مقال - الوجه الآخرة للحداثة.
قامت الحداثة الأوربية في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر باسم العقل والعلم والتقدم، والتي أدت إلى تغير المنظومة الفكرية الإنسانية التي كانت تعتبرُ الإنسانَ عبداً مقهوراً ولسلطة وإرادة خارجية، وعليه أنْ يزهد في الدنيا لأنه يؤمن بنهاية التاريخ على الطريقة الموسوية والعيسوية، فتغيرت إلى أنَّ الإنسان هو مركز الكون، وكل شيء خاضع له، ولا سلطة خارجية تقيده، فالإنسان لا يسمع إلا لنفسه، والعقلانية أحق أن تتبع ، والعلم والتجربة هي الحقيقة فقط، فتفجرت قفزات علمية تطويرية رهيبة وسريعة دعمت ورسخت مبادئ الأيديولوجية الحداثية .
أصبح الإنسان الأوربي يعتقد أنَّ الحقيقةَ ليستْ شيئاً قديماً وثابتاً ومقدساً؛ لأنه سابقاً كان يظن أن الحقائق تكمن في قدمها، بل هي تتطور مع التاريخ وهي كلما كانت أحدث كانت اقرب للحقيقة والواقع، حتى أصبح المواطن الأوربي متلهفاً لسماع كلّ فلسفة جديدة تفسر له الحضارة وتُنَّظرُ لتعالي الإنسانية، إن الإنسان هو السوبرمان الذي عنده كلَّ الحلول لما يحدث وهو المنقذ الوحيد في الكون، يزداد اعتزازه بنفسه كلما نجح في تحقيق انجازات علميه وتقنية أكثر، وتزداد عنده شكيمة الصراع والنزاعات السلطوية على العالم، وتتعزز عنده أن التاريخ قد اختاره لهذا الدور العظيم وأنَّ عِرقه الآري الأبيض هو أرقى الأعراق في العالم، لهذا توسع في إدارة كل مناحي الحياة، وبما أن الأنظمة والقوانين والمعتقدات هي إنسانية عقلانية داخلية وغير مقدسة، دَفعهُ هذا إلى غربلتها من جديد والانقلاب عليها في اغلب الأوقات وإحلال أنظمة جديدة بدلها.
تحرك الغرب فاكتشف أمريكا ورأس الرجاء الصالح - التاريخ يذكر أن المسلمين اكتشفوا أمريكا قبل الأوربيين ب200سنة – ثم اكتشفوا الشرق كأرض بكر في معدنها وشعوبها الاستهلاكية، فأصبح الأوربي ينظر بعينه اليمنى إلى معامله الصناعية المتطورة في بلاده والراكدة في نفس الوقت بسبب شحة المواد الأولية وضعف الأسواق المستهلكة، وينظر بعينه الأخرى إلى بلاد شاسعة الأصقاع غنية بالمواد الأولية وغنية بالجمهور الاستهلاكي لبضائعه، فاندفعت تُغير منظومتها وتُحَدِثها للسيطرة على العالم الجديد، فاستحدثت فكرة الاستعمار (الاستخراب) واستحدثت منظومات اقتصادية جديدة، تعتمد على رأس المال الخاص والشركات الخاصة الكبرى، ثم استحدثت سباق التسلح العسكري لتحقيق هذه الأهداف، ولحماية المنجزات.
نحن أمام شعوب أوربية تُولد الحراك والإنتاج، تفكر وتستحدث أنظمة مساوقة لما تفكر به، وكلما تلكأت الأنظمة أدخلتها في فلترة جديدة لتساوق الحياة الجديدة، فأنتجت الرأسمالية والديمقراطية واللبرالية.
إنْ دخول نابليون لمصر ومعه بعض المفكرين الغربيين الفرنسيين الذين عيّروا العرب المصريين وأخبروهم : أن ركودهم ورتابتهم بسبب الأفكار والاعتقادات التي يعتنقونها.
إنَّ الغرب نجح في إقامة علاقات جديدة بين الدولة والأفراد وبين السياسة والاقتصاد، ولكنه لم يخضعها لمعيار خارجي إلهي أو أخلاقي ثابت، بل أخضعها لمعيار داخلي وهو العقلانية الإنسانية التي استخرجت معايير جديدة مثل المصلحة والمنفعة ونسبية الحقيقة وصيرورة الأخلاق وغيرها، فظهر الوجه الحقيقي للحداثة الأوربية المقنعة بالديمقراطية والحرية والمساواة.
تفطن المفكرون العرب لهذا الخراب المختفي خلف بهرجة العقلانية والتقدم والحضارة، ومن هذه الأمثلة د. عبد الوهاب المسيري وغيره.
يقول د. عبد الوهاب المسيري: أليس من الأجدى أن نتحدث عن التراكم الإمبريالي الأوربي بدلاً من الحديث عن التراكم الرأسمالي، باعتباره مفهوماً أكثر تفسيرية وأكثر قرباً من الواقع؟
إن مجمل ما نهبته انجلترا من الهند وحدها يفوق بمراحل ما قامت هي بإنتاجه إبان الثورة الصناعية، بل قامت كذلك بتصدير مشاكلها الاجتماعية إلى الشرق من فائض بشري (عمال عاطلون) إلى أعضاء أقليات غير مرغوب فيهم، كاليهود إلى فلسطين، كذلك صدرت مجرمين فاشلين كمرتزقة....
إن ما يحدث في إسرائيل من تطور في الاقتصاد والبحوث العلمية المبتكرة والترسانة النووية العسكرية لا يمكن فصله عن الدعم السياسي والعسكري والمالي الأمريكي ثم الغربي لها، لا يمكن فصله عن عشرات البلايين من الدولارات التي تصب سنوياً في مجتمع لا يتجاوز عدد سكانه خمسة ملاين، لا يمكن فصله عن ممارسات أللامبريالية والتعسفية ضد الإنسانية العربية والفلسطينية على وجه الخصوص.
إن الحديث عن النموذج المعرفي الحضاري الغربي بمعزل عن ظاهرة الامبريالية هو تحيز كبير وخلل تحليلي جوهري ... هل نتحدث عن الظاهرة النازية والفلسفة التي ولدت هذه النزعة الطائفية العرقية الدموية، هذه الفلسفة الدارونية التي أسست لمبدأ الصراع وحب السيطرة والبقاء للأقوى، التي سفكت أرواح الملايين في أرجاء العالم.
لكلِّ شيء ثمن، والتقدم الحداثي الأوربي له ثمن عاجل محسوس، وله ثمن آجل أفدح من ثمنه الأول ويشمل:
1- انقلاب الأيديولوجيات، فنذرُ الاعتقادَ بإله خارجي له قدرة وإرادة نافذة في ملكة، وإن كان له مُلك فقد تم نزوع ملكه منه عنوة، وتعلن وفاة الإله، ويُقلد العقل تاج الملك ليمض بنا حيث يريد.
2- انقلاب الحقائق، فالحقائق الثابتة والمقدسة أصبحت أوهام وأساطير والمعرفة بها نسبية أو غير ممكنة.
3- الشك والحيرة والقلق، لأننا لا نعرف كيف خلقنا ولا إلى أين المصير، ولعل داورن ونيتشه هما الصادقان.
4- عدم معرفتنا بالواقع، فهل نحن خرجنا من العولمة أو ما بعد الحداثة أو ما زلنا فيها .
5- انحلال المنظومة الأخلاقية القديمة، وقيام منظومة جديدة مبنية على الحرية الشخصية وقيام أنظمة تحمي هذه المنظومة.
6- تفشي المخدرات والإباحية بدعوى الانسجام مع الطبيعة وأنَّ الأديان مارست سلطة قمعية ضد رغبات الإنسان.
7- تآكل الأسرة وتراجع التواصل والمراقبة الأسرية .
8- ترويج السلع التافهة والغير نافعة، مما تزيد ثقل الإنفاق على كاهل المواطن الذي تحول مع هذه الأنظمة إلى ماكينة عمل يومية ليسدد فواتير الحياة الجديدة.
9- ارتفاع وتيرة التشنج بين الدول المتقدمة وسرعة التسابق المسلح، حتى غدت أغلب الدول المتقدمة تصرف أغلب ميزانيتها على نشر السلاح والحروب في العالم.
10- ظهور الأمراض كالإيدز والسرطان بصورة غير مألوفة سابقاً.
11- تزايد أعداد الجريمة في المجتمع ، وتزايد عدد السجون حتى تصبح نفقات الدولة لحل مشكلة الجريمة وضبط السجون تكلف الدولة أكثر مما تكلفها في الإنفاق على التعليم أو الصحة أو الغذاء، وما فعلته إيطاليا في أخر سنة 2011م، من تبيض السجون لتقليص التكاليف خير دليل على قولنا.

نستخلص مما مضى أنَّ الحداثة ثورة في النظم الاقتصادية، وفي النظم العلمية المبنية على الملاحظة والتجربة، وفي النظم الفكرية المبنية عل العقل وفي النظم السياسية وأخيراً في نظم الإصلاح الديني، وهذه الثورات كانت لها منتجات جديدة وهي إعلاء الفردية والحرية والمساواة والعقلانية والديمقراطية والعلمانية، وهذه المنتجات لها وجهان: الوجه الأول المتمثل بالتقدم الحضاري المذهل، والثاني المتمثل بالخراب الحضاري المذهل. انتهى.