَّما هو مِنْ رُؤْيا العالِم الصالِح الفُلانِيّ ، إِذا كانَ من الصالِحين الثقاتِ أهلِ الحقِّ المُتَّبِعِينَ للكتابِ وَ السُـنَّةِ الذينَ يُقتَدى بِهِم ، فَيُذْكَرُ استِئْناساً وَ عِبْرَةً في التَنَبُّهِ وَ الإِستيضاحِ و مزيد الإِسْــتِبصار و نحو ذلك ( إِنْ لَمْ يُخالِف الشرع كما أسْـلَفْنا) مع الجَزْمِ بأنَّ في صحيحِ الأحادِيثِ المروِيَّةِ وَ حِسانِها كِفاية للفقيه و السالِك .. وَ بقِيَّةُ التفصيلِ في المُطَوّلاتِ من مُعتَمَدِ كُتُبِ المُصْطلح وَ الأُصُول ...
    وَ اللهُ وَلِيُّ الهِدايَةِ و التوفِيق .

    وَ مِنْ ذلك ما جاء في ترجمة الإِمام الكبير جمال الإِسْـلام الشيخ أبي إسحق الشيرازِيّ البكرِيّ الصِدِّيقِيّ رضي اللهُ عنهُ ، عند الذهبِيّ في سِير أعلام النبلاء و كثيرٍ قبْلَهُ :
    قال : " أبو إسحاق الشيرازيُّ الشيخُ الإمامُ القدوة المجتهد ، شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي الشافعي ، نزيل بغداد ، قيل: لقبه جمالُ الدين. مولده في سنة ثلاث و تسعين و ثلاث مائة . ... ... ... و قدم بغداد سنة 514 هـ ، فلزم أبا الطيّب الطبَرِيّ و برَعَ و صار مُعِيدَهُ. و كان يُضْرَبُ المَثلُ بفصاحتِهِ وَ قُوَّةِ مناظرتِهِ .
    و سَــمِعَ من أبي عليّ بن شاذان و أبي بكر البرقانِيّ و مُحمّد بن عبيد الله الخرْكوشِيّ .
    حدث عنه: الخطيبُ [البغدادِيُّ] و أبو الوليدِ الباجيّ و الحميدِيُّ و إسماعيلُ بْنُ السَـمَرْقنْدِيِّ و أبو البدر الكرْخِيّ و الزاهد يوسفُ بْنُ أيّوبَ و أبو نصرٍ أحمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ الطُوسِـيُّ و أبو الحسن بن عبد السلام و أبو الفضل أحمد بن سعد بن نصر بن حمان الهمذاني البزّاز خاتمة من روى عنه.
    قال السمعانيّ: هو إمامُ الشافعية و مدرس النظامية و شـيْخ العصر . رحل الناس إليه من البلاد و قصدوه ، و تفرد بالعلم الوافر مع السيرة الجميلة و الطريقة الحَسَنَةِ المرضية. جاءته الدنيا صاغرةً فأباها ، و اقتصر على خشونة العيش أيّام حياته.
    صنف في الأصول و الفروع و الخلاف و المذهب، و كان زاهداً وَرِعاً مُتواضِعاً، ظريفاً كريماً جواداً ، طَلِقَ الوجْهِ دائِمَ البـِشْــرِ مَلِيحَ المحاورة .

    حدثنا عنه جماعة كثيرة. حكي عنه قال: « كُنْتُ نائما ببغدادَ ، فرأيت النبيَّ صلّى اللهُ عليه و سَــلَّمَ و معه أبو بكر و عمر (رضي اللهُ عنهما)، فقلت: يا رسول الله ، بلغني عنك أحاديثُ كثيرةٌ عن ناقلي الأخبار ، فأريد أن أسمع منك حديثا أتشرف به في الدنيا و أجعلَهُ ذخرا للآخرة ، فقال لي: يا شـيْخ ، و سَــمّاني شـيْخا و خاطبني به - و كان يفرح بهذا - :
    " قُلْ عنّي: " مَنْ أرادَ السَـلامَةَ فليطلُبْها في سَـلامَةِ غيْرِهِ " ».

    قال السمعانِيُّ: سـمِعْتُ هذا بمَرْو من أبي القاسم حيدر بن محمود الشيرازي أنه سـمع ذلك منَ الشيخ أبي إسحاق رحمهم الله. " إهــ .
    صلّى اللهُ على سيّدِنا و مولانا مُحَمَّدٍ النَبِيِّ الأُمِّيِّ وَ على آلِهِ وَ صَحْبِهِ وَ بارَكَ و سَــلَّم .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  11. #26
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إنصاف بنت محمد الشامي مشاهدة المشاركة

    ... ... ... قال الذهبِيّ : " ... الشيخُ الإمامُ القدوة المجتهد ، شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي الشافعي ... ... مولده في سنة ثلاث و تسعين و ثلاث مائة . ... ... ... و قدم بغداد سنة 514 هـ ، فلزم أبا الطيّب الطبَرِيّ و برَعَ و صار مُعِيدَهُ. و كان يُضْرَبُ المَثلُ بفصاحتِهِ وَ قُوَّةِ مناظرتِهِ .
    ... ... ... ... ... قال: « كُنْتُ نائما ببغدادَ ، فرأيت النبيَّ صلّى اللهُ عليه و سَــلَّمَ و معه أبو بكر و عمر (رضي اللهُ عنهما)، فقلت: يا رسول الله ، بلغني عنك أحاديثُ كثيرةٌ عن ناقلي الأخبار ، فأريد أن أسمع منك حديثا أتشرف به في الدنيا و أجعلَهُ ذخرا للآخرة ، فقال لي: يا شـيْخ ، و سَــمّاني شـيْخا و خاطبني به - و كان يفرح بهذا - :
    " قُلْ عنّي : " مَنْ أرادَ السَـلامَةَ فليطلُبْها في سَـلامَةِ غيْرِهِ " ».
    قال السمعانِيُّ: سـمِعْتُ هذا بمَرْو من أبي القاسم حيدر بن محمود الشيرازي أنه سـمع ذلك منَ الشيخ أبي إسحاق رحمهم الله. " إهــ .
    صلّى اللهُ على سيّدِنا و مولانا مُحَمَّدٍ النَبِيِّ الأُمِّيِّ وَ على آلِهِ وَ صَحْبِهِ وَ بارَكَ و سَــلَّم .
    عفواً .. الصواب :" دخل بغداد سنة 415 هــ " ، لا 514 ، فقد وقع خطأً في الطباعة ، أي كانَ لهُ آنذاك مِنْ عُمره المبارك ، رحمه الله ، إِثنانِ وَ عِشْـرُونَ عاماً ، وَ لازَمَ مَجلِسَ الإِمامِ الكبيرِ القاضِي أبي الطَيِّبِ طاهِر بْن عبْدِ اللهِ الطَبَرِيِّ رحمه الله من تِلْكَ السنة (415 هـ) إِلى سـنة 430 هـ . ... ...
    وَ مِنْ جُملَةِ ما وصفهُ بِهِ الإِمامُ الشيخُ أبُو زكرِيّا النوَوِيّ رحِمَه الله ، في أوَّل المجموع في شرح المهذّب ، أنْ قال :
    " ... هُوَ الإِمامُ المُحَقِّقُ المُتْقِنُ المُدَقِّقُ ذُو الفُنُونِ مِنَ العُلُومِ المُتكاثِرات ، و التصانِيفِ النافِعَةِ المُسْــتَجاداتِ ، الزاهِدُ العابِدُ الوَرِعُ المُعْرِضُ عَنِ الدُنْيا المُقْبِلُ بِقَلِبِهِ على الآخِرة ، الباذِلُ نَفْسَــهُ في نُصْرَةِ دِينِ اللهِ تعالى ، المُجانِبُ لِلْهَوى ، أَحَدُ العُلَماءِ الصالِحِين وَ عِبادِ اللّهِ العارِفِينَ الجامِعِينَ بَيْنَ العِلْمِ و العِبادة وَ الوَرَعِ و الزهادة ، المُواظِبِينَ على وظائِفِ الدِينِ و اتّباعِ هَديِ سَــيِّدِ المُرْسَــلِين صلّى اللهُ عليه و سلّم ... و رضيَ اللهُ عنهُم أجمعين ...
    وَ هذا نقل (صُوَر) لِثلاث صفحات مِنْ ترجمتِهِ من مقدّمة المجموع للإِمام النوَوِيّ رحمهما اللهُ تعالى ، (من غير استدراك أوْ تصليح أخطاء) :
    وَ اللهُ وَ لِيُّ الهِداية و التوفيق .
    الصور المرفقة الصور المرفقة
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  12. #27
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إنصاف بنت محمد الشامي مشاهدة المشاركة
    ... ثُمَّ قولُ :"يا ولَدِي صُمْ عن الأكوان تعان و تصان و افْنَ عَنْكَ لتصير باقياً بالله " ..
    هذا الكلام الرائق الفائق مُوافِقٌ تماماً لما فهِمَهُ أهْلُ التحقيق من قولِ الله عزّ و جلّ { الذي خلَقَ المَوتَ و الحياةَ لِيبلُوَكُم أيُّكُم أحسَـنُ عمَلاً وَ هُوَ العزِيزُ الغَفُور } ... و قولِهِ تعالى { إنّا جعَلْنا ما على الأرضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُم أَيُّهُم أحسَنُ عَمَلاً وَ إِنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صعِيداً جُرُزاً } ، أحسَنُ العَمَل الإِقتِداءُ بِسَــيِّدِنا و مولانا رَسُــولِ الله صلّى اللّهُ عليه و سلّم في إِقْبالِهِ على اللهِ عزَّ وَ جلَّ مع إِعراضِهِ عَمّا سِـواهُ مع استِحضارِنا لِما مَدحَهُ الله تعالى بِهِ بأنَّهُ { على خُلُقٍ عظيمٍ } فَلَمْ يُحدِثْ لهُ الأُنْسُ باللهِ و الهيبَةُ جَفاءًا لِخَلْقِ الله تعالى ...
    وَ مُوافِقٌ تماماً لِما فهِمُوهُ مِن الحديث القُدسِيّ الكريم :" كُلُّ عمَلِ ابْنِ آدَمَ لهُ إِلاّ الصومُ فإِنَّهُ لِي وَ أنا أجْزِي بِهِ ..." . الحديث .. فَلْيُراجَعْ وَ لْيُتَدَبَّرْ .
    ...
    { ... لعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أيّاماً معدُوداتٍ ... ... يُريدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْــرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْــر .. وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ... { ... وَ إِنْ تَشْــكُرُوا يَرْضَهُ لَكُم } ...
    فالصومُ عَنِ الهَوى بابُ الصيامِ عن السِــوى ، وَ تحقُّقُ الباطِنِ بالصيامِ عن السِوى عِصمَةٌ إِنْ شــاء الله عن الإِنتكاسِ في براثِنِ الهَوى وَ أَسْــرِ النَوى .. { وَ مَنْ يعتَصِمْ باللّهِ فقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسـتَقيم } ...
    وَ إِلى نحوِ ذلك إِشـارةُ في نصيحةِ سَــيِّدِنا عُمَرَ الفارُوقِ رضِيَ اللهُ عنْهُ :" لآ تُلْهِكَ الناسُ عن نَفْسِـكَ فإِنَّ الأَمْرَ يَصِيرُ إِلَيْكَ دُونَهُم " ... إِذِ الخَلْقُ حِجابُكَ عنْ نَفْسِــكَ وَ النَفْسُ حِجابُكَ عَنْ رَبِّكَ .. فما دُمْتَ مَشْــغُولاً بِطَلَبِ المَنْصِبِ وَ مُلاحظَةِ الجاهِ عِنْدَ الخَلْقِ فأَنْتَ مَحجُوبٌ عنْ رُؤْيَةِ عُيُوبِ نَفْسِكَ وَ عن تزكِيَتِها و إِصلاحِها ، وَ ما دُمْتَ مَحجُوباً بِهَوى النَفْسِ مشغُولاً بِمُطالَعَةِ حُظُوظِها في العاجِلةِ فأَنْتَ محجُوبٌ بذلك عنْ رَبِّكَ وَ مَراضِيهِ ، سُــبْحانَهُ ...
    { تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نجعَلُها لِلّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً في الأَرْضِ وَ لا فَســاداً و العاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } ...
    اللّهُمَّ إِنّا نَسْــأَلُكَ رِضاكَ وَ الجَنَّةَ و نعُوذُ بِكَ مِنْ غَضَبْكَ و النار .. اللّهُمَّ إِنّا نَسْــأَلُكَ أَنْ لا تَعَذِّبَنا بِذُلِّ الحِجاب .. بِجاهِ سَــيِّدِ سـاداتِ الأحباب ، عليه أفضَلُ الصلاةِ و أَتَمُّ التسلِيم ، يا كرِيمُ يا وَهّاب .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  13. #28

    بسم الله الرحمن الرحيم .
    الحمد لله ، و الصلاةُ و السلامُ على سيّدنا و مولانا مُحَمّدٍ رسولِ الله ..
    في المقطع التالي مِمّا نقلناهُ في المشاركة ذات رقم 22 انتبهنا إِلى بعض أخطاء مطبعِيّة (غير التي أصلحناها من قبلْ) موجودة في الطبعتَيْن من شرح ابن عبّاد رحمه الله للحكم العطائِيّة : أُورِدُ الخطأ باللون الليلكِيّ أو البنفسجِيّ ثُمَّ أُتبِعُ ذلك بإِعادة العبارة على الصواب إِنْ شــاءَ الله :
    في المطبُوع " ... ... فهذا حكمُ العبوديةِ في القبضتينِ جَمِيعاً. (الصواب :" ... فهذا حُكْمُ العُبُودِيّةِ في القَبْضَيْنِ جميعاً " .. أي القبض الذي تعلَمُ لهُ سَبَباً و القبض الذي لا تعلَمُ لهُ سَــبَباً . )
    و أمّا مَنْ كان وقتُهُ البَسْـطُ .. (كانَ هُنا تامّة)
    فلا يخلو من أن يعلمَ له سَــبَباً أوْ لا .. و الأسْــبابُ ثلاثةٌ:
    الأولُ : زيادةٌ في الطاعةِ ، أو نوالٌ في الْمُطاعِ [مِنَ المُطاعِ] ، كالعِلْمِ و المَعرِفةِ. ( الصوابُ المُرَجَّحُ : " ... نوالٌ مِنَ المُطاعِ ، كالعِلْمِ و المعرِفةِ " )
    و الســببُ الثاني: زيادةٌ من دُنياً بكَسْـبٍ أو كَـرامةِ أوْ هِبَةٍ أو صِلَةٍ.
    و السـبب الثالثُ: بالمدحِ و الثناءِ مِنَ الناسِ ، و إِقبالِهِم عليكَ بـطلَبِ الدُعاءِ منكَ و تقبيلِ يديكَ .
    فإذا ورد عليك البسطُ من أحد هذه الأسـبابِ فالعبوديةُ تقتضي أن ترى أثرَ النِعمَةِ و المِنَّةِ من اللهِ عليكَ.
    و احذَرْ أن تَرَى شَـيْئاً من ذلكَ لِنفْسِـك ، وَ حَصِّنْها أنْ لا يُلَازِمَهَا خَوْفُ السَّـلْبِ ، مِمّا بهِ أنعمَ عليكَ ، فتكونَ مَمْقوتاً . ( يُحتملُ أنْ يكونَ اصلُ العبارة :" وَ حَصِّنْها أنْ لا يُلَازِمَهَا خَوْفُ السَّـلْبِ لِمّا هُوَ أنعمَ بهِ عليكَ " ) .
    هذا في جانبِ الطاعةِ و النَوالِ مِنَ اللهِ تعالى.
    و أمّا الزيادةُ من الدنيا ، فهيَ نعمةٌ أيْضاً ، كَالأولى ، و خَفْ مِمَّا بَطَنَ مِن آفاتِهَا.
    و أما مدحُ الناسِ لكَ و ثناءُهُم عليكَ ، فالعبوديةُ تقتضي شُــكرَ النعمةِ بما سـترَهُ عليكَ .و خَفْ من اللهِ تعالى أن يُظهِرَ ذَرَّةً مما بَطَنَ منكَ فيَمقُتَك أقربُ الناس إليكَ.
    فهذه آداب القبض و البسطِ، في العُبُوديّةِ. ، (الصوابُ :" فهذه الآدابُ في البَسْــطِ الذي يُعلَمُ لهُ سَــبَبٌ " أوْ :" ... في البَسْــطِ الذي تَعْلَمُ لهُ سَــبَباً " أو نحو ذلك .)
    و أما البَـسْـطُ الذي لا تَـعْـلمُ له سَــبَـباً ، فحقُّ العبودية فيهِ تَرْكُ المسؤولِ [السُؤْلِ] و الإدلالِ و الصَوْلةِ على النساءِ و الرجالِ. ( الذي نُرَجِّحُهُ :" ... تركُ السُؤْلِ ، أوْ تركُ السُــؤالِ ..." )
    اللهم إلا أن تقول: " رَبِّ سَــلِّمْ سَــلِّمْ " إلى المماتِ ...
    فهذهِ آدابُ القبضِ و البسْـطِ في العبوديةِ جَميعاً ، إنْ عَـقـلْتَ ، و السَّـلام . " إهــ . ... ... " ( الصوابُ :" ... فهذِهِ آدابُ العُبُودِيَّةِ في القَبْضِ و البَسْــطِ جميعاً ..." )
    وَ اللهُ أعلم .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  14. #29
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إنصاف بنت محمد الشامي مشاهدة المشاركة

    بسم الله الرحمن الرحيم .
    الحمد لله .. وجَدتُ أنَّنا هذه الأيّام وَ أكثرَ أهلِ الزمان في حاجةٍ مُلِحّةٍ إِلى مزيد التأمُّل ... ... ... و سـائِرِ السادة العارِفِين العامِلين بِسُـنَّةِ سَـيِّدِ المُرسلين صلّى اللهُ عليه و سلّم ، و محاولة المراقبة لأحوالِنا و معاملتنا مع الله في السِرّ و العلن و معاملاتِنا مع سائر العِباد ، بِالإِستفادة من تلك النصائح و العمل بمقتضى ما فيها من الإِرشادات ، إِنْ شــاء الله ..
    فإِنَّ مِنْ أسباب النكسات : معاصي الخلوات ...
    وَ قد رأيتُ كثيرين لا يرونَ حُبَّ الدُنيا وَ طولَ الأَمَلِ فيها ذنباً بل رأيتُهُم يستغفِرُون وَ يَتُوبُونَ من أكثر الذنوب وَ قَلَّ مَنْ يفطَنُ منهُم إِلى الإِستغفارِ منْ حُبِّ الدُنيا و التوبَةِ منهُ وَ تطهير القلب من آثارِهِ و اسـتدامة ذلك بِصِدقٍ في النِيّةِ و السُلُوكِ ، مع أنَّ حُبَّ الدُنيا أدوَمُ في القلب من تلك الذنوب وَ هُوَ رأسُ كُلِّ خطيئة ...
    وَ كذلك رأيتُ بعض الناس لا يرونَ تركَ الجُهدِ لِنَشْرِ الإِسْـلامِ في العالَم كُلِّهِ [بالدعوة الحكيمة ثُمَّ بالتعليم لِمَنْ قبِلَ] نَقْصاً خطيراً و العِياذُ بالله .. وَ قد قالَ سَيِّدُنا عُمَرُ الفارُوقُ رضي اللهُ عنهُ :" ... وَ لَنْ يَهْلِكَ امْرُؤٌ حتّى يُؤْثِرَ شَــهْوَتَهُ على دِيْنِهِ " ... نسألُ اللهَ العفْوَ وَ العافِية وَ حُسْنَ الخِتام .
    ... ... ... ... و أمّا الزيادةُ من الدنيا ، فهيَ نعمةٌ أيْضاً ، كَالأولى ، و خَفْ مِمَّا بَطَنَ مِن آفاتِهَا.
    و أما مدحُ الناسِ لكَ و ثناءُهُم عليكَ ، فالعبوديةُ تقتضي شُــكرَ النعمةِ بما سـترَهُ عليكَ .
    و خَفْ من اللهِ تعالى أن يُظهِرَ ذَرَّةً مما بَطَنَ منكَ فيَمقُتَك أقربُ الناس إليكَ.
    ... ... ...
    جزى اللهُ عنّا سيِّدَنا مُحَمَّداً صلّى اللهُ عليه و سلّم ما هُوَ أَهلُهُ ... و الحمدُ لِلّهِ رَبِّ العالَمِين .

    صحيح البخاري - كتاب الرقاق .

    باب قول النبيّ صلّى اللهُ عليه وَ سَــلَّم كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل
    - "... ... مجاهد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال أخذ رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عليه و سَـلَّمَ بمَنْكِبي فقال:" كُنْ فِي الدُنْيا كأنَّكَ غرِيبٌ أوْ عابر سَــبيل " ، و كان ابن عمر يقولُ :" إذا أمْسَـيْتَ فلا تنْتظِرِ الصَباحَ و إذا أصبَحْتَ فلا تنْتظِرِ المَسـاءَ وَ خُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَ مِنْ حَياتِكَ لِمَوْتِكَ. " .
    ( تلخيص من فتح الباري بحَذْفٍ وَ تصرّفٍ يسـير ) : ... ...
    المَنْكِبُ : (بكسر الكاف) مجمع العَضُدِ و الكَتِفِ . ( رُوِيَ بمَنكِبِي بالإِفراد ، وَ بِمَنْكِبَيَّ بالتثنِية) .
    قولُهُ صلّى اللهُ عليه و سلّم " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " ، قال الطيبي : ليست " أوْ " لِلشـكّ بل للتخيير و الإباحة و الأحسن أن تكون بمعنى بَلْ ، فشـبه الناسك السالك بالغريب الذي ليس له مسكن يأويه و لا مسكن يسكنه ، ثم ترقى وأضرَبَ عنه إلى عابرِ السبيل لأنّ الغريب قد يسكن في بلد الغربة بخلاف عابر السبيل القاصِدِ لبلدٍ شاسِعٍ و بينهما أودية مُرْدِيَةٌ و مَفاوِزُ مُهْلِكَةٌ و قُطّاعُ طريقٍ فإنَّ مِنْ شـأْنِهِ أنْ لا يُقِيمَ لحظةً وَ لا يَـسْــكُنَ لَمْحَةً ، وَ مِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ رضِيَ اللهُ عنْهُ بقوله :" إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح و إذا أصبحت فلا تنتظر المساء ... إلخ " ، و بقولِهِ : " وَ عُدَّ نفسَـكَ في أهلِ القبور " ، و المعنى اسْــتمِرّ سـائراً و لا تفْترْ فإنك إن قصّرْتَ انقطعْتَ وَ هلكْتَ في تلك الأودية . و هذا معنى المُشبَّهِ بهِ ، و أمّا المُشبَّهُ فهو قوله " وَ خُذْ مِنْ صحّتِك لمَرَضِكَ " ، أي أن العمر لا يخلو عن صحة و مرض فإذا كنت صحيحا فسِــرْ سَـيْرَ القصد وَ زِدْ عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة بحيث يَكون ما بك من تلك الزيادة قائماً مقامَ ما لَعَلَّهُ يَفُوتُ حالةَ المَرَضِ والضعْفِ .
    وَ في رواية عبدة عن ابن عمر :" اعبُدِ اللهَ كأنَّكَ تراه وَ كُنْ في الدنيا كأنَّكَ غريبٌ ... " الحديث. و زاد ليث في روايته " ... وَ عُدَّ نفسَـكَ في أهل القبور " ، و في رواية سعيد بن منصور : " ...و كأنك عابر سبيل " .
    قال ابنُ بطال : " لمَّا كان الغريبُ قليلَ الانبساط إلى الناس بل هو مستوحشٌ منهم إذ لا يكادُ يَمُرُّ بمَنْ يعرفه وَ يَسْــتأنِسُ بهِ فهو ذليلٌ في نفْسِــهِ خائِفٌ ، و كذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته عليه و تخفيفه من الأثقال غير مُتلَبثٍ بما يمنعه من قطع سَــفَرِهِ ، مَعَهُ زاده و راحِلَتُهُ يُبَلِّغانِهِ إلى بُغْيَتِهِ مِنْ قَصْدِهِ .. شـَـبَّهَهُ بهما ، و في ذلك إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا و أخذِ البُلْغَةِ مِنْها و الكفافِ ، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مِمّا يُبَلِّغُهُ إلى غايةِ سَــفَرِهِ فكذلك لا يَحْتاجُ المُؤْمنُ في الدُنيا إلى أكثر مِمّا يُبَلِّغُهُ المَحَلَّ " .
    و قالَ غيْرُهُ :" هذا الحديثُ أصْلٌ في الحَثِّ على الفراغِ عن الدنيا و الزهد فيها و الاحتقار لها و القناعة فيها بالبُلْغَةِ " .
    و قال النوَوِيُّ : معنى الحديث لا تَرْكَنْ إلى الدُنْيا وَ لا تتَّخِذْها وَطَناً وَ لا تُحَدِّثْ نَفْسَــكَ بالبقاء فيها و لا تتعلق منها بما لا يتعلَّقُ بهِ الغريبُ في غيْرِ وطنِهِ .
    و قال غيرُهُ : عابر السبيل هو المارّ على الطريق طالبا وطنه فالمرء في الدنيا كعبد أرسله سَـيّدُهُ في حاجة إلى غير بلده فشأنُهُ أن يُبادِرَ بفعل ما أرسل فيه ثم يعود إلى وطنه و لا يتعلَّقُ بشيءٍ غير ما هُوَ فيه.
    و قال غيره : المراد أن يُنْزِلَ المؤمنُ نفسه في الدنيا منزلة الغريب فلا يعلق قلبه بشيء من بلد الغربة بل قلبُهُ متعلقٌ بوطنه الذي يرجع إليه و يجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته و جهازه للرجوع إلى وطنهِ ، و هذا شأن الغريب ، أو يكونَ كالمسافر لا يستقر في مكان بعينه بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة .
    و استُشْكِلَ عطف عابر السبيل على الغريب ، و قد تقدم جواب الطيبيّ و أجاب الكرماني بأنه من عطف العام على الخاص و فيه نوع من الترقي لأن تعلقاته أقل من تعلقات الغريب المقيم . ( أي الذي هو مُقِيمٌ إِقامة مؤقّتة من غير استيطان)
    قوله " و كان ابن عمر يقول " .. في رواية ليث " و قال لي ابن عمر إذا أصبحت ... " الحديث.
    قوله " وَ خُذْ من صحتك " أي زمن صحتك " لمرَضِك " في رواية ليث " لسقمك " و المعنى اشتغل في الصحة بالطاعة بحيث لو حصل تقصير في المرض لانْجَبَرَ بذلك .
    قوله " و مِنْ حياتك لمَوْتِكَ " في رواية ليث " قبل موتك " و زاد " فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسْــمُك غداً " (في الآخِرة) أيْ هل يقالُ له شـقيٌّ أو سَـعيد و لمْ يُرِدْ اسـمَه الخاصَّ بِهِ فإنه لا يتغير . و قيل المرادُ (غداً هنا في الدُنيا) هل (يُقالُ عنهُ) هُوَ حيّ أو ميتٌ .
    و هذا القدر الموقوف من هذا الأثَر قَدْ جاء معناه من حديث ابن عباس أيضا مرفوعاً ، أخرجه الحاكم " أن النبيَّ صلّى الله عليه و سلم قال لرجل و هو يعِظُهُ :" اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك " ، و أخرجه ابن المبارك في الزهد بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون .
    قال بعض العلماء كلام ابن عمر منتزع من الحديث المرفوع و هو متضمن لنهاية قصر الأمل و أنّ العاقل ينبغي له إذا أمسى أنْ لا ينتظر الصباح و إذا أصبح أنْ لا ينتظر المساء بل يظنّ أنَّ أجَلَهُ مُدْرِكُهُ قبْلَ ذلك . قال : و قوله " خذ من صحتك ... إلخ " أي اعمل ما تلقى نفعه بعد موتك و بادِرْ أيامَ صحتك بالعمل الصالح فإن المرَضَ قد يطرأ فيمنع من العمل فيُخشى على من فرّط في ذلك أن يصل إلى المَعادِ بغير زاد .
    و لا يعارض ذلك الحديثُ الماضي في الصحيح :" إذا مرض العبد أوْ سَـافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحا مقيماً " ، لأنه ورد في حق من يعملُ ، و التحذيرُ الذي في حديث ابنِ عمر في حقّ من لم يعمل شـيئاً أوْ قَصَّرَ ، فإنه إذا مرض ندم على تركه العمل أو التقصير ، و عجز لمَرَضِهِ عن العمَلِ فلا يفيدُهُ الندَمُ .
    و في الحديث : ... ... وَ مخاطبة الواحد وَ إرادة الجمع و حِرْصُ النبيّ صلّى اللهُ عليه و سَـلّمَ على إيصال الخير لأمته و الحضُّ على ترك الدنيا و الاقتصارِ على ما لا بُدَّ مِنْهُ ." إهــ .
    وَ اللهُ مولانا وَلِيُّ الهِدايةِ و التوفيق ، وَ هُوَ حسْــبُنا وَ نِعْمَ الوكيل .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  15. #30

    صحيح البخاري - كتاب الرقاق .

    ( بابٌ في الأمَلِ وَ طُولِهِ وَ قوْلِ الله تعالى { فمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النارِ وَ أُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ ما الحَياةُ الدُنْيا إِلّا مَتاعُ الغُرُورِ } وَ قوْلِهِ تعالى { ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الأمَلُ فَـسَـوْفَ يَعْلَمُونَ } ..
    وَ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبي طالِبٍ رضِيَ اللهُ عنهُ :" اِرْتَحَلَتِ الدُنْيا مُدْبِرَةً وَ ارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً وَ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْهُما بَنُونَ فكُونُوا مِنْ أبْناءِ الآخِرَةِ وَ لا تكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الدُنْيا فإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَ لا حِسَــابَ وَ غَداً حِسَــابٌ وَ لا عَمَلَ " . بِمُزَحْزِحِهِ : بمُبَاعِدِهِ .)

    ... ... ... ربيع بن خثيم عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال :" خَطَّ النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَــلَّمَ خَطّاً مُرَبَّعاً وَ خَطَّ خَطّاً فِي الوَسَـطِ خارِجاً مِنْهُ وَ خَطَّ خُطُطاً صِغاراً إلى هذا الذِي فِي الوَسَـطِ مِنْ جانِبِهِ الذِي فِي الوَسَـطِ وَ قال: " هذا الإنسانُ وَ هذا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بهِ ، أوْ [قال] قدْ أَحاطَ بهِ ، وَ هذا الذِي هُوَ خارِجٌ أَمَلُهُ ، وَ هذِهِ الخُطُطُ الصِغارُ الأَعراضُ فإِنْ أخْطأَهُ هذا نَهَشَــهُ هذا وَ إِنْ أَخْطَأَهُ هذا نَهَشَــهُ هذا ".
    - قوله (باب في الأمل و طوله) : الأَمَلُ بفتحتين رَجاءُ ما تُحِبُّهُ النَفْسُ من طُولِ عُمرٍ وَ زِيادَةِ غِنىً ، و هو قريب المعنى من التمني . و قيل الفرق بينهما أن الأمل ما تقدم له سبب والتمني بخلافه . و قيل : لا ينفك الإنسان من أمل فإن فاته ما أمله عَوَّلَ على التمَنِّي . و يقال الأمل إرادة الشخص تحصيل شيء يمكن حصوله فإذا فاته تمناه .

    قولُهُ (و قولِهِ تعالى { فمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النارِ وَ أُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ ما الحَياةُ الدُنْيا إِلّا مَتاعُ الغُرُورِ } ) ... المطلوب هنا هو الإشارة إلى أن متعلق الأمل ليس بشيء لأنه متاع الغرور .. شـبَّهَ الدُنْيا بالمَتاع الذي يُدَلَّسُ بهِ عَلى المُسْـتامِ ( أوْ يُدَلِّسُ بِهِ البائِعُ على المُسْــتامِ ) وَ يَغُرُّهُ حتى يَشْـتَرِيَهُ ثم يتبيَّنُ له فسادُهُ وَ رَداءَتُه ، و الشيطان هو المدلّس و هو الغَرُور بالفتح الناشئ عَنْهُ الغُرُور بالضم . و قد قُرِئ في الشاذ هنا بفتح الغين أيْ متاع الشيطان و يجوز أن يكون بمعنى المفعول و هو المخدوع فتتّفِق القراءتان .
    قوله ( بمُزَحْزِحِهِ : بمُباعِدِهِ ) ... و المراد أن معنى قوله ( زُحْزِحَ ) في هذه الآية فمن زحزح بُوْعِدَ ، و أصلُ الزحزحةِ الإزالةُ ، وَ مَنْ أُزِيلَ عن الشيء فقد بُوْعِدَ مِنْهُ .
    و قال الكرماني : مناسبة هذه الآية للترجمة أن في أوّلِ الآية {كل نفس ذائقة الموت} و في آخرِها { و ما الحياةُ الدُنْيا إِلاّ مَتاعُ الغُرُور } أو أن قوله {فمن زحزح...} مناسب لقوله { ... و ما هو بمزحزحه} و في هذه الآية { ... يَوَدُّ أحَدُهُم لَوْ يُعَمَّر ألْفَ سَـنَةٍ ... } .
    قوله : ( و قوله تعالى { ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الأمَلُ فَـسَـوْفَ يَعْلَمُونَ } قال الجمهور هي عامَّةٌ ، و قال جماعةٌ : هي في الكفار خاصّة و الأمر فيه للتهديد ، و فيه زجر عن الانهماك في مَلاذِّ الدُنيا .
    (مِنْ فتح الباري باختصار ) ...

    يُتبَعُ ... إِنْ شـاء الله .
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •