صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 32

الموضوع: الرد على عدنان إبراهيم في قوله بفناء النار وخلود الكفار قاطبة آخر الأمر في الجنة

  1. #1

    الرد على عدنان إبراهيم في قوله بفناء النار وخلود الكفار قاطبة آخر الأمر في الجنة

    الرد على د. عدنان إبراهيم في زعمه فناءَ النار
    وأن الكفار مصيرهم إلى دخول الجنة

    مقدمة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل النبيين وخاتمهم، وعلى آله وصحبه المهديين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    وبعدُ،
    فقد جاءت مجموعةٌ من طلاب العلم من بعض البلاد العربية لزيارتي خلال الأيام القليلة الماضية، وسعدت باستضافتهم في منزلي في عمَّان، وتطرَّق بعضُ الحضور في مجالسنا إلى الرأي الغريب الذي أثاره د. عدنان إبراهيم مؤخراً، وهو جَزْمُه بأنَّ النار تفنى، فانتهزت بعد مغادرتهم فرصة لسماع ما قاله، وكيفية تقريره إياه، فوجدته فعلا يجزمُ بأنَّ الكفارَ المعاندين الذين هم أهلها المحكوم عليهم بالخلود والتأبيد فيها في كثير من النصوص الدينية الوثيقة، يَخرُجون منها –وإن كان هو يفضل التعبير بـ(يُخرَجون!)- وذلك بعد أن يتطهروا فيها بما يلاقونه من العذاب والآلام، وذلك لمدة لا تتجاوز يوماً واحداً عند ربك! ويساوي خمسين ألف سنة مما نعدُّ! ويمكن أن يكون ألف سنة كذلك! وبعد خروجهم من النار يدخلهم الله تعالى برحمته الجنةَ، ويصبحون إخوانًا مع المؤمنين بالله تعالى من الأنبياء والرسل عليهم السلام، وسائر المؤمنين.
    وأن هذا الحكم الذي يحكم به يعمُّ جميع الكفار قاطبة، ولا يختص بالكفار المعاصرين، بل إنَّ جميع المعاندين من الإنس منذ بدء الخليقة مصيرهم إلى الدخول في الجنة، وتخرب النار بعد خروجهم منها.

    ويلزمه بالضرورة أن يكون حكمه كذلك في كفار الجنِّ، وإن لم يتطرق لذلك في خطبته التي سمعتها، ومنهم إبليس اللعين اليائس من رحمة الله تعالى، فإنه على طريقة هذا القائل يؤول مقامه الدائم منعمـًا في الجنة مع الأنبياء والرسل أجمعين، ويصبح مرضيًّا من الله تعالى محبوباً ممدوحاً!! خالدًا في الجنة!!

    وأعلن أنَّ الأدلة الشرعية تدلُّ على ذلك، وأبرز عن رأيه مخالفًا لأعلام الأمة، وتشبث برأي بعض المعتدِّين بأنفسهم، مِنْ قَبْلِه، المنحرفين عن أهل الحقِّ، الذين صرَّحوا بهذا الرأي الباطل الذي لا يدُلُّ عليه دليل قويم، ولا يهدي إليه صراط مستقيم. وشرع في محاولة هدم أدلة المخالفين الذين هم باقي الأمة الإسلامية، ومحاولة تصحيح أدلة ابن تيمية وابن قيم الجوزية، ممن خالف خلود الكفار في العذاب. ولكن أحدًا من هؤلاء لم يصرح بجرأة هذا المعاصر بأن الكفار قاطبة يخرجون من النار ويدخلون الجنة، بل إن ابن عربي الحاتمي ادَّعى أن أهل النار الذين هم أهلها خالدون في النار أبدًا، لا يخرجون منها، وغاية الأمر أنَّ عذابهم ينقلبُ بعد فترة من الزمان إلى عذوبة، ويصبحون متلذذين بالنار، بحيث لو خرجوا منها إلى الجنة تعذبوا وتألموا. أمَّا ابن تيمية ومعه تلميذه ابن قيم الجوزية، فمال في ظاهر كلامه إلى أنَّ أهل النار من الكفار يَـفنون وتفنى معهم النار بعد فترة من العذاب، ولم يجرؤ على التصريح بأنهم يخرجون منها ويدخلون الجنة! وإن كان في بعض كلامه ما قد يشير بذلك....! وقد بينت المذاهب المختلفة في هذه المسألة في (كتابي أصحاب النار ومصيرهم) الذي طبع قبل سنوات قليلة.

    فلما سمعتُ رأي د. عدنان، ورأيتُ اعتدادَه به، وجراءته على زعم أنـَّه الحق، واستهانته بأدلة الخصوم، وتعظيمه شبهاتِ المستدلين، وخصوصًا ابن تيمية وابن قيم الجوزية، فإنه لهما مجرد تابع، ولا يفعل أكثر من تكرار شبهاتهما، عزمتُ على كتابة ردٍّ وجيز عليه، أبين له فيه المغالطات والتحكمات التي وقع فيها باختصار وإيجاز لضيق الوقت.

    ويعلمُ الله أنني لما سمعتُ قوله هذا، وطريقته في تقريره، نفرتُ منه نفورًا كبيرًا، وكنتُ أحتملُ له الأعذارَ من قبلُ، وإن كنت أخالفه في كثير من آرائه، مع أني لا أشكِّكُ في نواياه بحسب الظاهر، ولكني لا أثق بطريقته ولا بقدرته على النظر الدقيق بالقدر الذي يزعمه لنفسه، ولا يعجبني ذلك كله منه، لما أراه عيانًا من تخلل الفساد فيها، والضعف والتهافت في زواياه، مع أنه يدعي كثيراً أنه تفوق في الاطلاع والقراءة، والذكاء ..إلخ، ولكن ذلك عندي مجرد ادعاء، إن صحَّ فلا يميزه عن كثير غيره ممن هم كذلك بل أكثر مما يتوهم! ووقعتُ في أثناء اطلاعي على كلامه على مقاديرَ من مواضع الزلل التي وقع فيها في مختلف كلامه، وذلك مع شهادتي بشيء كثير له، وبذله جهدًا ظاهرًا لا يصحُ نفيُه ولا التشكيك فيه لنشر ما يعتقد صوابَه، وإن خالف من خالفَ! وهذا يشير إلى فضيلة له لا ينبغي بالعاقل التصدي لنفيها، وكأني كنت أرى كثيرًا من ردوده يشوبها انفعالات نفسانية من بعض الرادين عليه الذين شككوا فيه، وقدحوا في مقاصده! واتهموه بشتى التهم، ورأيته ينفعل كثيرًا عندما يتكلم معهم، ولا ريب في تأثره بهذه الأحوال كلها، ولكني لمتُه في نفسي، وقلتُ ألا يعلم أن هؤلاء الذين اعتلق معهم اعتادوا الردَّ على خصومهم بهذه الطرق والتشنيعات التي يكثرون فيها من الافتراء والتهويل والتشغيب والتعالي...الخ، والذي له عقل رجيح لا يلتفت إليهم، ولا يعتد بموقفهم... بل يصرُّ على الحرص على تسديد طريقته ونظره...

    وقد اشتغل أخيرًا بمحاولة الردِّ على الملاحدة في زعمهم عدمَ وجود الله تعالى والتشكيك في ضروريات الدين، وقد قلتُ في نفسي إن ذلك أقوم مما كان تلبس فيه من قبلُ، ولا أشك أن ذلك أدَّى به إلى إعادة النظر في بعض آرائه التي كان يعتقد بها، ومنها خلود أهل النار فيها، كما صرَّح بخطبته هذه، وشبهة الملاحدة التي يعتمدون فيها على القدح في عدل الله تعالى بناء على عدم التساوي بين مدة الكفر والضلال، ومدة التعذيب في الدار الآخرة، وهو تشكيك شهير، معلوم للناظرين في علم أصول الدين، وطرق الرد عليه معروفة، ولكن إذا كان هؤلاء يشككون في أصل وجود الله تعالى فمن المتوقع أن يشككوا في بعض أفعال الله تعالى وأحكامه، ولا ينبغي للعاقل أن يطمح في تحقيق ما لم يحصل على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعين، وهو إلجاء الكفار أجمعين إلى الاعتراف بسداد الدين، وصحة أحكامه، وضرورة الالتزام بشريعته، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف/103]، وما ينبغي عليه أن يقوم بإظهار حجته، والرد عليهم بما يطيقه من دون اضطرار لإبطال بعض الضروريات من الدين، بأدلة وبغير أدلة، بدعوى الحرص على إلزامهم بضرورة الإيمان والخضوع له...

    وعلى كل حال، فلن ننساق إلى محاولة تحليل الدواعي التي دعته إلى هذا القول، فلعل لهذا محلاً آخر. ولكنا سنحرص ههنا على أن نلفت نظره إلى بطلان الأدلة التي اعتمد عليها، وأن ما توهم أنه فتوحات إنما هو أباطيل وتشغيبات وتوهمات...ومن واجبنا أن نقوم بالرد عليه، خصوصًا في هذا المقام، الذي هو باتفاق المؤمنين من أصول الدين، علمـًا بأن ما ذكرناه هنا ليس جميع ما يمكن أن نقوله ونقرره، وما بيناه من طرق الاستدلال إن هو إلا لمعات مما نعلمه، ولكنا حرصنا على إبطال ما تمسك هو به، بالقدر الذي نعتقد كفايته، بلا معاندة ولا لجاج.
    وقد كتبت هذه الكلمات في نحو يومين مع كثرة الانشغال وتفرق الأحوال، وانهماكنا في وظائف الأهل وطلاب العلم وغيره من مشاغل الدنيا، لا نريد في ذلك إلا وجه الله تعالى، ولا نطمح إلا في بذل الوسع في دلالته وغيره ممن اغتر بقوله وقول ابن تيمية إلى الهدى والحقِّ الظاهر، ولا نرغب إلا في الإشارة إلى الأساليب المغالطية والتسرعات المنهجية التي وقع فيها، فضلاً عن الدعاوى الهائلة التي يكثر منها في مختلف دروسه وخطبه، مع أن أكثر تلك الفتوحات! والدقائق التي يزعمها! لا ترقى إلى هذه المنزلة التي يرفع شأنها إليها، نعم نحن لا نغمطه حقَّه، ونعترف بجهده، ونرغب في تقويمه أسلوبه وعدم اندفاعه وراء رغباته وهواه، لأنـَّا نرجو الله تعالى أن يقوِّم أحوالَه، فيجعله من الدعاة إلى الحق لا إلى سواه، وآمل أنْ يقَعَ ردِّي هذا موقعَه الذي أحبُّ له في نفسه.

    ولولا أنه بادر إلى الإعلان عن رأيه مع خطورته، ونشره على الناس عامة، لما أقدمتُ على نشر هذا الردِّ لمن شاء، إلا بعد أن أُطلِعَه هو عليه، وأَحْرِصَ على مباحثته، عملاً بعموم قوله تعالى: (وجادِلْهُم بالتي هي أَحْسَنُ) وهي تشمل المنهجَ الذي ذكرتُ مما يصدق عليه أنه أحسنُ، لولا ما سارعَ إليه!

    وندعو الله تعالى أن يهدينا وإياه إلى سواء السبيل، والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، والحمد لله رب العالمين.


    سعيد فودة
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    تمهيد

    بعض الناس إذا خطر لهم خاطر تسارع إلى نظرهم أنهم مجتهدون أفذاذ، وأنهم بعض أفراد من جنس البشر اجتمع لهم الذكاء في أرقى صوره، فتراهم يسارعون إلى التمسك بما تجرأوا عليه بغير نظر سديد، وإن ادعوا أنهم وصلوا في الفكر والمعرفة والاطلاع إلى أعلى عليين...ونحن لا يهمنا الدعاوى التي ينثرها المدعون، بل ننظر إلى ما يقدمون بين يدي دعاويهم من أدلة قاهرة، أو لفتات نادرة تدلُّ على ما يزعمون، فإن رأينا هذا فيهم، شهدنا لهم بالفضل والعلا، وإلا فلا، بل رددنا عليهم، لعلّ ردَّنا يعيدهم إلى شيء من التروي الذي فقدوه، ويبطئهم عن التسرع الذي اخترقوه.

    ومعلوم أن مسألة أن النار تفنى أو هي خالدة أبداً، من أخطر المسائل العقائدية، ولذلك فإنه يجب على من يخوض فيها، ويرتئي رأياً، أو يرجح نظراً، أن يكون معتمداً على الأدلة القوية الراسخة، لا على مجرد (يبدو لي)، و (كأن الله أراد أن يقول)، أو (وهذا مما خطرَ لي)! ونحو ذلك من العبارات التي لا عبرة بها في هذه المجالات.

    ولا يخفى أن خلود المؤمنين في الجنة، من أوضح الواضحات، في الآيات والأحاديث، وفي شرائع الله تعالى إلى أنبيائه وفي أديانه التي أوجب عليهم بيانها للناس، ومثل هذه العقيدة، ينبغي أن تكون واضحة ظاهرة، وهي كذلك بفضل الله تعالى.
    وكذلك يقال الأمر نفسه في مسألة فناء النار أو عدم فنائها، فإن كان القائل بعدم الفناء –وهو جميع من يعتدُّ به من المسلمين- يعتمد على أدلة يزعم أنها ظاهرة دالة دلالة قوية على ما يقول، وعلى ما ينسبه إلى الشريعة، فعلى من يريد ترجيح الرأي القائل بأن النار تفنى، وذلك بعد أن يتطهر أصحابها من أدرانهم، ويتخلصوا من خطاياهم، بالتعذب والتألُّم، حتى إذا تمَّ فيهم ذلك، لم يعد هناك ما يوجب أن يبقوا فيها، وكأن وجودهم فيها كان عن موجِب على من وضعهم فيها، وهو الملك الديان، الذي لا يجب عليه شيء من الأفعال، ولا يلزمه أمر من الأمور الحادثة، بل كل ما يُحدثه فإنما هو بأمره وإرادته وتدبيره. فلا يقال إنه لم يبقَ هناك ما يدعو لإبقائهم، ولذلك فينبغي إدخالهم في الجنة، كأن الأصل أن الواجب على الله والذي ينبغي عليه –حاشاه!- هو إدخال الناس أجمعين في الجنة!
    أقول على من يريد أن يثبت هذا الرأي الغريب الشاذ، أن يثبته بأدلة لا تنزل عن أدلة الجمهور في القوة والوضوح! وهيهات!

    والذي أعلمه من مذاهب المسلمين في النار أنهم أجمعوا على أن الكفار الذين هم أهل النار وأصحابها، يبقون فيها ما دامت موجودة، وعلى أنهم لا يدخلون الجنة أبداً، ولا يريحون ريحها. ولم أعرف أحدًا من قبلُ تجرأ على القول بأن أهل النار الذين هم أهلها يبقون فيها فترة وجيزة بالإضافة إلى عمر الجنة، وهذه الفترة هي يوم واحد (إما خمسون ألف سنة أو ألف سنة مما تعدون) ثم يخرجون لزاماً، ولعمري إن هذه القالة توافق ما ادعاه اليهود لأنفسهم خاصة عدا الناس أجمعين عندما قالوا ({ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }آل عمران24، وأيضًا قولهم : {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة80. فاليهود ادعوا أن النار لن تمسنا إلا أيامًا معدودة، أمَّا سائر الخلق فسيبقون في النار إلى الأبد. وقولهم أياما معدودة أي قليلة، محصورة، ثم يزعمون أنهم سيدخلون الجنة. وكما نرى فإن الله تعالى كذبهم فقال: (أتخذتم عند الله عهدا) فإن كان الأمر كذلك، فلن يخلف الله تعالى عهده، ولكن شيئًا من هذا لم يحدث، فلم يعدكم الله تعالى بشيء نحو ذلك، ولا وعد غيركم أيضًا بذلك، فأنتم كاذبون على الله تعالى حين تزعمون ذلك.

    ومن المعلوم أنَّ اليهود الذين قامت عليهم الحجة من الكفار أيضًا في الشريعة الإسلامية، فلو كانت جهنم تزيل عنهم أدرانهم، وتنقيهم وتطهرهم بعد عذاب يوم واحدٍ، وصدق القائل بأن جهنم إنما جعلت لذلك، أي للتنقية والتطهير وإزالة الأدران والمعاصي عن قلوب البشر، لأزالت ذلك عنهم أيضًا في تلك الأيام التي زعموها، أو في اليوم الواحد الذي يقول به القائل. وبغض النظر عن عدد الأيام التي زعموا فيها بقاءهم في النار، فلم يكن العدد المعين هو محل النزاع، ولا وقع الخلاف فيه، ولذلك نكرت الأيام، وأطلقت ولم تعرَّف، فصارت تصدق على أي أيام، خصوصًا أنها جاءت في مقام التحقير والتقليل للأيام، فمهما كان عددها، فقد نفى الله تعالى ذلك.

    وقد يتصور لمن سفه نفسَه أن يقول: إنما تسلط النفي على زعمهم أن لهم عهدًا عند الله تعالى بأن لا يبقوا إلا أياماً أي قليلة.
    فنقول له: ليس في كلامهم دعوى ذلك، ولكن كلام الله الراد عليهم، معناه، إنه لا يصدق ما تزعمون إلا بوعد وعهد من الله تعالى بأن لا تبقوا فيها إلا أيامًا، وبخلاف ذلك، أي ومع فرض عدم وجود ذلك العهد، فليس لكم أن تخصوا أنفسكم بهذه الخصيصة، فضلا أن يدعيها غيركم، فلم يبق إلا أن البقاء في النار ليس محصورا بأيامٍ، على حدٍّ زعمهم. بل هو مطلق وبقاء خالد ما دامت السموات والأرض. ومن المعلوم أنهما تبقيان أبداً، {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }إبراهيم48، ولا دليل على انعدامهما أو تخلل الفناء عليهما بعد عملية التبديل (اليوم الآخر والحياة الباقية) التي اختلف فيها الأعلام هل هي عن إعدام وإفناء تامٍّ لأجزائهما، أو مجرد تغير لنظامهما الذي كان واختراع نظام آخر جديد يبقى ويدوم!
    وما دام لا يوجد وعد ولا عهد من الله تعالى، فلا شك في بطلان دعواهم القائلة بأنهم لا يبقون في النار إلا أيامًا معدودة، بل الحق أنهم يبقون فيها ما دامت السموات والأرض خالدين فيها أبداً.
    وفي الطبري في تفسير قوله تعالى وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)، قال: (عن عكرمة قال: خاصمت اليهودُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها قوم آخرون - يعنون محمدا وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رءوسهم "بل أنتم فيها خالدون، لا يخلفكم فيها أحد. فأنزل الله جل ثناؤه : (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)).

    ولا يصح الزعم بأن النفي تسلط على حصرهم مكثَهُم في النار بأيام معدودة يعتقدونها في ذهنهم، وقيل أربعين يومًا وقيل غيرها، بل إن النفي تسلط على زعمهم مكثهم في النار أيامًا بلا تقييد أن تكون تلك الأيام أربعين أو غيرها أكثر أو أقل؛ لأن الأصل إطلاق البقاء في النار، وتقييده بمدة لا يصح أن يقال به إلا بدليل قويم، لا بمجرد زعمٍ وتخييلٍ.

    ولا يصح القول في هذه المسألة إلا عن علم، أي دليل يقيني راجح. وما سواه يعدُّ تخرصًا لأنه سيكون في مقابل الراجح، والواجب العمل بالراجح في مقابل المرجوح. ومن يرجح المرجوح فإنما يرجحه لهواه. ومن يزعم أن مثل قوله (إلا مـا شـاء الله في معرض ذكر عذاب النار) وجه قويٌّ لترجيح الفناء وإخراج أهل النار منها وإدخالهم إلى الجنة، فهو لعمري لا يعرف ما حقيقة الترجيح، ولا الرجحان، ولا النظر، ولكنه يتبع هواه، فهو لا يستنكف عن التصريح بأنَّ السبب الذي أداه به الأمر إلى إعادة النظر في هذه المسألة هو اعتراض كثير من الناس على قول من يقول بأن الكفار خالدون في النار أبداً، نعم هو قول عظيم، وعذاب عظيم، ولكنه الظاهر من الآيات، والقويُّ بأدلته لا بمجرد الهوى ولا التعصب ولا التعنت. وكأن هؤلاء القائلين يستنكرون على الله تعالى أن يبقيهم بإرادته ومشيئته في عذاب النار خصوصًا وهم من المكذبين له، المنكرين لدينه، المبطلين لرسالاته، الدائمين على ذلك بعد قيام الحجة عليهم في دار الاختبار. وكأنهم يقولون لله تعالى: إذا كنتَ فعلاً إلـهًا، فلا ينبغي أن تفعل ما يضرنا، ولا ما ينافر مشاعرنا. ولعمري فإن اعتراضهم هذا على تأبيد النار والتعذيب فيها، لوارد على تطويل المدة التي يعذبون فيها، فلا أحد منهم عاش في الأرض كافرا مدة خمسين ألف سنة، ولا عشر معشار هذه المدة، فكيف يعاقبه الله تعالى هذه المدة الطويلة، فإن كان اعتراضهم على تأبيد التعذيب، لطوله وعدم انتهائه، مع قصر فترة معصيتهم، فهذا الاعتراض وارد أيضا على تطويل المدة أكثر من مدة كفرهم، فإن ضوعفت مرتين أو ثلاث مرات، فما هي الحكمة التي من أجلها تضعف المدة خمسين ألف سنة (وهو مقدار يوم عند ربك)، ولو اعتبرنا عمر كل واحد من الكفار مائة عام، لكانت فترة التضعيف خمسمائة مرة، وهي لعمري طويلة جدا فعلاً، ولو قسناها بمقياس الرغبات التي يقيسون بها ويحتجون بها، لكانت خارجة عن الحكمة.

    فإن قيل: إن هذه المدة لازمة لتطهير أدران الكفر من نفوسهم. نقول: أليس الله تعالى بقادر على إزالة أدران الكفر في أقل من هذه المدة، بل في لحظة واحدة من نفوسهم. فليكن العذاب مدة تساوي مدة الكفر والإلحاد، وما زاد على ذلك فهو خارج عن الحكمة والصحة إذن!
    إن الناظر إن سلم بصحة اعتراضهم هذا، فإنه يرد عليه كل ذلك بل أكثر منه، ولا يمكنه الخلاص منه.

    وقد علقت في نفس د. عدنان كثيرٌ من كلمات ابن تيمية والمعاني التي بثها في ثناياه، ومنها اغتراره بأن الخطأ الذي وقع فيه الجهمية أنهم قالوا بفناء الجنة والنار كليهما، ولم يقولوا بفناء النار فقط، يعني أن الاعتراض على الجهمية لم يكن ليقع عليهم لو قالوا بفناء النار فقط، وقالوا ببقاء الجنة، ولكنهم لما قالوا بفنائهما معا، اعترض عليهم السلف والخلف! وهذا الفهم غريب عجيب. فالمسألة أن المسلمين أجمعوا لما رأوه من الأدلة القرآنية والأحاديث النبوية على أنَّ كلا من الجنة والنار باقية لا تفنى ولا يخرج منها أهلها، وهذا يعني إجماعهم على بقاء الجنة، وإجماعهم كذلك على بقاء النار، فهما أمران مجمع عليهما، والمسألة ليست إجماعا واحدًا بشرط الجمع بين القول ببقاء الجنة والنار، بحيث إنَّ من فرق بينهما يكون غير مخالفٍ الإجماع! وجميع المعتبرين من أهل العلم يعلمون مع ثبوت هذا الإجماع أنَّ مَنْ أنكر بقاء الجنة أو بقاء النار فإنه يكون مخالفًا للإجماع أيضًا. وما زعمه عدنان إبراهيم تبعًا وتقليدًا بلا تمعنٍ! لابن تيمية من أن هناك فرقًا بين قول الجهمية وقول من أنكر بقاء النار فقط، بحيث يكون من أنكر بقاء النار فقط، غير مناقض للإجماع، وأن هذا الفرق مؤثرٌ، وينتج عنه عدم لزوم التشنيع على المخالف وتغليطه، حتى وإن قال ببقاء الجنة فقط وفناء النار! فهذا مجرد وهم استقرّ في خلده تقليدًا محضًا لابن تيمية، لا اتباعًا للدليل ولا تحقيقًا من عنده.

    ولذلك فقد تسلل ابن تيمية لخرق هذا الإجماع بطرق سخيفة، وزاد هذا في الخرق منْ بَعْده لحدِّ القول صراحةً بأن أهل النار لا يفنون مع النار، بل يدخلون الجنة جميع الكفار إنسهم وجنهم، ويلزمهم بالضرورة أن يشملوا في هذا الحكم شيطانهم وإبليسهم أولهم ومتأخرهم!
    وقد تعلق هذا المتعلق بأمور ضعيفة للتمسك بقوله الذي لا نراه إلا قولا بلا دليل راجح، بل مجرد شبهات، وأمور مشتبهة، يتمسك بها بعض الناس، يقدمونها على المحكمات الظاهرات من الكتاب والسنة، لدواعٍ تدعوهم إلى ذلك!

    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3
    الأمر الأول الذي تعلق به النافي لخلود النار: زعم أن الخلود وضع في اللغة للبقاء المتطاول، وزعمه أنه يفيد الانتهاء


    ولكنه غفل عن أن المدة الطويلة تصدق على المدة الطويلة الدائمة التي لا تنقطع، وعلى المدة الطويلة بالإضافة إلى غيرها، وإن كانت تنقطع وتنتهي وكان لها حدٌّ. وكل ما قاله في هذا الباب، إنما هو عن غفلته، ولظنه أن الخلود إنما وضع للمدة الطويلة بشرط أن تنتهي، ولكن لو كان الأمر كذلك، لما جاز أن يوصف بقاء المؤمنين في الجنة بالخلود، فإنه يكون عندئذ منقطعاً، والإجماع واقع على أنه غير منقطع، ولا منتهٍ. وأين هو من قوله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ }الأنبياء34، فهل الخلود ههنا يعني البقاء لفترة طويلة معلومة الانتهاء، أم هو البقاء بلا نهاية! يعني هل المنفي هو : أن بعض البشر قبلك عاشوا مدة طويلة! أم ان المنفي هو أن لا أحد من البشر قبلك عاش خالداً!
    وربما يزعم زاعم أنَّ الذي ذكره د. عدنان هو ما قرره الراغب الأصفهاني، وليس كذلك. فالذي قرره الراغب وغيره كما سنذكر أن الخلود: "هو تبرِّي الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها"، فهذا هو الأصل في الخلود، فهو عدم التغير عن الحالة التي عليها. ولذلك قرر الراغب أن: "كل ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود، كقولهم للِأثافيّ: خوالد، وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها"، وهذا هو المثال الذي تلقفه د. عدنان -من كتب اللغة- في اجتهاداته التي أراها متسرعة! فظنَّ لتعجله أن الخلود عند الراغب هو ما كان كخلود الأثافي فقط، فقال في خطبته: إن الخلود يقال في اللغة للبقاء المتطاول! وليس الأمر كذلك ، بل هو عكسه عند ذوي الأفهام.
    فالخلود وضع كما يقرره الراغب على عدم التغير عن الحالة التي عليها الشيء، وهو الذي عبر عنه الراغب بعدم الفساد. ولما كان العرب لا يلحظون بالحسِّ المباشر تغيرَ الأحجار التي يضعونها تحت النار لحمل القدر مثلاً، سمَّوها بالخوالد، وذلك لعدم لحاظهم التغير، لا لأنّ الخلود هو المكث الطويل بقيد الطول مع النهاية، كما زعمَ.
    وقال الراغب: "والخلَدُ: اسم للجزء الذي يقى من الإنسان على حالته، فلا يستحيل ما دام الإنسان حياً استحالة سائر أجزائه".
    وقال :"أصل المُخْلَد: الذي يبقى مدةً طويلة، ومنه قيل: رجل مخلَـِدٌ لمن أبطأ عنه الشيب، ودابَّة مخلدة هي التي تبقى ثناياها حتى تخرج رباعيتها، ثم استعير للمبقِيِّ دائماً"، وهذه الاستعارة للفظ المخلَد. لأن اللفظ هو المستعار.
    ثم قال الراغب:"والخلود في الجنة بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد عليها، قال تعالى(أولئك أصحاب الجنة هم فيهاخالدون)،(ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها)،(وقوله تعالى يطوف عليهم ولدان مخلَّدون).....وإخلاد الشيء: جعله مُبْقىً، والحكمُ عليه بكونه مُبْقىً، وعلى هذا قوله سبحانه (ولكنه أخلد إلى الأرض) أي ركن إليها ظانا أنه يخلد فيها".
    هذا هو كلام الراغب. فهو مخالف مطلقا لما قاله د. عدنان، بل إن هذا القائل بفناء النار وأن هذا ظاهر القرآن أو مدلول آياته، قد عكس كلام الراغب.
    وكذلك قرر العلامة اللغوي الأريب ابن فارس الذي لا يقلُّ عن الراغب في تدقيقه اللغوي في المقاييس فقال: "خلد، الخاء والدال واللام أصل واحد يدلُّ على الثبات والملازمة".
    أرأيتَ كيف جعله أصلا واحداً، أي له معنى واحد في اللغة. وهو الثبات والملازمة.
    فإذا قيل إن الكفار خالدون، كان معناه وحدَه كافيا لإفادة بقائهم ثابتين في النار ماكثين فيها، وكان دليلا أيضا على بقائها في نفس الأمر، كقوله تعالى في الجنة إن أهلها خالدون فيها، يفيد بقاءهم فيها، وبقاء وجودها في نفسها أيضا. إذ لا معنى للقول بأنهم خالدون فيها مطلقا، أي ثابتون فيها، مع القول بأنها في نفسها ستفنى، فإن هذا يستلزم بالضرورة عدم خلودهم فيها. ولا معنى للقول بأن أهل النار من الكفار خالدون في النار، على سبيل الحقيقة، ثم يقال إن النار تفنى، بل يقال بعد ذلك إن أهل النار من الكفار والزنادقة يخرجون منها ويشار إلى أنهم قد يدخلون في الجنة، ويصبحون من أهل الجنة وأصحابها الدائمين فيها! لعمري هذا قلب للأمور وتحريف لكلام رب العالمين!
    وقد وافقَ الراغبَ السمينُ الحلبيُّ في (عمدة الحفاظ) على ما قرره في معنى الخلود، فقال: "وأصل الخلود تبري الشيء من أعراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هي عليه، والعرب تصف بالخلود كل ما تباطأ تغيره وفساده" .
    وضعف السمين الحلبي صراحة قول من قال إن الخلود هو المكث الطويل، وكذلك ضعف قول من قال إن الخلود هو الذي لا نهاية له، فقال: "الخلد: قيل هو المكث الطويل، وقيل هو الذي لا نهاية له. وهو أشبه بقول المعتزلة لسابِّهم: عليه تخليد أهل الكبائر، وقد حققنا هذا في الأحكام والتفسير، ولو اقتضى التأبيد لما جاء مع لفظ الأبد، وأجابوا عنه بإرادة التأكيد، والأصل عدمه".
    وأما قول الزمخشري في أساسه وهو الذي ربما اعتمد د. عدنان على أول نظره فيه: "خلد بالمكان وأخلد: أطال به الإقامة، وما بالدار إلا صم خوالد وهي الأثافي، وخلد في السجن، وخلد في النعيم بقي فيه أبداً خلوداً".
    فهذا لا يتعارض مع ما ذكره الراغب وغيره من أن الأصل في خلد هو عدم التحول والتبري عن الفساد، ثم يستعار لما كان كذلك ولو في ظاهر الأمر، وهذا المعنى استعمال للفظ في بعض معناه، وليس بالضرورة الحقيقة فيه. فإن كان الأمر الموصوف بالخلود لا يتغير ولا يعتوره تحول، كان فعلاً خالدا حقيقة، وإلا فهو خالد في نظر واصفه بذلك، وعلى ذلك تخرج هذه الاستعمالات.
    فظهر بذلك بطلان ما قرره مدعي فناء النار، من أن الخلود هو مجرد المكث الطويل الذي ينتهي، بل :"هو عدم التغير وعدم التحول عنها".
    وليتنبه أن السمين الحلبي يتكلم عن المعنى الموضوع له اللفظ، ولا يريد أن معنى الخلود يتنافى مع التأبيد، بل إنه يقول إن معناه ليس هو الذي لا نهاية له، وهو معنى لفظ التأبيد، ولو كان هو عين معناه، لما كان جائزا تقييده بالتأبيد لأنه تكرار محض، إن جاز لم يفد إلا التأكيد، والأصل التأسيس لا التأكيد كما هو معلوم عند أهل العلم. فمعنى التأبيد مغاير لمعنى التخليد. وإن كانا لا يتنافيان بل يجتمعان، فما لا يتغير في كل الأزمان، مؤبَّد كذلك
    .
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. #4
    الأمر الثاني الذي تعلق به النافي لخلود النار: زعمه أن الأبد يفيد نفس معنى الخلود ! وهو المدة المتمادية التي حكم أنها منتهية!



    ولكن هذا المعنى الذي يزعمه د. عدنان للأبد ليس هو المعنى الذي ذكره الراغب المحقق المدقق في معاني المفردات! الذي حرَّض على الاستفادة منه!
    فقد قال الراغب في معنى الأبد: "قال تعالى: (خالدين فيها أبداً) الأبد عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ ما يتجزأ الزمان، وذلك أنه يقال زمان كذا، ولا يقال: أبد كذا. وكان حقه ألا يثنى ولا يجمع إذ لا يتصور حصول أبدٍ آخر يضمُّ إليه فيثنى به، لكن قيل آباد، وذلك على حسب تخصيصه في بعض ما يتناوله، كتخصيص اسم الجنس في بعضه، ثم يثنى ويجمع، على أنه ذكر بعض الناس أن آباداً مولَّد وليس من كلام العرب العرباء...وقيل: أبد آبدٌ، وأبيدٌ أي دائمٌ...وذلك على التأكيد. وتأبَّد الشيء بقي أبدا، ويعبَّر به عما يبقى مدة طويلة".
    فهذا كلام صريح في أن الأبد لا نهاية له، أما إطلاقه على المدة الطويلة فاستعمالٌ للَّفْظِ في بعض ما يتضمنه، كما قال، وهذا ليس استعمالا حقيقيا، بل مجازٌ.
    ووافق الراغبَ السمينُ الحلبي فقال:"الأبد الزمان الطويل الممتدّ غير المتجزئ، فهو أخصّ من الزمان...قال تعالى(خالدين فيها أبداً) أي زمانا لا انقضاء لآخره".
    وفرَّق الراغب بين الأمد والأبد فقال: "والأمد والأبد يتقاربن، لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حدّ محدود، ولا يتقيد، لا يقال: أبدُ كذا، والأمد مدة لها حد مجهول إذا أطلق....الخ".
    فبطل ما قرره مدَّعي فناء النار بمجرد ظهور دلالة الأبد على الدوام بغير انقطاع، ودلالة الخلود على عدم التحول والتغير عما هو عليه، وارتباطُهما معاً، له دلالة صريحة على عدم فنائها!
    ولذلك فإننا نفهم تماما لماذا استبعد د. عدنان اللجوءَ إلى الراغب في بيان كلمة الأبد ومالَ إلى ما نقل ما ذكره الزمخشري في معجمه الشهير (أساس البلاغة) من بعض استعمالات العرب، فنقل عنه قولهم: "لا أفعله أبد الآباد، وأبد الأبيد، وأبد الآبدين، وتقول رزقك الله عمراً طويل الآباد بعيد الآماد".
    واحتج نافي بقاء النار بمجرد ذلك على أن الآباد تنقطع، وتنتهي وإلا ما جمعت (أبد الآباد)، أو أنها تنتهي لأنها تعلقت بما ينتهي (عمرا طويل الآباد)!!
    ومن الظاهر أن هذه استعمالات للفظ مبنية على نوع من المبالغة وتجوز كما هو ظاهر، لا حقيقة ما وضع له، وقد وضح الراغب وغيره أصلها التي نتجت عنه فيما نقلناه عنه. ومن التفت إلى ما ذكرناه لا يتعلق بهذه الشبه والمشاغبات!
    وكذلك قول ابن فارس: "أبد الهمزة والباء والدال يدل بناؤها على طول المدة، وعلى التوحش، قالوا الأبد الدهر، والعرب تقول: أبد أبيد، كما يقولون دهر دهير".
    فَطولُ المُدَّةِ بمجرَّدِهِ لا يدلُّ على الانقطاع كما يزعم د. عدنان إبراهيم!
    فلو فرضنا أن العرب وضعت هذه الكلمة على طول المدة، فمن أين أنها وضعتها على طول المدة بقيد الانقضاء والانقطاع!! ألا يكفي عندئذ حملها على عدم الانقطاع القرائنُ المتكاثرة الدالة على ذلك، ومقابلتها بتأبيد المؤمنين، وتخليدهم ونحو ذلك مما هو كثير في القرآن، كعدم خروجهم، وتأمل قوله تعالى {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}المائدة37، فإنه كافٍ وحده لذي لبٍّ لفهم ما قرره العلماء.
    وسوف نتكلم قريبا عن الإخراج والخروج (مُخرَجين، وخارجين) والفرق بينهما، ولمَ تعلق بهما القائل بفناء النار! وإن حَسِبَ أن تفريقه مِنْحَةٌ وفتوحات عليه من الله!! وأن تفرده بها !!! تميزٌ يستحق عليه التعظيم والتوقير!
    ويبقى السؤال: لم عزف د. عدنان إبراهيم ها هنا عن الرجوع إلى الراغب واحتج بما سوغت له نفسه من بعض استعمالات العرب ، ألم يعرف أن العلماء قدحوا في قولهم (آباد) كما نقله الراغب بأنه مولَّد. وعلى فرض كونه عربيا خالصا، ألا يسعه أن يخرجه عن قرب على أساس أنه استعمال كما قرره الراغب وغيره، فهذا أوفق وأقرب إلى النظر السديد. أم إن المراد زعزعة دلالة الآية عن معناها كيفما كان!
    أهذا هو التحقيق والاجتهاد الذي نسمع دائما دعواه منه!
    وقوله في خطبته: "الأبد يقال للمدة الطويلة لا للمدة التي لا تنتهي" وقد يدلُّ على أنه يفهم من المدة الطويلة أي (إنها طويلة بقيد أن تنتهي)، أي الطويلة المنتهية، مع أنهم لو اقتصروا في بيان معنى الأبد على ما قال أي (المدة الطويلة فقط) لكانت محتملة لعدم الانتهاء، ولكان حملها على الانتهاء محتاجا لقرينة أيضاً، لا الطويلة غير المنتهية! وهذا منافاة منه لكلام أكثر اللغويين، فإنهم فسروا الأبد بالمدة غير المنتهية، فقد نصوا كما أوردناه على أنها تقال للمدة التي لا تنتهي، وإطلاقها على المدة الطويلة المنتهية بلحاظ نوع مجاز واستعمال خاص.
    ولو كانت لا تقال للمدة غير المنتهية، فكيف تواتر عن العلماء أن يفهموا من التأبيد عدم الانتهاء! ليختلفوا بعد ذلك في علم الأصول في لفظ التأبيد بخصوصه.
    وكيف تفهم قول من قال:
    نحنُ الذين بايعوا مُحَمّدا
    على الجهادِ ما بَقِينا أبَدا

    هل تفهم منها: إننا بايعناه مدة طويلة منتهية، أو تفهم منها : بايعناه ما دمنا باقين ولو بقينا أبداً أي بلا نهاية. وذلك مع علمهم أنهم سيموتون.
    وكيف تفهم قوله تعالى {رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً }الطلاق11، هل تفهم منها: أنهم خالدون في الجنات مدة طويلة منقطعة!!
    وكيف تفهم قوله تعالى واصفا اليهود( وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ) البقرة 95 أي لن يتمنوا الموت مع زعمهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس. هل تفهمها أنهم لن يتمنوا الموت مدة متطاولة منتهية! ثم سيتمنونه!
    ونراه قد عكس المقام، أو تحكم فقال:"إن (أبداً) لا يفهم منها البقاء المتمادي لا إلى نهاية إلا بقرينة، ويفهم منها لذاتها البقاءَ الطويل المنتهي الذي له نهاية فقط".
    واحتج القائل بفناء النار على زعمه أن التأبيد لا يفيد عدم الانقطاع، بل يفيده، بنحو:
    قوله تعالى {فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ }التوبة83، وقوله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام في حقّ المنافقين {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ}التوبة84، فَإِنَّ صَلَاتَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ، والمغفرة تنافي تأبيد العذاب، وقوله تعالى {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ }التوبة108، {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}النور4، {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً}الكهف35....الخ.
    وحاصل استدلاله أن كل ما تعلق به التأبيد عرفنا أنه لم يدم أبداً، فاستنتج من ذلك أن التأبيد لا يفيد عدم الانتهاء.
    والحقيقة أنه لو أنصف، لعرف أن عدم بقاء هذه الأمور المحكوم عليها بتأبيد، إنما جاء لا لنفس كلمة (أبداً) بل لأنا عرفنا عدم بقاء كل ما قيد ما تعلق به بالتأبيد، فصار معنى التأبيد ههنا ما بقيت المتلَّقات، وقد علمنا أنها لا تبقى، فالتأبيد صار مقيداً لتقيد ما تعلق به ولمحدوديته، وليس العكس، وهو عدم دلالة التأبيد على عدم النهاية إلا بقرينة! فهذا هو قلب الأمور وعكسها بلا قرينة ولا دليل!
    ولو أنصف فعلا لعرف أنه يجب أن يلتزم بما أمر به الله تعالى على سبيل التأبيد، ما دام مكلفا، وذلك على فرض بقاء وجود ما تعلق به ذلك كله على التأبيد، ولكن مع علمنا بعدم بقائها، فيتعلق بها الأمر الإلهي المؤبد مدةَ بقائها. ومع أنَّ هذا هو الظاهر البين، ولكنه أعرض عنه ونأى! وأما قول صاحب الجنة في الآية الكريمة، فغاية الأمر أن حكمه بتأبيد الجنة كان تابعا لوهمه، ولازما عن أمله وتمنياته، ولذلك كان ظالما لنفسه بنص الآية! على أن نفس هذه الآية تفيد أن التأبيد يفيد عدمَ الانقطاع، لا طول المدة بشرط الانقطاع، لأن ظنه أنها لا تبيد أبدا، ظنُّ باطلٌ كما هو معلوم.
    وليتأمل القارئ الكريم في قوله تعالى {قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }المائدة24 ليعلم صحة ما قلناه وقررناه، فإن عدم دخولهم هاهنا مقيد بـ(أبداً) ثم قيِّد هذا التأبيد بقولهم (ما داموا فيها) لئلا يفهم أنهم لن يدخلوها أبدا مهما حصل، سواء ظلوا فيها أو خرجوا منها.
    وقَوْله تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنْ الَّذِينَ نَافَقُوا : { لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } وَكَذِبُهُمْ فِي خَبَرِهِمْ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، لأن التأبيد يستلزم أنهم لا يطيعون أحدا في الزمان المستقبل بصورة مستمرة لا منقطعة،ولو كانت (أبدا) تفيد المدة الطويلة المنقطعة، لما لزم بالضرورة كذبهم إذا أطالوا المدة ثم أطاعوا فيهم أحداً.
    وتأمل قول الرسول عليه الصلاة والسلام:" خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً مُخَلَّدَةً فِيكُمْ أَبَدًا ، لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ" فإنه يفيد قطعاً أن هذا الحكم يجب بقاؤه في بني طلحة ما داموا موجودين على الأرض مكلفين، وهذا معنى التأبيد ها هنا، أي لو فرضنا استمرار وجودهم أبدا، لوجب بقاء هذا الحكم متعلقا بهم أبدا كذلك بلا انقطاع ولا غاية ولا نهاية.
    ولا نريد الاستقصاء في الاستعمالات اللغوية والعرفية والشرعية لهذه الكلمة، وصاحبتها، فما ذكرناه يكفي اللبيب لنقض كلام القائل بفناء النار معتمدا على دعواه التي لا تسلم بلا بينة ولا حجة ظاهرة!
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. #5
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين سيدنا محمد من نرتجي شفاعته يوم الدين، الذي لا يوم بعدَه....
    وبعد،
    فيا أيها الإخوة الأفاضل وخصوصا محبي د. عدنان إبراهيم

    أريد أن أقول لكم هنا، إن الرد على رأي من الآراء لا يستلزم انتقاصا ولا قدحا في نوايا المردود عليه.

    ولتعلموا جميعا أن لم يدفعني للرد عليه لا دافع شخصي ولا اعتبار غير علمي، ولكن الرأي الذي ذهب إليه والطريقة التي شرع في ترجيحه أراها غير لائقة، ولا مصيبة، وما زلت أقول إن هنا تسرعا في خطابه واندفاعا في استنتاجاته...

    وأريد أن تعلموا أيضا أن الرد عليه يشتمل على جانبين:

    الجانب الأول: بيان أهم ما استدلَّ به من أمور لغوية وآيات وأحاديث ومعان عقلية أو شرعية، وإعادة النظر في توجيه هذه الآيات ودفع الجهات التي يتعلق بها. وهذا حق لنا مشروع.

    الجانب الثاني: بيان بعض اللواز التي تلزمه عندما يقول برأيه، وهذا يدعى في علم المناظرة (الإلزام) ومعنى ذلك إعادة تحليل قوله وبيان ما قد يلزم عنها بحسب النظر العقلي أو بحسب الجهة التي يقيم آراءه عليها...

    والإلزام لا يستلزم بالضرورة ولا يتوقف على أن يصرِّح المردود عليه تصريحا مباشرا بما يُلزم به، ولكن يكفي أن يقرر بعض القضايا التي تستلزم ما يُلزَم به، بحسب رأي الناظر...
    وللمردود عليه أن يعترف بأنه يلزمه، أو أن يدفع لزومَه بأدلة ظاهرة....

    والإلزام في علم المناظرة ليس من باب الكذب أبداً، ولكن ينبغي أن تكون القواعد التي يُلزَم الخصم بناء عليها مسلمَّة له أو مقررة، وأن لا يكون منكراً لها، وأن يكون هناك للزوم بينها وبين ما يُلزَم به من الرادِّ عليه...

    ومنهج الإلزام منهج مقرر عند أهل المناظرة والنظر....

    ومع ذلك فأنا في ردِّي عليه، وإن اشتمل على إلزامات أراها موجَّهة عليه، إلا أني لم أكثر منها....كما سترون...ولما نزل في بداية نشر الردِّ....ولكني ركزت أكثر على إعادة تحليل أدلته، ومعارضته ونقض وجه دلالاته.....

    وكان بإمكاني أن أتجاهل ما قاله وقرره، ولكني أعلم كما أقول دائما، أن أداء الاحترام والتقدير للكاتب الذي يرجو الله تعالى حتى وإن خطأناه، لا يكون بتجاهل ما قاله، ولا يكون بالتغافل عما يدعو إليه، بل إن ذلك إنما يكون بإعادة النظر فيما قرره ومحاولة فهمه على الوجه الذي يريده هو بحسب الطاقة البشرية- ومصارحته بذلك بأقرب الطرق.....ولذلك فإنني إذ أرد على من أردُّ عليهم وإذ أبين نقض مقالات بعض الأعلام بين المسلمين كابن تيمية وابن عربي وابن رشد وغيرهم من المتقدمين أو المعاصرين، أفعل ذلك لأنني أرى مدى تأثيرهم، ومدى وجوب الاهتمام بآرائهم....
    ولكن الاهتمام بآراء أحد لا يتمُّ فقط بأن نوافقه فيما يقول، ولا أن نصرف ذهننا وعقلنا عما يلزم رأيه من لوازم، ونقف عندما يقف عليه...بل يتم على أبلغ وجه بتحليل قوله ورأيه ونقده وبيان لوازم الباطلة وتحذيره من الالتزام بها....خصوصاً أننا جميعا نشتغل بنصوص هذا الدين الذي نؤمن به ونأمل رحمة الله تعالى ونحاول اجتناب غضبه....

    ولتعلموا وليعلم هو أنني لا أريد من ردِّي عليه إلا وجه الله تعالى وإعلاء كلمة الدين الحق، والفهم الصدق، كما أراه وكما أعتقد أن ينبغي أن يكون، ولا أريد أن يصبح الدين مطية لكل هاجم عليه، لاوياً أعناق آياته لما يهواه، فلا أعتقد أن أحدا منا يرضى بذلك.....

    وأنا لا أتوقع منكم ولا من د. عدنان إلا أن يسارع إلى إعادة النظر فيما نقول، وألا يفترض أن ما يقرره وما يرتئيه هو الحق المطلق الذي لا يجوز لأحد معارضته فيه....

    بل إننا لو قلنا: إن الأولى بأن يقال له ذلك هو قول جماهير المسلمين في القرون المتطاولة لكان قطعا أولى وأحسن وأصوب....ومع ذلك فها نحن نعيد النظر فيما قرره وارتآه وأن أبعد الشقة عما قال أعلام المسلمين من شتى الفرق والمذاهب.....

    وليس المقصود من الرد مجرد التشنيع عليه كما يتوهم بعض المندفعين....بل توجيه الأدلة ونقد الباطل منها، فإنا وإياه يجب علينا أن نحتكم إلى أدلة هذا الدين الحنيف كما تدلُّ عليه، لا كما نريدها أن تدلُّ، وينبغي أن نكون تابعين لدلالات نصوصه لا أن نتصرف فيها بحسب ما نودُّ أن تكون عليه...وذلك لكي يتحقق منا التسليم والاستسلام الحق....

    كما أن الرد عليه لا يستلزم إنكار جميع ما يتحلى به من مزايا، وهذا لا يخطر لي أبدا على بال...

    والله الموفق، وهو المستعان وعليه التكلان
    كتبه
    سعيد فودة
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب...
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  6. #6
    الأمر الثالث الذي احتج به القائل بفناء النار: احتج فقال: إن الله تعالى لم يؤبد مقام الكفار إلا في ثلاثة مواضع، وقابل هذه الثلاثة بثلاثة أخر تفيد التشكيك بهذا التأبيد والتخليد، واعتبر ذلك إشارة لنفي التأبيد وفناء النار!!! وقال هذه ثلاثة بثلاثة....
    ووصف هذا المسلك بطريق المقابلة!!!
    ونحن نسميه (طريق المقابلة المزعومة الفاسدة)!


    والنافي لبقاء النار:
    يتبع هذا الأسلوب من النظر:
    -وهو يعلم تماما أن الآيات الأولى المفيدة للتأبيد والتخليد، محكمة عند العلماء، وأقل ما يقال فيها عند الآخرين : إنها ظاهرة مرجحة لعدم خروجهم من النار مع بقاء أهلها فيها....والظهور بالرجحان نوع من الإحكام...
    -وهو ويعلم أيضا أن أكثر ما يقال في الآيات التي جعلها مقابلة لهذه الثلاث المحكمة -حال جعلها دالة على ما يريد من معنى الفناء- أنها متشابهة، وهي إن كانت محتملة –على زعم من يدعي ذلك- فاحتمالها موهوم مرجوح بحسب الدلالة لا ظهور له ولا رجحان...
    والسؤال:
    كيف يجعل المتشابه حاكما على المحكم، والمرجوح راجحا على الراجح، ثم يبطل دلالة المحكم بالمتشابه....هل هذا هو الطريق الجديد من الاجتهاد الذي يدعوننا إليه!؟

    ولنبدأ من أول الطريق، فنقول:
    إن الناس معترفون بأن تنصيص الله تعالى على تخليد المؤمنين في الجنة، وعلى تأبيد مقامهم فيها دالٌّ على أنهم لا يَخرجون منها (بفتح الياء) ، ولا يُخرجون منها (بضم الياء)! وأن هذه الدلالة وحدَها محكمةٌ لا تعارضها دلالة أخرى، وراجحة يجب العمل بها....وينبغي اعتقادها...فما بالك إذا انضم إلى هذا الأسلوب البياني أساليب أخر تدل على المعنى نفسه..!!
    وبيان ذلك كما يأتي:
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  7. #7
    أولا: ذكر الآيات الناصة على التأبيد والتخليد للمؤمنين في الجنة


    فلنستعرض أولا الآيات الدالة على التخليد والتأبيد لأهل الجنة:
    1- قال تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً }النساء57
    قال الطبري في تفسير آية النساء 57:""خالدين فيها أبدًا"، يقول: باقين فيها أبدًا بغير نهاية ولا انقطاع، دائمًا ذلك لهم فيها أبدًا".
    فتأمل كيف فسر خالدين فيها أبدا: بأنهم باقون بغير نهاية ولا انقطاع، وأكد فقال: دائما ذلك لهم فيها أبداً....فمن أين فهم الإمام الطبريُّ عدم الانقطاع...
    وجاء في تفسير ابن أبي حاتم في هذه الآية:"عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: " " خَالِدِينَ فِيهَا " يَعْنِي:لا يَمُوتُونَ".
    قَوْلُهُ تَعَالَى: " أَبَداً " عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " " خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً " قَالَ: لا انْقِطَاعَ"."
    فزِدْ تأمُّلَك لتعرف أن السلف كانوا يعرفون أن التأبيد يعني عدم الانقطاع، وها هو ابن عباس يقرر ذلك، صراحة، ويرويه عنه الأكابر، ليعرف بطلان ما نسب إليه وإلى غيره مما يخالف صريح القرآن في هذا المقام...
    وقال ابن كثير:"وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا".
    2-قوله تعالى{ أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً{121}وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122.
    قال الطبري في تفسير آية الأحزاب 65:" يقول: باقين في هذه الجنات التي وصفها "أبدًا"، دائمًا".
    ففسر الأبد بالدوام.
    3-قال تعالى{قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } الجن119
    4 - { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } التوبة 22
    5 - { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } التوبة 100
    6 - { قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً } الكهف 3
    7 - { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } التغابن 9
    8 - { رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً } الطلاق 11
    9 - {جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ }البينة8
    ولم يقل أحد من المعتبرين إن هذه الأساليب البيانية لا تفيد التأبيد والمقام وعدم خروج الناس من الجنة. بل كل أحد يقرأ هذه التعبيرات فإنه يقطع بالخلود والتأبيد وعدم الخروج، وببقاء الجنة كذلك، ويقطع بأن بقاءهم في الجنة مؤبدين فيها غير خارجين! ولا مُخْرَجين! منها يستلزم بالضرورة بقاء الجنة.
    وأكد الله تعالى ذلك التأبيد والبقاء في الجنة لهم بأساليب أخرى كما هو معلوم كقوله تعالى {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ }هود108، وكقوله تعالى {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ}الحجر48، وبغير ذلك من الأساليب البيانية.
    وسيأتي الكلام على ما تمسك به النافي لبقاء النار من أثر الفرق بين خارجين ومُخرجين، وعدَّه التنبه إلى ذلك من فضائله المتميزة!
    ولم يقل أحد: إنه لو لم يجئ نحو هذه الأساليب التأكيدية لتنضم إلى ما ذكر ، فإن ما مضى غير كافٍ في إفادة التأبيد والبقاء في الجنة وعدم الخروج منها، مع بقاء الجنة في ذاتها! كما يزعم صاحبنا في النار!
    وما دام نفس التخليد والتأبيد كافيا لإرادة البقاء وعدم الخروج والدوام في الظرف المخلدين فيه، فهذا التعبير وحدَه كافٍ في الدلالة على دوام وعدم انقطاع وجود عذاب النار وأهلها فيها أي على عدم خروجهم منها وعلى عدم فنائها.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. #8
    ثانيا: ذكرُ الآيات الواردة في تخليد وتأبيد أهل النار فيها بالنص الصريح


    ورد في النار وعذابها وتقييده بالتخليد كثيرا، وبلغ ذلك حوالي الثلاثين مرة، يمكنكم النظر في القرآن لتلاوتها، وتدبرها.
    وورد ذكر التخليد مع التأبيد في حق الكفارِ في مواضع، وهي:
    1-قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً{168} إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً{169} النساء
    وقوله تعالى: (يسيرا) أي لا يصعب عليه ولا يستعظمه.
    ونقل ابن أبي حاتم بسنده عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا " ، قال:"لا انْقِطَاعَ لَهُ".
    فهذان أمران:
    الأول: أن الله تعالى قال إنه لا يهدي الكفار إلى طريق إلا طريق جهنم، خالدين فيها أبدا، وصاحبنا القائل بفناء النار، يقول: بل إنه تعالى يهديهم طريقا آخر غير طريق جهنم بعد خروجهم منها! فمن أصدق من الله تعالى قيلا!
    والثاني: ما نقله ابن أبي حاتم هنا مرة أخرى عن ابن عباس وهو منقول عن عكرمة عن سعيد بن جبير وفيه تفسير (خالدين فيها أبدا): أي بلا انقطاع.
    وصاحبنا لقائل بفناء النار تبعا لابن تيمية يقول بل بانقطاع.
    وأمر ثالث: إن الله تعالى يقرر أن بقاء الكفار في جهنم خالدين فيها أبدا أمر يسير وغير مستعظم عنده وغير مستصعب...ولكن صاحبنا مع غيره يقول بل هو أمرٌ يصعب أن نصدق أن يفعله الله، بل هو مخالف للحكمة.... ولذلك لا بد أن يخرجهم منها...!!!
    فأي القولين نصدق!
    2- قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً{64} خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً{65} الأحزاب.
    يقول الإمام الطبري، وهو من السلف:" يقول تعالى ذكره: إن الله أبعد الكافرين به من كل خير، وأقصاهم عنه(وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا) يقول: وأعد لهم في الآخرة نارًا تتقد وتتسعر ليصليهموها(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) يقول: ماكثين في السعير أبدًا إلى غير نهاية(لا يَجِدُونَ وَلِيًّا) يتولاهم، فيستنقذهم من السعير التي أصلاهموها الله(وَلا نَصِيرًا) ينصرهم، فينجيهم من عقاب الله إياهم".
    ها هو يفسر التأبيد والتخليد بأنه لا نهاية له، بالنص، وبصراحة...فمن أين فهم ذلك....
    وها هو ينفي مع الله تعالى أن يجد الكفار لهم نصيرا وولياً...فماذا يقول القائل بفناء النار...هل لهم ولي ونصير يخرجهم منها، ويقطع عنهم العذاب...!! أم يقول إن الله تعالى ينصرهم بأن يطهرهم من ذنوبهم بالعذاب في النار، ولا يعود هناك داعٍ للتعذيب والإبقاء في النار، ولا يعود للنار فائدة ولا لوجودها، فيفنيها الله تعالى ويخرجهم منها....إلى أين...وهم المطهَّرون...!!
    وقال ابن كثير:" { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } أي: ماكثين مستمرين، فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها".
    ولنتأمل قليلا في مفهوم اللعن المتعلق بالكفرين، واللعن هو الطرد والإبعاد...عن ماذا يطردون ويبعدون!! ثم لو فرضنا مع القائل بفناء النار وبأنهم يتطهرون...هل يصدق قول الله تعالى بأنهم ملعونون، لا سيما وقد أخرجهم –على حد زعم صاحبنا- من النار وأفناها...فلم يلعنهم ومماذا يطردهم...
    3- قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً{20} قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً{21} قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً{22} إِلَّا بَلَاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً{23} الجنّ.
    قال ابن عاشور متابعا في ذلك الإمام ابن عطية:"قال أهل السنّة : آيات الوعد ظاهرة العموم ولا يصحّ نفوذ كلّها لوجهه بسبب تعارضها كقوله تعالى : { لا يصلاها إلاّ الأشقى الذي كذّب وتولّى } [ الليل : 15 ، 16 ] وقوله : {ومن يعص الله ورسوله فإنّ له نار جهنّم } [ الجن : 23 ] ، فلا بدّ أن نقول : إنّ آيات الوعد لفظها لفظ العموم ، والمراد به الخصوص : في المؤمن المحسن ، وفيمن سبق في علم الله تعالى العفو عنه دون تعذيب من العصاة ، وأنّ آيات الوعيد لفظها عموم والمراد به الخصوص في الكفرة ، وفيمن سبق علمه تعالى أنّه يعذّبه من العصاة".
    وهذه تعابير صريحة ونصوصٌ واضحة على بقائهم أبداً مستمرين في النار، وتدلُّ بالضرورة على أن النار باقية، فمجرد وصف الجنة والنار بالخلود فهذا يعني كما مرّ بيانه أنها لا تتحول عما وضعها الله تعالى عليها، ولا تنقلب وكل ذلك بإذن الله تعالى وإرادته وفعله.
    وقد أكد القرآن ذلك المعنى بأساليب أخر، كقوله تعالى(أولئك ليس لهم في الآخرة إلا النار) فصار لهم في الآخرة على قول عدنان إبراهيم أمر آخر غير النار، فإنهم سيخرجون منها، ولم يذكر لنا أنهم سينعدمون! فأين يذهبون؟
    وقوله تعالى(لايجدون عنها محيصا)، وعلى قول عدنان إبراهيم: بل سيجدون عنها محيصا، ويخرجون منها...بل ستكون النار سبب سعادتهم، لأنها ستطهرهم، وتنقيهم من أدران الشرك والمعاصي، ليخرجوا منها...ولم يصرح بعد أي يذهبون...! إلا أنه أشار بإشارات يفهم منها الواحد ما يفهم....! كما سنرى....!!
    وقوله تعالى(ليس مصروفا عنهم) بل سيصرف عنهم ويصرفون عنه هذا على قول د.عدنان.
    وقوله تعالى(أولئك يئسوا من رحمتي)، يقول د. عدنان: بل لم ييأسوا إلا في ذلك اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة، أما بعد ذلك فرحمة الله هي الغالبة وستسعهم، فأين سيقبعون بعد أن يتطهروا من الشرك ؟!
    وقوله تعالى(نار مؤصدة) وهي على قول عدنان إبراهيم لم تعد مؤصدة، بل تفتح لهم.
    وقوله تعالى (وما هم عنها بغائبين) وعدنان إبراهيم يقول: بل سيغيبون عنها ثم تفنى. ولا ندري أين يذهبون بعدُ؟! أإلى نار أخرى أم ماذا؟
    وتأمل الآيات الآتية: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }النساء123.
    {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً }النساء145
    {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }النساء173
    {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}الحج71
    {قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً }الأحزاب17
    {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً }الأحزاب65
    {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ }فاطر37
    {وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ }الشورى8
    ولا يعجز المتمسك بوهمه وهواه أن يقول: إنهم لا يجدون لهم نصيرا غير الله تعالى، فيقول: ولكنا نقول إن الله تعالى يكون لهم نصيراً، وذلك بعد انقضاء خمسين ألف سنة أو ألف سنة! تقريباً! وسيخرجهم من النار بعد أن يتم تطهيرهم...!
    فيرد عليه السؤال: أين يذهبون! وهم المطهَّرون!؟ ولا يليق أن يعذبوا بعد تطهرهم وتزكيتهم التي نفاها القرآن...!
    وهذا قلب لمفاهيم القرآن الذي قرر أن الله تعالى لا يكون نصيرا للكفار لا في الدنيا ولا في الآخرة. على أن الآيان تدل على أن النصير المنفي هنا النصير الذي ينصرهم على ما أراده الله تعالى لهم من العذاب، فيمنع العذاب عنهم ويدفعه.
    وقد يقول قائل: ولكنهم بعد أن يدخلوا فيها، لا يعودون كفارا، فإن النار تطهرهم وتزيل الأدناس التي في قلوبهم، وتجعلهم مؤمنين راضين فيرضى عنهم الله تعالى حينئذ، فإنْ نصَرَهم بقطع عذاب النار وإفنائها، فلا ينصر كفارا في حقيقة الأمر.
    فنقول: فضلا عن أن نفي النصير عام، فإنه لم يَرِد أن الاعتراف والتصديق الذي يحصل في نفوس الناس في الآخرة ينفعهم، ولا يقلب حقائقهم التي يترتب عليها الجزاء والثواب، وهي التي اكتسبوها في الحياة الدنيا، وهي المعتبرة في اليوم الآخر. وإن الآيات التي نقلناها ترد على هذا القيل بصراحة.
    علاوة على ذلك فقد ورد بالنصوص القاطعة أن النار لا تزكيهم ولا تطهرهم، أي إن الله تعالى لا يطهرهم ولا يزكيهم بالنار ولا بشيء آخر...فإن وجدتم دليلا ظاهراً يدلُّ على ما تزعمون فدلونا عليه!
    وفي القرآن أساليب كثيرة تؤكد هذا المعنى الذي وضحناه، وتقرره مرة بعد أخرى، ذكرها الإمام التقي السبكيّ في رسالته المعروفة التي رد فيها على ابن تيمية القائل بفناء النار.
    وقول القائل بنفي النار بأنهم سيتطهرون في النار عن طريق العذاب الأليم، فما نعلمه أن الله تعالى صرح في القرآن أنه لا يزكيهم ولا ينظر إليهم، فقال {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }البقرة174، وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }آل عمران77. ولم يقيد نفي تزكيتهم بيوم واحد (حتى لو كان يساوي خمسين ألف سنة أو ألف سنة مما نعدُّ) حتى يقول المتوهم: إنه بعد انتهاء ذلك اليوم سيزكيهم.
    وعبر في القرآن بالفعل المضارع (ولا يزكيهم) لإفادة الاستمرار التجددي كما هو معلوم في علم البلاغة....
    فكيف يجرؤ المخالف بأن يقول إن الله سيزكيهم ويطهرهم من النجاسات الكفرية والمعاصي والشرك بالعذاب الأليم الذي قدره عليهم في النار، فإذا تطهروا لم يعد هناك داع لبقائهم في النار...فمن نصدق؟ القرآن أم عدنان؟
    ومع ظهور ذلك كله، وكونه محكما، راجحا ظاهراً، إلا أنا نرى القائل بفناء النار يتشبت بمجرد أوهام، وألفاظ لا دلالة ظاهرة فيها، بل هي كما يعترف متشابهات، فنراه يقدمها على المحكم من الكتاب!
    سخافة حجة المقابلة لأنها لا أساس لها هنا
    يقول: قابل الله تعالى هذه الآيات الثلاث بثلاثة أخر، أبطلت التأبيد وأزالته، أي أشارت إلى ذلك، ويقول إنه لم يجد أحدا التفت إلى هذا المعنى ولهذه المقابلة!! ويكتفي بهذه المقابلة!! للقول بترجيح عدم بقاء النار، وعدم استمرار العذاب لأهل الكفر، بل يزيد ويقول إن هؤلاء يصبحون مؤمنين ويقبل الله تعالى منهم الإيمان بعد عذاب يدوم لفترة معينة أي: يوم واحد (= خمسين ألف سنة مما نعدُّ، وربما يكون ألف سنة)، وبعد انتهاء هذه المدة، لا يُبقِي اللهُ تعالى في النار أحداً، بل يخرجهم وأشار إلى أنه ربما يدخلهم الجنة، لأنهم مطهرون مُزَكَّونَ وتلا قوله تعالى في أهل الجنة(سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)، ليفهم السامع وحدَه أن الكفار إذا تمت تزكيتهم وتطهيرهم، فيصبحون طيبين، والجنة لا يدخلها إلا طيبون، والكفار قبل تزكيتهم غير طيبين، وبعدها يصبحون مطهرين أي طيبين..
    وللقارئ أو السامع عندئذ أن يفهم وحدَه من دون تصريح من د. عدنان أنهم في الجنة بأدنى تأمل! أو ربما يقول بفنائهم أو بإدخالهم دارا أخرى غير النار تليق بهم... فإن جميع المقدمات التي يحتاج إليها للتوصل إلى تلك النتيجة قد حصلت وتمهدت له...
    ونحن نطلب من د. عدنان أن يوضح رأيه في هذه النقطة ويبينها تماما وبصراحة لما لها من أهمية...مع أدلة ظاهرة عليها تصله أن تقيمها وترفع أركانها لا على مجرد يبدو لي ، وأميل....ونحو ذلك...مما لا يفيد في هذا المقام...

    ولمْ أعرف أن مجرد مقابلة المحكم بالمتشابه يكفي في قوانين الاجتهاد عند أحد من المعتبرين لاستنباط جميع هذه الأحكام واللوازم الهائلة! ولا أرى ذلك إلا تمسكا بالمتشابه وتقديما له على المحكم، بل لا أراه إلا إبطالاً لمُحْكَمٍ بدعوى التقابل معَ المتشابه! وهذا ليس بطريق اجتهادي معتبر ولا محترم عند أهل العلم، ولكنه شائع عند فرق المبتدعة ...
    ثم هذا القول الذي يقرره هنا، وهو خروج الكفار جميعا من النار بعد مدة معينة معلومة، وصيرورتهم مؤمنين مَرْضِيَّاً عنهم، وفناء النار، بعد خروجهم منها، ويشير إلى احتمال دخولهم الجنة بعد ذلك الأمر الذي لم يجرؤ على التصريح به أحد من المسلمين من قبل!! لا ابن تيمية ولا ابن عربي، ولا غيرهما أبداً، بل اتفق المسلمون جميعا على أن أهل النار الذين هم أهلها لا يخرجون منها أبداً، وزعم ابن عربي أنهم مع كونهم لا يخرجون منها، ينقلب عذابهم عذوبة، أما ابن تيمية فزعم هو –في ظاهر قوله والمشهور عنه- وابن قيم الجوزية ووافقهما القرضاوي وغيره من المقلدين لهم أن النار تفنى، ولم يقل إن الكفار يدخلون الجنة، بل أفهم ظاهر كلامه أن النار تفنى ويفنى أهلها معها، ولم يصرح بوضوح بأنهم يُخرَجون منها ويدخلون الجنة، وإن وُجدت كلمات منه ربما تشير إلى هذا المعنى! وحاول السيد أحمد الغماري أن يوفق بين قول ابن تيمية وابن عربي بطريقة عجيبة لا تليق ! محاولا ألا يخالف واحدا منهما لما له من ميل غريب إلى ذلك الرأي، وقد بينت ذلك كله في كتابي أصحاب النار، الذي صدر قبل سنين.

    على أن لابن قيم الجوزية في بعض كتبه كلاماً يدل بصريحه على أن الكفار لا يقبلون أن تتغير نفوسهم وتتطهر بالنار، كما تتطهر نفوس العصاة من المؤمنين، بل تبقى كما هي فلا يليق بها دخول الجنة.

    فهل يعقل أن تكون هذه العقيدة التي يقترحها د. عدنان هنا هي العقيدة الحقة الصحيحة، ثم لا يوجد أحد من قبله خلال أربعة عشر قرنا قال بها ولا عرفها!! أي عقيدة هذه التي تمثل أصلا من أصول الدين ثم لا يعلمها أحد من المسلمين إلا واحد في هذا القرن!

    وربما يكون هذا الأمر نفسه مؤديا إلى الشك في الدين الإسلامي، فقد يقول قائل: إذا كان أغلب المسلمين منذ أربعة عشر قرنا حتى الآن يعتقدون خلود الكفار في النار، وقد تبين أن اعتقادهم هذا باطل، والحقيقة أن الخلود المؤبد للكفار سيكون في الجنة مع المؤمنين! فما الذي يؤمننا أن تنقض عقائد الإسلام الأخرى بعد مدة، ويطلع علينا آخر ينكر أمرا آخر...!
    فهذا الأمر إنما يبعث على الشك في أصول الدين، ولا يقويها في نفوس المنكرين الملاحدة كما يتوهم الواهم.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  9. #9
    ما هي قصة المقابلة التي اعتمد عليها د. عدنان إبراهيم؟



    زعم القائل بفناء النار أن هذه الآيات الثلاث التي فيها التأبيد للكفار في النار، وقد مرَّ إيرادها، ويُفهم منها عدم خروجهم منها، وعدم إخراجهم،
    يقول: قد وردَ في القرآن ثلاث آيات تقابلها أيضاً، تخلخل هذه الأبدية الدائمة المفهومة من الآيات السابقة!
    فنتج عنده أن الله تعالى أشار إلى انتهاء العذاب الدائم المخلد المؤبد بالآيات الثلاث السابقة بهذه الآيات الثلاث التي يعترف بوجود اختلاف عظيم في دلالتها، وبأن وجه دلالتها على ما يريد هو من المتشابهات لا من المحكمات...وبذلك يتساوى الأمر –عنده!- ويرجع الأمر إلى مجرد مكث طويل في النار، مقداره يوم واحد مما عند ربك.
    إذن: فثلاث آيات يزعم أن دلالتها محتملة على الانقطاع والفناء -مجرد أنها محتملة، لا نصا، ولا ظاهراً، ولا راجحاً!!- تكفي عند عدنان إبراهيم ومن سلفه للقول بأن ما دلت عليه الآيات الظاهرات الواضحات والمحكمات عند أكثر المسلمين فرقا وعلماء، ليس على ظاهره، ولا هو على ما نفهمه، بل يجب تقييده بما تحتمله –في زعمه طبعاً- تلك الآيات المتشابهة التي ليس لها ظهور على ما يريد من معنى الفناء وسواه....
    هذا هو خلاصة منهج المقابلة المزعوم من د. عدنان!!
    وزعم أن هذا من الفتوحات، وقال إنه لم يسبقه أحدٌ إلى الالتفات إلى ذلك!!
    فلنشرع في تحليل كلامه، والكلام عليه بما يليق...

    إنَّ الآيات الثلاث التي يريدها:

    1- قوله تعالى: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ }الأنعام128

    2- قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ{103} وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ{104} يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ{105} فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ{106} خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ{107} هود

    3- إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً{21} لِلْطَّاغِينَ مَآباً{22} لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً{23} لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً{24} إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً{25} جَزَاء وِفَاقاً{26} إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً{27} وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً{28} وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً{29} فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً{30}

    وهو يعترف أن الآية الأولى وفيها (إلا ) والثانية وفيها (إلا ما شاء ربك) من الآيات التي اختلف في تفسيرهما، وما يعتمد عليه في الآية من الاستدلال، وهو الاستثناء وما يراد به، إن حملناه على ما يريد من المعنى المؤدي إلى القول بفناء النار، فدلالته مع أنها غير ظاهرة (لا هي بنص ولا براجح) فإنها أيضا تستلزم التعارض مع ما يظهر من الآيات السابقة المحكمة الظاهرة، ومع الأحاديث النبوية، ومع أقوال العلماء من لدن الصحابة إلى هذا العصر...إلا قول ابن تيمية ومن تبعه، وربما لذلك هو راجح، ولذلك ينبغي القول به! لا نعلم!
    وإذا كان حملهما على ما يريد من إفناء النار، وإخراج أهلها يستلزم التعارض مع غيرها من الراجحات بلا بينة ولا دليل، فهذا يستدعي عند أهل النظر كونهما من المتشابهات على هذا المعنى، ومعلم أن المتشابه إذا كان ظاهرا في الدلالة فينبغي تأويله وصرف معناه إلى ما يوافق المحكم، فكيف إذا كان غير ظاهر ولا دالّ دلالة حقيقة ،بل كل ما يملكه صاحبة أرى ويبدو، ويعتمد على أفهام باطلة للاستثناء كما سنرى...!
    وهما ليستا محكمتين في المعنى الذي يريده، هذا أقل ما يقال فيهما. فكيف تسنى له أن يجعلهما مما يقابل المحكم من القرآن، الذي فيه التخليد والتأبيد، ثم يجعل المتشابه حاكما على المحكم، وكان الواجب عليه أن يسلك السبيل القويم، فيحكم على المتشابه بالمحكم، ويقيده به، لا كما فعل!
    وأما الآية الثالثة، فليس فيها –باعترافه- دلالة قوية على عدم التأبيد، لأن (أحقابا) نكرة، وهي صادقة على الفترة المحدودة، وعلى غير المحدودة، والأولى في هذا المقام، مقام التهديد والوعيد، أن تحمل على ما يوافق التأبيد والتخليد بتكثير الأحقاب المتوعد تعذيب الكفار فيها، الذي يلائمه الدوام والاستمرار، لا الانقطاع والفناء، لينقطع رجاؤهم من الخروج منها، أو العفو عنهم، وهو المناسب لمعنى التهديد الذي سيقت له الآية الكريمة. فالحاصل أن المعنى الذي يقترحه لنا غير مناسب للمقصود من الآية، ولا لسياقها، ولا يدل عليه لفظها ولا يستفاد من دلالته ! فكيف يجعله أهلاً لتقييد أو صرف الظاهر عن ظهوره! وسنزيد هذا المعنى بيانا قريباً...
    فما قام به القائل بفناء النار مخالف لما ينبغي أن يُسلك في أصول الاجتهاد المعتبر تماماً، أهذا هو الاجتهاد الذي يدعو إليه ويدعيه!
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  10. تعليق إجمالي على كلام د. عدنان في هذه الآيات الثلاث

    أولاً: نقد ما قرره في قوله تعالى (لابثين فيها أحقاباً)

    لما تكلم د. عدنان على الآيات الثلاث التي يقول إنها تقابل الآيات التي ورد فيها التخليد والتأبيد، اعترف بأن الاحتجاج بقوله تعالى (لابثين فيها أحقاباً) ضعيف جدا، وقال:"أن الاستدلال بها –أي :على انقطاع وجود النار- ضعيف، لأن مفهوم العدد من أضعف المفهومات، وهذا تعبير أصولي من لم يقرأ أصول الفقه، فلن يفهم عليّ جيداً، ولكن لا وقتَ لدي، العدد لا مفهوم له عند أكثر العلماء ونعترف أن مفهوم العدد من أضعف المفهومات".
    نقول: حسنا إذا كان الاستدلال بها ضعيفا، ودلالة المفهوم عموماً لم يقل بها كثير من الأصوليين، وومن أضعفها مفهوم العدد واللقب، وأنت ايضا تعترف بهذا الضعف وتقول:"إن مفهوم العدد ضعيف جدا"، فلمَ إذن تجعل هذا الوجه من الاستدلال بالآية وهو بهذه المنزلة من الاستدلال الضعيف، لاعتماده على دلالة مفهوم العدد التي هي من أضعف الدلالات فضلا عن أن نفس دلالة المفهوم مطلقا فيها خلاف بين الأعلام، وفوق ذلك فإن هذا المفهوم يخالف دلالة المنطوق، كما هو معترف به، فأنت تعتمد إذن على أضعف ما يمكن أن يوجد من دليل فيه خلاف في أصله!
    وبعد ذلك كله تبيح لنفسك أن تجعل هذه المرتبة الضعيفة للدلالة تقابل آية من الآيات الثلاثة التي فيها التخليد والتأبيد، وأقل ما يقال فيها إنها ظاهرة الدلالة على عدم الفناء واستمرار الدوام!
    ألا يجوز لنا أن نستغرب عندما نراك تتبع هذه الطريقة الملتوية من الاستدلال والترجيح....!
    ثم إن المرء ليستغرب منك، تورد ذلك الكلام في خطبة جمعة، على عامة الناس، وهي مسألة خطيرة جدا، وتقول إنه متوقف على مفهوم العدد الذي لا وقتَ لديك لشرحه، وتعترف فوق ذلك أنه ضعيف جداً، مع العلم أن شرح مفهوم العدد لا يحتاج وقتا أكثر مما احتجته لشرح وجه الاستدلال بالاستثناء ومحاولة توجيهه ليكون دالا على ما ترغب فيه وترتئيه...
    وإن قتادة وهو من كبار المفسرين المتقدمين كما هو معلوم، قال في تفسير قوله تعالى (لابثين فيها أحقابا):"لابثين في جهنم أحقابا: لا انقطاع لها"، فها هو قتادة من أعلام مفسري السلف يقرر إفادة الآية لعدم الانقطاع.
    وأيضا، فإنهم اختلفوا في الحُقبِ كم هو، فروي عن النبي عليه السلم أنه ثلاثون ألف سنة، قال مكي بن أبي طالب في تفسيره:"وهو جمع الجمع، واحدُه: حقبة، جمعت على حقب، وجمعت حقب على أحقاباً. ويجوز أن يكون أحقاب جمع حُقْب، والحُقْبُ ثلاثة مائة سنة، كل سنة ثلاث مائة وستون يوما، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا، قلاه بشير بن كعب.
    وقال علي بن أبي طالب:الحقب ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا" وهو قول ابن جبير وقاله الربيع بن أنس. وقال أبو هريرة:الحقب ستون سنة كل سنة ثلاث مائة وستون يوما كل يوم ألف سنة من سنين الدنيا...
    وقال قتادة: الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة، وقال هي أحقاب لا انقطاع لها، كلما مضى حقب جاء حقب بعده.
    وقال الحسن: أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكر أن الحقب سبعون سنة كل يوم منها كألف سنة مما نعده".
    وها هو الحسن يصرح بإفادة الأحقاب الواردة في الآية للخلود في النار...
    فتأمل في هذه الأقوال التي يقول بها السلف من عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم، إلى هذا الزمان، وهم مجمعون على أمرين
    الأمر الأول: أن عذاب أهل النار لا ينقطع.
    والأمر الثاني: أن الفترة التي يعذب فيها أهل النار ليست مجرد يوم واحد من أيام الآخرة، وهو خمسون ألف سنة أو ألف سنة، كما قلت أنت، بل أكثر من ذلك كثيراً...
    وبذلك يظهر لك -وفقك الله!- مدى التخابط الذي ينتاب استدلالاتك وتوجيهاتك المتعسفة للآيات...
    وبعض المفسرين من المتقدمين والمتأخرين ذكر أن قوله تعالى (لابثين فيها أحقابا) متعلق بقوله (لا يذوقون فيها بردا ولا شراباً) ثم بعد ذلك يعذبون بغير هذا العذاب م، كما ذكره البيضاوي في تفسيره، ومكي بن أبي طالب وغيرهما من المفسرين. وبذلك يكون يكون المراد أنهم يدومون أحقابا معذَّبين بهذا اللون من العذاب، ثم ينتقلون إلى غيره، ولا يدل ذلك على انقطاع أصل العذاب كما قررتَ أنت.
    وحينئذ فإن لم يتمَّ الاستدلال بقوله تعالى (أحقابا) على الانقطاع، بدلالة المفهوم لضعفه، فإنه يحتمل في نفسه التكرر بلا حدٍّ لتنكيره مع الجمع، فالأصل أن يحمل على ما يوافق المنطوق المنصوص به الظاهر من آيات أخر، لا أن يجعل مقابلا لها مبطلا لدلالتها!.وذلك لأن المفهوم لا يعارض المنطوق كا تقرر في أصول الفقه، خصوصا إذا كان السياق يخدم إرادة بقائهم في النار، لا إخراجهم لأن المقام مقام تهديد ووعيد، لا مقام ترغيب وتحبيب!
    وكما قرر بعض المفسرين، فإن الآية لا إشكال فيها، ولا تشير أصلا إلى احتمال انقطاع العذاب عن الكفار وذلك على مذهب من لا يقول بمفهوم المخالفة، وهم كثير.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  11. ثانياً: التعليق على كلامه على آية هود والأنعام:


    في الحقيقة لو كان من يريد ترجيح قول على قول أو جه على آخر من وجوه التفسير يتبع هذه الطريق التي اتبعها د. عدنان في تحليل الآيات، لما وجدنا أحدا يتكلم في قرآن أبداً، ولكان أكثر أعلام المفسرين من شتى الفرق الإسلامية يتكلمون كلاما فارغا، أو هاوء، على حد حكمه على بعض وجوه تفسير آية هود!
    تكلم على آية هود، فقال "إنها من أشبه الآيات في كتاب الله"، والقاعدة التي اتبعها في تحليل الآية:"أن ما بعد إلا يأتي مخالفا لما قبلها. وما قبل إلا (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض) أي مدة بقاء السموات والأرض، والاستثناء (إلا ما شاء ربك) إذن تكون الثنية مخالفا لما قبل إلا".
    أقول:
    هكذا يحل صاحبنا الفاضل المشكلة بسهولة، يقول: ما بعد إلا يخالف ما قبلها، وما قبلها يفيد الخلود ما دامت السموات والأرض، فما بعدها لا يفيد الخلود مدة بقاء السموات والأرض، وفي رأيه أن هذا يستلزم أنه يفيد انقطاع الخلود واستمرار الدوام في النار من جهة المستقبل.
    وانتهى الأمر!!
    ولم يسأل نفسه : إذا كان ما قبلها يفيد البقاء ما دامت السموات والأرض، فكيف ينفي الاستثناء أصل ما أثبت....والمفروض أن يخرج بعض ما يدخل تحت المستثنى منه، لا أن ينفيه من أصله...فإن نفي ما تحت اللفظ رفع له ونسخ، وإخراج بعضه عن حكمه هو الاستثناء.
    فإذا كان المثبت قبل الاستثناء هو الدوام للبث في الدارين بقيد دوام الاستمرار والأبدية، فجاء الاستثناء ورفع الأبدية، وهي دوام الاستمرار في المستقبل، لكان هذا رفعا بالاستثناء لأصل مفهوم ما أثبته، وهو غير جائز في الاستثناء. فالاستثناء لا يتسلط على المفهوم لينفيه بل على بعض أفراده ليخرجها من حكمه.
    ولو كان ما يقرره استثناء لما صحَّ أن يكون نافيا مفهومَ ما قبل (إلا) بل غاية ما يصح منه إخراج بعض ما يدخل تحت المستثنى منه من الحكم المحكوم عليه به، فقط، وهذا لا يستلزم نفي ما قبلها بالضرورة. وسنبين ذلك بتفصيل أكثر قريباً.
    ومن ثمَّ، شرع في مناقشة الآراء الأخرى "وحكم على
    قول من قال ( المستثنى مدة بقائهم في البرزخ أو الحساب)، بأنه مخالفة للنظم ولظاهر الآية، ورد ذلك لأن الآية تقول خالدين فيها، والاستثناء من هذا..
    ووصف قول من قال: ينتقلون من النار إلى الزمهرير بأنه كلام هواء وفارغ، لأن النار هي كل هذا.
    وعلى قول من قال: الثنية يراد بها الزيادة على ذلك ، بأنه محتمل ولكنا سوف نرى!"
    أي سوف يرينا كيف يرده ويبطله...!!
    ولا يظهر لي بوضوح كيف يكون قول من قال إن المستثنى هو المدة ما قبل الدخول في النار، مخالفا للنظم بوضوح هكذا، ألا يحتمل يا د. عدنان أنهم يقولون بقول أهل السنة والجماعة من أن الجنة والنار موجودتان الآن، في حال وجود السموات والأرض، ولكنهم في حال البرزخ والحساب وبعد إعادة خلق السموات والأرض لا يكونون قد دخلوا في النار بعد.
    ولما كان الحكم المثبت في الآية الكريم وهو خلودهم في النار معلقا بمدة بقاء السموات والأرض، فقد تحقق على هذا الفرض وجود السموات والأرض، مع عدم كونهم داخلين في النار، ولذلك فإنه من السائغ استثناء هذه الفترة أو كلا الفترتين، ولا يكون خروجا عن النظم القرآني على هذا الفرض. وتبقى الآية دالة على الخلود الدائم لإطلاقه عن التقييد بعد ذلك الاستثناء، وتنتهي شبهة القائلين بفناء النار من أصلها بهذه الطريقة...!
    ثم بالله عليك، إن قول من قال بأن المستثنى هو خلودهم في النار معتبرا النار نوعا من أنواع العذاب لا دار العذاب، فقال فقال بعد ذلك: يخرجون من العذاب بالنار إلى الزمهرير، فهو لا يبني قوله ملاحظا في ذلك الاسم اللقبي للدار لها الشاملَ لما ذكرتَ، بل ملاحظا أصل الوضع للنار المستعملة للتعذيب المقابلة للزمهرير، ولا سيما أنها مستخدمة في القرآن بهذا الوجه، وقد علم أن في دار العقاب عذابا بالنار وعذابا بالزمهرير، ويؤيد ذلك -ولو من جهة- الوجه السابق المذكور في قوله تعالى (أحقابا)...
    فكيف أمكنك أن تحكم على هذا القول بإطلاقٍ بأنه كلام فارغ وهواء!! وقد قال به بعض أكابر العلماء، واحتمله المحققون منهم...!!
    أإلى هذا المنهج من النظر في تفسير الكتاب تدعو أصحابك والمتأثرين بك يا صاحبنا الذي ندعو الله تعالى أن يوفقه توفيقا، ويسدده ويوجه قلبه إلى ما فيه الخير للدين!
    وأما ما قررته من احتمال دلالة الاستثناء على الزيادة في العذاب، فنشكر لك مجرد احتمالك إياه، وعدم وصفه بالهواء والفارغ، وسوف نناقش طريقة إبطالك إياه...
    وقد اعتمد د. عدنان في سبيل ترجيح عدم دلالة الثنية على الزيادة على ما نقله الطبري من قول بعضهم، وها نحن نسوق لك لفظَ د. عدنان وذكر أنه لا يسوقه باللفظ بل بالمعنى والشرح،
    يقول د. عدنان: "قال الطبري وقال آخرون: أوقفَنا اللهُ على معنى الاستثناء في المؤمنين، فهو محتمل للزيادة والنقصان، فهو يحتمل أنهم يخرجون أو يُخرجون ، لا ندري! لكنا علمنا أن المراد هو الزيادة التي تجعل بقاءهم دائما غير منقطع في الجنة لقوله تعالى (عطاء غير مجذوذ) أي غير مقطوع، أي ممتد.
    أي يبقيهم ويديمهم إلى غير نهاية....
    أما في حق الأشقياء (فعال لما يريد) (حكيم عليم) عجيب! لا ندري هل المستثنى هو النقصان، سوف نرى...
    بعضهم قال: لا يفيد لأنه أخبر عن أهل جهنم أنهم لا يخرجون من النار (وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم) (كلما أرادوا أن يخرجو منها من غم أعيدوا فيها)...وشرع في توضيح الفرق بين يُخرجون ويُخرجون...". هذا هو كلام د. عدنان إبراهيم ...
    إذن هو يرجع إلى طريقة المقابلة ويطبقها بأسلوبه الغريب العجيب....وسوف نطبق لك هذه الطريقة على أصولها لاحقاً، وإن لم تكن لازمة في القرآن دائما، كما يقرره المفسرون في كتب التفسير. ولكنك سترى الفرق بين تطبيقنا لهذه المقابلة بين آيتي سورة هود الواردتين في الذين سعدوا والذين شقوا، وطريقة تطبيقه هو، لترى ما وقع فيه صاحبنا من تجاوزات.
    وكما رأيت فقد اعتمد صاحبنا على ما ذكره الإمام الطبري وها نحن نسوقه لك بلفظه: "وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: (عطاء غير مجذوذ) ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض. قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار. وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة ، وجائز أن تكون في النقصان.
    *ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) ، فقرأ حتى بلغ: (عطاء غير مجذوذ) ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: (عطاء غير مجذوذ)، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار".
    إذن هؤلاء الآخرون، لم يذكر منهم الطبري إلا ابن زيد، وغاية ما ذكره أنه اعترف أن الله تعالى لم يخبرنا بالذي شاءه لأهل النار، هل الزيادة أو النقصان....
    فنقول: نعم ، نقول وعلى سبيل التنزل، على فرض أن الاستثناء ههنا من المدة المذكورة، وأيضا على فرض أن التعبير بقوله (ما دامت السموات والأرض) لا يفيد الدوام، فغاية الأمر أنه لم يذكر في هذه الآية بالذات ما الذي أراده الله تعالى لأهل النار، ولكن ذلك لا يستلزم أنه لم يذكر ذلك في آيات أخر، فقد بين الله تعالى أن عذابهم يكون غراما، ودائما، وأبدا، ولا يخرجون منها، إلى غير ذلك مما أشرنا إليه وبيناه.
    فلو فرضنا أن الله تعالى لم يذكر ما أعده للكفار هنا، فقد ذكره في غير هذا الموضع، وغاية الأمر أن هذه الآية تكون مجملة، وغيرها مفصلا محكما، والأصل حسب القواعد الأصولية الراسخة المعتبرة تقديم المحكم على المجمل غير المبين.
    ثم كيف يدلُّ قوله (إنه لم يذكر لنا ما أعده للكافرين) على أنه أراد انقطاع العذاب، فضلا عن أن يدلّ على أن العذاب لا يكون أكثر من يوم واحد عند ربك!! لعمري إن هذا استدلال عجيب ! فعلا وغريب!
    ثم نحن لا نسلم أنه لا يستفاد استمرار نعيم أهل الجنة إلا من قوله تعالى (عطاء غير مجذوذ) بل يستفاد، مما قبله، ويكون قوله تعالى (عطاء غير مجذوذ) وصف لحال هذا العطاء ومنشئه، هل هو لوجوبه عليه تعالى، أو إنه بتفضله ومنته، بلا سبق وجوب كما سنفصله لاحقاً. وذلك فضلا عن استفادة هذا المعنى من آيات كثيرة في الكتاب العزيز.
    والذي نعتمده في معرفة بقاء نعيم أهل الجنة بدون لفت النظر إلى ما وراء الاستثناء، أن الله تعالى قال (ما دامت السموات والأرض) والسموات والأرض دائمة أبدا، بعد إعادة إنشائها في يوم القيامة، ولم يرد أن الله تعالى يفنيها مرة أخرى على القول بإفنائها قبل ذلك، وهو ما سنبينه بيانا أكثر قريبا.
    فيكفي إذن معرفة استمرار دوام السموات والأرض، لنعرف عدم انقطاع هذا النعيم والعطاء، قبل الوصول إلى قوله تعالى (إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ)...
    وكذلك نقول، إنه يكفي معرفة أن السموات والأرض تدومان بعد البعث وإعادة خلقهما {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }إبراهيم48، لمعرفة أن الأصل دوام ما علق بدوام السموات والأرض، وهو هنا كل من نعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار.
    غاية الأمر أنا لا نسلم لابن زيد فهمه للقرآن بهذه الطريقة، لو كان قائلا بانقطاع العذاب، وهو لم يقل بذلك، غاية الأمر أنه قال بأن الله لم يخبرنا بالذي يشاؤه لأهل النار في هذه الآية خصوصاً، لا في جميع القرآن، فإنه تعالى أخبرنا بمراده في آيات أخرى فيها التأبيد والتخليد لهم وعدم الخروج وعدم الإخراج.
    وحينئذ يحمل الجواز المذكور في كلامه على الجواز العقليّ، فيتم الأمر بجواز استمرار التعذيب أبداً أيضا. ولو كان استمرار التعذيب محالا منافيا للعقل وللأحكام الشرعية أو لما هو معلوم من الدين عند ابن زيد، لجزم أن الأصل هو الانقطاع، كما جزم صاحبنا أو كما مال لأنه يعبر بالميل في هذا المقام!
    ويبدو أن ابن زيد لم يكن يقول إن الكفار في عذابهم في النار يتطهرون ويزكيهم الله تعالى، ليخرجهم من النار، ولذلك أبقى الأمر لإرادة الله تعالى الفاعل المختار الذي بين إرادته في آيات أخر.
    أما صاحبنا الفاضل فيجزم بأنه لا يعود هناك داعٍ لإبقاء الكفار في النار، بعد تطهيرهم وتنقيتهم من الكفر والشرك ، فيخرجون من النار...فشتان ما بين القولين إذن، وفرق ما بين القائلين....
    وسيأتي زيادة تفصيل لما أوردناه هنا قريبا....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  12. مطلب في تحليل الآيات الثلاث التي اعتمد عليها القائل بفناء النار

    فلنورد بعض الكلام نحلل به هذه الآيات الثلاث لنرى هل تدل فعلا على ما يقترحه صاحبنا، أو أنها تدل على ما يخالفه وينافيه، وهل يمكن أن تحتمل المعنى المراد له الداعي له، أو أنها يستحيل حملها عليه؟!
    ونرجو أن نكون مصيبين فيما نقول.

    أولا: قوله تعالى : (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ) الأنفال


    إما أن يراد بالخلود
    1-عدم التحول عن الأمر ، بحيث يبقى الحكم ما بقي الأمر الذي تعلق به الخلود. وها هنا يفترض أن النار أبدية لا تفنى ولا تبيد، ويلزم على ذلك أن يكون الخلود فيها كذلك، لا يفنى ولا يبيد ولا يتحول أهلها عنها، لأن الحكم وقع عليهم أنهم خالدون فيها.
    2-أو يراد بالخلود البقاء مدة طويلة في النار ثم تنتهي....
    فعلى المعنى الأول من الخلود وهو البقاء في النار بلا تحول عنها، بحيث لا يعودون فيها:
    يظهر من الآية أن الكفار خالدون في النار، ومجرد الخلود كما يلاحظ، كاف في بقائهم ما بقيت النار، وإلا لم يصدق معنى الخلود، وقد سبق ذلك.
    والسؤال هنا عن الاستثناء بقوله تعالى (إلا ) ما المراد به؟
    هل استثنى من أصل الخلود، بحيث يقول أنتم لستم خالدين، بمعنى أنتم لستم باقين في النار بلا انقطاع، بل: سينقطع خلودكم المثبت سابقاً.
    هل هذا المعنى هو المراد هنا!
    يعني إذا كان الخلود: هو دوام الوجود بلا انقطاع ولا تحول عن النار، فهل يمكن أن يكون الاستثناء قد أثبت نفيَ هذا المعنى الثابت قبله...!؟
    إن كان الأمر كذلك، فإن الخلود لا يبقى خلوداً، والدوام لا يبقى دواما....والآية ينفي آخرها أولَها...وهذا تناقض لا يجوز حمل القرآن عليه...
    إذا إذا كان الاستثناء يعني ههنا انقطاع دوامهم في النار، إما بفناء النار، أو بخروجهم منها، إما بأنفسهم أو بإخراج الله تعالى إياهم منها، على جميع هذه الاحتمالات، يلزم نفي الخلود الثابت في أول الآية.
    ولذلك لا يصح أن يُحمل الاستثناء على نحو هذا المعنى المستلزم إبطالَ ما قبله.
    ولكن لو كان المراد من الخلود: هو البقاء مددا متوالية بلا نهاية، فيكون المراد من الخلود ها هنا، أن الكفار سيبقون في النار مددا لا نهاية لها، ما دامت النار موجودة....
    فإما أن يقع الاستثناء على بعض المدد الموجودة فيها النار وذلك قبل دخول الكفار فيها، أو بعض المدد بعد الدخول فيها وفي أثناء المكوث، أو على نفي استمرار البقاء، وهو المنافي للخلود من أصله.
    فإن حملنا الاستثناء على عدم مكوث الكفار في النار قبل دخولهم فيها، فيكون معنى الآية: إنكم ستبقون خالدين فيها ما دامت النار، إلا تلك المدة التي لم ندخلكم فيها ، وهي المدة الشاملة لفترة الحياة الدنيا، والحساب إلى إدخالهم النار ودعِّهِم فيها دعَّاً.
    ويكون الاستثناء في هذه الحالة منقطعا، وإلا بمعنى لكن.
    وإن حملنا الاستثناء على بعض فترات الزمان بعد دخولهم فيها، فيكون معنى الآية: أنكم ستخرجون من النار لبعض الفترات، ثم ستدخلونها بعد ذلك، وتبقون فيها إلى الأبد بلا تحول عنها.
    وهذا المعنى لا ينافي أصل التأبيد، ولكنه استثناء بعض الجملة. ومع ذلك فقد يُبْطِل معنى الخلود، وهو عدم التحول والانقطاع عنها، المفيد مع إطلاقه وعدم تقييده الدوامَ، لأن استثناء بعض الفترات من مدة لا نهاية لها لا ينفي لا نهايتها. وهذا موافق لمفهوم الاستثناء في الأصول أنه إخراج بعض الجملة، فالجملة هي اللانهاية من المدد هنا، وإخراجهم عن المكوث في النار بعض تلك المدد، لا ينافي تأبيد بقائهم، من الطرف الأخير، ولكه ينافي ظاهر ما يفيده الخلود الذي يعني عدم التحول عنها ما داموا قد دخلوها.
    فمن قال بإمكان خروج الكفار لبعض فترات لزيادة التنكيل بهم، وتشفي المؤمنين منهم، ثم عودتهم إليها مع بقائهم فيها بعد ذلك أبدا، فهو محتاج لنص ونقل يعتمد عليه، وإلا فهو خلاف الظاهر المفهوم من هذه الآية الكريمة.
    وأما المعنى الثالث وهو المنبني على كون الاستثناء نفيا لمفهوم الخلود، وهو عدم التحول، فالاستثناء يكون بإثبات التحول عن النار. فيكون معنى الآية: النار مثواكم باقين فيها لا تتحولون عنها ولا تخرجون منها، بحيث لا تعودون فيها، بل تخرجون وتتحولون عنها.
    ومن الظاهر أن هذا معنى متناقض، لا يليق حمل الآية عليه.
    وأما باعتبار حمل الخلود على المعنى الثاني المقترح، وهو البقاء فيها مدة طويلة منتهية. فلا يحتمل الاستثناء إلا أحد معنيين:
    1-إما أن يستثنى بعض المدة الطويلة ، بحيث يظل الباقي طويلاً، وهذا غير متنافٍ مع مقدم الآية على فرض أن الخلود هو البقاء طويلا. وأن تعارض مع ما يفيده الخلود من عدم التحول كما سبقَ.
    ولكنا بينا أن الخلود هو عدم التحول عن الشيء، والاستمرار فيه، ولا يحمل على البقاء الطويل فيه إلا بقرينة.
    وإذا صح هذا هنا، فإنه يصح استثناء بعض المدة الطويلة التي لا تتناهى، كما ذكرنا في الحالة الأولى.
    2-وإما أن يكون الاستثناء إخراجا لأصل البقاء عن كونه طويلاً، وهذا مناقض لأصل الخلود والبقاء الطويل، كما هو ظاهر، كأنك تقول إن معنى الآية: سيبقى الكفار فيها مدة طويلة، لا بل سيبقون فيها مدة غير طويلة. وهو تناقض بين.
    وكما لا يجوز تقدير هذا المعنى هنا، فكذلك لا يجوز تقديره ثمة على التقدير السابق، بدعوى أن الاستثناء إنما نفى أصل البقاء اللامتناهي، مما يعني أن البقاء متناهٍ.
    والخلاصة أن دعوى أن الاستثناء يبطل قيد الخلود (وذلك سواء كان الخلود هو المكوث بلا نهاية، أو كان المكوث الطويل في النار، ونفي قيد الخلود على الأول يستلزم كون المدة متناهية، ومحدودة، ونفي قيد الخلود على الثاني يستلزم كون المدة غير طويلة بل قصيرة) يستلزم وقوع التنافي في الآية الكريمة، إبطال تاليها لمقدمها. وهذا باطل في التفسير.
    إذن تبقى الاحتمالات الممكنة:
    1-على تقدير أن الخلود هو المكوث بلا تحول ما دامت النار، وهو مستلزم لبقاء النار أبداً، كما هو ظاهر الآيات الكثيرة:
    أن مكوث الكفار يكون دائما، ولامتناهيا في النار، بعد دخولهم فيها، وهذا لا ينافي عدم دخولهم فيها بعد وجودها، وقبل يوم الحساب وإدخالهم في النار، ولا ينافي أيضا تقدير خروجهم منها بعض الفترات القليلة، مع رجوعهم إليها بعد ذلك واستمرار مكوثهم على سبيل الدوام.
    2-وعلى تقدير أن الخلود هو المكث الطويل، فيكون من المحتمل أنهم يخرجون بعض الفترات القصيرة نسبيا بحيث لا يستلزم ذلك الخروج نفيَ قيد الطول الثابت بأصل الخلود.
    والمعوَّل عليه في الترجيح بين المعنيين، إنما هو أصل معنى الخلود، هل هو البقاء الطويل المنقطع، أو هو عدم التحول والانقطاع عن النار بإطلاق لا يُقَيَّدُ إلا بقرينة كما تقتضيه القواعد الأصولية.
    فإما أن يكون استعمال الخلود في المعنيين (أعني: طول البقاء مع الانقطاع والانتهاء، والمكث بلا تحول) متساويا في اللغة أي مشتركاً فيهما. أو حقيقة في أحدهما (لغلبةِ استعمالٍ أو أصلِ وضعٍ) مجازا في الآخر.
    ومن جهة أخرى: إما أن نعرف بنصوص أخرى (غير هذه الآيات الثلاث) أن النار تفنى، أو لا نعرف أنها تفنى، بل نعرف أنها باقية.
    فهذان طريقان لترجيح مدلول الآية الكريمة.
    فأما بلحاظ معنى الخلود:
    فقد تقرر لغة أن الأصل في اللفظ أن يكون له معنى واحد، والاشتراك خلاف الأصل، فالأصل أن نرجح أحد المعنيين على الآخر، وفرض الاشتراك مرجوح.
    فإن كان الخلود يعني المكوث مدة طويلة بشرط الانقطاع، فلا يصح لغة تقييده بما يفيد عدم الانقطاع، كالتأبيد، وعدمِ الخروج منها الوارد في حق أهل الجنة، وبغير ذلك من الاستعمالات التي تدل على أن الخلود مقيد بالتأبيد وبغيره مما يفيد نفي الانقطاع. وهذا يكون خروجا عن حقيقة اللفظ إلى المجاز، فحقيقته الطول مع الانقطاع كما يفترضه المفترضون، وتقييده بما يقتضي عدم الانقطاع خروج وإخراج له عن أصل وضعه. هو خلاف الأصل.
    أما لو قلنا إن الخلود يفيد عدم التحول، فيمكن تقييده بحسب حال المقيَّد به، أي بتعبير الراغب: "هو تبرِّي الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها"، فلو قيدناه بالتأبيد، لأفاد القيد أن هذا البقاء مؤبدٌ أي مستمر في الأزمان كلها لا يتحول عن حاله. وهذا ليس فيه إخراج للفظ عن وضعه. ولو قلنا إن الخلود غير مقيد بالتأبيد، ولكنه منسوبٌ لذاتٍ عَلِمْنا أنها باقيَةٌ دائِمَةٌ في الوجود، فإنَّ هذا أيضا يستلزم أن الخلود مؤبد أيضا لتأبد الذات المقيد بها الخلود أو المتعلق بها أو بظرفها.
    وعلى الاحتمالين فلا يقتضي ذلك إخراجَ اللفظ عن حقيقته، كما ترى، ويزيد في المعنى، ولا يكون التأبيد تأكيدا كما زعم بعضهم، ولا مناقضا ولا منافياً.
    إذن يتبين لنا أن حمل الخلود على المعنى الذي ذكره الراغب وغيره، مما وضحناه هو الأصل فهو الواجب.
    وأما بلحاظ بقاء ظرف الخلود، وهو النار هنا:
    فالأصل أن النار باقية، ودلالة ظواهر الآيات تؤيد ذلك، وتأكيد النار بالأبد ونحوها من الألفاظ الدالة على البقاء والاستمرار يقتضي ذلك. فإذا كانت النار في نفسها باقية، أي بإبقاء الله لا لذاتها، فما يخلد فيها، فهو باق بالضرورة، لأن ما يلابسه من العذاب مقيد بظرف وجوده في النار.
    فيظهر من ذلك أن الصواب: حمل الخلود على عدم التحول، والقول بأن النار باقية وأنها محل تعذيب الكفار، الذين لا يخرجون منها ما داموا كفارا، ولا يتحول عذابهم إلى عذوبة.
    وأما ما اعتمده بعض الناظرين في هذه المسألة من أن النار تفنى لأنها غضب الله أو لأنها نتيجةُ صفةِ فعلٍ لله تعالى، ونحو ذلك فسوف نأتي عليه قريباً.
    وسيأتيك زيادة تقرير لمفهوم الآية في مناقشتنا وتحليلنا للآية الواردة في سورة هود، وستزداد قناعة بما نقرره هنا بإذن الله تعالى، وينكشف لك كثير من المغالطات التي وقع فيها صاحبنا الفاضل.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  13. كلام بعض العلماء في هذه الآية

    سنكتفي هنا بإيراد كلمات لبعض العلماء الأعلام في هذه الآية الكريمة، مما له تعلق بالمقام، والتعليق على بعض المواضع فيها، ولو أردنا الاستقصاء لطال الأمر، ولكن نرجو أن يكون ما أوردناه كافيا.

    قال الطبري في تفسيره: "القول في تأويل قوله : { قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) } قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عمّا هو قائل لهؤلاء الذين يحشرهم يوم القيامة من العادلين به في الدنيا الأوثان، ولقُرَنائهم من الجن، فأخرج الخبر عما هو كائنٌ، مُخْرَج الخبر عما كان، لتقدُّم الكلام قبلَه بمعناه والمراد منه، فقال: قال الله لأولياء الجن من الإنس الذين قد تقدَّم خبرُه عنهم: (النار مثواكم)، يعني نار جهنم "مثواكم"، الذي تثوون فيه، أي تقيمون فيه".
    ونقل عن ابن عباس أنه كان يتأول في هذا الاستثناء: أنّ الله جعل أمرَ هؤلاء القوم في مبلغ عَذَابه إيّاهم إلى مشيئته. حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (قال النار مثواكم خالدين فيها إلا إن ربك حكيم عليم)، قال: إن هذه الآية: آيةٌ لا ينبغي لأحدٍ أن يحكم على الله في خلقه، أن لا ينزلهم جنَّةً ولا نارًا".
    ولكني أرى أنَّ قول ابن عباس لا يفيد إلا ما هو معلوم من أن لا أحد يحكم على الله تعالى ولا أحد بوجب عليه أن يدخل أحدا جنةً أو ناراً، وهذا معلوم متفق عليه، ولا أحد من أهل الحق مخالف له. ولا أعلم علامَ اعتمد الطبري في قوله إن ابن عباس يري أن "مبلغ عذاب الكفار إلى إرادة الله تعالى"، المفيد لتردده في خلودهم في النار معذبين فيها، وهو مخالف للإجماع كما قال ابن عطية في تفسيره معلقا على ما نقله الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه: "قال القاضي أبو محمد: والإجماع على التخليد الأبدي في الكفار، ولا يصح هذا عن ابن عباس رضي الله عنه". يعني إنه يستحيل أن يصح نقل هذا القول إذا كان فيه تشكيك في بقاء الكفار خالدين في النار، لأن هذا مجمع عليه. وربما وجدت كلمات غيرها عن ابن عباس تفيد ما أشار إليه الطبري، وقد أوردنا منها تفسيره للخلود بعدم الانقطاع كما نقلناه عن ابن أبي حاتم في تفسيره، ولذلك قال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط: "وروي عن ابن عباس أنه قال: هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار . قيل : ومعنى ذلك أنها توجب الوقف فيمن لم يمت إذ قد يسلم وروي عنه أيضاً أنه قال : جعل أمرهم في مبلغ عذابهم ومدّته إلى مشيئته حتى لا يحكم الله في خلقه ، وعنه أيضاً أنه قال في هذه الآية : أنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم جنة ولا ناراً . قال ابن عطية : الإجماع على التخليد الأبدي في الكفار ولا يصح هذا عن ابن عباس؛ انتهى . وقد تعلق قوم بظاهر هذا الاستثناء فزعموا أن الله يخرج من النار كل بر وفاجر ومسلم وكافر وأن النار تخلو وتخرب ، وقد ذكر هذا عن بعض الصحابة ولا يصح ولا يعتبر خلاف هؤلاء ولا يلتفت إليه".
    وقال النسفي: "إلا ماشاء الله أى يخلدون فى عذاب النار الأبد كله إلا ماشاء الله إلا الاوقات التى ينقلون فيها من عذاب السعير إلى عذاب الزمهرير إن ربك حكيم فيما يفعل بأوليائه وأعدائه عليم بأعمالهم فيجزى كلا على وفق علمه".
    وقال البيضاوي:"{ إِلاَّ مَا شَاء الله } إلا الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير وقيل { إِلاَّ مَا شَاء الله } قبل الدخول كأنه قيل : النار مَثْوَاكُمْ أبداً إلا ما أمهلكم".
    وأنت ترى أن البيضاوي ذكر الاحتمالين اللذين قلنا في تحليلنا للآية ودلالتها أنهما محتملان، وإن رجح واحدا على الآخر. ولم يذكر الثالث (وهو قطع استمرار بقائهم في النار) المنافي لأصل استمرار البقاء، لأنه ينافي ما قررته الآية من الخلود في النار المعلوم استمرار بقائها.
    وقال الإمام الرازي:"قال تعالى : { قَالَ النار مَثْوَاكُمْ } المثوى : المقام والمقر والمصير ، ثم لا يبعد أن يكون للإنسان مقام ومقر ثم يموت ويتخلص بالموت عن ذلك المثوى ، فبين تعالى أن ذلك المقام والمثوى مخلد مؤبد وهو قوله : { خالدين فِيهَا } .
    ثم قال تعالى : { إِلاَّ مَا شَاء الله } وفيه وجوه : الأول : أن المراد منه استثناء أوقات المحاسبة، لأن في تلك الأحوال ليسوا بخالدين في النار : الثاني : المراد ، الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير . وروي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد إلى حر الجحيم . الثالث : قال ابن عباس : استثنى الله تعالى قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم . وعلى هذا القول يجب أن تكون «ما» بمعنى «من» قال الزجاج : والقول الأول أولى . لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة ، لأن قوله : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } هو يوم القيامة .
    ثم قال تعالى : { خالدين فِيهَا } منذ يبعثون { إِلاَّ مَا شَاء الله } من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم . الرابع : قال أبو مسلم : هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود ، وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم ، فكأنهم قالوا : وبلغنا الأجل الذي أجلت لنا ، أي الذي سميته لنا إلا من أهلكته قبل الأجل المسمى كقوله تعالى : { أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } [ الأنعام : 6 ] وكما فعل في قوم نوح وعاد وثمود ممن أهلكه الله تعالى قبل الأجل الذي لو آمنوا ، لبقوا إلى الوصول إليه فتلخيص الكلام أن يقولوا : استمتع بعضنا ببعض ، وبلغنا ما سميت لنا من الأجل إلا من شئت أن تخترمه فاخترمته قبل ذلك بكفره وضلاله .
    واعلم أن هذا الوجه وإن كان محتملاً إلا أنه ترك لظاهر ترتيب ألفاظ هذه الآية ولما أمكن إجراء الآية على ظاهرها فلا حاجة إلى هذا التكلف .
    ثم قال : { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } أي فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة ، وكأنه تعالى يقول : إنما حكمت لهؤلاء الكفار بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك . والله أعلم".
    وقال القرطبي:"(خالدين فيها إلا ) استثناء ليس من الأول.
    قال الزجاج: يرجع إلى يوم القيامة، أي خالدين في النار إلا من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب، فالاستثناء قطع.
    وقيل: يرجع الاستثناء إلى النار، أي إلا من تعذيبكم بغير النار في بعض الأوقات.
    وقال ابن عباس: الاستثناء لأهل الإيمان. فـ " ما " على هذا بمعنى من.
    وعنه أيضا أنه قال: هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار. ومعنى ذلك أنها توجب الوقف فيمن لم يمت، إذ قد يسلم.
    وقيل: "إلا " من كونهم في الدنيا بغير عذاب".
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  14. وقال ابن عطية: "قال القاضي أبو محمد : ويتجه عندي في هذا الاستثناء أن يكون مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته ، وليس مما يقال يوم القيامة ، والمستثنى هو من كان من الكفرة يومئذ يؤمن في علم الله كأنه لما أخبرهم أنه قال للكفار : { النار مثواكم } استثنى لهم من يمكن أن يؤمن ممن يرونه يؤمئذ كافراً ، وتقع { ما } على صفة من يعقل ، ويؤيد هذا التأويل اتصال قوله { إن ربك حكيم عليم } أي بمن يمكن أن يؤمن منهم ، و { حكيم عليم } صفتان مناسبتان لهذه الآية ، لأن تخلد هؤلاء الكفرة في النار فعل صادر عن حكم وعلم بمواقع الأشياء". وعلق عليه صاحب البحر المحيط فقال:"وهو تأويل حسن".
    وقال السمرقندي في بحر العلوم: "{ إِلاَّ مَا شَاء الله } قال الكلبي : مشيئة الله من كل شيء ، ويقال : إلا : البرزخ، والقيامةُ قد شاء الله لهم الخلودَ فيها . ويقال { إِلاَّ مَا شَاء الله} يخرج منها من أهل التوحيد".
    ولخص ابن جزي في التسهيل وجوه الآية، فقال: " (إلا ): قيل: الاستثناء من الكاف والميم في مثواكم فما بمعنى من لأنها وقعت على صنف من الجن والإنس والمستثنى على هذا من آمن منهم.وقيل: الاستثناء من مدة الخلود وهو الزمان الذي بين حشرهم إلى دخول النار . وقيل: الاستثناء من النار وهو دخولهم الزمهرير. وقيل: ليس المراد هنا بالاستثناء الإخراج، وإنما هو على وجه الأدب مع الله وإسناد الأمور إليه".
    وبناء على أن الاستثناء حقيقي ذكر أبو حيان في البحر المحيط الوجوه في المستثى منه، فقال: " وإذا كان استثناء حقيقة فاختلفوا في الذي استثنى ما هو؟ فقال قوم : هو استثناء أشخاص من المخاطبين وهم من آمن في الدنيا بعذاب كان من هؤلاء الكفرة ، ولما كان هؤلاء صنفاً ساغ في العبارة عنهم ما فصار كقوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } حيث وقعت على نوع من يعقل وهذا القول بعد لأن هذا خطاب للكفار يوم القيامة فكيف يصح الاستثناء فيمن آمن منهم في الدنيا وشرط من أخرج بالاستثناء اتحاد زمانه وزمان المخرج منه . فإذا قلت : قام القوم إلا زيداً فمعناه إلا زيداً فإنه ما قام ، ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيداً فإنه ما يقوم في المستقبل وكذلك سأضرب القوم إلا زيداً معناه إلا زيداً فإني لا أضربه في المستقبل ، ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيداً فإني ضربته أمس إلا إن كان الاستثناء منقطعاً فإنه يسوغ ، كقوله تعالى : { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } أي لكن الموتة الأولى في الدنيا فإنهم ذاقوها . وقال قوم : المستثنى هم العصاة الذين يدخلون النار من أهل التوحيد أي إلا النوع الذي دخلها من العصاة فإنهم لا يخلدون في النار . وقال قوم : الاستثناء من الأزمان أي { خالدين فيها } أبداً إلا الزمان الذي شاء الله أن لا يخلدون فيها ، واختلف هؤلاء في تعيين الزمان . فقال الطبري : هي المدّة التي بين حشرهم إلى دخولهم النار وساغ هذا من حيث العبارة بقوله : { النار مثواكم } لا يخص بصيغتها مستقبل الزمان دون غيره . وقال الزمخشري : إلا أي يخلدون في عذاب الأبد كله إلا أي الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير ، فقد روي أنهم يدخلون وادياً من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الردّ إلى الجحيم.
    وقال الحسن : إلا من كونهم في الدنيا بغير عذاب وهذا راجع إلى الزمان أي إلا الزمان الذي كانوا فيه في الدنيا بغير عذاب ، ويرد على هذا القول ما يرد على من جعله استثناء من الأشخاص الذين آمنوا في الدنيا . وقال الفراء : إلا بمعنى سواء والمعنى سواء ما يشاء من زيادة في العذاب ويجيء إلى هذا الزجاج . وقال غيره : إلا من النكال والزيادة على العذاب وهذا راجع إلى الاستثناء من المصدر يدل عليه معنى الكلام ، إذ المعنى تعذبون بالنار { خالدين فيها } إلا ما شاء من العذاب الزائد على النار فإنه يعذبكم به ويكون إذ ذاك استثناء منقطعاً إذ العذاب الزائد على عذاب النار لم يندرج تحت عذاب النار ، والظاهر أن هذا الاستثناء هو من تمام كلام الله للمخاطبين وعليه جاءت تفاسير الاستثناء".
    ومما يحسن سماعه من التفسير لهذه الآية ما قرره العلامة ابن عاشور، قال: "والمثوى : اسم مكان من ثَوى بالمكان إذا أقام به إقامةَ سكنى أو إطالة مكث ، وقد بيّن الثّواء بالخلود بقوله:{حالدين فيها } .
    وقوله : {خالدين فيها } هو من تمام ما يقال لهم في الحشر لا محالة ، لأنَّه منصوب على الحال من ضمير مثواكم ، فلا بدّ أن يتعلّق بما قبله .
    وأمّا قوله : { إلا } فظاهر النظم أنّه من تمام ما يقال لهم . لأنّ الأصل في الاستثناء أن يكون إخراجاً ممّا قبله من الكلام . ويجوز أن يكون من مخاطبة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وقع اعتراضاً بين ما قصّه عليه من حال المشركين وأوليائهم يوم الحشر ، وبين قوله له : { إن ربك حكيم عليم } ويكون الوقف على قوله : { خالدين فيها } .
    والاستثناء في قوله : { إلا } على التّأويلين استثناء إمَّا من عموم الأزمنة الّتي دلّ عليها قوله : { خالدين فيها } إذ الخلود هو إقامة الأبد والأبَد يعمّ الأزمان كلّها ، ف ( ما ) ظرفية مصدرية فلذلك يكون الفعل بعدها في تأويل مَصدر ، أي إلاّ وقت مشيئة الله إزالة خلودكم ، وإمَّا من عموم الخالدين الّذي في ضمير { خالدين } أي إلاّ فريقاً شاء الله أن لا يخلدوا في النّار .
    وبهذا صار معنى الآية موضع إشكال عند جميع المفسّرين ، من حيثُ ما تقرّر في الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة؛ أنّ المشركين لا يُغفر لهم وأنَّهم مخلّدون في النّار بدون استثناء فريق ولا زمان .
    وقد أحصَيْتُ لهم عشرة تأويلات ، بعضها لا يتمّ ، وبعضها بعيد إذا جُعل قوله : { إلا } من تمام ما يقال للمشركين وأوليائهم في الحشر ، ولا يستقيم منها إلاّ واحد ، إذا جعل الاستثناء معترَضاً بين حكاية ما يقال للمشركين في الحشر وبين ما خوطب به النّبي صلى الله عليه وسلم فيكون هذا الاعتراض خطاباً للمشركين الأحياءِ الّذين يسمعون التّهديد ، إعذاراً لهم أن يسلموا ، فتكون ( ما ) مصدرية غير ظرفية : أي إلاّ مشيئة الله عدمَ خلودهم ، أي حالَ مشيئته . وهي حال توفيقه بعض المشركين للإسلام في حياتهم ، ويكون هذا بياناً وتحقيقاً للمنقول عن ابن عبّاس : استثنى الله قوماً سبق في علمه أنَّهم يُسلمون . وعنه أيضاً : هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار ، وإذا صح ما نقل عنه وجب تأويله بأنه صدر منه قبل علمه بإجماع أهل العلم على أنّ المشركين لا يغفر لهم .
    ولك أن تجعل ( ما ) على هذا الوجه موصولة ، فإنَّها قد تستعمل للعاقل بكثرة . وإذا جعل قوله : { خالدين } من جملة المقول في الحشر كان تأويل الآية : أنّ الاستثناء لا يقصد به إخراج أوقات ولاَ حالةٍ ، وإنَّما هو كناية ، يقصد منه أنّ هذا الخلود قدّره الله تعالى ، مختاراً لا مكره له عليه ، إظهاراً لتمام القدرة ومحض الإرادة ، كأنَّه يقول : لو شئت لأبطلتُ ذلك . وقد يعْضد هذا بأنّ الله ذكر نظيره في نعيم أهل الجنّة في قوله : { فأمَّا الذين شَقُوا ففي النّار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك إنّ ربّك فعَّال لما يريد وأمّا الذين سعِدوا ففي الجنّة خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك عطاء غير مجذوذ } [ هود : 106 ، 108 ] فانظر كيف عقّب قوله : { إلا ما شاء ربّك } في عقاب أهل الشّقاوة بقوله : { إنّ ربّك فعَّال لما يريد } [ هود : 107 ] وكيف عقَّب قوله: {إلا ما شاء ربّك } في نعيم أهل السّعادة بقوله : { عَطاء غير مجذوذ } [ هود : 108 ] فأبْطل ظاهر الاستثناء بقوله : { عطاء غير مجذوذ } فهذا معنى الكناية بالاستثناء ، ثمّ المصير بعد ذلك إلى الأدلّة الدّالة على أنّ خلود المشركين غيرُ مخصوص بزمن ولا بحال .
    ويَكونُ هذا الاستثناء من تأكيد الشّيء بما يشبه ضدّه .
    وقوله : { إن ربك حكيم عليم } تذييل ، والخطاب للنّبي صلى الله عليه وسلم فإن كان قوله : { خالدين فيها إلا } من بقية المقول لأولياء الجنّ في الحشر كان قوله : { إن ربك حكيم عليم } جملة معترضة بين الجمل المقولة ، لبيان أنّ ما رتّبه الله على الشرّك من الخلود رتّبه بحكمته وعِلْمه ، وإن كان قوله : { خالدين } إلخ كلاماً مستقلاً معترضاً كان قوله: { إن ربك حكيم عليم } تذييلاً للاعتراض ، وتأكيداً للمقصود من المشيئة من جعل استحقاق الخلود في العذاب منوطاً بالموافاة على الشّرك . وجَعْل النّجاة من ذلك الخلودِ منوطة بالإيمان .
    والحكيم : هو الّذي يضع الأشياء في مناسباتها ، والأسباب لمسبّباتها . والعليم : الّذي يعلم ما انطوى عليه جميع خلقه من الأحوال المستحقّة للثّواب والعقاب".
    وقال الألوسي(27/8):"ونقل عن بعضهم أن هذا الاستثناء معذوق بمشيئة الله تعالى رفع العذاب أي يخلدون إلى أن يشاء الله تعالى لو شاء . وفائدته إظهار القدرة والإذعان بأن خلودهم إنما كان لأن الله تعالى شأنه قد شاءه وكان من الجائز العقلي في مشيئته أن لا يعذبهم ولو عذبهم لا يخلدهم وأن ذلك ليس بأمر واجب عليه وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل ، وفي الآية على هذا دفع في صدور المعتزلة الذين يزعمون أن تخليد الكفار واجب على الله تعالى بمقتضى الحكمة وأنه لا يجوز في العقل مقتضى ذلك ، ولعل هذا هو الحق الذي لا محيص عنه ، وفي معناه ما قيل : المراد المبالغة في الخلود بمعنى أنه لا ينتفي إلا وقت مشيئة الله تعالى وهو مما لا يكون مع إيراده في صورة الخروج واطماعهم في ذلك تهكماً وتشديداً للأمر عليهم ، ومن أفاضل العصريين الأكابر من ادعى ذلك الوجه له وانه قد خلت عنه الدفاتر وهو مذكور في غير ما موضع فإن كان لا يدري فتلك مصيبة وإن كان يدري فالمصيبة أعظم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام في ذلك عند قوله سبحانه : { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } [هود:108]".
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  15. ثانياً: بيان وجه دلالة قوله تعالى:
    فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ{106} خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ{107} هود
    على عدم الفناء بإيجاز

    دلالة صيغة (ما دامت السموات والأرض) على الدوام بل انقطاع عند العرب

    قال ابن جرير:" قولهخالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد)، يعني تعالى ذكره بقولهخالدين فيها)، لابثين فيها. ويعني بقولهما دامت السموات والأرض)، أبدًا؛ وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض ، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: "هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار". و"ما سمر ابنا سَمِير"، و"ما لألأت العُفْرُ بأذنابها " يعنون بذلك كله "أبدا". فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقالخالدين فيها ما دامت السموات والأرض) ، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا".

    وسنتبع هنا طريقة المقابلة والمقارنة وسنحاول أن تكون بصورة صحيحة كما وعدناكم، ولا بدَّ أن نتذكر قوله تعالى في الذين سُعِدوا لكي نقارن بينهما، فنفهم هذه بتلك:
    قال تعالى : {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ }هود108
    فلا فرق بين الآية الواردة في المؤمنين، والواردة في الأشقياء من حيث:
    -كل من الآيتين فيها حكم بالخلود في دار الثواب (الجنة) أو دار العقاب (النار).
    -كل من الآيتين فيها استثناء وهو قوله تعالى (إلا ما شاء ربك) وقد جاء بنفس الصيغة في الآيتين (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ)، فهذه الصيغة من التخليد وقرن الخلود ببقاء السموات والأرض، والاستثناء، وردت بالصورة نفسها في حق الذين شَقُوا، والذين سُعِدوا!
    إذن: لو قلنا: إن الثَّنِيَّةَ (الاستثناء) ينفي الدوام الأبدي في النار في حق الكفار، فينبغي أن نقول إنه ينفيه أيضا في حق المؤمنين في الجنة. ولكن: من المقطوع به أنَّ الثنيَّة لا تنفي التأبيد عن بقاء المؤمنين ولبثهم في الجنة. إذن: فمن الضروريِّ أن لا تنفي الثنية التأبيد عن لبث الكفار في النار.
    ويبقى أن يُقال: إنا فهمنا بقاءَ المؤمنين في الجنة، لا من مجرد التخليد، بل من قوله تعالى (عطاء غير مجذوذ)، أما الاستثناء فيفهم الانقطاع والانتهاء.
    نقول: هذا غلط ظاهر، فلو كان الاستثناء يفيد انتهاء بقاء المؤمنين في الجنة مستقبلاً، لتناقض مع قوله تعالى (عطاء غير مجذوذ)، فهذا يفيد اتفاقا عدم الانقطاع، وأنتم تزعمون أن الاستثاء يفيد الانتهاء، وهو تناقض. والتناقض في الآية ممنوع. إذن لا يصح أن يقال: إن الثنية تفيد انتهاء لبث المؤمنين في الجنة.
    وكذلك ينبغي أن يقال: إن الاستثناء لا يصح أن يفيد انتهاء لبث الكفار في النارِ.
    ويبقى البحث إذن في فائدة الاستثناء.
    إما أن يكون استثناء من الذين حكم عليهم بالبقاء في الدارين أبداً، وحينئذ:
    إن قلنا إنَّ المستثنى منه هو الأشقياء، وهم عموم الداخلين في النار، فيمكن أن يكون المستثنى من الدوام فيها هم أهل المعاصي من المؤمنين، وذلك لأن ظاهر الذين شقوا عام، يحتمل دخول أهل المعاصي الأشقياء، والكفار، فيصح على هذا الوجه، استثناء أهل المعاصي من التأبيد في النار.
    ويكون هؤلاء هم المستثنين أيضا في آية الذين سُعِدوا.
    أمّا إذا:
    -كان الاستثناء من المدة التي قبله، فهذه المدة هي التأبيد، بقرينة ما نقلناه عن الطبري.
    -وكان معنى الاستثناء هو قطع التأبيد ونفي استمرار البقاء في الدار لا إلى نهاية:
    فيكون معنى الآية الواردة في الذين سُعِدوا على هذا الوجه الآتي:
    1-معنى القسم الذي قبل الاستثناء: إن المؤمنين لابثون في الجنة أبدا وباقون فيها بقاءً لا ينقطع ولا نهاية له.
    2-ومعنى الاستثناء: إنهم لا يبقون أبدا، بل يبقون، فترة أقل من الأبد.
    ومن الظاهر أن هذا تناقض مع التأبيد، فهذه الطريقة ليست استثناءً، بل نفيا للمستثنى منه، إن فرض المستثنى منه الأزمنة المتوالية لا إلى نهاية أي إلى الأبد.
    ويكون معنى الآية الواردة في الذين شَقُوا على هذا الوجه:
    1-معنى القسم الذي قبل الاستثناء: إن الذين شقوا لابثون في النار أبداً، وباقون فيها بقاءً لا ينقطع ولا نهاية له.
    2-ومعنى الاستثناء: إنهم لا يبقون أبداً، بل يبقون، فترة أقل من الأبد.
    ومن الظاهر أن هذا تناقض مع التأبيد، فهذه الطريقة ليست استثناءً، بل نفيا للمستثنى منه، إن فرض المستثنى منه الأزمنة المتوالية لا إلى نهاية أي إلى الأبد.
    ومن الظاهر أيضاً أن هذه الطريقة في فهم الاستثناء باطلة، لأنها تناقض ما تثبته الآية.
    وهذا الفهم للاستثناء، مبني على توهم فاسد، وهو أن الاستثناء ينتفي به أصل المستثنى منه، ويبطل مفهومَه مِنْ أصلِه. ولكن المعلوم عند طلاب العلم، أن الاستثناء إنما يخرج بعض ما دخل في المستثنى منه من الحكم المحكوم به عليه، ولا يخرجه من مفهومه، ولا ينفي أصل المستثنى منه.
    أي إننا إذا قلنا: جاء القوم إلا زيداً.
    فإن الاستثناء بإلا، لا يفيد أن القوم ما جاءوا، بل يخرج بعض ما اندرج تحت مفهوم القوم من الأفراد، من حكم المجيء، والمخرَج هنا هو زيدٌ.
    وهكذا: فإذا كان معنى الآية: إن الذين شقوا، والذين سعدوا، يبقون ما دامت السموات والأرض، وعرف أن السموات والأرض تبقيان أبدا، فمعنى ذلك أن السعداء والأشقياء يبقون أبداً كذلك. فلا يصح أن يكون الاستثناء نافيا لأصل البقاء الأبدي، بل غاية ما يصح أن يفيده عدم لبثهم في بعض المدد الزمانية المتوالية التي تُمَثِّلُ بتواليها بلا نهاية مفهومَ الأبد، كما حررناه. وبذلك لا ينتفي مفهوم الأبدية في المقامين، ولا يبقى إشكال في الآيتين.
    وحينئذ: ينبغي البحث عن المدة التي تمَّ إخراجها في الحالتين، وقد ذكر المفسرون احتمالات ذلك. ويمكن الرجوع إلى التفاسير لمعرفة الإمكانات التي ذكروها في ذلك، والترجيح بينها وفق الأدلة المعتبرة.
    وبذلك تنحل الإشكالية في فهم الآيتين من أصلها.
    ملاحظة: نحن لم نذكر جميع احتمالات قوله تعالى (إلا ما شاء ربك) التي ذكرها المفسرون، وفيها أيضا غنية عن الوقوع في المحال، أو الالتزام بالقول بفناء النار. فليرجع إليها. واقتصرنا على ما ذكرناه لأنه محل الدعوى.
    بيان معنى قوله تعالى(عطاء غير مجذوذ)
    ويبقى البحث عن معنى قوله تعالى في حق السعداء (عطاء غير مجذوذ) هل هو تقييد لما كان أثبته الله تعالى لهم من قبل، أي هل ما أثبته الله تعالى للسعداء في الآية، يحتمل أن يكون عطاء مجذوذا، ويحتمل أن يكون عطاء غير مجذوذِ، فبين الله تعالى أن المراد أن عطاءه غير مجذوذ.
    من الواضح أن الناظر الحصيف لا يقطع بتهور أن الأمر كذلك، بدون نظر وفكرٍ، بل إن قوله تعالى (عطاء غير مجذوذ) فيه
    (أ)تقرير وتأكيد لما قرره من الدوام للعطاء ما دامت السموات والأرض،
    (ب)وإضافة معنى جديد: وهو أن بقاءهم في الجنة إنما هو بعطاء الله تعالى أي لا عن وجوب عليه، وكان يجوز أن لا يفعله، فلا يجب عليه فعل من الأفعال مطلقاً. وأن ما منحه إياهم هو نعمة لهم لا نقمة كما فعل في حق الكفار في النار. فمفهوم العطاء يتضمن هذين الأمرين كما لا يخفى.
    وكذلك نقول في حق الكفار، من باب المقابلة الصحيحة، فإن الآية تدل على أن بقاءهم في النار دائم أبديٌّ، ولكن هذا لا يقال عليه عطاء، لأن العطاء رحمة ونعمة، وهم في نقمة وعذاب، فبين الله تعالى أن ما حكم به على الكفار إنما هو بفعله واختياره بلا سبق وجوب، وأنه كان يجوز ألا يفعله لولا أنه بينه في شريعته، كما أن ما فعله بالمؤمنين من بقائهم في الجنة إنما هو بإرادته واختياره، وكان يجوز في العقل ألا يفعله، فلا يجب عليه ثواب لهم ولا عقاب على الكفار. ولذلك نرى أنه في آية الأشقياء جرد مفهوم النعمة والرحمة المتضمَّن في قوله (عطاء غير مجذوذ) وأبقى ما يدلُّ على أنه بإرادته واختياره، فقال جل من قائل (إن ربك فعال لما يريد) فلا موجب عليه، ولا مانع له مما يريد، ولا شيء مما يريده يستلزم القبح والذم أو النقص، وقوله في آية الأنعام (حكيم عليم) لا ينافي هذا المعنى، لأن كل هذا يفعله الله تعالى بعلمه وحكمته حيث بين لكل إنسان ما يترتب على أفعاله في الآخرة، فهو يضح الأمور في محلها بلا سبق وجوبٍ، أو عِلَلٍ تدفعه لذلك أو موانعَ تمنَعُه.
    فتمَّ الأمر بفضل الله تعالى برفع الوهم المذكور لمن تعلق بذلك للقول بفناء النار.
    بيان الفهم المغلوط الذي تمسك به القائل بفناء النار
    فهم القائل بفناء النار بناء على أن مفهوم الاستثناء أنَّ حكم ما بعد إلا يخالف ما قبلها. فقرر قائلا:
    "ما قبل إلا: (خالدين فيها مدة بقاء السموات والأرض)"
    [وحاصل المعنى كما نقول به، أي: إنهم لابثون في النار أبداً، لا يخرجون منها، بناءً على كون هذه العبارة مما يقال ليفيد التأبيد والدوام، أو لأن السموات والأرض دائمة].
    وعليه فما بعدإلا: ينبغي أن يكون بناء على اقتراحه: أنهم غير خالدين فيها مدة بقاء السموات والأرض، بل ينقطع لبثهم مع دوام السموات والأرض.
    [وحاصل المعنى المقترح الذي يقترحه صاحبنا أي: إنهم غير لابثين في النار أبداً، بل يخرجون منها]
    ولم يلتفت إلى أنّ هذا ليس استثناء مما قبل إلا، بل نفيا له من أصله. لأنه إذا كان المثبت قبل إلا هو البقاء تلك المدة التي تدومها السموات والأرض، فالاستثناء ينفي أن يكون البقاء هو المدة التي تدوم فيها السموات والأرض. وهذا نفي لما أثبت، وليس إخراجا لبعض ما اندرج تحته كما يقتضيه مفهوم الاستثناء!!
    والتحقيق أنَّ الاستثناء: إخراج بعض ما لولاه لدخل في الجملة. والإخراج يكون من الحكم لا من عين المفهوم، كما وضحناه في مثال (جاء القوم إلا زيداً).
    وبناء على ذلك: فما قبل إلا : إن الذين سعدوا لابثون في الجنة مدة دوام السموات والأرض...ومن المعلوم أن هذه المدة أزمنة متطاولة متوالية.
    فما بعد إلا يكون: إنهم لا يلبثون فيها بعض الأزمنة، التي تكون فيها السموات والأرض موجودة، وهي الأزمنة التي يكونون فيها مثلا في الحساب، قبل دخول كل فريق من الفريقين دار البقاء، وإنما ساغ الاستثناء لأن الآية حكم فيها بأنه ما دامت السوات والأرض، فهم لابثون في الجنة والنار، ولكن في فترة الحساب والبعث، تكون السموات والارض موجودة ودائمة، وفيها الجنان والنيران، ولا يكون أي من الفريقين قد دخل دار بقائه بعدُ.
    ولا يقال هنا: إن النفي ينبغي أن يكون من المدة التي يكونون قد دخلوا فيها النار، لأن الخلود كما قلنا هو لبثهم فيها، وهو هنا مقيد بدوام السموات والأرض مستثنى منه بعض المدة التي لم يلبثوا فيها في تلك الأوقات المحتملة. فالحكم بالخلود إذن مقيد بمدة دوام السموات والأرض مستثنى منها عدم كونهم فيها، وهو معنى صحيح لا يرد عليه ما يستحق أن ينقضه عند التدبر.
    ولا يصح أن يقال إن الاستثناء ينبغي أن يكون بشرط الدخول، أي بعد الدخول يتم الاستثناء، فلا شيء يوجب ذلك، ويمكن تقدير التقديم والتأخير نحويا بسهولة، ومن تأمل قوله تعالى
    (إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ{103} وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ{104} يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ{105} فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ{106} خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ{107} وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ{108}) هود، عرف أن هذا إخبار من الله تعالى عن أحوال المؤمنين والكفار وأنهم سيكونون خالدين في تلك الفترة التي حررناها. ومن تأمل الآيتيم وعرف المقابلة حق المعرفة، اتضح له ما نقول، وابتعدت عن نفسه كافة الشبهات.
    مع أن للاستثناء في هذه الآيات احتمالات أخرى لعلنا نكتب فيها بحثا ضافيا على حدا، نفصل فيه الوجوه ونبين الراجح من المرجوح.
    ولكن اقتصرنا هنا على هذه الاحتمالات لأنها محل الدعوى...
    فيتحقق بهذا التخريج ثبوت التأبيد مع تحقيق الاستثناء لبعض الفترات التي لا ينافي إخراجُها التأبيدَ.

    دعوى عدم دلالة (ما دامت السوات والارض) على التأبيد
    قد يزعم زاعم بوهمه أن قوله تعالى (ما دامت السموات والأرض) وتقييد التخليد بها غير دال بذاته على التأبيد، بل على مدة طويلة ثم تنقطع مدة بقائهما.
    ويزعم أن قوله تعالى (عطاء غير مجذوذ) هو الدالُّ على التأبيد والاستمرار.
    وهذا الوصف غير موجود في آية الذين شقوا، والموجود فيها (إن ربك فعال لما يريد).
    فالجواب:
    لو كان قوله تعالى (ما دامت السموات والأرض) لا يعني أكثر من المدة التي تبقى فيها السموات والأرض، وأنها مدة متناهية، لما كان قوله تعالى (عطاء غير مجذوذ) يفيد أكثر من أن عطاءه في هذه المدة غير مجذوذ، أي غير مقطوع. فلا تدلُّ الآية أصلا على استمرار وجود الجنة، كما لا تدلُّ على استمرار النار ، سواء بسواء.
    ولكنا نعلم أن هذا التعبير يفيد التأبيد والاستمرار، كما قررناه قبلُ.
    وبيان كيفية إفادته استمرار البقاء:
    1-إما من استمرار بقاء السموات والأرض، بصورة جديدة في يوم القيامة. كما تفيده الآيات المذكورة أدناه.
    قال تعالى {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }إبراهيم48.
    {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}النمل87
    {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }الزمر67
    {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ }الزمر68
    ومن المعلوم أن التخليد للمؤمنين والكفار في الجنة والنار إنما يكون بعد إعادة خلق السموات والأرض على النحو المذكور في هذه الآيات، إذ قبل ذلك لا تخليد فيهما ولا خلود، بل لا دخول للناس فيهما أصلا، ولم يرد في الشريعة أنه بعد إعادة خلقهما وإيجادهما، يفنيهما الله تعلى ويقطع وجودهما، بل تقرر في النصوص لبقاء والتأبيد لهما معاً. وهذا هو المقصود ما دامت السموات والأرض في هذه المقامات....لأن الجنة والنار وإن كانتا موجودتين قبل اليوم الآخر على قول أهل السنة، لكن لا تخليد فيهما لأحد من المكلفين، فالتخليد المذكور إذن إنما يراد به بعد إعادة إنشائهما مرة أخرى، وتسميان سموات وأرضاً كما ترى بعينك، وإن لم نعرف حقيقتهما التفصيلية، فمعرفة أصل وجودهما آنذاك، واستمرار الوجود وكون ذلك معلوما من الدين بالضرورة، يكفي لإفادة القارئ أن من كان خلوده في الجنة والنار مستمرا مدة بقائ السموات والأرض الدائمتين، فإن خلود أهل الجنة في الجنة بلا خروج ولا انقطاع، وخلود أهل النار في النار كذلك بلا خروج ولا انقطاع، يكون هو المفهوم الظاهر، لمن كان من المنصفين، لا من المتعنتين، المتعسفين.
    2-أو من صيرورة هذا التعبير مثلاً يراد به التأبيد كما وضحه الطبري فيما نقلناه عنه، وذكره غيره من المفسرين ووافقوه عليه.
    وعلى القولين فالظاهر من الأسلوب والتعبير أن البقاء في الجنة مؤبَّد غير منقطع، وأن معرفة ذلك لا تتوقف على قوله تعالى (عطاء غير مجذوذ).
    وكنا نريد ذكر كلام بعض المفسرين هنامع شهرته، ولكن رأينا ما أوردناه كافيا في المقام، ولعلنا نعود إليه لاحقاً.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •