صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 46

الموضوع: مخالفة الشيخ ابن عربي لاعتقاد السادة الأشعريَّة

  1. #1

    مخالفة الشيخ ابن عربي لاعتقاد السادة الأشعريَّة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    هذه بعض العبارات من عقيدة الخواصِّ [العقيدة الناشية الشادية] التي في مقدِّمة [الفتوحات المكِّيَّة] للشيخ ابن عربي رحمه الله أعلِّق عليها لتبيان خروج الشيخ عن الأشعريَّة فيما يقرِّر من مسائل، وإنَّما أذكر ما كان منه صريحاً واضحاً في مخالفة أهل السُّنَّة والجماعة.

    وثبوت هذه العقيدة له كمثل ثبوت عقيدة العوام التي يذيعها الإخوة ظانِّين أنَّ الشيخ ابن عربي موافق لأهل السُّنَّة والجماعة في اعتقاده، فمن شكَّك في هذه فعليه الشَّكُّ في تلك، ومن أثبت تلك لزمه إثبات هذه.

    ولعلَّ التَّعليق على كامل ما ذكر في هذه العقيدة يتيسَّر بإذن الله تعالى لواحد من سادتي المشايخ حفظهم الله تعالى.

    ملحوظة: الشيخ في بعض المسائل يوافق قول أهل الحقِّ، لكنَّ موافقته لهم في بعضها لا يعني أنَّه على مذهبهم.

    ملحوظة: لو أفردتُ ما قال تصريحاً في معارضة أهل السُّنَّة والجماعة السادة الأشاعرة رضي الله عنهم ونقد ما قالوا لكفى في إثبات مخالفته لهم في الاعتقاد، لكنِّي سأزيد على هذا بذكر كلِّ ما هو فيه مخالف لهم.

    - قال: "مسألة: أما بعد فإن للعقول حداً تقف عنده من حيث ما هي مفكرة لا من حيث ما هي قابلة، فنقول في الأمر الذي يستحيل عقلاً قد لا يستحيل نسبة إلهية كما نقول فيما يجوز عقلاً قد يستحيل نسبة إلهية".

    أقول: معلوم أنَّ الحكم العقليَّ إنَّما هو الحكم الذَّاتيُّ، أي ليس مبدأ الحكم العقليِّ هو العقل، بل هو ذات المتكلَّم عليه، فلو قلنا: (يجب وحدة الإله عقلاً) فمعناه أنَّا نحكم بأنَّ الإله من حيث هو إله تجب وحدته. ولو قلنا: (يمتنع أن يكون الإله جسماً) فإنَّ مقصودنا ليس هو أنَّ العقل عند تكفيره يصل إلى امتناع ذلك، بل هو حكم بأنَّ الإله من حيث هو إله لا يكون جسماً.

    فإذا ما عُرِف هذا قيل: الشيخ ابن عربي يقول بأنَّ الممتنع العقليَّ أخصُّ من الممتنع في مرتبةالنسبة الإلهيَّة، فهو إن كان يقصد بهذه المرتبة مرتبة ثبوتيَّة فإنَّ الأمر الممتنع في ذاته يمتنع أن يكون له أيُّ درجة من درجات الثُّبوت في ذاته لمّضا كان الحكم العقليُّ في حقيقته هو الحكم الذَّاتي.

    وإن كان قصد مرتبة غير ثبوتيَّة أصلاً فما معنى أن يُسمِّي هذا الأمر بأنَّه نسبة إلهيَّة؟!

    وإجمالاً يقال إنَّ حكمنا على شيء بأنَّه ممتنع عقلاً ليس منَّا حكماً بأنَّه ممتنع أن تتوصَّل إليه العقول، بل هو حكم بامتناعه في ذاته [لامتناع التناقض].

    نعم، المعلوم هو أنَّ العقل قد يقصر عن معرفة وجوب شيء أو إمكانه أو امتناعه، ثمَّ ياتي الشرع مثلاً بصحَّته، لكن إن وصل العقل إلى كونه ممتنعاً في نفسه موجباً التناقض فهو حكم بامتناعه في نفسه لا في العقول فقط.

    وقد يقال هاهنا إنَّ الشيخ قد قصد أنَّ الوهم والخيال مرتبة ثبوتيَّة كما أنَّ الذِّهن الإنسانيَّ يسع فرض الواجب والممكن والممتنع.

    ثمَّ يقال: ما قصد الشيخ بقوله "نسبة إلهيَّة"؟ فإنَّه لو كان على مذهب أهل السُّنَّة فإنَّه إمَّا أن يقصد عين ذاته تعالى أو صفاته أو أفعاله أو ما هو اعتباريٌّ عن كلٍّ منها، ولكنَّ هذا كلَّه لا يصحُّ فيه أنَّه يكون أمراً ممتنعاً عقلاً.

    ولمَّا كان مطلوبنا إثبات مخالفته لمعتقد أهل السُّنَّة فكلامه هنا ظاهر في مخالفتهم.

    أمَّا ما ندَّعيه نحن فهو أنَّ الشيخ إنَّما يقصد المظاهر الإلهيَّة وفق القول بوحدة الوجود مخالفاً أهل السُّنَّة، فذلك جارٍ عليه. فمن أنكر علينا فهمنا هذا فليأتِ بتفسير مغاير لقوله هذا!

    - قال: "مسألة: أنى للمقيد بمعرفة المطلق وذاته لا تقتضيه وكيف يمكن أن يصل الممكن إلى معرفة الواجب بالذات وما من وجه للممكن إلا ويجوز عليه العدم والدثور والافتقار فلو جمع بين الواجب بذاته وبين الممكن وجه لجاز على الواجب ما جاز على الممكن من ذلك الوجه من الدثور والافتقار وهذا في حق الواجب محال فإثبات وجه جامع بين الواجب والممكن محال فإن وجوه الممكن تابعة له وهو في نفسه يجوز عليه العدم فتوابعه أحرى وأحق بهذا الحكم وثبت للممكن ما ثبت للواجب بالذات من ذلك الوجه الجامع وما ثم شيء ثبت للممكن من حيث ما هو ثابت للواجب بالذات فوجود وجه جامع بين الممكن والواجب بالذات محال".

    أقول: الشيخ يفسِّر امتناع علم الممكن بالواجب تعالى من حيث إنَّه لا وجه للجمع بينهما، فلو لم نجر كلامه على القول بوحدة الوجود فيقال: هل العلم في ذاته لشيء يقتضي جهة اشتراك بين العالِم والمعلوم؟! فعبارة الشيخ صريحة في هذا الحصر، وهو باطل.

    - قال: "مسألة: أقول بالحكم الإرادي لكني لا أقول بالاختيار فإن الخطاب بالاختيار الوارد إنما ورد من حيث النظر إلى الممكن معرى عن علته وسببيته".

    أقول: هذه مخالفة صريحة لمذهب أهل السُّنَّة، وأصل ما فارق به أهل السُّنَّة غيرهم من الفرق هو إثبات الله تعالى فاعلاً مختاراً، أمَّا الإرادة فقد أثبته الشيخ حكماً لا يلزم من الاختيار، كما أنَّ الفلاسفة والمعتزلة يطلقون أنَّ الله تعالى يريد كذا مع منعهم لكونه تعالى فاعلاً بالاختيار.

    أمَّا تفسير قوله هذا فهو موجَّه على القول بوحدة الوجود كذلك -لا على مذهب أهل السُّنَّة-.

    - قال: "مسألة: فأقول بما أعطاه الكشف الاعتصامي أن الله كان ولا شيء معه إلى هنا انتهى لفظه عليه السلام وما أتى بعد هذا فهو مدرج فيه وهو قولهم وهو الآن على ما عليه كان يريدون في الحكم فالآن وكان أمران عائدان علينا إذ بنا ظهرا وأمثالهما وقد انتفت المناسبة والمقول عليه كان الله ولا شيء معه إنما هو الألوهة لا الذات وكل حكم يثبت في باب العلم الإلهيّ للذات إنما هو للألوهية وهي أحكام نسب وإضافات وسلوب فالكثرة في النسب لا في العين".

    أقول: هذا تفريق بين ذات الواجب تعالى والألوهيَّة بأنَّ الألوهيَّة حكم للذات، فيكون وصف الواجب بالأولهيَّة ليس أمراً لعين الذات، بل لها من حيث حكم لها. واللازم منه هو أنَّ اسم "الله" ليس المسمى فيه هو الذات الواجب. وهذا يُفسَّر بناء على القول بالوحدة بأنَّ الألوهيَّة هي مرتبة ثبوتيَّة دون مرتبة الأحديَّة. فمن أنكر أن تُوجَّه هذه العبارة على القول بالوحدة فليوجِّهّا لِنَرَ!

    ومقصوده من قوله: "العلم الإلهيِّ" هوالفلسفة والكلام تبعاً، فكلُّ ما يثبت للواجب في الفسلفة والكلام يقول الشيخ إنَّه ليس ثبوته في الحقيقة للموجود الحقِّ الواجب تعالى، بل هو ثبوت له في مرتبة الألوهيَّة. أمَّا العلم بذات الحقِّ تعالى فممتنع عند الشيخ من باب العلم النَّظريِّ، بل لا يكون إلا بالعلم الكشفيِّ.

    فهل عبارته هذه مما يصحُّ على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة من أيِّ وجه؟؟؟!

    - قال: "مسألة: من أردت الوصول إليه لم تصل إليه إلا به وبك بك من حيث طلبك وبه لأنه موضع قصدك فالألوهة تطلب ذلك والذات لا تطلبه.

    أقول: هذا تفريق صريح ثانٍ بين الذات والألوهة.

    - قال: "مألة: المتوجه على إيجاد كل ما سوى الله تعالى هو الألوهة بأحكامها ونسبها وإضافاتها وهي التي استدعت الآثار فإنّ قاهراً بلا مقهور وقادراً بلا مقدور صلاحية ووجوداً وقوة وفعلاً محال".

    أقول: عبارته هذه صريحة في امتناع تحقُّق وصف الله تعالى بالقادريَّة من غير وجود مقدور! فيلزم من هذا أنَّه ما دام حكم الألوهيَّة فيجب وجود مقدور مقهور. لكن يكفي صريح كلامه!

    ولست بحاجة إلى بيان توجيه ذلك على مذهب وحدة الوجود الآنَ لأنَّ المقصود هاهنا ليس هو ذلك.

    ملحوظة: لا يبعد أن يكون ابن تيميَّة قد أفاد في قوله بقدم نوع المخلوقات من كلام الشيخ ابن عربي!

    - قال: "مسألة: الألوهة تقضي أن يكون في العالم بلاء وعافية فليس إزالة المنتقم من الوجود بأولى من إزالة الغافر وذي العفو والمنعم ولو بقي من الأسماء ما لاحكم له لكان معطلاً والتعطيل في الألوهة محال فعدم أثر الأسماء محال".

    أقول: هل تقتضي الألوهة ذلك عند أهل الحقِّ؟!

    لا، فإنَّ الانتقام عند أهل الحقِّ صفة فعل راجعة إلى القدرة والإرادة كما هو معلوم، لكنَّها عند الشيخ صفة ذات يجب دوام تعلُّقها وإلا للزم التعطيل للإله –تعالى عن ذلك-!

    فهنا أمران خالف فيهما أهل الحقِّ مصرِّحاً بذلك:

    الأوَّل: أنَّه قد أثبت صفات الفعل صفات للذات.

    الثاني: أنَّه أوجب دوام تعلُّق صفات التأثير هذه.

    وهذا عودٌ على ما سبق من لزوم وجود المخلوقات أبداً.

    - قال: " مسألة: لو صح الفعل من الممكن لصح أن يكون قادراً ولا فعل له فلا قدرة له فإثبات القدرة للممكن دعوى بلا برهان وكلامنا في هذا الفصل مع الأشاعرة المثبتين لها مع نفي الفعل عنها".

    أقول: ما من أحد من أهل ا لسُّنَّة من ينفي القدرة عن العبد، فهذا تصريح من الشيخ بمخالفتهم.

    ثمَّ إنَّ هاهنا منه مغالطة واضحة، وهي أنَّه قد خلط بين مفهوم القدرة الذي هو الاستطاعة مع القدرة التي تحدث مع الفعل التي تعلُّقها الكسب، ولا حاجة لتبيان عبارته أكثر، فالمقصود بمخالفته أهل الحقِّ حاصل.

    - قال: "مسألة: كون الباري عالماً حياً قادراً إلى سائر الصفات نسب وإضافات له لا أعيان زائدة لما يؤدي إلى نعتها بالنقص إذ الكامل بالزائد ناقص بالذات عن كماله بالزائد وهو كامل لذاته فالزائد بالذات على الذات محال وبالنسب والإضافة ليس بمحال وأما قول القائل لا هي هو ولا هي أغيار له فكلام في غاية البعد فإنه قد دل صاحب هذا المذهب على إثبات الزائد وهو الغير بلا شك إلا أنه أنكر هذا الإطلاق لا غير ثم تحكم في الحد بأن قال الغيران هما اللذان يجوز مفارقة أحدهما الآخر مكاناً وزماناً ووجوداً وعدماً وليس هذا بحد للغيرين عند جميع العلماء به".

    أقول: هنا تصريح بمخالفة السادة الأشاعرة واستبعاد قولهم وتخليط بين المغايرة في المفهوم والمغايرة في الوجود –أي المغايرة الحقيقيَّة-.

    - قال: "مسألة: من وجب له الكمال الذاتي والغنى الذاتي لا يكون علة لشيء لأنه يؤدي كونه علة توقفه على المعلول والذات منزهة عن التوقف على شيء فكونها علة محال لكن الألوهة قد تقبل الإضافات فإن قيل إنما يطلق الإله على من هو كامل الذات غني الذات لا يريد الإضافة ولا النسب قلنا لا مشابهة [مشاحة؟] في اللفظ بخلاف العلة فإنها في أصل وضعها ومن معناها تستدعي معلولا فإن أريد بالعلة ما أراد هذا بالإله فسلم ولا يبقى نزاع في هذا اللفظ إلا من جهة الشرع هل يمنع أو يبيح أو يسكت".

    أقول: هذا تفريق آخر بين ذات الحقِّ تعالى والألوهة.

    - قال: "مسألة: الألوهة مرتبة للذات لا يستحقها إلا الله فطلبت مستحقها ما هو طلبها والمألوه يطلبها وهي تطلبه والذات غنية عن كل شيء".

    أقول: هذا نصٌّ في أنَّ الألوهة مرتبة لذات الواجب تعالى، لا أنَّ الواجب تعالى هو الإله، بل هي مرتبة هو متجلٍّ فيها، فنحن عند قولنا: (يا الله) فنحن لا ندعو واجب الوجود تعالى، بل ندعو ما تجلَّى به من مجمع الأسماء والصفات! أي الذات الواحديَّة، وأنا هنا ألزمه بكلامه في غير عبارته هذه، والمقصود تبيان اتِّساق كلامه تماماً مع القول بالوحدة. وإلا فإنَّ هذا النَّصَّ منه لا يجري مُجرى قول أهل السُّنَّة والجمعة من أيِّ وجه، بل يمتنع توجيهه بغير وجه القول بالوحدة!

    قال مكملاً: "فلو ظهر هذا السر الرابط لما ذكرنا لبطلت الألوهة ولم يبطل كمال الذات وظهر هنا بمعنى زال كما يقال ظهروا عن البلد أي ارتفعوا عنه وهو قول الإمام للألوهية سر لو ظهر لبطلت الألوهية".

    أقول: هذا نصٌّ في التفريق كذلك، وفيه ما فيه.

    - قال: "مسألة: الأزل نعت سلبي وهو نفي الأولية فإذا قلنا أول في حق الألوهة فليس إلا المرتبة".

    أقول: تفريق آخر، إنَّما أعيد ما قد ظهر كثيراً لأنَّ البعض قد يتأوَّل ما سبق، ففي زيادة التصريح زيادة نفي لأن يكون مراده غير الظاهر

    - قال: "مسألة: دلت الأشاعرة على حدوث كل ما سوى الله بحدوث المتحيزات وحدوث أعراضها وهذا لا يصح حتى يقيموا الدليل على حصر كل ما سوى الله تعالى فيما ذكروه ونحن نسلم حدوث ما ذكروا حدوثه".

    أقول: جواب ما أورد في دليل الحدوث معروف، والمقصود هنا ذكر اعتراضه عليهم.

    - قال: "مسألة: كل موجود قائم بنفسه غير متحيز وهو ممكن لا تجري مع وجوده الأزمنة ولا تطلبه الأمكنة".

    أقول: ما ليس يجري عليه زمان فهو قديم، فهذا منه إثبات لوجود ممكن قديم.

    ثمَّ يقال: دعواه ممنوعة، فإنَّ كلَّ ممكن فوجوده بغيره، وقد ثبت أن ليس شيءٌ ممكنٌ معلولاً لله تعالى، فكلُّ ممكن مجرَّد فهو بتأثير من الله تعالى، فهو حادث، فهو زمانيٌّ.

    أمَّا إجراء دليل الحدوث فيقال إنَّ حدوث أعراض الأجسام معروف، أمَّا لو فرضنا مجرَّداً ما فإن كان هذا المجرَّد متغيِّراً فهو حادث لحدوث الأعراض، أمَّا أن نفرضه غير متغيِّر ففرضه لا ينقض دليل الحدوث، فإمَّا أن يكون هو مرجع الحوادث فيكون هو الإله تعالى، أو لا فيُستدلُّ على إمكانه وحدوثه بدليل الوحدانيَّة، من امتناع تعدُّد الواجب، فيجب إمكان كلِّ غير الواجب، وكلُّ ممكن فهو زمانيٌّ من حيث تجدُّد الإمداد [أي تعلُّق القدرة] من الواجب تعالى، فيلزم حدث كلِّ غير الواجب تعالى.

    أمَّا على القول بالوحدة فإنَّ بعض مظاهر الوجود الحقِّ يمكن قدمه، إذ ليس هو متعلَّقاً لقدرة الوجود الحقِّ، فلهذا يصحُّ عند الشيخ ابن عربي قدم غير الله تعالى.

    - قال: "مسألة: دلالة الأشعري في الممكن الأول أنه يجوز تقدمه على زمان وجوده وتأخره عنه والزمان عنده في هذه المسألة مقدر لا موجود، فالاختصاص دليل على المخصص. فهذه دلالة فاسدة لعدم الزمان فبطل أن يكون هذا دليلاً".

    أقول: منعٌ مبناه على القول بقدم هذا الممكن، فهل من أبين من هذا؟! ثمَّ إنَّ هذا الدَّليل للسادة الأشاعرة رضي الله عنهم إنَّما هو بعد إثبات حدوث الكلِّ إلا هو تعالى.

    وقد يكون مقصود الشَّيخ أنَّه لمَّا كان الزمان عند السادة الأشاعرة مقدَّراً اعتباريّاً غيرَ وجوديٍّ فإنَّ الزمان في نفسه أمر عدميٌّ، فلا يكون هناك ترجيح أصلاً، فإنَّ الزمان تابع للحدوث، ولا يكون ظرفاً له.

    فيجاب بأنَّه منع باطل، وتوجيه هذا الدَّليل بأنَّ بعدَ الحادث الأوَّل عن حادث معيَّن يمكن أن يكون أكبر أو أصغر، فلو قلنا إنَّ الحادث الأوَّل هو القلم، والحادث المعيَّن هو يوم القيامة فإنَّ عدد الآنات الزمانيَّة التي يمكن فرضها بينهما يمكن أن تكون أكبر ممّا هي عليه ويمكن أن تكون أصغر، أي أن يكون بين خلق القلم ويوم القيامة ألف سنة فقط أو 1*10^100000000000000000000000000000000000000000000 سنة، -على فرض أنَّ هذه المدَّة أبعد من بدء خلق العالم-.

    إذن: حدوث الحوادث بأزمانها [الراجعة إلى تراتب الحوادث وتباعدها] أمر مرجَّح، وهذا الاختصاص لا يكون إلا من مخصِّص، فثبت المطلوب، وصحَّت الدلالة.

    ثمَّ أكمل فقال: "فلو قال نسبة الممكنات إلى الوجود أو نسبة الوجود إلى الممكنات نسبة واحدة من حيث ما هي نسبة لا من حيث ما هو ممكن فاختصاص بعض الممكنات بالوجود دون غيره من الممكنات دليل على أن لها مخصصاً فهذا هو عين حدوث كل ما سوى الله".

    أقول: هذا منه تسمية للممكن بأنَّه حادث، وليس كذلك، وهذا دليل الإمكان لا دليل الحدوث على كا هو معلوم.

    وكذلك هو منه قول بأنَّ الماهيَّات غير مجعولة، وهو متناسق مع القول بالأعيان الثابتة في مذهب وحدة الوجود.

    - قال: "مسألة: عجبت من طائفتين كبيرتين الأشاعرة والمجسمة في غلطهم في اللفظ المشترك كيف جعلوه للتشبيه ولا يكون التشبيه إلا بلفظة أمثل أو كاف الصفة بين الأمرين في اللسان وهذا عزيز الوجود في كل ما جعلاه تشبيهاً من آية أو خبر".

    أقول: هذا اعتراض على السادة الأشاعرة لا يرد! وظهور ضعفه يُغني عن الرَّدِّ عليه!

    ثمَّ أكمل قائلاً: "ثم إن الأشاعرة تخيلت أنها لما تأولت قد خرجت من التشبيه وهي ما فارقته إلا أنها انتقلت من التشبيه بالأجسام إلى التشبيه بالمعاني المحدثة المفارقة للنعوت القديمة في الحقيقة والحدِّ، فما انتقلوا من التشبيه بالمحدثات أصلاً ".

    أقول: هل يكون فاهماً لقول السادة الأشاعرة مَنْ يُلزِمهم بهذا فضلاً عن أن يكون أشعريّاً؟!
    أمَّا وفق وحدة الوجود فليس يمتنع عند القائل بها القول بتشبيه الإله -تعالى عن ذلك- بخلقه، فمرتبة الألوهيَّة دون مرتبة الأحديَّة التي هي الوجود الحقُّ، فالتشبيه ممكن فيما دون مرتبة الوجود الحقِّ عنده.

    ثمَّ قال: "ولو قلنا بقولهم لم نعدل مثلاً من الاستواء الذي هو الاستقرار إلى الاستواء الذي هو الاستيلاء كما عدلوا ولا سيما والعرش مذكور في نسبة هذا الاستواء ويبطل معنى الاستيلاء مع ذكر السرير ويستحيل صرفه إلى معنى آخر ينافي الاستقرار فكنت أقول إن التشبيه مثلاً إنما وقع بالاستواء والاستواء معنى لا بالمستوي الذي هو الجسم والاستواء حقيقة معقولة معنوية تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك الذات ولا حاجة لنا إلى التكلف في صرف الاستواء عن ظاهره فهذا غلط بين لا خفاء به".

    أقول: هذا منه تخليط، فإنَّ حاصل مراده من قوله: "والاستواء حقيقة معقولة معنوية تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك الذات" هو اشتراك لفظ الاستواء لفظاً، فيكون مدلوله بحقِّ الحقِّ تعالى غيرَ مدلوله بحقِّ الخلق، فالتخليط هو في قوله إنَّ هذا الذي يقول هو هو ظاهر مدلول اللَّفظ!

    - قال: "مسألة: كما أنه تعالى لم يأمر بالفحشاء كذلك لا يريدها لكن قضاها وقدرها".

    أقول: مخالفة ظاهرة، وقول أهل الحقِّ بيِّن في أنَّ الله تعالى يريد فعل العبد فعلاً منه، ولا يريده فعلاً العبد فاحشة منه.

    ثمَّ أكمل فقال: "بيان كونه لا يريدها لأن كونها فاحشة ليس عينها بل هو حكم الله فيها وحكم الله في الأشياء غير مخلوق وما لم يجر عليه الخلق لا يكون مراداً".

    أقول: في غاية الضَّعف!!! فوق كونه في غاية مخالفة قول أهل الحقِّ!

    فأهل الحقِّ يقولون ما قال الله تعالى: "إنَّ الله يحكم ما يريد". نعم، الأمر هو متعلَّق صفة الكلام، لكنَّه دالٌّ على ما أراد الله تعالى من كون شيء حسناً أو قبيحاً أو مأموراً به أو منهياً عنه، بما يلزم منه استعقاب الثواب أو العقاب.

    - قال: "مسألة: لا يستحيل في العقل وجود قديم ليس باله فإن لم يكن فمن طريق السمع لا غير".

    أقول: كفى بهذه المسألة تصريحاً بمخالفة قول أهل الحقِّ!

    يتبع...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  2. #2
    ...

    - قال: "مسألة: افتقار الممكن للواجب بالذات والاستغناء الذاتي للواجب دون الممكن يسمى الها وتعلقها بنفسها وبحقائق كل محقق وجوداً كان أو عدماً يسمى علماً".

    أقول: هل من هذا شيء يقرب من قول الأشاعرة؟!

    ثمَّ قال: "تعلقها بالممكنات من حيث ما هي الممكنات عليه يسمى اختياراً".

    أقول: قد قال في مسألة سابقة –لم أذكرها-: "مسألة: كون المخصص مريدا لوجود ممكن ما ليس تخصيصه لوجوده من حيث هو وجود لكن من حيث نسبته لممكن ما تجوز نسبته لممكن آخر فالوجود من حيث الممكن مطلقاً لا من حيث ممكن ما ليس بمراد ولا بواقع أصلاً إلا بممكن ما وإذا كان بممكن ما فليس هو بمراد من حيث هو لكن من حيث نسبته لممكن ما لا غير".

    فيقال: إذن ليس مسمَّى الاختيار عنده هو الاختيار بين الممكنات، بل الممكنات من حيث هي ممكنات هي مختارة من الواجب تعالى عند الشيخ ابن عربي، فالتَّخصيص عند الشيخ –الذي هو نسبة الوجود لممكن- ليس بالاختيار.

    ثمَّ أكمل فقال: "تعلقها بالممكن من حيث تقدم العلم قبل كون الممكن يسمى مشيئة".

    أقول: قولُ مَن هذا؟! فإنَّه ليس قول أهل الحقِّ.

    ثمَّ قال: "تعلقها بتخصيص أحد الجائزين للممكن على التعين يسمى إرادة. تعلقها بإيجاد الكون يسمى قدرة تعلقها بإسماع المكون لكونه يسمى أمراً وهو على نوعين بواسطة وبلا واسطة فبارتفاع الوسائط لابد من نفوذ الأمر وبالواسطة لا يلزم النفوذ وليس بأمر في عين الحقيقة إذ لا يقف لأمر الله شيء".

    أقول: وافق في الإرادة ظاهرياً، أمَّا في الأمر فمخالف.

    - قال: "مسألة: الأعيان لا تنقلب والحقائق لا تتبدل فالنار تحرق بحقيقتها لا بصورتها فقوله تعالى " يا نار كوني برداً وسلاماً " خطاب للصورة وهي الجمرات وأجرام الجمرات محرقة بالنار فلما قام لنار بها سميت ناراً فتقبل البرد كما قبلت الحرارة".

    أقول: هذا نصٌّ في مخالفة السادة الأشاعرة.

    - قال: "مسألة: وجود الممكنات لكمال مراتب الوجود الذاتي والعرفاني لا غير".

    أقول: إذن ليس بمحض إرادته تعالى؟! ويلزم عن قول الشيخ هنا بالضرورة دوام المخلوقات بقدم أشخاصها أو نوعها.

    - قال: "مسألة: كل ممكن منحصر في أحد قسمين في ستر أو تجل فقد وجد الممكن على أقصى غاياته وأكملها فلا أكمل منه ولو كان الأكمل لا يتناهى لما تصور خلق الكمال وقد وجد مطابقاً للحضرة الكمالية فقد كمل".

    أقول: هو يوجب أن يكون الأكمل من الممكنات هو ما ظهر، وهو في غاية الضَّعف.

    ثمَّ يقرِّر قوله هذا بأنَّه مطابق للحضرة الكماليَّة، فلذا هو الأكمل! إذن كونه على ما هو عليه واجب لا ممكن.

    وفي هذا عين المخالفة لأهل الحقِّ القائلين إنَّ الله تعالى فاعل بالاختيار فلاً عن أنَّه تعالى لا يجب عليه الأكمل.

    - قال: "مسألة: الحسن والقبح ذاتي للحسن والقبيح لكن منه ما يدرك حسنه وقبحه بالنظر إلى كمال أو نقص أو غرض أو ملايمة طبع أو منافرته أو وضع ومنه ما لا يدرك قبحه ولا حسنه إلا من جانب الحق الذي هو الشرع فنقول هذا قبيح وهذا حسن وهذا من الشرع خبر لا حكم".

    أقول: فهو تصريح منه بمخالفته لقولنا إنَّ الله تعالى يحكم ما يريد، فالحكم عندنا راجع لإرادة الله تعالى لا للأشياء.

    وطبعاً قوله بالحسن الذَّاتيِّ صريح في مخالفة أهل السُّنَّة.

    - قال: "مسألة: ارتباط العالم بالله ارتباط ممكن بواجب ومصنوع بصانع فليس للعالم في الأزل مرتبة فإنها مرتبة الواجب بالذات فهو الله ولا شيء معه سواء كان العالم موجوداً أو معدوماً".

    أقول: هذه العبارة ليست عبارة شطح أو سُكر أو فناء أو حضور وحدة الشهود، بل هي عبارة تقرير ومناقشة وتنظير، فهي عبارة من يريد إثبات شيء بالإثبات العلميِّ، فلا وجه لتأويلها وصرفها، بل هي صريحة في نفي معيَّة شيء للموجود الحقِّ –تعالى الله- أزلاً والآنَ.

    ثمَّ أكمل فقال: "فمن توهم بين الله والعالم وما يقدر تقدم وجود الممكن فيه وتأخره فهو توهم باطل لا حقيقة له، فلهذا نزعنا في الدلالة على حدوث العالم خلاف ما نزعت له الأشاعرة وقد ذكرناه في هذا التعليق".

    أقول: يريد الشيخ أنَّ القول بتقدُّم وجود ممكن أو تأخُّر وجوده ممنوع من أصله! فليس للممكن وجود أصلاً على التحقيق! فدليل حدوث الممكنات لدى السادة الأشاعرة في نفسه باطل على الحقيقة!

    - قال: "مسألة: دل الدليل العقلي على أن الإيجاد متعلق القدرة وقال الحق عن نفسه إن الوجود يقع عن الأمر الإلهي فقال: "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون" فلا بد أن ننظر في متعلق الأمر ما هو وما هو متعلق القدرة حتى أجمع بين السمع والعقل فنقول الامتثال قد وقع بقوله فيكون والمأمور به إنما هو الوجود فتعلقت الإرادة بتخصيص أحد الممكنين وهو الوجود وتعلقت القدرة بالممكن فأثرت فيه الإيجاد وهي حالة معقولة بين العدم والوجود فتعلق الخطاب بالأمر لهذه العين المخصصة بأن تكون فامتثلت فكانت فلولا ما كان للممكن عين ولا وصف لها بالوجود يتوجه على تلك العين الأمر بالوجود لما وقع الوجود والقائل بتهيئ المراد في شرح "كن" غير مصيب".

    أقول: هذا تصريح بالقول بالأعيان الثابتة! وهو مخالف لقول أهل الحقِّ القائلين إنَّ الشيء لا يكون شيئاً قبل وجوده لقوله تعالى: "ولم تَكُ شيئاً".

    - قال: "مسألة: لا يقال من جهة الحقيقة أن الله جائز أن يوجد أمراً ما وجائز أن لا يوجده فإن فعله للأشياء ليس بممكن بالنظر إليه ولا بإيجاب موجب ولكن يقال ذلك الأمر جائز أن يوجد وجائز أن لا يوجد فيفتقر إلى مرجح وهو الله تعالى، وقد تقصَّينا الشريعة فما رأينا فيها ما يناقض ما قلناه فالذي نقول في الحق أنه تعالى يجب له كذا ويستحيل عليه كذا لا نقول يجوز عليه كذا".

    أقول: صريح في مخالفة قول أهل الحقِّ! ولا حاجة إلى بيانه.

    -------------------------------------------------------------

    فهذه مسائل كثيرة قد صرَّح فيها الشيخ ابن عربي بمخالفة أهل الحقِّ أهل السُّنَّة والجماعة الأشاعرة رضي الله عنهم، فهل يُسمَّى بعد هذا أشعريّاً أو موافقاً للأشاعرة؟!

    فمن أصرَّ على نسبته إليهم مع ظهور هذا فهي مكابرة وعمى ولعب.

    ومن أصرَّ على تكذيب نسبة ما قال في هذه العقيدة إليه لأنَّها مخالفة لاعتقاد الأشاعرة فليأتنا بدليل قاهر على أنَّه كان أشعريّاً أصلاً!

    ولن يجد!

    وإلا فإنَّ هذا المكذِّب لاعب أعمى مكابر.

    ملحوظة: بعض الصوفيَّة على غاية التعظيم للشيخ ابن عربي رحمه الله، فسيجدون مناقشتي له بهذه الطريقة تطاولاً على مقامه العالي وانتقاصاً للحضرة...!

    فأقول: الشيخ هو الذي قرَّر المسائل بطريقة التقرير الفلسفي الكلاميِّ! فلما أنزل نفسه إلى مستوى المتكلِّمين والفلاسفة إن كان هو أعلى منهم مقاماً؟!

    ثمَّ يقال: ليس في المناقشة العلميَّة انتقاصاً، وليس في إثبات ما أراد الشيخ ابن عربي نفسه إثباته انتقاصاً له! فهو نفسه قد سطر هذا وقرَّره ونصره، فمعاملته بالمثل علمياً ليس فيها انتقاص.

    وليس في هذه المناقشة مناقشةً لولايته أو إيمانه أو كفره.

    ملحوظة: لا أحسب أحداً من المتقدِّمين أو المتأخِّرين قد نفى نسبة [العقيدة الناشية الشادية] عن الشيخ ابن عربي، فإن قفز قافز الآن منكراً لصحَّة نسبتها إليه فهو مخالف إجماع من قبله من العلماء والصوفيَّة.

    ملحوظة: مقدِّمة الكتاب هاهنا -وفيها عقيدة الخواصِّ-:

    http://www.tasavof.ir/books/download...oohat-10-1.doc

    والحمد لله ربِّ العالمين

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  3. السلام عليكم ورحمة الله
    كل عام وأنت بخير أخي محمدأكرم
    اسمح لي أن أقول بأنك تعسفت في فهم الكثير من كلام الشيخ ابن عربي وحملته تارة ما لا يحتمل أصلا وطوراً ما لا يقصده أصلا خصوصا إذا نزلنا ذلك على محكمات كلامه وأدركنا مراده الحقيقي بوحدة الوجود وفهمناه على وجهه الذي هو مفتاح الإشكالات.
    ولهذا ما زلت أذكر نفسي وإخواني بأن الدخول في مناقشة ما ورد في كتب الشيخ ابن عربي بلا زاد معرفي واصطلاحي وبلا فطرة خالية من الأحكام المسبقة وبلا تحقيق وتمحيص ضرب في الحديد البارد وتعب بلا نتيجة علمية.
    ولا يذهبن وهم أحد أني أهول من الأمر وأجعل من كلامه طلسمات لا تفهم أو أن آراءه لا تكشف إلا بالذوق والإلهام والكشف وغير ذلك مما لا يكاد ينضبط، ولكنها كسائر كلام أصحاب النظريات العميقة تحتاج إلى تزود بالآلات المعرفية الكفيلة بسبر أغوارها ومعرفة أهدافها ومقاصدها.

    وهنا أشير إلى مسألة فارقة في فهم قضية وحدة الوجود عند ابن عربي ومن فصّل القول فيها من مؤيديه وهو أن هذه النظرية تنطلق من مسألة إيمانية مسلمة عند جميع أهل السنة لا خلاف فيها وهي أن الله تعالى عالم في الأزل وفيما لا يزال بما كان ويكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، علما تنجيزيا قديما غير قابل للتجدد أو الحدوث أو الطرو أو الانعدام، ومن هنا نستنتج حقيقة لا مناص منها وهي أن معلومات الله تعالى قديمة قدم علم الله تعالى وقدم ذاته العلية، وأن لها ثبوتاً أزلا في علمه عز وجل، فللمعلومات وجود علمي أزلي بلا شك ولا ريب ولا اختلاف، وليس ثمة في الأزل إلا ذات الله عز وجل وصفاته التي منها العلم المتعلق أزلا بجميع المعلومات تعلقا تنجيزيا قديما غير قابل للتغير، وبهذا الاعتبار يمكن أن يقول كل مسلم بقلب مطمئن بوحدة الوجود قاصداً بأنه ليس ثمة أزلا إلا إله واحد وهو الله عز وجل وصفاته التي منها العلم الكاشف أزلا لجميع المعلومات، وبهذا الاعتبار ليس ثمة إلا وجوداً واحداً أزلاً وهو وجود الله سبحانه وتعالى المتصف بصفات الكمال ومنها العلم المحيط بكل معلوم، وليست صفاته منفصلة عن ذلك حتى يقال بوجود أكثر من وجود واحد أزلا، وليست معلوماته سبحانه منفصلة عن علمه موجودة خارجاً أزلا حتى يقال بوجود أكثر من موجود واحد أزلا، فصح القول بوحدة الوجود بهذا المفهوم وهو وجود الله تعالى أزلا لا غيره سبحانه وتعالى.

    فبهذه العجالة يتبين أن القول بوحدة الوجود ـ لا وحدة الشهود ـ قول لا إشكال فيه إذا تحررنا من المفهوم الباطل الذي لا يقصده حتى الغبي وهو أن ما سوى الله في الوجود الخارجي مما تدركه حواسنا وتحيط به مداركنا هو عين ذات الله عز وجل وعين صفاته والعكس كذلك، فهذا المفهوم لوحدة الوجود لا يقول به مسلم عامي ولا حتى غير المسلم ممن لم تدنس فكرته أو تشوه كليا فطرته، ولذا لم يتوقف عالم من علماء المسلمين في الحكم بكفر صاحب وحدة الوجود بهذا المفهوم الباطل حسا وعقلا ضرورة ونظراً، ولا يظن عاقل أن ابن عربي قائل بوحدة الوجود بهذا المعنى الثاني الذي ينص هو بنفسه نصا على بطلانه في غير موضع من كلامه.

    ولهذا أقول مرة أخرى، فليتريث الأخوة الكرام ولا يتعجلون في قضية نقد كلام الشيخ ابن عربي ونظرياته، ولا يظنون أن كلام بعض علماء الشريعة فيه نقداً بمثابة الإذن لكل من شاء أن ينتقده بغير وجه حق زاعما أنه يدافع عن الشريعة، فلنترك هذه المباحث لأهلها، ولا نقلد أحداً فيما وصل إليه من نتائج حتى يختبر كل لنفسه ويسلك طريق الحق في حكمه، وبالله التوفيق.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  4. #4
    متابعة لكلام الأخ نزار حفظه الله :
    إذا كانت وحدة الوجود تؤسس على القول بنفي الممكنات فهذا أمر لا يبعد عند الأشاعرة في طور من أطوار التفكير، فالتحقيق هو عدم وجود ممكن بعد واجب الوجود في هذا الوجود، فوجود الحق سبحانه واجب بذاته، ووجود العالم الذي نراه واجب به سبحانه، ولا يمكننا أن ندعي وجود ممكن قطعا على طريقة الأشاعرة، فزيد الذي لم يوجد وتعلق علمه الله بعدم وجوده مستحيل الوجود، والذي سيوجد هو واجب الوجود بثبوت التعلق، أما الإمكان والممكن فهو مرحلة فكرية استدلالية، وبعدها لا يبقى إلا الوجوب فقط ، فنحن بين وجوب ذاتي ووجوب تبعي، ولا وجود للممكن إلا على سبيل الفرض، وهذه الطريقة لا تنفع عند المعتزلة كما لا يخفى، بل قد تنفع.
    قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

  5. اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نوران محمد طاهر مشاهدة المشاركة
    ولا يمكننا أن ندعي وجود ممكن قطعا على طريقة الأشاعرة
    اسمح لي بأن اقول لك بأن العكس تماما هو الصحيح عند السادة الأشاعرة، فلا يمكننا أن ندعي وجوب واجب سوى الله تعالى وصفات ذاته، وسواء في ذلك الممكنات التي عرض لها الوجود أو التي بقيت في العدم فجميعها لم تفارق الإمكان طرفة عين، فهي دائما وأبدا في كل لحظة لحظة مقدرة أو محققة ـ على أحد الأقوال ـ مفتقرة إلى من يرجح وجودها على عدمها أو عدمها على وجودها أزلا وأبدا وإن ظهرت بقدرة الله وإرادته إلى الوجود، وهذا من معاني قيوميته سبحانه تعالى التي تنبني على معرفة حقيقة الممكن وهي عدم اقتضاء شيء من طرفي الوجود والعدم، وأيضا بناء على نظرية الإمام ابي الحسن الأشعري من استحالة بقاء الأعراض في ثاني زمن وجودها وافتقار جميع أجرام هذا العالم إلى إمدادها بالأعراض كل آن فرد حتى يستقيم بقاؤها.
    وهنا لابد من بيان إحدى المسائل العظمى التي وافق فيها ابن عربي السادة الأشاعرة عموما والإمام الأشعري خصوصا وهي قضية استحالة بقاء الأعراض، ولها ارتباط وثيق بما نحن فيه الآن، فإنه قال في الباب السادس والعشرين ومئة من الفتوحات المكية، في معرفة مقام المراقبة: وما ثمّ إلا عالَـم أعلى وعالَـم أسفل، وهو على قسمين: عالَـم قائم بنفسه، وعالَـم غير قائم بنفسه، فالقائم بنفسه: جواهر وأجسام، وغير القائم بنفسه: أكوان وألوان وهي الصفات والأعراض، فعالَـم الأجسام والجواهر لا بقاء لها إلا بإيجاد الأعراض فيهما، فمتى لم يوجد فيهما العرَضُ ـ الذي به يكون بقاؤها ووجودها ـ تنعدمُ، ولاشك أن الأعراض تنعدم في الزمان الثاني من زمان وجودها، فلا يزال الحق مراقباً لعالَـم الأجسام والجواهر العلوية والسفلية، كلما انعدم منها عرَضٌ به وجودُه خلق في ذلك الزمان عرَضاً مثله أو ضدَّه يحفظه به من العدم في كل زمان، فهو تعالى خلاق على الدَّوام، والعالَـم مفتقرٌ إليه تعالى على الدوام افتقاراً ذاتيا من عالَـم الأعراض وعالَـم الجواهر، فهذه مراقبة الحق خلقه لحفظ الوجود عليه، وهذه «الشؤون» التي عبّر عنها في كتابه أنه: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩]. (ج14/ص229)
    وله نظم ونثر أشار فيها إلى استحالة بقاء الأعراض زمانين في نفس المجلد (ص208).
    فهذا الكلام المحكم منه يحقق أنه لم يخرج عن أصول عقائد أهل السنة الأشاعرة في هذا الأصل العظيم، ويبين استحالة وجود واجب الوجود غير الله تعالى وصفات ذاته العلية، وأما الممكنات فهي دائما وأبدا وسرمدا في مقام الفقر والعجز المنافيين لوجوب الوجود حقيقة ذهنية وحقيقة واقعية، فإن الحقائق لا تنقلب، ولا عبرة بالأطوار الفكرية أو الخيالات النظرية، بل العبرة بالحق في نفس الأمر، ولهذا يسمى السادة الأشاعرة بأهل الحق لأنهم يعتبرون الأشياء من حيث نفس الأمر ومن حيث الحقيقة الواقعية.
    وأكرر مرة أخرى: ينبغي النظر في مسألة وحدة الوجود من زوايا لا تنقض الثوابت العقلية والقواطع العقدية التي يقر بها جميع أهل الشريعة الإسلامية ومنهم ابن عربي نفسه، ولا ينبغي أن نهدم أركاناً نظرية ثابتة بطرق تعسفية ثم نقول بأن المراد بوحدة الوجود كذا وكذا مما لا يستقيم مع القواطع العقلية والمحمات النقلية، والله تعالى أعلم وأكرم.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  6. #6
    الأخ نزار:
    ما سميته عكسا ليس عكسا كما لا يخفى، بل هو دعوى مؤسسة، وهذه الدعوى لا خلاف فيها، ولا حاجة لجعل الاتفاق خلافا، ونظرك للممكن كان عبر أطوار عقلية، ووجود الممكن فيها هو الثابت عند السادة الأشاعرة، أما النظر للممكن بتعلقه بعلم الله تعالى، وهو ما قيدته في عبارتي، فلا يخرج عن الوجوب التبعي، وهذا ما بينه العلامة النابلسي في بيان وحدة الوجود وغيره، وليس في هذا نقض لثوابت النظر بطرق تعسفية، بل هو نظر شامل لم يقف عند حد دون حد، وما أريد بيانه هو أن القائل بوجوب الموجودات لا يريد غير هذا، وهو ما فهمته من كلامك الأول في قضية النظر إلى علم الله، وكلامك عن افتقار الممكنات إلى الإمداد أوتظن مسلما يخالف هذا؟! ولكن هذا لا علاقة له بالنظر للممكن من حيث الوجود، بل الممكن الموجود واجب الوجود بالله عند الأشاعرة بلا خلاف، والممكن المعدوم الذي لا تعلق للعلم بوجوده فهو مستحيل الوجود عند الأشاعرة بلا خلاف أيضا، وخلافك نشأ عن الخلط بين وجود الممكن والنظر للممكن من حيث هو، فرويدا رويدا، لا حاجة للعكس والقطع....
    ولعله لا يخفى عليك أن القول بوحدة الوجود مؤسس على وحدة الوجود لا الموجود، فالوجود واحد والموجود متعدد، طبعا قد لا يوافق على هذا من حيث إن تعددية الوجود لا تقتضي التكثير، فهذا مبحث آخر، وما ألفت الانتباه إليه هو معنى الوجود الواجب الذي لا تنفك عنه الموجودات بهذا المنزع والتعلق، ولا أخالف بما ذكرت.
    أما بقاء العرض زمانين وعدمه كما يقول الأشاعرة والشيخ محيي الدين، فلا يكفي للاستدلال ، فالمظهرية في وحدة الوجود تؤيد عدم البقاء زمانين، بخلاف من يقول ببقاءه، والله أعلم.
    قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

  7. أخي نوران
    الممكنات لم تشم رائحة الوجوب الحقيقي أصلا، لا بالذات ولا بالعرض ولا بالتبعية ولا بالاستقلالية.
    وكما سبق وقلت لك فأهل الحق ينظرون إلى الأمور على ما هي عليه في نفس الأمر، وما يسمى وجوبا تبعيا أو عرضيا لم يخرج الممكن عن حقيقة الإمكان بحال من الأحوال، ولو أخرجه عنه قيد أنملة لانهدم البناء العقدي كليا.
    وسأكتفي هنا بذكر كلام الشيخ ابن عربي بنقل الشيخ النابلسي الأشعري وفيه عبرة ودقة وهو يؤيد ما ذكرته وينقض ضده:
    قال الشيخ محيي الدين بن عربي: ما قال بالعلل إلا من قال بأن العالَم لم يزل، وأنى للعالَم بالقِدَم وما له في الوجود الوجوبي قَدَم؟ لو ثبت للعالَم القِدَم لاستحال عليه العدم، والعدم ممكن، بل واقع عند العالِم الجامِع، لكن أكثر العبيد في لبس من خلق جديد، فما عرف تجدد الأعيان إلا أهل الحسبان، وأثبت ذلك الأشعري في العرض، وتخيل الفيلسوف فيه أنه صاحب مرض لجلهه بسواد الزنجي وصفرة الذهب. اهـ
    فانظر كيف نفى الشيخ رائحة الوجوب عن الممكنات ذاتيه وعرضيه وتبعيه على ما يشعر به إطلاق عبارته بلا تقييد، وانظر كيف دافع عن نظرية الإمام أبي الحسن الأشعري في استحالة بقاء العرض زمنين، وكيف أشار إلى مختاره هو من استحالة بقاء الأجرام أيضا زمنين، وفي ذلك أدل دليل على أن الممكنات عنده في محل التلاشي في ثاني زمن وجودها، وهو زمن فرد يقابل الجوهر الفرد لا تدركه الحواس وإن صدقت به العقول السليمة، فأي وجوب عارض أو تبعي اكتسبته الممكنات؟ وأيضا كما أشرنا فالعارض في معرض الزوال محفوف به في المبدأ والمآل، والزائل لم يبلغ مرتبة الوجوب بحال من الأحوال، وأيضا فالعلم لا يوجب ولا يحيل، وإنما له الكشف الأزلي القديم، وإلا فلا حاجة للقدرة والإرادة، والحق خلافه بالبرهان، وبالله تعالى التوفيق.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  8. ومما نقله الشيخ النابلسي عن الشيخ محيي الدين ابن عربي قوله: احذر أن تقول كما قال العاشق: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا"؛ فإنك أنت أنت، وهو هو، وانظر هل قَدَرَ من قال ذلك أن يجعل العين واحدةً؟ لا والله ما قَدَرَ؛ لأنه جهل، والجهل لا يستطاع. انتهى.
    فهو عز وجل واجب وأنت ممكن، وهو تعالى قديم وأنت حادث، فهو هو، وأنت أنت، ولا اشتراك بينكما لا لفظا ولا معنى ولا تواطئا ولا تشكيكا، ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  9. #9
    أخي نزار حفظك الله:
    لا أريد أن أخرج بك عن أصل موضوع الحوار، فلعلي فعلت هذا بمداخلتي التي كنت أظن أنها تدندن حول المعنى الذي تتحدث عنه، فإذا هي ليست كذلك، فأنا أنطلق من أن الشيخ محيي الدين يقول بوحدة الوجود، وحاولت بيان مرامز القوم في هذا، فأنا لا أدعي فهم عبارات الشيخ محيي الدين، فأنا دونها، وذلك للمساحة المعرفية الواسعة عنده، واللغة الأدبية الممزوجة بالمغامرات اللغوية كما أقول أحيانا لبعض من أقرأ معهم في العقيدة ويسألونني عن الشيخ محيي الدين، إلى غير ذلك، وكنت أظن أنك تثبت للشيخ القول بوحدة الوجود، فشاركت على هذا الأساس، وعلى ما يظهر إما أنك ترى غير ذلك، أو ترى تفسير وحدة الوجود بما يوافق المذهب الأشعري.
    أما بشأن ما ذكرته فأنا لا أخالفك فيه قيد أنملة، أعني تقرير معنى الممكن وافتقاره إلى واجب الوجود، بل هذا هو منزع كل عاقل يستدل بالخلق على الخالق، والقائلون بالوحدة ممن يستدلون بالخالق على الخلق، ولكن...
    ما ذكرته لك من إثبات الوجوب التبعي لا أدري كيف تنفيه؟
    لعلي ما أدركت مقصد كلامك، ولكن ما تحويه كلماتك لا يقوى على الإطلاق رفع ما أثبته علماء الكلام قديما وحديثا، وذلك في تقسيم الواجب إلى واجب بالذات وواجب بالغير، وحديثي السابق يدور على الواجب بالغير، وكلنا يعلم أن صفة العلم صفة كاشفة غير مؤثرة، والتأثير للقدرة، ولكن هذا الكشف يستحيل تخلفه كما تعلم، ولا أريد غير هذا.
    لو ادعيت سيدي أنني وإياك مخلوقان أبديان ، لا نقبل الفناء، لا لذاتنا، بل لصدق خبر الحق بذلك، فالإنسان خالد أبد الأبدين، ( نسأل الله تعالى أن نكون جميعا خالدين في جنات النعيم)، وجوده بهذا المعنى الضيق وجود واجب بهذا الاعتبار، واجب بالاستناد إلى الواجب بالذات ، وافتقاره في هذا الوجود لله تعالى أمر مفروغ منه في كل يوم رباني، ( واليوم عندهم الجزء الذي لا يتجزأ من الزمان)، بل وجودك قبل لحظة صار واجبا بهذا المعنى، فلا يمكن أن نقول: أنا غير موجود الآن أو قبل لحظة مثلا، فالممكن بهذا الاعتبار واجب بالتبعية، ونص الشيخ رحمه الله لا يدور أو يرفع هذا المعنى، وأنا لا أقصد سواه، وهو أمر أقرره في تدريس العقيدة كما قرره علي أشياخي من قبل، وتقسيم أشهر من أن يذكر، فهل أنت سيدي لا تقول بهذا التقسيم؟
    ثم من المعلوم أن الواجب بالغير لا يخرج الشيء عن إمكانه في ذاته، وقولكم: إن أهل الحق لا ينظرون إلى الأشياء إلا باعتبار ذاتها قول ما فهمت المراد منه، أتعني أنهم لا ينظرون إلى الأشياء بالنسبة؟ وهذا أمر يخالف الواقع، بل أهل العلم نظروا إلى الأشياء من حيث هي ومن حيثيات أخرى كثيرة، وهذا لا يكاد يخفى.
    لا أريد أن أشغلك عما أنت فيه من الحوار، ولكن أردت أمرا فكان آخر ولا حول ولا قوة إلا بالله، فسامحونا.
    قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

  10. أخي الكريم نوران وفقه الله
    إذا يسر الله وتدارسنا مفهوم وحدة الوجود الذي يقصده ابن عربي سيظهر آنذاك موافقته من عدمها، أما قبل ذلك فلا نستطيع أن نحدد من يوافق الشيخ ومن يخالفه.
    وأريد أن ألفت انتباهك إلى هذه المسألة التي قد ترفع ما يبدو من خلاف، فقولك:
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نوران محمد طاهر مشاهدة المشاركة
    ما تحويه كلماتك لا يقوى على الإطلاق رفع ما أثبته علماء الكلام قديما وحديثا، وذلك في تقسيم الواجب إلى واجب بالذات وواجب بالغير.
    الذي يظهر من كتب عقائد أهل السنة تقسيم الواجب إلى واجب ذاتي وواجب عرضي، وهو مجرد استعارة لضيق العبارة، وإلا فالواجب العرضي هو في الحقيقة ممكن ذاتي قبل وجوده وعنده وبعده، ولم يشم رائحة الوجوب المقتضي لاستحالة عدم العين وعدم صفاتها، والمشاهدة والحس والخبر يكذبه، وأما تقسيم الواجب إلى واجب بالذات وواجب بالغير فهو تقسيم فلسفي جار على أصولهم القائلة بقدم العالم، وقد فرعوا عليها استحالة عدم الواجب بالغير، واستحالة مسبوقيته وملحوقيته بالعدم، وحتى بعض المتكلمين الذين استعملوا هذا التقسيم الفلسفي فأثبتوا الوجوب الذاتي للذات والوجوب بالغير ـ اي بالذات ـ للصفات فهم قلة قليلة ولا يجري كلامهم على أصول متكلمي أهل السنة الأشاعرة وغيرهم، وهو معدود من زلاتهم غفر الله لهم آمين.
    وبالتالي فتحرير المصطلاحات يقتضي بيان الفرق الشاسع بين الواجب العرضي الذي لم يفارق حقيقة الممكن وخواصه، وبين الواجب بوجوب الغير الذي شارك الواجب لذاته في بعض خصائصه ففارق أركان حقيقة الممكن.
    وبالنسبة للمثال الذي ضربته فالإنسان بناء على نظرية الشيخ ابن عربي من استحالة بقاء أجرامه وأعراضه زمنين فهو معروض للفناء في كل آن فرد، والله عز وجل يخرجه من العدم إلى الوجود في كل زمن فرد بإذنه (وهو مجموع قدرته وإرادته وعلمه)، فلم يتحقق للإنسان بقاء ولا خلود، ولا وجوب له من ذاته ولا من غيره وإن كان معروضا للوجود الممكن في كل لحظة فردة.
    هذا من حيث الوجود الخارجي، وأما من حيث العلم الإلهي فهو أولا غيب، ثم إذا تدبرنا قول العارف ابن عطاء الله السكندري: "اعلم أن للأشياء وجودا في علم الله وإن لم يكن لها وجود في أعيانها، فالحق سبحانه وتعالى يتولى تدبيرها من حيث إنها موجودة في علمه، وفي هذه المسألة غور عظيم ليس هذا الموضع محلا لبسطه. (التنوير في إسقاط التدبير، لابن عطاء الله السكندري. ص14.) أدركنا أن الممكنات لم تشم رائحة الوجوب حتى في العلم الإلهي لافتقارها في تلك المرتبة أيضا إلى التدبير الملزوم للتغيير، أقصد تغيير المعلوم، لا تغير العلم الإلهي، فهو واحد لا يقبل التغير ولا التجدد ولا الحدوث ولا الطرو أزلا وأبدا.
    فتبين أن الممكنات لا قِبَل لها بوجوب الوجود مطلقا، لا علما ولا خارجاً، والله تعالى أعلم.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  11. #11
    أخي نزار حفظه الله:
    لا أخفيك تأثري بكلام قرأته قديما لمولانا جلال الدين الرومي بهذا الخصوص، وتنبيهك هذا في قضية التقسيم والتفريق بين عموم المتكلمين والفلاسفة تسأهل مني جديد بحث ونظر، أشكر صبرك على المطالعة، وأنا مهتم ببحثك جدا، لاعتبارات عديدة، وفقك الله ونفعنا بك.
    قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

  12. #12
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    تقبَّل الله طاعاتكم أخي الكريم نزار...

    قولك: "بأنك تعسفت في فهم الكثير من كلام الشيخ ابن عربي وحملته تارة ما لا يحتمل أصلا وطوراً ما لا يقصده أصلا".

    أقول: دعوى سنرى الدلالة عليها.

    تقول: "خصوصا إذا نزلنا ذلك على محكمات كلامه".

    أقول: ممنوع، فمدَّعاي هو أنَّ ما ذكر في هذه العقيدة هو محكم لا متشابه فيه!

    ودليل على مدَّعاي هذا هو أنَّه قد كتب هذا في معرض تبيين واستدلال، أي إنَّ التبيان مقصود له هنا بالذات، فكيف لا يكون كلامه هذا محكماً؟!

    فدعواك باطلة بالضرورة.

    ويزيد تنبيهاً على ضرورت بطلانها أنَّ الشيخ ابن عربي بنفسه ينثُّ على مخالفة السادة الأشاعرة! هو يُصرِّح بهذا!!!

    قولك: "وأدركنا مراده الحقيقي بوحدة الوجود وفهمناه على وجهه الذي هو مفتاح الإشكالات".

    أقول: هذا دور، فإدراك مقصوده الحقيقيِّ من وحدة الوجود منبنٍ على فهم محكم كلامه.

    وأنت تبني فهم كلامه هنا على إدراك مقصوده الحقيقيِّ من وحدة الوجود.

    والحاصل هو أنَّ هذه الدعوى فرع دعواك الأولى بأنَّ كلامه هنا ليس محكماً.

    ثمَّ إنِّي أسألك عن ذلك المحكم الذي تشير إليه، فأين هو؟؟!

    قولك: "ولهذا ما زلت أذكر نفسي وإخواني بأن الدخول في مناقشة ما ورد في كتب الشيخ ابن عربي بلا زاد معرفي واصطلاحي وبلا فطرة خالية من الأحكام المسبقة وبلا تحقيق وتمحيص ضرب في الحديد البارد وتعب بلا نتيجة علمية".

    أقول: صحيح، لكنَّها في حقِّي دعاوى...

    ونعم، أنا لي موقف سابق، لكنِّي لا أفهم كلام الشيخ حاصراً فهمي فيه، بل كان كلامي على عين عباراته...

    وكوني أفهم وحدة الوجود الفلسفيَّة يُساعد في فهم كلام الشيخ، وقد قلتُ غير مرَّة إنَّ كلام الشيخ لا يجري إلا مُجرى القول بوحدة الوجود، فأنت المطالب بإجراء كلامه على غير ما أجريتُ.

    قولك: "ولا يذهبن وهم أحد أني أهول من الأمر وأجعل من كلامه طلسمات لا تفهم أو أن آراءه لا تكشف إلا بالذوق والإلهام والكشف وغير ذلك مما لا يكاد ينضبط، ولكنها كسائر كلام أصحاب النظريات العميقة تحتاج إلى تزود بالآلات المعرفية الكفيلة بسبر أغوارها ومعرفة أهدافها ومقاصدها".

    أقول: هذا اتِّهام لي بالسَّطحيَّة وضعف الفهم والآلة، وهي دعوى.

    قولك: "وهنا أشير إلى مسألة فارقة في فهم قضية وحدة الوجود عند ابن عربي ومن فصّل القول فيها من مؤيديه وهو أن هذه النظرية تنطلق من مسألة إيمانية مسلمة عند جميع أهل السنة لا خلاف فيها وهي أن الله تعالى عالم في الأزل وفيما لا يزال بما كان ويكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، علما تنجيزيا قديما غير قابل للتجدد أو الحدوث أو الطرو أو الانعدام"...

    أقول: هذه مصادرة، فمن أين تثبت انبناء القول بالوحدة على مسألة علم الله تعالى؟!

    قولك: "ومن هنا نستنتج حقيقة لا مناص منها وهي أن معلومات الله تعالى قديمة قدم علم الله تعالى وقدم ذاته العلية، وأن لها ثبوتاً أزلا في علمه عز وجل، فللمعلومات وجود علمي أزلي بلا شك ولا ريب ولا اختلاف".

    أقول: هل قولك هذا موافق لقول أهل السُّنَّة أخي نزار؟؟!

    تعلُّقات علم الله تعالى أمور اعتباريَّة لا ثبوتيَّة! فكيف تثبت لها أنفسها الثبوت؟! ثمَّ تقول إنَّ لها وجوداً علمياً قديماً؟؟!

    من أين لك هذا؟!

    ومن أين لك أنَّ ما تزعمه هنا لا شكَّ فيه ولا ريب ولا اختلاف؟!

    لا أدري لِمَ انعكست عندك الدُّنيا والمنطق هاهنا!

    قولك: "وليس ثمة في الأزل إلا ذات الله عز وجل وصفاته التي منها العلم المتعلق أزلا بجميع المعلومات تعلقا تنجيزيا قديما غير قابل للتغير".

    أقول: هذا حقٌّ، فقولك السابق بقدم وجود علميٍّ للمعلومات كيف تنظمه مع هذا؟!

    قولك: "وبهذا الاعتبار يمكن أن يقول كل مسلم بقلب مطمئن بوحدة الوجود قاصداً بأنه ليس ثمة أزلا إلا إله واحد وهو الله عز وجل وصفاته التي منها العلم الكاشف أزلا لجميع المعلومات".

    أقول: هذا اختراع منك لمسمَّى "وحدة الوجود"! فليس يقصد أحد من القائلين بالوحدة هذا أبداً!! فما مدخليَّة قدم تعلُّقات علم الله تعالى في وحدة الوجود أصلاً ما دامت الكثرة في الوجود حاصلة؟!

    ما معنى القول بوحدة الوجود مع إثبات الكثرة الحقيقيَّة بمدخليَّة إثبات قدم التعلُّقات العلميَّة؟!



    قولك: "وبهذا الاعتبار ليس ثمة إلا وجوداً واحداً أزلاً وهو وجود الله سبحانه وتعالى المتصف بصفات الكمال ومنها العلم المحيط بكل معلوم، وليست صفاته منفصلة عن ذلك حتى يقال بوجود أكثر من وجود واحد أزلا، وليست معلوماته سبحانه منفصلة عن علمه موجودة خارجاً أزلا حتى يقال بوجود أكثر من موجود واحد أزلا، فصح القول بوحدة الوجود بهذا المفهوم وهو وجود الله تعالى أزلا لا غيره سبحانه وتعالى. ".

    أنت هاهنا تقول إنَّ المقصود من القول بوحدة الوجود هو القول بوحدانيَّة الله تعالى!!!!!!!

    أخي هل قرأت شيئاً للقائلين بالوحدة؟!



    قولك: "إذا تحررنا من المفهوم الباطل الذي لا يقصده حتى الغبي وهو أن ما سوى الله في الوجود الخارجي مما تدركه حواسنا وتحيط به مداركنا هو عين ذات الله عز وجل وعين صفاته والعكس كذلك".

    أقول: مَن قال لك إنَّ هذا ما نرمي به القائلين بوحدة الوجود؟!

    قولك: "ولا يظن عاقل أن ابن عربي قائل بوحدة الوجود بهذا المعنى الثاني الذي ينص هو بنفسه نصا على بطلانه في غير موضع من كلامه".

    أقول: قد حصرتَ –تضمُّناً- المقصود من وحدة الوجود بمعنيين فقط، وهو حصر باطل...

    بل هناك معنى وقول ثالث هو الذي ننسبه لابن عربي، وعدم معرفتك به لا يعني عدم كونه قول بعضهم على الحقيقة.

    قولك: "فلنترك هذه المباحث لأهلها".

    أقول: فمن أهل هذه المباحث؟! أليست من مباحث الاعتقاد؟!



    الآن أرجع إلى أوَّل دعوى منك، وهي بقولك: " بأنك تعسفت في فهم الكثير من كلام الشيخ ابن عربي وحملته تارة ما لا يحتمل أصلا وطوراً ما لا يقصده أصلا".

    أقول: لم تأت بدليل على دعواك هذه! فهلّا شرَّفتني بذكر محلِّ تعسُّفي؟! أو إنَّك تستحلُّ رمي الكلام الإجماليِّ من غير دليل؟!

    أو إنذَك تقول إنّشي لا أفهم كلام ابن عربي على وجهه كما أنَّك لا تفهمه على وجهه –من قولك بترك هذا إلى أهله-؟!



    وأخيراً أقول: ما فائدة كلامك هذا كلِّه إلا التَّشغيب؟! أنا نقلتُ عبارات الشيخ ابن عربي وناقشتها، فناقشني فيها أو لا تدخل فيما لا ترى نفسك فيه أهلاً! أمأ أنا فأرى نفسي أهلاً للخوض في هذه المسألة.

    وأنا في نفسي أعلم أنَّ فهمي لوحدة الوجود صحيح تماماً إذ قرأت تقرير القول بها من ابن عربي والملا عبد الرحمن الجامي والملا صدرا، وكلُّهم مقرِّر لكلام واحد لا تناقض فيه ولا غموض، بل هو في غاية الوصوح من كلٍّ منهم.

    ---------------------------------------

    أخي الكريم نوران،

    قولك: "إذا كانت وحدة الوجود تؤسس على القول بنفي الممكنات فهذا أمر لا يبعد عند الأشاعرة في طور من أطوار التفكير، فالتحقيق هو عدم وجود ممكن بعد واجب الوجود في هذا الوجود".

    أقول: أحسب أنَّ العبارة ليست دقيقة...

    فمقصودك أخي الفاضل هو أن ليس الممكن يوجد من غير إيجاب غيره، فلا يكون موجوداً إلا بكونه واجباً لغيره، لكنَّ هذا لا ينافي كونه في حال وجوده ممكناً لذاته،وليس هناك ما يُقال إنَّه ممكن لغيره.

    ثمَّ إنَّ وحدة الوجود لا تؤسِّس على هذا القول.

    وقولك: "فوجود الحق سبحانه واجب بذاته، ووجود العالم الذي نراه واجب به سبحانه".

    أٌقول: الأدقُّ أن يقال: "واجب بفعله سبحانه"، فليس وجوب المخلوقات به هو تعالى. هذا عندما يكون الكلام على طريقة السادة الأشاعرة.

    قولك: "أما الإمكان والممكن فهو مرحلة فكرية استدلالية، وبعدها لا يبقى إلا الوجوب فقط".

    أقول: عين القول بالإمكان والوجوب والامتناع هو أحكام اعتباريَّة.

    قولك: "ولا وجود للممكن إلا على سبيل الفرض".

    أٌقول: لا، بل زيد في نفسه ممكن على الحقيق، ووجوبه بغيره مع كونه ممكناً لذاته.

    والمعنى الذي تريده أراه صحيحاً –أي المتعلِّق بكون الممكن لا يوجد من حيث إنَّه ممكن-، إلا أنَّ تعبيرك خطأ...

    ولا مدخليَّة لوحدة الوجود في هذا، ولم يقصد أحد منها هذا، فربطك ما قرَّرتَ بوحدة الوجود خطأ.

    -----------------------------------------------

    أخي نزار،

    في ردِّك على أخي نوران...

    أمَّا قوله إنَّ الممكن الموجود واجب بغيره فصحيح، وهو ما قصد، فلا يوجد شيء إلا إن كان واجباً بنفسه أو بغيره.

    أمَّا كلام الشيخ ابن عربي على امتناع بقاء الأعراض فمأخذه فيه غيرُ مأخذ أهل السُّنَّة تماماً! وهو وافقهم في القول بامتناع بقاء الأعراض وهو فرعيٌّ، بل إنَّ القول بامتناع بقاء الأعراض ليس قولاً خاصاً بالسادة الأشاعرة –فضلاً عن أن يكون هو نظريَّة للإمام الشيخ الأشعريِّ رضي الله عنه-، بل هو قول لبعض المعتزلة! فموافقة ابن عربي في هذا القول لا يعني أنَّه من أهل السُّنَّة! وليس هذا قولاً خاصّاً بأهل السُّنَّة، ولا قال به جميع أهل السُّنَّة.

    أمَّا قوله بدوام افتقار الممكنات فلا يعني أنَّه داخل في قول أهل السُّنَّة! فموافقتهم في هذا سببُه أصل آخر غير أصلهم.

    والقائل بوحدة الوجود يقيناً قائل بدوام افتقار المخلوقات إلى تجلِّي الوجود الحقِّ على ما هو معلوم من طريقتهم، فدوام الإمداد ليس أصلاً عند اهل السُّنَّة خاصَّة.

    فهذا كذلك يُبيِّن أنَّك لا تدري ما وحدة الوجود أصلاً.

    قولك: "ينبغي النظر في مسألة وحدة الوجود من زوايا لا تنقض الثوابت العقلية والقواطع العقدية التي يقر بها جميع أهل الشريعة الإسلامية ومنهم ابن عربي نفسه".

    أقول: هذه مصادرة، فابن عربي يدَّعي أنَّ الحقَّ في نفسه هو وحدة الوجود، وهو يقول إنَّ القول بالوحدة لا ينافي الشريعة أصلاً من جهتين:
    الأولى: أنَّ الشريعة تؤدِّي إلى الوصول إلى هذه الدَّرجة، ويستدلُّ ببعضما يسمِّيه إشارات على ذلك.

    الثانية: أنَّ نفس الحقِّ قابل للظهور في كلِّ المظاهر، فالشريعة حقٌّ لأهلها ودين النصارى حقٌّ لأهله ودين المجوس حقٌّ لأهله.......!

    ----------------------------

    أمَّا العبارة التي نقلتَ أخي نزار عن ابن عربي: " ما قال بالعلل إلا من قال بأن العالَم لم يزل..." فهي لا تخالف قوله بوحدة الوجود، ولو كنت تعرف حقيقة وحدة الوجود لعرفت أنَّ قوله هذا لا يخالفها

    أمَّا هذه العبارة: " احذر أن تقول كما قال العاشق: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا"؛ فإنك أنت أنت، وهو هو، وانظر هل قَدَرَ من قال ذلك أن يجعل العين واحدةً؟ لا والله ما قَدَرَ؛ لأنه جهل، والجهل لا يستطاع". فهي في نفي الاتحاد، والاتحاد قول مغاير تماماً للقول بوحدة الوجود.

    قولك: "وأما تقسيم الواجب إلى واجب بالذات وواجب بالغير فهو تقسيم فلسفي جار على أصولهم القائلة بقدم العالم".

    أقول: باطل، بل أنا وجودي الآن واجب بإيجاد الله تعالى وإيجابه بالتَّأثير الحادث، فلا يلزم القول بقدم العالم بالقول بوجوب الممكن الموجود بغيره.

    فهذا المصطلح يصحُّ استخدامه في الدَّلالة على هذا المعنى.

    ---------------------

    أخي محمود المحرزي،

    أين هذه الرسالة التي تشير إليها؟؟؟

    -------------------

    أخي الكريم يونس،

    أفلا أجبتَ عمَّا ناقشتُ ابن عربي فيه بدلاً من رمي كلام خارج عن الموضوع تماماً؟؟!

    فما نقلتَ فيه نفي للاتحاد لا نفي لوحدة الوجود.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  13. #13
    أنفاس متسارعة من الأخ محمد أكرم، رفقا بالقوم، بل حياك الله على هذا الاهتمام.

    في الحقيقة عدت إلى بعض كتب الكلام لأؤكد صحة التقسيم لنفسي على الأقل في قضية الواجب بالذات والواجب بالغير، وهي قسمة لم تقف عند الفلاسفة وبعض متكلمي السنة، فالرازي في المعالم قال بها مثلا، وغيره مثل الباجوري في المتأخرين مثلا، ولكن كونها لضيق العبارة كما يدعي الأخ نزار فيه وجهة نظر قوية، فوجوبنا في الآن لا يرفع عنا الإمكان، والوجوب بالغير في تحليله هو ممكن أراده الواجب لذاته فقدره وأوجده، وأبرز خصيصة للممكن هي استواء طرفي الوجود والعدم لذاته، ووجوده إنما هو ترجيح لأحد الممكنين، وهذا ما أفهمه من عبارة الأخ نزار، فإلى المشيئة يستند كل شيء ولا تستند هي إلى شيء.

    وأضرب لهذا مثلا حملني على توليده في نفسي الأخ نزار لأطمئن إلى حقيقة الإمكان:
    إهلاك النبي عليه الصلاة والسلام وتعذيبه أمر مستحيل شرعا، والاستحالة الشرعية توجب ثبوت ضدها وهي الوجوب الشرعي، أعني ما يسميه المتكلمون: الواجب بالغير في مثل هذا، فالثابت في علمه سبحانه لا يتخلف، وإخباره به لا يتخلف، ومع هذا ما أخرجه نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم عن الإمكان الذاتي، فكان إذا رأى عارضا من السحاب تجهم واضطرب وقال وكله خوف: ألست وعدتني ألا تهلكهم وأنا فيهم؟ وهو في الصحيح، هذا بعيدا عمن جوز وقوع الكذب في كلام الله تعالى وجل وعز.

    أما كون هذا لا علاقة له بالقول بالوحدة فما إخال ذلك، إذ إن القائلين بالوحدة من المسلمين إنما يثبتون وجودا واحدا ويعددون في الموجود، فلذا قالوا: وحدة الوجود لا وحدة الموجود، والاثنينية عندهم ثابتة يصرحون بها، ونحن من ينفيها عنهم لا هم، فوجود الممكن إن كان واجبا بالغير فهو حاصل لا محالة، ولا يتصور نفيه، وعليه يكون لا وجود للممكن أصلا، بل الممكن مستحيل الوجود عندهم، وأنا إنما فسرت وجهة نظرهم هذه بالوجوب التبعي، فهم يصرحون أن لا وجود إلا للواجب، وكلامهم بهذا الاعتبار صحيح، فكل ما هو موجود واجب كما عبرت أنت بقولك: (بل أنا وجودي الآن واجب بإيجاد الله تعالى وإيجابه بالتَّأثير الحادث، فلا يلزم القول بقدم العالم بالقول بوجوب الممكن الموجود بغيره)، وهذا إقرار بأن كل موجود بهذا الاعتبار فهو واجب، والله أعلم سبحانه.
    قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

  14. #14
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    بارك الله فيك أخي نوران...

    وتقريرك هذا أراه صحيحاً لكون الشيء ممكناً في نفسه واجباً لغيره.

    أمَّا ربطه بقول القائلين بوحدة الوجود فإنَّهم يثبتون الاثنينيَّة كما قلتَ، لكنَّهم لا يثبتونها اثنينيَّة وجوديَّة، فالوجود واحد ظاهر في المظاهر، فالكثرة إنَّما هي في المظاهر لا في الثبوتات الحقيقيَّة.

    والذي أشكل عليَّ فهمه منك هو قولك: "فوجود الممكن إن كان واجبا بالغير فهو حاصل لا محالة، ولا يتصور نفيه، وعليه يكون لا وجود للممكن أصلا،بل الممكن مستحيل الوجود عندهم".

    فالأمر الذي أراه واضحاً ضروريّاً هو أنَّ وجود زيد هو وجودٌ لزيد، أي الموصوف به زيدٌ، لكنَّ هذا الوجود حاصل بتأثير وإيجاد، فهو وجود مستقلٌّ مغاير لوجود المؤثِّر الموجِد تعالى...

    فكيف يلزم نفيُ الوجود الممكن بناء على هذا؟؟!

    بل إنَّ الممكن لذاته في نفسه في الحال التي يكون فيها ممكناً لنفسه هو واجب لغيره، فالأمران يجتمعان (أي الإمكان للذات والوجوب للغير).

    يبدو أنِّي لم أفهمكَ، سامحني!

    ثمَّ أقول: مأخذ القائلين بالوحدة لقولهم باستحالة وجود الممكن ليس هو ما ذكرتَ هاهنا، فالذي تذكر هاهنا هو استحالة وجود ما لا يجب، ومأخذ القائلين بالوحدة هو استحالة تعدُّد الوجود أصلاً!

    والحمد لله على أنَّنا متَّفقان في فهم أنَّه لا يوجد إلا ما وجب وجوده، بالذات أو الغير.

    فلا اختلاف بيننا إذن في التعبير بالوجوب بالغير، وربما أكون قد أسات فهمك فيما سبق...

    لكنِّي أرى السؤال قائماً على ربطك هذا بقول القائلين بالوحدة، فنحن نصحِّح وجود الواجب بالغير وجوداً مستقلاً، والقائلون بالوحدة يمنعون وجوداً مستقلاً عن وجود الواجب أصلاً.

    وسامحني، لكنِّي أريد أن أعيد لتوضيح ما أفهمه...

    فلو ضربنا وجود زيد مثلاً...

    فزيد عند وجوده يكون واجباً بغيره على قولنا وعلى قول الوجوديين القائلين بالوحدة -بحسب مدَّعاك-...

    لكنَّه عندنا يكون له وجود زائد مستقلٌّ عن وجود الحقِّ تعالى...

    وعند الوجوديين لا وجود له زائداً، بل موجوديَّته حاصلة بتجلِّي الذات فقط...

    فلذلك موجوديَّة زيد عندهم ليست في مرتبة الوجود أصلاً، ووجوب موجوديَّته بهذه المرتبة هو حاصل بوجود الحقِّ الذي هو غيره.

    فإطلاق الوجوب لزيد لا يستقيم، لأنَّه لم يشمَّ رائحة الوجود فضلاً عن الوجوب.

    لهذا بالضَّبط لا يستقيم عندي تقريرك لمذهبهم بناء على القول بالقسمة بالوجوب بالذات والوجوب بالغير.

    نعم، أنت قدَّمت بمقدِّمة صحيحة نقول بها وهم يقولون بها وهي أنَّه لا يوجد إلا الواجب، لكنَّهم ينفون وجود زيد أصلاً، فيكون الكلام هو على موجوديَّة زيد، أي نسبة الوجود الحقِّ إلى الماهيَّة المعيَّنة.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  15. اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش مشاهدة المشاركة
    فناقشني فيها أو لا تدخل فيما لا ترى نفسك فيه أهلاً! أمأ أنا فأرى نفسي أهلاً للخوض في هذه المسألة.
    وأنا في نفسي أعلم أنَّ فهمي لوحدة الوجود صحيح تماماً إذ قرأت تقرير القول بها من ابن عربي والملا عبد الرحمن الجامي والملا صدرا، وكلُّهم مقرِّر لكلام واحد لا تناقض فيه ولا غموض، بل هو في غاية الوضوح من كلٍّ منهم
    أخي الكريم محمد يكفي الآن هذا المحل من كلامك لأبني عليه الجواب بكل اختصار، ولا أريد الخوض في الجواب تفصيلا على الأقل الآن لوجوب تقديم الأهم فالأهم، والخوض في وحدة الوجود ليس من الأهمية الأولى عندي على الأقل.
    لكن كي أرشدك إلى ما قد يكبح جماح دعواك بفهم مقصود ابن عربي بوحدة الوجود، حتى صرت تجزم بأنه ومن تبعه قائل بأشياء تخرج من الملة أصلا، حيث إنها أشنع من عقائد الحلول والاتحاد؛ إذ هي ليست بعينهما، بل أخطر، فأقول:
    من علماء أهل السنة الأشاعرة الفحول المنضبطين بقواعد الاعتقاد الذين أفنوا أعمارهم في تحقيق العلوم معقولا ومنطوقا ومأثوراً الشيخ الإمام محمد بن يوسف بن علي الكرماني المتوفى سنة 786هـ ، تلميذ العضد الإيجي وحامل علمه وشارح كتبه، صاحب الشرح النفيس على صحيح البخاري، وقد بحث العلامة الكرماني في شرحه الأجل على المواقف المسمى بـ"الكواشف البرهانية على المواقف السلطانية"، مذهب ابن عربي مصدرا إياه بقوله: وقال بعضهم: نحن لا نقول بالاتحاد ولا بالحلول... ثم حرر مراد أصحاب هذا الكلام وقصده بلا شك ابن عربي ومن تبعه، ثم ميزه عن قول أصحاب الحلول والاتحاد، ثم قال بكل إنصاف وتواضع لا نجد مثله إلا عند العلماء بحق، متجردا عن التعالي والاستكبار والادعاء ببلوغ أرقى درجات الفهم مع أنه لو ادعاها لحق له ذلك: "ولعل كلامَهُم رمزٌ إلى أسراره سبحانه، ومحمول على التأويل". انتهى من الكواشف البرهانية، وهو مخطوط.
    أخي الكريم محمد أكرم، أدعوك إلى التريث أكثر وعدم التقحم بتلك الجرأة في مثل هذه المباحث، حتى ولو خيلت لك نفسك أنك أهل لها، وكما يقال: علمت شيئا وغابت عنك أشياء، والعلم كثير، وعقل ابن آدم صغير.
    ولن أناقش ما ورد في كلامك من حمل لكلام ابن عربي على غير المحمل اللائق شكلا ومضمونا، ولك أن تعزو ذلك إلى عدم أهليتي لذلك كما قلتَ فإنك عند التحقيق صادق لأني لست أهلا لما هنالك حق الأهلية التي للكرماني وأمثاله، ولكن ثق أنك بالغت في تخيل مفاهيم لا علاقة لها بكلام ابن عربي، وقد ذكرت لك شاهداً معتبراً من كلام إمام من أئمة الأشاعرة بلا منازعة يوقف المنصف على خطإك في شدة تسرعك ومسارعتك لتخطئة ابن عربي تخطئة مخرجة من الملة وإن لم تصرح بأنه خارج من الملة لأن الحلول والاتحاد مخرجين منها ضرورة كما قال الإمام المجتهد العز ابن عبد السلام فما بالك بما هو أشنع منهما كما فهمت في ذهنك من كلام ابن عربي.
    لن أطول أكثر، والله أدعو لي ولك بالتوفيق والفهم، والحمد لله رب العالمين.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •