النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: أبو حامد الغزالي: غرور معلم الشريعة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    4,004
    مقالات المدونة
    2

    أبو حامد الغزالي: غرور معلم الشريعة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وبعد.

    ذكر أبو حامد رحمه الله في آخر المهلكات من الإحياء، في باب الغرور، أن من الغرور الذي يصاب به بعض الواعظين، أنهم يظنون أنفسهم من أهل المراتب العليا بمجرد حديثهم عنها، وذكرهم لأصحاب هذه المقامات .. دون أن يبذلوا الغالي والرخيص في تحصيل تلك المراتب..

    وقل أنت إن شئت ذلك، في حال الناس اليوم، الذين يجلسون على كراسي التعليم، التي أصيبت عوراتها، فتصدر فيها من لا يحسن العلوم، فلما جلسوا في هذه المقاعد، وتحدثوا عن بعض المصطلحات العلمية والشرعية، ورووا بضع أحاديث، وقرأوا غرائب العلم دون أصوله وقواعده، فظنوا أنفسهم أئمة للمسلمين، وسولت لهم أنفسهم أن لهم رتبة تقارب رتب الفقهاء والمحدثين والمجتهدين الكبار في الأمة، وليس هو إلا مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها!!

    ادعى الحديث بعض صحيفيين، وادعى الفقه بعض الناشرين، وادعى الأصول بعض ضعفاء العقول، وادعى الاجتهاد من لم يحسن من لم يدرك آلته ولم يشمها فضلاً عن أن يتلبس بها. فصحح ضعيف العلم الأحاديث الضعيفة وضعف الأحاديث الصحيحة، وتعدى القواعد العامة، ليطبق القواعد الخاصة الدقيقة التي هي من أسرار فن الحديث!! واجتهد طالبٌ لم يقرأ الفقه في حياته بشكل دقيق، فأفتى في مسائل الدين، فأحل الربا، وأحل الفروج، وأبطل الحقوق!! وصارت الناس في فتنة من جراء ذلك، لم تترك لا أحكام الطهارة والصلاة، حتى جاوزت إلى كل أبواب الفقه!!

    وفي العلوم الإسلامية علومٌ خاصة، لا يصح لمن كان في أول الطلب أن يتعلمها، لكي لا تكون عليه فتنة، إذ لا تدرك عقول طلاب العلم فضلاً عن عامة الناس، ما في هذه التدقيقات الخاصة، إلا بعد ممارسة وعمل واجتهاد ودأب وفتح من الله ورجاحة فهم، وإلا كان العلم بذلك فتنة (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة).

    وقد رأيتُ –ولست من أهل العلم ولا أدعي لنفسي سوى أدنى مراتب طلابه-، أن علمين من العلوم العالية، تجاسر بعض السفهاء عليها، فأفسدوا بها ولم يصلحوا، وتجرأوا بها على الدين ولم ينصروه:

    العلم الأول: علم علل الحديث، ذلك العلم الذي يدق فهمه، ولا يصل إلى حقيقة إدراكه إلا من اجتمعت فيه صفات الحفاظ الكبار، أمثال البخاري ومسلم، ومالك وأحمد، والدارقطني وابن القطان؛ إذ أن علل الحديث من الأشياء التي لا تدرك باستخدام المبادئ والفهارس. فتجرأ بعض أصحاب الأهواء في زماننا على الحديث الشريف، فصححوا ما راموا ووافق هواهم، وضعفوا ما شاؤوا لضعف عقولهم!! وقد سمعتُ مرة من أحد أرباب هذه النحلة الضالة، يقول مضلاً آخر من فصيلته: ائتني بأي حديث في البخاري وأنا كفيل بأن أخرج لك فيه علة تضعفه!! يقصد ذلك الجاهل وجود من تكلم في رجل من رجال الأسانيد، إذ لا يخلو راوٍ من الرواة من كلام فيه، لكن ليس بذلك تقاس هذه العلوم.

    ثم رأيت باباً فتحه الشيخ عبد الله الغماري، وليته ما فعل، أراد خيراً فأصاب مقتلاً من حيث لا يدري، إذ صنف كتاباً في الأحاديث الشاذة المردودة، بناه على مخالفة بعض الأحاديث لوقائع تاريخية أو ظواهر قرآنية، فتجرأ بعد ذلك جمعٌ غفيرٌ ظنوا أنفسهم في رتبة الشيخ، رغم ما يمكن نقده من كلامه في هذه الأحاديث، فجعلوا يضعفون كل ما خالف أفهامهم، واضعين إياه تحت باب (علل الحديث). وليتهم إذ ادعوا ذلك تأدبوا مع من سبقهم ممن لم ينتبه!!!! لهذه العلل من الحفاظ، وانتبهوا وهم لا يعرفون من الحديث أكثر مما في الأربعين النووية مع بعض ما قرأوا في الثانوية!! بل استخدموا قبيح الألفاظ في نقدهم، فلا العلم أحسنوا، ولا الأدب أدركوا، وحاصل ما فعلوا فتنة للمسلمين، وتشكيك لعامتهم في دينهم.

    والعلم الثاني: هو علم مقاصد الشريعة وعلل القياس، التي قال عنها –أي عن علل القياس- الغزالي في مقدمة كتابه العظيم (شفاء الغليل، ما نصه: وأنا أنبهك أيها المسترشد على شاكلة الصواب، قبل أن أخوض بك في غمرة الكتاب، وأقدم إليك نصيحة مشوبة بخشونة، فلا يزوينك عنها مرارة مذاقها، وخشونة ملمسها، فنصيحة في تخشين خير من خديعة في لين. وهي أن هذا الكتاب لن يسمح بمضمون أسراره على مطالع، ولن يجود بمخزون أعواده على مراجع، إلا بعد استجماع شرائط أربع: الشريطة الأولى: كمال آلة الدرك ... الثانية: استكداد الفهم .. إلخ ..)

    فهذا العلم يبحث أصالة في غايات الأحكام وعللها، وله علاقة قوية مع القياس، والقياس أحد مصادر التشريع الإسلامي، فلهذا العلم مدخلية إذا في استنباط الأحكام الشرعية. لكن الآفة أن الكثير من أهل العصر جعلوا هذا القسم من علم الأصول حاكماً على كل الفروع في الشريعة الإسلامية، دون أن تكون لهم التصورات الكافية لمعرفة أحكام الشريعة بالاستقراء شبه الكامل للفروع بأدلتها، ولقواعد اللسان العربي وأصول الدلالات، فأبطلوا الفروع الثابتة بالنصوص معتمدين على عموم العمل بمقاصد الشريعة ومراعاتها. بل حاولوا إضافة مقاصد أخرى، مثل مقصد الحرية والعدالة، ومقصد المواطنة!! ومقصد العمل!!

    إن استخدام هذه الطريقة تعود على الشريعة الإسلامية بالإفساد، وعلى الأحكام الشرعية بالبطلان، لسبب واضح، وهو أن المقاصد الشرعية إنما استنبطت من الأحكام، فإذا كرَّت هذه المقاصد على الأحكام بطلت المقاصد والأحكام.

    وليس الغرض هنا أن أقول بعدم الحاجة إلى هذا العلم أو الفن للمجتهد، لكن أين هو المجتهد الحقيقي الذي يمكن أن يقف على بحر الحقائق الأصولية، ولا يتجاوز طوره!!

    وصار العامي في الشريعة ممن يحمل درجة المثقف العالي في العلوم الأخرى –ولا أظنهم وصلوا إلى تحقيق العلوم التي ينتسبون إليها-، يتجاسر على مخالفة أحكام الدين بكل يسر وسهولة، ولا يختلج قلبه أي تقوى تحجزه عن الكلام في دين الله تعالى بهذا المنطق!! وصار صغير طلبة العلم يتجرأ ليحاكم القواعد الأصلية إلى ما فهمه من هذا العلم!! كل ذلك بسبب أنه كتب مقالة عن مقاصد الشريعة، أو لخص آراء بعض الأئمة في هذا الباب!! أو وجد بعض الفتاوى من كبار العلماء فيها إشارة أو نص إلى اعتماد هذا الأمر في فتواه، فظنَّ نفسه مفتياً عالماً ..

    فرحم الله الغزالي الذي عرف مكامن العلل في نفوس مثل هؤلاء المتعالمين، ونسأل الله السلامة من الغرور ..

    وفقكم الله

    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  2. صدقتم سيدي .. بوركتم
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •