صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 45 من 51

الموضوع: سؤال عن علم المنطق

  1. الشيخ الفاضل بلال
    قلتم :

    لا ينبغي أن يخفى عليك أنّ البحث في وجود الماهيّة خارج عن صناعة المنطق، لأنّه إنّما يبحث فيه عن المعلومات التصوّريّة والتصديقيّة من حيث إنّها توصل إلى مجهول، والتوصّل المذكور لا يتوقّف على وجودها في الخارج. والبحث في وجودها من مسائل الكلام والحكمة الإلهيّة. وقد يذكر المحشّون عرضاً ما قيل في وجود الماهيّة باعتباراتها الثلاثة أعني لا بشرط شيء، وبشرط لا شيء، وبشرط شيء إلاّ أنّ معرفة ذلك مما لا يتوقف عليه مسألة في المنطق.

    أجل إن البحث في وجود الماهية خارج عن المنطق بوصفه آلة صورية ، ولكننا لسنا في معرض تركيب أقيسة أو الحكم عليها ،بل نحن في معرض مناقشة المنطق من أسسه المعرفية والمفاهيمة قبل أن نقبل منه صوريته أو نرفضها.
    والدليل على كون الماهية لها مدخل في موضوعنا هذا هو خلافنا الآن حول مفهوم الحد المنطقي ،فأنا أرفضه بناء على موقفي من مفهوم الماهية.
    وسأوضح ذلك في إجابتي على الشيخ سعيد حفظه الله.
    يقول الشيخ سعيد :


    فتبين لنا أنك إنما تنكر الفصل، وهو الصفة الذاتية المميزة للأمر.
    وبقولك بالجنس البعيد والقريب، فانت إذن لا تنكر تركب الصفات الماهوية بعضها فوق بعض واشتمال بعضها على بعض، فقولنا جسم يشتمل على كل ما يصدق عليه أنه جسم من الحيوان والنبات والمعادن والغازات ....
    فهل تقول إن أفراد النوع الجنس الواحد لا يتميز واحد منها عن الآخر إلا بالصفات الخارجة عن الماهية. يعني إن حقيقة الإنسان هي نفس حقيقة الحيوان، ولا يتميز الأسد عن العصفور مثلا الحيوان بشيء ذاتي بشيء عارض لوجوده أو لازم له. فهل تقول إن حقائق، وألا يتميز الإنسان عن الأسد بشء ماهوي.

    وما هي علة إنكارك للفصل؟؟؟؟


    لقد قلت سابقا أنني لا أقبل بالحد الماهوي ، أي لا أقبل بما يعتقده المنطقيون بالقدرة على بلوغ الماهية على النحو الذي يفهمونها .
    لماذا ؟ ولماذا أنكر الفصل ؟
    أجيب بشيء من التفصيل :
    معلوم أن الحد الماهوي يتكون من الجنس والفصل.وإذاكان الجنس قريبا
    _مع الفصل - كان الحد تاما. وإذا كان الجنس بعيدا - مع الفصل - كان الحد ناقصا.
    بالنسبة للرسم فقد قلت بقبوله لأنه سواء في شكله التام أو الناقص هو تركيب بين الجنس والخاصة.
    لكن لماذا أنكر الفصل أو إمكان معرفة الفصل على النحو الذي يطرحه المناطقة ،أي الصفة الجوهرية الثابتة المميزة للشيء.
    أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد.
    لماذا؟
    لأنني أنكر وجود الماهيات ،فماهيات المناطقة مجرد تجريدات ذهنية وليست موجودة عينيا في الواقع المحسوس. وأضيف إنها حقائق غيبية . وليس في إمكاننا بلوغها ،إنما كل ما في الأمكان هو الأقتراب منها بالتجريد. وهو اقتراب نسبي .

    دعنا نطبق تصوري هذا على هذا التعريف
    الأنسان حيوان ناطق.
    هذا تعريف يعد عند المناطقة حدا تاما لأنه مكون من الجنس القريب والفصل.
    فكيف أعده مجرد تعريف بالتمييز ؟
    إن تسميتي له بذلك أدق .
    فبما أن الماهية التي يعطينا إياها المنطقي مجرد تجريد ذهني ، فإننا لا يحق لنا عندما نحدد الأنسان بكونه حيوانا ناطقا ،بأننا وصلنا بهذا التحديد إلى ماهيته ، وأن هذا التحديد يقيني وقطعي . فالماهيات كما قلنا لا وجود لها في الواقع العيني ، ولا نصل إليها إلا عبر التجريد ، وعملية التجريد تتباين بحسب العقول والأفهام. ولهذا نلاحظ بعض المفكرين يعرفون الأنسان تعريفات أخرى ، والعجيب أنهم يرونها تحديدات ماهوية أفضل من التعريف الشائع "حيوان ناطق".
    فيقولون مثلا : إن الأنسان حيوان ميتافزيقي.
    أو حيوان متدين.
    أو أن الأنسان لا يمتاز عن الحيوان بالنطق / الفكر ،بل يمتاز عنه بالأخلاق. ومن ثم فالتعريف الماهوي هو أنه حيوان أخلاقي.

    لكل هذا كنت أقول وأكرر خلال طول هذا الحوار أن موقفي من المنطق ومن مبحث الحد يتأسس على موقفي من مبحث الماهية . ولا يمكن أن تقاربوا موقفي من الحد المنطقي دون مقاربة موقفي من الماهية وإمكانية بلوغها بأدوات الأدراك البشري.
    وأتمنى أن يكون تصوري قد اتضح .

  2. #32
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    بسم الله الرحمن الرحيم

    أخي محمّد،

    قولك: (أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد.
    لماذا؟ لأنني أنكر وجود الماهيات، فماهيات المناطقة مجرد تجريدات ذهنية وليست موجودة عينيا في الواقع المحسوس. وأضيف إنها حقائق غيبية. وليس في إمكاننا بلوغها، إنما كل ما في الأمكان هو الأقتراب منها بالتجريد. وهو اقتراب نسبي)

    أقول: يا أخي محمّد، أنا أيضاً أقول بأنّ الكليّات تجريد ذهنيّ ولا وجود لأيّ منها في الخارج. وليس في الواقع الخارجيّ ماهيّة شيء، بل ما صدقات للماهيّات الذهنيّة، لأنّ الموجود في الخارج جزئيّ مشخّص بالعوارض. وليس الفصل المنطقي غير كليّ مقول بالاشتراك على أفراد النوع الواحد في جواب ما هو. ومنه القريب ومنه البعيد. فلا يختلف عن الجنس من حيث هو كليّ، ولا من حيث هو مقول في جواب ما هو، ولا من حيث ما هو مقول على كثيرين. وإنّما الفرق بينهما هو أنّ الجنس هو قدر مشترك بين كثيرين مختلفين في الحقيقة، والفصل قدر مشترك بين كثيرين متفقين في الحقيقة. فإذا كنت تمنع إمكان بلوغ الفصل لكون الماهيّة غير موجودة في الخارج، فيجب أن تمنع إمكان بلوغ الجنس لنفس السبب. فلم قلت بإمكان بلوغ الجنس دون الفصل؟

    قولك: (دعنا نطبق تصوري هذا على هذا التعريف: الأنسان حيوان ناطق.
    هذا تعريف يعد عند المناطقة حدا تاما لأنه مكون من الجنس القريب والفصل.
    فكيف أعده مجرد تعريف بالتمييز؟
    إن تسميتي له بذلك أدق.
    فبما أن الماهية التي يعطينا إياها المنطقي مجرد تجريد ذهني، فإننا لا يحق لنا عندما نحدد الأنسان بكونه حيوانا ناطقا، بأننا وصلنا بهذا التحديد إلى ماهيته، وأن هذا التحديد يقيني وقطعي)

    أقول: سبق وذكرت لك أنّه بحسب علم المنطق فإنّ تمام الماهيّة المنطقيّة هي مجموعة الصفات التي تحمل على الشيء حمل مواطأة من غير أن يكون ذلك تابعاً لمحمول آخر، وهذه الصفات هي ما نسميها بالصفات الذاتيّة لذي الماهيّة.
    وسبق وذكرت لك أيضاً بأنّ ما نجعله حداً معبّراً عن تمام ماهيّة الإنسان مثلاً لا أقول بأنّه هو ما به كان الإنسان إنساناً في نفس الأمر، وقلت بأنّ حقائق الأشياء كما هي في علم الله تعالى لا يعلمها إلا هو، ولا يمكننا بلوغها بأسباب إدراكنا. فلا ندّعي بأنّ هذا الحدّ يوصلنا إلى معرفة المحدود على ما هو به في الواقع قطعاً.
    أمّا أننا لا يحقّ لنا أن نحدّد، فلو ادّعينا أنّنا بلغنا بالحد حقيقة الشيء على ما هو عليه في الواقع يكون لهذا الكلام وجهاً، ولكن إذا عرّفنا الحدّ والماهيّة كما تقرّر، فلا يكون في تحديدنا للأشياء من بأس.

    أمّا أنّ هذا التحديد يقينيّ أو لا، فإن كنت تعني به أنّ ما بلغناه بالتحديد لا نقطع بأنّه حقيقة المحدود على ما هو عليه في الواقع وفي علم الله تعالى، فنحن لا نقول بأنّه كذلك. وأمّا إن كنت تعني بأنّه غير مستيقن الصحّه من جهة صدقه على أفراد المحدود، فهذا لا يسلّم مطلقاً، لاتفاق العقلاء على صدقه على أفراده، وحمله على جميع أفراد المحدود حمل مواطأة كما ذكرنا. وهذا هو القدر اليقينيّ الذي يعنينا ويكفينا لتأسيس علمنا الحادث. وليس ثمّة حاجّة لأن تنكشف لنا حقائق الأشياء انكشافاً تامّاً كما هي عليه في الواقع وفي علم الله تعالى لكي نقيم أحكامنا ونبني علومنا سواء الشرعيّة أو الطبيعيّة وغيرها.

    قولك: ( فالماهيات كما قلنا لا وجود لها في الواقع العيني، ولا نصل إليها إلا عبر التجريد، وعملية التجريد تتباين بحسب العقول والأفهام. ولهذا نلاحظ بعض المفكرين يعرفون الأنسان تعريفات أخرى، والعجيب أنهم يرونها تحديدات ماهوية أفضل من التعريف الشائع "حيوان ناطق".
    فيقولون مثلا : إن الأنسان حيوان ميتافزيقي. أو حيوان متدين. أو أن الأنسان لا يمتاز عن الحيوان بالنطق / الفكر، بل يمتاز عنه بالأخلاق. ومن ثم فالتعريف الماهوي هو أنه حيوان أخلاقي.)

    أقول: دعني أوافق أولاً على أنّنا نصل إلى الماهيّات بالتجريد. ولا إشكال عندي في أنّ قدرات الناس على التجريد متفاوتة مما يؤدي إلى تعريفات متباينة للأشياء. وقد ذكرت فيما سبق أنّ التعريفات عندنا قابلة للتنقّح بتوارد الأنظار عليها، وأنّها تكون بحسب الطاقة البشريّة. فكلّ ذلك لا إشكال فيه عندي ولا يناقض التحديد المنطقي. ولكلّ أن يعرّف المحدود كما يراه بعقله، وبحسب قدرته على التجريد، ولكنّ المنطق قد وضع تعريفاً وشروطاً للحدّ، فتنقد الحدود على أساس ذلك.
    فالذي قال إنّ الإنسان حيوان متديّن يقبل منه ذلك رسماً لا حدّاً لأنّ متديّن محمول على الإنسان بواسطة كونه عاقلاً، وهذا ما ندعوه بالحمل الاشتقاقي، وما يحمل حملاً اشتقاقيّاً على أمر لا يكون من صفاته الذاتيّة. وكذلك الحال بالنسبة للأخلاقيّ لو تأمّلنا في معنى ذي الخلق. فنحن في سبرنا للمحدود نستمرّ في البحث عمّا يحمل عليه حمل مواطأة بلا واسطة شيء آخر، ونركب مما تحصّل عندنا الحدّ.

    قولك: (لكل هذا كنت أقول وأكرر خلال طول هذا الحوار أن موقفي من المنطق ومن مبحث الحد يتأسس على موقفي من مبحث الماهية. ولا يمكن أن تقاربوا موقفي من الحد المنطقي دون مقاربة موقفي من الماهية وإمكانية بلوغها بأدوات الأدراك البشري. وأتمنى أن يكون تصوري قد اتضح)

    أقول: موقفك قد اتّضح يا أخي محمّد، وأرجو أن يكون موقفنا أيضاً قد توضّح لك. فأنت تنظر إلى الماهيّة على أنّها حقيقة الشيء على ما هو عليه في الواقع، وترى أنّ هذا لا يمكن للإنسان بوسائل إدراكه أن يبلغه، وأنا لا أخالفك في أنه لا يمكن بلوغ هذا القدر من العلم، ولكنّي لا أنظر إلى الماهيّة المنطقيّة هذه النظرة، بل أعرّفها كما ذكرته لك، وبالتالي أرى أنه يمكن بلوغها بلا إشكال.

    ثمّ دعني أناقش قولك: (لأنني أنكر وجود الماهيات، فماهيات المناطقة مجرد تجريدات ذهنية وليست موجودة عينيا في الواقع المحسوس. وأضيف إنها حقائق غيبية. وليس في إمكاننا بلوغها، إنما كل ما في الأمكان هو الأقتراب منها بالتجريد. وهو اقتراب نسبي)

    فأقول: إنّ المحدود قد يكون موجوداً عينيّاً محسوساً، وأنت بلا شكّ تلاحظ أنّ حدّه يكون بمحاولة تجريده عن عوارضه المشخّصة له لبلوغ قدر كليّ ذاتيّ مشترك بينه وبين أفراد جنسه يسمى الجنس، وقدر مشترك بينه وبين أفراد نوعه مختصّ بذلك النوع يسمى الفصل.

    فأ: لا يكون التعريف تعريفاً إلا بالتجريد، لأنّ الجمع والمنع شرطه، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بتجريد أوصاف كليّة تجمع جميع أفراد المعرّف وتمنع غيرها من الدخول فيها. فلا ميزة للرسم الذي تجيزه على الحدّ من هذه الجهة، إذ أنّ كلاهما لا يتحصّل عليه إلا بالتجريد.

    وب: ينبغي أن نلاحظ أنّ الماهيّة لو وجدت في الخارج لكانت متشخّصة، ولا تشخّص إلا بالعوارض، فلا معنى لكونها ماهيّة يندرج تحتها أفراد ويخرج عنها آخرون إذا كانت متشخّصة. لأنّ التشخّص مانع من اشترك كثيرين فيها، لأنها إذ ذاك وبما اكتنفته من العوارض لا يمكن أن تصدق على كثيرين.

    وج: وهذا الذي ذكرته في (ب) هو ما أجد مولاي الفاضل الشيخ سعيد يشير إليه بسؤالك: (فهل تقول إن أفراد النوع في الجنس الواحد لا يتميز واحد منها عن الآخر إلا بالصفات الخارجة عن الماهية. يعني إن حقيقة الإنسان هي نفس حقيقة الحيوان، ولا يتميز الأسد عن العصفور مثلا الحيوان بشيء ذاتي بشيء عارض لوجوده أو لازم له. فهل تقول إن حقائق، وألا يتميز الإنسان عن الأسد بشيء ماهوي. وما هي علة إنكارك للفصل؟؟؟؟ )

    فلو قلتَ بأنّ الماهيّة لا يمكن بلوغها إلا بملاحظة العوارض المشخّصة فلمّا انتفى كونها موجودة انتفى إمكان بلوغها. فإنك بذلك تعود بالنقض على أصل التعريف بالكليّات وليس فقط على التعريف بالفصل أو ما يشتمل عليه كالحدّ التامّ. لأنّ جميع الكليّات غير موجودة في الخارج. والواقع أنّه لا يعقل تعريف إلا بالكليّات، وبالتجريد، فإذا منعت ذلك فقد منعت إمكان تعريف الأشياء مطلقاً وليس الحدّ التامّ فحسب.
    والمهمّ في الأمر هو أنّك منعت إمكان تعريف بالحدّ التامّ، لأنّه لا يمكن معرفة الفصل، ولمّا سألناك عن ذلك، قلت بأنّه ما دامت الماهيّة غير موجودة فلا يمكن معرفة الفصل. لأنّ ذلك نوع التجريد والتجريد نسبي لا نصل به إلى الحقّ كما هو في نفس الأمر. فهل رأيت الإشكالات في كلامك أو تردني أن أزيد في تفصيلها، يا محمّد؟
    فلا أرى في اشتراطك وجود الماهيّة لمعرفة الفصل معنى.
    وهذا ما تيسّر لي قوله لضيق الوقت، بانتظار تعليقك.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  3. بسم الله الرحمن الرحيم

    كتب الشيخ الفاضل بلال

    أقول: يا أخي محمّد، أنا أيضاً أقول بأنّ الكليّات تجريد ذهنيّ ولا وجود لأيّ منها في الخارج. وليس في الواقع الخارجيّ ماهيّة شيء، بل ما صدقات للماهيّات الذهنيّة، لأنّ الموجود في الخارج جزئيّ مشخّص بالعوارض. وليس الفصل المنطقي غير كليّ مقول بالاشتراك على أفراد النوع الواحد في جواب ما هو. ومنه القريب ومنه البعيد. فلا يختلف عن الجنس من حيث هو كليّ، ولا من حيث هو مقول في جواب ما هو، ولا من حيث ما هو مقول على كثيرين. وإنّما الفرق بينهما هو أنّ الجنس هو قدر مشترك بين كثيرين مختلفين في الحقيقة، والفصل قدر مشترك بين كثيرين متفقين في الحقيقة. فإذا كنت تمنع إمكان بلوغ الفصل لكون الماهيّة غير موجودة في الخارج، فيجب أن تمنع إمكان بلوغ الجنس لنفس السبب. فلم قلت بإمكان بلوغ الجنس دون الفصل؟

    أخي الفاضل الشيخ بلال لقد شددت على رفض الفصل لما لا يخفى عليك من أمر المناطقة في شأنه ففي الفصل يتركز زعمهم بتحديد الماهية ، فمن هنا خصصته بالتشكيك.وعندما شككت في الفصل لم أكن أرفض الفصل كمميز بل رفضته بمدلوله كماهية.
    لهذا قلت في مداخلتي السابقة بصريح العبارة :

    لكن لماذا أنكر الفصل أو إمكان معرفة الفصل على النحو الذي يطرحه المناطقة ،أي الصفة الجوهرية الثابتة المميزة للشيء.
    أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد.


    وهكذا تلاحظ أنني أقول بالفصل لكن مع احتياط المؤمن الآتي من عقيدته وكتاب ربه القائل "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".

    لكن بعد إيضاح موقفكم تبين لي أننا لا نختلف كثيرا في الموقف من الماهية. خاصة وقد قلتم في الفقرة التالية :

    فلا ندّعي بأنّ هذا الحدّ يوصلنا إلى معرفة المحدود على ما هو به في الواقع قطعاً.

    أمّا أننا لا يحقّ لنا أن نحدّد، فلو ادّعينا أنّنا بلغنا بالحد حقيقة الشيء على ما هو عليه في الواقع يكون لهذا الكلام وجهاً، ولكن إذا عرّفنا الحدّ والماهيّة كما تقرّر، فلا يكون في تحديدنا للأشياء من بأس.


    هذا صحيح وهو عين ما أقول به ، عندما اعتبرت التحديد بالفصل هو تحديد بالتمييز لا بالماهية. لكن إذا اعتبرتم الماهية على ما سبق أن عبرتم عنه ، فهذا توكيد على اتفاقنا في شأن هذا المفهوم.


    كتب الشيخ بلال
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
    أقول: دعني أوافق أولاً على أنّنا نصل إلى الماهيّات بالتجريد. ولا إشكال عندي في أنّ قدرات الناس على التجريد متفاوتة مما يؤدي إلى تعريفات متباينة للأشياء. وقد ذكرت فيما سبق أنّ التعريفات عندنا قابلة للتنقّح بتوارد الأنظار عليها، وأنّها تكون بحسب الطاقة البشريّة. فكلّ ذلك لا إشكال فيه عندي ولا يناقض التحديد المنطقي. ولكلّ أن يعرّف المحدود كما يراه بعقله، وبحسب قدرته على التجريد، ولكنّ المنطق قد وضع تعريفاً وشروطاً للحدّ، فتنقد الحدود على أساس ذلك.
    فالذي قال إنّ الإنسان حيوان متديّن يقبل منه ذلك رسماً لا حدّاً لأنّ متديّن محمول على الإنسان بواسطة كونه عاقلاً، وهذا ما ندعوه بالحمل الاشتقاقي، وما يحمل حملاً اشتقاقيّاً على أمر لا يكون من صفاته الذاتيّة. وكذلك الحال بالنسبة للأخلاقيّ لو تأمّلنا في معنى ذي الخلق. فنحن في سبرنا للمحدود نستمرّ في البحث عمّا يحمل عليه حمل مواطأة بلا واسطة شيء آخر، ونركب مما تحصّل عندنا الحدّ.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    هنا اسمح لي بشيء من التفصيل :
    بالنسبة لما سميته يا شيخ بلال بالحمل الأشتقاقي قد يعترض المعترض بأن العقل نفسه محمول حملا اشتقاقيا على غيره . وتعلمون أن الخلاف كبير بين التيار العقلاني - ديكارت، لايبنز ...- والتيار التجريبي - عند جون لوك ، وخاصة عند دفيد هيوم - حيث ترجع التجريبية العقل إلى الحواس . ولست أقصد بهذا أن موقفي في مبحث العقل هو موقف هيوم أو لوك، إنما أقصد أننا لو قدمنا العقل كمحدد ماهوي للأنسان لن نسلم من استفهامات مشككة ، من جهة الحمل الأشتقاقي، فالعقل عن ديكارت ولايبنز فطري ،بينما هو عند هيوم حصيلة تكوين من قبل الحواس ، وعند كانط هو مقولات قبلية تنضاف إلى المعطيات الآتية من الحواس. ولعل هذا الأختلاف في تحديد العقل وبحث ماهيته هو ما مكن البعض الآخر من القول إن الأنسان حيوان أخلاقي .
    أنتم نظرتم إلى الصفة الأخلاقية بوصفها محمولة ومشتقة من وجود العقل ، وهؤلاء الذين جعلوها محددا ماهويا نظروا إليها من زاوية كونها حدا مميزا للكائن الانساني.
    موقفي هو أنني أعتبر العقل محددا مميزا لكن أنظر إلى العقل بمدلوله الموسع ، أي العقل المعرفي ، والعقل القيمي( وهذا الأخير ينقسم إلى عقل قيمي جمالي ، وعقل قيمي أخلاقي ).
    وعموما هذا مبحث العقل والتفكير أوسع من أن يختزل في كلمات لكن هذا موقفي منه في إيجاز ولعله تأتي مناسبة للتفصيل فيه.وإن كنت لست مختلفا معكم في تحديد الأنسان بالعقل.

    كتب الشيخ بلال :
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    أقول: موقفك قد اتّضح يا أخي محمّد، وأرجو أن يكون موقفنا أيضاً قد توضّح لك. فأنت تنظر إلى الماهيّة على أنّها حقيقة الشيء على ما هو عليه في الواقع، وترى أنّ هذا لا يمكن للإنسان بوسائل إدراكه أن يبلغه، وأنا لا أخالفك في أنه لا يمكن بلوغ هذا القدر من العلم، ولكنّي لا أنظر إلى الماهيّة المنطقيّة هذه النظرة، بل أعرّفها كما ذكرته لك، وبالتالي أرى أنه يمكن بلوغها بلا إشكال.

    ثمّ دعني أناقش قولك: (لأنني أنكر وجود الماهيات، فماهيات المناطقة مجرد تجريدات ذهنية وليست موجودة عينيا في الواقع المحسوس. وأضيف إنها حقائق غيبية. وليس في إمكاننا بلوغها، إنما كل ما في الأمكان هو الأقتراب منها بالتجريد. وهو اقتراب نسبي)

    فأقول: إنّ المحدود قد يكون موجوداً عينيّاً محسوساً، وأنت بلا شكّ تلاحظ أنّ حدّه يكون بمحاولة تجريده عن عوارضه المشخّصة له لبلوغ قدر كليّ ذاتيّ مشترك بينه وبين أفراد جنسه يسمى الجنس، وقدر مشترك بينه وبين أفراد نوعه مختصّ بذلك النوع يسمى الفصل.

    فأ: لا يكون التعريف تعريفاً إلا بالتجريد، لأنّ الجمع والمنع شرطه، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بتجريد أوصاف كليّة تجمع جميع أفراد المعرّف وتمنع غيرها من الدخول فيها. فلا ميزة للرسم الذي تجيزه على الحدّ من هذه الجهة، إذ أنّ كلاهما لا يتحصّل عليه إلا بالتجريد.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    أجل هذا ما أقول به ، وقد قلت به سابقا حتى بالنسبة للتحديد بالفصل فقد قلت إنه نتاج تجريد وليس نتاج ملاحظة للماهية المشخصة في الواقع ، فماهيات المناطقة عندي نتاج تجريد ذهني.

    ثم كتب الشيخ بلال :
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    وب: ينبغي أن نلاحظ أنّ الماهيّة لو وجدت في الخارج لكانت متشخّصة، ولا تشخّص إلا بالعوارض، فلا معنى لكونها ماهيّة يندرج تحتها أفراد ويخرج عنها آخرون إذا كانت متشخّصة. لأنّ التشخّص مانع من اشترك كثيرين فيها، لأنها إذ ذاك وبما اكتنفته من العوارض لا يمكن أن تصدق على كثيرين.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    أقول :

    هناك في الفلسفة الأفلاطونية موقف مخالف لما سبق أن ذكرته يا شيخ بلال ، وهي ان الماهيات لها وجود عيني لكن في عالم مفارق هو عالم المثل . وأن النفس تتذكر هذه الماهيات لسابق عيشها في عالم المثل .
    لا أقول بالموقف الأفلاطوني ولكن أسوقه من باب استحضار موقف له مكانته في تاريخ الفلسفة .

    ثم كتب الشيخ بلال :
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
    وج: وهذا الذي ذكرته في (ب) هو ما أجد مولاي الفاضل الشيخ سعيد يشير إليه بسؤالك: (فهل تقول إن أفراد النوع في الجنس الواحد لا يتميز واحد منها عن الآخر إلا بالصفات الخارجة عن الماهية. يعني إن حقيقة الإنسان هي نفس حقيقة الحيوان، ولا يتميز الأسد عن العصفور مثلا الحيوان بشيء ذاتي بشيء عارض لوجوده أو لازم له. فهل تقول إن حقائق، وألا يتميز الإنسان عن الأسد بشيء ماهوي. وما هي علة إنكارك للفصل؟؟؟؟ )

    فلو قلتَ بأنّ الماهيّة لا يمكن بلوغها إلا بملاحظة العوارض المشخّصة فلمّا انتفى كونها موجودة انتفى إمكان بلوغها. فإنك بذلك تعود بالنقض على أصل التعريف بالكليّات وليس فقط على التعريف بالفصل أو ما يشتمل عليه كالحدّ التامّ. لأنّ جميع الكليّات غير موجودة في الخارج. والواقع أنّه لا يعقل تعريف إلا بالكليّات، وبالتجريد، فإذا منعت ذلك فقد منعت إمكان تعريف الأشياء مطلقاً وليس الحدّ التامّ فحسب.
    والمهمّ في الأمر هو أنّك منعت إمكان تعريف بالحدّ التامّ، لأنّه لا يمكن معرفة الفصل، ولمّا سألناك عن ذلك، قلت بأنّه ما دامت الماهيّة غير موجودة فلا يمكن معرفة الفصل. لأنّ ذلك نوع التجريد والتجريد نسبي لا نصل به إلى الحقّ كما هو في نفس الأمر. فهل رأيت الإشكالات في كلامك أو تردني أن أزيد في تفصيلها، يا محمّد؟

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    لقد اتضح موقفي وموقفكم .
    وقد قلت في آخر مداخلتي :
    أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد.

    من مداخلتي السابق إذا يتضح موقفي وهو أنني لا أنكر الحد بالفصل ، ولكن أقول به مع تعديل معنى الفصل .
    وأزيد في الأيضاح بشيء من الأسهاب :
    بالنسبة لمنطق أرسطو فهو كما تعلم يتأسس على اختلاف في الموقف من الماهية مع أفلاطون فهو يقول بوجود عالم ماهيات مفارق للعالم المحسوس. كما يقول بسبق وجود النفس في هذا العالم ، ومن هنا تمكنت هذه النفس من إنجاز المعرفة ( المعرفة تذكر والجهل نسيان) وعملية التفكير هي إما جدل صاعد أو جدل نازل يتم بهما تذكر النفس للماهيات التي سبق أن عاينتها في عالم المثل قبل نزولها إلى سجن الجسد.
    بالنسبة لأرسطو فالماهية نتاج تجريد عقلي.
    قلت إن موقفي هو أن الماهيات لا توجد في الواقع العيني .
    وهذا ما جعلني أكرر سؤالي للشيخ من أجل أن يجيبني عنه ،لأن الأجابة كانت ستجعل مواقفنا واضحة.
    أضيف بما ان الماهيات غير موجدة في الواقع الحسي ، هل هي موجودة خارجه.
    أقول:
    إن الماهيات الحقيقية هي في علم الله سبحانه.
    وما يصل إليه الفكر البشري في شأنها هو نتاج عملية تجريد .
    إلى هنا نحن متفقين .
    لماذا رفضت أنا الحد بالماهية إذن ؟
    رفضت الحد بالماهية وفق مدلوله عند أرسطو ، حيث يذهب المشائيون إلى أن ما يصل إليه العقل بالحد الماهوي هو ماهية ثابتة مميزة للأنسان ومحددة لصفته الجوهرية. وأن العلم المؤسس بناء على هذه الكليات والماهيات هو علم يقيني.
    هذه اليقينية التي يتسم بها منطق أرسطو أراها تحتاج إلى شيء من التواضع لتستقيم ، وهو إستشعار الأنسان أنه مخلوق لله وأن مداركه وأدواته في المعرفية محدودة ، وبالتالي فكل ما يصل إليه من معرفة فهي ليست معرفة يقينية تامة مطلقة .
    وهذا ما جعلني أنتقد الحد بالماهية بمدلوله اليقيني الأطلاقي الذي قدمه المشائيون.
    ولعلنا بعد توضيح ما سبق ننتقل من مفهوم الحد. هذا إذا لم يكن ثمة نقط أخرى تسوجب الاستفهام والأيضاح .

    التعديل الأخير تم بواسطة محمد سلام محمد ; 05-02-2005 الساعة 18:12

  4. [ALIGN=JUSTIFY]أنت يا أخ محمد سلام، لا زلت تنتقل بين مصطلحات تطلق بناء على فلسفة أرسطو، وبين مصطلحات لها مفاهيم معينة بناء على مذاهب المتكلمين والمناطقة الإسلاميين.
    مفهوم الحد والفصل والماهية واضح تماما عند المناطقة الإسلاميين، ولاحاجة للترديد فيه. وكون الفصل وصفا ذاتيا مميزا لمحدود عن غيره أمر واضح.
    ولا مدخلية للقول بوجود الماهية في الخارج لتتوقف في جوابك، لأنه يا أخي العزيز كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك، وأيضا، لأنه كان ينبغي عليك أن تعرف أن الإسلاميين المناطقة لا يقولون بوجود المجرد في الخارج بنفسه، والقواعد المنطقية من حيث ما هي منطقية لا تتوقف على هذه المسألة، كما قلنا لك سابقا. وكونك تناقش في الحد وإمكان معرفته أو الوصول إليه، فهذا لا يتوقف على القول بوجود الماهية أو عدم وجودها بل كونها تجريدا، أو انتزاعا مما في الخارج. ولكنك لا تريد أن ترى هذا المعنى الدقيق الذي نبهتك إليه ونبهك إليه الأخ بلال مرارا.
    فهذا شأنك.
    أما قولك بأنك إنما شككت في الفصل، أو أنكرته، فهذا لم يتبين لنا، ولم تصرح أنت به تصريحا إلا بعدما سألتك عدة أسئلة وألزمتك به إلزاما. وعلى كل حال فأنا لا أرى وجها في كلامك كله لإنكار الفصل بعد إثباتك للجنس القريب والبعيد.... فالجمع بين هذا وذاك غريب أن يصدر من فاهم لعلم المنطق.
    يعني أنك تقول إنه يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يشترك فيها الذات المعينة مع غيرها، ولا يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يتميز بها الذات عن غيرها... أليس هذا قولا غريبا.....
    واعلم أن قولك :"هذا صحيح وهو عين ما أقول به ، عندما اعتبرت التحديد بالفصل هو تحديد بالتمييز لا بالماهية. لكن إذا اعتبرتم الماهية على ما سبق أن عبرتم عنه ، فهذا توكيد على اتفاقنا في شأن هذا المفهوم."اهـ، لا يستقيم مطلقا مع ما قررناه.
    فأنت تسمي التعريف بالفصل تمييزا، في حال أن الفصل هو الصفات الذاتية المميزة، وهذا لا يستقيم ولا يصح.
    ولا يطرد مع مصطلحات المناطقة الإسلاميين ومعانيهم المقررة التي كان عليك أن تتبينها تماما قبل أن تتصدى للمناقشة في هذا الموضوع. فنحن لا نخرج عنها لئلا يؤدي خروجنا عنها إلى لبس وتشتت في المعاني.
    وقولك:"أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد."اهـ
    لا قيمة له هنا. لما مضى بيانه. فقد عرفت أن مدلول الفصل انتزاع لمفهوم صفة ذاتية من ملاحظته لما في الخارج. فهو تعبير عن ما في الخارج، وليس ادعاءا لأن نفس مفهوم الحد التام أو الناقص هو موجود بنفس القدر المعبر عنه في الحد في الخارج. فهذا لا يقول به جماهية الإسلاميين، ولذلك لم يكن يجوز تنسبه إليهم أو تناقشنا فيه، لأننا اتفقنا أننا غير معنيين إلا بالكلام فيما وافق فيه الإسلاميون أرسطو. وهذا ليس منه، ولو كان فلا يتوقف الكلام في المسألة مكا قلت لك سابقا على هذه الجهة.
    وتسميتك إياه تمييزا ليس إلا نزاعا في ألفاظ، وهو غير مناسب من واحد يناقش في المنطق والمعقولات.
    وكذلك قولك:"هذا صحيح وهو عين ما أقول به ، عندما اعتبرت التحديد بالفصل هو تحديد بالتمييز لا بالماهية. لكن إذا اعتبرتم الماهية على ما سبق أن عبرتم عنه ، فهذا توكيد على اتفاقنا في شأن هذا المفهوم."اهـ فجملتك الشرطية فيه، دليل أنك لم تتمكن بعد من اصطلاحات المناطقة الإسلاميين، ولا تلتزم بها في مناقشتك وهو ما يسبب لك كثيرا من الأخ والرد بلا وجه حق.
    فما بينه لك بلال هو الذي وضحه المناطقة الإسلاميون وليس اختراعا من عنده، بل هو مشهور معلوم.
    وقولك:"من مداخلتي السابق إذا يتضح موقفي وهو أنني لا أنكر الحد بالفصل ، ولكن أقول به مع تعديل معنى الفصل "اهـ، غير مضبوط مطلقا، فأنت الآن تقول بأن تثبت الحد بالفصل مع التعديل السابق في مفهوم الفصل، تعني أنه يميز فقط، ولا يدل على الصفة الذاتية.
    وتعديلك لمعنى الفصل لا وه له بعدما قاله لك بلال ووضحناه.
    وقولك:"أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد"اهـ، فقد تبين لك أن مدلول الفصل عند المناطقة ليس كما كنت تتوهم، فلا داعي لإنكاره إذن. ويبقى السؤال قائما هل هذا التمييز القائم على تجريد ، هل هو تجريد لصفة ذاتية في الخارج وتعبير عنها باللفظ، أم هو تجريد لمعنى عارض أو لازم للماهية. إن كان الأول فلا داعي لخلافك، وإن كان الثاني فكلامك غير مضبوط كما قلنا لك، لأن هذا الذي تسميه فصلا يكون خاصة، فخلافك لفظي فقط.
    وتعميم الفهم الذي تقول به للماهية والفصل ونسبته إلى المناطقة عموما غير صحيح مطلقا.
    وقولك:"لماذا رفضت أنا الحد بالماهية إذن ؟
    رفضت الحد بالماهية وفق مدلوله عند أرسطو ، حيث يذهب المشائيون إلى أن ما يصل إليه العقل بالحد الماهوي هو ماهية ثابتة مميزة للأنسان ومحددة لصفته الجوهرية. وأن العلم المؤسس بناء على هذه الكليات والماهيات هو علم يقيني.
    هذه اليقينية التي يتسم بها منطق أرسطو أراها تحتاج إلى شيء من التواضع لتستقيم ، وهو إستشعار الأنسان أنه مخلوق لله وأن مداركه وأدواته في المعرفية محدودة ، وبالتالي فكل ما يصل إليه من معرفة فهي ليست معرفة يقينية تامة مطلقة .
    وهذا ما جعلني أنتقد الحد بالماهية بمدلوله اليقيني الأطلاقي الذي قدمه المشائيون. "اهـ
    فهل تنكر إمكان الوصول إلى يقين في معرفة أي شيء. يعني هل عندما نقول على سبيل المثال:إن الإنسان عاقل. ألا نستطيع أن نتيقين من قولنا وأن نقطع به.... هل تتصور أن يكون إنسان غير قابل مطلقا للتعقل ويبقى ذا حقيقة إنسانية.
    أما تعريف الإنسان بأنه ذا دين وبأنه أخلاقي فهو تعريف بالعوارض أو اللوازم لا الذاتيات كما قال لك بلال.
    ويبقى في كلامك إشكالات كثيرة.
    وربما أترك الكلام معك إلى بلال من الآن فصاعدا.
    والله يوفقك. [/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. قرأت مداخلة الشيخ سعيد وعندي عليها ملاحظات عدة ،لكن قبل بسطها أحب أن أنوه إلى مسألة ، وهي أنني منذ مبتدأ هذا الحوار حرصت على إنجاحه وجعله حوارا معرفيا ، يتخلق بأخلاق الأحترام المتبادل ، ولذا كنت أغض الطرف عما يرد أحيانا في مداخلة الشيخ سعيد حفظه الله.
    وإني حفظا لهذه الأخلاقيات أضع جانبا من مداخلة الشيخ سعيد بعض العبارات دونما تعليق ، سوى تعليق واحد وهو أنني أتمنى أن تترقى لغة الحوار إلى مستوى أفضل!! وأتمنى أن لا يصدر مني أنا أيضا ما يخدش مقام الشيخ سعيد . واحتراما لهذا المقام أجد في نفسي الأستعداد الكامل لمحاورته بأدب ،بل وغض الطرف أحيانا عما أراه خاطئا في مداخلته من أجل تطوير وتعميق حوارنا.
    ولهذا قلت في آخر مداخلتي بما أن الأخوة لا يقولون ببلوغ الماهية ،فالأختلاف بيننا ليس كبيرا ، وأوقفت النقاش دون لجاجة في الجدل ، من أجل الأنتقال إلى أمور أخرى ذات أهمية في مراجعتنا للمنطق.
    لكن مداخلة الشيخ سعيد الأخيرة تستوجب مني وقفة .


    قال الشيخ :

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    مفهوم الحد والفصل والماهية واضح تماما عند المناطقة الإسلاميين، ولاحاجة للترديد فيه. وكون الفصل وصفا ذاتيا مميزا لمحدود عن غيره أمر واضح.
    ولا مدخلية للقول بوجود الماهية في الخارج لتتوقف في جوابك، لأنه يا أخي العزيز كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك، وأيضا، لأنه كان ينبغي عليك أن تعرف أن الإسلاميين المناطقة لا يقولون بوجود المجرد في الخارج بنفسه، والقواعد المنطقية من حيث ما هي منطقية لا تتوقف على هذه المسألة، كما قلنا لك سابقا. وكونك تناقش في الحد وإمكان معرفته أو الوصول إليه، فهذا لا يتوقف على القول بوجود الماهية أو عدم وجودها بل كونها تجريدا، أو انتزاعا مما في الخارج. ولكنك لا تريد أن ترى هذا المعنى الدقيق الذي نبهتك إليه ونبهك إليه الأخ بلال مرارا.
    فهذا شأنك.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    أولا أعجب من قول الشيخ سعيد
    كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك
    لماذا أعجب ، لأن الصحيح خلاف ما تقول ياشيخ ،فليس كل من قال بوجود الماهية قال بوجودها ذهنا . ويكفيني هنا أن أحيلك على كتاب نقد العقل الخالص عند كانط ،حيث ينتهي فيلسوف نقد العقل إلى التمييز بين الماهية (أي الشيء في ذاته) أو بلغة كانط النومين ، وبين التمثل الذهني لها. فهو يعترف بوجودها في الخارج لكن لا يعترف بإمكان بلوغها أي لا يعترف بتمثلها ووجودها ذهنا . بل ثمة فاصل أنطلوجي يفصل العقل عنها لأنه محدود بحدود الظاهر .
    هذه واحدة.
    أما الثانية
    فدعني ياشيخ أعيد عليك مرة أخرى أمرا هاما في ترتيب هذا النقاش وهو أننا لسنا في معرض تركيب أقيسة صورية لنترك المفاهيم المؤسسة للمنطق دون إعمال الفكر النقدي فيها. فنحن بصدد نقاش علمي يمكن أن نصنفه ضمن حقل إبستمولوجيا المنطق بما تعنيه من دراسة نقدية لمفاهيم وأسس العلم المنطقي. لذا فتحديد ماهية الماهية وهل هي موجودة في الخارج أو محصورة ذهنيا مسألة بالغة الأهمية.
    تقول أنه لا يترتب على هذا أي أهمية في شأن مفهوم الحد ولا في شأن بناء المنطق.
    أخالفك الرأي ، لكن لست أنا وحدي من يخالفك في هذا ، بل يخالفك كل من اتخذ موقفا نقديا من منطق أرسطو بدءا من الرواقيين وانتهاء بجون استيوارت مل، واللذين جاؤوا بعده . ودليلي على ذلك أن من بين أسباب اختلاف المنطق الرواقي عن المنطق القياسي الأرسطي هو بالضبط الموقف من الماهية حيث انتهى منطق الرواقيين إلى كونها مجرد اسم لا حقيقة له في الخارج. فكان بذلك المنطق الرواقي منطقا إسميا ماديا ، وقد انتهى أكبر مؤرخ للفلسفة الرواقية أي الأستاذ بروشار إلى تحليل للمنطق الرواقي وبيان تأسيسه على نفي الماهية والتصور ، حيث لا يرى الرواقيون وجود علم التصورات إطلاقا!! فكان ذلك من جملة ما جعلهم يؤسسون لمنطقهم الشرطي.
    وقس على هذا موقف الأوكامي من الحد بالماهية حيث رفضه بسبب موقفه الأسمي من الماهية الرافض لمقولة الكل عند أرسطو .
    وفي تراثنا الفكري انتقادات لمبحث الحد مشهورة عند بن تيمية والسهروردي.

    ثم يقول الشيخ سعيد

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    أما قولك بأنك إنما شككت في الفصل، أو أنكرته، فهذا لم يتبين لنا، ولم تصرح أنت به تصريحا إلا بعدما سألتك عدة أسئلة وألزمتك به إلزاما.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    بل كان موقفي واضحا منذ البداية منكرا لمفهوم الحد بالماهية ؟


    ثم أضاف الشيخ الفاضل حفظه الله

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    وعلى كل حال فأنا لا أرى وجها في كلامك كله لإنكار الفصل بعد إثباتك للجنس القريب والبعيد.... فالجمع بين هذا وذاك غريب أن يصدر من فاهم لعلم المنطق.
    يعني أنك تقول إنه يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يشترك فيها الذات المعينة مع غيرها، ولا يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يتميز بها الذات عن غيرها... أليس هذا قولا غريبا.....

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    أنا لم أنكر الصفة المميزة ، بل أنكر الصفة الماهوية ، وثمة فرق يا شيخ. أنا منذ البداية قلت لك أنني أقبل بالجنس البعيد والقريب وأكثر من ذلك . ومعنى قولي أكثر من ذلك هو أن لدي موقفا من الماهية لذا كان أول سطر كتبته بعد قولي بقبول الجنس هو أنني دعوتكم لفتح نقاش موسع في مفهوم الماهية. وذلك بقصد أن أبين لكم موقفي من الجنس والفصل، أي موقفي من المحددين الأساسيين لماهية.
    لكن دعني أجيبك على اعتراضك تقول

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    يعني أنك تقول إنه يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يشترك فيها الذات المعينة مع غيرها، ولا يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يتميز بها الذات عن غيرها
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وأقول للشيخ سعيد :
    إن هذه المفاهيم الثلاثة التي أنكرت علي موقفي منها ورأيته متناقضا أنا أستعملها بمداليل مختلفة عما تستعمله أنت ياشيخ وغيرك من المناطقة فأنا أقول بالجنس القريب والبعيد ، بل قلت حتى بالفصل لكن مع تعديل الدلالات فيصبح الفصل تمييزا لا صفة جوهرية ماهوية.
    فهل كنت في قبول هذا متناقضا مع نفسي .
    لا أبدا إنما أنت الذي لم تفهم مقصود قولي منذ البداية . ولعلي أراك تتسرع في قراءة ما أكتبه أو تحسب أنها سطور من تلميذ يلعب بالمفاهيم دون إدراك مداليلها. إنني أطرح مفهوما منهجيا جديدا أدعوك إلى قراءته بتأن ونقده بعد ذلك.

    ثم يقول الشيخ الفاضل
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    فأنت تسمي التعريف بالفصل تمييزا، في حال أن الفصل هو الصفات الذاتية المميزة، وهذا لا يستقيم ولا يصح.
    ولا يطرد مع مصطلحات المناطقة الإسلاميين ومعانيهم المقررة التي كان عليك أن تتبينها تماما قبل أن تتصدى للمناقشة في هذا الموضوع. فنحن لا نخرج عنها لئلا يؤدي خروجنا عنها إلى لبس وتشتت في المعاني.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    صدقت أنا أستعمل مفهوم الفصل بغير الدلالة التي يستعملها بعض المناطقة المسلمون،لكن ليس السبب هو أنني لم أتبين معانيها كما تفضلت ، بل السبب هو أنني رافض لهذه الدلالات المعطاة للفصل ،حيث أرفض ابتناء المنطق على هذه المفاهيم بهذه التحديدات الدلالية الماهوية الخاطئة.


    ثم يضيف الشيخ الفاضل
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    وقولك:"أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد."اهـ
    لا قيمة له هنا. لما مضى بيانه. فقد عرفت أن مدلول الفصل انتزاع لمفهوم صفة ذاتية من ملاحظته لما في الخارج. فهو تعبير عن ما في الخارج، وليس ادعاءا لأن نفس مفهوم الحد التام أو الناقص هو موجود بنفس القدر المعبر عنه في الحد في الخارج. فهذا لا يقول به جماهية الإسلاميين، ولذلك لم يكن يجوز تنسبه إليهم أو تناقشنا فيه، لأننا اتفقنا أننا غير معنيين إلا بالكلام فيما وافق فيه الإسلاميون أرسطو. وهذا ليس منه، ولو كان فلا يتوقف الكلام في المسألة مكا قلت لك سابقا على هذه الجهة.
    وتسميتك إياه تمييزا ليس إلا نزاعا في ألفاظ، وهو غير مناسب من واحد يناقش في المنطق والمعقولات.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وأكرر إن تسميتي للفصل ليس مجرد نزاع في الألفاظ بل هو موقف نقدي من المنطق ومفهوماته وحدوده الماهوية .

    أما قولك
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    وتسميتك إياه تمييزا ليس إلا نزاعا في ألفاظ، وهو غير مناسب من واحد يناقش في المنطق والمعقولات.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    فهذا مما أخالفك فيه ،يا شيخ سعيد ، بل يخالفك فيه من يشتغل بالمنطق والمعقولات! ويكفي أن أحيل هنا إلى جون استيوارت مل وبرتراند راسل ،فقد أنكرا الماهية والحد بالماهية واعتبرا أن حقيقة الحد المنطقي هي أنه تمييز بين المحدود وغيره بالخواص اللازمة. فرجاء ألق نظرة على أي كتاب يتناول موقف جون ستيوارت أو راسل من مبحث الحد الأرسطي وزعمه الوصول إلى الماهية.

    وخلاصة موقفي أكررها لك من جديد :
    إنني أنكر الوصول إلى الماهية ، ولذا فالقول :"الأنسان حيوان ناطق" ، أقول به كتحديد للأنسان لكنه عندي ليس تحديدا ماهويا بل مجرد تمييز ، وذلك لأنني أنكر إمكان بلوغ الماهية.

    وأنا أستغرب حقيقة عندما أراكم يا شيخ سعيد تنظرون إلى إنكاري للماهية واعتباري للحد مجرد تمييز تعدون هذا القول منكرا من الأقوال لم يقل بها أحد ،وتعدونه غير مناسب أن يصدر ممن يشتغل بالمنطق !!
    حقيقة أستغرب ، وأستغرب أكثر عندما أراكم تتشبثون بموقف منطقي أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه متجاوز الآن بعد التطورات المعرفية التي مست الفكر المنطقي والعلمي . فإذا لم يكن لكم تقدير لنقد بن تيمية ، وهو أمر يمكن أن يستساغ من قبل مفكر أشعري له مع بن تيمية خصومة، فعلى الأقل كان ينبغي أن يكون لديكم بعض من التقدير لنقد المتصوف السهروردي لمبحث الحد ، وإنكاره إمكان الوصول إلىالجنس والفصل بمدلولهما الماهوي ، وأن الطريق الوحيد للحد هو الإحساس والكشف.
    وإذا لم يكن لديكم تقدير للسهروردي بسبب حلوليته ، كان على أقل تقدير أن يكون لديكم تقدير للتطورات المعرفية العلمية ، فانظر إلى العلم المعاصر ، ستجده منذ نيوتن لم يعد يشتغل بمفهوم الماهية ، بل إن نيوتن يفتخر أنه فسر بنية العالم بالجاذبية دون تحديد ماهيتها. (أحيلك هنا على معالجة نقدية عميقة لمفهوم الماهية في العلم عند أوجست كونت في كتابه "دروس في الفسفة الوضعية " وإني أكتب لك من الذاكرة وليس بين يدي الآن كتابه ولكن إذا أردت بحثت لك وأعطيتك ملخصا وافيا لموقفه من الماهية.)

    ثم أرد على ما تبقى من مداخلتكم بسؤال أرجو التفكير فيه مليا:
    دعنا نطرح هذا الحد الماهوي الذي تكثر من الدفاع عنه أمام محك النظر والتفكير . هل يوجد هذا النوع من الحدود؟ ماذا يملك المناطقة من تعريفات بالماهية ؟
    ثم ما قيمة هذه التعريفات في مقاربة الواقع ومعرفته؟
    انظر إلى العلماء ، إنهم بكل تخصصاتهم الفزيائية والجيولوجية والرياضية.. لا يشتغلون أبدا بتحديد الماهيات ولا تعنيهم في شيء . أتدري لماذا ؟
    لأن مطلب الماهية يخرج عن إمكانات العقل البشري ، ولن يصل في شأنه سوى إلى تجريدات ميتافزيقية لا يمكن ان تثمر معرفة مفيدة. لقد ظل المناطقة يكررون طيلة خمسة وعشرين قرنا أن "ماهية الأنسان حيوان ناطق " ، لكن هل استطاعوا أن يعرفوا حقيقة هذا العقل الذي به تتحدد ماهية الأنسان ؟ ما ماهية العقل ؟
    لو فكرت معي في هذا الأستفهام ستلاحظ أن جميع ما يمكن أن نأتي به من إجابات عليها ردود واعتراضات . ومن ثم ننتهي إلى أن تعريف العقل هو بالتمييز والرسم وليس بالماهية . إننا نعرف الأشياء بالمخالفة والمماثلة والتمييز والاشارة ... وغيرها من أشكال الحدود .. إن تحليل الأشياء في جزئيتها هي التي أعطتنا العلوم وحققت لنا معرفة بواقعنا ، أي بواسطة تلك الحدود الناقصة التي يستهجنها المناطقة ، ويتعالون بحدهم الماهوي الأجوف عليها ، ذلك الحد الذي لم يثمر شيئا. بتلك الحدود الناقصة تصور العلماء العالم وليس بالحدود الماهوية التي يكثر المناطقة من الحديث عنها دون انتباه إلى أنها لا وجود لها في الحقيقة.
    وانظر في المنطق الرمزي المعاصر وكذا المنطق الطبيعي ، هل يشتغل بالحد الماهوي ؟ أبدا !
    حتى القائلون بالماهية قالوا يعسر إيجاد حد ماهوي. تأمل محاورات أفلاطون ، وأنت تعلم أن جميع هذه المحاورات هي بحث عن الحد الماهوي ،ستلاحظ أنها تنتهي في الغالب إما إلى إبقاء السؤال معلقا ،أو إعطاء إجابة موهومة، وإنهاء تمثيلية الحوار بخضوع السوفسطائي للبطل سقراط دون أن تكون تلك الأجابة حقا مما يمكن ان يخضع لها محاور سقراط بكل تلك السهولة!
    هذا هو موقفي ، ولست ممن يحبون اللجاجة والعناد في الحوار . فإذا اقتنعتم به لكم ذلك ، وإذا لم تقتنعوا ،فأقول إنكم أنتم أيضا لم تقنعوني بموقفكم ، كما لم يقتنع به المناطقة المعاصرين ، الذين هم في أغلبهم يشمئزون من هذا الوهم المسمى بالحد الماهوي .

    ثم ختاما أكرر أتمنى ان تترقى لغة الخطاب ، حتى يكون حوارنا مثمرا فنحن لا زلنا في مبتدأ الكلام ولازال بيننا أشواط كثيرة سنختلف فيها كثيرا.

  6. #36
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    [ALIGN=RIGHT]بسم الله الرحمن الرحيم

    أخي محمّد،

    دعني أبيّن بعض الأمور المهمّة، والتي لا أراها خفيت عليك من نقاشك معنا، مساهمة في تحرير الخلاف الذي أراه لفظياً أكثر منه معنوياً.

    أولاً: لا إشكال عندي في بحث المنطق بحثاً يتناول أسسه ومصطلحاته. ولكن توجيه النقد للمنطق الإسلامي لا بدّ أن يراعى فيه مصطلح القوم كما هو أولاً. والحاصل أنّني لاحظت منذ بداية الكلام معك أنّك تستخدم مصطلح الماهيّة وغيره من المصطلحات بمعنى مغاير لما هو موجود عند المناطقة الإسلاميين. ولذلك ترى أنه لا يمكن بلوغها. فإذا أخذنا بالاعتبار معنى الماهيّة ومعنى الذاتيّ ومعنى العرضيّ عندهم، لم يكن ثمّة إشكال في تحديد الماهيّة، ولا بلوغ الجنس والفصل من قبل ذلك. فالذي حصل هو أنّ ما وجّهته يا أخي محمّد من نقد للمنطق فقد بنيته على أساس تصوّرك للماهيّة تصوّراً مغايراً لتصوّر الإسلاميين لها. ولذلك قال لك الشيخ سعيد إنّ نفيك لإمكان التحديد بالفصل وبلوغ الماهيّة صار لا معنى له، أي بعد ما عرفت ما نعنيه بالماهيّة والصفة الذاتية، والعرضيّة، فلا يكون حكمك بعدم إمكان بلوغهما صحيحاً بناء على تصوّرنا لهما، ولكنه يكون صحيحاً بناء على فهمك وتصوّرك أنت للماهيّة. ولا مشاحّة في الاصطلاح ما دام قد حصل الاتفاق على المعنى. وحتّى البحث في المنطق في أعمق مستوى لا يعود بالنقض على الاصطلاح من حيث ما هو اصطلاح، كما لا يخفى عليك. هذا كلّ ما في الأمر.

    ثانياً: ثمّة قضيّة هامّة وهي يقينيّة الحدّ. إنّك حين تشكك في يقينيّة الحدّ، فإن ما تعنيه هو أنّ التصوّر المبلوغ بالحدّ لا يقطع بمطابقته لماهيّة المحدود كما هي في نفس الأمر وعلم الله تعالى، ولذلك تتكلّم عن التواضع والتأدب مع الله تعالى بهذا الشأن.
    والإسلاميّون في متونهم كالسلم الذي بين يديك يميّزون بين العلم الحادث والعلم القديم، ويقولون بأنه لا نسبة بينهما، والذي يقسمونه إلى تصوّر وتصديق هو علم المخلوقات وليس علم الله تعالى. وبالتالي فالمنطق بما هو آلة لتحصيل العلوم الحادثة ليس من شأنه أصلاً أن يكشف عن الحقائق كما هي في علم الله تعالى، بل كما يراها العقل الإنساني. ولذلك حين سألتني هل أقول بإمكان بلوغ الماهيّة، أجبتك: (نعم بناء على أنّ الماهيّة هي ما به الشيء هو هو عند العقل). وهذا القيد كما ترى في غاية الأهمّيّة.
    ولذلك أيضاً تطرّقت في كلامي معك عدّة مرّات إلى يقينيّة علومنا التصوّريّة، وأنّ عدم بلوغنا في تصوّراتنا إلى ما هو ثابت في علم الله تعالى عن حقائق الأشياء، لا يعود بالنقض على علومنا الحادثة، ولا يشكك في يقينيّتها.
    فإنك لا شكّ تعرف أنّ الحدّ عند حمله على المحدود يتألف منهما قضيّة لا بدّ من حكم العقل بصدقها على جميع أفراد المعرَّف لكي يكون التعريف صحيحاً. ولا أحد منا يعني بهذا الصدق ما عبّر عنه الشيخ سعيد بقوله: (نفس مفهوم الحد التام أو الناقص هو موجود بنفس القدر المعبر عنه في الحد في الخارج).

    إننا نقول إنّ مفهوم الحدّ صادق على المحدود، صدق الكليّ على جزئيّاته. ولذلك لو لم يتألّف منهما قضيّة كليّة يحكم العقل بصحّتها على جميع أفراد المحدود لم يكن الحدّ صحيحاً. وهذا الحكم الكليّ لا ينتقض مهما تنقّح المعرِّف لاحقاً. والثابت في علم الله تعالى لا يمكن أن ينافيه، بل بين هذين العلمين تلازم قطعيّ. وإلا ارتفعت الثقة عن العقول، وانسدّ بذلك الطريق إلى معرفة الصانع.

    إنّ وحدة أحكام العقول على الأمر الواحد دليل على ثبات الصورة العقليّة عند جميع العقول لنفس الأمر. أعني القدر المشترك بين العقول. ولا أحد منا يقول إنّ هذه الصورة العقليّة الثابتة هي عين ذلك الشيء المحكوم عليه في الواقع، ولا أنّها تعبّر عن حقيقة الشيء كما هي ثابتة في علم الله تعالى. ولكن ثبات هذه الصورة دليل على ثبات حقيقة ما للمعرَّف هي الحقيقة كما هي في علم الله تعالى. والصورة العقليّة هي ما نسمّيها حقيقة الشيء، وندّعي ثباتها، وإمكان معرفتها. ولذلك تجد في متوننا قول العلماء: (حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقّق خلافاً للسفسطائيّة) أي أنه للأشياء حقائق ثابتة يمكن للعقل بلوغها، بما هو عقل مخلوق ومحدود ومشروط تعقّله بالحواس. ولا نعني بهذه الحقائق نفس تلك الحقائق كما هي ثابتة في علم الله تعالى. بل نعني بها لوازم لتلك الحقائق يمكن للعقل أن يتبيّنها.

    والسؤال الآن، هل يمكن للإنسان بأسباب معرفته العاديّة أن يعرف تلك الحقيقة التي تتكلّم عنها أنت وتسمّيها ماهيّة أي هل يمكته أن يعرف حقيقة الأشياء كما هي ثابتة في علم الله تعالى أو لا؟

    أنا وأنت متّفقون على أنه ليس بوسعه ذلك.

    ولكنك تسمّي تلك الحقيقة ماهيّة. وأنا في المنطق الذي يبحث في طرق تحصيل المعرفة الإنسانيّة لا أسمّي تلك الحقيقة ماهيّة. بل أسمّي بعض اللوازم عن تلك الحقيقة صفات ذاتيّة. وهي أقصى ما يستطيع عقلي أن يبلغه في إدراك كنه الشيء، وأركّب منها الماهيّة. فتصير ماهيّة الشيء عندي هي مجموع الصّفات الذاتيّة للشيء بحسب الطاقة البشريّة، أي في أقصى ما استطاع العقل بلوغه من تصوّر لتلك الحقيقة بما تهيّأ له من أسباب عاديّة للمعرفة.

    وبهذا يكون الخلاف بيننا في موضوع بلوغ الماهيّة خلافاً لفظياً.
    وأمّا أنك لا ترضى عن مفهوم الماهيّة والحدّ والصفة الذاتيّة عند المتكلّمين والمناطقة الإسلاميين فهذا شأن آخر، ينبغي أن لا يؤثر في نقاشنا. والأصل أن نتكلّم بمصطلحنا نحن ولا نخرج عنه. وقد عرفت مصطلحنا فليكن كلامك معي بمصطلحي حتّى لا يتطرق إلينا الخلاف من جهة الألفاظ.


    ثالثاً: قولك: (دعنا نطرح هذا الحد الماهوي الذي تكثر من الدفاع عنه أمام محك النظر والتفكير. هل يوجد هذا النوع من الحدود؟ ماذا يملك المناطقة من تعريفات بالماهية؟ ثم ما قيمة هذه التعريفات في مقاربة الواقع ومعرفته؟ انظر إلى العلماء، إنهم بكل تخصصاتهم الفزيائية والجيولوجية والرياضية.. لا يشتغلون أبدا بتحديد الماهيات ولا تعنيهم في شيء. أتدري لماذا؟
    لأن مطلب الماهية يخرج عن إمكانات العقل البشري ولن يصل في شأنه سوى إلى تجريدات ميتافزيقية لا يمكن ان تثمر معرفة مفيدة)

    أقول: لاحظ يا أخ محمّد أنّك لا تكلّمنا ههنا بمصطلحنا، بل بمصطلحك أنت. وعلى مصطلحنا هنالك الكثير من الحدود الماهويّة. وهذه التعريفات لها قيمة علميّة لأنّها صادقة على الواقع. والتجريدات الموجودة في حدودنا هي صفات كليّة صادقة على المحدود. وتنبني الأحكام التي هي قضايا العلوم على التعريفات سواء كانت رسوماً أو حدوداً. ونحن نرى أن العلوم المؤسسة على هذا الأساس المنطقي الإسلامي علوم مفيدة ومثمرة، فلا يكون كلامك متعلّقاً بنا أصلاً. كما سأوضّحه أكثر عمّا قليل.


    قولك: (لقد ظل المناطقة يكررون طيلة خمسة وعشرين قرنا أن "ماهية الأنسان حيوان ناطق"، لكن هل استطاعوا أن يعرفوا حقيقة هذا العقل الذي به تتحدد ماهية الأنسان ؟ ما ماهية العقل؟)

    أقول: إنّهم تكلّموا في تعريف العقل، وهم يصوّرونه بهذه التعريفات من بعض الوجوه قطعاً، ولو استطاعوا سبر جميع صفاته الذاتيّة لحدّوه، ولكن عدم بلوغهم لحدّ تام للعقل لا يستلزم انتفاء الفائدة من تعريف الإنسان بأنه الحيوان العاقل. فلا أدري ما الذي تريده من ذلك؟


    قولك: (لو فكرت معي في هذا الأستفهام ستلاحظ أن جميع ما يمكن أن نأتي به من إجابات عليها ردود واعتراضات)

    أقول: وليكن ذلك. فما الإشكال فيه. إنّ أعظم الأصول التي لا تقبل عندنا الجدل كمسلمين هو أنّ الله تعالى موجود، وهذه قضيّة لاقت جدلاً واعتراضاً من كثير من الناس على مرّ التاريخ على الرّغم من أنها من أوضح الواضحات عند كثير من الناس. فأين الإشكال في وجود اعتراضات على ما يمكن أن نأتي به في تعريف العقل، وهو من أعظم وأخفى الأسرار التي خلقها الله تعالى. إنّ مجرّد وجود اعتراضات وردود على تصوّر ما أو حكم ما لا يستلزم انتفاء فائدته، ولا يستلزم بطلان ذلك التصوّر أو الحكم، مطلقاً.


    قولك: (ومن ثم ننتهي إلى أن تعريف العقل هو بالتمييز والرسم وليس بالماهية. إننا نعرف الأشياء بالمخالفة والمماثلة والتمييز والاشارة ... وغيرها من أشكال الحدود ..)

    أقول: ههنا رجعت مرّة أخرى للكلام على الماهيّة على خلاف مصطلحنا نحن.


    قولك: (إن تحليل الأشياء في جزئيتها هي التي أعطتنا العلوم وحققت لنا معرفة بواقعنا، أي بواسطة تلك الحدود الناقصة التي يستهجنها المناطقة، ويتعالون بحدهم الماهوي الأجوف عليها، ذلك الحد الذي لم يثمر شيئا. بتلك الحدود الناقصة تصور العلماء العالم وليس بالحدود الماهوية التي يكثر المناطقة من الحديث عنها دون انتباه إلى أنها لا وجود لها في الحقيقة)

    أقول: هذا الكلام النقديّ يا أخ محمّد لا يتوجّه علينا وعلى منطقنا الإسلاميّ مطلقاً. فإنّ الحدّ الماهويّ عندنا حدّ يمكن بلوغه على ما بيّناه، ووافقتنا عليه بحسب مصطلحنا. هذا أولاً. وثانياً أننا أجزنا التعريف الرّسميّ أيضاً وغيره.

    فقولك فيما سبق: (الماهيّة لا تعنيهم بشيء)، لا أوافق عليه بناء على مفهوم الماهيّة عندي، وأوافق عليه بناء على مفهوم الماهيّة عندك. وقلت لك سابقاً إنّ كلامك يكون له وجهه لو قلنا إننا لا يمكن أن نقيم علومنا الإنسانيّة إلا على الحدود بوصفها الطريقة الوحيدة لبلوغ التصوّر، أو قلنا إنّ الحدّ يجب أن يكون كاشفاً عن حقيقة المحدود كما هي ثابتة في علم الله تعالى لكي نستطيع أن نقيم علوماً تصوّريّة وتصديقيّة تتعلّق بالمحدود. ولكنّ هذا الكلام لا وجه له بعد تبيّنت حقيقة ما نقول به. وبالتالي فلا داعي لذكره ههنا يا أخ محمّد.

    وأمّا حدّ الإنسان بالحيوان الناطق، فإنه لا يمكن أن ينكر أحد أنه قامت على هذا التعريف علوم كثيرة جدّاً ومتشّعبة.

    ولا أدري ما الذي تريده حين تقول: (إن تحليل الأشياء في جزئيتها هي التي أعطتنا العلوم وحققت لنا معرفة بواقعنا، أي بواسطة تلك الحدود الناقصة التي يستهجنها المناطقة، ويتعالون بحدهم الماهوي الأجوف عليها)

    فقد كرّرت كثيراً أنا والشيخ سعيد أنّ أنواع التعريف سواء الحدّ التام والناقص أو الرّسم التام والناقص يكون بالنظر في جزئيّات المحدود، أي استقراء وسبر صفاته التي يلاحظها العقل فيه. وتمييز العرضيّ منها عن الذاتيّ، والتأليف بينها بشروط خاصّة هي شروط التعريف. وقد وافقتنا على إمكان جميع ذلك بعد أن تبيّنت المعنى الذي نريده من هذه المصطلحات. فكيف تقول إنّنا كمناطقة نستهجن الحدود الناقصة، ونتعالى عليها، ولا نقول بفائدتها. وكيف تقول إنه لا يمكن أن تنبني على حدودنا التي علوم مفيدة!؟
    هذا غريب.
    إنّ الذي أتمنّاه عليك يا أخي محمّد بعد أن توضّح لك حقيقة ما نقول به أن تلتزم في كلامك ونقدك بمصطلحنا نحن، حتّى يستمرّ الحوار ويثمر. ولعلّ عدم التزامك بمصطلحنا هو أهمّ سبب لما يبدو من انزعاج الشيخ سعيد من كلامك. ولا شكّ أنّ هذا الأمر يؤدي إلى كثير من الكلام والتشعبات فتفوت علينا استثمار الجهد في بحث حقيقيّ.
    والله تعالى الموفّق.[/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  7. [ALIGN=JUSTIFY]الأخ محمد سلام

    أولأ: كنت قد سألتك: هل تقول بالصفات الداخلة في الماهية (الذاتية) والصفات الخارجة عنها لازمة وعارضة.
    فأجبتَتني: أجل أقول بهذا.

    ثانيا: لما كنت قد أنكرت الحد التام في كلامك السابق، سألتك عن الحد الناقص، لأن الحد التام غير الناقص عند المناطقة الإسلاميين. فقلت لك: أنت تنكر إمكان معرفة الحد التام لأمر من الأمور، فهل تجوِّز معرفة الحد الناقص لأمر من الأمور. أي هل يوجد أي أمر من الأمور يمكننا أن نعرف حده الناقص؟
    فأجبتني قائلا: جوابي أنا لا أعتقد بإمكان إنجاز الحد بالماهية - بمدلولها الفلسفي - ولكن أقول بإمكان الحد اللفظي والحد بالرسم والتمثيل والمخالفة ... وغيرها من أشكال الحدود الناقصة.
    فبينت لك أن كلامك هذا ليس جوابا.
    ثم أكدت ذلك في مشاركة تالية فقلت: "فأنا على سبيل المثال أقول بالحدود الأخرى على تعددها وكثرتها- ونقصها التصوري أيضا- بدءا بالحد بالخاصة والحد اللفظي والحد بالضد ، والتعريف بالأقسام والعناصر الذي بلوره المنطق الرواقي"اهـ

    مع ملاحظة: أن هذا الكلام ليس دقيقا، فأن تسميتك للرسم والتمثيل والمخالفة والخاصة واللفظي... باسم الحد غلط ظاهر، لأن الحد يطلق على ما يكون بالذاتيات، وأما الرسم فيطلق على ما يكون بها أو مع غيرها. فاستعمالك لهذا الاسم هنا ليدل على معنى لم يصطلح عليه عند أهل الفن، أحد أسباب اتباعي أسلوب السؤال والجواب معك. وهو يدل على أمور أخرى.

    ثم طلبت منك مرة أخرى أن تجيب فأجبت قائلا:" الحد الناقص عند الشيخ سعيد هو بلا شك الحد الذي يتم بالفصل وحده دون الجنس القريب. أو بالفصل مع الجنس البعيد.
    موقفي هو أن هذا الحد غير ممكن بالمعنى الذي يفهم بالفصل عند المنطقيين ، فإذا فهم الفصل الحقيقة الجوهرية التي تميز الكائن عن غيره ،فهذا ما لا أقول ببلوغه ، وإذا فهم بالفصل ما به يمتاز هذا الكائن ويفصله عن غيره ،فإنني أقول به ، وهذا ما أزعم أن الشيخ سعيد لن يقبل به ،لأن هذا المعنى المقدم للحد الناقص ولمفهوم الفصل يخرجه من الحد بالماهية إلى الحد بالخاصة ."اهـ
    فرددت مرة أخرى وقلت إن أريد بالفصل كذا فأقول كذا، وإن قصد به كذا فأقول كذا، مع العلم أن الفصل له مفهوم واحد عندنا لا غير، وهو الوصف الذاتي الذي يميز الماهية عن مشاركاتها في الجنس.
    وقولك : "وإذا فهم بالفصل ما به يمتاز هذا الكائن ويفصله عن غيره."، يدخل بالفصل الخاصة، ولكنه لا يخرج بنفسه مفهوم الفصل المعتمد عندنا، بل عرفنا أنك لا تقول به بتصريحك بعدم القول به. وهذا نقص في التعبير.
    فضلا عن أن قولك إذا فهم بالفصل...الخ لا داعي له هنا لما قلناه لك.
    وأما قولك:" هكذا تلاحظ يا شيخ بلال أنني كنت على صواب عندما قلت جوابا على السؤال الأول أن هذه الأسئلة التي تفضلت بطرحها ليست من النوع الذي نحتاج فيها أنا وأنتم إلى أن نجيب بنعم أو لا ،بل هي تحتاج إلى بسط فهمنا للماهية وموقفنا منها."اهـ
    فهو غير صحيح. لأنا بينا أنه لا داعي للتفصيل مطلقا بل التفصيل هنا غلط، ولا يبنى التفصيل على الغلط.

    ثالثا: ثم لما سألتك عن الرسم بقسميه، كان جوابك:" تسألني عن الحد بالرسم وهل أقول بقسميه التام والناقص
    أجل أقول بهما."اهـ
    فعرفنا حينذاك فقط أنك إنما تنكر الفصل فقط ولا تنكر الحد التام. وإنكارك للفصل معناه إنكارك للحد التام والناقص، وهذا ما لم تصرح به لأمر أو آخر أول كلامك. بل عرفناه عن طريق السؤال والجواب معك. ثم أعلنته لاحقا.
    وهذا فيه ما فيه.
    رابعا: ثم لما بينت لنا السبب في إنكارك للفصل، قلت بالنص:" أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد"اهـ
    وهذا الكلام يعني إن ما يمسه المناطقة فصلا، تسميه أنت تمييزا، لا أكثر ولا أقل. وهذا خلاف لفظي فقط لا قيمة تحته. ومخالفة الاصطلاح بلا مسوغ معنوي يوجب ذلك عيب.
    ومن قال لك أن ما نسميه صفات سواء كانت فصولا أو أجناسا قريبة أو بعيدة، ليست تجريدات ذهنية مما في الخارج؟؟ لا أعرف من أين أتيت بهذا. وهل تحسب أن المناطقة الإسلاميين وخاصة الأشاعرة قائلون بوجود الماهية بذاتها في الخارج؟؟ إن هذا الرأي وإن قال به بعض المتكلمين، لا يجوز أن ينسب إليهم مطلقا، لأن الجمهور على خلاف ذلك.
    ثم إن وجود الماهية لا مدخلية له في هذه المسألة كما قلت لك أكثر من مرة.
    وهذا التجريد الذي تتحدث عنه، إن كان تجريدا لصفة ذاتية فهو إما جنس أو فصل، وإن كان تجريدا لصفة خارجة عن الماهية فهو إما خاصة أو عارض عام. فكل هذه الأمور تجريدات ذهنية لما يلاحظه خارجا.
    فقولك أنك تسميه تجريدا !!!! فلا اختصاص لك بهذه التسمية، ولكنك غفلت عن هذا الأمر، فظننت أن غيرك يقول بالفصل بناء على قوله بوجود الماهية الخارجية فقط، وهذا غلط، بل القائلون بالماهية لا يشترطون وجودها الخارجي، فمنهم من يقول به ومنهم من ينفي وجودها من ينفيه، وكلهم يقولون بها ذهنا.

    خامسأ: ثم قلت:" الأنسان حيوان ناطق.
    هذا تعريف يعد عند المناطقة حدا تاما لأنه مكون من الجنس القريب والفصل.
    فكيف أعده مجرد تعريف بالتمييز ؟
    إن تسميتي له بذلك أدق ."اهـ
    فخلافك مع المناطقة لفظي إذن لأنك تبحث عن التسمية الأليق. وهو لا ينبغي إقامة الحوار عليه لأنه تضييع للوقت بلا فائدة.
    وفوق هذا فأنا لا أوافقك في أن تسميتك أدق من تسميتهم.

    سادسا: قولك بعد ذلك:" فبما أن الماهية التي يعطينا إياها المنطقي مجرد تجريد ذهني ، فإننا لا يحق لنا عندما نحدد الأنسان بكونه حيوانا ناطقا ،بأننا وصلنا بهذا التحديد إلى ماهيته ، وأن هذا التحديد يقيني وقطعي . فالماهيات كما قلنا لا وجود لها في الواقع العيني ، ولا نصل إليها إلا عبر التجريد ، وعملية التجريد تتباين بحسب العقول والأفهام. ولهذا نلاحظ بعض المفكرين يعرفون الأنسان تعريفات أخرى ، والعجيب أنهم يرونها تحديدات ماهوية أفضل من التعريف الشائع "حيوان ناطق".
    فيقولون مثلا : إن الأنسان حيوان ميتافزيقي.
    أو حيوان متدين.
    أو أن الأنسان لا يمتاز عن الحيوان بالنطق / الفكر ،بل يمتاز عنه بالأخلاق. ومن ثم فالتعريف الماهوي هو أنه حيوان أخلاقي."اهـ
    لي عليه أسئلة وملاحظات عديدة، منها
    - كون الماهية تجريدا ذهنيا، لا يستلزم مطلقا عدم القطع بها. فإن الأعداد تجريدات ذهنية ومع ذلك فنحن نقطع بها ونقطع بالمعادلات الرياضية العديدة التي تنبني عليها، مع أن نفس عمليات الجمع والطرح والتفاضل والتكامل .....تجريدات ذهنية مقطوع بها أيضا.
    - فلا علاقة بين كونها تجريدات ذهنية وبين جزمك بعدم القطع بها، فقططعك بعدم القطه غلط عندي.
    - لا مانع من أن نصل إلى أمر مبني علىتجريد ذهني ويكون من حيث هو قطعيا ويقينيا.
    - وكون عملية التجريد تتباين بحسب العقول، لا يستلزم عدم إمكان القطع والتيقن بها، فلا علاقة ظاهرة بين هذا وذاك.
    - ومجرد اختلاف البشر في تفكيرهم ليس ذليلا على أن ما قطع به بعضهم ليس مطابقا للواقع، فهذا استدلال مغالطي يعتمد على اشتراط الإجماع والاتفاق لمعرفة القطع واليقين، والصحيح أن الاستدلال بالاتفاق والإجماع طردي فقط لا عكسي، أي إذا وقع إجماع فهناك قطع، ولكن لا يقال لا قطع ولا يقين إلا بإجماع. والقائل بذلك غافل.
    - أنت اكتفيت بمجرد ذكر بعض الأمثلة لتعريفات مقترحة للإنسان قال بها بعض المفكرين المعاصرين، ولم تبين لنا هل جميع هذه التعريفات في رأيك متساوية وتقع في درجة واحدة أم يوجد بينها اختلافات، أي هل قول من قال بأن الإنسان متدين، يمكن أن ينفي أنه عاقل، وهل التدين يمكن ثبوته بلا تعقل، وهل من قال إن الإنسان ميتافيزيقي يمكنه أن ينكر أن هذا الوصف متوقف على التعقل، وكذلك هل الأخلاق يمكن قيامها بدون وجود التعقل. ثم نعكس كلامنا فنقول: هل توجد حيوانات ناطقة بمعنى النطق المرعوف عندنا، أي عاقل ولو بالقوة، بحيث يصبح المميز بينها وبين الإنسان هو التدين فقط أو التخلق؟؟؟ وكيف يمكن التمييز بين هذا وبين قول علمائنا أجمعين أن العقل هو مناط التكليف، أي أن التكليف إنما يكون بناء على وجود العقل.
    - أنت قلت:" ، والعجيب أنهم يرونها تحديدات ماهوية أفضل من التعريف الشائع "حيوان ناطق"اهـ،ومع أني لا أرى داعيا للعجب، إلا أنني أسألك هل تستطيع أن تبين لنا وجه الأفضلية. هنا. وهل التدين أو التخلق أوغير ذلك.... هو المحقق للإنسان، أي إن من لا يكون متدينا لا يكون إنسانا. ألا ترى أنك ستكون مضطرا لبحث مفهوم التدين الذي لا يكون الإنسان إنسانا إلا به بعد ذلك. ما هو القدر من الدين الذي به يتحقق كون الموجود إنسانا.

    سابعا: أما قولك:" لكن بعد إيضاح موقفكم تبين لي أننا لا نختلف كثيرا في الموقف من الماهية"اهـ، فهذا الموقف واضح تماما في علم الكلام والمنطق، وكان عليك أن تكون عارفا به قبل أن تدخل ناقدا في هذا الفن.

    ثامنا: ذكرك لقول أفلاطون: "هناك في الفلسفة الأفلاطونية موقف مخالف لما سبق أن ذكرته يا شيخ بلال ، وهي ان الماهيات لها وجود عيني لكن في عالم مفارق هو عالم المثل . وأن النفس تتذكر هذه الماهيات لسابق عيشها في عالم المثل ."اهـ، لا داعي له، لأنك يجب أن تعلم أن الرد على أفلاطون صار معلوما عند المتكلمين بحيث صاروا يدرجون رأيه والرد عليه في متونهم المعتمدة، كالطوالع وغيرها، وإذا وصل الأمر إلى هذا فهو دليل على انتهائهم من بحثه.
    تاسعا: قولك: "من مداخلتي السابق إذا يتضح موقفي وهو أنني لا أنكر الحد بالفصل ، ولكن أقول به مع تعديل معنى الفصل"اهـ
    كنت سابقا قد أنكرت الفصل، والآن تثبته وتقول إن له معنى آخر، والحال إن هذا المعنى التجريدي هو نفس المعنى الذي اشتهر عند المناطقة الإسلاميون.
    فهو خلاف منك في غير محله. وهو لفظي، وكون الفصل تجريدا هو مقصود المناطقة الأشاعرة المتكلمين، ولا داعي لتعديله، فلا حاجة لذلك ههنا.
    أرأيت لماذا اتبعت معك أسلوب السؤال والجواب. لأنني عرفت منذ البداية أن معظم كلامك في الحد سيؤول إلى خلاف لفظي أو شبه لفظي، وذلك لأنك قد تكون قرأت أعمال الفلاسفة الغربيين كما قرأناها، ولكنك لا تعرف شيئا يذكر كما يبدو لي عن أعمال المناطقة والمتكلمين الإسلاميين، ولا أستبعد أن تكون تحمل عنهم فكرة مملثلة لما يقوله الغربيون والمتأثرون بهم.

    تاسعا: من المعلوم أن أرسطو لا يقول بأن الماهية موجودة في الخارج، بل هي تجريد ذهني، ولذلك فلم يكن من الداعي أن تسأل عن وجودها الخارجي، لا سيما أنا لا نقول بها، ولم يشتهر القول بها عند الأشاعرة، ولا مناطقة الأشاعرة، ولا يقول بها أرسطو. بل وجود الماهية الخارجي قول الإشراقيين، ومنهم من قال بوجود الماهية ذهنا كما توجد خارجا، أي إنها هي توجد ذهنا كما توجد خارجا، فلها وجودان اثنان، وهو ما يصرح به الملا صدرا وأتباعه.
    والوجود الذهني إذا أطلقه المتكلمون كما نفعل أحيانا فإنما نريد به المعلومات العقلية والأحكام الاعتبارية المستحضرة ذهنا، ونطلق عليها أنها وجودية لأنها ليست عدمية محضة، فهي انتزاعات مما في نفس الأمر، وتفيد الإنسان كمالا، ومن هذا الباب نسميها وجودا ذهنيا. لا من باب أن الماهية الموجودة خارجا موجودها عينها ذهنا كما يقول الإشراقيون. فأرجو أن تتنبه إلى ذلك وتميز بين المذاهب لاحقا.
    عاشرا: قولك : "أولا أعجب من قول الشيخ سعيد
    كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك
    لماذا أعجب ، لأن الصحيح خلاف ما تقول ياشيخ ،فليس كل من قال بوجود الماهية قال بوجودها ذهنا . ويكفيني هنا أن أحيلك على كتاب نقد العقل الخالص عند كانط ،حيث ينتهي فيلسوف نقد العقل إلى التمييز بين الماهية (أي الشيء في ذاته) أو بلغة كانط النومين ، وبين التمثل الذهني لها"اهـ
    أيضا استمرار في الغلط بسبب عدم معرفتك لمعاني مصطلحات القوم الذين نصبت نفسك لنقد ما يقولون.
    فمفهوم وجود الماهية في الخارج، يراد به أن نفس الماهية موجودة في الخارج.
    وأما من اعترف بالشيء في ذاته، فلا يلزمه القول بوجود الماهية خارجا، بل يكفيه القول بصدق التجريد الذهني الذي نسميه الماهية عليه، دون القول بوجودها خارجا.
    والأشاعرة يقولون بالشيء في نفسه، ولا يقولون بالماهية الخارجية، بل يقولون إنها صادقة على ما في الخارج، لا موجودة فيه.
    فاعتراضك عليَّ وجزمك بقولك غلط محض، يشابه في تمحضه حقية العقل المحض الذي نفى إيمانويل كانت إمكانية توصله إلى إقامة الدليل على وجود الله تعالى، وهو يشترك معك في الغلط بهذا القول اشتراكا محضا أيضا.
    وهل يمكنك أن تبرهن أن إيمانويل كانت يقول بوجود الماهيات أنفسها في الخارج على ما بينته لك سابقا؟؟
    وهناك فرق بين وجود الشيء في الخارج، وبين عدم إمكان القطع بمعرفته أو معرفته. وهناك فرق أيضا بين إدرك الماهيات ذهنا، وبين وجودها خارجا. وهناك فرق بين القول بالماهيات ذهنا عند المتكلمين وبين وجودها ذهنا عند الفلاسفة وخاصة الإشراقيين منهم.
    فأرجو أن تتمعن في ذلك قليلا.
    حادي عشر: عدت تقول:" لذا فتحديد ماهية الماهية وهل هي موجودة في الخارج أو محصورة ذهنيا مسألة بالغة الأهمية"اهـ
    وهو قول ليس صحيحا. فإنني بينت لك إن من يقول بوجود الماهية في الخارج بالمعنى السابق، ومن لا يقول بوجودها في الخارج بالمعنى السابق، يقول بإمكان إدراك الماهية بالمعنى الذي وضحناه لك.
    وأرجو أن تحاول فقط الكلام معناه بمصطلحاتنا لأنا لا نوافق على تغيير المصطلحات التي نستعملها لمجرد عدم إدراكها من الآخرين. فعدم إدراكهم لها تقصير منهم.
    فأرجو منك أن تراجع مسألة معلومة مشهورة في كتب المنطق يذكرونها استطرادا، ويذكرونها أصالة في كتب الفلسفة القديمة وفي كتب الكلام.
    واعتقادك بأن كل من يقول بالماهية عقلا وذهنا يقول بها خارجا وهم محض. أما اعتقادك بأن المسألة التي نحن فيها وهي الحكم على الحد التام والناقص بالصحة وإمكان بلوغه، تتوقف على المسألة السابقة فهو ليس مجرد وهم بل هو غلط.
    ثاني عشر: أما قولك:" ودليلي على ذلك أن من بين أسباب اختلاف المنطق الرواقي عن المنطق القياسي الأرسطي هو بالضبط الموقف من الماهية حيث انتهى منطق الرواقيين إلى كونها مجرد اسم لا حقيقة له في الخارج. فكان بذلك المنطق الرواقي منطقا إسميا ماديا"اهـ فاستمرار في الغلط، لأن الرواقيين اسميون، بمعنى أنهم لا يقولون بالصفات إلا المأخوذة من الحواس خاصة المتقدمون منهم، ولكنك اعترفت بالجنس القريب والبعيد، وأنكرت الفصل فقط؟؟؟ ثم عدت تقول به، فهذا تناقض كبير منك، فلا أنت التزمت بالمنطق الرواقي ولا أنت وافقت غيرهم. ومن هنا كان الداعي إلى سؤالنا إياك بالطريقة السابقة.
    ومع ذلك فلا يبقى السؤال مطروحا عليك بحاجة إلى جواب: ما هو السبب الذي من أجله كنت تنكر الفصل، وإذا أنركت الفصل لأجل عدم قولك بوجوده خارجا، ألم يكن واجبا عليك القول بإنكار الجنس القريب والبعيد أيضا، لأنهما كليان لا يوجدان في الخارج، ولم تتردد في القول بهما من دون أي إشارة منك لوجودها في الخارج أو عدم وجودها. مع أن ما يمكن أن يقال على الفصل يقال على الجنس وغيره من حيث هي معان كلية.
    ثالث عشر: لما قلت لك أخيرا:" يعني أنك تقول إنه يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يشترك فيها الذات المعينة مع غيرها، ولا يمكن أن نعرف الصفات الذاتية التي يتميز بها الذات عن غيرها... أليس هذا قولا غريبا..... "اهـ
    قلت مبادرا ومن دون تمعن:"أنا لم أنكر الصفة المميزة ، بل أنكر الصفة الماهوية وثمة فرق يا شيخ."اهـ
    فأنا اعترضت عليك لإنكارك الصفة الذاتية التي يتميز بها الشيء عن غيره، ولم أنكر عليك مطلق الصفة المميزة، لأنك إنما أنكرت الأولى ولم تنكر الثانية، وها أنت تسارع فتحسبني أتكلم عن الأولى، كعادتك في أغلب كلامك، تحمل الكلام على ما تريده أنت ولا تراعي فيه مصطلح القوم. ولهذا السبب أنا لا أريد أن أكمل الكلام معك، لأنني سوف أضيع وقتا كبيرا في محاولة فهم ما تريده، وربما وقتا أكثر في محاولة جعلك تفهم ما أريده، هذا كله لأنك لا تساعدنا ولا تساعد نفسك، ولذلك عرض عليك بلال أن يرسل لك بعض الكتب... لتحاول مراجعة ما ما فيها والتسهيل علينا والاختصار من الوقت المهم. وبعد ذلك أهلا وسهلا بك.
    رابعا عشر: قولك:" إن هذه المفاهيم الثلاثة التي أنكرت علي موقفي منها ورأيته متناقضا أنا أستعملها بمداليل مختلفة عما تستعمله أنت ياشيخ وغيرك من المناطقة فأنا أقول بالجنس القريب والبعيد ، بل قلت حتى بالفصل لكن مع تعديل الدلالات فيصبح الفصل تمييزا لا صفة جوهرية ماهوية."اهـ
    مغالطة واضحة، واعتراف بذلك، فأنا عندما سألتك عن ما سألتك عنه في أول كلامي كنت أحدد لك أن ما أسأل عنه من الفصل والحد التام والرسم إنما هو بحسب التعريفات المعلومة عند المناطقة. وأنت كان يجب أن تلتزم بهذه التعاريف للمصطلحات، وأنت عندما قلت أنك تقول بالرسم والناقص، لم تقل أبدا إن مفهوم الجنس والخاصة والفصل مختلف عما عند المناطقة، بل إنك قلت بعض هذا(الفصل)بعد فترة وفي موقع أشرت لك إليه، وقلت أن ما لديك من مفاهيم عن الجنس البعيد والقريب يختلف في مفهومه عنه لدى المناطقة الإسلاميين. وهذا ذكرته في أواخر مششاركاتك.
    وهذا عبارة عن تلاعب بالألفاظ ومغالطات أو مجرد كلام غير مبني على فهم لما تخوض فيه، ومع هذا تنسب هذا بكل جرأة لي فتقول:" لا أبدا إنما أنت الذي لم تفهم مقصود قولي منذ البداية"اهـ، كيف يمكن أن أعرف أنك تريد هذه التعديلات!!!!! على المصطلحات المستعملة التي نتحاور فيها، وأنا إنما سألتك عنها بحسب تعريفها لدى علمائنا، وأنت أجبت ولم تبين أنك تستعملها بمعنى مختلف.
    حتى الفصل فأنت قد اضطربت فيه كما مضى بيانه.
    وإن كان الفصل مجرد صفة تميز الذات عن غيرها –كما تدعي- وليس ذاتية داخلة في الذات تميز بينها وبين مشاركاتها في الجنس، فما الفرق بينه وبين الخاصة إذن؟؟؟؟!!!!


    يتبع.....[/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 12-02-2005 الساعة 12:50
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. [ALIGN=JUSTIFY]خامس عشر:قولك:" إنني أطرح مفهوما منهجيا جديدا أدعوك إلى قراءته بتأن ونقده بعد ذلك."اهـ جديدك يا محمد قديم عندي، ولا تحسب أنك الوحبد المطلع على أفكار الغربيين، ولكن ربما تكون الوحيد من بيننا الذي لم يطلع على أفكار الإسلاميين؟؟؟؟!!!! لماذا.
    سادس عشر: قولك:" حقيقة أستغرب ، وأستغرب أكثر عندما أراكم تتشبثون بموقف منطقي أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه متجاوز الآن بعد التطورات المعرفية التي مست الفكر المنطقي والعلمي . فإذا لم يكن لكم تقدير لنقد بن تيمية ، وهو أمر يمكن أن يستساغ من قبل مفكر أشعري له مع بن تيمية خصومة، فعلى الأقل كان ينبغي أن يكون لديكم بعض من التقدير لنقد المتصوف السهروردي لمبحث الحد"اهـ
    لمعلوماتك أنا أخالف ابن تيمية لأنه يبني علومه كلها بشرط أن تكون الأمور التي يثبتها محسوسة أو يمكن أن يحس بها، وليس لأنه مجسم، فهو في فلسفته مقارب للمادية الحديثة ومقارب للرواقية التي تميل إليها أنت.
    وأما السهروردي فأنا أخالفه ليس لأنه صوفي، بل لأنه إشراقي أتعرف ما الإشراقية، والتعديلات التي يقترحها على المنطق والفلسفة إنما هي بحسب هذا الاتجاه الفلسفي وليس بسبب صوفيته.
    وأما قولك أن العلم تجاوز الموقف المنطقي القديم فهذا كلام لا طائل تحته، سمعناه من كثيرين، ولا يفيد شيئا، فلم نرَ منك حتى الآن ما يدعونا للتجاوز، بل ما رأينا إلا تخابطات. (أرجو أن لا تزعل من هذه الكلمات فأنت يصدر عنك قريب منها)
    والسؤال الآن: بعدما اتضح لك ما نعنيه بالحد للماهية، هل لك أن تعرف لنا ما الذي تقصد بالحد الماهوي؟؟ قبل أن أناقشك فيه.
    وعلى فكرة، إن السهروردي الذي نتكلم عنه وأعتقد أنك أيضا تتكلم عنه هو المقتول، وهو لم يكن يقول بالحلول، بل كان قريبا جدا من وحدة الوجود... فأرجو أن تتنبه لذلك.
    سابع عشر: وأما النقاش الذي تدعونا إليه في الماهية فبإمكانك أن تفتح رابطا خاصا في علم الكلام تحت هذا العنوان، وتفضل ادل بدلوك، وسوف أناقشك هناك.
    ثامن عشر: أنت عندما تكلمت أخيرا على الحد الماهوي، ربما تناسيت عمدا أن المناطقة الإسلاميين لا يشترطون في المعرفة حد الماهية، بل يعترفون أن كثيرا من التعريفات يكفي فيها التعريف بالحد الناقص وبالرسم، وأنهم أقاموا كثيرا من العلوم على هذه الأنواع بالإضافة إلى التعريف باللفظ. فأنا أسألك الآن لم هذا الهجوم والمبالغة على الحد التام، كأنك تريد أن تظهر مخالفة قائلا بأنه لا علم إلا بالحد التام، وأنت تزعم أن أرسطو يقول بذلك، ولو سلمنا لك ذلك، فأنت تعرف أننا لا نقول به، وقد قلنا لك ذلك أكثر من مرة، فجميع ما قلته حول المعرفة والخمسة والعشرين قرنا مجرد كلام خطابي لا يفيد في مقامنا، وكأنك تحسب نفسك تتكلم مع أرسطو الذي تتخيله في ذهنك، ونسيت أنك تتكلم مع متكلم أشعري يقول بالمنطق بحسب ما وضحه العلماء. وما كنت أتوقع منك أكثر من ذلك في الحقيقة!!! فلم أستغرب كثيرا مما قلتَه.... مع أنه غريب عن محل النزاع. فأرجو أن تلتزم بمحل النزاع ولا تكثر من الخطابيات.....
    تاسع عشر: وأخيرا أرجو منك أن لا تكثر من الدعوة إلى الترقي في لغة الخطاب والنقاش، فأنا أراك أنت من يحتاج إلى هذه الدعوة، فنحن لم نتجاوز حد النقاش، وأنت مع أنك لا تعلم حقيقة التعريفات التي نقول بها إلا أنك تقع في مغالطات كثيرة وضحت لك بعضها هنا وبعضها الآخر في غير هذا الموضع، وقد سألتك أسئلة لم تجب عليها حتى الآن، ومنها ما هو الدليل الذي من أجله منعت معرفة الفصل مطلقا، وأنت تقول بالجنس.... آه ... يبدو أنني نسي أنك حتى الجنس فأنت تقول به بتعريف آخر غير ما نقول به وأنك عندما تجيب على أسئلتي تجيب عليها بحسب المعنى الذي تقول به أنت، مع أنني كنت أسألك عن الرسم والجنس والفصل بحسب التعريف المقرر في كتبنا ولذلك كنت أطلب منك الرجوع إلى كتب المبتدئين في علم المنطق مثل السلم المنورق الذي قلت لنا إنه عندك، ومع أنك كنت تجيبني أولا بدون أن تبين لنا أن عندك تعريفات للجنس والفصل غير ما نتكلم عليه وغير ما هو مكتوب في كتب المنطق المتداولة، إلا أنك لم تقل ذلك.....
    وربما تتعجب الآن إن قلت لك إنني كنت أعرف من أول كلام لك أنك سوف تنتهي بأن تقول ما قلته أخيرا، لأنني أعرف منذ البداية أنك من المتأثرين بالطريقة الوضعية للمنطق والمدرسة الإسمية.
    وأرجو أن تعرف أن قولك مثلا:" الذين هم في أغلبهم يشمئزون من هذا الوهم المسمى بالحد الماهوي"، وكثير غيره مثل إنك لم تفهم ما أريده، وأنك تريد أن تنبهنا إلى ما اكتشفه المعاصرون والمحدثون في هذا العلم..... وغير ذلك ... كل هذا لا يليق أن توجهه إلينا..... ثم تستنكر علينا أن نخاطبك بنحو ذلك، مع أن الظاهر هو أنك لا تعرف كثيرا من مباحث المنطق عند الإسلاميين وهذا واضح جدا في نواحي كلامك....
    وعشرون: أما قولك"وأنا أستغرب حقيقة عندما أراكم يا شيخ سعيد تنظرون إلى إنكاري للماهية واعتباري للحد مجرد تمييز تعدون هذا القول منكرا من الأقوال لم يقل بها أحد ،وتعدونه غير مناسب أن يصدر ممن يشتغل بالمنطق !!"اهـ....
    أنت لم تفهم ما قلته لك، فها هو كلامي الذي نقلته أنت :"فقد عرفت أن مدلول الفصل انتزاع لمفهوم صفة ذاتية من ملاحظته لما في الخارج. فهو تعبير عن ما في الخارج، وليس ادعاءا لأن نفس مفهوم الحد التام أو الناقص هو موجود بنفس القدر المعبر عنه في الحد في الخارج. فهذا لا يقول به جماهير الإسلاميين، ولذلك لم يكن يجوز تنسبه إليهم أو تناقشنا فيه، لأننا اتفقنا أننا غير معنيين إلا بالكلام فيما وافق فيه الإسلاميون أرسطو. وهذا ليس منه، ولو كان فلا يتوقف الكلام في المسألة كما قلت لك سابقا على هذه الجهة.
    وتسميتك إياه تمييزا ليس إلا نزاعا في ألفاظ، وهو غير مناسب من واحد يناقش في المنطق والمعقولات."اهـ
    فأرجو أن تتأمله زيادة تأمل، لتعرف أنني لم أنكر عليك مجرد اعتبار الحد تمييزا، فهذا رأي معروف، فقد قال به بعض الإسلاميين، وبعض الفلاسفة اليونان، وكثير من المعاصرين، ولكنني أنكرت عليك نصبك النزاع في التسمية ووصف الحد بأنه للتمييز فقط، وذلك بعدما قلت أنت بناء على توضيح بلال لك أن ما نسميه ماهية إنما هو تجريدات ذهنية، فوافقته أنت في هذا ولكنك قلت إنه تمييز، وليس ماهويا بتعبيرك... ثم عدتَ أخيرا لتنكر التعريف الماهوي بحسب تعبيرك، وذلك بعدما أوضحنا لك ما يراد بهذا التعريف..... هذا كله غريب جدا فعلا أن يصدر من باحث في علم المنطق....
    كيف تستطيع أن تثبت لنا أننا لا نستطيع أن نعرف الصفات الذاتية المميزة لنوع عن آخر.....؟!!
    على كل حال فأنا فعلا لا أريد أن أكمل النقاش معك، وإن أحبَّ بلال ذلك فله ذلك.....لأن أسلوبك وطريقتك في الكلام وأسلوبك في التردد بين المعاني والتخلص من المآزق بطرق غير سليمة وعدم جوابك على الأسئلة وعدم التزامك بالمصطلحات المعروفة، ومجرد إلقائك للرأي ادعاء بدون دليل، ثم كما قلت لك ربما بعدما تتمكن من مصطلحات المناطقة الإسلاميين ومباحثهم أكمل معك..... وغير ذلك من الأمور، يمنعني من الكلام معك.....
    وما كتبت هذا الكلام السابق، مع انزعاجي من الكلام معك إلا كي لا تبقى ظانا نفسك مظلوما، أو أنني أقول الكلام بلا مستند..... أو غير ذلك....
    والسلام......[/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 12-02-2005 الساعة 12:47
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  9. شكرا للشيخين الفاضلين بلال و سعيد على تعقيبهما .. وأعتذر عن التأخير فللأسف حالت ظروف السفر دون تخصيص وقت كاف لمتابعة النت، وليس لدي اللحظة وقت يسمح بالتعقيب لذا سأرد غدا إن شاء الله.

  10. في أول مداخلته يقول الشيخ الفاضل سعيد :

    فأن تسميتك للرسم والتمثيل والمخالفة والخاصة واللفظي... باسم الحد غلط ظاهر، لأن الحد يطلق على ما يكون بالذاتيات، وأما الرسم فيطلق على ما يكون بها أو مع غيرها. فاستعمالك لهذا الاسم هنا ليدل على معنى لم يصطلح عليه عند أهل الفن، أحد أسباب اتباعي أسلوب السؤال والجواب معك. وهو يدل على أمور أخرى.
    ويؤسفني أن أقول إنني أرى في كلام الشيخ الفاضل لذوعية زائدة ، فتسميتي للتعاريف بالرسم والتمثيل والخاصة بكونها حدودا ليس غلطا كما تفضل ، بل هو وصف جائز بشرط أن يكون صاحب الوصف على وعي بأن المناطقة المشائيين لا يعتبرون إلا بالحد الماهوي ، وغيرها من الحدود هي عندهم ناقصة ولا تبلغ إلى الماهية .
    فهل كانت هذه الأضافة غائبة عني ؟ إنني في جميع مداخلاتي ، قلت وأكرر أن منطق المشائيين لا يعتد بغير الحد الماهوي. فكيف ينعتني الشيخ بالغلط في تسمية تلك التعاريف حدودا؟
    ثم بغض النظر عما سبق أتساءل : هل فعلا نعت هذه التعاريف بكونها حدودا غلط ظاهر كما يزعم الشيخ سعيد؟
    لن أجيب أنا إنما يكفيني أن أقتطف من الأمام الغزالي رحمه الله ومن كتابه المستصفى هذه الفقرة :
    يقول أبو حامد الغزالي :
    "واسم الحد في العادة قد يطلق على هذه الأوجه الثلاثة بالاشتراك ،فلنخترع لكل واحد إسما ، ولنسم الأول حدا لفظيا ... ولنسم الثاني حدا رسميا ... ولنسم الثالث حدا حقيقيا"
    "المستصفى من علم الاصول" مؤسسة الرسالة ، دار إحياء التراث ، بيروت ص 12.


    ثم قال الشيخ الفاضل سعيد :
    فعرفنا حينذاك فقط أنك إنما تنكر الفصل فقط ولا تنكر الحد التام. وإنكارك للفصل معناه إنكارك للحد التام والناقص، وهذا ما لم تصرح به لأمر أو آخر أول كلامك. بل عرفناه عن طريق السؤال والجواب معك. ثم أعلنته لاحقا.
    وهذا فيه ما فيه.
    منذ البداية كنت أقول وأكرر تجاه الأسئلة الجزئية التي تفضلت بطرحها أنها ليس مما يجاب عليه بلا أو نعم ،بل تحتاج إلى توسعة لبيان وجهة نظري . بل حتى أول جوابي على أول سؤال لكم قلت إن موقفي هو نعم وأكثر ثم دعوتكم لبحث في مسألة الماهية .

    تأمل هذه الفقرة أنقلها لك من كلامي في رأس الصفحة الثانية من هذا الحوار

    قلتم حفظكم الله:

    هل تقول بالصفات الداخلة في الماهية (الذاتية) والصفات الخارجة عنها لازمة وعارضة.

    أجل أقول بهذا .
    ولكني أقول بأكثر منه .. وإذا رأيتم أن نفتح موضوع مستقلا نسميه مبحث الماهية أنا على استعداد.
    تأمل قولي السابق
    ويضيف :
    ثم لما بينت لنا السبب في إنكارك للفصل، قلت بالنص:" أقصد به أنني أنكر إمكانية معرفة الفصل بمدلوله عند المناطقة وأقول بأن ما يعتقده المناطقة فصلا قائما على صفة ماهوية أراه تمييزا ناتجا عن تجريد"اهـ
    وهذا الكلام يعني إن ما يمسه المناطقة فصلا، تسميه أنت تمييزا، لا أكثر ولا أقل. وهذا خلاف لفظي فقط لا قيمة تحته. ومخالفة الاصطلاح بلا مسوغ معنوي يوجب ذلك عيب.
    إن مخالفة الاصطلاح ليس مجرد إطلاق للكلام على عواهنه بل راجع إلى مسوغات ومبررات معرفية. كما أنها مخالفة واعية قال بها المناطقة الناقدين للتقليد المشائي. ويكفي أن أذكرك بنقد بن تيمية للفصل في مبحث الحد ، ونقد السهروردي وستيوارت مل وغيرهم. فأنا أنكر الفصل وأسمي ما يصل إليه المناطقة تمييزا ، لأننيلا أرى إمكان بلوغ الماهية .

    هل كنت في هذا الموقف مجرد رجل جاهل يهرف بالكلام ، أم هو تصور له تاريخ ومرجعيات أصولية و فلسفية ؟
    هل قولي بأنني أقبل بأن يكون الحد مابه يتميز الشيء عن غيره ، ولا أقبل به على زعم كونه يعرض ماهية الشيء ، قول مخالف يدل على الجهل والغلط كما يقول الشيخ سعيد ؟
    إنني أحيل الشيخ سعيد على كتاب البحر المحيط للزركشي وانقل من مقدماته هذا التعريف الدقيق للفظ الحد والذي يعرض فيه الزركشي للخلاف في الموقف من الحد وهو الخلاف الذي سيخلص إلى اختلاف في تعريف معناه :

    يقول الزركشي :
    "الحد النظر في حقيقته وأقسامه وشروط صحته [ حقيقة الحد ] أما حقيقته : فالقول الدال على ماهية الشيء . وقيل : خاصية الشيء على الخلاف في تفسير ما هو الغرض بالحد ؟ . هل حصر الذاتيات أو مجرد التمييز كيف اتفق ؟ أو الشرط أن يكون لوصف خاص ؟ وهو يرجع إلى وصف المحدود دون قول الواصف الحاد عند معظم المحققين ، كما قال الإمام في " التلخيص " وتبعه ابن القشيري وقال : إنه قول معظم أئمتنا . وقال القاضي : يرجع إلى قول الواصف ، وهو عنده القول المفسر لاسم المحدود وصفته على وجه يخصه ويحصره . فلا يدخل فيه ما ليس منه ، ولا يخرج منه ما هو منه . قال الإمام : وهو منفرد بذلك من بين أصحابه . وقال الأستاذ أبو منصور : الحد والحقيقة عندنا بمعنى ؛ لأن حقيقة الشيء مانعة له من الالتباس بغيره ناطقة بما ليس منه من الدخول في حكمه ، وقالت الفلاسفة : هو الجواب الصحيح في سؤال ما هو ؟ إذا أحاط بالمسئول عنه ، وهذا خطأ ؛ لأن الحد قد يذكر ابتداء من غير تقدم سؤال . والصحيح عندنا : أن حد الشيء : معناه الذي لأجله استحق الوصف المقصود بالذكر ، وتسمية العبارة عن الحد مجاز ، ومعنى الحقيقة والحد واحد إلا أن لفظ الحقيقة يستعمل في القديم والمحدث والجسم والعرض ، ولفظ الحد يغلب استعماله في الحجة ."

    في هذا النص يكشف الزركشي على أن التعريف الحدي ليس هو التعريف بالذاتيات ، بل هو أيضا عند كثير من العلماء تعريف لفظي . بل هو الموقف الذي يذهب إليه الزركشي.أنظر كلامه بعد قوله "والصحيح عندنا".

    ويقول سامي النشار :" أما الأصوليون فالبعض منهم أنكروا أن يتكون الحد من أي نوع من أنواع الماهيات وهؤلاء يكاد يكون الحد عندهم لفظيا بحتا ،فيميز المحدود عن غيره بدون تقيد بفكرة الذاتيات أو العرضيات" ص 84

    فموقفي إذن لم يكن بدعا من الآراء بل هو يعبر عن منزع فكري موجود عند علمائنا في القديم .


    أما قولكم يا شيخ سعيد :
    ومن قال لك أن ما نسميه صفات سواء كانت فصولا أو أجناسا قريبة أو بعيدة، ليست تجريدات ذهنية مما في الخارج؟؟ لا أعرف من أين أتيت بهذا. وهل تحسب أن المناطقة الإسلاميين وخاصة الأشاعرة قائلون بوجود الماهية بذاتها في الخارج؟؟
    وأعقب بسؤال : أين قلت بأن الأشاعرة يقولون بوجود الماهيات في الخارج؟

    ثم يقول :
    ثم إن وجود الماهية لا مدخلية له في هذه المسألة كما قلت لك أكثر من مرة.
    وأكرر أن له علاقة أوضحتها من قبل . فرفضي لموقف أفلاطون لوجود الماهيات مفارقة ، أو رفضي لموقف فلسفي يوناني آخر يقول بوجودها في الخارج .. هو تعبير عن موقف معارض لميتافزيقا يونانية تقول بالماهيات ونسبة القدم والخلود والثبات لها ، وهي فكرة لا تخفى عليك وثنيتها يا شيخ سعيد. وأرى أن وقوف علماء الاسلام ومنهم بن تيمية ضد وجود الماهيات وإنكارهم للحد الماهوي يرجع في العمق إلى هذا الموقف من الالاهيات اليونانية . ومن هنا أرى موقف بن تيمية أدق وأكثر انسجاما مع الاسلام من موقف إمامنا أبي حامد الغزالي.
    هذا هو المرمى البعيد الذي كنت أشير إليه بسؤالي عن موقفكم من الماهية .

    لذا أجد نفسي لا تقتنع بقولكم
    لا مدخلية لأنكار الوجود الخارجي للماهيات ببحثنا وإنكاري للحد بالماهية القائم على الجنس والفصل :

    أرجو أن تنصت إلى هذه الفقرة من كتاب النشار وهو - بالمناسبة -مفكر أشعري حيث سيتضح لكم مدخلية نقاش الماهيات بالحدود المنطقية :

    "ولكن أي النتائج ستنتج عن إنكار الكليات الخارجية ؟
    سينتج عن هذا إنكار الحد الأرسططاليسي القائم على الكليين : الجنس والفصل." النشار "مناهج البحث عند مفكري الاسلام " دار المعارف الطبعة الرابعة 1978ص 49

    إذن للأمر مدخلية مباشرة وليس كما تفضلت يا شيخ سعيد.

    أما قولك :

    ومجرد اختلاف البشر في تفكيرهم ليس ذليلا على أن ما قطع به بعضهم ليس مطابقا للواقع، فهذا استدلال مغالطي يعتمد على اشتراط الإجماع والاتفاق لمعرفة القطع واليقين، والصحيح أن الاستدلال بالاتفاق والإجماع طردي فقط لا عكسي، أي إذا وقع إجماع فهناك قطع، ولكن لا يقال لا قطع ولا يقين إلا بإجماع. والقائل بذلك غافل.
    قول جيد وأنا متفق معك فيه ، ولا أراني قلت بعكسه. إنما أشرت إلى اختلاف في تعاريف الأنسان للأشارة إلى أن حتى التعريف الشائع المكررعلى كل لسان عن ماهية الانسان ليس عليه إجماع . وذلك تنبيها إلى أن الحدود الماهوية ليست بتلك الطبيعة اليقينية الثابتة التي لا خلاف حولها.
    أجل مسألة الخلاف وعدم الاتفاق ليست دليلا يقطع بخطأ الفكرة المختلف حولها ، ولكن استحضارها هنا يفيد في تنبيهنا إلى هشاشة الحد الماهوي أولا .
    ثم ثانيا :إنه حد قليل نادر يعسر إيجاده - وبالمناسبة إن ندرة الحد يقول بها حتى بن سينا.
    ثم ثالثا: إن العلوم في تطورها أثمرت معارف ونتائج هائلة لكن دون استعمال للحدود الماهوية و لا حتى أدنى اهتمام بها - أرجو مراجعة موقف أوجست كونت وحرصه على رفض الماهية .

    . أنت قلت:" ، والعجيب أنهم يرونها تحديدات ماهوية أفضل من التعريف الشائع "حيوان ناطق"اهـ،ومع أني لا أرى داعيا للعجب، إلا أنني أسألك هل تستطيع أن تبين لنا وجه الأفضلية. هنا. وهل التدين أو التخلق أوغير ذلك.... هو المحقق للإنسان، أي إن من لا يكون متدينا لا يكون إنسانا. ألا ترى أنك ستكون مضطرا لبحث مفهوم التدين الذي لا يكون الإنسان إنسانا إلا به بعد ذلك. ما هو القدر من الدين الذي به يتحقق كون الموجود إنسانا.
    ليس قصدي هو مناقشة تعريف الأنسان إنما قلت عن هؤلاء إنهم يعرفونه بغير التعريف الماهوي المعروف والشائع .أما دليلهم عن أن هذه التعاريف أفضل من تعريف الانسان بكونه حيوانا عاقلا ، فيكفي أن أشير هنا إلى أبحاث سيكولوجية تتعلق بذكاء الحيوان والتي انتهت إلى اعتبار أن الانسان لا يفترق عن الحيوان بالعقل بل فقط بدرجة فيه . أي أن الفارق ليس عدم وجود العقل عند الحيوان بل فقط في درجة التعقيل يجعل الانسان أعقل من الحيوان ومن ثم لا يكون العقل فصلا ماهويا.
    بينما تعريف الأنسان بكونه متخلقا فهو فارق عند بعضهم . لأن الانسان هو الوحيد من الكائنات الحيوانية يحس بمسؤولية سلوكه.
    و لا أعتبر بموقف هؤلاء ولا أولئك بل جميع التعاريف عندي تدرج ضمن التمييز لا ضمن الحد بالماهية.



    ذكرك لقول أفلاطون: "هناك في الفلسفة الأفلاطونية موقف مخالف لما سبق أن ذكرته يا شيخ بلال ، وهي ان الماهيات لها وجود عيني لكن في عالم مفارق هو عالم المثل . وأن النفس تتذكر هذه الماهيات لسابق عيشها في عالم المثل ."اهـ، لا داعي له، لأنك يجب أن تعلم أن الرد على أفلاطون صار معلوما عند المتكلمين بحيث صاروا يدرجون رأيه والرد عليه في متونهم المعتمدة، كالطوالع وغيرها، وإذا وصل الأمر إلى هذا فهو دليل على انتهائهم من بحثه.
    سيدي سعيد حفظه الله دعني أقول كلمة قد لا تعجبك ، لكني مضطر لقولها وهي انه إن كان علماؤنا قد انتهوا من بحث أفلاطون فذاك شأنهم ، اما في تقديري أنا فليس ثمة فلسفة ينتهى من بحثها ، وبخصوص أفلاطون يكفي أن أشير هنا إلى أبحاث كويري التي فتحت نقاشا جادا وجديدا في شأن الفكر الأفلاطوني ، بل حتى في البحث المنطقي أشير إلى أبحاث إدموند هوسرل مؤسس الفلسفة الفينومنيولوجية في كتابه "أبحاث منطقية " الذي كان أفلاطونيا في نظرته إلى الماهية ، بل إن نقد هيدغر لهوسرل لاحقا سيكون بالضبط نقدا لتراجعه عن موقفه الأفلاطوني الذي عبر عنه في كتابه "أبحاث منطقية". فالأفلاطونية إذن ذات قيمة وتحتاج منا إلى معاودة نظر وتفكير على الأقل لفهم بعض التطورات المعرفية في فلسفات الغرب المعاصرة.
    ولست أقول هذا كدعوة لاتباع وتقليد افلاطون ،فأنا رجل مسلم لا يتبع أي فلسفة من الفلسفات إنما أقول ذلك تقديرا للفكر ودعوة إلى الاستفادة منه لا تقليده.

    عاشرا: قولك : "أولا أعجب من قول الشيخ سعيد
    كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك
    لماذا أعجب ، لأن الصحيح خلاف ما تقول ياشيخ ،فليس كل من قال بوجود الماهية قال بوجودها ذهنا . ويكفيني هنا أن أحيلك على كتاب نقد العقل الخالص عند كانط ،حيث ينتهي فيلسوف نقد العقل إلى التمييز بين الماهية (أي الشيء في ذاته) أو بلغة كانط النومين ، وبين التمثل الذهني لها"اهـ
    أيضا استمرار في الغلط بسبب عدم معرفتك لمعاني مصطلحات القوم الذين نصبت نفسك لنقد ما يقولون.
    فمفهوم وجود الماهية في الخارج، يراد به أن نفس الماهية موجودة في الخارج.
    وأما من اعترف بالشيء في ذاته، فلا يلزمه القول بوجود الماهية خارجا، بل يكفيه القول بصدق التجريد الذهني الذي نسميه الماهية عليه، دون القول بوجودها خارجا.
    والأشاعرة يقولون بالشيء في نفسه، ولا يقولون بالماهية الخارجية، بل يقولون إنها صادقة على ما في الخارج، لا موجودة فيه.
    فاعتراضك عليَّ وجزمك بقولك غلط محض، يشابه في تمحضه حقية العقل المحض الذي نفى إيمانويل كانت إمكانية توصله إلى إقامة الدليل على وجود الله تعالى، وهو يشترك معك في الغلط بهذا القول اشتراكا محضا أيضا.
    وهل يمكنك أن تبرهن أن إيمانويل كانت يقول بوجود الماهيات أنفسها في الخارج على ما بينته لك سابقا؟؟
    حقيقة لم أفهم ما تريده من هذا الرد ، لذا دعني أذكركم بأن كلامي كان تعقيبا على قولكم التالي :

    كل من قال بوجود الماهية في الخارج قال بوجودها ذهنا. ولهذا فأنا لم أهتم كثيرا بإجابتك
    فتعقيبا على كلامكم هذا أعطيتك مثالا واضحا جليا عن فيلسوف يقول بوجود الماهية في الخارج وهو كانط ، لكنه مع قوله هذا لا يقول بوجودها ذهنا . لأن التركيب المقولي للعقل يجعله محدودا بحدود الظاهر ولا يتجاوزه إلى النومين.


    أما قولكم :

    لم أنكر عليك مجرد اعتبار الحد تمييزا، فهذا رأي معروف، فقد قال به بعض الإسلاميين، وبعض الفلاسفة اليونان، وكثير من المعاصرين، ولكنني أنكرت عليك نصبك النزاع في التسمية ووصف الحد بأنه للتمييز فقط،
    أصف الحد بكونه تمييزا فقط لسابق ما أوضحته من أسباب أهمها عدم إمكان بلوغ الفصل ، أي عدم إمكان تحديد الماهية. فهل كنت في هذا أقول بأمر عجب ؟
    هذا ما قاله جميع من أنكروا الحد بالخاصة بدءا من منطق الرواق وإلى بن تيمية ، وانتهاء بجون ستيوارت مل ومن قبله أوجست كونت.
    فلم العجب والاستنكار يا شيخ ؟
    موقفي هذا قلته وأكرره وهو ما جعلني أرفض نظرية الحد عند أرسطو الذي يرى أن الحد بتمييز المحدود عن غيره دون ذكر حقيقته الماهوية أي الفصل تعريفا مخلا . وهذا التصور الخاطئ سينتقل إلى إمام الحرمين للأسف ، حيث نجده يرفض الحد الأصولي ، وذلك بسبب تشبثه بالحد بمدلوله الأرسطي.
    لكن إذا كنتم لا تسلكون مسلك إمام الحرمين وتقولون بغيرالحد الماهوي من الحدود ، بل تذهبون مذهبا أبلغ في مخالفة أرسطو وهو ما عبر عنه الشيخ بلال ، فأجدني موافقا لموقفكما .
    ومذهب الشيخ بلال هو ما سأعرضه بعد قليل .

  11. حتى لا أكرر ما قلته في سياق تعقيبي على الشيخ سعيد أرى أن نستفيد من مداخلة الشيخ بلال لتطوير حوارنا ودفعه إلى أمام . وحتى لا نبقى جامدين في مسألة الحد ، أقتطف هذه الفقرة الهامة من كلام الشيخ حفظه الله :

    ولا أحد منا يقول إنّ هذه الصورة العقليّة الثابتة هي عين ذلك الشيء المحكوم عليه في الواقع، ولا أنّها تعبّر عن حقيقة الشيء كما هي ثابتة في علم الله تعالى. ولكن ثبات هذه الصورة دليل على ثبات حقيقة ما للمعرَّف هي الحقيقة كما هي في علم الله تعالى. والصورة العقليّة هي ما نسمّيها حقيقة الشيء، وندّعي ثباتها، وإمكان معرفتها. ولذلك تجد في متوننا قول العلماء: (حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقّق خلافاً للسفسطائيّة) أي أنه للأشياء حقائق ثابتة يمكن للعقل بلوغها، بما هو عقل مخلوق ومحدود ومشروط تعقّله بالحواس. ولا نعني بهذه الحقائق نفس تلك الحقائق كما هي ثابتة في علم الله تعالى. بل نعني بها لوازم لتلك الحقائق يمكن للعقل أن يتبيّنها.

    والسؤال الآن، هل يمكن للإنسان بأسباب معرفته العاديّة أن يعرف تلك الحقيقة التي تتكلّم عنها أنت وتسمّيها ماهيّة أي هل يمكته أن يعرف حقيقة الأشياء كما هي ثابتة في علم الله تعالى أو لا؟

    أنا وأنت متّفقون على أنه ليس بوسعه ذلك.
    .


    إذن لنخطو خطوة جديدة في سياق حوارنا . وأسأل الشيخ بلال والشيخ سعيد حفظهما الله:
    ما هي الوحدة الأولى في عملية التفكير عندكم هل هي التصور أم الحكم؟
    بالنسبة لموقفي أنا أرى أن التصور ليس هو الوحدة الأولى في عملية التفكير على عكس ما يقول به المناطقة المشائيون - وعلى عكس ما يقول به صاحب السلم أيضا ...- بل أرى أن الوحدة الأولى هي الحكم لا التصور.أنتظر ردكم في الموضوع لنناقش هل ثمة أسبقية للتصور أم للحكم؟

  12. استمرارا في عرض موقفي وإيضاحه ، حتى لا يحدث التباس في الدلالات كما حصل من قبل أحرر ما يلي :
    هناك ترتيب شائع في كتب المناطقة يجعلون التصور سابقا على التصديق. وعلى أساس هذا الترتيب تنتظم كثير من كتب المنطق .
    لكن عند بحث التصور نلاحظ أنه تصديق لا مجرد تصور بمدلوله كإدراك ساذج.
    من هنا يجب الوقوف عند تحليل العملية الفكرية الأولى لنتحقق من طبيعتها هل هي تصور أم حكم؟

  13. [ALIGN=JUSTIFY]الأخ محمد سلام،
    في الحقيقة كنت لا أريد أن أكمل معك، لما ذكرته لك سابقا. ولكني عندما راجعت قراءة ما قلته في تعليقك الأخير، رأيت فيك صفات حسنة تدفعني إلى التجربة والإكمال معك، وهذه الصفات هي أدبك الملاحظ، وثقتك بنفسك. وإن كان لي ولا يزال اعتراض على طريقة فهمك لبعض المسائل، وعدم خبرتك بالإشكالات والمسائل الكلامية ومع ذلك فأنت تتصدى لاتخاذ موقف منها. ولكن هذا الأمر رأيت أن لا يكون مانعا من التواصل معك، ما دمت أشعر منك ما ذكرت سابقا.
    ولذلك أذكر لك هذه الملاحظات. وأترك لك المجال لتختار ما تريد من طريقة وحيثية الكلام في الموضوع الذي تحبه.
    وأنا إذ أقول هذا الكلام لا أقوله إلا بصدق يعبر عما في داخلي تجاهك.
    أولا: لاحظ أن الغزالي لم يكتف بتسمية الرسم حدا فقط، كما فعلت أنت، بل حدا رسميا، وحدا لفظيا، وحدا حقيقيا، فوصف الحد بأنه رسمي ووصف الحد بأنه لفظي، وهكذا إضارة إلى أن هذا خلاف المعروف من الاصطلاح عند المنطقيين. وهو قد نص على هذا في نفس الفقرة التي استشهدت أنت بها، فقال "اسم الحد قد يطلق على هذه الأوجه الثلاثة بالاشتراك"اهـ، وقوله بالاشتراك أي مع اختلاف الحقائق الدال عليها كل إطلاق. وأنت عندما أطلقت ذلك لم تقل باختلاف الحقائق الدال عليها.
    فلا يصح لك الاستشهاد بقول الغزالي.
    ثم لا تنس أنك عندما تتكلم في نقض المنطق المعروف فيحسن بك الالتزام بمصطلحاته المعلوفة المتداولة لكي تستطيع أن توصل ما تريد إلى خصومك، ولا يحسن بك أن تستعملها في غير ما تعورف، فإن هذا مخالف للحكمة إن لم يكن عن عدم دراية.
    ثانيا: يا أخي العزيز، عندما تريد أن تنقض مفهوم الحد، ولاحظ أنني أستخدم الحد هنا بالمعنى المصطلح عليه عند المناطقة، أقول عندما تريد نقض صدق مفهومه، فلا يحسن بك أن تستعمل هذا اللفظ في غير مفهومه الموضوع له عندهم. ولا يبرر هذا اعتقادك لعدم صدقه على شيء أو عدم فائدته. ولا يفيدك أن ابن تيمية أو غيره خالف فيه، لأنك ما زلت في طور إثبات مدعاك وهو عدم فائدة الحد أو عدم إمكان معرفته، أو عدم وجود مصداق له، مهما كان أمرك، فيجب عليك أولا أن تثبت ذلك، وفي هذه الأثناء يا عزيزي، عليك أن تلتزم بمصطلحات القوم.
    ثالثا: أما استشهادك بكلام الزركشي فلا ينفعك وليس في صالحك، ألا ترى إلى قوله، في نفس النص الذي نقلته عنه"ومعنى الحقيقة والحد واحد" اهـ، فهل ترى الحقيقة ليست تطلق على الذاتيات، كما تزعم.
    رابعا: وما نقلته عن النشار، يفيد أن بعض الأصوليين لم يقيد الحد بكونه من الذاتيات فقط. ولا يفيد أن كلهم قال بذلك، ثم ذلك البعض لم يخرج الذاتيات من الحد، ولم يقل إن الحد فقط للتمييز. كما تقول أنت.
    وعلى كل حال فإن كتاب النشار لنا عليه تعليقات وانتقادات أرجو أن أتمكن من تدوينها ونشرها في هذا المنتدى، وهذا الكتاب كان قد كتبه في بداية تكوينه العلمي، ولم يكن قد اختمر عنده فكر أهل السنة كما ظهر لاحقا في كتابه العظيم الفائدة نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام.
    رابعا: أما كلامك عن الماهية وعند عدم اقتناعك بما قلته من أن وجودها ككلي في الخارج أو عدم وجودها لا يؤثر على مفهوم الحد. فهو دليل بالنسبة لي علىعدم وعيك بالضبط لهذه المسألة ، واسمح لي أن أقول ذلك، وأرجئ الكلام فيها إلى محل آخر نفتح فيه الكلام عن الماهية ووجودها الخارجي وما معناه، وحينذاك فسوف تعرف بالضبط ما أقوله.
    وكما قلت لك فإن كلام النشار الذي استشهدت به هو أيضا غير صحيح، ويدل على عدم تمكنه أيضا من مفهوم هذه المسألة. ولا تستغرب ذلك فقد كتب هذا الكتاب الذي تنقل منه حال دراسته.
    أرجو أن لا تتضايق من هذا الكلام.
    خامسا: أما قولك "حقيقة لم أفهم ما تريده من هذا الرد"اهـ فهذا دليل آخر على عدم وعيك –لا أقول فهمك لئلا تغضب- لمسألة وجود الماهية في الخارج.
    سادسا: قولك:" موقفي هذا قلته وأكرره وهو ما جعلني أرفض نظرية الحد عند أرسطو الذي يرى أن الحد بتمييز المحدود عن غيره دون ذكر حقيقته الماهوية أي الفصل تعريفا مخلا"اهـ، أريد أن أقول لك فقط: إن الحقيقة الماهوية ليست هي الفصل بل الأمر المركب من الجنس والفصل، ولعلك بهذا تعرف لماذا اعترضت عليك عندما أنكرت الفصل ولم تنكر الجنس.
    والله الموفق[/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  14. مرحبا شيخ سعيد

    لنتابع نقاشنا في شأن المنطق.. لكن دعني أرتب للأمور على نحو يفيد في وضع محاورة أخوية..
    أنا قلت ما عندي في شأن مبحث الحد.. وقلتم أنتم رأيكم.. وليس من اللازم أن يقتنع أحد منا بالآخر ، بل المفيد أيضا أن تعرض وجهات النظر المتباينة ،ففي ذلك إثراء للمنتدى ولقرائه.. وذاك أفيد من عرض وجهة نظر واحدة.
    بالنسبة لقول الغزالي عند تعبيره عن الحد الرسمي لا قوله الحد بالرسم كما قلت أنا ،فبإمكاني أن آتي من كتب المناطقة بتعبير الحد بالرسم والحد اللفظي وغيرها.. أما كون الغزالي مصيبا في قوله وأنا مخطئ لأنه قال -يطلق الحد بالإشتراك- فأنا أيضا منذ أول محاوراتي معكم أشرت إلى أن المناطقة لا يعدون الحد حقيقة إلا الحد بالماهية. كما اشرت إلى أن غيره هي صيغ تعريفية محتقرة من قبلهم.. فالأمر إذن لم يكن جهلا بشأن مكانة الحد بالماهية عند المناطقة ..

    لكن كما تفضلتم بالقول يجب إفراد مفهوم الماهية بموضوع مستقل ، فتفضل بفتح الموضوع لنتحاور فيه إن شاء الله.

    متابعة لحوارنا في المنطق قلت من قبل إن ترتيب العملية الفكرية في كتب المنطق هي تصور ثم تصديق . وأن الحكم لا يكون إلا بعد التصور.
    رأيي هو أنه يصعب علي استيعاب وجود تصور بالحد - بمعناه عند المناطقة كحد بالماهية- دون حكم.
    فما رأيكم؟

  15. للرفع في انتظار جواب الشيخ سعيد

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •