صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 21 من 21

الموضوع: هل كلام الله عبارة عن المعنى واللفظ القديمين القائمين بذات الله؟

  1. أورد رسالة العلامة الغرسي الخاصة بموضوعنا , حيث حقق المسألة أيما تحقيق وكفانا مؤونة البحث والتمحيص :

    يقول الغرسي :


    ((تحقيق مسألة كلام الله تعالى

    بسم الله الرحمن الرحيم

    افترق المسلمون في مسألة كلام الله تعالى هل هو قديم أو مخلوق، وإذا كان قديماً فما هو حقيقته إلى مذاهب شتى نبينها فيما يلي:

    1- (إجمال المذاهب في مسألة خلق القرآن).

    أجمع أهل السنة سلفهم وخلفهم على أن كلام الله تعالى وصف قديم قائم بذاته تعالى.

    وذهبت المعتزلة إلى أن كلام الله تعالى مخلوق، وأنه ليس بقائم بذاته تعالى، وقالوا: إن كلام الله تعالى مؤلف من أصوات وحروف مترتبة، وهو قائم بغيره تعالى، وأن معنى كونه متكلماً كونه موجداً لتلك الحروف والأصوات في جسم كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي أو غيرها كشجرة موسى عليه الصلاة والسلام، فأثبتوا لله تعالىالكلام اللفظي فقط، ونفوا عنه الكلام النفسي، كما نفوا قيام الكلام بذاته تعالى، ومذهبهم هذا مردود بأمور:

    منها، أنه مخالف للغة فأن الله تعالى وصف نفسه في كتابه بالكلام، ووصفه أنبيائه بكونه متكلماً والمتكلم في اللغة من قام به الكلام لا من أوجد الكلام في غيره كما أن العالم والضارب من قام به العلم والضرب لا من أوجد العلم والضرب في غيره.

    ومنها: أن الله تعالى آمر ناه مخبر والأمر والنهي والإخبار من أنواع الكلام، والآمر الناهي المخبر من قام به الأمر والنهي والخبر، فقام الكلام بذاته تعالى وما قام به تعالى قديم فكلام الله تعالى قديم.

    ومنها: أن هذا المذهب مستلزم للتسلسل، وقد أوضحه الإمام البيهقي في كتابه “ الأسماء والصفات “ ( 226 ) بقوله: قال الله تعالى: (إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) فوكد القول بالتكرار، ووكد المعنى بإنما، وأخبر أنه إذا أراد خلق شيء قال له: كن، ولو كان قوله: (كن) مخلوقاً لتعلق بقول آخر، وكذلك حكم ذلك القول حتى يتعلق بما لا يتناهى، وذلك يوجب استحالة القول، وذلك محال. فوجب أن يكون القول آمرا أزليا متعلقا بالمكون فيما لا يزال، فلا يكون لا يزال إلا وهو كائن على مقتضى تعلق الأمر به، وهذا كما أن الأمر من جهة صاحب الشرع متعلق الآن بصلاة غد، وغد غير موجود، ومتعلق بمن لم يخلق من المكلفين إلى يوم القيامة، وبعدُ لم يوجد بعضهم، إلا أن تعلقه بها وبهم على الشرط الذي يصح فيما بعد، كذلك قوله تعالى في التكوين، والله أعلم. انتهى.

    وذهبت الكرامية إلى أن كلامه تعالى صفة له مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة. وقائمة بذاته تعالى، فجوزوا قيام الحوادث بذاته تعالى، وهذا المذهب مردود بدليل امتناع قيام الحوادث بذات الله تعالى.

    فالكلام على هذين المذهبين القائلين بحدوثه عبارة عن الأصوات والحروف والكلمات اللفظية.

    هذا هو الخلاف الإجمالي بين الفرق الإسلامية في مسألة الكلام.

    وقد اختلف أهل السنة في أن كلام الله القديم القائم بذاته تعالى ما هو إلى مذاهب شتى ونبين هذه المذاهب فيما بعد إن شاء الله تعالى.

    2-{نظرة إلى مسألة خلق القرآن من الجهة التاريخية}

    وقبل ذلك نريد أن نتعرض للمسألة من الجهة التاريخية، متى نشأت؟ وممن؟ وكيف تطورت وصارت مدار للصراع العنيف بين الفرق الإسلامية؟ كما صارت أحد أسباب الجرح والتعديل بين المحدثين، فنقول وبالله التوفيق:

    مسألة خلق القرآن لم تكن معروفة على عهد الصحابة رضوان تعالى عليهم أجمعين، وإنما حدثت بعد انقضاء عصرهم.

    قال البيهقي في “ الأسماء والصفات “ ( 244 ) قال أبو أحمد بن عدي الحافظ: لا يعرف للصحابة رضي الله تعالى عنهم الخوض في القرآن، قلت: إنما أراد به أنه لم يقع في الصدر الأول ولا الثاني من يزعم: أن القرآن مخلوق، حتى يحتاج إلى إنكاره، فلا يثبت عنهم شيء بهذا اللفظ الذي روينا (يعني أن كلام الله غير مخلوق).

    3-{أول من بخلق القرآن الجعد بن درهم، وأول من قال: القرآن غير مخلوق الإمام جعفر الصادق}

    أما أول من قال بخلق القرآن فهو الجعد بن درهم، وتابعه عليهم جهم بن صفوان، ثم بشر المريسي، ثم سائر المعتزلة.

    وأول من حفظ أنه قال: القرآن غير مخلوق هو الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر، وتابعه عليه علماء الأمصار.

    قال البيهقي ( 253 ) أخبرنا محمد بن عبد الحافظ قال سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت محمد بن علي المشيخاني يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، عليه أدركنا علماء الحجاز أهل مكة والمدينة، وأهل الكوفة والبصرة، وأهل الشام ومصر، و علماء أهل خراسان.

    ثم قال البيهقي ( 254 ): وحدثني أبو جعفر محمد بن عبد الله قال حدثني محمد بن قدامة الدلال الأنصاري: قال سمعت وكيعاً يقول: لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر قولهم، وإنما يذهبون إلى التعطيل.

    قلت (القائل هو البيهقي): وقد روينا نحو هذا عن جماعة آخرين من فقهاء الأمصار وعلمائهم رضي الله تعالى عنهم،ولم يصح عندنا خلاف هذا القول عن أحد من الناس في زمن الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

    وأول من خالف الجماعة في ذلك الجعد بن درهم، فأنكر عليه خالد بن عبد الله القسري وقتله (بواسط).

    وقال البيهقي ( 247 ): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أخبرني أحمد بن محمد ابن عبدوس: قال: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: سمعت علياً –يعني ابن المديني- يقول في حديث جعفر بن محمد: ليس القرآن بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله تعالى: قال علي: لا أعلم أنه تكلم بهذا الكلام في زمان أقدم من هذا، قال علي: هو كفر، قال أبو سعيد: يعني من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.

    قال الكوثري في تأنيب الخطيب ( 106-107-108 ): قال ابن أبي حاتم في كتاب “ الرد على الجهمية “ سمعت أبي يقول: أول من أتى بخلق القرآن الجعد بن درهم في سنة نيف وعشرين ومائة، ثم جهم بن صفوان ثم بعدهما بشر بن غياث (المريسي) وقال اللالكائي في “ شرح السنة “ : ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: القرآن مخلوق، الجعد بن درهم في سنة نيف وعشرين ومائة، انتهى.

    وألقي القبض على جعد في سنة 128 هـ، وكان قتله أيضاً في تلك السنة على ما يذكره ابن جرير.

    ولم يحل قتل جعد دون شيوع رأيه في القرآن، فافتتن به أناس وشايعه مشايعون، ونافره منافرون، فحصلت الحيدة عن العدل إلى إفراط وإلى تفريط من غير معرفة كثير منهم لمغزى هذا المبتدع، أناس جاروه في نفي الكلام النفسي، وأناس قالوا في معاكسته: بقدم الكلام اللفظي.

    ولما رئي أبو حنيفة ذلك تدارك الأمر وأبان الحق، فقال:

    ما قام بالله غير مخلوق، وما قام بالخلق مخلوق.

    يريد أن كلام الله باعتبار قيامه بالله صفة له كباقي صفاته في القدم.

    وأما ما في ألسنة التالين وأذهان الحفاظ والمصاحف من الأصوات والصور الذهنية والنقوش فمخلوقة كخلق حاملها، فاستقرت آراء أهل العلم والفهم على ذلك بعده، انتهى كلام الكوثري.

    (مسألة اللفظ)

    وهكذا مضى السلف على القول بأن القرآن غير مخلوق، وعلى تبديع أو تكفير من قال بخلق القرآن، وكان ذلك منهم بدون بحث وتنقيب عن الأشياء الغامضة في المسألة، وبدون تشقيق لها على طريقة علماء الكلام. قال الإمام البخاري في كتابه “ خلق أفعال العباد “ (62).

    المعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام والخوض والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم،وبينه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. انتهى.

    وهكذا مضى السلف على القول بأن القرآن غير مخلوق، ولم ينقل عن أحد منهم أنه فرق بين المتلو والتلاوة، وقال بأن المتلو قديم والتلاوة حادثة إلا ما نقل عن أبي حنيفة رضي الله عنه من الإشارة إلى ذلك بقوله: (ما قام بالله تعالى غير مخلوق، وما قام بالخلق مخلوق)، وهو كلام يستحق أن يكتب بماء الذهب.

    4-{أول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق الحسين بن علي الكرابيسي}

    واستمر الحال على ذلك إلى أن جاء الحسين بن علي الكرابيسي، وكان –كما قال تاج الدين السبكي في (طبقات الشافعية ( 2/118-119 ) من متكلمي أهل السنة أستاذاً في علم الكلام، كما هو أستاذ في الحديث والفقه، وله كتاب في المقالات هو عمدة من أتى بعده في معرفة الفرق الإسلامية.

    وقال الذهبي في “ سير أعلام النبلاء “ ( 12/80-82 ) وكان الكرابيسي من بحور العلم ذكياً فطناً فصيحاً لسنا، تصانيفه في الفروع والأصول تدل على تبحره.

    فأظهر الكرابيس مسألة اللفظ، وفرق بين المتلو والتلاوة، وقال: لفظي بالقرآن مخلوق، قال الذهبي في تاريخ الإسلام ( 18/84 ): وأول من أظهر اللفظ الحسين بن علي الكرابيسي، وكان ذلك في سنة أربع وثلاثين ومائتين. انتهى.

    وتابع الكرابيسي في مقالته هذه كثير من الأئمة: عبد الله بن كلاب، وأبو ثور، وداود بن علي و طبقاتهم، قاله ابن عبد البر في الانتفاء ( 106 )، وقال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية ( 2/118-119 ): ومقالة الحسين هذه قد نقل مثلها عن البخاري والحارث بن أسد المحاسبي، ومحمد بن نصر المَرْوَزي وغيرهم.

    فلما بلغت مقالة الكرابيسي هذه الإمام أحمد أنكرها وهجره من أجل ذلك، فكان كل واحد منهما يتكلم في الآخر، فتجنب الناس أخذ الحديث عن الكرابيسي لهذا السبب، فعز حديثه.

    قال الذهبي في السير ( 12/81-82 ) قال الحسين في القرآن: لفظي به مخلوق، فبلغ قوله أحمد فأنكره، وقال: هذه بدعة، فأوضح حسين المسألة، وقال: تلفظك بالقرآن يعني غيرَ الملفوظ، وقال في أحمد: أي شيء نعمل بهذا الفتى؟ إن قلنا مخلوق قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة، فغضب لأحمد أصحابه ونالوا من الحسين، وقال أحمد إنما بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، وتركوا الآثار.

    قال ابن عدي: سمعت محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي يقول لتلامذته: اعتبروا بالكرابيسي وأبو ثور، فالحسين في علمه وحفظه لا يعشره أبو ثور فتكلم فيه أحمد بن حنبل في باب مسألة اللفظ فسقط، وأثنى على أبي ثور فارتفع للزومه السنة.

    مات الكرابيسي سنة ثمان وأربعين، وقيل: خمس وأربعين ومائتين.

    ثم قال الذهبي: ولا ريب أن ما ابتدعه الكرابيسي وحرره في مسألة اللفظ، وأنه مخلوق هو حق لكن أباه الإمام أحمد لئلا يتذرع به إلى القول بخلق القرآن، فسد الباب لأنك لا تقدر أن تفرز اللفظ من الملفوظ الذي هو كلام الله إلا في ذهنك. أقول: الفرق بينهما ليس ذهنيا فقط لأن ما قام بالله تعالى أمر مغاير في الخارج لما قام بالإنسان من اللفظ

    وقال الذهبي أيضاً في السير ( 11/288-290 ):

    قلت: الذي استقر عليه الحال أن أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، وأنه قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، فكان رحمه الله لا يقول هذا ولا هذا.

    وربما أوضح ذلك فقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي، قال البيهقي في الأسماء والصفات ( 266 ): هذا تقييد حفظه عنه ابنه عبد الله وهو قوله: يريد به القرآن، فقد غفل عنه غيره ممن حكي عنه في اللفظ خلاف ما حكيناه، حتى نسب إليه ما يتبرأ منه فيما ذكرناه.

    ثم قال الذهبي: فقد كان هذا الإمام لا يرى الخوض في هذا البحث خوفاً من أن يتذرع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولى ...

    ومعلوم أن التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه، فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق، وإخراج الكلمات من أدواتها المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن ولا ترتيبه، ولا تأليفه ولا معانيه.

    فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين إذ كل من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. وقال في تاريخ الإسلام ( 18/86 ): اللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا أي بين الملفوظ الذي هو كلام الله والتلفظ الذي هو كسب القارئ –ولذا لم يجوز الإمام أحمد لفظي بالقرآن مخلوق ولا غيرمخلوق إذ كل من الإطلاقين موهم.

    وقال تاج الدين السبكي في الطبقات ( 2/118-119 ):

    والذي عندنا أن أحمد رضي الله عنه أشار بقوله هذه بدعة إلى الجواب عن مسألة اللفظ، إذ ليس مما يعني المرء، وخوض المرء فيما لا يعنيه من علم الكلام بدعة، فكان السكوت عن الكلام فيه أجمل وأولى، ولا يظن بأحمد أنه يدعي أن اللفظ الخارج من الشفتين قديم .. ثم قال:

    وبما قال أحمد نقول، فنقول: الصواب عدم الكلام في المسألة رأساً ما لم تدع إلى الكلام حاجة ماسة.

    وأما البخاري فكان يرى ما ذهب إليه الكرابيسي من غير أن يصرح به بل كان يشير إليه بقوله: أفعال العباد مخلوقة، وكان ذلك منه خوفاً من الرأي العام عند المحدثين المنكرين على من يتكلم بمثل هذا الكلام.

    وقال الذهبي في السير ( 11/510 ): وأما البخاري فكان من كبار الأذكياء فقال: ما قلت: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإنما حركاتهم وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله غير مخلوق، وصنف في ذلك كتاب “ أفعال العباد “ مجلد، فأنكر عليه طائفة وما فهموا مرامه كالذهلي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبو بكر الأعين وغيرهم، ومثل ما قاله الذهبي مما نقلناه عنه هنا قال البيهقي في كتابه الأسماء والصفات، انظر ( 260-266 ).

    وأما الإمام مسلم بن الحجاج فكان يظهر هذا القول ولا يكتمه (انظر سير أعلام النبلاء 12/572 ).


    يتبع كلام الغرسي....
    من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!

  2. [color="#0000cd"][color="#ff0000"][مذاهب فرق أهل السنة في الكلام القديم]

    وقد اختلف علماء أهل السنة في أن القرآن القديم القائم بذاته تعالى عبارة عن أي شيء هو؟.

    (مذهب جمهور السلف في الكلام القديم)

    فالسلف الذين تقدم ذكرهم ونقلنا كلامهم آنفاً على أن القرآن الذي قالوا بقدمه عبارة عن اللفظ العربي المنزل على محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فهم على أن القديم القائم بذاته تعالى هو لفظ القرآن، وقيام لفظه يستلزم قيام معناه به تعالى لأن المعنى هو الأصل، بل القرآن عبارةعن اللفظ والمعنى معاً، لكنهم لم يصرحوا بقيام المعنى به تعالى لظهوره، ولأنه لم يكن من عادتهم تشقيق الكلام،

    وليس القرآن عند هؤلاء السلف عبارة عن المعنى النفسي فقط كما ذهب إليه عبد الله بن سعيد بن كلاب وجمهور الأشاعرة، والدليل على ذلك أمور.

    الأول: أنه عندما ندقق النظر في تعبيراتهم وفي سياق كلامهم نرى أنهم كانوا يقصدون القرآن المنزل على محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو اللفظ العربي.

    الثاني: أن إنكار بعضهم كالإمام أحمد رضي الله عنه على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وتحرج بعضهم عن ذلك كان لأجل إيهام هذا الكلام أن الملفوظ مخلوق، ولأنه قد يتذرع به إلى القول بخلق الملفوظ، مع أن الملفوظ عندهم قديم، والملفوظ إنما هو الكلام اللفظي، وأما الكلام النفسي الذي هو عبارة عن معنى الملفوظ فلا يمكن التلفظ به، وكذلك قول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق حيث قال ذلك، وتحرج عن أن يقول: ملفوظي مخلوق ليس إلا لأن الملفوظ عنده غير مخلوق.

    الثالث: أنه لم تجر المحنة التاريخية المعروفة بمحنة خلق القرآن على أهل السنة إلا لامتناعهم عن القول بخلق القرآن بمعنى اللفظ المنزل، فإن ذلك هو الذي كان يريد المعتزلة من أهل السنة القول به، لأن المعتزلة لم يقولوا إلا بالكلام اللفظي دون النفسي، فلو كان السلف قائلين بقدم الكلام النفسي، وحدوث اللفظي كما عليه جمهور الأشاعرة لكانوا موافقين للمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، ولما جرت عليهم المحنة المعروفة. وليس الكلام عند السلف عبارة عن الحروف والأصوات حتى يلزم حدوثه، وذلك لأن الحروف والأصوات لابد فيها من الترتيب والتقدم والتأخر والابتداء والانقضاء، وهذه لا تكون إلا في الحادث، بل الكلام عندهم عبارة عن الألفاظ النفسية بترتيب وتقدم وتأخر ذاتي لا زماني، وبدون ابتداء ولا انقضاء، وبدون أصوات

    قال العلامة المحقق البياضي في “ إشارات المرام “ ( 169 ): قال بعض المحققين: ليس معناه أنه ليس بين أجزائه ترتب وضعي، وهيئة تأليفية، كيف والحروف بدونه لا تكون كلمة، والكلمة بدونه لا تكون كلاماً، والدلالة على المعاني الوضعية والمزايا الخطابية لا يتم بدونه، بل معناه أنه ليس بينها ترتيب في الوجود، ولا تعاقب فيه حتى يكون وجود بعضها مشروطاً بانقضاء البعض كما في القراءة، فإنه لا يمكن أن يتلفظ ببعض الحروف ما لم يفرغ من بعضها لعدم مساعدة الآلات للتلفظ بجميع الحروف معاً، بخلاف وجودها في ذات الباري تعالى، فإن وجود جميعها هناك معاً لازم لذاته تعالى دائم بدوامه، فلا يلزم حدوث شيء منها، ومما يحاكي ذلك محاكاة بعيدة وجود الألفاظ في نفس الحافظ، فإن جميع الحروف بهيئاتها التأليفية العارضة لموادها ومركباتها المحفوظة في نفسه مجتمعة الوجود فيها، وليس وجود بعضها مشروطاً بانقضاء البعض وانعدامه عن نفسه .. فبطل ما يتوهم من أنه إذا لم يكن ترتيب لا يبقى فرق بين ملع ولمع ونظائرهما.

    وقال الإمام البيهقي في كتاب “ الأسماء والصفات “ ( 273 ):

    الكلام هو نطق نفس المتكلم بدليل ما روينا عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في حديث السقيفة: فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر رضي الله تعالى عنهما، فكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاماً أعجبني.

    وفي رواية أخرى: وكنت زودت مقالة أعجبتني، فسمى تزوير الكلام في نفسه كلاماً قبل التلفظ به.

    ثم إن كان المتكلم ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات، وإن كان المتكلم غير ذي مخارج سمع كلامه غير ذي حروف وأصوات، والباري جل ثنائه ليس بذي مخارج وكلامه ليس بحروف وأصوات، فإذا فهمناه ثم تلوناه تلوناه بحروف وأصوات.

    (مذهب الإمام أحمد في الكلام القديم)

    وأما مذهب الإمام أحمد فقد ثبت عنه بطرق صحيحة أنه كان يقول: القرآن من علم الله، واستدل على ذلك بالكتاب مثل قوله تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) (البقرة: من الآية 120 ) وقوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) (آل عمران: من الآية61) وقال: القرآن من علم الله فمن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم، وانظر الشريعة للآجري ( 71-72 ) وحلية الأولياء لأبي نعيم ( 9/219 ) وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ( 4/375 ) ومناقب الإمام أحمد لابن الجوي ( 433-435 )، وسير أعلام النبلاء للذهبي ( 11/243-245-286 ) وتاريخ الإسلام للذهبي ( 18-99-101 ) وطبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي.

    قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 11/286 ): قال الإمام أحمد في آخر رسالة أملاها على ابنه عبد الله .. القرآن من علم الله .. وقد روي عن غير واحد ممن مضى من سلفنا أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أدري الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو عن أصحابه أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود، ثم قال الذهبي: فهذه الرسالة إسنادها كالشمس.

    وقال في تاريخ الإسلام ( 18-386 ):

    قلت: رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات، أشهد بالله أنه أملاها على ولده، ورواها أبو نعيم في حلية الأولياء وابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ، انتهى.

    وقد تابع الإمام أحمد على أن القرآن من علم الله تعالى ابن حزم في “ الفصل “ وفي “ الدرة “ .

    وإذا كان القرآن عند الإمام أحمد من علم الله، ولا ريب أن علم الله تعالى ليس عبارة عن الحروف والأصوات، فالقرآن عنده على هذا ليس عبارة عن الحروف والأصوات والقرآن من كلام الله تعالى، فكلام الله ليس عبارة عن الحروف والأصوات.

    لكنه قد جاء عن الإمام أحمد أن الله يتكلم بصوت، قال الذهبي في تاريخ الإسلام ( 18/88 ): قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب “ الرد على الجهمية “ تأليفة: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت، فقال أبي: بل تكلم –جل ثنائه- بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جائت،وقال أبي: حديث ابن مسعود: إذا تكلم الله سمع له صوت كمر السلسلة على صفوان، قال: وهذه الجهمية تنكره، وهؤلاء يريدون أن يموهوا على الناس، ثم قال: حدثنا المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً،

    هكذا روي عن الإمام أحمد أن الله يتكلم بصوت وهو مناقض لما ثبت عنه أن كلام الله تعالى من علمه. وما قاله الإمام أحمد من أن القرآن من علم الله، وأن الله يتكلم بصوت -إن ثبت هذا عنه- جار على مذهبه من الوقوف في باب العقيدة عند ظواهر النصوص، وعدم تجاوزها وكراهة البحث والتنقيب عن الأمور الغامضة، كما قال فيما نقلنا، عنه آنفاً: لست بصاحب كلام، ولا أدري الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب الله أو حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو عن أصحابه أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود، وكما قال الإمام البخاري عنه: في “ خلق أفعال العباد “ (62): المعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام والخوض والتنازع إلا فيما جاء به العلم، وبينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهى فإن الإمام أحمد ظاهري المذهب في العقيدة كما أن مذهبه في الفقه أقرب المذاهب إلى الظاهر، ومن أجل ذلك لم يعده بعض العلماء من المجتهدين وعدوه من المحدثين، ومن أجل ذلك اختار ابن حزم مذهبه أن القرآن من علم الله.

    ومما ينبغي التنبيه عليه أن الإمام أحمد قال بالصوت لورود ظاهر الخبرية ولم يقل بالحرف أي بأن الله تعالى يتكلم بالحروف لعدم ورود الخبر بذلك، وقد أخطأ من نسب القول بأن الله يتكلم بالحروف وتعاقب الكلمات إلى الإمام أحمد أو غيره، وممن نسب هذا القول إليه ابن القيم قال في نونيته: وآخرون كأحمد (بن حنبل) ومحمد (البخاري) قالوا: لم يزل متكلماً بمشيئة وإرادة وتعاقب كلمات.

    قال الإمام تقي الدين السبكي في تعليقه على النونية: هذا هو الذي ابتدعه ابن تيمية، والتزم به حوادث لا أول لها، والعجب قوله مع ذلك: إنه قديم.

    وحين النطق بالباء لم تكن السين موجودة، فإن قال: النوع قديم، وكل واحد من الحروف حادث عدنا إلى الكلام في كل واحد من حروف القرآن، فيلزم حدوثها وحدوثه، فالذي التزمه من قيام حوادث بذات الرب لا ينجيه بل يرديه.

    وهذا آفة التخليط، والتطفل على العلوم، وعدم الأخذ عن الشيوخ. انتهى.

    أي ويلزم هذا القول أن يكون الله محلاً للحوادث، وابن تيمية تابع الكرامية في ذلك، وأربى عليهم بدعوى القدم النوعي في الكلام كما قال الفلاسفة بالقدم النوعي في دورات الفلك، مع أنه لا وجود للكلي إلا في ضمن أفراده، فلا وجه للوصف بالقدم بعد الاعتراف بحدوث كل فرد من أفراده بل هما، دعويان متناقضتان، فهذا المذهب ينقض نفسه بدون أن ينقضه أحد.

    ومعنى قول أحمد: (إن الله لم يزل متكلماً إن شاء) أن الكلام صفة قديمة قائمة بذاته تعالى وأن الله تعالى يكلم أنبيائه متى شاء بالوحي أو من وراء الحجاب، أو بإرسال الرسل كما قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) (الشورى: من الآية51).

    وقد كان الله تعالى متكلماً قبل أن يكلم الأنبياء كما أنه كان خالقاً قبل أن يخلق الخلق.

    وأما الصوت فلم يثبته لله تعالى جمهور علماء الأمة، وإنما أثبتوا لله تعالى الكلام الذي هو نطق نفس المتكلم كما قدمنا بيانه، قال البيهقي: إن كان المتكلم ذا مخارج سمع كلامه ذا حروف وأصوات، وإن كان المتكلم غير ذي مخارج سمع كلامه غير ذي حروف وأصوات، والباري جل ثنائه ليس بذي مخارج، وكلامه ليس بحرف وصوت، فإذا فهمناه ثم تلوناه تلوناه بحروف وأصوات، ثم قال البيهقي ( 273 ، 276 ): ولم يثبت صفة الصوت في كلام الله عز وجل أو في حديث صحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غير حديثه (أي غير حديث عبد الله بن أنيس) وليس بنا ضرورة إلى إثباته (لأنه قد نقده قبل هذا الكلام) وحديثه هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يحشر الله العباد -أو قال الناس- عُراة غُرْلاً بُهْما، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما سمعه من قَرُبَ أنا الملك الديان).

    وقد يجوز أن يكون الصوت فيه إن كان ثابتاً راجعاً إلى غيره كما روينا عن عبد الله بن مسعود موقوفاً، وموقف الصحابي في ما لا مجال للرأي فيه من المرفوع حكما “ إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاء “ وفي حديث أبي هريرة: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خصعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان) ففي هذين الحديثين الصحيحين دلالة على أنهم يسمعون عند الوحي صوتاً لكن للسماء ولأجنحة الملائكة، تعالى الله عن شبه المخلوقين علواً كبيراً .. وكما روينا عن نبينا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: (أنه كان يأتيه الوحي أحياناً في مثل صلصلة الجرس) وكل ذلك مضاف إلى غير الله سبحانه. وذكر البيهقي هنا جملة من الأحاديث التي ورد فيها ثبوت الصوت لله تعالى، وبين ضعف جملة منها، وما كان منها صحيحاً حمله على إضافة الصوت فيها إلى غيره تعالى.

    وقال القاضي أبو بكر بن العربي في “ عارضة الأحوذي شرح الترمذي: لا يحل لمسلم أن يعتقد أن كلام الله تعالى صوت وحرف لا من طريق العقل ولا من طريق الشرع، فأما طريق العقل فلأن الصوت والحرف مخلوقان محصوران وكلام الله يجل عن ذلك كله، وأما من طريق الشرع فلأنه لم يرد في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوت وحرف من طريق صحيحة، ولهذا لم نجد طريقاً صحيحة لحديث ابن أنيس، وابن مسعود.


    يتبع كلام الغرسي...
    من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!

  3. [co

    (مذهب جمهور الأشاعرة والماتريدية في الكلام القديم)

    وذهب جمهور الأشعرية والماتريدية إلى أن كلام الله القديم القائم بذاته عبارة عن المعنى النفسي فقط، ولم يثبتوا الكلام اللفظي القديم لله تعالى لا اللفظي النفسي، ولا اللفظي المؤلف من الحروف والأصوات، وقالوا: إن القرآن يطلق على اللفظ وعلى المعنى النفسي والقائم بالله تعالى هو المعنى النفسي وأما اللفظ فمخلوق لله تعالى انفرد الله بخلقه بدون كسب من أحد فيه، وبهذا المعنى يضاف إلى الله تعالى ويقال: إنه كلام الله، لكنهم منعوا إطلاق الحادث عليه إلا في مقام التعليم لإيهامه حدوث القرآن القائم بذاته تعالى الذي هو المعنى النفسي.

    وشبهتهم في ذلك هي شبهة المعتزلة من أن اللفظ لابد فيه من الترتيب والتقدم والتأخر والابتداء والانقضاء، وهذا لا يكون إلا في الحادث.

    وهذا منهم قياس للغائب على الشاهد ومن المقرر أنه غير مقبول، فإن الترتيب المذكورة إنما هو في كلام المخلوق لعدم مساعدة الآلات، وأما كلام الله تعالى فهو اللفظ مع المعنى وهو لفظ نفسي كالمعنى قائم بذاته تعالى بترتيب وتقدم وتأخر ذاتي لا زماني، وبدون ابتداء، ولا انقضاء، وقد قدمنا بيانه. ومن نظائره التي تقربه إلى الأفهام أننا حين نكتب بالقلم فلابد –من أجل وجود الكتابة- من الترتيب الزمني، وأما حينما نستنسخ المكتوب بآلة الاستنساخ ونطبعه فلا يوجد في الاستنساخ والطباعة ترتيب زمني لا بين الكلمات ولا بين الحروف مع وجود الترتيب الذاتي فيها، وإلا لما كانت كلمات ولا جملاً ولا كلاماً.

    وأول من ذهب إلى هذا القول من قدماء أهل السنة هو أبو محمد عبد الله بن سعيد القطان المعروف بابن كُلاّب من متكلمة أهل السنة وأبو العباس القلانسي وقالا: إن كلام الله القائم بذاته صفة واحدة في الأزل لا يتصف بالأمر والنهي والخبر في الأزل، إنما يتصف بذلك ويصير أحد هذه الأشياء فيما لا يزال بحسب التعلق، فهي ليست أنواعاً حقيقية للكلام حتى يرد ما اعترض به على هذا المذهب من أن الجنس لا يوجد إلا في ضمن شيء من أنواعه، وأن القدر المشترك لا يوجد إلا بواحد من خصوصياته، بل هي أنواع اعتبارية تحصل فيه بحسب تعلقه بالأشياء، فجاز أن يوجد جنسها بدونها ومعها أيضاً.

    قالوا: وهذا المعنى إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل، قالوا: واختلاف العبارات لا يستلزم اختلاف الكلام.

    قال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية ( 2/300 ): ابن كلاب مع أهل السنة في أن صفات الذات ليست هي الذات ولا غيرها، ثم زاد هو وأبو العباس القلانسي على سائر أهل السنة فذهبا إلى أن كلام الله تعالى لا يتصف بالأمر والنهي والخبر في الأزل لحدوث هذه الأمور وقدم الكلام النفسي وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال.انتهى

    هذا هو الكلام النفسي عند ابن كلاب والقلانسي واختاره الإمام أبو الحسن الأشعري فيما هو المشهور عنه وكثير من الأشاعرة.

    وذهب بعض الأشاعرة إلى أن الكلام النفسي عبارة عن الخبر فقط، وأن الأمر والنهي راجعان إليه لأن الطلب من الله تعالى يرجع إلى الخبر بوصول الثواب أو العقاب، ونسبه الآمدي إلى الإمام الأشعري كما في “ إشارات المرام “ .

    وذهب بعضهم إلى انقسامه إلى الأمر والنهي والخبر

    وذهب بعضهم إلى انقسامه في الأزل إلى الأقسام الخمسة: الأمر والنهي، الخبر والاستخبار والنداء.

    وهؤلاء كلهم متفقون على نفي قيام الكلام اللفظي بالله تعالى وإثبات قيام الكلام النفسي فقط بالله تعالى.

    وقد فسر التفتازاني في شرح المقاصد الكلام النفسي بقوله: المعنى الذي يجده الإنسان في نفسه، ويدور في خَلَدِه، ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات، ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الذي نسميه كلام النفس.

    وقال المحقق الكبير عبد الرحمن الشربيني في تعليقه على شرح المحلي لجمع الجوامع ( 1/110 ) الكلام النفسي على ما قاله السعد والعضد والسيد والخيالي وعبد الحكيم، هو المعنى الذي نجده في أنفسنا عند إخبارنا عن قيام زيد، أعني النسبة الإيجابية بينهما.

    وهو الذي لا يتغير بتغير العبادات ومدلولاتها المتغيرة بتغيرها أعني المدلولات اللغوية التي يسمونها في الاصطلاح معاني أول، فهو غير الكلام اللفظي ومدلولاته المتغيرة، فهو الأصل بالنسبة إلى الألفاظ المعبر عنه بالمعاني الثانية في الاصطلاح.انتهى

    وهذا التفسير للكلام النفسي لا ينطبق على ما ذهب إليه ابن كلاب وأكثر الأشاعرة والمشهور عن الإمام الأشعري لأن الكلام النفسي عندهم أمر واحد بسيط ليس فيه تكثر، وعلى هذا التفسير الكلام النفسي هو المعاني الثانية للمركبات والجمل، وهذه المعاني تتكثر بتكثر الجمل والمركبات.

    ويرد على ما ذهب إليه ابن كُلاّب أمور: الأول: أن ما ذهب إليه من المعنى الغير المنقسم إلى ما ذكر من الأقسام أمر غير معقول، وقد اعترف بأنه غير معقول إمام الحرمين، نقله عنه التفتازاني في شرح المقاصد ( 2/106-3/119 ) وأقره عليه.

    الثاني: أنه يلزم عليه أن معنى قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى) (الإسراء: من الآية32) هو معنى قوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (البقرة: من الآية43) ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (المسد:1).

    الثالث: يلزم عليه أن تكون القرآن والتوراة والإنجيل والزبور أموراً متحدة بالذات مختلفة بالاعتبار، وهذا ما لا يقوله عاقل.

    الرابع: أنه مخالف لقوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (الكهف: 109 ) وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لقمان:27) فإن الآيتين تدلان على كثرة كلامه تعالى كثرة خارجة عن الحصر.

    والحاصل أن جمهور الأشاعرة والماتريدية على نفي قيام الكلام اللفظي بذاته تعالى وإثبات قيام الكلام النفسي فقط بذاته تعالى.

    (مذهب بعض متأخري الأشاعرة)

    وخالف جمهورَ الأشاعرة بعضُ المحققين من المتأخرين منهم، وذهبوا إلى ما ذهب إليه جمهور السلف من أهل السنة من قدم الكلام اللفظي الحاصل في النفس.

    وفي مقدمة هؤلاء الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه نهاية الأقدام، (وراجعه 312-313 ) واستحسن رأيه كثير ممن أتى من بعده من المحققين، منهم القاضي عضد الدين الإيجي في مقالة مفردة له أوردها السيد الشريف في شرح المواقف ( 8/103-104 ) ومنهم سعد الدين التفتازاني والسيد الشريف الجرجاني، وقد علق السعد التفتازاني القول به على إمكان تصور وجود الألفاظ بدون ترتيب، وقد قدمنا بيان إمكانه

    ومحصل كلام العضد: أن لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ، وأخرى على الأمر القائم بالغير، فالإمام الأشعري لما قال في بعض كلامه: (الكلم هو المعنى النفسي) فهم الأصحاب منه أن مراده مدلول اللفظ وحده، وأنه هو القديم عنده، وأما العبارات فإنما تسمى كلاماً مجازاً لدلالتها على ما هو كلام حقيقة حتى صرحوا بأن اللفظ حادث على مذهبه لكونه ليس كلامه حقيقة.

    وهذا الذي فهموه من كلام الإمام له لوازم كثيرة فاسدة: كعدم إكفار من أنكر أن ما بين دفتي المصحف كلام الله مع أنه قد علم من الدين بالضرورة كونه كلام الله حقيقة، وكعدم كون التحدي بكلام الله الحقيقي، وكعدم كون المقروء المحفوظ كلام الله حقيقة إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الأحكام الدينية، فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد بالمعنى الأمر القائم بالغير، وهو شامل للفظ والمعنى، فيكون الكلام النفسي عنده أمراً شاملاً للفظ والمعنى جميعاً قائماً بذاته تعالى وهو مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسن، محفوظ في الصدور، وهو غير الكتابة والقراءة والحفظ الحادثة.

    وما يقال من أن الحروف والألفاظ مترتبة متعاقبة فهي حادثة، فجوابه أن ذلك الترتب إنما هو في التلفظ بسبب عدم مساعدة الآلة، فالتلفظ حادث.

    والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه دون حدوث اللفظ جمعاً بين الأدلة.

    وهذا المعنى الذي ذكرناه وإن كان مخالفاً لما عليه متأخرو، أصحابنا لكنه بعد التأمل يعرف حقيته. هذا هو محصل كلام القاضي عضد الدين.

    قال السيد الشريف في شرح المواقف بعد إيراده لكلام العضد: وهذا المحمل لكلام الشيخ مما اختاره محمد الشهرستاني في كتابه المسمى “ نهاية الأقدام “ ولا شك في أنه أقرب إلى الأحكام الظاهرية المنسوبة إلى قواعد الملة. انتهى.

    أقول: وما حمل القاضي عليه كلام الشيخ الأشعري لا ينطبق عليه ما هو المشهور عنه من أن مذهبه في الكلام القديم هو مذهب ابن كُلاّب من أن كلامه تعالى واحد ليس بأمر ولا نهي ولا خبر، وإنما يصير أحد هذه الأشياء بحسب التعلق، فإن هذه الأوصاف لا تنطبق على الكلام اللفظي، كما لا ينطبق عليه ما نسب إليه من أن كلامه تعالى عبارة عن الخبر فقط، فإنه من البديهي أن الكلام اللفظي منقسم إلى الخبر والإنشاء والأمر والنهي إلى غير ذلك، وليس خبرا فقط. فهذا الحمل غير صحيح.

    وقد أجاب العلماء عما قاله القاضي عضد الدين من لزوم المفاسد المذكورة بأنها إنما تلزم إذا أنكر أن القرآن الملفوظ كلام الله، واعتقد أنه من مخترعات البشر أما إذا اعتقد أنه كلام الله بمعنى أنه المنفرد بخلقه بدون مداخلة كسب من أحد في وجوده، لكنه ليس وصفاً قديماً قائماً بذاته تعالى، فلا يلزم شيء مما ذكره من المفاسد، لكنه مخالف لما عليه سلف الأمة كما قدمنا كما أنه مخالف لظواهر النصوص من الكتاب والسنة الصريحة في نسبة الكلام إلى الله تعالى، فإن المتبادر من الكلام هو الكلام اللفظي، دون المعنى النفسي بدون اللفظ والظاهر من هذه النسبة هو النسبة على وجه القيام بذاته تعالى.

    وقد كان شيخنا المحقق الكبير، والمربي العظيم الشيخ محمد العربكندي، يؤيد ما ذهب إليه القاضي عضد الدين، ويذهب إلى ما ذهب إليه.

    والفرق بين هذا المذهب ومذهب الحشوية أن أهل هذا المذهب يقولون بقدم الكلام النفسي وقيامه بذاته تعالى بمعنى اللفظ النفسي من نوع ما يعبر عنه بالنسبة إلى الإنسان بحديث النفس، وهو يكون بدون صوت كما يفيده وصف الكلام بالنفسي.

    وأما الحشوية فقد ذهبوا إلى أن كلامه تعالى مؤلف من أصوات وحروف مترتبة، وأنها قائمة بذاته تعالى.

    (حاصل الكلام)

    وحاصل الكلام أن في هذا المقام قياسين متعارضي النتيجة

    أولهما: كلام الله صفة له، وكل ما هو صفة له فهو قديم، فكلام الله قديم.

    وثانيهما: كلام الله مؤلف من حروف مترتبة متعاقبة في الوجود، وكل ما كان كذلك فهو حادث، فكلام الله حادث.

    فاضطر كل طائفة إلى القدح في أحد القياسين ضرورة امتناع حقية النقيضين، لأن المراد بالكلام في صغرى القياسين ما كان الله متكلماً به، فالمنافاة ليست منفية بين النتيجتين كما ظنه البعض.

    فمنع كل طائفة بعض المقدمات:

    أما أهل السنة من السلف والماتريدية والأشعرية فمنعوا صغرى القياس الثاني، (وهو أن كلام الله مؤلف من حروف مترتبة متعاقبة في الوجود)، وأثبتوا لله الكلام النفسي.

    واختلفوا في تعيينه كما تقدم آنفاً.

    وأما الحشوية من المحدثين والحنابلة فمنعوا كبرى القياس الثاني، وهو (أن كل ما هو مؤلف من حروف وأصوات مترتبة فهو حادث)، وذهبوا إلى أن كلام الله تعالى مؤلف من أصوات وحروف مترتبة، وأنها قائمة بذاته تعالى وقديمة.

    وأما المعتزلة فمنعوا صغرى القياس الأولى، وهو (أن كلام الله صفة له)، وذهبوا إلى أن كلام الله تعالى مؤلف من أصوات وحروف مترتبة، وهو قائم بغيره تعالى، وأن معنى كونه متكلماً كونه تعالى خالقاً لتلك الحروف والأصوات في محل كاللوح المحفوظ وجبريل.

    وأما الكرامية فمنعوا كبرى القياس الأول، وهو (كل ما هو صفة لله تعالى فهو قديم)، وذهبوا إلى أن كلامه تعالى صفة له مؤلف من الحروف والأصوات الحادثة، وقائمة بذات الله تعالى.

    ويلزم على مذهب الكرامية كونه تعالى محلاً للحوادث، وعلى مذهب الحشوية قدم الحروف والأصوات مع بداهة تعاقبها وتجددها المستلزم لحدوثها.

    ويلزم على ما ذهب إليه جمهور الأشاعرة والماتريدية كون الألفاظ المترتبة ليست كلام الله تعالى، بل كلام الله تعالى هو المعنى فقط على اختلافهم في المعنى.

    ويلزم على مذهب المعتزلة كون كلامه تعالى لفظاً قائماً بغيره تعالى.

    ولا يلزم على مذهب المتقدمين شيء من المفاسد لأنهم قائلون بأن الكلام هو المعاني المدلولة والعبارات المترتبة بترتيب ذاتي من غير أصوات، ومن غير ترتيب في الوجود الخارجي.

    ولما لم يكن هناك عبرة بكلام الكرامية والحشوية لكونه في مقابلة الضرورة، يبقى النزاع بين جمهور متأخري أهل السنة والمعتزلة، وهو في التحقيق عائد إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وأن القرآن هل هو النفسي، أو الحسي المؤلف من الحروف المترتبة؟ وإلا فجمهور أهل السنة علي حدوث الكلام المرتب الحسي، ولا خلاف للمعتزلة في قدم الكلام النفسي لو ثبت عندهم لكنهم لا يثبتونه. كما يبقى الخلاف بين هؤلاء والسلف، فالسلف يثبتون الكلام اللفظي النفسي القديم لله تعالى، وهؤلاء ينفونه.

    هذا ما تحرر لنا في هذه المسألة التي هي من أعوص مسائل الكلام.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    ))


    انتهت رسالة الغرسي .lor="#0000cd"]
    من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!

  4. القرآن ان اطلق واريد هذه الألفاظ والحروف فهي مخلوقة بلا تردد بين الموحدين واما اذا اريد بها صفة الكلام القائم بذاته سبحانه فهي عبارة عن ذلك الكلام اي يدل عليه كقولنا الله فليست الكلمة هي ذاته المقدس انما تدل عليه كذلك القرآن اذا اريد به صفة الكلام النفسي فهو كلام ازلي ابدي لايبتدأ ولايتقطع ولاينتهي ليس بحرف ولاصوت ولالغة ولانغم ولايحدث دفعة بعد دفعة بل هو كلام ازلي لايدركه مخلوق وانى يدرك المخلوق خالقه فالعجز عن درك الإدراك ادارك والبحث عن ذات الرب اشراك
    فهو كان ومازال متكلما لم يتغير عما كان كان متكلم ولااصوات ولاحروف ولالغات ولاشىء وهو الآن على ماعليه كان لايتبدل ولايتغير ولايزول ولايحول ولاتدركه العقول ولاتلحقه الأوهام ولايجانس الأنام فهو الرب جلا شأنه

    وإن قال شخص القرأن مخلوق فينظر لفهمه فإن اراد هذه الألفاظ الحالة في الأوراق فلا يكفر انما يعلم بإنه لايجوز ذلك واما ان اراد صفة الله فهو ملحد يؤمر بالإسلام وهذا باختصار من غير اطالة

  5. #20
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    أخي حسام،

    بعض السادة العلماء رضي الله عنهم كالإمام العضد الإيجي رحمه الله تعالى قالوا إنَّ الكلام هو النَّظم، أفتخرجهم من الموحِّدين؟!

    ثمَّ قولك: "واما اذا اريد بها صفة الكلام القائم بذاته سبحانه فهي عبارة عن ذلك الكلام". وأعدتَه بقولك: "كذلك القرآن اذا اريد به صفة الكلام النفسي فهو كلام ازلي ابدي".

    ليس بصحيح...

    فهل قوله تعالى: "قل هو الله أحد" عبارة عن نفس الصفة؟

    إذن قوله تعالى: "إنا أعطيناك الكوثر" إن كان عبارة عن الصفة فتكون الصفة مركَّبة، وهو ممنوع. أو يكون المتغايران عبارتين عن نفس الشيء، وهو ظاهر البطلان.

    بل نقول إنَّ صفة الكلام هو معنى من كان موصوفاً به صحَّ له الدَّلالة على المعلوم، فصفة الكلام هي صفة ذات تعلُّق بالمدلولات، فقوله تعالى: "قل هو الله أحد" متعلَّق صفة الكلام، وقوله تعالى: "إنا أعطيناك الكوثر" متعلَّق آخر للصفة، وليسا هما نفس الصفة ولا عبارتين عن نفس الصفة.

    افهم هذا جيداً.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  6. جزاك الله خيرا سيدي أبو غوش وبارك في علمك
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •