صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 51

الموضوع: سؤال عن علم المنطق

  1. سؤال عن علم المنطق

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    إخواني الأفاضل
    تعلمون ولاشك أن المنطق الذي نستعمله واستعمله علماؤنا في استدلالاتهم الكلامية هو العلم الذي أسسه أرسطو . وقد تطور هذا العلم الآن واستحدثت فيه مباحث وطرائق منهجية عديدة ، ولكن النقاشات الكلامية التي نستعملها لا تزال تستخدم هذا المنهج وكأنه ثابت لم يتطور ولا يجوز له أن يتطور.
    لذا أتسائل : أليس في اعتمادنا على منطق أرسطو نوع من التقديس له؟
    وإذا لم يكن نوع من التقديس ألا يمكن أن يرى المخالف لنا فيه عدم إحاطة بالأنتقادات التي وجهت له ؟
    ما الذي يجعل لعلم المنطق هذه المكانة المنهجية في مباحثنا ؟

  2. #2
    [ALIGN=JUSTIFY]قد اطلعنا على كثير مما انتقدوه على علم المنطق، ونحن نعرف تماما ما حققه علماؤنا، فهل لك أن ترينا قليلا مما انتقده الباحثون المعاصرون على المنطق، بحيث إذا كان صوابا لا نجده عند علمائنا، فنحن لا نريد أن نظل ننادي بالتجديد والتحديث ونحن لا نعرف حقيقة الأمر.
    أرجو أن تفيدنا مما عندك من علم، فتبصرنا ما هناك. لعلنا نبدو في أعين الآخرين متطورين ومجددين؟؟؟!
    بانتظار جوابك.
    والله الموفق. [/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. شكرا للشيخ سعيد على تعقيبه
    بالنسبة للانتقادات المعاصرة هي أكثر من أن تلخص في مداخلة أو حتى مداخلات معدودات. لكن أحيلك هنا على النقد الذي قام به أصحاب المنطق الرياضي لمبدأ الثالث المرفوع ، أو منطق " موجهات الحكم " modalites الذي تجاوز ثنائية القيم الأرسطية وأسس لخماسيته الشهيرة. ومن المعلوم لدارسي هذا الفن ما تعرض له من انتقادات منذ بن تيمية ولا يبنز وإلى منطق وايتهايد ورسل . فضلا عن النقد الكلاسيكي الذي وجه إليه في القرن السابع عشر الميلادي من قبل فرنسيس بيكون.
    وأنا شخصيا أرى في تقديس المنطق الأرسطي اختلالا فكريا بينا.
    وإذا اردتم أن نفتح نقاشا في المنطق الأرسطي نقطة نقطة لكم ذلك. وسأبدأ من حيث يكون البدء.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    بسم الله الرحمن الرحيم

    أخي محمد،

    حبذا لو نتحاور في الجهات التي تنتقدها أنت على المنطق، أعني أن تأخذ المسائل التي تعيّنها أنت وتقرر اعتراضك بوضوح عليها. كما أرجو أن لا تحيلنا إلى غير كلامك أنت، أعني أنك حين تتبنّى مثلاً رأي بيكون وتعرضه فإنني سأعتبره قولك أنت وأناقشك أنت فيه، وأنت من سينصر قوله ويجيب عن إيراداتنا عليه.

    وأرجو أخيراً أن تأخذ وقتك كاملاً في تأمل ما تكتبه وما ترد به علينا حين نعلق على تقوله. لعلّنا نلخّص من حوارنا بحثاً مهمّاً في هذا الموضوع.

    وإني لأعلم أنّ ثمّة انتقادات على علم المنطق النظريّ بعضه له وجاهته وبعضه برأيي ساقط لا قيمة له، وأنا ممن يعتقدون أنّ المنطق ليس علماً تامّاً مكتملاً، وأنّه ما تزال فيه كثير من البحوث التي يتوجب على الفحول الخوض فيها لاستظهار مزيد من القوانين وضبط كثير من التصوّرات وربما الوصول إلى قوانين أعمّ، وهو بحاجة أيضاً إلى التفصيل في كثير من المسائل، وربما إدخال أقوال المخالفين المعتبرة ومناقشتها في كتب الفن.. إلخ، هذا الفنّ برأيي بحاجة لجهود كبيرة ومتوالية عليه تشبه الحقبة الذهبية التي عاشها هذا العلم في القرون السادس والسابع والثامن والتاسع الهجريّة.

    وإني لفي شوق لحوض حوار هادئ على مستوى جيّد من التعمّق والرويّة مع باحث صبور من المخالفين نتناول فيه انتقاداته على هذا الفن ونناقش وجاهتها لعلنا نصل معاً بعيداً عن العصبيّة والمشاغبة إلى خلاصة في كلّ مسألة مسألة. وحتى لو بقينا مختلفين أودّ فعلاً أن نضع الأمور في نصابها في المسألة المبحوثة بحيث تتلخّص وتتحرّر لمن يطّلع عليها، ويفتح له بحثنا باباً عليها لكي ينظر هو فيها.

    فابدأ بأيّ انتقاد لك على المنطق، خذ مسألة واحدة، وأحسن تلخيص ما تراه من خلل في قولنا فيها، ونتكلّم معك فيما قلته وهكذا يستمر الحوار حتى ننتهي من تلك المسألة ثمّ ننتقل إلى غيرها.

    والله تعالى المسؤول أن يوفقنا إلى الحقّ، وهو حسبنا ونعم الوكيل
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  5. أهلا بالشيخ بلال تسعدني محاورتك

    رغم أن موضوع مراجعة المنطق الأرسطي هو شاسع ، واشترك في نقده مفكرون عديدون ، دعنا نبدأ باللحظات الأولية المؤسسة لهذا المنطق ، أقصد المفاهيم المستعملة .
    أول مفهوم هو مفهوم الحد. حيث أقدم عليه نقدين اثنين . فإذا راجعنا الكتابات العربية التي عرفت بمنطق أرسطو سنلاحظ تقديمها للحد بوصفه المسلك المنهجي لحصول التصور. لكن أرى في هذا من الناحية المنطقية فساد لأنه دور.
    أوضح :

    إذا كان لابد من الحد لحصول التصور .
    فالسؤال الذي يطرح هو :
    هل بالأمكان حصول التصور بدون حد؟
    أليس في هذا دور ؟!
    أرجو أن تبين رأيكم في هذه .
    و نأتي الآن إلى الحد بمدلوله الماهوي .
    هل بالأمكان حصوله حقا؟
    هل بإمكاننا إيجاد حد من جنس وفصل متفق عليه بين جميع الفلاسفة؟
    إذا انتفى الحد الماهوي أو تعذر حصوله ألا ينهار بذلك صرح المنطق وزعمه تأسيس اليقين ؟

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخ محمد،

    قولك: (إذا كان لابد من الحد لحصول التصور .
    فالسؤال الذي يطرح هو :
    هل بالأمكان حصول التصور بدون حد؟
    أليس في هذا دور ؟!)

    الجواب: لا، ليس هذا دوراً. فالتصور هو إدراك الذوات التي هي مدلولات المفردات. وحصول مطلق صورة لها في العقل يحصل بالحدّ، والرّسم، والحس، ويتصوّر عقلاً بأكثر من ذلك. إلا أنه لمّا كانت اللغة المعتمدة على الأوضاع اللفظيّة هي أيسر وسيلة للتفاهم بين الناس كانت المعرّفات هي الطريقة الشائعة في العلوم لتحصيل التصوّرات.
    وإمكان تحصيل الأمر الواحد بأكثر من طريق ليس من الدور في شيء. ولم يقل أحد من المناطقة بحسب ما أعلم أنّ التصوّر لا يحصل إلا بالحدّ. وحتّى لو قالوا ذلك فأنت لم تبيّن لزوم الدّور على هذا القول. ولعلّك تراجع مفهوم الدور يا محمّد.

    قولك: (ونأتي الآن إلى الحد بمدلوله الماهوي، هل بالأمكان حصوله حقا؟ هل بإمكاننا إيجاد حد من جنس وفصل متفق عليه بين جميع الفلاسفة؟ إذا انتفى الحد الماهوي أو تعذر حصوله ألا ينهار بذلك صرح المنطق وزعمه تأسيس اليقين؟)

    أقول: الحدّ التامّ يحصّل بالسبر والبحث في المعرَّف كما شرحته في درس المعرّفات في هذا القسم، والمناطقة ينصّون على أنه يتنقّح بكثرة توارد الأنظار عليه، وأنّ غايته أن يكشف عن ماهيّة المعرَّف بحسب الطاقة البشريّة. وهذا الكلام تجده مذكوراً في كتب المنطق. وليس مطلوباً من المنطقيّ أن يصل إلى حقيقة الشيء كما هي ثابتة في نفس الأمر، فإنّ ذلك ربما لا يتيسّر للطاقة البشريّة، لأنّ حقائق الأشياء لا يعلمها علماً تامّاً إلا الله تعالى. ولكنّ إثبات النسب ونفيها يتأتّى لنا عند تصوّر الذوات بوجه ما. ولا يشترط للحكم على أمر أن ينكشف لنا انكشافاً تامّاً من كلّ وجه. ولم يقل أحد من المناطقة إنّ الحدّ التامّ المؤلّف من جنس المعرَّف القريب وفصله القريب يكشف عن حقيقة الشيء كشفاً تامّاً لا علم بعده. بل قالوا إنّ الحدّ التامّ أكمل التعريفات، ومن شأنه أن يؤدّي إلى أكمل التصوّرات.

    قولك: هل بالإمكان إيجاد حدّ إلخ؟

    الجواب: نعم هذا الأمر ممكن. ولا أرى ما يحيله عقلاً. والاختلاف في تحديد ماهيّة لا يضرّ، لأنه يفتح آفاقاً للنظر في المحدود، وربّما يأتي من أهل النظر من يستخرج من مجموع التعريفاً تعريفاً أتمّ وأكمل.

    قولك: إذا انتفى.... إلخ؟

    الجواب: لا ينهار المنطق إذا انتفى حدّ يكشف عن الماهيّة كشفاً تامّاً على هي عليه في نفس الأمر، ولا إذا تعذّر بلوغنا لذلك الحدّ، وذلك لأنّ المعرِّفات التي نتحصّل عليها بالحد وغيره من طرق التعريف تبقى صحيحة، ولو لم تكنّ الأصحّ أو الأدقّ، لكون أجزاء التعريف ألفاظ كليّة صادقة على كلّ فرد من أفراد المعرَّف صدق الكليّ على جزئيّاته، فكلّما ذكر المعرِّف استحضر العقل صورة للمعرَّف، تشكّل علماً بشرياً حادثاً كافياً للإنسان للحكم عليه. وكلّما كان التعريف أتمّ وأكمل كانت الأحكام أي العلوم التصديقيّة المنبنية عليه أكثر. وبهذا لا ينهار صرح العلم اليقينيّ المنقسم إلى التصوّر والتصديق. والمناطقة ينصّون على أنّ الحكم على الشيء فرع عن تصوّره، فإذا أردنا أن نحكم على أمر ما، واحتجنا في ذلك الحكم إلى تصوّر معيّن يتعلّق بالمحكوم عليه، ولم نحصّل ذلك الجانب من التصوّر امتنع الحكم عليه بذلك الحكم. فإذا توقّف حكم ما على تصوّرنا للمحكوم عليه بأبعد مما حصّلناه من تصوّر امتنع الحكم وهذا أحدّ أهمّ أسباب محدوديّة العلم الحادث.
    والمقصود أنّ العلمّ الحادث اليقينيّ لا ينتفي حتّى لو سلّمنا باستحالة بلوغ حدود تامّة تكشف عن حقائق الأشياء كما هي في نفس الأمر، مع أنه كما قلنا لا حاجة لنا لبناء العلوم التصديقيّة اليقينيّة لمثل هذا العلم التامّ بالحقائق، بل يكفينا قدر معيّن من التصوّر للحكم. وخير دليل على ذلك تحصيل البشر للكثير من العلوم اليقينيّة في الطبيعيّات والشرعيّات وغيرها مع أنّ أكثر التعريفات الموجودة في كتب العلوم من الرّسوم المستندة على لوازم الماهيّة الخارجة عنها لا ذاتيّاتها. أي دون حاجّة حتّى إلى وجود حدود تامّة بالاصطلاح المنطقيّ. ولعلّك تتأمّل في بعض الكتب المنطقيّة المطوّلة لعلمائنا المتقدّمين يا محمّد، ففيها تفاصيل ومناقشات وأسئلة وإجابات في غاية الإفادة والإمتاع.
    هذا بعض ما وقع في نفسي من كلام حين قرأت أسئلتك. وأرجو أن أكون قد أبنت عن مقصودي بما يوضّحه. والله تعالى الموفّق.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  7. #7
    [ALIGN=JUSTIFY]بارك الله تعالى فيك يا بلال.

    وللأخ السائل ، أرجو أن تتمعن قليلا في الجواب، وتحاول النظر أكثر مما أنت عليه في كتب المنطق المؤلفة والمشهورة، ليكون ذلك مساعدا لك في الفهم والاستفهام.
    وبارك الله فيك أيضا. [/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. كتب الشيخ بلال

    الأخ محمد،

    قولك: (إذا كان لابد من الحد لحصول التصور .
    فالسؤال الذي يطرح هو :
    هل بالأمكان حصول التصور بدون حد؟
    أليس في هذا دور ؟!)

    الجواب: لا، ليس هذا دوراً. فالتصور هو إدراك الذوات التي هي مدلولات المفردات. وحصول مطلق صورة لها في العقل يحصل بالحدّ، والرّسم، والحس، ويتصوّر عقلاً بأكثر من ذلك. إلا أنه لمّا كانت اللغة المعتمدة على الأوضاع اللفظيّة هي أيسر وسيلة للتفاهم بين الناس كانت المعرّفات هي الطريقة الشائعة في العلوم لتحصيل التصوّرات.
    وإمكان تحصيل الأمر الواحد بأكثر من طريق ليس من الدور في شيء. ولم يقل أحد من المناطقة بحسب ما أعلم أنّ التصوّر لا يحصل إلا بالحدّ. وحتّى لو قالوا ذلك فأنت لم تبيّن لزوم الدّور على هذا القول. ولعلّك تراجع مفهوم الدور يا محمّد.


    وتعليقي على كلام الشيخ بلال هو
    إن قولي إن هذا التصور الأرسطي يسقط في دور قول واضح بين ، يكفي أن أشير إليه بهذا السؤال :
    إذا كان تصور شيء ما حسب المنطق الأرسطي لا ينال إلا بالحد، وإذا كان الحد لا ينال إلا بالتصور ، كيف يمكن لنا حد ما لا نتصوره؟
    إذا كان الجواب هو أنه يجب تصور الشيء قبل حده .فإن الأعتراض الكاشف للدور هو أن المنطق يقول لا يمكن تصور هذا الشيء دون حد.
    أليس هذا هو الدور يا شيخ بلال ؟

    بلى وألف بلى.
    والدليل على ذلك أن جميع الكتب المنطقية حاولت الأحتيال عليه وذلك بتبديل بعض ألفاظ الكلام للتخلص من الدور .


    نأتي الآن إلى قول الشيخ بلال :

    قولك: (ونأتي الآن إلى الحد بمدلوله الماهوي، هل بالأمكان حصوله حقا؟ هل بإمكاننا إيجاد حد من جنس وفصل متفق عليه بين جميع الفلاسفة؟ إذا انتفى الحد الماهوي أو تعذر حصوله ألا ينهار بذلك صرح المنطق وزعمه تأسيس اليقين؟)

    أقول: الحدّ التامّ يحصّل بالسبر والبحث في المعرَّف كما شرحته في درس المعرّفات في هذا القسم، والمناطقة ينصّون على أنه يتنقّح بكثرة توارد الأنظار عليه، وأنّ غايته أن يكشف عن ماهيّة المعرَّف بحسب الطاقة البشريّة. وهذا الكلام تجده مذكوراً في كتب المنطق. وليس مطلوباً من المنطقيّ أن يصل إلى حقيقة الشيء كما هي ثابتة في نفس الأمر، فإنّ ذلك ربما لا يتيسّر للطاقة البشريّة، لأنّ حقائق الأشياء لا يعلمها علماً تامّاً إلا الله تعالى.


    أعقب أولا بالأشارة إلى أنني في هذا الموضوع حددت محل البحث والنقاش في منطق أرسطو ، وأرى في كلام الشيخ بلال خلطا بين المنطق الأرسطي بأخلاط من التصورات المنطقية التي صاغها الرواقيون وعلماء الكلام والفلاسفة والأصولييون لا حقا.
    ثم أقول متسائلا وردا على كلام الشيخ السابق إيراده وكشفا لتناقض قوله مع أرسطو :
    هل يقول أرسطو بأنه ليس مطلوبا من المنطقي أن يصل إلى حقيقة الشيء ؟!!
    وهل يقول أرسطو بما قاله الشيخ من أنه
    " ليس مطلوباً من المنطقيّ أن يصل إلى حقيقة الشيء كما هي ثابتة في نفس الأمر، فإنّ ذلك ربما لا يتيسّر للطاقة البشريّة، لأنّ حقائق الأشياء لا يعلمها علماً تامّاً إلا الله تعالى."؟!!!
    لا بالعكس ، إن الهدف من الحد عند أرسطو هو بلوغ الماهية ،بل حتى قبله لم يرتبط العلم عند أفلاطون إلا بالحد الماهوي. فالحد في تعريفه عند أرسطو حد تام وحد ناقص . والحد التام يبلغ الماهية يقينا ولم يعلق أرسطو بلوغ الماهية بعلم الله .

    ثم إن الذي يتم تنقيحه لا حقا هو الحد الناقص الذي يتكون بالفصل القريب وبالجنس البعيد. بينما الحد التام هو الذي يتركب من الجنس والفصل القريبين. كما أن من شرطه أن يكون جامعا مانعا ،أي يجمع المحدود ويمنع غيره من الدخول فيه.


    ثم يقول الشيخ :

    لا ينهار المنطق إذا انتفى حدّ يكشف عن الماهيّة كشفاً تامّاً على هي عليه في نفس الأمر، ولا إذا تعذّر بلوغنا لذلك الحدّ، وذلك لأنّ المعرِّفات التي نتحصّل عليها بالحد وغيره من طرق التعريف تبقى صحيحة، ولو لم تكنّ الأصحّ أو الأدقّ، لكون أجزاء التعريف ألفاظ كليّة صادقة على كلّ فرد من أفراد المعرَّف صدق الكليّ على جزئيّاته، فكلّما ذكر المعرِّف استحضر العقل صورة للمعرَّف، تشكّل علماً بشرياً حادثاً كافياً للإنسان للحكم عليه. وكلّما كان التعريف أتمّ وأكمل كانت الأحكام أي العلوم التصديقيّة المنبنية عليه أكثر. وبهذا لا ينهار صرح العلم اليقينيّ المنقسم إلى التصوّر والتصديق. والمناطقة ينصّون على أنّ الحكم على الشيء فرع عن تصوّره، فإذا أردنا أن نحكم على أمر ما، واحتجنا في ذلك الحكم إلى تصوّر معيّن يتعلّق بالمحكوم عليه، ولم نحصّل ذلك الجانب من التصوّر امتنع الحكم عليه بذلك الحكم. فإذا توقّف حكم ما على تصوّرنا للمحكوم عليه بأبعد مما حصّلناه من تصوّر امتنع الحكم وهذا أحدّ أهمّ أسباب محدوديّة العلم الحادث.
    والمقصود أنّ العلمّ الحادث اليقينيّ لا ينتفي حتّى لو سلّمنا باستحالة بلوغ حدود تامّة تكشف عن حقائق الأشياء كما هي في نفس الأمر، مع أنه كما قلنا لا حاجة لنا لبناء العلوم التصديقيّة اليقينيّة لمثل هذا العلم التامّ بالحقائق، بل يكفينا قدر معيّن من التصوّر للحكم. وخير دليل على ذلك تحصيل البشر للكثير من العلوم اليقينيّة في الطبيعيّات والشرعيّات وغيرها مع أنّ أكثر التعريفات الموجودة في كتب العلوم من الرّسوم المستندة على لوازم الماهيّة الخارجة عنها لا ذاتيّاتها. أي دون حاجّة حتّى إلى وجود حدود تامّة بالاصطلاح المنطقيّ. ولعلّك تتأمّل في بعض الكتب المنطقيّة المطوّلة لعلمائنا المتقدّمين يا محمّد، ففيها تفاصيل ومناقشات وأسئلة وإجابات في غاية الإفادة والإمتاع.
    هذا بعض ما وقع في نفسي من كلام حين قرأت أسئلتك. وأرجو أن أكون قد أبنت عن مقصودي بما يوضّحه. والله تعالى الموفّق.



    وأقول تعقيبا على كلام الشيخ السابق
    لست مختلفا معك في كون المعرفة الأنسانية تتطور وتترقى نحو العلم ، ولم أقل أنا عكس ما سبق في أي من مداخلتي . إنما موقفنا هو من مفهوم الماهية التي يجعلها المنطق الأرسطي مطلبا له ، ويجعل الحد التام وسيلتها ،
    فلنحرر محل الخلاف أو محل البحث بيني وبينك يا شيخ بلال حتى نخلص إلى بحثه مباشرة :
    هل تعتقد بأن الماهية ممكن بلوغها ؟
    وهل هناك إمكانية للوصول إلى الحد التام ؟

    وأعود إلى مبحث التصور لأوضح موقف أرسطو ،فأقول:
    إن الحد عند أرسطو هو المعرف للماهية.بل إن أرسطو يرى أن الأقتصار في الحد على الخصائص التي تميز الشيء عن غيره دون تحديد حقيقته الماهوية إخلالا بالحد.
    وهذا مخالف تماما للتصور الذي عرضه الشيخ بلال.
    ومثل هذا التعريف للحد وفق منطق أرسطو يسقط في مزلق استحالة الوصول إلى الماهية أو تعذرها على أفضل الأقوال ، ولذا لم يقبل به الأصوليون ، لأن ماهية الشيء مطلب صعب التحقيق بأدوات الفكر البشري. وإلى هذا أشار كانط أيضا في كتابه "نقد العقل الخالص" ، حيث خلص إلى التمييز بين النومين/ حقيقة الشيء والفينومين/ظاهر الشيء قائلا باستحالة بلوغ الفكر البشري إلى حقيقة الشيء وماهيته .
    وقد كان التعريف البديل الذي قدمه علماء الأصول والفقهاء المحققين تعريفا حصيفا ،حيث رأوا أن الحد ليس معرفا للماهية بل حد الشيء هو تعريف معناه، وتمييزه.
    وهذا الأختلاف في تعريف الحد يقوم على اختلاف مع أرسطو ،فهذا الأخير يجعل الهدف من الحد هو حصر الذاتيات ،بينما الهدف من الحد عند الأصوليين هو التمييز.
    ومن هنا كان الحد عند الأصوليين يتم بالطرد والعكس لا بالجنس والفصل.
    لذا يقول التهانوي " الحد عند الأصوليين مرادف للمعرف وهو ما يميز الشيء عن غيره وذلك الشيء يسمى محدودا ومعرفا ".
    وهذا النقد لمفهوم الحد الأرسطي هو ما أكده جون ستيوارت مل حيث عد الحد مجرد شرح للفظ، وليس تحديدا للماهية.وهو الموقف ذاته الذي سيقفه برتراند راسل.
    وفي هذا أرى أن المنطق الأصولي أفضل من المنطق الأرسطي الذي نجد الكثير من علماء الكلام المتأخرين منبهرين به ، بل ونجد أتباعهم من المعاصرين لنا يغفلون عن حقيقة الإسهام المنهجي الأسلامي ،بل يخلطون في فهمهم للمنطق أخلاطا من التصورات بعضها من أرسطو وأخرى من غيره وهم ينسبون هذا الخليط إلى أرسطو!
    وأرى في كلام الشيخ بلال بعض ملامح هذا الخلط.

    وأشكر الشيخ سعيد على متابعته

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    [ALIGN=RIGHT]بسم الله الرحمن الرحيم

    قبل الجواب على كلامك يا محمد، يجب التأكيد على أمر مهمّ في غاية الأهميّة، وهو أنك في بداية كلامك حددت موضوع الكلام المنطق الذي أسسه أرسطو واستعمله علماؤنا، وهذا يفهم منه أنك تعترض على المنطق كما حققه علماؤنا ووضحوه في كتبهم كالشمسية والسلم المنورق والمطالع وغيرها. فلا تقل لي الآن إنك تتكلم عن ما قرره أرسطو فقط، فلم يدرس علماؤنا ولم يعلموا لطلابهم كتب أرسطو فقط، بل شرحوا ووضحوا وعلموا لطلابهم المنطق كما قرروه هم ولم يلتزموا بما قاله أرسطو. وكلّ ما أقوله أنا فهو موجود في كتب علمائنا المناطقة كالغزالي والرازي والكاتبي والقطب التحتاني والجرجاني والسعد التفتازاني وغيرهم، هذا هو المنطق الذي نقّحه الإسلاميون وهو المنطق الذي أدافع عنه.

    أما كلامك عن الدّور فالآن عبرت عنه ولم تكن قد فعلت سابقاً، وهو كلام ابن تيمية بالمعنى. وقد أجاب عنه الشيخ سعيد في كتابه تدعيم المنطق بالتفصيل. والجواب عنه باختصار أنّ الحادّ يدرك صورة للمحدود بالتقسيم والسبر، أو بطريقة التحليل والتركيب، ثم يعبر عنها بطريقة الحد أو الرسم أو الشرح اللفظي. ولا يتوقّف السبر والتقسيم ولا التحليل والتركيب على تصوّر المحدود بصورته الحاصلة بالحدّ حتّى يلزم الدّور.

    قولك: (والدليل على ذلك أن جميع الكتب المنطقية حاولت الاحتيال عليه وذلك بتبديل بعض ألفاظ الكلام للتخلص من الدور)

    أقول: أما هذا فلا أعلم من أين أتيت به، فالذي أعلمه أنّ هذا السؤال الذي تسأله موجود ومذكور في كتب علمائنا، ومجاب عليه ومبحوث بتفصيل. ولا أعرف أحداً من علمائنا يتهرّب من أسئلة الدور أو يتحايل في الإجابة عنها، وحبّذا لو تأتينا بمثال ينطق بذلك من أحد هذه الكتب، فبما أنّ جميع هذه الكتب وقع فيها هذا التحايل فلن تعجز عن الإتيان بمثال يثبت ذلك.

    قولك: (أعقب أولا بالأشارة إلى أنني في هذا الموضوع حددت محل البحث والنقاش في منطق أرسطو، وأرى في كلام الشيخ بلال خلطا بين المنطق الأرسطي بأخلاط من التصورات المنطقية التي صاغها الرواقيون وعلماء الكلام والفلاسفة والأصولييون لا حقا)

    أقول: ضعها حلقة في أذنك من الآن فصاعداً أنّ أرسطو لا يعنيني من أمره شيء إلا بمقدار ما وافق علماؤنا المناطقة على كلامه. وأنا هنا في هذا القسم من المنتدى أشرح المنطق كما هو موجود في كتب علمائنا، وأدافع عن هذا المنطق الإسلامي المنقح. والحقّ ضالّتنا التقطناه أنى وجدناه، لأنّا أولى به من غيرنا سواء كان عند أرسطو أو غيره.

    قولك: (ثم إن الذي يتم تنقيحه لاحقا هو الحد الناقص الذي يتكون بالفصل القريب وبالجنس البعيد. بينما الحد التام هو الذي يتركب من الجنس والفصل القريبين. كما أن من شرطه أن يكون جامعا مانعا، أي يجمع المحدود ويمنع غيره من الدخول فيه)

    أقول: الجمع والمنع شرط في كلّ تعريف سواء كان حداً حقيقياً أو غيره. فلا فائدة في هذا الكلام. وأما أنّ الذي يتنقح من المعرِّفات هو فقط الحدّ الناقص، فليس صحيحاً بهذا الحصر، بل التامّ أيضاً يتصوّر تنقّحه، وكذلك غيره كالرّسم والتعريف اللفظيّ.


    قولك: (لست مختلفا معك في كون المعرفة الأنسانية تتطور وتترقى نحو العلم، ولم أقل أنا عكس ما سبق في أي من مداخلتي.... إلخ)

    أقول: بل نفيت في كلامك إمكان بلوغ المعرفة اليقينيّة بدون معرفة الماهيّة بناء على قولنا، وهذا ما أطلت أنا الكلام فيه مبيّناً فساده. وأؤكد ههنا أن ما سمّيته أنت تطوّراً للمعرفة وترقّياً في العلم ينبغي أن يعلم أنّه لا يعقل أن يعود بالنقض على ما علم سابقاً، أي أنّ المعارف المستجدّة لا تعود بالنقض على ما علم يقيناً من طريق علمي سابق مطلقاً، لأنّ العلوم لا تتنافى، بل تتكامل وتزداد تفصيلاً.

    قولك: (إنما موقفنا هو من مفهوم الماهية التي يجعلها المنطق الأرسطي مطلبا له، ويجعل الحد التام وسيلتها... إلخ)

    أقول: لم يقل أرسطو إن معرفة الأمور لا تتم إلا بمعرفة الماهيات، كيف يقول ذلك وقد أجاز التعريف بالرسم، وقد نص علماؤنا أيضاً على أن طريقة الرسم هي الأكثر استعمالاً مع أنها لا تفيد معرفة الماهية. فأتمنّى عليك أن لا تقول إلا ما تكون متأكدا منه. فإلقاء الكلام هكذا على عواهنه مزعج جدّاً يا محمّد.
    وكون أرسطو يهدف إلى المعرفة التامة بالأشياء وهو أحد مطالبه كفيلسوف، وهذه المعرفة تحصل بالحد عنده، لا يستلزم أن لا يجيز التعريفات إلا بذكر تمام الماهيّة. فقولك هذا مغالطة إذاً. وكون الماهيّة هدفاً ومطلباً لأرسطو ولنا أيضاً أمر، وكون معرفتها شرطاً أو ركناً في بلوغ علوم يقينيّة أمر آخر، وهو ما اهتممت ببيانه في كلامي السابق. وكون ذكر الحدّ يفيد تصوّر الماهيّة أمر، وكون التصوّر لا يمكن بلوغه إلا بذكر الحدّ كما تتمسّك به أمر آخر. فأرجو أن تدقق في الفرق بين هذه الأشياء، حتّى ينحى النقاش منحىً موجّهاً محقّقاً.

    قولك: (إن الحد عند أرسطو هو المعرف للماهية. بل إن أرسطو يرى أن الأقتصار في الحد على الخصائص التي تميز الشيء عن غيره دون تحديد حقيقته الماهوية إخلال بالحد، وهذا مخالف تماما للتصور الذي عرضه الشيخ بلال)

    أقول: أين في هذا الكلام ما يخالف ما قلته أنا يا محمّد؟!
    نعم إنّ التعريف بالخاصّة مخلّ بالحدّ، لأنّ الخاصّة ليست من الذاتيات، والحدّ يجب الاقتصار فيه على الذاتيات. فإذا اكتشفت الخاصة في الحدّ انتفى كونه حداً تاماً، ولكن ذلك لا ينفي كونه تعريفاً صحيحاً إن حقق شرائط التعريف الصحيح، حتى وإن لم يكن تاماً. فالإخلال بالحدّ التام عند الاقتصار على ذكر الخاصّة شيء، وعدم صحّة التعريف لاشتماله على الخاصّة شيء آخر، وهذا الأخير لم يقل به أحد من المناطقة الإسلاميين ولا قال به أرسطو، فمن أين جئت به؟

    قولك: (ومثل هذا التعريف للحد وفق منطق أرسطو يسقط في مزلق استحالة الوصول إلى الماهية أو تعذرها على أفضل الأقوال)

    أقول: يجب أن لا تلبس كلام أرسطو في الحدّ التامّ الكاشف عن الماهيّة بما هي مركّبة من جنس قريب وفصل قريب منسوبين لها، بالكلام في جواز أو امتناع معرفة الأشياء بحقائقها أي على ما هي عليه في نفس الأمر. فهذا الأمر الأول لا يستلزم الآخر لا ثبوتاً ولا انتفاءً. وهو ما لا أراك تدركه من كلامي السابق حين تكلّمت في تعذر بلوغ العلم التامّ بحقائق الأشياء.

    قولك: (وقد كان التعريف البديل الذي قدمه علماء الأصول والفقهاء المحققين تعريفا حصيفا ،حيث رأوا أن الحد ليس معرفا للماهية بل حد الشيء هو تعريف معناه، وتمييزه. وهذا الاختلاف في تعريف الحد يقوم على اختلاف مع أرسطو، فهذا الأخير يجعل الهدف من الحد هو حصر الذاتيات، بينما الهدف من الحد عند الأصوليين هو التمييز. ومن هنا كان الحد عند الأصوليين يتم بالطرد والعكس لا بالجنس والفصل)

    أقول: هذا الكلام ليس صحيحاً يا محمّد. وكأنك لا تلاحظ أنّ الحدّ يطلق ويراد به التامّ، ويطلق ويراد به مطلق التعريف سواء الحقيقيّ أو الرسميّ أو اللفظيّ. ألا ترى أنّ العلماء وضعوا كتباً سمّوها الحدود ترى أغلب ما فيها رسوماً. ولو التفتّ إلى ذلك لم تقع في هذا الخبط، ولم تر تنافياً بين المعرِّف عند المنطقيين والمعرِّف عند الأصوليين.
    وأما الطرد والعكس فهما شرطان لكلّ تعريف مهما كان، فيحصل الجمع بالجنس القريب أو ما يقوم مقامه، ويحصل المنع بالفصل القريب أو ما يقوم مقامه. ومن التعريف ما يتضمن الذاتيات فحسب، ومنه ما يتضمّن العرضيّات فحسب، ومنه ما يشتمل عليهما. وبكلّ يحصل التميُّز المطلوب للمعرّف عن غيره.
    أمّا أنّ الأصوليين لا يعتدّون بتعريف الشيء بذكر ذاتياته ولا يرون هذه طريقة صحيحة للتعريف لأيّ سبب من الأسباب كما حاولت قوله، فليس هذا الكلام صحيحاً. ثمّ ادعاؤك أن التعريف بالتمييز هو خاصية للأصوليين غلط محض، بل هو الشائع عندهم فقط، ونفيك أن يكون ذلك التعريف بالخاصة أي التمييز فقط بين المعرف وغيره طريقة معتمدة عند المناطقة غلط أيضاً، فقد نصوا في جميع كتبهم على أن التعريف بالرسم المشتمل على الخاصة والمعتمد على التمييز بين المحدود وغيره باللوازم صحيح.
    قولك: (وهذا النقد لمفهوم الحد الأرسطي هو ما أكده جون ستيوارت مل حيث عد الحد مجرد شرح للفظ، وليس تحديدا للماهية. وهو الموقف ذاته الذي سيقفه برتراند راسل)

    أقول: هذه مجرّد مغالطة، فالحدّ ليس شرحاً لفظياً للفظ الدال على الماهيّة، ومن العجيب أنك لا ترى فرقاً بين تعريف الشيء بذكر جنس وفصل قريبين له، وتعريفه بذكر لفظ مرادف أقرب وأظهر من اللفظ الذي استعمله المعرَّف له في الدلالة عليه. حسناً دعني أسألك سؤالاً ههنا: هل يمكنك أن تفرّق لي بين مجرّد شرح اللفظ، وبين تحديد الماهيّة؟ فربّما لم أفهم كلامك ههنا لشدّة ظهور الفرق عندي بين التعريف اللفظيّ والتعريف بالحدّ، وبناء عليه لا أرى لكلامك وجها ًولا معنى إلا أن تكون لم تحسن البيان عمّا تريده. فبيّنه لي مرّة أخرى.

    قولك: (وفي هذا أرى أن المنطق الأصولي أفضل من المنطق الأرسطي الذي نجد الكثير من علماء الكلام المتأخرين منبهرين به، بل ونجد أتباعهم من المعاصرين لنا يغفلون عن حقيقة الإسهام المنهجي الأسلامي، بل يخلطون في فهمهم للمنطق أخلاطا من التصورات بعضها من أرسطو وأخرى من غيره وهم ينسبون هذا الخليط إلى أرسطو!)

    أقول لك أخيراً، وبدق أنه يبدو لي أنك لم تطلع على كتب المنطق عند علمائنا. إن معظم الأصوليين المحققين من علمائنا هم منطقيون أيضاً، وهذه أوّل مرّة أسمع فيها بشيء اسمه المنطق الأصولي. هنالك ملامح واضحة للمنطق الإسلامي، والعلماء المسلمون يقررون المنطق على طريقتهم سواء وافق أو خالف الفلاسفة. وهذا المنطق الذي اعتمدوه هو نفسه الذي جعلوه من مبادي علم الأصول، وأدرجوه في كتبهم الأصوليّة. نعم ثمّة اصطلاحات خاصّة عند الأصوليين قد تختلف عمّا هي عليه عند المنطقيين، وجدت الفريقين ينبّهون عليها، كما أنّي لا أرى في هذه الاصطلاحات ما يجعل للأصوليين منطقاً خاصاً بهم يختلف عمّا هو مقرر عند الإسلاميين. وأما شيوع استخدامهم للرّسم فليس بدليل على تركهم للحدّ أو قولهم بتناقضه وفساده. والحقّ أني أسمع منك كلاماً لم أسمعه في حياتي فيما يتعلّق بالتعريف عند الأصوليين والتعريف عند المنطقيين والفرق بينهما. وأرى ذلك مجرّد توهّمات أجزم بأنّك لم تعتمد على قراءة كتب المنطقيين والأصوليين للتوصل لها واستظهارها. فعلى مهلك يا محمّد، كلّ الذي أطلبه منك أن تراجع المباحث التي تتكلّم فيها من كتب علماء المنطق المسلمين قبل أن تعرضها ههنا، هذا كلّ ما أطلبه.
    والله تعالى الموفق، والحمد لله ربّ العالمين. [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  10. بسم الله الرحمن الرحيم
    قبل الجواب على كلامك يا محمد، يجب التأكيد على أمر مهمّ في غاية الأهميّة، وهو أنك في بداية كلامك حددت موضوع الكلام المنطق الذي أسسه أرسطو واستعمله علماؤنا، وهذا يفهم منه أنك تعترض على المنطق كما حققه علماؤنا ووضحوه في كتبهم كالشمسية والسلم المنورق والمطالع وغيرها.
    أرجو يا شيخ بلا أن تراجع كلامي بنصه لتفهم موقفي الذي انطلقت منه ، لقد قلت في أول مداخلتي :
    تعلمون ولاشك أن المنطق الذي نستعمله واستعمله علماؤنا في استدلالاتهم الكلامية هو العلم الذي أسسه أرسطو . وقد تطور هذا العلم الآن واستحدثت فيه مباحث وطرائق منهجية عديدة ، ولكن النقاشات الكلامية التي نستعملها لا تزال تستخدم هذا المنهج وكأنه ثابت لم يتطور ولا يجوز له أن يتطور.
    لذا أتسائل : أليس في اعتمادنا على منطق أرسطو نوع من التقديس له؟
    وإذا لم يكن نوع من التقديس ألا يمكن أن يرى المخالف لنا فيه عدم إحاطة بالأنتقادات التي وجهت له ؟
    لاحظ سؤالي الذي طرحته كمحل نقاش :
    لذا أتسائل : أليس في اعتمادنا على منطق أرسطو نوع من التقديس له؟
    وإذا لم يكن نوع من التقديس ألا يمكن أن يرى المخالف لنا فيه عدم إحاطة بالأنتقادات التي وجهت له ؟

    وللأسف أقول لك يا شيخ بلال إن المخالف العارف بالمنطق سيرى في كتاباتنا أخطاء أفدح ،فنحن لسنا على اطلاع بالتجديدات اللاحقة التي مست المنطق بل نحن نجهل حتى التجديدا ت التي أدخلها أصحاب المتون القديمة ونحسبها من أرسطو.
    وللأسف هذا هو الأنطباع الذي حصل لي من قرائتي مداخلة الشيخ بلال ، وأرجو أن أكون مخطئا.

    وأنا أعلم أن علماؤنا استدركوا على كثير من المباحث المنطقية ، لكن الشائع عند اللاحقين وعند بعض المعاصرين الذين يشرحون منظومات المنطق أنهم يدرسون منطق أرسطو. وهذا اختلال كبير أحببت أن أنبه له. وقد ناقشت يوما أحد مدرسي "السلم" فوجدته لا يعلم للمنطق تاريخا ولا نقدا إنما هو مجرد متقن لكيفية تركيب الأقيسة وتصحيح الأخطاء التي يقع فيها تلامذته ، تماما كالنحوي الذي يعرف قواعد اللغة ولكنه لا يستطيع إنشاء مقالة مفيدة تسهم في حقل المعرفة بجديد. وراجعت مواقع إخواننا الشيعة فوجدتهم عندما يشرحون كتاب الشيخ المظفر يسقطون في ذات المزلق حيث ينسبون لأرسطو ما ليس له . وهذه وصمة عار في حقنا كمسلمين حيث لم نقدر أسلافنا من علماء الكلام الكبار والأصوليين الذين كانت لهم إضافات إبداعية لمنطق أرسطو إلى درجة أنهم صححوا الكثير من مزالقه الصورية وأضافوا الكثير من القواعد المنهجية والمفاهيم المحددة لمنهج التفكير ، ثم خلف من بعدهم خلف لم يدركوا قيمة هذا الأسهام المنهجي فأخذوا خطأ ينسبونه إلىأرسطو .
    وأنا أربأ بالشيخ بلال أن يكون من هذه النوعية ولذا فقد حرصت من أجل تقديم هذا الموضوع على مطلب منهجي أعلنه لكم من الآن وهو أنني أريد أن نصل إلى تحرير منطقنا من سلطة أرسطو وتبيان خصوصية القواعد المنطقية التي أبدعها علماؤنا مع تجديدها ونقد بعض التصورات لصياغة منهج تفكير جديد .


    وشخصيا أعتقد بضرورة إعادة النظر في فهمنا لمنطق أرسطو وللمنظومات المتداولة لنعرف ما فيها لنا وما فيها لأرسطو ولليونان.
    ولست من المتزمتين الذين يريدون أن يبعدوا أرسطو لمجرد عجمته وأجنبيته إنما أنا طالب حق وحكمة حيثما وجدتها آخذها.


    أما كلامك عن الدّور فالآن عبرت عنه ولم تكن قد فعلت سابقاً، وهو كلام ابن تيمية بالمعنى. وقد أجاب عنه الشيخ سعيد في كتابه تدعيم المنطق بالتفصيل. والجواب عنه باختصار أنّ الحادّ يدرك صورة للمحدود بالتقسيم والسبر، أو بطريقة التحليل والتركيب، ثم يعبر عنها بطريقة الحد أو الرسم أو الشرح اللفظي. ولا يتوقّف السبر والتقسيم ولا التحليل والتركيب على تصوّر المحدود بصورته الحاصلة بالحدّ حتّى يلزم الدّور.
    الشيخ بلال أرجو أن تنصت إلي قليلا : أنا عندما أناقشك فأنني أناقش رجلا متمكنا من المنطق وطرائقه ،ولذا فقد كان سؤالي الأول كافيا كإشارة للتنبيه إلى وجود الدور ولم يكن ثمة داع لأفصل القول ، ولكنك يبدو أنك تحسبني لا أعرف شيئا في أقيسة المنطق ولا في مفاهيمه ومعانيه لذا رأيتك تنصحني بأن أراجع كتب المناطقة لأتعلم معنى الدور ، ولكن لعلي بعد أن بينت لك في سؤالي الأول وبعد أن تراجعت إلى القول بأنني كنت أتحدث عن الدور فعلا أن تتغير رؤيتك إلى ما أكتبه فيحظى منك بنظرة أخرى غير نظرة الأستعلاء!! .

    قولك: (والدليل على ذلك أن جميع الكتب المنطقية حاولت الاحتيال عليه وذلك بتبديل بعض ألفاظ الكلام للتخلص من الدور)

    أقول: أما هذا فلا أعلم من أين أتيت به، فالذي أعلمه أنّ هذا السؤال الذي تسأله موجود ومذكور في كتب علمائنا، ومجاب عليه ومبحوث بتفصيل. ولا أعرف أحداً من علمائنا يتهرّب من أسئلة الدور أو يتحايل في الإجابة عنها، وحبّذا لو تأتينا بمثال ينطق بذلك من أحد هذه الكتب، فبما أنّ جميع هذه الكتب وقع فيها هذا التحايل فلن تعجز عن الإتيان بمثال يثبت ذلك.
    و أغض النظر عما في قولكم من تعريض أو سخرية مبطنة ، وأجيب عليك .
    ماذا قلت أنا في أول مداخلتي
    "والدليل على ذلك أن جميع الكتب المنطقية حاولت الاحتيال عليه وذلك بتبديل بعض ألفاظ الكلام للتخلص من الدور"
    معنى كلامي – حفظك الله – أن مسألة الحد يكمن فيها دور . لأن منطلق الحد هو التصور ، والتصور لا يكون إلا بالحد. هذا الدور الكامن يشعر به كل منطقي ، وإن أنكره. ولذا فقد قلت على سبيل المثال إن الذي يثبت لنا وجود الدور في هذه اللحظة الحرجة من لحظات التعريف عند المناطقة هو أن الكتب المنطقية كانت عندما تصل إلى تحديد أمر ما تحتال على القارئ لتغطية الدور فماذا تفعل ؟ إنها تستبدل ألفاظ بأخرى حتى لا تشعرك بالدور.
    لكن الشيخ بلال لايريد أن يقتنع بقولي فهو يريد مني في هذه أيضا أن أعطيه مرجعا من الكتب المنطقية لأثبات ما سبق.
    حسنا يا شيخ بلال لن أذهب بعيدا بل سأعطيك دليلا من داخل هذا الموقع المفيد. بل سأعطيك دليلا من داخل مقالتك ، حيث سأثبت لك بأن المناطقة استشعروا هذا المزلق (الدور ) الموجود في هذه اللحظة الحرجة فحاولوا إخفاءه بتبديل ألفاظ ، تأمل هذه الفقرة من موضوعك يا شيخ بلال ، حيث تقول في الدرس السابع "تعليقات على مبحث التصورات:
    http://www.al-razi.net/vb/showthread.php?threadid=298


    ثم بيّن المصنف والعلامة الشارح رحمهما الله اعتراضين يردان على هذا التعريف بما يلي:
    أحدهما: أن لفظ المأمور الواقع في الحد مرتين مشتق من الأمر، فتتوقف معرفته على معرفة الأمر، لأن معنى المشتق منه موجود في المشتق مع بعض الزيادة، فيكون تعريف الأمر به دوراً.
    وقد ذكرنا أن من شروط المعرِّف أن لا يتضمن ألفاظاً يتوقف معرفةُ معناها على معرفة نفس المعرَّف. وحاصل هذا الاعتراض أن المأمور ...

    والحق كما قال العلامة العضد ما معناه أنه يمكن دفع الدور عن هذا التعريف من وجهين:
    الأول: أن نلاحظ أن الأمر خطاب من الشارع فيكون المقصود بالمأمور (المخاطب بذلك الكلام) فيندفع الدور من جهة تكرار لفظ المأمور المشتق من نفس المعرَّف الذي هو الأمر. أي يكون المأمور به هو ما يتضمنه الخطاب، وفعل ذلك المضمون الطلبي هو طاعته. فيصير التعريف هكذا: "الأمر هو: القول المقتضي فعل المخاطب لما يتضمنه الخطاب".

    هكذا تلاحظ في هذا الكلام السابق مصداق ما قلته أنا بالضبط وآخذتني عليه ، أي أن لحظة التعريف عند المناطقة يكمن فيها مزلق الدور فيتم التحايل عليه باستبدال ألفاظ وقد لاحظتم في الكلام السابق كيف يتم استبدال الألفاظ واعتبار هذا الاستبدال هو مدخل لتجنب الدور!!!!

    و لاأقول إن الأمام العضد أو غيره يسقطون في مزلق لا انفكاك منه ،بل أقول إن الدور هنا كامن وموجود ويكفي إشعارا به ما يتم فعله لكي يتم تجاوزه .

    ثم قال الشيخ بلال :

    قولك: (ثم إن الذي يتم تنقيحه لاحقا هو الحد الناقص الذي يتكون بالفصل القريب وبالجنس البعيد. بينما الحد التام هو الذي يتركب من الجنس والفصل القريبين. كما أن من شرطه أن يكون جامعا مانعا، أي يجمع المحدود ويمنع غيره من الدخول فيه)

    أقول: الجمع والمنع شرط في كلّ تعريف سواء كان حداً حقيقياً أو غيره. فلا فائدة في هذا الكلام. وأما أنّ الذي يتنقح من المعرِّفات هو فقط الحدّ الناقص، فليس صحيحاً بهذا الحصر، بل التامّ أيضاً يتصوّر تنقّحه، وكذلك غيره كالرّسم والتعريف اللفظيّ.
    نحن لا نختلف في التعريف بالرسم وفي التعريف باللفظ ، بل محل خلافنا هو قولك بالحد التام على مذهب أرسطو . ولذا سألتك ولم تجبني بعد ، هل تعتقد بإمكان بلوغ الماهية؟
    ثم أرجو أن تبين لي كيف يتم تنقيح الحد التام بعد تحقق تمامه؟
    إعطني مثالا واحدا لو سمحت .

    قولك: (لست مختلفا معك في كون المعرفة الأنسانية تتطور وتترقى نحو العلم، ولم أقل أنا عكس ما سبق في أي من مداخلتي.... إلخ)

    أقول: بل نفيت في كلامك إمكان بلوغ المعرفة اليقينيّة بدون معرفة الماهيّة بناء على قولنا، وهذا ما أطلت أنا الكلام فيه مبيّناً فساده. وأؤكد ههنا أن ما سمّيته أنت تطوّراً للمعرفة وترقّياً في العلم ينبغي أن يعلم أنّه لا يعقل أن يعود بالنقض على ما علم سابقاً، أي أنّ المعارف المستجدّة لا تعود بالنقض على ما علم يقيناً من طريق علمي سابق مطلقاً، لأنّ العلوم لا تتنافى، بل تتكامل وتزداد تفصيلاً.
    أين قلت إنني أنفي إمكان بلوغ المعرفة اليقينية بدون معرفة الماهية ؟
    لم أقل هذا ، بل الذي قلته وأكرر وأرجو أن لا أضطر للتكرار مرة أخرى
    إن أرسطو ينفي إمكان بلوغ المعرفة اليقينية بدون معرفة الماهية . فالعلم اليقيني عند أرسطو لا يكون إلا بمعرفة الماهية. وكذلك الأمر عند أفلاطون.

    قولك: (إنما موقفنا هو من مفهوم الماهية التي يجعلها المنطق الأرسطي مطلبا له، ويجعل الحد التام وسيلتها... إلخ)

    أقول: لم يقل أرسطو إن معرفة الأمور لا تتم إلا بمعرفة الماهيات، كيف يقول ذلك وقد أجاز التعريف بالرسم، وقد نص علماؤنا أيضاً على أن طريقة الرسم هي الأكثر استعمالاً مع أنها لا تفيد معرفة الماهية. فأتمنّى عليك أن لا تقول إلا ما تكون متأكدا منه. فإلقاء الكلام هكذا على عواهنه مزعج جدّاً يا محمّد.
    يا شيخ بلال ، أولا أنا سأغض الطرف عن بعض العبارات مثل "حط حلقة في أذنك " وأنتقل معك إلى بحث فكري فيما تفضلت به ،فأرجو أن تنصت إلي ولو قليلا :

    إنني قرأت واستمعت إلى كثير من مدرسي المنطق وفق المنظومات المعروفة فوجدتهم يعلمون مبادئ وقواعد على أنها لأرسطو ،فلما أقول لهم حرروا هذه القواعد من أرسطو وأعيدوا النظر في هذا التراث الكلامي وأعيدوا تأسيسه منهجيا بشكل أصيل لا يفهمون ما أقصد ، فهم يظنون خطأ أن هذه المبادئ هي مبادئ لأرسطو ، بل تراهم يقدمون أخلاطا من التصورات والأفكار بعضها رواقي وبعضها من منطق أرسطو وبعضها الآخر من جالينوس وثالثة من إبداعات علماء اللغة أو الأصول ... ويخلطون شيئا بأشياء ويقدمونها على أنها من الحكيم أرسطوطاليس !!!! أليس هذا عيبا خطيرا في فكرنا الأسلامي – سواء السني منه أم الشيعي ينبغي معالجته ؟!!

    ستسألوني أين هذه الأخلاط ؟
    دعني أعطيك مثالا من كلامكم يا سيدي، وأبتدئ من قولك :
    لم يقل أرسطو إن معرفة الأمور لا تتم إلا بمعرفة الماهيات، كيف يقول ذلك وقد أجاز التعريف بالرسم، وقد نص علماؤنا أيضاً على أن طريقة الرسم هي الأكثر استعمالاً مع أنها لا تفيد معرفة الماهية.
    فأقول :

    أكرر لك إن أرسطو يقول بأن العلم لا يوصل إليه إلا بالحد الماهوي ، وإن التعريف المنطقي الصحيح هو التعريف بالماهية . واعذرني أيها الشيخ الفاضل إذا قلت لك إذا وجدت كتبا تقول إن أرسطو أجاز التعريف بالرسم فألق بها في المزبلة لأنها ليس كتب علم بل كتب جهل ، فأرسطو لم يقل بالتعريف بالرسم بل الذي قال بهذا هو جالينوس تحديدا.
    أما التعريف عند أرسطو فنوعان :
    التعريف الماهوي . وهو التعريف الذي يأخذ به ويعده التعريف المنطقي الصحيح.
    والتعريف بالحد اللفظي .

    أما قولك :

    وكون أرسطو يهدف إلى المعرفة التامة بالأشياء وهو أحد مطالبه كفيلسوف، وهذه المعرفة تحصل بالحد عنده، لا يستلزم أن لا يجيز التعريفات إلا بذكر تمام الماهيّة. فقولك هذا مغالطة إذاً. وكون الماهيّة هدفاً ومطلباً لأرسطو ولنا أيضاً أمر، وكون معرفتها شرطاً أو ركناً في بلوغ علوم يقينيّة أمر آخر، وهو ما اهتممت ببيانه في كلامي السابق. وكون ذكر الحدّ يفيد تصوّر الماهيّة أمر، وكون التصوّر لا يمكن بلوغه إلا بذكر الحدّ كما تتمسّك به أمر آخر. فأرجو أن تدقق في الفرق بين هذه الأشياء، حتّى ينحى النقاش منحىً موجّهاً محقّقاً.
    كيف فهمت من كلامي أنني اقول إن التصور لا يمكن بلوغه إلا بالماهية ؟
    أنا أصلا أنكر إمكان بلوغ الماهية . وهو منطلقي معك في النقاش . فأنا أعتبر الحد يتم بالأسم والرسم والتمثيل . أي أنني آخذ بنظرية أبي البركات البغدادي في نظرية الحد بالتمثيل وإن لم أتبعه في قوله بالحد الماهوي.


    يجب أن لا تلبس كلام أرسطو في الحدّ التامّ الكاشف عن الماهيّة بما هي مركّبة من جنس قريب وفصل قريب منسوبين لها، بالكلام في جواز أو امتناع معرفة الأشياء بحقائقها أي على ما هي عليه في نفس الأمر. فهذا الأمر الأول لا يستلزم الآخر لا ثبوتاً ولا انتفاءً. وهو ما لا أراك تدركه من كلامي السابق حين تكلّمت في تعذر بلوغ العلم التامّ بحقائق الأشياء.
    نعم يا شيخ بلال
    أنا هنا لم أفهمك ،بل كلامك هذا يزيد في عدم فهمي لك !!!

    سؤالي من جديد ياشيخ بلال : هل تعتقد أن أرسطو يقول بتعذر بلوغ العلم التام بحقائق الأشياء ؟
    هل تعتقد أن العلم بالماهية عند ارسطو ليس علما بحقائق الأشياء؟


    قولك: (وقد كان التعريف البديل الذي قدمه علماء الأصول والفقهاء المحققين تعريفا حصيفا ،حيث رأوا أن الحد ليس معرفا للماهية بل حد الشيء هو تعريف معناه، وتمييزه. وهذا الاختلاف في تعريف الحد يقوم على اختلاف مع أرسطو، فهذا الأخير يجعل الهدف من الحد هو حصر الذاتيات، بينما الهدف من الحد عند الأصوليين هو التمييز. ومن هنا كان الحد عند الأصوليين يتم بالطرد والعكس لا بالجنس والفصل)

    أقول: هذا الكلام ليس صحيحاً يا محمّد. وكأنك لا تلاحظ أنّ الحدّ يطلق ويراد به التامّ، ويطلق ويراد به مطلق التعريف سواء الحقيقيّ أو الرسميّ أو اللفظيّ. ألا ترى أنّ العلماء وضعوا كتباً سمّوها الحدود ترى أغلب ما فيها رسوماً. ولو التفتّ إلى ذلك لم تقع في هذا الخبط، ولم تر تنافياً بين المعرِّف عند المنطقيين والمعرِّف عند الأصوليين.
    أرجو شخ بلال أن تعيد قراءة كلامي الذي أنت ترد عليه.
    هل قلت أنا بأن الحد يطلق ولا يراد به إلا الحد التام ؟!!!
    أم أنني على العكس من ذلك أميز بين أنواع من الحدود؟
    ثم ثانيا : هل صحيح أنني إذا قرأت كتب الحدود عند علمائنا ووجدتهم يقومون بتحديدها بالرسم لن أجد تنافيا بين علماء الأصول وبين المنطقيين ؟
    أنا أستغرب حقيقة من قولك :
    ألا ترى أنّ العلماء وضعوا كتباً سمّوها الحدود ترى أغلب ما فيها رسوماً. ولو التفتّ إلى ذلك لم تقع في هذا الخبط، ولم تر تنافياً بين المعرِّف عند المنطقيين والمعرِّف عند الأصوليين.
    !!!!
    ويمنعني الأدب أن أنسب القول إلى الجهل ،بل أقول لعلني كنت غامضا في التعبير ولعلك لم تفهم موقفي بعد.
    يا سيدي الفاضل موقفي باختصار وأكرره للمرة الألف :
    إن الحد عند ارسطو هو أساسا حد ماهوي .
    وعنده حد باللفظ لا يحقق العلم.
    أما الحد بالرسم فهو لجالينوس.
    ثم إن الأصوليين يختلفون عن أرسطو في مبحث الحد اختلافا كبيرا ، وهو الأختلاف الذي يجعلني أستغرب قولك بكون لا تنافي بين المنطقيين والأصوليين . ولعلك لا تقصد المنطق الأرسطي بل تقصد أخلاط المنطق الموجود في بعض كتب علم الكلام . أما المنطق الأرسطي والأصولي فبينهما اختلاف ، وأقتصر الآن على مبحث التصورات ولعلك تنتقل معي إلى مبحث التصديقات بعد أن ننهي مبحثنا هذا وسأوضح لك هناك أيضا مقدار الاختلاف بين الأصوليين والمناطقة المشائيين.
    الأختلاف هو أن منطق أرسطو يقوم أساسا على الحد الماهوي التام المكون من الحنس والفصل. وهذا النوع من الحدود انتقده علماء أصول وعلماء الكلام . ومنهم الأمام الرازي في كتابه المباحث الشرقية حيث يقول :
    "الحد مركب من الجنس والفصل عرف بطلانه في المنطق" ج1 ص20 نقلا عن سامي النشار "مناهج البحث"دار المعارف، ط1978، ص49.


    ثم تقول :
    قولك: (وهذا النقد لمفهوم الحد الأرسطي هو ما أكده جون ستيوارت مل حيث عد الحد مجرد شرح للفظ، وليس تحديدا للماهية. وهو الموقف ذاته الذي سيقفه برتراند راسل)

    أقول: هذه مجرّد مغالطة، فالحدّ ليس شرحاً لفظياً للفظ الدال على الماهيّة، ومن العجيب أنك لا ترى فرقاً بين تعريف الشيء بذكر جنس وفصل قريبين له، وتعريفه بذكر لفظ مرادف أقرب وأظهر من اللفظ الذي استعمله المعرَّف له في الدلالة عليه. حسناً دعني أسألك سؤالاً ههنا: هل يمكنك أن تفرّق لي بين مجرّد شرح اللفظ، وبين تحديد الماهيّة؟ فربّما لم أفهم كلامك ههنا لشدّة ظهور الفرق عندي بين التعريف اللفظيّ والتعريف بالحدّ، وبناء عليه لا أرى لكلامك وجها ًولا معنى إلا أن تكون لم تحسن البيان عمّا تريده. فبيّنه لي مرّة أخرى.
    يبدو أننا نتكلم لغتين مختلفتين ياشيخ بلال ، فكأني في كل تعقيب لك على كلامي تثبت لي أنني لم أخاطبك بلغة العرب بل بلغة أخرى لا أدري ما هي وما لسانها؟
    لقد قلت لك :
    وهذا النقد لمفهوم الحد الأرسطي هو ما أكده جون ستيوارت مل حيث عد الحد مجرد شرح للفظ، وليس تحديدا للماهية. وهو الموقف ذاته الذي سيقفه برتراند راسل.
    فجئت تقول إن كلامي السابق فيه مغالطة !!
    يا شيخ إما أنك تريد أن تتعبني بمطلب شرح الواضحات أو أنك فعلا لم تفهم كلامي .
    دعني أشرح لك من جديد :
    إنني قلت بأن الحد الماهوي هو المعتمد عند أرسطو.
    بالنسبة لي لا أعتقد بهذا الحد الماهوي ولا بإمكان حصوله.
    ثم إنني أرى أن علماء الأصول وغيرهم قد اعتمدوا الحد اللفظي ، إضافة إلى حدود أخرى لا أنكر استعمالها في كتب الأصول.
    ثم أضفت إن هذا الحد اللفظي هو ما قال به راسل ومل حيث هما أيضا انتقدا أرسطو في نزوعه نحو الحد الماهوي وقوله بإمكانية هذا الحد. فكلامي كله من أوله إلى آخره تمييز للحد اللفظي عن الحد الماهوي ونقد لأرسطو في اعتماده على الحد الماهوي وقد عززت هذا النقد بكبار المناطقة المعاصرين الذين رفضوا الحد الماهوي . وقبلوا بالحد اللفظي .

    هذا هو موقفي فهل اتضح أم لا ؟
    وإذا كان قد اتضح فأرجو أن تبين لي بوضوح أين هي المغالطة فيه حتى يصار إلى تبديدها؟

    أقول لك أخيراً، وبدق أنه يبدو لي أنك لم تطلع على كتب المنطق عند علمائنا. إن معظم الأصوليين المحققين من علمائنا هم منطقيون أيضاً، وهذه أوّل مرّة أسمع فيها بشيء اسمه المنطق الأصولي. هنالك ملامح واضحة للمنطق الإسلامي، والعلماء المسلمون يقررون المنطق على طريقتهم سواء وافق أو خالف الفلاسفة. وهذا المنطق الذي اعتمدوه هو نفسه الذي جعلوه من مبادي علم الأصول، وأدرجوه في كتبهم الأصوليّة. نعم ثمّة اصطلاحات خاصّة عند الأصوليين قد تختلف عمّا هي عليه عند المنطقيين، وجدت الفريقين ينبّهون عليها، كما أنّي لا أرى في هذه الاصطلاحات ما يجعل للأصوليين منطقاً خاصاً بهم يختلف عمّا هو مقرر عند الإسلاميين. وأما شيوع استخدامهم للرّسم فليس بدليل على تركهم للحدّ أو قولهم بتناقضه وفساده. والحقّ أني أسمع منك كلاماً لم أسمعه في حياتي فيما يتعلّق بالتعريف عند الأصوليين والتعريف عند المنطقيين والفرق بينهما. وأرى ذلك مجرّد توهّمات أجزم بأنّك لم تعتمد على قراءة كتب المنطقيين والأصوليين لتوصل لها واستظهارها. فعلى مهلك يا محمّد، كلّ الذي أطلبه منك أن تراجع المباحث التي تتكلّم فيها من كتب علماء المنطق المسلمين قبل أن تعرضها ههنا، هذا كلّ ما أطلبه.
    دعني أقتطف من قولك السابق هذه الجملة وأتركها بلا تعليق فإنك رجل نبيه وستعرف ما أريده من تركها بلا تعليق :

    والحقّ أني أسمع منك كلاماً لم أسمعه في حياتي فيما يتعلّق بالتعريف عند الأصوليين والتعريف عند المنطقيين والفرق بينهما
    و لا تعليق

    نحو تحرير محل الخلاف :
    أولا : إن المنطق المتداول في كتب ومنظوماتنا التعليمية فيه أخلاط من المنطق، ارسطي رواقي ...
    ثانيا : أنا أختلف مع أرسطو في قوله بإمكان الحد الماهوي.
    ثالثا: وبسبب هذا الاختلاف أقول بأن الحد هو الحد اللفظي والحد بالرسم والحد بالتمثيل.
    محل الخلاف أصوغه في الاستفهام التالي :
    ما موقف الشيخ بلال من المسألة الثانية لأنني أعلق عليها أمورا كثيرة ، وأقصد بها مسألة الحد بالماهي ، فهل تقول بإمكان الحد الماهوي؟

  11. إضافة توضيح لما سبق تحريره لمحل الخلاف
    وردا على قول الشيخ بلال :
    قبل الجواب على كلامك يا محمد، يجب التأكيد على أمر مهمّ في غاية الأهميّة، وهو أنك في بداية كلامك حددت موضوع الكلام المنطق الذي أسسه أرسطو واستعمله علماؤنا، وهذا يفهم منه أنك تعترض على المنطق كما حققه علماؤنا ووضحوه في كتبهم كالشمسية والسلم المنورق والمطالع وغيرها. فلا تقل لي الآن إنك تتكلم عن ما قرره أرسطو فقط

    أقول : للشيخ بلال أنني لما طرحت الموضوع أول مرة تحدثت عن الأعجاب بمنطق أرسطو عامة ، ثم لما جاء الشيخ سعيد وطلب مني تحديد النقط التي أريد مناقشتها قلت في مداخلتي الثانية :
    شكرا للشيخ سعيد على تعقيبه
    بالنسبة للانتقادات المعاصرة هي أكثر من أن تلخص في مداخلة أو حتى مداخلات معدودات. لكن أحيلك هنا على النقد الذي قام به أصحاب المنطق الرياضي لمبدأ الثالث المرفوع ، أو منطق " موجهات الحكم " modalites الذي تجاوز ثنائية القيم الأرسطية وأسس لخماسيته الشهيرة. ومن المعلوم لدارسي هذا الفن ما تعرض له من انتقادات منذ بن تيمية ولا يبنز وإلى منطق وايتهايد ورسل . فضلا عن النقد الكلاسيكي الذي وجه إليه في القرن السابع عشر الميلادي من قبل فرنسيس بيكون.
    وأنا شخصيا أرى في تقديس المنطق الأرسطي اختلالا فكريا بينا.
    وإذا اردتم أن نفتح نقاشا في المنطق الأرسطي نقطة نقطة لكم ذلك. وسأبدأ من حيث يكون البدء.


    ومن هنا تلاحظ أنني صرحت بحصر نقاشي في منطق أرسطو .
    كمات أعتقد أن نقاشنا هذا رغم كونه لا زال في مبتدئه فهو مفيد إذ سيبن لنا فيما يختلف هذا المنطق عما قرره علماؤنا والعيب الموجود في المنظومات المنطقية المدرسية من خلط بين أصناف من المنطق مع حسبانها كلها من أرسطو ، ثم نقد هذه المنظومات فيما تأخذه من أرسطو وقد شددت بشكل خاص على أخذها للتحديد بالماهية.

    وبعد هذه الأيضاحات أرجو ان ننتقل إلى مناقشة فعلية لهذه الأفكار وتجاوز مرحلة إيضاح ما المقصود بهذا القول أو ذاك.
    وجزاكم الله خيرا

  12. الأخ محمد ،
    قبل أن يستمر هذا الحوار، لا بد أن توضح ما يلي
    لقد قلت في أول افتتاحيتك لهذا الموضوع ما يلي:"تعلمون ولاشك أن المنطق الذي نستعمله واستعمله علماؤنا في استدلالاتهم الكلامية هو العلم الذي أسسه أرسطو . وقد تطور هذا العلم الآن واستحدثت فيه مباحث وطرائق منهجية عديدة ، ولكن النقاشات الكلامية التي نستعملها لا تزال تستخدم هذا المنهج وكأنه ثابت لم يتطور ولا يجوز له أن يتطور.
    لذا أتسائل : أليس في اعتمادنا على منطق أرسطو نوع من التقديس له؟ "اهـ
    وكلامك لما كان باللغة العربية، فقد فهمنا منه المعاني التالي:
    أولا: إن المنطق الذي استعمله علماؤنا هو بالضبط منطق أرسطو، أي المنطق كما كتبه أرسطو.
    ثانيا: إن علماءنا يقدسون منطق أرسطو.
    ثالثا: إن على هذا المنطق كما استعمله علماؤنا إشكالات عديدة لم يلتفت إليها علماؤنا.

    وأقول لك: إن علماءنا كان لهم اجتهادات في علم المنطق، وإضافات لا سيما في باب القضايا والحدود والمقولات وغيرها....
    وأنت عندما تنتقد المنطق الذي استعمله علماؤنا فإن الذهن ينصرف إلى المنطق المودع في كتب العلماء كالشمسية والتهذيب والمطالع وغيرها مما اعتمده العلماء. ولا ينصرف الذهن إلى كتب أرسطو نفسها، ولا إلى ما حرره أرسطو.
    فاعتراضك إذن متوجه على ما قرره علماؤنا المنطاقة في علم المنطق، لا إلى ما حرره أرسطو.

    فإن كنت تريد معارضة ما قرره العلماء المتكلمون في كتب المنطق، فأهلا وسهلا بك،ولكن ينبغي ان ترجع إلى كتبهم أولا وترى ما قالوه، وإذا كنت تريد أن تنقض ما ذكره أرسطو فقط، فهذا لا يهمنا كثيرا إلا من حيث مخالفتك لما حصل التوافق فيه بين ما قاله أرسطو وبين ما قرره العلماء وإن كثر. فحينذاك نخالفك ونناقشك ولكن لا من جهة دفاعنا عن أرسطو بل من جهة دفاعنا عن ما حققه العلماء من أهل السنة والحق.
    فبين ما تريده أيها الأخ قبل أن يستمر النقاش هكذا ويتفرع فلا يستفاد منه أو يترتب على استمراره مفاسد من سوء الفهم لأنني أرى هذا قد بدأ بالظهور.

    أرجو أن تحرر موقفك من هذه الملاحظة، وتبين رأيك في ما هو المفهوم من كلامك كما وضحناه أعلاه.

    ثم : أرجو أن لا تتسرع كثيرا في ادعاء أن أرسطو لم يشر إلى الحد اللفظي، وأنه لم يشر إلى غير الحد الماهوي كما تدعي أنت.
    فبين يدي عدة بحوث وكتب تقرر خلاف ما تقوله أنت.
    ثم لا داعي لأن تعتمد على ما قاله الغربيون كثيرا في هذا المجال، فأنا أعرف أن أكثر ما قالوه في انتقاد المنطق الأرسطي أو المنطق الصوري ناقشه علماؤنا في كتبهم. ومنها ما ذكرته عن موضوع الحد، فأستطيع أن آتيك بنصوصهم من كتبهم يوضحون هذا الانتقاد ويبطلون بألسنتهم ورود الدور الذي تدعيه.
    ولنا ملاحظات أخرى على كلامك.
    وما كنت لأتدخل ههنا إلا لأهمية الموضوع بالنسبة لنا.
    والله الموفق.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  13. الشيخ سعيد حفظه الله وحفظ باقي الأخوة الكرام
    بالنسبة لسوء الفهم ، فإن شاء الله سيتبدد ويزول ..
    وقد قصدت أن لا أعقب على بعض العبارات التي تفضل بها أخونا الشيخ بلال حفظه الله حتى لا أمكن للشيطان بيننا، وذلك مثل قوله "حط حلقة في أذنك " أو "تلقي الكلام على عواهنه" ... فأنا أتمنى أن نرتقي جميعا بحوارنا إلى مستوى فكري نتباحث فيه ما نحن مختلفون فيه بحب وأخوة وود.
    بالنسبة لقولكم :

    فإن كنت تريد معارضة ما قرره العلماء المتكلمون في كتب المنطق، فأهلا وسهلا بك،ولكن ينبغي ان ترجع إلى كتبهم أولا وترى ما قالوه، وإذا كنت تريد أن تنقض ما ذكره أرسطو فقط، فهذا لا يهمنا كثيرا إلا من حيث مخالفتك لما حصل التوافق فيه بين ما قاله أرسطو وبين ما قرره العلماء وإن كثر. فحينذاك نخالفك ونناقشك ولكن لا
    من جهة دفاعنا عن أرسطو بل من جهة دفاعنا عن ما حققه العلماء من
    أهل السنة والحق.


    أجيب :
    إنني أقدم منطق أرسطو للمراجعة والنقد. وهذا ما أوضحته في مداخلتي الثانية حيث قلت بصريح العبارة :

    وإذا اردتم أن نفتح نقاشا في المنطق الأرسطي نقطة نقطة لكم ذلك. وسأبدأ من حيث يكون البدء.

    يمكن أن نعدل من صيغة النقاش ، حيث لن أختار من منطق أرسطو إلا ما يأخذ به علماؤنا الأفاضل - علماء الكلام- فيكون نقدي لأرسطو نقد لهم هم أيضا.
    وأرى أنني بدأت بمسألتين يشترك فيها علماؤنا مع أرسطو.
    وركزت في آخر مداخلتي - عند ما سميته تحرير محل الخلاف- على المسألة الثانية التي أراها مهمة في البناء المنطقي وهي مسألة الحد بالماهية.
    فأعيد السؤال لكم وللشيخ بلال :
    هل تعتقدون العقل البشري قادرا على بلوغ ماهية الأشياء ،بالحد الماهوي وفق القواعد التي حددها أرسطو؟

    أما قولكم :
    أرجو أن لا تتسرع كثيرا في ادعاء أن أرسطو لم يشر إلى الحد اللفظي، وأنه لم يشر إلى غير الحد الماهوي كما تدعي أنت.
    فبين يدي عدة بحوث وكتب تقرر خلاف ما تقوله أنت.


    فجوابي عليه هو أنني أتساءل : أين قلت أنا إن أرسطو لم يشر إلى الحد اللفظي ؟
    أرجو أن تتأمل ما قلته في مداخلتي السابقة :

    (أما التعريف عند أرسطو فنوعان :
    التعريف الماهوي . وهو التعريف الذي يأخذ به ويعده التعريف المنطقي الصحيح.
    والتعريف بالحد اللفظي . )


    فها أنت ترى أنني أرى أرسطو يقول بالحد اللفظي و لا ينفيه.
    لكن لعلك تقصد الحد بالرسم لا الحد اللفظي.
    أجل إنني أقول إن الحد بالرسم لم يقل به أرسطو بل قال به جالينوس.
    ولا يعني هذا أن جالينوس لم يبن قوله بالحد بالرسم على تأويلات لعبارات أرسطية ،بل إن هذا التأويل حاصل لنصوص من كتب أرسطو . إلا أن التحقيق العلمي يقتضي قول ما قلته وهو أن الحد بالرسم هو من جالينوس.
    أما أرسطو فيعد الحدود كلها لا توصل إلى العلم واليقين ، ويحصر الطريق الذي ينتهي بسالكه إلى العلم واليقين في الحد الماهوي فقط.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    [ALIGN=RIGHT]بسم الله الرحمن الرحيم

    أخي محمد وفقه الله تعالى،

    أولاً: قولك: (أن تتغير رؤيتك إلى ما أكتبه فيحظى منك بنظرة أخرى غير نظرة الاستعلاء!!..... وكذلك: (وأغض النظر عما في قولكم من تعريض أو سخرية مبطنة)

    أقول: ليس في الأمر انتقاص منك، واستعلاء عليك إلخ ما وصفت. إنّما الحال أني يكلّمني الجاهل والعالم، ولا أعلم بحاله إلا بعد أن نبلغ من الكلام مبلغاً دقيقاً، لأنّ أكثر من عرفتهم في حياتي يتقنون الكلام المعمّم المعمّى، فإذا صعدت بهم عتبة ذلك نكصوا. وأكثر من يتكلمون في تجديد العلوم –مع احترامي لحضرتك- ممن لا ينبغي لهم الكلام في مسائل العلم فضلاً عن تصدّيهم لنقده والمشاركة فيه. فاطلب لي العذر إن بدت مني قسوة الغيور.


    ثانياً: أؤكد أنّ ما فهمته أنا من كلامك هو ما عين فهمه الشيخ سعيد.


    ثالثاً: قولك: (هل تعتقد بإمكان بلوغ الماهية؟)

    أقول: نعم أعتقد إمكان بلوغها. باعتبار أنّ الماهيّة هي ما به الشيء هو هو عند العقل.


    قولك: (ثم أرجو أن تبين لي كيف يتم تنقيح الحد التام بعد تحقق تمامه؟ أعطني مثالا واحدا لو سمحت)

    أقول: ليس الأمر بحاجة لمثال. لأنّ مجرّد معرفتنا بأنّ الحدّ يردّ بالنقض والمعارضة كما نصّ عليه المناطقة يتصوّر معه تنقّح الحدّ. وكلامي في إمكانه بصرف النظر عن وقوعه أو عدم وقوعه لتطلب مني مثالاً. ويمكن أن يقال كلام كثير في ذلك أعني في جهات تنقّيح الحدّ لا يتّسع المقام لبحثها.


    قولك: (أين قلت إنني أنفي إمكان بلوغ المعرفة اليقينية بدون معرفة الماهية؟ لم أقل هذا، بل الذي قلته وأكرر وأرجو أن لا أضطر للتكرار مرة أخرى إن أرسطو ينفي إمكان بلوغ المعرفة اليقينية بدون معرفة الماهية. فالعلم اليقيني عند أرسطو لا يكون إلا بمعرفة الماهية. وكذلك الأمر عند أفلاطون)

    أقول: إنّ ما ادعيته عليك هو قولك بانتفاء بلوغ المعرفة اليقينيّة بدون معرفة الماهيّة بناء على قولنا- وهذا هو المهمّ عندي، وليس قولك بانتفاء بلوغ المعرفة اليقينيّة بدون معرفة الماهيّة برأيك.

    وأما المعرفة اليقينية فإن قولك بإن أرسطو وأفلاطون ينفيان إمكان بلوغها إلا بمعرفة الماهيّة فيه مجازفة إن كنت تقصد مطلق المعرفة اليقينية. فأرجو أن تبيّن لي هل تقول بأنّ الإنسان لا يمكنه أن يبلغ اليقين مطلقاً إذا لم يعرف الماهيّة عند أرسطو وأفلاطون أو أنّ كلامك في معرفة يقينيّة خاصّة بعينها.


    قولك: (وللأسف أقول لك يا شيخ بلال إن المخالف العارف بالمنطق سيرى في كتاباتنا أخطاء أفدح ،فنحن لسنا على اطلاع بالتجديدات اللاحقة التي مست المنطق بل نحن نجهل حتى التجديدات التي أدخلها أصحاب المتون القديمة ونحسبها من أرسطو. وللأسف هذا هو الأنطباع الذي حصل لي من قرائتي مداخلة الشيخ بلال، وأرجو أن أكون مخطئا)

    أقول: لا أفهم مرادك من هذا الكلام. فإنك إما أنك على اطلاع بالتجديدات أو لا، فإن كنت لست على اطلاع بها فلا يمكنك أن تحكم بوقوعنا في أخطاء فادحة بملاحظة تلك التجديدات، وإن كنت على اطلاع بها فأرجو أن تبيّن لي هذه الأخطاء الفادحة. وأما الانطباع الذي حصل عندك فهل هو أنّي لا أميّز بين منطق أرسطو ومنطق علمائنا، أو أنني أقع في أخطاء فادحة لعدم اطلاعي على تلك التجديدات. أرجو أن تبيّن لي مرادك.


    قولك: (وهذه وصمة عار في حقنا كمسلمين حيث لم نقدر أسلافنا من علماء الكلام الكبار والأصوليين الذين كانت لهم إضافات إبداعية لمنطق أرسطو إلى درجة أنهم صححوا الكثير من مزالقه الصورية وأضافوا الكثير من القواعد المنهجية والمفاهيم المحددة لمنهج التفكير ، ثم خلف من بعدهم خلف لم يدركوا قيمة هذا الأسهام المنهجي فأخذوا خطأ ينسبونه إلى أرسطو)

    أقول: لا يغفل أقلّ الطلاب المبتدئين شأناً من الذي درّستهم متناً في المنطق عن أنّ ما يدرسونه في ذلك المتن هو المنطق المحمود المنقّح. ويعلم طلاب المنطق أنّ نسبته إلى أرسطو كواضع معناها أنّه أوّل من بلغنا أنّه ألّف فيه. بصرف النظر عن معرفتهم بمخالفات علمائنا وموفقاتهم له. فإن كنت أتيت لتبين إسهامات علمائنا فحسب، فهذا أمر آخر، وكان بوسعك أن تكتب مقالاً تتكلّم فيه عن هذه الإسهامات، ولكنّ الذي فهمته من كلامك وسبب كتابتك غير ما تقوله الآن.


    قولك: (هكذا تلاحظ في هذا الكلام السابق مصداق ما قلته أنا بالضبط وآخذتني عليه، أي أن لحظة التعريف عند المناطقة يكمن فيها مزلق الدور فيتم التحايل عليه باستبدال ألفاظ وقد لاحظتم في الكلام السابق كيف يتم استبدال الألفاظ واعتبار هذا الاستبدال هو مدخل لتجنب الدور!!!!)
    أقول: المثال الذي أتيت به من كلامي في الدرس السابع ليس من باب التحايل باستبدال الألفاظ للخروج من الدور. وإنّما الكلام في المعنى.
    فقولي: (والحق كما قال العلامة العضد ما معناه أنه يمكن دفع الدور عن هذا التعريف من وجهين:
    الأول: أن نلاحظ أن الأمر خطاب من الشارع فيكون المقصود بالمأمور (المخاطب بذلك الكلام) فيندفع الدور من جهة تكرار لفظ المأمور المشتق من نفس المعرَّف الذي هو الأمر. أي يكون المأمور به هو ما يتضمنه الخطاب، وفعل ذلك المضمون الطلبي هو طاعته. فيصير التعريف هكذا: "الأمر هو: القول المقتضي فعل المخاطب لما يتضمنه الخطاب")
    واضح في أنّ المعترض ظنّ أنّه يجب على المعرَّف له أن يتصوّر المأمور، فقال كيف يتصوّر المأمور وهو لم يتصوّر الأمر بعد، ولا يجوز أن يتصوّر المأمور بدون تصوّر الأمر. فأجاب العضد إنّ المقصود بالمأمور الوارد في التعريف هو المخاطب بالكلام الذي هو الأمر وهذا لا يتوقّف تصوّره على تصوّر الأمر فلا دور. فهذا ليس من باب استبدال الألفاظ للتخلّص من الدور كما تقول، بل من باب ملاحظة المعنى المقصود من لفظ المأمور أنّ معناه المقصود لا يتوقف حصوله في العقل على حصول معنى الأمر المطلوب تحصيله بنفس التعريف.
    ولو كان الحال كما تدّعي من التحايل اللفظيّ لم يرتفع الدّور. ولكننا حين نلاحظ المعنى الذي نبّه عليه العضد يرتفع الدّور فعلاً لأنّ العقل يفهم المأمور بمعنى المخاطب دون الحاجة إلى فهم الأمر. فكيف تقول إنّ هذا من باب التحايل اللفظيّ فحسب؟ هل ترى ما فعله العضد كمن يبدل لفظ الإنسان بلفظ البشر؟
    إنّ من شرط التعريف أن لا يتضمّن دوراً إضافة إلى الشروط الأخرى للمعرِّفات. فمن البديهيّ أن العلماء عندما يعرضون حداً من الحدود ينظرون فيه هل حقق شروط التعريف أو لا. وقد يقدحون في طرده وعكسه إلخ، وقد يتكلّمون في أنّه يلزم عليه الدّور.
    فكلامنا أنا وأنت إن كان في أنّ بعض التعريفات يلزم عليها الدور فلا إشكال، لأنّ هذه التعريفات تكون غير صحيحة من هذه الجهة. وأمّا إذا كان الكلام بأنّ كلّ حدّ فإنه يلزم عليه الدّور فهذا هو ما أخالفك فيه. وهذا ما فهمته من كلامك حين قلت:
    (إن قولي إن هذا التصور الأرسطي يسقط في دور قول واضح بين، يكفي أن أشير إليه بهذا السؤال: إذا كان تصور شيء ما حسب المنطق الأرسطي لا ينال إلا بالحد، وإذا كان الحد لا ينال إلا بالتصور، كيف يمكن لنا حد ما لا نتصوره؟
    إذا كان الجواب هو أنه يجب تصور الشيء قبل حده. فإن الأعتراض الكاشف للدور هو أن المنطق يقول لا يمكن تصور هذا الشيء دون حد. أليس هذا هو الدور يا شيخ بلال ؟
    بلى وألف بلى. والدليل على ذلك أن جميع الكتب المنطقية حاولت الأحتيال عليه وذلك بتبديل بعض ألفاظ الكلام للتخلص من الدور)
    وإنك وبلا شكّ تريد الأمر الثاني وهو اشتمال كلّ حدّ على دور، لأنّك لو أردت مجرّد بحث عن التعريفات هل فيها الدور أو لا، وعدم صحة ما اشتمل على دور، لم يكن بيننا من خلاف.

    قولك: (إنني قرأت واستمعت إلى كثير من مدرسي المنطق وفق المنظومات المعروفة فوجدتهم يعلمون مبادئ وقواعد على أنها لأرسطو ،فلما أقول لهم حرروا هذه القواعد من أرسطو وأعيدوا النظر في هذا التراث الكلامي وأعيدوا تأسيسه منهجيا بشكل أصيل لا يفهمون ما أقصد ، فهم يظنون خطأ أن هذه المبادئ هي مبادئ لأرسطو ، بل تراهم يقدمون أخلاطا من التصورات والأفكار بعضها رواقي وبعضها من منطق أرسطو وبعضها الآخر من جالينوس وثالثة من إبداعات علماء اللغة أو الأصول ... ويخلطون شيئا بأشياء ويقدمونها على أنها من الحكيم أرسطوطاليس !!!! أليس هذا عيبا خطيرا في فكرنا الأسلامي – سواء السني منه أم الشيعي ينبغي معالجته ؟!! )

    أقول: لست بصدد البحث في هذا الأمر، ولا تمحيص أقوال علمائنا وفصلها عن قول أرسطو وغيره، إنما الذي يعنيني هو البحث والتمحيص فيما تقرر أنّه من علم المنطق ووافق عليه علماؤنا المسلمون. كما قلت لك سابقاً.


    قولك: (أكرر لك إن أرسطو يقول بأن العلم لا يوصل إليه إلا بالحد الماهوي، وإن التعريف المنطقي الصحيح هو التعريف بالماهية. واعذرني أيها الشيخ الفاضل إذا قلت لك إذا وجدت كتبا تقول إن أرسطو أجاز التعريف بالرسم فألق بها في المزبلة لأنها ليس كتب علم بل كتب جهل، فأرسطو لم يقل بالتعريف بالرسم بل الذي قال بهذا هو جالينوس تحديدا. أما التعريف عند أرسطو فنوعان:
    التعريف الماهوي . وهو التعريف الذي يأخذ به ويعده التعريف المنطقي الصحيح. والتعريف بالحد اللفظي )

    أقول: بحسب ما عرفته أنا فإنّ أرسطو قال بحدّين ماهويّ ولفظيّ كما ذكرت أنت. وأنّه أدخل الحدّ الرسميّ في الحدّ الماهويّ. ولكني أتساءل عن مصدر معرفتك وثقتك التامّة بأنّ أرسطو منع التعريف الرّسميّ حتى قلت الكتاب الذي يقول ذلك يجب رميه في المزبلة. ألا ترى من الغرابة أن يقول أحد بالتعريف اللفظيّ ويبطل التعريف الرّسميّ؟ يجدر بك أن تنقل لي نقولاً توثّق هذا الأمر الذي تحكيه عن مذهب أرسطو، ثمّ يكون لنا كلام.

    والأمر برمّته لا يعنيني من قريب ولا من بعيد صدّقني. ولم أرد أن أخوض في تحقيق مقالات أرسطو وأفلاطون وغيرهما. ولم يكن ما ذكرته أنا عن أرسطو مقصوداً بالذات بل جاء عرضاً، فأنا أناقشك في اعتراضاتك على المنطق الذي دوّنه علماؤنا المسلمون، فإن كان من اعتراضات لك عليه فهاتها. وها قد رأيتك آل بك الأمر إلى البحث في الأمور المشتركة بين أرسطو والمسلمين في آخر جواب لك للشيخ سعيد، ولو ثبت فعلاً أنّ هذه المقالة من تفرّدات أرسطو –مع أني لا أرى ذلك- فأيّ وجه لذكرها والكلام في القدر المشترك بين الإسلاميين وأرسطو. فغاية الأمر أنه قال قولة لم نوافق عليها.


    قولك: (هل تعتقد أن أرسطو يقول بتعذر بلوغ العلم التام بحقائق الأشياء؟
    هل تعتقد أن العلم بالماهية عند ارسطو ليس علما بحقائق الأشياء؟(

    أقول: أرسطو يقول بأنّ للأشياء حقائق يمكن بلوغها. وأما أنا فقد تكلّمت في أمر آخر وراء الماهية المنطقيّة –التي هي تمام ما يحمل على الشيء حمل مواطأة من غير أن يكون تابعاً لمحمول آخر- إنّ الذي تكلّمت عنه هو حقيقة الشيء بمعنى ما به الشيء هو هو في نفس الأمر، فهذا ما قلت عنه أنا أنه يتعذّر بلوغ الإنسان له بوسائل معرفته العاديّة. وأما سؤالك الثاني، فلا أعتقد أنّ أرسطو يعني بمعرفة ماهيّة الأشياء هذا العلم الذي أتكلّم أنا عنه. ومرّة أخرى فأنا لا أريد أن أحقق مذهب أرسطو، ولست بصدد ذلك، وأرجو أن يبقى كلامنا في المنطق المدوّن في كتب الإسلاميين.


    قولك: (هل صحيح أنني إذا قرأت كتب الحدود عند علمائنا ووجدتهم يقومون بتحديدها بالرسم لن أجد تنافيا بين علماء الأصول وبين المنطقيين؟... إلخ)

    أقول: لا تستغرب، وما الذي يدعوك للاستغراب، هل ترى في تعريفات الأصوليين ما يتنافى ما قواعد التعريف العامّة التي نصّ عليها المنطقيّون؟ بيّن لي وجه الاختلاف بين الأصول والمنطق في التعريف عامّة والحدّ خاصّة. وإنما ذكرت لك إنّ الحد يطلق ويراد به ما هو أعمّ من التامّ لأنّي قلت في نفسي ربّما أنك وقفت على بعض التعريفات عند الأصوليين فوجدّتهم يسمّونها حدّاً ولم تر أنّ مفهوم الحدّ التامّ المنطقيّ ينطبق عليها. وعلى أيّ حال، الذي أقوله أنّ طريقة الأصوليّ في التعريف وطريقة غيره من علماء الفنون لا تخرج عن الطريقة المنطقيّة المذكورة في كتب علمائنا المناطقة. غاية الأمر أنّ كلّ صاحب فنّ يقتصر من المنطق على ما يناسب فنّه ويكفيه. وما ذكرته أنت من جهات كالطرد والعكس والتمييز.... بيّنت لك أنّها ليست جهات افتراق بين المنطق والأصول. فهلا بيّنت لي جهات أخرى لعلها تكون غائبة عني؟


    قولك: (ولعلك لا تقصد المنطق الأرسطي بل تقصد أخلاط المنطق الموجود في بعض كتب علم الكلام. أما المنطق الأرسطي والأصولي فبينهما اختلاف، وأقتصر الآن على مبحث التصورات ولعلك تنتقل معي إلى مبحث التصديقات بعد أن ننهي مبحثنا هذا وسأوضح لك هناك أيضا مقدار الاختلاف بين الأصوليين والمناطقة المشائيين. الأختلاف هو أن منطق أرسطو يقوم أساسا على الحد الماهوي التام المكون من الحنس والفصل. وهذا النوع من الحدود انتقده علماء أصول وعلماء الكلام . ومنهم الأمام الرازي في كتابه المباحث الشرقية حيث يقول: "الحد مركب من الجنس والفصل عرف بطلانه في المنطق" ج1 ص20 نقلا عن سامي النشار "مناهج البحث"دار المعارف، ط1978، ص49)

    أقول: المنطق المعتبر عند علمائنا هو المنطق المحررّ سواء وجد في كتب منفردة أو في ضمن كتب الأصول أو الكلام، سواء سميّته أنت أخلاطاً أو أيّ شيء تريد. لا يهمّني ذلك. ثمّ حسناً لنقتصر على مباحث التصوّرات كما تريد. وأما كلام الإمام الرازي فقد وقفت عليه في الجزء الأوّل من المباحث ص101 بتحقيق محمد المعتصم البغدادي ط1، وهو إذا انتزع من سياقه وأخذ على إطلاقه بمعنى أنّ (الحد المركب من الجنس والفصل باطل في المنطق) فلا أجد له وجهاً ولا معنى، ولو تصوّر بطلانه في أيّ علم فلا يمكن أن يتصوّر بطلانه في المنطق لأنّ كون الحدّ مركباً من الجنس والفص مسألة منطقيّة. بل إنّ هذا الكلام يخالف ما بحثه الرازي نفسه بحثاً طويلاً في عشرين فصلاً من الباب الثاني من الكتاب، وهو باب الماهيّة، وقد نصّ فيه على تركّبها من الجنس والفصل، وللرازي كتب أخرى منطقيّة، وعلى شدّة اعتناء العلماء بمخالفات الرازي في كلّ العلوم فلم أعرف أنّه يخالف في أنّ الحدّ مركّب من جنس وفصل. وأرجو منك أن ترجع إلى المباحث المشرقيّة وتستوثق من ذلك.

    واعلم أنّ كلام الرازي كان في أنّه ليس للوجود جنس وفصل يعرف منهما حدّ تامّ للمنطق، فلا يمكن تعريفه بالحدّ، وأظنّ أن حق العبارة أن تكون هكذا: (وأما قوله الوجود مركّب من جنس وفصل فقد علم بطلانه في المنطق) لأنّه أتبع هذه الجملة بقوله (وأما قوله الوجود غير مركّب منهما فلم يبرهن عليه بل اقتصر على الدّعوى). وبهذا تستقيم العبارة. لأنّ الوجود بما هو مفهوم بسيط إن قلنا إنّ له حدّاً تاماً كان مركّباً من الجنس والفصل فيكون مركّباً، وهذا الحدّ غير جائز لأنّه يعود بالنقض على مفهوم الوجود نفسه كما يجده كل واحد منا في نفسه. فإما أن يكون في الطباعة خطأ، أو أنّ المقصود من الحدّ أيّ حدّ الوجود خاصّة، وعليه فلا يكون لاستشهادك بهذا الكلام للإمام قيمة. ولم أقف على كلام النشّار، ولكني أجزم أنّه لو ذكره في معرض الاستدلال على إبطال الرازيّ لتركّب الحدّ من الجنس والفصل فهو مخطئ.


    قولك: (فأرجو أن تبين لي بوضوح أين هي المغالطة فيه حتى يصار إلى تبديدها؟)

    أقول: إنني فهمت من قولك: )وهذا النقد لمفهوم الحد الأرسطي هو ما أكده جون ستيوارت مل حيث عد الحد مجرد شرح للفظ، وليس تحديدا للماهية. وهو الموقف ذاته الذي سيقفه برتراند راسل) أنّك اعترضت على الحدّ الأرسطي بأنه مجرّد شرح لفظيّ وليس تحديداً للماهيّة. فقلت لك إنّ هذا الكلام ليس صحيحاً. وعزز هذا الفهم عندي كلامك السابق عن الحدود ووقوع الحادّين في مزالق الدور، وتمحلاتهم اللفظيّة للخلوص منه، فقلت إن كان محمد لا يرى فرقاً بين التعريف اللفظيّ والحدّ بالجنس والفصل ويعتبر الحد تمحلاً لفظياً فهي مغالطة. وقد توضّح لي الآن ما تريده.


    قولك: (دعني أقتطف من قولك السابق هذه الجملة وأتركها بلا تعليق فإنك رجل نبيه وستعرف ما أريده من تركها بلا تعليق.. إلخ)

    أقول: لا تتكل على نباهتي، وصرّح بتعليقك مهما يكن، وصدّقني حين أقول لك إنّ أيّ نقد يوجّه إليّ لا يضايقني ما دام نقداً بحقّ.

    قولك: (أولا : إن المنطق المتداول في كتب ومنظوماتنا التعليمية فيه أخلاط من المنطق، ارسطي رواقي ...
    ثانيا : أنا أختلف مع أرسطو في قوله بإمكان الحد الماهوي.
    ثالثا: وبسبب هذا الاختلاف أقول بأن الحد هو الحد اللفظي والحد بالرسم والحد بالتمثيل.
    محل الخلاف أصوغه في الاستفهام التالي: ما موقف الشيخ بلال من المسألة الثانية لأنني أعلق عليها أمورا كثيرة ، وأقصد بها مسألة الحد بالماهي، فهل تقول بإمكان الحد الماهوي؟)

    أقول: حسناً فعلت بتحرير الكلام. وأما تعليقي على ما قلته فهو ما يلي:

    أولاً: هذا الكلام لا يعنيني بشيء أنا شخصيّاً، أو على الأقلّ لست باحثاً متخصّصاً فيه، وما هو موجود في كتبنا علمائنا الإسلاميين أياً كانت مصادره هو ما أدرسه وأدرّسه وأدافع عنه.

    ثانياً: أنا لا أختلف مع أرسطو في إمكان بلوغ الحدّ الماهويّ.

    ثالثاً: نعم أنا أقول بإمكان تحديد الماهيّات بالجنس والفصل ولا أجد مانعاً عقليّاً من ذلك.

    فانثر ما لديك في إبطال هذا الكلام. والله تعالى الموفّق. [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  15. [ALIGN=JUSTIFY]الأخ محمد سلام،
    دعنا أولا لا نسمي المنطق بالشكل الذي حرره علماؤنا باسم المنطق الأرسطي، لأننا لا نسميه كذلك، وأنت توافقنا على أن العلماء أدخلوا فيه أمورا كثيرا ليست أرسطية، ونحن نقول إنهم أضافوا إليه أمورا لم يقل بها أرسطو.
    وهذا الطلب لكي لا يتوهم أحد أننا ندافع عن المنطق الأرسطي المحض كما كتبه وقرره أرسطو.
    فأرجو منك بعد قبولك بما اقترحته عليك سابقا، أن لا تستمر في القول بأنك تناقش في المنطق الأرسطي بهذا الإطلاق.
    هذا أولا.

    سؤالي لك : هل تقول بالصفات الداخلة في الماهية (الذاتية) والصفات الخارجة عنها لازمة وعارضة.أرجو سماع إجابتك قريبا.
    لنكمل معك بعد ذلك هذا النقاش الذي أرجو أن يكون مفيدا. وذلك على هامش نقاشك مع بلال.[/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 30-01-2005 الساعة 07:09
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •