صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 34

الموضوع: الرد على عدنان إبراهيم في بعض المسائل

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117

    الرد على عدنان إبراهيم في بعض المسائل

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واستنّ بسنته إلى يوم الدّين.


    وبعد، فقد وقفت على عدد من مقاطع الفيديو للدكتور عدنان إبراهيم من خطب ومحاضرات ولقاءات، فوجدته يشتط في تصوراته وتخيلاته، ويتجاوز حدود المتعالَم المألوف، كثير الكلام كثير السقط، ولا يجري بحثه وكلامه على عرف أهل العلم وأدبهم في النظر، ويقتطع الكلام من سياقاته حين يوقع استدلالته، فيقع كلامه شاذاً منكراً بلا وجه ولا قفا.


    وهكذا هو كلام المولعين بالإغراب، وأهل الاستعراض، يريد الواحد أن يبدو كأنه لا يوجد مثله إلا في الشاذ النادر، وفي دهر مديد بين أمة جمة العدد؛ فهو الفائق في كل شيء، والبائن من كل صنف، العزيز في هذا العالم، المتكلم بالإعراب والصحة، قارئ القرآن المتقن، والعالم الموسوعيّ الجامع، والجاري على السليقة الحميدة والضريبة السليمة. فإن حضر، فماذا تفعل معه إلا أن تقلده وتأخذ عنه وتتبعه! ولذلك وجدنا ممن انطلى عليه ذلك من يعلّق على بعض خطبه بالقول: "هذا هو الشيخ الذي كنت أبحث عنه طول حياتي!". فحسبنا الله ونعم الوكيل.

    وإن النكير على هذا الإنسان وأمثاله واجب من كلّ صاحب كلمة مسموعة. وإن كان منهم من لا يملك من النكير عليه إلا التحلّم والاصطبار على جهله، فليحذر أن يأتي زمان يقال فيه: إنْ تركُ النكير عليه إلا دليل الرضا بمقالاته.


    وإن شاء الله تعالى سأقوم بمناقشة بعض شذّ فيه من مقالات، أنشرها تباعاً بحسب ما ييسر الله تعالى لي من وقت وهمة، وأرجو أن نجد من عدنان أذناً صاغية، ولا نجد منه صدوداً وإعراضاً وزيادة في التعنّت.

    المسألة الأولى


    وسأبدأ بهذا الرابط: http://www.youtube.com/watch?v=kE0ugiGlTZ4

    الذي يحوي كلمة لعدنان إبراهيم، تعجبت لما جاء فيها غاية العجب، قال: (الآية 62 من سورة البقرة: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" أنا أقول لك ليست الآية الثانية والستين فقط بل هناك آية نظيرتها في سورة المائدة "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" لكن الفرق فيها أن "الصابئون" مرفوعة على الاستئناف، هذا من باب كسر أو لحن الإعراب، نفس الآية. أعجب من هذا -أيضاً- قوله تبارك وتعالى: "لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ" أهل الكتاب ليسوا سواء، انتبه لا تقل لي أهل الكتاب الذين أسلموا، هذا كلام فارغ، وتحميل للقرآن ما لا تحتمله اللغة؛ الله يقول من أهل الكتاب تحدث عنه ونعت له بوصفه كتابياً؛ ما انتهى إليه اجتهادي في هذه المسألة المشكلة جداً، وطبعاً أنا أعلم أنّ هذا الاجتهاد حقيق أن أكفّر عليه وبسببه من كثير من المسلمين الذين ينتظرون فرصة كهذه، لكن باختصار الذي بان لي أن الكتابي يهودياً أو نصرانياً ليس ملزماً بأكثر من أن يقر بنبوّة محمد، يقول نعم هذا نبي، ولكنه ليس ملزماً بأن يتّبعه، وأن يتديّن بشرعه؛ لأنه إن آمن بأنه نبي ورسول، فإنه مخيّر بعد ذلك أن يقيم كتابه لكن أن يقيم كتابه، "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ" لا تقل لي القرآن، الله قال ما أنزل إليكم، في آية أخرى يقول أنزل إلينا وأنزل إليكم، إياك أن تخلط وتقول لي آه معناه أنزل إليكم القرآن، هذا كلام فارغ، أنزل إليكم وليس أنزل إلينا، آه إذا آمن الكتابي بمحمد في هذا فلا يعتبر كافراً بمحمد لكنه ليس ملزماً بالاتباع، إن اتبعه فله أجران، النبي يقول: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي" والمعنى أنه إن لم يؤمن بي لكن لم يكفر، لم يتبعني ولم يكفر فله أجر واحد، لكن إن كفر بمحمد وجدّف على محمد واعتبره مهرطقاً وكذاباً، شرع محمد يقول إنه قد كفر بما أنزل الله، لأنّ الذي أنزل ما أتى به محمد هو الذي أنزل التوراة والإنجيل، ومحمد عرض لنا خطّته المليّة على هذا الأساس، يقول: أنا مجرّد حلقة وإن تكن أخيرة في سلسلة ممتدة، سبقني فيها عيسى الذي سبقه بدوره موسى، وسبقهم أبوهم وشيخهم إبراهيم الموحّد العظيم، وهكذا نوح إلى آدم أبو الأنبياء وأبو البشر، النبي يقول: "الأنبياء أولاد لعلات أو إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد"، الدين هو التوحيد وهو دين سماوي واحد، أما الشرائع، هذا حلال وهذا حرام فتختلف، ولا بأس أن تختلف، ولكن بشرط كما قلت، طبعاً هنا سأذكر ما انتهت إليه الكنيسة الكاثوليكيّة ممثلة بالفاتيكان في الستينيّات -كما تعلمون- بعد ثلاث سنوات من البحث والمدارسة -أيها الإخوة- انتهوا بحمد الله –وينبغي علينا كمسلمين أن نعرف هذا- إلى أنّ الخلاص (salvation) ممكن خارج الكنيسة وممكن في الإسلام، انتهت الكنيسة الكاثوليكية في روما أنّ المسلم الذي يتبع دينه ويتقي الله يمكن أن يكون مخلّصاً إن شاء الله وأن ينجو وأن يكون من المهتدين، ونحن كمسلمين من باب معاودة النظر بعض قطعيّاتنا وثوابتنا، علينا أن نعيد قراءة القرآن بدقّة، انتبهوا، ولا أن –يعني- يصرفنا عن ذلك أحاديث آحاد أيها الإخوة ظنيّة، يراد منها أن نقرر مفاهيم أخرى وعقائد أخرى، القرآن واضح جداً يقول "ليسوا سواء" يقول "أولئك من الصالحين"، يقول: "وما يفعلوا من خير فلن يكفروه"، يقول: "فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، ولا داعي للتأويلات التي لا يقوم عليها دليل، والله تبارك وتعالى أعلم، هذا قصارى إيش ما يمكن أن يلخّص في هذا الميدان، وهو قابل للنقاش، كما قلت لكم، والله تبارك وتعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل) اهـ


    انتهت كلمته بحروفها فعلا التصفيق من الحاضرين ولا أدري على أيّ خيبة!

    عجباً، أهكذا يقرأ القرآن يا عدنان! أما تتقي الله تعالى في نفسك! وفيمن يصفّقون لك!

    ويحه لو أنه استعمل ما أنعم الله عليه به من عقل في تفهم كلام العلماء من المفسرين وأهل الأصول، والبناء عليه لكان خيراً له وللناس، بدلاً من هدمه، وتجاوزه على هذه الصورة، كأنه غير موجود أصلاً.
    أهذه هي البطولة يا عدنان!؟ أهكذا هو المنهج الصحيح في النقد والتنقيح، ومراجعة ما قالته العلماء.

    طالب العلم الشريف، طالب الحق، الباحث عنه، من يطلب بعلمه الله جلّ وعزّ، هو من ينظر فيما قاله العلماء في المسألة، ويحسن فهمه، ويقرره على أحسن الوجوه، ويقويه بأحسن الأدلة، قبل أن يقول فيه قولاً، فإن وجد بعد ذلك فيه نقصاً تممه، أو خطأ نبه عليه وبيّن وجهه وصوّبه. ومن يدّعي أنّه أتى بما لم تأت به الأوائل، ويريد أن يردّ على العلماء ويأتي بقول جديد ينافي أقوالهم، فعليه أولاً أن يناقش تلك الأقوال ويبيّن خطأها بالأدلّة، لا أن يلقي كلامه على الخلق غير ملتفت إلى قول أحد، كأنّ أقوال الأئمة السابقين غير موجودة أصلاً. والله لقد رأينا من كرم أخلاق العلماء في تناولهم لمقالات من سبقهم من العلماء العجب، ثمّ ها نحن اليوم نرى من سوء أخلاق من يدّعي العلم العجب!

    إن من لا يستشيرون بعالم، ولا يستفتون فاضلاً، بل مفزعهم في الأمور المشكلة إلى أنفسهم وآرائهم، ويأنفون من التعلم والاسترشاد، ومتى ظفر البادئ منهم بمبادئ علم حمله وشرع في التدريس والاجتهاد، ومنعه التزامه بذلك من التردد إلى أبواب العلماء، وأنف من سؤالهم عن الأمور المشكلة، فذلك من يدوم جهله إلى أن يموت وهو إمام نفسه، ويا خيبة من يخيب.

    فاللهمّ يسّر بيان ما في هذا الكلام من خبط، واعصمني من الزلل، واجعل ما أكتبه خالصاً لوجهك الكريم، مفيداً للمسلمين، وتمّم ذلك بخير.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    قوله: (قوله تبارك وتعالى: "لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ" أهل الكتاب ليسوا سواء، انتبه لا تقل لي أهل الكتاب الذين أسلموا، هذا كلام فارغ، وتحميل للقرآن ما لا تحتمله اللغة؛ الله يقول من أهل الكتاب تحدث عنه ونعت له بوصفه كتابياً) اهـ بحروفه

    أقول: سيأتي الكلام في آيتي سورة البقرة وسورة المائدة الواردتين في كلامه بعد أن نتكلم بقدر الحاجة في هذه الآية إن شاء الله. وسأبدأ بقوله إنّ هذه الآيات الكريمات تتحدّث عن أهل الكتاب الذين لم يسلموا، وإن اعتبارها في الذين أسلموا منهم كلام فارغ وتحميل للقرآن ما لا تحتمله اللغة. ودليله الوحيد على ذلك أن هذه الآية الكريمة سمّتهم أهل كتاب، فهي تتحدث عنهم بوصفهم أهل كتاب فيجب أن لا يكونوا قد أسلموا؛ لأنّ المسلمين لا يسمَّوْن أهل كتاب. هذا تقرير كلامه على أحسن وجه.

    وبناء على كلامه يلزم أن الآيات تتكلّم عن فرقتين من أهل الكتاب الذين لم يسلموا، ولا تتناول الذين أسلموا منهم:

    الفرقة الأولى: يهود ونصارى -لم يسلموا- هم كما وصفهم الله تعالى: (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ*يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ*وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ).


    الفرقة الثانية: يهود ونصارى -لم يسلموا- وينبغي أن يكونوا على خلاف أوصاف الأمة الأولى أي ليسوا موصوفين بالصفات الثمان السابقة فليسوا قائمين ولا متهجّدين بآيات الله... إلخ كما سيأتيك، بل هم موصوفون بأضادها.

    وبناء على كلامه أيضاً فلا يجوز أن يدخل في أهل الكتاب هنا، ولا أن يوصف بأنه كتابي أو من أهل الكتاب من كان كتابياً وأسلم.


    وقبل أن أناقش كلامه، ليُعلم أن له أن يختار أنّ الآية الكريمة تنفي المساواة بين فريقين من أهل الكتاب الذين لم يسلموا، هذا المعنى ممكن وقد وجد من العلماء من قال ذلك، ولكن لا أحد ممن اختار هذا القول قال إن أولئك الصالحين الموصوفين بالصفات الحميدة أدركوا النبي صلى الله عليه وسلّم. بل قالوا إنهم قضوا نحبهم ولم يدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولو أدركوه لأسلموا. وأما من قال إنهم من أهل الكتاب وأدركوا النبي صلى الله عليه وسلّم فإنهم جميعاً قالوا إنهم آمنوا به واتبعوه ودخلوا في الإسلام، ولمحمد عبده رأي تفرّد به نذكره عمّا قليل.


    والذي يقرره عدنان هنا –كما سيأتي تفصيله- أن هذه الفرقة الصالحة من أهل الكتاب وجدت قبل الإسلام، ووجدت في عصر النبيّ الكريم، وموجودة في عصرنا ويمكن أن توجد في أي زمان من الأزمنة. ومع ذلك هي مع كونها باقية على دينها فهي موصوفة بالإيمان بالله واليوم الآخر...إلخ من الصفات، وأنّ تكليفها منحصر في الإيمان بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم فقط، وليسوا مكلفين باتباعه، فإن اتبعوه وأسلموا فلهم أجران، وإن لم يسلموا ولم يتّبعوه فهم ناجون ولهم عند الله أجر واحد.

    والحقّ إن قوله هذا لم يقل به أحد من قبله، ولربما كان محمد عبده هو من مهّد لهذا القول حيث قال إن الآية تنطبق أيضاً على من بقي بعد الإسلام على دينه ولم تصله الدعوة أو وصلته الدعوة مشوهة (انظر تفسير الآية في زهرة التفاسير لأبي زهرة، وكذلك في تفسير المنار لمحمد رشيد رضا)، وكأني بعبد الكريم الخطيب (في تفسيره المسمى بالتفسير القرآني للقرآن) قد أخذ قول محمد عبده ووسعه وعمّمه بما يشبه قول عدنان إبراهيم، ولكن ذلك يفهم من إطلاقه الكلام في اليهود والنصارى وعدم تقييده، ولا أجد الرجل محققاً ولا مدققاً ولا مفسّراً فلغته أقصر من أن تضبط المعاني القرآنية، فلعله أطلق الكلام بلا قصد، ولم أجده يصرّح بقول عدنان كما فعل هذا الأخير، والله أعلم بحاله.

    ولا نخالف عدنان في أن هذه الفرقة وجدت قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم في زمن رسلهم عليهم السلام، وبعد زمن رسلهم إلى زمن البعثة فهذا محلّ اتفاق. ولكنّنا نخالفه فيمن وجد منهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلّم وما بعده، فنجزم بأن من بلغته دعوته صلى الله عليه وسلّم -سواء كان معاصراً لرسول الله أو وجد بعد وفاته صلى الله عليه وسلّم- فلا يسمى مؤمناً ولا يمكن وصفه بشيء من تلك الصفات، ولا يمكن أن يكون ناجياً إلا إذا أسلم واتبع رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذا تحرير محلّ النزاع الرئيس معه، وفي ثنايا المناقشة منازعات أخرى سيأتيك تفصيلها وبيانها إن شاء الله تعالى.


    فنقول وبالله التوفيق:

    أولاً: إن وصفه كلام من قال "إن أهل الكتاب هنا هم من أسلموا" بأنه كلام فارغ، وتحميل للقرآن ما لا تحتمله اللغة هو الكلام الفارغ؛ فمن قال لك بأن اللغة لا تجوّز وصفهم بأهل الكتاب إلا إذا بقوا على دينهم؟!


    إن كلامه هذا ينبئ عن رعونة وجهل باللغة واستهتار بأهل العلم واللغة؛ لأنه يجوز أن يسمى المسلم الذي كان كتابياً وأسلم بالكتابي على اعتبار ما كان. وهذا النوع من التجوز متَعالَمٌ مشهور يعرفه القاصي والداني، وإنك لتجده في القرآن الكريم نفسه، من ذلك قوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) أي من كانوا يتامى فعند رشدهم آتوهم أموالهم. ومثله: (وَابْتَلُوا الْيَتامى) أي البالغين الكبار، وسماهم يتامى باعتبار ما كانوا عليه من قبل. وقوله تعالى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) فإن أريد المطلِّقون لهنّ فهو مجاز باعتبار ما كان، وإن أريد به من يردن أن يتزوجنه فهو مجاز أيضاً باعتبار ما سيكون، إلى غير ذلك من الأمثلة.


    فهل يجوز أن يقال -كما قال عدنان-: لا تقل لي الذين كانوا يتامى، والذين كانوا أزواجهنّ؛ لأن الآيات تحدثت عن المذكورين بوصفهم يتامى وأزواجاً!


    إن من قال ذلك فهو جاهل؛ لأنّ القرائن تمنع من إرادة المعنى الحقيقي. وكذلك الحال هنا في نظر العلماء الذين جعلوا أهل الكتاب هنا هم من أسلم منهم. فهنالك قرائن كثيرة محتفة بهذه الآية تصرف أهل الكتاب عن الكتابيين بوصفهم كذلك أي قبل إسلامهم، وتجعلها لنفي المساواة بين الكتابيين الذين آثروا البقاء على كفرهم وبين الذين أسلموا منهم، كما سنبيّنه إن شاء الله تعالى.


    وما قاله من أنّه تحدث عنهم ووصف لهم بوصفهم كتابيين فهو ضعيف من جهات: فالآيات الكثيرة التي قبل هذه الآية تتحدّث عن أهل الكتاب، والآية تتحدث عن أهل الكتاب فلم يقطع هذا الانسياب في الكلام عن أهل الكتاب، ليسميهم أهل الكتاب الذي أسلموا أو نحو ذلك، واكتفى بأهل الكتاب ثمّ وصفهم بأوصاف أوقعها بدل ذلك، فبدل أن يقول الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ودخلوا دينه واتبعوه إلخ، أتى بوصف أخص منه يتضمنه وزيادة، فهذه الأوصاف أخصّ من المسلم، فكأنه كنّى عنهم بذكر صفاتهم، ولذلك قال أبو حيان في وصف الله لهم بالصالحين: (الظاهر أنَّ في الوصف بالصلاح زيادة على الوصف بالإسلام، ولذلك سأل هذه الرتبة بعض الأنبياء)اهـ
    فلا يقال: كيف عرفتهم أنهم أسلموا وقد سمّاهم أهل كتاب، لأنّا نقول: قد ذكر أوصافاً لهم أخص من كونهم مسلمين، ووجود الأخص يستلزم وجود الأعمّ.


    ثمّ إنّ المدعى أنّه سمّاهم أهل كتاب -مع كونهم أسلموا- باعتبار ما كانوا عليه قبل إسلامهم لوجود تلك القرائن وذلك السياق القويّ. فلا يتم تقريب الدليل بمجرّد التسمية إلا أن تردّ القرائن الكثيرة التي تحيط بالآية، وتُفَسَّر وتُقرّب وتُطبق بالنظر إلى أنّ أهل الكتاب هنا بقوا على دينهم ولم يسلموا، وأنى له ذلك! وإن استطاع فبتكلف؛ وبعد أن يتكلّف سيواجه قواطع قرآنية تردّ خصوص قوله بأنهم موصوفون بذلك وإن بقوا على دينهم بعد بلوغ دعوة الإسلام إليهم، كما سنحققه إن شاء الله تعالى.

    وبسبب تلك القرائن وجدنا جماهير العلماء قد اختاروا هذا القول الذي وصفه هذا النكرة بأنه كلام فارغ! وهذا هو ما أردت أن أنبه عليه هنا قبل التحقيق في الآية الكريمة، وهو قوله عن معنى قويّ معتبر هو قول جماهير العلماء بأنه كلام فارغ!


    ثمّ أنت أيها القائل إن اللغة لا تجيز مثل هذا القول، اذكر لنا مانعاً لغوياً واحداً يمنع من مخاطبة من أسلم من أهل الكتاب باعتبار ما كان في هذه الآية، بل اذكر يا عدنان أي مانع كان شرعيّ أو حتى عقليّ إن كنت تستطيع أن تأتي بشيء!


    إنّ اللغة أيها الأرعن لتسمي كلّ من يقرأون الكتب أهل كتاب، ولو قال أحد إن المسلمين أهل كتاب باعتبار أنّ لهم كتاباً لصحّ ذلك لغة، وبه فسر البعض قوله تعالى: (ثمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) بل لم يجد بعض المفسرين غضاضة في إدخال المسلمين في أهل الكتاب في تفسير (ليسوا سواء..) الآية باعتبار أن الكتاب هنا جنس كتب الله وليس بالمعهود من التوراة والإنجيل، وإن كنا نراه ضعيفاً لمخالفته عرف القرآن في استعمال "أهل الكتاب"، إلا أنّه يبقى محتملاً من حيث الاحتمال ولا يصادم اللغة ولا الشرع ولا العقل. فمن حيث تقدم ذكر هذه الأمة في قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، وتقدّم ذكر اليهود بكلّ مساوئهم أيضاً قال الله تعالى لنبيه: (لَيْسُوا سَواءً) الآية. والكتاب على هذا جنس كتب الله وليس بالمعهود من التوراة والإنجيل فقط، والمعنى: من أهل الكتاب وهم أهل القرآن أمة قائمة.


    ولكنك أنت يا عدنان تقول ما تشاء حيث لا رقيب ولا حسيب! تقول: كلام فارغ! لا تحتمله اللغة! وتحميل للقرآن ما لا يحتمل، وتقوّل، وافتئات على القرآن....إلخ من عباراتك المهوّله الشهيرة، فلن يقوم لك في الخطبة قائم يسألك كيف قلت؟! ولن تتكلّف عناء الدخول في حوار مع من يخالفك، ولن تكلّف نفسك الردّ على من ينقد كلامك. فتظلّ حصيناً تمرر كلامك الركيك على من يجوز عليه من المصفّقين، وتجبن عن مقارعة أهل العلم بالحجة معتذراً بالانشغال! بل لا تكتب مقالاتك فيسهل الرجوع إليها والنظر فيها لتكلّف من سيرد عليك عناء إضافياً...
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    فإن قيل: فلم أظهر في موضع الإضمار فقال: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة)، ولم يقل منهم أمة فقد تقدّم ذكرهم؟

    فالجواب:

    الأول: إن ذكرهم بعنوان أهليةِ الكتابِ لأن أهلية الكتاب موجبةِ للإيمان بكتابهم الناطق بوجوب الإيمان بسيدنا محمد صلى الله عليه وبما يصدّقه من القرآن العظيمِ كما ورد في هذه السورة نفسها التي منها الآية قيد البحث (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) فهذا العنوانَ، أعني أهلية الكتاب يستدعي الإيمانَ بما هو مصدِّقٌ لما معهم.


    قال القونوي: (وأيضاً لما كانت هذه الأمة أهل الكتاب ممتازة بهذه المنقبة الشريفة، كأنهم مغايرون لمن عداهم ويتضمن المدح بأنهم أهل الكتاب متمسكين به عاملين بما نطق به بخلاف غيرهم) اهـ


    ويوضحه قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) الذين مبتدأ و(يتلونه) حال (أولئك يؤمنون) خبر.
    قال الآلوسي: ووضع (أهل الكتاب) موضع الضمير زيادة في تشريفهم والاعتناء بهم.


    والثاني: لأنه لما كان الكلام منصبّاً على اليهود في الآيات السابقة (ضربت عليهم الذلة) أراد سبحانه أن يعمم الحكم، قال: القونوي عند قول البيضاوي: (وهم الذين أسلموا منهم) كعبد الله بن سلام وأصحابه وثعلبة بن سعد وأسيد بن عبيد، فعلم من هذا أن المراد من أهل الكتاب اليهود والنصارى والمراد من أهل الكتاب الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة اليهود فقط، فالمضروب عليهم الذلة خاص باليهود بدلالة ما في سورة البقرة وما قبله، وما بعده عام لأهل الكتابين فاتضح سر إظهار أهل الكتاب هنا موضع المضمر.


    قال التحرير: عَدَلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: مِنْهُمْ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ إِلَى قَوْلِهِ مِنْ أَهْلِ الْكتاب: ليَكُون ذَا الثَّنَاءُ شَامِلًا لِصَالِحِي الْيَهُودِ، وَصَالِحِي النَّصَارَى، فَلَا يُخْتَصُّ بِصَالِحِي الْيَهُودِ.

    والثالث: لما ذكر قبلها (كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق...إلخ) فلو قال بعده منهم أمة لظن أن هذه الأمة من هؤلاء الكافرين القتلة.


    ثانياً: سبب النزول يرد هذا المعنى الذي قرره. فقد روي عن ابن عباس أنه لمّا أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه، قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد -صلّى الله عليه وسلّم- إلا شرارنا، ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن إسحاق عن ابن عباس لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من يهود فآمنوا وصدّقوا ورغبوا في الإسلام ورسخوا.... إلخ.

    قال ابن العربي في أحكام القرآن: (وقد اتفق المفسرون على أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب، وعليه يدل ظاهر القرآن؛ ومفتتح الكلام نفي المساواة بين من أسلم منهم وبين من بقي منهم على الكفر، إلا أنه روي عن ابن مسعود أن معناه نفي المساواة بين أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف. وقد روي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن سلام ومن أسلم معه من أهل الكتاب). اهـ


    وهذا الذي ذكره عن ابن مسعود أنها صلاة العتمة، وذكر أنّ سبب نزولها هو احتباس النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العتمة وكان عند بعض نسائه فلم يأت حتى مضى الليل، فجاء ومنّا المصلي ومنا المضطجع فقال: (أبشروا فإنه ليس أحد من أهل الكتاب يصلي هذه الصلاة) أو قال: (إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم) وتلا هذه الآية "لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ -إِلَى قَوْلِهِ:- وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ".


    ولهذا السبب ذكر ابن مسعود أن قوله: ليسوا سواء عائد على اليهود وهذه الأمة، وهو خلاف الظاهر. وعلى أيّ حال، فباعتبار كونها في المكتوبة وليست في التهجّد يكون هذا وجهًا دالاً على كونها فيمن أسلم من أهل الكتاب لا فيمن لم يسلم؛ لأنّه ليس في شرع غير المسلمين صلاة العشاء، ولكن في شرعهم صلاة التهجّد.
    فهذان سببا النزول المذكوران في هذه الآية ولا يوجد غيرهما، وكلاهما لا يساعدانه في تقرير المعنى الذي يريده، ويؤيّدان المعنى الذي يصفه بأنه كلام فارغ!

    وقبل أن نستطرد في الكلام أكثر دعونا نحصر جميع أقول المفسرين في مدلول أهل الكتاب في هذه الآية.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    فصل في المراد بأهل الكتاب في هذه الآية

    القول الأول: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ودخلوا الإسلام

    وهو قول الجمهور ومنهم: الطبري وابن كثير والواحدي والسمعاني والزمخشري وأصح التأويلات عند ابن عطية، وقول الآلوسي والبيضاوي وأبو السعود والنسفي والصابوني وسيد طنطاوي والمراغي وغيرهم.


    فقوله تعالى: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعه مُتَّبِعة نبيَّ الله، فهم الذين أسلموا منهم واستقاموا على أمر الله وأطاعوه فى السر والعلن، كعبد الله بن سلام وأصحابه، والنجاشى ومن آمن معه من النصارى. فهؤلاء قد آمنوا بكل ما يجب الإيمان به، ولم يفرقوا بين أنبياء الله ورسله، فمدحهم الله على ذلك وأثنى عليهم. قوله تعالى: (يتلون آيات الله آناء الليل وهو يسجدون) عبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود، لأنه أبين لما يفعلون، وأدخل في مدحهم، وأدل على حسن صورة أمرهم. فبدل أن يقول آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أتى بوصف يتضمنه وزيادة.

    قوله تعالى: (يؤمنون بالله واليوم الآخر) كما أخبر بذلك القرآن والنبي صلى الله عليه وسلّم، ويؤمنون بجميع أركان الإيمان بما فيها الإيمان بجميع الرسل كما بين بقوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل إلى إبراهيم... لا نفرق بين أحد من رسله) ولا يكتفون بهذا بل يعملون بمقتضاه.

    قال الطبري: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، ما قاله ابن عباس وقتادة ومن قال بقولهما على ما روينا عنهم، وإن كان سائر الأقوال الأخَر متقاربة المعنى من معنى ما قاله ابن عباس وقتادة في ذلك. وذلك أن معنى قوله: "قائمة" مستقيمة على الهدى وكتاب الله وفرائضه وشرائع دينه. والعدلُ والطاعةُ وغير ذلك من أسباب الخير من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك، الخبرُ الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة..." الحديث.

    وقال الطبري: فتأويل الكلام: من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله، متمسكة به، ثابتة على العمل بما فيه وما سنّ لهم رسوله صلى الله عليه وسلم.

    قال ابن كثير: قال تعالى: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعه مُتَّبِعة نبيَّ الله، فهي (قَائِمَةٌ) يعني مستقيمة.

    قال الكشاف: الضمير في (لَّيْسُواْ) لأهل الكتاب، أي ليس أهل الكتاب مستوين. وقوله: (منْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) كلام مستأنف لبيان قوله: (لَيْسُواْ سَوَاءً) كما وقع قوله: (تَأْمُرُونَ بالمعروف) بياناً لقوله (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ). و(أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) مستقيمة عادلة، من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام، وهم الذين أسلموا منهم. وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود، لأنه أبين لما يفعلون؛ وأدل على حسن صورة أمرهم.
    فهذا جملة ما قرروه مختصراً.

    القول الثاني: المراد من أهل الكتاب الذين آمنوا بشريعة موسى وعيسى عليهما السلام غير المحرفة وعملوا بها وداموا عليها إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وتبعوه.


    كما قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ*وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ*أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ*وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ).

    وكما قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ*وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ*فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ)
    واختاره التحرير والبقاعي والسامرائي والمنار.

    ويتفرّع على القول الثاني قولان آخران:

    أحدهما: قول أبي زهرة في تفسيره حيث جعل الآية فيمن مات قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (وعندي أن الآية الكريمة في أهل الكتاب الماضين الذين استقاموا على الحق، ولم يدركوا عصر النبي - صلى الله عليه وسلم-، وذلك لأن القرآن الكريم تكلم عن ماضي أهل الكتاب وحاضرهم، فحاضرهم كان سوءاً، وذكر ماضيهم فبين أن بعضه كان سوءاً وكان منهم أمة مقتصدة، فهذه الأوصاف في الأمة المقتصدة التي مضت، ويصح أن تطلق على المخلصين من أهل الكتاب الذين لم يبلغوا دعوة الإسلام، وكان فيهم إخلاص للحق وطلب له وإجابة لداعيه إن دعوا إليه، ويكونون داخلين بالقياس على الماضين) اهـ

    وثانيهما: قول محمد عبده الذي سنبيّنه.


    تنبيه: العلماء الذين قالوا المراد بأهل الكتاب من كانوا يعملون بكتابهم قبل مجيء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لم يقل أحد منهم إن هؤلاء بقوا يعملون بكتابهم بعد مجيء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا مخالف للقواطع القرآنية وأقربها ما ذكر في سورة آل عمران (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ* فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وسيأتي الكلام في الآية الكريمة.

    ولم يخالف في هذا إلا محمد عبده حيث قال إنها تنطبق أيضاً على من بقي بعد الاسلام ولم تصله الدعوة، أو وصلته الدعوة مشوهة. ولكنه لم يقل أبداً إنها تنطبق أيضاً على من بقي على دينه وقد بلغته دعوة الإسلام الحقة وأنه مخيّر بين أن يسلم أو يبقى على دينه كما قال عدنان، فعدنان أتى ببدع من القول كأنه ينادي بوحدة وحدة الأديان.

    ولست في مقام الكلام مع محمد عبده ولا محمد رشيد رضا الذي يحاول إظهار كلام شيخه في صورة حسنة، وإلا ففي ثنايا كلام صاحب المنار نفسه وفيما نقله عن شيخه في تفسير هذه الآية ما يستحقّ النقد فليرجع إليه وليلاحظ، ولعلنا نفرد فصلاً لنقاشهما بعد أن ننتهي من هذا.

    ثمّ كأنّ عبد الكريم الخطيب في تفسيره المسمى التفسير القرآني للقرآن تبع محمد عبده بطريقة وسّع فيها القول ليشمل جميع اليهود والنصارى، هذا الذي يفهم من إطلاقه العبارة فيهم كما ذكرته سابقاً فليلاحظ أيضاً.

    فهذه هي جميع الأقوال في تفسير أهل الكتاب في الآية الكريمة، وقد تركت قول ابن مسعود الذي جعل الآية لنفي المساواة بين أهل الكتاب وأمّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم لتضعيف المفسرين له، وقد ذكرناه فيما مضى. فإن شئت اجعله قولاً ثالثاً. وأما قول عبد الكريم الخطيب فكلامه مشكل وليس من السهل أن أنسب له قولاً فيهم أعده قولاً رابعاً؛ لأنّ في كلامه أموراً متعارضة في المواضع المختلفة. فلعله لا يقول بقول عدنان فقد قرأت تفسيره لسورة البينة ورأيته يساوي بين مؤمن أهل الكتاب وكافرهم بعد مجيء الإسلام فهما عنده في مقابلته سواء، من دخل منهم في الإسلام فهو مؤمن، ومن لم يدخل فهو كافر، إلا أنّه يفسر خلود الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من المشركين بطول المكث وطول الزمن، ثمّ يقول إن لله تعالى فيهم شأناً بعد أن يخرجهم من النار. وهو عين القول بفناء النار. فليتنبه لذلك.


    وهنا ننبه على مسلك خطير سلكه عدنان إبراهيم، ينافي فيه أدب البحث والنظر وطريقة العلماء، وهو أن يقول جمهور المفسرين بقول ثمّ يأتي هو فيقول: هذا المعنى الذي قاله المفسرون لا تحتمله اللغة! وليته تلطف في العبارة! ليته قال إنني ألمح معنى للآية لم أقف عليه في كتب المتقدّمين مع أنه محتمل، وأريد أن أضيفه -كما يفعل المتأدبون بأدب أهل العلم وبسيرة العلماء-، لوجد من طلاب العلم من يجيبه بأنك واهم، وأن هذا المعنى ليس محتملاً بسبب كذا وكذا. لا بل قال هذا قولي وغيره كلام فارغ وتحميل للقرآن ما لا تحتمله اللغة... إلخ.


    وهذا كثير يا عدنان وعيب ومبالغة فارغة وتهويل لا يليق بطالب علم يتكلّم عن علماء التفسير، ويتكلّم مع طلاب علم عقلاء.

    وعلماء التفسير في تاريخنا الإسلاميّ لمن لا يعرف هم جبال العلم والفهم وعلماء اللغة كما لا يخفى على المطلع. ومن هؤلاء منهم من هو حجة في اللغة وعنه تؤخذ كابن عباس رضي الله عنه، ومنهم أئمة النحو والبلاغة وعلوم اللغة. فتأمل كيف يقول أهل اللغة وعلماؤها بمعنى ويأتي عدنان ليقول كلامهم هذا فارغ، وتحميل للقرآن لا تحتمله اللغة!
    (نهاية الفصل- وسيأتي بحث في بعض جوانب الآية إن شاء الله تعالى)
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    ثالثاً: الأوصاف الثمان الواردة في الآية الكريمة وما تلاها التي ادعى عدنان أنها صفات أمة من أهل الكتاب لم يسلموا، لا نراها تجتمع إلا في بعض المسلمين من أصحاب الاستقامة والعبادة والصلاح وليس في مطلق المسلمين كما هو ظاهر. أما أهل الكتاب الذين لم يسلموا فلا تكاد تجد فيهم وصفاً من هذه الصفات فضلاً عن أن تجتمع فيهم.
    قال الزمخشري: (وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين، ومن الإيمان بالله؛ لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عُزيراً، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض. ومن الإيمان باليوم الآخر؛ لأنهم يصفونه بخلاف صفته، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهم كانوا مداهنين، ومن المسارعة في الخيرات؛ لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها. والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه؛ لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي) اهـ
    قال القونوي: قوله: (وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود) ما نافية والمراد باليهود غير المؤمنين منهم انتهى
    فمن هم أهل الكتاب الذين هم (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ*يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)، ولو سلّمنا جدلاً وجود هؤلاء دائماً على تفسير محمد عبدة لـ(قائمة) بالموجودة ثابتة على الحقّ، وتكلّفنا تفسير تلاوتهم آيات الله كما تكلّفه ببعض الأدعية والأذكار التي عندهم مما لم يطاله التحريف...إلخ ما ذكره صاحب المنار ليجعل هذا القول سائغاً، فكيف يتصوّر أن تبلغ مثل هؤلاء دعوة النبي صلى الله عليه وسلّم ولا يدخلوا في الإسلام! لا بدّ أنك تمزح! وعلى أي حال لننظر في هذه الأوصاف:

    فأ: أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ابن عباس: أمّة قائمة: أي جماعة عدول مهتدية بتوحيد الله وَهُوَ عبد الله ابْن سَلام وَأَصْحَابه. ابن كثير: قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله فهي قائمة يعني مستقيمة. الحسن وابن جريج: عادلة. السدي: قائمة بطاعة الله. قتادة والربيع وابن عباس: ثابتة على أمر الله تعالى.

    وهذه الأوصاف ليست لأهل الكتاب. أما العدالة فهم ساقطو العدالة، كيف يكونون عدولاً وقد أشركوا بالله ووصفوه بمنكرات الصفات وكذبوا على ربهم وحرّفوا دينهم. وأما توحيد الله فهم من أبعد الناس عنه، كيف وهم المجسمة والمشبهة والمثلثة. وأما قيامهم بأمره تعالى وإطاعتهم لشرعه تعالى، واتباعهم لنبيه صلى الله عليه وسلم، فهم أبعد الناس عن ذلك. لا بل عدنان يقول إنهم لم يتّبعوا نبيه، فتكون جميع هذه الأوصاف ساقطة بكفرهم وشركهم وعدم اتباعهم. فلا يصدق وصف الأمة القائمة بأهل الكتاب الذين لم يسلموا ممن بلغتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلّم. ولذلك اختار أبو زهرة أنهم الماضون الذين استقاموا على الحق، ولم يدركوا رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يتصوّر أن يوجد كتابي بهذه الصفات ويدرك عصر النبوة ولا يسلم.

    وب: (يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ)

    المقصود بآيات الله هنا هو القرآن الكريم، ويصعب حقاً أن يقول قائل إن المقصود هنا هو التوراة والإنجيل؛ لأنّ الله تعالى أخبر أنهم بدلوهما، قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) الآية، وقال: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). فلا يجوز أن يقال عن التوراة التي في أيدي اليهود اليوم إنها آيات الله تعالى، ولا يجوز أن يقال عن هذه الأناجيل الأربعة إنها آيات الله تعالى، بل إنّ هذه الأناجيل الأربعة كتبها الأربعة الذين تسمت الأناجيل بأسمائهم وليست هي ما أنزل على سيدنا المسيح عليه الصلاة والسلام. فبقي القرآن الكريم، فهل تقول إن بعض اليهود والنصارى ممن لم يسلم يتلون القرآن الكريم آناء الليل متعبدين بها سواء في صلاة تهجد أو بلا صلاة أصلاً!!؟

    وأما من جعل الآية في الذين لم يسلموا من أهل الكتاب فيلزمه أن يحلّ هذا الإشكال. فما هي آيات الله تعالى التي يتلوها هؤلاء آناء الليل. فيقول أبو زهرة: (آيات الكتاب التي يتلونها على ذلك هي البقية الصحيحة من كتبهم التي تشتمل على أدعية كلها توحيد وضراعة ونحو ذلك من أمثال بعض مزامير داوود..) اهـ


    وقال محمد رشيد رضا: (أما قوله تعالى: يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون فمعناه على القول بأن المراد بهم من دخل في الإسلام ظاهر، وعلى القول الآخر المختار أنهم يتلون ما عندهم من مناجاة الله ودعائه له والثناء عليه عز وجل، وهي كثيرة في كتبهم لا سيما زبور (مزامير) داود...) اهـ ثم شرع في ضرب أمثلة من المزامير، ولا أدري من أين له الجزم بأن الزبور الذي أنزل على داوود عليه السلام هو ما يسمى مزامير داوود في العهد القديم.

    ولا يخفى عليك ضعف هذا الكلام بعد ما ذكر في القرآن الكريم من وصف فعل أهل الكتاب لما فعلوا في دينهم وكتبهم. فأنت ترى هذه القرينة كم تقوي القول بأنهم أسلموا، وتعلم لم اختار جماهير العلماء القول بأنها فيمن أسلم. ثمّ يأتيك عدنان ليقول لك إن هذا كلام فارغ... فليت شعري إذا كان هذا الكلام فارغاً فما هو الكلام الملآن يا عدنان!


    وج: (وَهُمْ يَسْجُدُونَ)
    ووجهه أننا لما نهينا عن تلاوته في سجودنا قال المفسرون إن المقصود الصلاة به. وقالوا هي صلاة التهجد لا المكتوبة؛ لأنّ ذلك أدخل في مدحهم؛ ولأنّ المكتوبة لا يقرأ فيها غير الإمام. وقال بعضهم بل هي المكتوبة، واستدلّوا بما بحديث ابن مسعود الذي سقناه حين انتظر الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء... الحديث. فباعتبار كونها في المكتوبة يكون هذا وجهًا دالاً على كونها فيمن أسلم من أهل الكتاب لا فيمن لم يسلم؛ لأنّه ليس في شرع غير المسلمين صلاة العشاء.
    واضطر صاحب المنار أن يتأوّل السجود أيضاً لأنا لا نعرف لأهل الكتاب سجوداً كسجودنا. فقال: (أما السجود الذي أسنده إليهم فهو إما عبارة عن صلاتهم، وإما استعمال له بمعناه اللغوي وهو التطامن والتذلل كما تقدم في تفسير قوله تعالى في خطاب مريم: (واسجدي واركعي مع الراكعين))اهـ

    ود: (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
    القرآن الكريم في الغالب يذكر طرفي الإيمان أو قطري الإيمان كما عبّر به بعض العلماء ويريد ستة الأركان، فيطوي أركان الإيمان بين طرفيه، ويدلّ عليه قوله تعالى في سورة النور: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) فالخطاب للمؤمنين وهم مؤمنون بجميع الأركان. فلا يتوهّمن أحد من الآيتين اللتين احتجّ بهما أنه قصد خصوص الإيمان بالله واليوم الآخر.

    فالاكتفاء من أركان الإيمان بالله واليوم الآخر لفائدتين:
    الأولى: لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره لأن الإيمان الحقيقي باليوم الآخر يحث المؤمن به على أن يقر بكل ما يجب الإيمان به ويثاب عليه في ذلك اليوم، وترك كل ما يعاقب عليه في ذلك اليوم، ويدخل دخولاً أولياً الإيمان بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.
    قال القونوي: (والاكتفاء في قوله تعالى: "يؤمنون بالله واليوم الآخر" بهما دون بقية أركان الإيمان لأنهما قطرا الإيمان) انتهى
    أي طرفا الإيمان اللذان من حازهما فقد حصّل جميع الأركان، فالإيمان بهما يستلزم الإيمان بجميع الأركان.
    قال أبو حيان: الإيمان بالله واليوم الآخر، وهو الحامل على عبادة الله وذكر اليوم الآخر؛ لأنّ فيه ظهور آثار عبادة الله من الجزاء الجزيل. وتضمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالأنبياء؛ إذ هم الذين أخبروا بكينونة هذا الجائز في العقل ووقوعه، فصار الإيمان به واجباً.
    قال الخازن: (يؤمنون بالله واليوم الآخر) وذلك لأن إيمان أهل الكتاب فيه شرك، وهم يصفون اليوم الآخر بغير ما يصفه المؤمنون.
    قال السعدي: (يؤمنون بالله واليوم الآخر) أي: كإيمان المؤمنين إيماناً يوجب لهم الإيمان بكل نبي أرسله، وكل كتاب أنزله الله، وخص الإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان الحقيقي باليوم الآخر يحث المؤمن به على ما يقر به إلى الله، ويثاب عليه في ذلك اليوم، وترك كل ما يعاقب عليه في ذلك اليوم
    الثانية: إظهاراً لمخالفتهم لسائر اليهود؛ لأن إيمان أهل الكتاب باليوم الآخر كلا إيمان لما فيه من تحريف فما عليه المؤمنون ومن يؤمن هو الإيمان الحقيقي باليوم الآخر.
    قال الآلوسي: (يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر) صفة أخرى لأمة، والمراد بهذا الإيمان الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول، وخص الله تعالى اليوم الآخر بالذكر إظهاراً لمخالفتهم لسائر اليهود فيما عسى أن يتوهم متوهم مشاركتهم لهم فيه لأنهم يدّعون أيضاً الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر لكن لما كان ذلك مع قولهم: (عُزَيْرٌ ابن الله) وكفرهم ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف ما نطقت به الشريعة المصطفوية جعل هو والعدم سواء.

    فإن قال قائل: عدنان إبراهيم اشترط في نجاة أهل الكتاب الإقرار بنبوة سيدنا محمد فقط دون اتباعه، وهم بالضرورة مؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر، فيكون هذا الوصف أعني الإيمان بالله واليوم الآخر وإن انطوت فيه بقية الأركان صادقاً بهم وإن لم يسلموا.

    فنقول: لا؛ لأنّا لا نسلّم أولاً أنهم مؤمنون بالله وحده حق الإيمان، بل هم به تعالى مشركون، وله تعالى مجسمون ومشبهون، وقد كفّرهم الله تعالى في كثير من الآيات كما سيأتيك. قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ). فلا يكونون محققين لركن الإيمان به تعالى. وكذا لا نسلّم إيمانهم بجميع رسله على الوجه الحق، فسيدنا المسيح بعث لبني إسرائيل فمن آمن به وتبعه صار نصرانياً ومن لم يؤمن به ولم يتبعه وبقي يهودياً فهو كافر بنصّ القرآن. قال تعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ)، وقال: (وإذ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ). فمن لم يؤمن من اليهود بسيدنا عيسى وله ومن لم يتبعه فهو كافر. وأما النصارى فهم لم يؤمنوا بسيدنا المسيح رسولاً ونبيّاً بل آمنوا به إلهاً، فلا يكونون محققين لركن الإيمان بالرسل، وأما إيمان الفريقين برسول الله سيدنا محمد فلا أدري أيّ معنى للإيمان به دون اتباعه، وسيأتي بحث وجوب ذلك وكفر من لم يتّبع شرعه مفصلاً إن شاء الله.


    ومثل ذلك الكلام في الإيمان بالكتب فاليهود حرّفوا التوراة وكتبوا بأيديهم كلاماً من عندهم ونسبوه لله تعالى فكفروا بذلك، ثمّ من لم يؤمن منهم بالمسيح عليه السلام فلا يكون مؤمناً بالإنجيل، ولا أدري مذهب عدنان إبراهيم فيما يتعلّق بالإيمان بالقرآن الكريم هل يوجب على أهل الكتاب الإيمان بالقرآن الكريم كلاماً لله تعالى وكتاباً منزلاً منه على رسوله ويوجب عليهم الإيمان بما فيه أو يكتفي فقط بالإيمان به رسولاً دون كتابه ودون اتباعه! عجباً من هكذا مذهب!


    ولا نريد الاسترسال في هذا البحث ولو فصّلنا فيه أكثر لبان لك إشكالات كثيرة في إيمانهم ببقية الأركان. ويكفيك أن الله تعالى اقتصر على الإيمان بالله واليوم الآخر للتعريض بأن إيمان أهل الكتاب بهما مع قولهم عزير ابن الله وكذا المسيح وغير ذلك مما أشرنا لبعضه، وكفرهم ببعض الكتب والرسل، ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته ليس من الإيمان بهما في شئ أصلاً. فأي عاقل يا عدنان قرأ القرآن الكريم واطلع على السنة، وعلم من هم اليهود والنصارى في التاريخ والحاضر يمكن أن يصفهم بالإيمان بالله واليوم الآخر! أتستخف بالناس وتكذب عليهم، أم تكذب على نفسك، أم تداهن اليهود والنصارى!؟


    وهـ: (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ*وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)
    الذي نراه هنا أربعة أوصاف هي: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمسارعة في الخيرات، وكونهم من الصالحين. وهذه الأوصاف ليست أوصافاً لأهل الكتاب وبخاصة اليهود، بل إننا نجدها في القرآن الكريم أوصافاً لأمّة سيد المرسلين؛ لأنها خير أمّة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهذه الأوصاف كالأربعة التي قبلها تعريض بأهل الكتاب وباليهود خاصّة كما قال الإمام البيضاويّ رحمه الله: "صفات أخر لأمة، وصفها تعالى بخصائص ما كانت في اليهود فإنهم منحرفون عن الحق، غير متعبدين في الليل، مشركون بالله، ملحدون في صفاته، واصفون اليوم الآخر بخلاف صفته، مداهنون في الاحتساب، متباطئون عن الخيرات) اهـ

    وقد قال تعالى في أهل الكتاب خلاف ما أثبته للمسلمين هنا فقال تعالى فيهم: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).
    فنفى عنهم النهي عن المنكر، ومن لا ينهى عن المنكر فأولى به أن لا يأمر بالمعروف.

    وقال تعالى فيهم: (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).

    وكيف يقول إن هذه الأوصاف لليهود والنصارى الذين لم يسلموا وإن بلغتهم رسالة الإسلام، فأي معروف يأمر به من يأمر إن لم يكن باتباع سيدنا محمد فيما أمر به، وأي منكر ينهى عنه من ينهى إن لم يكن مما نهى عنه سيدنا محمد صلى الله عليه، وأي خيرات تلك التي يسارع فيها من يسارع إن لم تكن الواجبات والمندوبات وفضائل الأعمال التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

    ومن يريد أن يقطع بأنّ وصف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو في المسلمين المتبعين لسيدنا محمد ممن رزقوا الاستقامة والصلاح، وأنه لا يمكن أن يكون في اليهود والنصارى الذين لم يسلموا، ومن أراد أن يقطع بأن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هنا هم أمّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم، فليقرأ هذه الآية بتدبر في سياقها.

    قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)

    ثمّ انظر في الآيات التي ذكر فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن الكريم:

    قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
    فأمرت هذه الأمّة بذلك ونهيت عن أن تكون مثل أهل الكتاب.

    وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)

    وهذه في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم قطعاً كما هو ظاهر.

    وقال تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)

    وهذه في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم كما هو ظاهر.

    وقال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)
    وهذه في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم كما هو ظاهر كعين الشمس.

    فأنت ترى أن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنيطت بخير أمّة أخرجت للناس، هداها الله تعالى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلّم، ثم أمرها سبحانه بتكميل الغير وإرشادِهم إثرَ أمرِهم بتكميل النفس وتهذيبِها بما سبق ذلك من الأوامر والنواهي.

    يتبع....
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    بان لك مما بيّناه أن قوله: (قوله تبارك وتعالى: "لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ" أهل الكتاب ليسوا سواء، انتبه لا تقل لي أهل الكتاب الذين أسلموا، هذا كلام فارغ، وتحميل للقرآن ما لا تحتمله اللغة؛ الله يقول من أهل الكتاب تحدث عنه ونعت له بوصفه كتابياً) اهـ

    خطأ فاحش، فوصفه لقول جمهور العلماء "إن الآية فيمن أسلم من أهل الكتاب" بالكلام الفارغ، هو الكلام الفارغ. وقوله إنه تحميل للقرآن ما لا تحتمله اللغة خطأ؛ لأن اللغة تحتمله. وأن مجرّد تسميتهم بأهل الكتاب ليس دليلاً على خطأ قول الجمهور. وبان لك بعض أهمّ القرائن التي دعت الجمهور إلى ذلك القول. وأن هذه الآية الكريمة في سياقها وبقرائنها تدعم قولهم ولا تضعفه، فلا يتم استدلاله بها على ما أراد، فيكون هذا القدر من كلامه مردوداً لا اعتبار به. وللنظر فيما قاله بعد ذلك.


    قال: (ما انتهى إليه اجتهادي في هذه المسألة المشكلة جداً، وطبعاً أنا أعلم أنّ هذا الاجتهاد حقيق أن أكفّر عليه وبسببه من كثير من المسلمين الذين ينتظرون فرصة كهذه، لكن باختصار الذي بان لي أن الكتابي يهودياً أو نصرانياً ليس ملزماً بأكثر من أن يقر بنبوّة محمد، يقول نعم هذا نبي، ولكنه ليس ملزماً بأن يتّبعه، وأن يتديّن بشرعه لأنه إن آمن بأنه نبي ورسول، فإنه مخيّر بعد ذلك أن يقيم كتابه) اهـ


    أقول: قبحه الله من اجتهاد!
    لقد صدق الحطيئة حين قال:

    الشعر صعب وطويل سُلَّمُه*إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمُه*زلّت به إلى الحضيض قدمُه
    وها أنت ذا تركب الصعب الطويل، وترتقي سلّم الاجتهاد وأنت به جاهل، فلا غرو بلغت ذلك المبلغ من السَّفه. وحقّ من هو مثلك –إذا تكلّم العلماء- أن لا يسمع له ركز.

    أهذا ما انتهى إليه اجتهادك!!! ولعمري إن الناظر فيه ليعلم أنه مجرد قول يكاد لا يظهر لمبتدئ ببادئ الرأي، فكيف يصحّ لعاقل أن يتبجح بأنّ مثل هذا الكلام الركيك هو ما انتهى إليه اجتهاده! أحرى بك أن تتصاغر وتخجل من كلامك هذا!

    ثمّ من يلقي قولاً كهذا على الناس قبل أن يتفحصه ويمحّصه فإما أنه مغرور أرعن وجاهل أحمق، أو أنه خبيث متغرّض يعلم الحق ويغالط، ويقرر ما يهوى ثمّ يفتش له عن الأدلّة. نسأل الله تعالى السلامة في الدين.

    ألا يرى هذا الأرعن أنه يلزم من كلامه هذا تحريم ما أحل الله، وإحلال ما حرّم الله تعالى لو كان يفهم!


    قال الشافعي في الأم: "أنزل عز وجل في أهل الكتاب من المشركين: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)، وأمرنا بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، إن لم يسلموا. وأنزل فيهم: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ َالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).


    فقيل -والله أعلم- أوزارهم وما منعوا بما أحدثوا قبل ما شُرع من دين محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يبق خلق يعقل منذ بعث الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- كتابي، ولا وثني، ولا حي ذو روح من جن ولا أنس بلغته دعوة محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا قامت عليه حجة الله -عز وجل- باتباع دينه، وكان مؤمنًا باتباعه، وكافرًا بترك اتباعه، ولزم كل امرئ منهم -آمن به، أو كفر- تحريم ما حرم الله -عز وجل- على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، كان مباحًا قبله في شيء من الملل أو غير مباح، وإحلال ما أحل على لسان محمد صلى الله عليه وسلم كان حرامًا في شيء من الملل، أو غير حرام" اهـ


    أفرأيتم، والله إن كلام الإمام الشافعيّ كافٍ واف وشافٍ في الردّ عليه. ولكن لنبين بعض الجوانب زيادة في الإيضاح. فشرع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم ناسخ لجميع الشرائع السابقة، ولا يقبل عمل من أحد إلا إذا وافق شرعه صلى الله عليه وسلّم. قال صلى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (البخاري) أى مردود عليه، وغير مقبول منه. ومن تبع النبي كان مؤمناً ومن ترك اتباعه كان كافراً. ووجب على كلّ مكلّف أن يحرّم ما حرّم الله تعالى على لسان نبيه، وأن يحلّ ما أحلّ على لسان نبيه.


    وما ألزمناه به هو أن بعض ما هو حلال في شرع من قبلنا محرّم في شرعنا، وبعض ما هو حرام في شرعهم حلال في شرعنا، وهذا أمر متعالَم مشهور، فإن اتبع الكتابيّ شرعه فقد أحلّ ما حرّم الله وحرّم ما أحلّ، وهو كفر بالإجماع.

    ثمّ كيف يتبع شرعاً محرّفاً عبثت به أيدي العابثين، كيف يعلم الكتابيّ الشرع الصحيح من المحرّف، وقد بُدّل شرعُه!

    ثمّ ما معنى أن يؤمن اليهوديّ أو النصرانيّ بسيدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم أنه نبيّ ورسول، ثمّ لا يتبعه بل يبقى على دينه؟!

    ما معنى هذا الإيمان؟! إن كان مؤمناً بأنه يأتيه الخبر والأمر والنهي من الله تعالى وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، ويجب أن يصدّقه فكيف يصح في العقول جواز عدم اتباعه، وعبادة الله تعالى على خلاف أمره ونهيه عليه السلام!

    ثمّ أين هذا الجاهل من آيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة التي تردّ اجتهاده الساقط هذا؟

    ألا يقرأ في القرآن وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلّم!

    أين هو من قول الله تعالى رداً على نصارى نجران حين قالوا إنا نحب الله: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم* فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين).

    فأمرهم بالمبالغة في الاتباع اتّبعوني، من باب افتعل كاصطبر، وليس اتْبعوني.

    قال الراغب: (نبّه بذلك على حجة ظاهرة في وجوب طاعة نبيه. وبيانه أنه إذا كان طاعة الله واجبة، وطاعته لا تتم إلا بطاعته؛ لأن عامة أوامره –تعالى- لا سبيل إلى الوقوف عليها إلا من جهته. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كوجوبه، فاقتضى ذلك أن من أطاع رسول الله فقد أطاعه، فنبّه بذلك على مقابله. وهو أن من عصى رسوله فقد عصى الله، وكالأمر بطاعة الله ورسوله الأمر بالإِيمان بهما في نحو قوله: (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، فكذلك الأمر بالاستجابة له في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ. وقوله: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) فهذا إلزام كالأول، لكنه أعم، لأن طاعته أعمّ من اتباعه، إذ قد يكون الإنسان مطيعاً لغيره، ثم لا يكون متبعاً له في أفعاله، وذكر ها هنا الرسول تنبيهاً على أن كل من كان رسولاً من جهة فطاعته واجبة، ثم قال: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)، أي من تولى فقد خرج عن التحبب إليه، ومن لم يتحبب إليه بطاعته فهو لا يحبه بإثابته، والكافر غير متحبب إليه بتولِّيه عنه، فمحال أن يحبه، فصار تقديره: إنكم إذا كفرتم بالإعراض عنه وعن رسوله، فإنه لا يحبكم. وفي ذلك إبطال دعواهم، حيث قالوا: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، وقوله: (لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) تنبيه أنه ينقطع عنهم توفيقه، وبانقطاع توفيقه عنهم يضلون ويعمهون) اهـ


    أين هذا المتغرّض من قوله تعالى في سورة آل عمران: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)

    فأخذ العهد على الأنبياء وعلى أممهم بالتبع بالإيمان به صلى الله عليه وسلّم إذا جاءهم وأمرهم بنصرته، وما معنى نصرته إن لم تكن اتباعه والدفاع عنه والجهاد معه، وهذا تكليف اعتقادي وعملي كما لا يخفى فكيف يقال إنهم يجوز أن لا يتشرّعوا بشرعه وقد كلّفهم الله تعالى بذلك.
    تنبيه: فسّرت الآية الكريمة بغير هذا الوجه المذكور، وعلى جميع وجوه تفسيرها يبقى استدلالنا بها على وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلّم صحيحاً.

    وأين هذا المتلاعب من آيات كثيرة في سورة آل عمران تتكلّم عن مجادلة وفد نصارى نجران فعن أيّ شيء كان ذلك الجدل إن لم يكن عن اتباعه صلى الله عليه وسلّم.
    وأين هو من آيات سورة البقرة التي شددت كلّ ذلك التشديد على اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام في في أمر القبلة!
    أين هو من سورة الشعراء التي تقصّ كلها ما قال المرسلون لأقوامهم حيث أمروهم بتقوى الله تعالى وطاعتهم!

    وتأمّل هذه الآيات الكريمات وانظر تفسيرها تعرف أنّ هذا الرجل لا يمكن أن يكون قد نظر في القرآن الكريم نظراً صحيحاً قبل أن يجازف بقوله هذا.

    قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
    واتباع القرآن الكريم يستلزم اتباع النبي صلى الله عليه وسلّم وشرعه وهذا واضح.

    وقال تعالى: (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)
    يقول: (وما أمروا) أي أهل الكتاب في كتابهم التوراة والإنجيل (إلا ليعبدوا الله) أي أن يعبدوه (مخلصين له الدين) من الشرك (حنفاء) مستقيمين على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ودين محمد عليه الصلاة والسلام إذا جاءهم فكيف كفروا به (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين) أي الملة (القيمة) المستقيمة.

    وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)

    فكيف يقال إنه لا يلزمهم اتباعه والتدين بشرعه، وما أرسله الله تعالى إلا ليطاع، ولا يكون مطاعاً إلا إذا ائتمر المرسل إليهم بأمره وانتهو بنهيه.


    وأخيراً وليس آخراً فالآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، قال تعالى: (...عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)

    فماذا يجيب هذا الإنسان عن هذه النصوص الواضحات! وهذه الآيات الأخيرة نصّ في محلّ النزاع، وغيرها في القرآن الكريم كثير!

    إنّ توجه الأمر للناس عامّة ولأهل الكتاب خاصّة بوجوب الإيمان برسول الله صلّى الله عليه وسلّم واتباعه والدخول في دين الإسلام لأمر واضح كالشمس في وسط النهار، لا يخفى على أحد. ولكن ماذا أقول! (فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور). ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  7. واصل وصلك الله ..
    ننتظر البقية بتلهف
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  8. #8
    بارك الله فيك يا شيخ بلال وجزاك خيرا على هذا الرد المفيد....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  9. بارك الله فيكم و سخّركم في حماية دينه من شذوذ الجاهلين

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    جزاكم الله خيرا يا شيخ سعيد ويا إخواني، وما كتب غيض من فيض، فما زال هنالك ما يقال في هذا الموضوع الأول فلم أنته منه بعد، وما زال هنالك الكثير ليكشف ويقال عن حقيقة هذا الرجل وجهله، وأرجو أن تصبروا قليلاً فالوقت ضيق جداً في رمضان، فنسألكم الدعاء وفقنا الله وإياكم
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,993
    مقالات المدونة
    2
    جزاك الله خيراً وبارك فيك، ونفع المسلمين بما تكتبه ..

    وأسأل الله تعالى لك التوفيق لكل خير ..
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  12. #12
    جزاكم الله كل خير ...على فضح هذا الدجال المغرور ..
    يسر الله تعالى أمركم و أعانكم و سدد حجتكم ...
    في انتظار البقية ...

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    ثم قال عدنان: ("يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ" لا تقل لي القرآن، الله قال ما أنزل إليكم، في آية أخرى يقول أنزل إلينا وأنزل إليكم، إياك أن تخلط وتقول لي آه معناه أنزل إليكم القرآن، هذا كلام فارغ، أنزل إليكم وليس أنزل إلينا) اهـ

    أقول: يريد عدنان إن أقمتم التوراة والإنجيل فأنتم على شيء أي أنه يُعتدّ بدينكم حتى لو لم تتبعوا سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام. هذا الذي يريده بدليل ما مضى من كلامه وما سيأتي، حيث قرر أولاً أنه لا يجب اتباعهم لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم، وسيقرر تالياً أنهم لو آمنوا بأنه نبي فقط ولم يتبعوه فلهم أجر واحد، فمراده صار واضحاً جداً وهو يؤكد الكلام على أنّ المقصود هنا التوراة والإنجيل وليس القرآن، فإذا أقاموهما فهم على شيء. ولم يتعرّض لتفسير (ما أنزل إليكم) وإن كان استعملها لينفي أن المراد القرآن، ولا لمعنى (تقيموا)، ولا حتى إلى معنى الآية الإجماليّ، فنفهم أنه أتى بها دليلاً على ما قرره أولاً وتالياً مما ذكرناه.

    ومن شدة وعمى قلبه لم يتنبه إلى أن ثمة سؤالات وجيهة بديهية سيسألها أي إنسان يسمع كلامه هذا منها:
    أولاً: كيف عساه أن يقيم التوراة والإنجيل وما أنزل إليه ذلك الكتابيّ الذي يريد أن يكون على شيد يعتد به عند الله؟ وإنني أتحداك يا عدنان أن تستطيع بيان ذلك دون أن تتناقض مع ما قررته أنت في اجتهادك آنف الذكر!
    أتدري لماذا يا عدنان؟! لأنّ ما قلته آنفاً ينافي منافاة تامّة جميع ما يمكن أن تؤوّل به إقامة التوراة والإنجيل يا عريض القفا... أوتحسب علماء الأمّة وأئمتها كانوا يلعبون؟ هل خطر ببالك كيف يختار الواحد من المفسّرين الكبار معنى من المعاني يرجحه وينسبه إلى كتاب الله تعالى؟ هل خطر ببالك عظم هذه المسئولية وكم من العلم والروية يتطلب أمر كهذا من أمثالهم من أهل الورع والدين؟!

    ما أشدّ حمقك إذ تتجرأ على الله ورسوله هذه الجرأة أيها الأرعن! أوتحسب كلّ من قرأ بعض الكتب صار مجتهداً!

    ثانياً: قوله: (وما أنزل إليكم) الموصول هنا إن قلت إنه قصد به التوراة والإنجيل فقد ذكرهما قبلُ فيكون فضلة وخلاف الظاهر من مغايرته لهما، وإن كان غيرهما فماذا يمكن أن يكون إلا أحد احتمالات ثلاث لا رابع لها:
    الأول: القرآن وهو قول جمهور المفسّرين كما سنبينه، وهذا الاحتمال مرفوض عندك قطعاً وهو عندك كلام فارغ وأنت تحذرنا منه وتقول إياكم أن تخلطوا!!

    والثاني: أنه جميع الكتب السماوية ولا يمكن أن تقبله أنت لدخول القرآن في جميعها، وهو مرفوض عندك! ولأنه سيقوم لك نبيه فيقول: إن منعك أن يدخل القرآن في قوله تعالى: "ما أنزل إليكم" هو بسبب أنه ما أنزل إليهم على حدّ قولك، فصحف إبراهيم عليه السلام مثلاً لم تنزل إليهم وهي من جميع الكتب. فيلزمك ردّ هذا القول كسابقه.

    والثالث: هو سائر ما نزل على أنبياء بني إسرائيل من كتب غير التوراة والإنجيل. فتعيّن أن يكون هذا هو القول الذي يجب أن تقول به.
    فيلزمك أن الكتابيّ لا يكون على شيء حتى يقيم التوراة والإنجيل وجميع ما أنزل على أنبياء بني إسرائيل من كتب. ها قد حللنا لك نصف المشكلة، فأين هي كتب أنبياء بني إسرائيل الأخرى لكي يقيمها الكتابي المسكين لكي يكون على دين يعتدّ به عند الله تعالى، وأيّ نسخة من التوراة والإنجيل يقيم والاختلاف بين نسخ كلّ منهما بعدد حروفهما كما يعترف بذلك باحثوهم!
    اشرح لنا ما معنى إقامة هذه الكتب! كيف يقيمها من يعترف بنبوّة سيدنا محمد فقط ولا يتبعه ويريد أن يبقى على دينه من اليهود أو النصارى، كيف يقيم ذلك ليكون عند الله على شيء يعتد به!

    وقبل أن نسترسل في بيان تهافته وتخبطه في هذا الكلام دعونا نحصر الأقوال في مفاصل هذه الآية:
    المراد بأهل الكتاب: اليهود والنصارى بالاتفاق.

    المراد من إقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم، وسبب نزول الآية:
    لنذكر هنا ما قاله الطبري فمعظم المفسرين يدورون عليه ثمّ نزيد على ذلك إن شاء الله تعالى.
    قال الطبري: "القول في تأويل قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين)

    وهذا أمر من الله تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم بإبلاغ اليهود والنصارى الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، يقول تعالى ذكره له: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: (يا أهل الكتاب) التوراة والإنجيل، لستم على شيء مما تدعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى صلى الله عليه وسلم معشر اليهود، ولا مما جاءكم به عيسى معشر النصارى، حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم مما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم من الفرقان، فتعملوا بذلك كله وتؤمنوا بما فيه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، وتقروا بأن كل ذلك من عند الله، فلا تكذبوا بشيء منه ولا تفرقوا بين رسل الله فتؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض، فإن الكفر بواحد من ذلك كفر بجميعه، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا، فمن كذب ببعضها فقد كذب بجميعها.
    وبنحو ما قلنا في ذلك جاء الأثر:
    عن ابن عباس قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعُ بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حريملة، فقالوا: يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، وأنا بريء من إحداثكم».
    قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك ولا نتبعك. فأنزل الله: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم) إلى قوله (فلا تأس على القوم الكافرين) ". انتهى كلام الطبري.

    قال ابن كثير: (حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ومما فيها الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته، ولهذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: في قوله: (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ): يعني القرآن العظيم). اهـ
    فتنبه إلى علّة قول مجاهد أنّ المقصود بـ(ما أنزل إليكم) القرآن.

    وقال أبو حيّان: (معنى إقامة التوراة والإنجيل: هو إظهار ما انطوت عليه من الأحكام والتبشير بالرسول والأمر باتباعه كقولهم: أقاموا السوق أي حركوها وأظهروها، وذلك تشبيه بالقائم من الناس إذ هي أظهر هيآته) اهـ

    وقال الراغب: (فإن قيل كيف أمرهم أن يقيموا الكتب وقد عُلم أن القرآن قد نسخ التوراة والإنجيل، ولا يصح إقامةُ جميعها؟
    قيل: يجوز أنه عنى الإقرار بصحة ثلاثتها، ويجوز أنه أراد أحكام أصولها، فإن ثلاثتها تستوي في ذلك وإنما الاختلاف في الفروع بحسب مصالح الأزمنة.
    وقيل: أراد إقامة هذه الكتب بإظهار ما فيه من وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - وتصديق بعضها بعض). اهـ

    ونذكر كلام أبي السعود بطوله لأنه في غاية الإفادة، قال: ({قل يا أهل الكتاب} مخاطبا للفريقين {لستم على شيء} أي دينٍ يُعتدّ به ويليق بأن يسمى شيئاً لظهور بُطلانه ووضوح فساده وفي هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا غايةَ وراءَه {حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل} اي تراعواهما وتحافظوا على ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائل رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وشواهدُ نبوته فإن إقامتهما إنما تكون بذلك وأما مراعاة أحكامهما المنسوخةِ فليست من إقامتهما في شيء بل هي تعطيل لهما وردٌّ لشهادتهما لأنهما شاهدان بنسخها وانتهاءِ وقت العمل بها لأن شهادتهما بصحة ما ينسخها شهادةٌ بنسخها وخروجها عن كونها من أحكامهما وأن أحكامهما ما قرره النبي الذي بشَّرَ فيهما ببعثته وذُكر في تضاعيفهما نعُوتُه فإذن إقامتُهما بيانُ شواهدِ النبوة والعملُ بما قررته الشريعة من الأحكام كما يفصحُ عنه قولُه تعالى {وما أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ} أي القرآن المجيد بالإيمان به فإن إقامة الجميع لا تتأتَّى بغير ذلك وتقديم إقامة الكتابين على إقامته مع أنها المقصودةُ بالذات لرعاية حقِّ الشهادة واستنزالِهم عن رتبة الشِّقاق وإيرادُه بعنوان الإنزال إليهم لما مرّ من التصريح بأنهم مأمورون بإقامته والإيمان به لا كما يزعُمون من اختصاصه بالعرب وفي إضافة الربِّ إلى ضميرهم ما أشيرَ إليهِ من اللطف في الدعوة وقيل المراد بما أنزل إليهم كتب أنبياء بني إسرائيلَ كما مر وقيل الكتبُ الإلهية فإنها بأسرها آمرةٌ بالإيمان لمن صدَّقَتْه المعجزةُ ناطقةٌ بوجوب الطاعة له) اهـ

    وتنبّه أيضاً لعلة إيراد القرآن الكريم عند مخاطبة أهل الكتاب بعنوان "ما أنزل إليكم".

    وقال البيضاوي: قل يا أهل الكتاب لستم على شيء ( أي دين يعتد به ويصح أن يسمى شيئا لأنه باطل ) حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم) ومن إقامتها الإيمان بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) والإذعان لحكمه فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقه والمعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له والمراد إقامة أصولها وما لم ينسخ من فروعها انتهى

    وقال الشيخ الطنطاوي: (لستم على شيء يقام له وزن من أمر الدين حتى تعملوا بما جاء في التوراة والإنجيل، من أقوال تبشر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وحتى تؤمنوا بما أنزل إليكم من ربكم من قرآن كريم يهدى إلى الرشد: لأنكم مخاطبون به، ومطالبون بتنفيذ أوامره ونواهيه، ومحاسبون حسابا عسيرا على الكفر به، وعدم الإذعان لما اشتمل عليه) اهـ

    فهذا خلاصة ما قيل في معنى الإقامة وهو أن تُوفّى حقوقُهما بالعلم والاعتقاد والعمل بمقتضى ذلك، وهو كقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ..) الآية. التي جاءت قبل الآية التي نبحث فيها ما يفصل بينهما إلا آية واحدة! ولذلك تجد عدداً من المفسرين حين يفسّرون قوله تعالى: (وما أنزل إليكم من ربكم) يرجعون القارئ إلى تفسير قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) ولا يعيدون الكلام لأنّهما بمعنى واحد.

    وفيما يلي الأقوال في تأويل (وما أنزل إليكم من ربكم):
    أولاً: المراد القرآن العظيم
    وهو ما اختاره الجمهور ومنهم: الطبري، وابن كثير، والراغب، وابن عطية ونسبه لابن عباس وغيره، وصاحب الهداية إلى بلوغ النهاية، وأبو السعود، وأبو الليث السمرقندي، والثعالبي، والنسفي، والآلوسي، وصاحب روح البيان، وأبو زهرة، ومحمد رشيد رضا، وابن عاشور.

    ثانياً: المراد كتب أنبياء بني إسرائيل
    وهو ما ذكره الإمام الرازي وابن الجوزي ذكراه مع قول آخر هو القرآن، وذكره أبو السعود والآلوسي وغيرهما من المفسرين بصيغة التمريض، ولم أر مفسراً نسب هذا القول لأحد معيّن ممن اختاره، ولم أر مفسّراً اختاره وقوّاه. وهو كما رأيتم ما ألزَمنا عدنان القول به!

    ثالثاً: جميع الكتب الإلهيّة المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
    وبه قال الأقل من المفسرين ومنهم: الماتريدي، وأبو حيّان، والبيضاوي، والإيجي صاحب جامع البيان، وابن عجيبة..

    تنبيه: لو أدخلت في ذلك التوراة والإنجيل يكون من عطف العام على الخاص، ولو قلت ما عدا التوراة والإنجيل لأنهما مذكوران أولاً فلا يضرّ، لأنه في الحالين يكون ما اشترط عليهم إقامته ليكونوا على شيء هو مجموع الكتب السماوية وفي ضمنها القرآن. ومثل ذلك يقال في القول الثاني والمشروط هناك هو إقامة جميع ما نزل إلى أنبياء بني إسرائيل الذي في ضمنه التوراة والإنجيل وليس في ضمنه القرآن الكريم.


    وكلام البقاعي يفهم منه أن المراد جميع ما في كتب أهل الكتاب من البشارة بسيدنا محمد ووجوب اتباعه وما في القرآن الكريم المصدّق لما قبله. فكأنه أخرج الكتب التي لم تتنزل على أنبياء أهل الكتاب، فإن شئت أبقيته في القول الثالث وإن شئت أفردته في قول رابع. والأمر يسير.


    ولنرجع إلى كلام عدنان ولنذكر به من نسيه، قال: ("يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ" لا تقل لي القرآن، الله قال ما أنزل إليكم، في آية أخرى يقول أنزل إلينا وأنزل إليكم، إياك أن تخلط وتقول لي آه معناه أنزل إليكم القرآن، هذا كلام فارغ، أنزل إليكم وليس أنزل إلينا) اهـ

    أقول: لا بدّ أنّك قد لاحظت أيها القارئ الكريم أن عدنان قد صنع مع قول الجمهور في تفسيرهم لقوله تعالى: (ما أنزل إليكم) عين ما صنع مع قول الجمهور في قوله تعالى: (من أهل الكتاب أمة قائمة)، فهو يسمّيه ههنا أيضاً كلاماً فارغاً، ويحذرنا أن نأخذ بقولهم فنخلط كما كانوا يخلطون، ولا نريد أن نعيد ما قلناه هناك من أن هذا النهج ينافي أدب البحث والنظر عند العلماء، فما رأينا من اختار القول الثالث مثلاً يصف القول الأول بأنه كلام فارغ.. إلخ. وهو ما شنّع على هذا القول إلا أن يكون أحد رجلين: أن يكون معتقداً فعلاً أنه لا يجوز أن يقال ذلك في اللغة وأن جمهور العلماء غافلون عن هذا الأمر، وهذه مصيبة. أو أنه يعرف أنه يجوز ولكنه يشنع عليه ليصرف النظر عنه ويحقق غرضاً ومراداً آخر بصرف النظر عمّا تقتضيه الأدلة والواقع في نفس الأمر فالمصيبة أعظم!

    وعلى أي حال، إن علماءنا الأكابر ما كانوا يتكلمون بالكلام الفارغ، وما كانوا يخلطون، بل الذي يخلط هو أنت يا عدنان. وإنا لنراك في بحثك بالنسبة لما قالوه في بحوثهم قزماً صغيراً في مواجهة عمالقة عظام، أنت فعلاً كذلك، لا أبالغ في تعظيمهم ولا في تصغيرك، أنت فعلاً صغير، فلا تتشبّع بما لم تعطَ، فتكون كلابس ثوبي زور.


    ومشكلة عدنان مع قولهم الجمهور بأنهم أهل الكتاب ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل والقرآن، أنه لو سلّمه فكيف يصحّ قوله إن اليهود والنصاري لا يجب عليهم اتباع النبي صلى الله عليه وسلّم. فاضطرّ إلى نفي هذا القول. واستدل على ذلك بدليلين:

    الأوّل: أن الآية الكريمة قالت: (أنزل إليكم) وبما أن المخاطب هم أهل الكتاب، وما أنزل إليهم هو التوراة والإنجيل وكتب أنبيائهم ولا يدخل القرآن فيها لأنه لم ينزل إليهم، وعليه فلا يجوز أن يقال في خطاب أهل الكتاب (أنزل إليكم) ويراد به القرآن. هذا دليله الأول.

    والثاني: استئناسه بالآية الكريمة التي تقول: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) اهـ
    ولم يبيّن وجه الدلالة، وأنا أتبرّع ببيانه بالنيابة عنه: فالآية هنا قد ميّزت بين ما أنزل إلينا وما أنزل إليهم. ووجهه الاستدلال بها أن القرآن العظيم ما دام قد ميّز وفرّق بين ما أنزل إلينا وما أنزل إليهم هناك فيجب أن يميّز بين ما أنزل إلينا وما أنزل إليهم هنا.
    هذا تقرير دليليه على أحسن وجه.


    والجواب عن الأول:
    أنه تعالى قال (أنزل إليكم) مخاطباً أهل الكتاب وأراد بذلك القرآن المجيد؛ لأنهم من حيث إنهم مكلّفون بالإيمان به والعمل بما فيه فهو منزّل إليهم. فيصحّ أن يقال إنه أنزل إليهم كما يصحّ أن يقال إن الرسول صلى الله عليه وسلّم مرسل إليهم.

    فأورد جلّ شأنه القرآن الكريم بعنوان الإنزال إليهم لما مرّ من التصريح بأنهم مأمورون بإقامته والإيمان به لا كما يزعُمون من اختصاصه بالعرب. وإن كتبهم آمرة إياهم بالإيمان به وبوجوب الطاعة له كما ذكر لنا القرآن عنها، ولكنهم كانوا يكذبون ويفترون. وهذا المعنى مذكور في التفاسير ذكره أبو السعود، وغيره.

    وقال أبو زهرة ما معناه: عبر عن القرآن بما أنزل إليكم من ربكم، ولم يقل حتى تقيموا التوراة والإنجيل والقرآن- ليصرح بأنهم مخاطبون به، وأنهم ممن أنزل القرآن لأجلهم، وإلى ذلك يشير قوله - عليه الصلاة والسلام - "لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا أن يؤمن بما جئت به". اهـ

    قلت: ويؤيّده قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ)
    فذكر أنّ الكتاب المبين وهو القرآن العظيم قد جاءهم أيضاً فيكون منزلاً إليهم أيضاً. ويؤيده أيضاً أنّ أمّة سيدنا محمد أعني أمّة الدعوة هم جميع الإنس والجنّ وبهذا الاعتبار يكون القرآن الكريم منزّلاً إليهم. ولأنّ الكلام والجدل معهم في أمر هذا الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام واتباعه، فكأنه قال حتى تقيموا التوراة والإنجيل اللذان في أيديكم وتقيموا القرآن الذي أنزل إليكم وجاءكم به هذا الرسول عليه الصلاة والسلام.
    وهذا تخريج لمختار الجمهور باستعمال الضمير في معناه الحقيقيّ دون أن يكون مبناه على التجوز في الضمير، فهل تريدنا يا عدنان أن نخرّج لك المعنى على المجاز!

    والجواب عن الثاني:
    أنا نمنع وجوب أن يُلتزم استعمال كلمة أو جملة بمعنى واحد في جميع المواضع. كيف يلزم مثل ذلك وهذا مقام وذاك مقام. وهذا من الضروريات التي لا يليق بعاقل أن يتكلم فيها. ألا يرى عدنان أن كلمة (أهل الكتاب) مثلاً استعملت في القرآن الكريم بمعنى اليهود أحياناً، وبمعنى النصارى أحياناً، وبمعنى اليهود والنصارى معاً أحياناً، وبمعنى كلّ من أوتي كتاباً حتى المسلمون داخلون فيهم على قول البعض. فمن أين يجب أن تستعمل العبارة بمعنى واحد في كلّ سياق وكلّ موضع.


    فبان لك أن ما قاله عدنان في نفي قول الجمهور مردود عليه، وأن قول الجمهور قول سائغ قويّ، ولذلك تمسّك به أكابر المفسّرين، ومن لم يختر هذا القول من المحققين فقد اختار جميع الكتب السماويّة والقرآن داخل فيها بلا ريب. والسبب في اختيار بعض المحققين هذا القول أعني كون المراد من (ما أنزل إليكم) جميع الكتب بما فيها القرآن، أنها (الكتب السماوية) من حيث إنهم مكلّفون بالإيمان بها فهي منزلة إليهم كما علله البيضاوي، ولأنها بأسرها آمرةٌ بالإيمان لمن صدَّقَتْه المعجزةُ ناطقةٌ بوجوب الطاعة له، كما علله أبو حيّان. قال أبو حيّان: (وظاهر قوله: وما أنزل إليهم من ربهم العموم في الكتب الإلهية مثل: كتاب أشعياء، وكتاب حزقيل، وكتاب دانيال، فإنها مملوءة من البشارة بمبعث الرسول. وقيل: ما أنزل إليهم من ربهم هو القرآن) اهـ
    ولأن الإيمان ببعض الرسل وببعض الكتب، والكفر ببعض - لا ينفع؛ حتى يؤمن بالرسل كلهم وبالكتب جملة، كما علله الماتريدي.

    وعدنان إبراهيم قطعاً لا يقبل أياً من هذين القولين اللذين هما قول الغالبية العظمى من المفسرين حتى إني لم أهتد إلى من اختار القول الثاني الذي يحبه ويفضّله عدنان.

    فإن كان عدنان عالماً مجتهداً كما يدّعي فليبيّن لنا معنى إقامة التوراة والإنجيل وما إنزل إليهم، وليبسط الكلام كما بسطناه، وليرد عليّ قولي كما أردّ عليه قوله.

    يتبع إن شاء الله...
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  14. بارك الله فيك يا شيخ بلال وجعل ذلك في ميزان حسناتكم، وهذا الرحل يذكرني من خلال انحرافه بالدعاء المشهور: (اعوذ بالله من السلب بعد العطاء)، فكلامه فيه رائحة السلب والخذلان، فما ترك بابا من أبواب الانحراف والضلال إلا وقد ولجه والعياذ بالله.
    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    جزاك الله خيراً أخي حسين، كيف حالكم؟
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •