صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 32

الموضوع: الرد على عدنان إبراهيم في قوله بفناء النار وخلود الكفار قاطبة آخر الأمر في الجنة

  1. ثالثاً: قوله تعالى : إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً{21} لِلْطَّاغِينَ مَآباً{22} لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً{23} لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً{24} إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً{25} جَزَاء وِفَاقاً{26} سورة النبأ


    جعل د. عدنان هذه الآية دالة بضعفٍ شديد على الفناء، ولكن من الظاهر أن كلمة أحقابا لا تدل بنفسها على انتهاء اللبث، ولذلك يمكن تقييدها بعدد معين وبالتأبيد، كأن تقول أحقابا ثلاثة، وأحقابا مؤبدة مستمرة. وما كان كذلك لا يقال إنه دليل في نفسه على أحد الاحتمالين. بل يقال إنه يحتملهما. وفرق بين الأمرين عظيم.
    ولذلك قال: إن الدلالة لا تتم إلا بناء على مفهوم العدد، وهو قول ضعيف في أًصول الفقه. ومع ذلك تراه يتمسك به، بل إن كل ما رأيناه يتمسك به ضعيف ضعيف، ومن الغريب أن يعترف بضعفه ثم يصر على التمسك به.
    وأيضا: فإن (أحقابا) نكرة، وجمع، صحيح أن الاسم (حقب) يدل على عدد من السنين، والجمع معدود، ولكنه غير محدد، والأحقاب جمع قلة، يتناول من ثلاثة إلى عشرة، والنكرة من المطلق في أصول الفقه، والمطلق يقبل العموم البدلي كما هو معلوم في الأصول، فيصح عندئذ أن يكون معنى الآية: أي لابثين فيها أحقاباً وبعدها أحقابٌ وهكذا...ولا دليل على انتهاء الأحقاب برمتها. ولذلك فلا يعارض هذا ما علم من أن الحُقْب عدد ما من السنين، فكونه عددا لا يستلزم نفي ما عداه، وأما اللفظ فهو نكرة، بصيغة الجمع، في مقام التهديد والوعيد. ولذلك رأينا أعاظم المفسرين من المتقدمين والمتأخرين لا يقولون إن كون الحقب عددا معينا، وكون الجمع معدودا، يستلزم وجود حد محدود تقف عنده الأحقابُ المذكورة هنا. وقد مرَّ نقل بعض كلامهم.
    ثم اعترافه بأن مفهوم العدد ضعيف، ومع ذلك يتمسك بهذا الضعيف ويجعله مقابل المحكم الظاهر من الآيات الثلاثة التي جعل هذه الآية تقابلها وتفتح للكفار باب الدخول إلى الجنة بعد أن يتطهروا ويصيروا مؤمنين، وزاد على ذلك فجعله حاكما عليها مقدما مرَجَّحاً...!! لعمري إنني لم أكن أتوقع منه السير في هذه السكة من طرق الاستدلال، ووالله إن هذا لا يستحق أن يكون استدلالا، بل هو عبارة عن طرق ملفقة يراد منها أن توصله إلى غاية يريدها ويهواها، أما أن يكون الدليل الراجح قاده إليها، فلا وألف لا.
    وبذلك يبطل ما ادعاه من المقابلة الثلاثية التي تفرد بها، ولم يجد أحدا قال بها..ولم يتنبه إلى أن عدم وجود أحد يقول بها ربما يكون أعظم دليل على ضعفه، وعدم وجود اعتبار لها، خصوصا في هذا المقام العظيم، الذي هو أعظم من الدنيا وما فيها.


    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. الأمر الرابع: تمسكه بالفرق بين (مُخرجين) و (خارجين)


    زعم أن هناك فرقا في هذا المقام بين
    (مُخرجين) في قوله تعالى في حق المؤمنين: {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ}الحجر48،
    وبين (خارجين) في قوله تعالى في حق الكفار {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}البقرة167
    وكذا قوله تعالى {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}المائدة37
    وقرر الفرقَ على الوجه الآتي:
    أهل الجنة لا يطرأ في بالهم أن يخرجوا من الجنة بإرادتهم ورغبتهم، ولما بقي وهم إمكان أن يوجد من يريد إخراجَهم غصباً، فقد نفى الله تعالى وجود أي أحد يمكن أن يقوم بإخراج أهل الجنة من الجنة (وما هم منها بمخرجين).
    أما (خارجون) فتدلُّ على أنهم يريدون أن يَخرجوا بأنفسهم وإرادتهم ، ولذلك جاء في القرآن في حق الكفار (وما هم بخارجين من النار) (وما هم بخارجين منها).
    قال: "ولو قال مرة وما هم منها بمخرجين في حق الكفار لانقطع الأمل".
    وقال: إن هذا الفرق مما هداه الله تعالى إليه، ولم يسبق إليه إنما هو من اجتهاده!
    ثم سأل سؤالا حاصله: قد يورد بعضهم قوله تعالى في آخر الجاثية (ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ{35})، وفيها ورد بأن الكفار لا يُخرجون من النار، فبطل إذن ما اعتمدتَ عليه من الفرقِ.
    وأجاب: " في آخر الجاثية منع الله تبارك وتعالى أنهم يُخرجون منها لكن قيّده باليوم "فاليوم لا يُخرجون" ألم أقل لكم هذا كلام الحق, لا إله إلا هو, (فاليوم) لماذا قال "فاليوم" تعرفون لماذا؟، لأنه يبدو والله تبارك وتعالى - وهو أرحم الراحمين وخير الغافرين- أعلم وأحكم أن عذاب كل من دخل النار من هؤلاء الكافرين والمشركين هو يوم، لكن هذا اليوم كما قال بن القيم - ابن القيم قال هذا- هذا اليوم قدّرته نصوص صحيحة بخمسين ألف سنة، ورد عن رسول الله أن هذا اليوم خمسون ألف سنة...يساوي خمسين ألف سنة، انتهى هذا هو.
    يوم لا أكثر من ذلك، لماذا؟
    ...... لماذا أضاف الله العذاب إلى يوم؟ فكأن الله يرسل إلينا رسالة من وراء وراء يقول عذاب هؤلاء لا يجاوز يوما من أيامي، إما أن يكون هذا اليوم - وهذا الأرجح كما قدرته النصوص الصحيحة ....أحاديث الصحاح عن رسول الله - يساوي خمسين ألف سنة، - وهذا شيء مخيف جدا- وإما أن يكون يوما من أيام الله (إن يوما عند ربك كألف سنة مما يعدون)".
    يريد أن يقول: إنكم اليوم لا تُخرجون من النار ولكن غدا أنا أخرجكم منها...هكذا يفهم عدنان إبراهيم هذا النص...!!
    وقال د. عدنان عن أهل الجنة:"إن الله لم يؤمنهم من شيء لن يفعلوه أبداً، أي أن يُخرجوا، ولكن أمنهم مما يخافون، يخافون من ماذا ؟ أن يُخرجوا كما قال جهم بن صفوان أو أن يفنَوا يفنيهم الله، أو كما قال أبو الهذيل العلام تنعدم حركاتهم ويصبحون كالعدم ...قال الله لهم: أنا أمنتكم من أن أخرجكم، لن تتعلق إرادتي ومشيئتي يوما من الأبد والدهر أن أخرجكم منها، الله أكبر ما أعظم كرم الله..وسكت الله عن أن يقول في حق أهل النار (وما هم منها بمُخرَجين) لئلا يقطع هذا الأمل لمن تدبر في كتاب الله، كأنه يقول نعم –ولا نفتري على الله الكذب- سيأتي يوم أنا أخرجكم منها....( 43:28)"
    الجواب:
    لا شكَّ في إدراك وجود هذا الفرق بين مُخْرَجين وخارجين من حيث اللغة، وهذا لا يحتاج إلى تأمل عظيم، فأي دارس للغة العربية يدركه بمجرد النظر والتأمل، ولا يتوقف علمه على فتوحات خاصة، كما توهم صاحبنا! فالفرق بين (خرج) المسند للفاعل، و(أُخرِج) المسند للمفعول واضح ظاهر كالشمس، فلا داعي للمبالغة في إظهار ذلك وكأنه وقع على نكتة خفية لا يدركها إلا المتعمقون المدققون.
    ولكنا نقول له:
    لو تأملنا قليلا زيادة على تأملك، لعرفنا أن صيغة مُخرجين، تتضمن نوعا من القسر الواقع على إرادة الذي يتسلط عليه الإخراج، ولكن صيغة (خارجين) المشتقة من خرج، تطلق على من خرج بإرادته، أو صدق عليه فعل الخروج ولو قسراً..وذلك لأننا نقول: أخرجتك فأنت خارجٌ، فمن وقع عليه الإخراج يخرج، ومن يخرج فهو خارج، ويبقى الكلام بعد ذلك على أن الخروج هل هو بإرادته أو قسرا عنه، يحتاج إلى قرينة...
    فلو تسلط النفي على (خارجين) لاستلزم ذلك نفي كونهم خارجين مطلقا، سواء كانوا خارجين بإرادتهم، أم كانوا خارجين غصبا عنهم...
    يعني لو نظرنا في قوله تعالى(وما هم بخارجين من النار)، لاستلزم ذلك بالضرورة نفيَ الخروج بإرادتهم، إنكم لا تَخرُجون منها بإرادتكم ورغبتكم، ويستلزم أيضا: نفي وقوع الإخراج عليهم، أي: ولا يخرجكم أحدٌ منها.
    أما لو تسلط النفي على الإخراج، الذي يشتق منه أخرج ومُخرَج، لما استلزم ذلك نفي خروجهم من حيث الصيغة، بل يتضمن فقط نفي الإخراج من الغير.
    فلو تأملنا في قوله تعالى(وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ)، لعرفنا أن النفي إنما تسلط على الإخراج، الذي اشتُقَّ منه اسم المفعول (مُخرَج) المأخوذ من الفعل المتعدي (أخرج) ، لا يقع عليكم فعل الإخراج من غيركم....وهذا استلزم ذلك إلا نفي قسرهم على الخروج.
    إن كل من أخرج فلا شك أنه خارج في نهاية المطاف. فكل من تخرجه من الغرفة يخرج منها، قسرا أو رغبة منه. فالإخراج يستلزم الخروج.
    غاية الأمر أن الخروج المنفي في الإخراج المفترض في حالة الكفار لا يكون بدءا منهم بإرادتهم، واختيارهم، بل بإرادة الواحد القهار.
    ولكن لو سألنا أنفسنا: هل إذا قال لهم الله تعالى، لقد انتهت فترة عذابكم، التي هي اليوم عندك، هل تراهم يحتاجون لإخراج مضاد لإرادتهم، أم تراهم يتسارعون في الخروج منها، بعد السماح لهم بذلك وتيسير السبل. هل يدعُّون دعا عند الإخراج، أم تراهم يخرجون بإرادتهم بعدما كانوا ممنوعين من الخروج الذي كانوا يتوقون إليه دائما ويحاولونه مراراً. {كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ }الحج22، {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ }السجدة20.
    فالذي منعه عنهم حصول الخروج منهم مطلقا، وهذا يستلزم بالضرورة عدم حصول الإخراج، لأن الإخراج في حالتهم يستلزم الخروج الإرادي المرغوب فيه بالضرورة، والذي يطلق عليه اتفاقا إنهم حال السماح لهم بالخروج، فهم خارجون...ولكنا نعلم أن الله تعالى نفى عنهم أن يكونوا خارجين من النار.
    إذن: الإخراج يستلزم الخروج بالضرورة في حالة الكفار. لأن بقاءهم في النار غير مرغوب لهم. بخلاف الإخراج –لو وقع- للمؤمنين من الجنة فإنه سيستلزم بالضرورة مضادة إرادتهم ورغبتهم واختيارهم، لأن بقاءهم فيها مرغوب فيه منهم.
    إذن: يتبين لنا من هذا التحليل، أنه يدل على خلاف ما يريد نافي بقاء النار.
    يعني: أن مجرد نفي الله تعالى تحقق كونهم خارجين من النار، يستلزم بالضرورة، نفي وقوع إخراجهم. لأن الحاصل لأهل النار ليس هو إخراج غيرهم إياهم، بل محاولتهم هم الخروج، فجاء النفي بصيغة الفاعل المفيدة للدوام الاستمراري، لنفهم منها أن نفي خروجهم من النار دائم.
    ففهم من ذلك عدم وقوع إخراج غيرهم إياهم....
    وذلك بخلاف النفي المتعلق بالمؤمنين، فقد جاء نفي كونهم مُخرجين، أي إن المنفي هو وجود أحد يتدخل ويقسرهم على الخروج ضدّ رغبتهم البقاء في الجنة. وليس ذلك لأنهم يخافون أن يخرجهم الله تعالى فإنهم آمنوا بوعده وخبره الذي لا يكذبه بأنهم خالدون فيها أبدا....ومجرد نفي المُخرِج في حالة أهل الجنة، سيستلزم منا أن نفهم عدمَ وجود الخروج، لا لنفس الصيغة، بل لأن إرادة الخروج لا تحصل لهم لما يجدونه من رغبة في البقاء في الجنة وشوق وتمسك بها عظيم. بخلاف ما يجده أهل النار الكفار من كراهية وخوف ورغبة عنها وفي الخروج منها.
    فالاحتمال الوحيد لأن يخرجوا من النار، إنما هو وجود نصير لهم من دون الله تعالى، وهو غير موجود، أو أن يحاولوا الخروج بأنفسهم، وسيحاولون ذلك مرارا، ولكنهم كلما أادوا الخروج منها، أعيدوا فيها. فإذا تمَّ أيضا نفي كونهم خارجين من النار، ألا يكفي ذلك لإفادة بقائهم فيها، وقطع احتمال إخراجهم منها أيضاً عند أهل العقل والتدبر الصحيح...؟!
    هذا هو التعليل اللائق بالقرآن ، وهو المطَّرِدُ مع قواعد اللغة ولطائفها التي كان ينبغي بالدكتور عدنان أن يجهد نفسَه قليلا لدركها، لا أن يكتفي بسوق القدر الذي يعرفه من قواعد اللغة ويقسرها قسرها ويلوي أعناقها للوصول إلى ما يرغب بالوصول إليه! ولو بالتعنت والتحكم!
    وإذا بطل ما تمسك به من الفرق بين الكلمتين، وظهر أن النفي الوارد عليهما يدل على خلاف ما أراده لهما.
    لم يبقَ علينا إلا أن نبين فائدة ذكر اليوم في قوله تعالى (فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا)


    بيان فائدة ذكر اليوم:
    جاء في سورة الجاثية ذكر اليوم وفي غيرها، وفي أغلب المواضع يراد به اليوم الآخر، الذي لا يوم بعده:
    منها قوله تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}الجاثية28
    {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ }الجاثية34،
    وهاتان الآيتان في الجاثية أيضا، فهل يستفاد منهما أن الله تعالى سيتذكر الكفار غدا، وسيكون لهم غدا ناصرون ينصرونهم....وقد أطلق في الآية وفي غيرها أنهم لا يجزون إلا ما كانوا يعملون، أي ما كانوا يعملون في الدنيا، لا بما يلقونه من العذاب في الآخرة. فكيف يشير القائل بالنار إلى أن الكفار ربما سيؤول بهم الأمر إلى الدخول في الجنة!
    وما دام المراد من اليوم هو (اليوم الآخر)، فكيف تسنى من ذكر اليوم أن يفهم د. عدنان يوجود يوم بعد ذلك اليوم يخرجهم الله تعالى فيه من النار...فاليوم الآخر يطلق على الفترة الممتدة منذ بدء يوم القيامة إلى ما لا نهاية له.
    {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}التوبة29 {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ }التوبة44
    وإذا كان اليوم الآخر فلا يوم بعده، فيبطل أصل الوهم الذي تعلق به عدنان إبراهيم تبعا لابن قيم الجوزية.
    ويسمى أيضا في القرآن بيوم القيامة: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }آل عمران77، فتأمل كيف صرح هنا أنه لا يزكي الكفار، ثم يطلب منا أن نسلم لمن يجتهد فيقول إنه يطهر الكفار من كفرهم وذنوبهم، حتى يرضى عنهم، فأين يصير بهم بعد صيرورتهم طيبين الجنة!! يتلوم عدان إبراهيم هنا قوله تعالى(سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)الزمر73...فالله تعالى يقول ولا يزكيهم، وعدنان إبراهيم يقول:"يطهرهم من خبث ودنس ونجاسة الشرك والكفر والمعصية"...والجنة لا يدخلها إلا طيب، وقد صاروا طيبين الآن بعد تخليصهم من الدنس والشرك والكفر وبعد تطهيرهم!
    والله تعالى يقول: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ }الأنعام158، وهذا نصٌّ في أن الإيمان والتطهر المزعوم نتيجة التعذيب بالنار، لا ينفع أي نفس لم تكن آمنت من قبل في الحياة الدنيا. فما بالنا نسمع قائلا يقول بل ينفعها، ولا يعود هناك داعٍ لله لكي يعذبهم، لأنه إنما يعذبهم لأجل الكفر والفساد الذي يتلبسون به، وقد زال عنهم، فلا بدَّ نم دخولهم الجنة بعد ذلك! سبحان الله!
    {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ }الروم12 أي ينقطع رجاؤهم لانقطاع حجتهم. ولكن صاحبنا يقول إن الرجاء موجود وأكيد، ولو بلا حجة لهم.
    وقوله {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ }ص16 قِطَّنا: أي الكتاب، والقط الصحيفة التي أحصت كل شيء، يطلبون التعجيل قبل يوم الحساب لينتهوا منه، لأن الحساب بعده عذاب لا نهاية له.
    وقد يضاف اليوم الآخر لبعض ما يحصل فيه كيوم الحساب ويوم التغابن ويوم الخروج ويوم الخلود، ويوصف بأنه يوم مقيم وعظيم ومحيط وعقيم أي لا يوم بعد ولا ليل.
    وجاء في الكفار معرفاً باللام:
    {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ }المعارج44، {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ }الحاقة35، فهل يعني هذا أن له غدا حميم أي قريب ينتفع به، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }التحريم7، فهل يعني ذلك اعتذروا غدا لا اليوم.
    وقوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}الأنعام93 هل يقال، إنهم اليوم يجزون عذاب الهون، وغدا يخرجون منها فأين يدخلون!!
    وقوله: {بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ }الصافات26 هل يعني أنهم غداً غير مستسلمين!؟
    وهذا ونحوه من الصيغ الوارد تخالف فهم د. عدنان عندما اعتمد على مفهوم المقابلة...في كلامه السابق. وذلك في قوله تعالى {فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ }الجاثية35، حيث اعتمد على مفهوم المخالفة من ذكر اليوم، بافترض وجود غدا يخرجون فيه.
    وقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلَا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ }سبأ42، هل يصح أن نستنتج منه أن غدا يملك بعضهم لبعض نفعا أو ضراً.
    وقوله: {لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً }الفرقان14، هل يفيدهم أن لهم غدا أن يدعوا ثبورا واحداً فقط...
    وقوله: {لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ }المؤمنون65، هل يفيد الكفار ولاشقيا أنهم إن جأروا غدا فإنهم سيُنصرون؟! أو أن الله لن ينصرهم اليوم بل سينصرهم بعد ذلك اليوم الذي لا بعدَ له إذ هو آخر، وقوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}مريم38 يفيد على طريقته في التحقيق أن الظالمين غدا ليسوا في ضلال مبين.
    وقوله: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ }النحل27 فهل سيكون الخزي غدا على المؤمنين!
    وقوله تعالى في المؤمنين: {يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ }الزخرف68، هل نفهم من ذلك على طريقته المقترحة أنهم لا يخافون ولا يحزنون اليوم بل يخافون ويحزنون غداً!
    تأمل قول أصحاب الجنة الذين ابتلاهم الله إذ قالوا (فانطلقوا وهم يتخافتون، أن لا يدخلنا اليوم عليكم مسكين) فهل تراهم أرادوا لا يدخلنا اليوم مسكين بل يدخلها غداً!
    أم أرادوا اليوم وغدا وهكذا بلا انقطاع....!
    قال مجازفا:" قال العلامة بن القيم -رحمه الله تعالى- في حادي الأرواح: "وجدنا أن الله تبارك وتعالى في كتابه كلما أوعد هؤلاء الكافرين والشاردين والمشركين بعذاب الآخرة - أيها الإخوة - وفي مواضع كثيرة جعله مضافا إلى يوم، فهو (عذاب يوم عظيم) (يوم عقيم) (يوم أليم) لماذا يوم يوم يوم؟ أنظر أنظر....هذا من حسن تدبره رحمه الله تعالى، قال: ولم نجد الله تبارك وتعالى مرة واحدة جعل نعيم أهل الجنان نعيم يوم...ولا مرة، ولا مرة أضاف النعيم إلى يوم".
    نقد تأويله المعارضةَ بقوله تعالى{إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ }يس55
    لكن أنهم (اليوم في شغل فاكهون) هذا ليس إضافة النعيم إلى اليوم...انتبهوا، وهنا أخطأ العلامة الأمير الصنعانيّ - أنا قرأت رده طبعا- ، هنا كبا به جواده...كبا به جواد التبيان والدليل لم يصب المحز ، قال هنا: الله قال نفس الشيء، أن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون، فرق كبير بين أن يكون اليوم في شغل وغدا في شغل وبعد غد في شغل وإلى أبد الأبيد في شغل وبين أن يجعل نعيمهم نعيم يوم، انتبهوا هنا الصنعانيّ أخطأ رحمة الله عليه، نعم لكل جواد كبوة، ويبقى كلام ابن القيم على الجادة يبقى قويا ظاهرا، لماذا أضاف الله العذاب إلى يوم؟ فكأن الله يرسل إلينا رسالة من وراء وراء يقول عذاب هؤلاء لا يجاوز يوما من أيامي".
    نقول له : إنما أضاف الله تعالى العذاب إلى اليوم، وقد عرفنا أن المراد باليوم اليوم الآخر، وهو لقب لا مفهوم له، لأن العذاب واقع في اليوم الآخر، ومعلوم أن خالق العذاب هو الله تعالى، وهو عذاب الله، وإذا ربط العذاب بيوم وكان ذلك اليوم مقيما، وغراما وعقيما لا يوم بعده، فمن أين يفهم من إضافة العذاب لليوم أن العذاب يكون مدة يوم واحد فقط! من بين أيام أخرى بعده لا يكون فيها عذاب...لم لا يكون العذاب مضافا لليوم الآخر الذي لا يوم بعده، كما هو ظاهر، مما يستلزم بقاء العذاب، وعدم توقيته بالفترة المقترحة.
    وأيضا فاليوم قد يطلق ويراد به مطلق الزمان، قل أو كثر من ليل أو نهار، كما ذكره السمين الحلبي في عمدة الحفاظ (4/359)، فلمَ تفترض أن اليوم يراد يوم واحد معين منقطع، منتهٍ، دون هذا المعنى.
    -{إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ }يس55، والمراد باليوم هنا يوم القيامة أيضا، بطوله، ومع لحاظ عدم انقطاعه، وهذا نص صريح واضح في خلاف ما زعمه، وإن حاول تأويله بما ذكرَ!؟ والمراد باليوم هنا يوم القيامة، أي اليوم الآخر، الذي هو علم والعلم لا مفهوم له، ولا يوم بعدَه، وقد بين الأعلام المفسرون من السلف أن الشغُل هو النعيم، كما روي عن مجاهد والحسن، قال البيضاوي:" { إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِى شُغُلٍ فاكهون } متلذذون في النعمة من الفكاهة ، وفي تنكير { شُغُلٍ } وإبهامه تعظيم لما هم فيه من البهجة والتلذذ ، وتنبيه على أنه أعلى ما يحيط به الأفهام ويعرب عن كنهه الكلام ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { فِى شُغُلٍ } بالسكون".
    وقد جاء في المفردات للراغب الأصفهاني:"الشَّغْل والشُّغُل: العارض الذي يُذهل الإنسان، (إن أصحاب الجنة اليوم في شغُل فكهون)، وقُرئ شُغْل، وقد شُغِلَ فهو مشغولٌ"، ولهذا المعنى فقد ورد عن السلف تفسيرهم هذه الآية : في شغل عما يلقى أهلُ النار. وقال السمين الحلبي:" أي في تشاغل عن أهليهمالمعذَّبين في النار ينسَونهم فلا يذكرونهم، وقيل: في اشتغال باللذات عكس حال أهل الدنيا، فإن شغلهم في كد الدنيا وتعبها ولا لذة منها إلا بعد مشقة السعي في تحصيلها".
    فظهر أن التأويل الذي اقترحه لهذه الآية ليهرب من معارضتها لما اخترعه من دلالة فائدة اليوم مبني على تصوره أن الآية تتحدث عن فترة زمانية معينة، وهي في الحقيقة تتكلم عن وصف أحوال أهل الجنة في اليوم الآخر، الخالد، وإن أمكن إطلاق الأيام على فترات منه، ولكنه بمجمله يوم واحد كما نلاحظ في القرآن، والحكم تعلق به من الجهة الأولى، لا من حيث اشتماله على فترات كثيرة متوالية لا إلى نهاية. فإن إطلاق اليوم مستغرق لجميع أجزائه.
    خلاصة
    بعد هذه الجولة في القرآن العظيم، لاستعمالات اليوم الآخر، منكرا ومعرفا ومضافا، وما تخلل ذلك من إشارات تكفي لإبطال زعم نافي بقاء النار، وانقلاب أحوالهم إلى أن يكونوا مطهَّرين من الكفر والأدناس وآثار المعاصي، فأين يذهبون بعد تطهيرهم!؟
    نقول: إنا ما زلنا نلاحظ أن طرق الاجتهاد! التي يتبعها د. عدنان هي أضعف الطرق، وهو يتمسك بأدنى وهم، ويسارع إلى ترجيحه وتقديمه على الدلالات الظاهرات القاطعة! لا لشيء إلا لأنه يريد إقناع الملاحدة القائلين إننا لا نؤمن بالله ولا ننساق له، ولا نخضع إلا إذا تعهد لنا أنه لن يعذبنا أبد الدهر، ولن يبقينا خلدين في النار، أما إذا فعل ذلك أو أوعد على ذلك، فإننا نكفر به، فإن ذلك لا يجوز له ولا يستحق أن يكون إلها إن قام به!
    هذا هو المنطلق الذي يخضع له د. عدنان، ويعتقده حجة ظاهرة، وغفل عن أن الله تعالى (فعال لما يريد) كما صرح في غير موضع، وإدخال المؤمنين الجنةَ بفعله وإرادته، كما أن إدخال الكفار النارَ بفعله وإرادته، لا دافع له ولا موجب عليه، إلا اختياره جل شأنه. وما يريدونه ليس إلا تحجيرا على الفاعل المختار.
    فانساق في حواره مع الملاحدة إلى هذه الحجة التي عجز عن دفعها، إلا بإنكار الواضحات بأساليب واحتجاجات هابطة لا تقوى عند أدنى نظر، ويتمسك بالمتشابه من القرآن مؤولا له حسب رغبته وهواه بلا دليل ظاهر، ويقدمه على المحكم الظاهر، وكنا نتمنى ألا يفعل ذلك ويتأنى قليلاً والله!
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. الأمر الخامس: تمسكه بروايات وآثار ضعيفة وغير ظاهرة الدلالة

    تمسك نافي بقاء النار بحجج ضعيفة فيما مضى، وبدلالات واهية، مقدما إياها على الأدلة الظاهرة القوية المحكمة.
    وهو هنا يستأنف مسيرته على النهج نفسه، ويسارع إلى التمسك بآثار ضعيفة، وهو يعلم أنها ضعيفة، ومع ضعفها فهي إما مؤولة أو مناقضة لما هو ظاهر محكم. فكان المنهج الصحيح في النظر والاستدلال يقتضي منه أن لا يقدمها على سواها، بل يؤخرها إلى مستواها اللائق بها، ويفعل كما فعل الأئمة العظام من أهل السنة، كالإمام تقي الدين السبكي، وغيره، ولا يقتدي بالمبتدعة والمنحرفين إلى هواهم وما يتوهمونه كشفا.
    ومن الخطأ المنهجي أن يتصدى واحد لإثبات خلاف الظاهر والمحكم من القرآن والسنة اعتمادا على نحو تلك الدلالات الضعيفة بل الباطلة.
    وقد تعلق بآثار يعرف تماما أنها ضعيفة واهية لا يصح لأحد أن يتمسك بها في مثل هذا المقام. ولا أدري إذا كان يحتج بمثل هذه الروايات الضعيفة عن غير المعصومين، والمعارضة للصحيح الثابت والمروي في الكتاب والسنة، فلم يعترض على الشيعة وغيرهم من فرق الإسلام عندما يتعلقون بما هو أقوى بمراتب مما يتمسك به، وفي مطالب أقل قدرا من هذه المسألة التي يعترف بخطورتها وأصالتها.
    ومن أعجب العجب في طريقة استدلاله أنه اقتدى خطى ابن تيمية وابن قيم الجوزية عندما اعتبرا مجرد سكوت عبد بن حميد على هذه الروايات توثيقا لها، واعترافا بها وأن للقول بالفناء حظا من النظر، وكان الأولى به أن يعلم أن عبد بن حميد وغيره لما كانوا يعرفون هذه الروايات ومرتبته في معايير النظر والاجتهاد فلم يحوجهم الأمر إلى الرد عليها، وقد فعل غيرهم. وربما لم يكونوا يتوقعون أن بعض الذين يدعون الاجتهاد سينخدعون بها.
    قال الألوسي في تفسيره: "ومن الناس من تمسك بصدر الآية أنه لا يبقى في النار أحد ولم يقل بذلك في الجنة ، وتقوى مطلبه ذاك بما أخرجه ابن المنذر عن الحسن قال : قال عمر : لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه ، وبما أخرج إسحق بن راهويه عن أبي هريرة قال : سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد ، وقرأ
    { وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الذين شَقُواْ } [ هود : 106 ] الآية ، وأخرج ابن المنذر ، وأبو الشيخ عن إبراهيم قال : ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية { خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ * السموات والارض *إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } [ هود : 801 ] قال : وقال ابن مسعود : ليأتين عليها زمان تصفق فيه أبوابها ، وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمراناً وأسرعهما خراباً إلى غير ذلك من الآثار .
    وقد نص ابن الجوزي على وضع بعضها كخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص بأتي على جهنم يوم ما فيها من ابن آدم أحد تصفق أبوابها كأنها أبواب الموحدين ، وأول البعض بعضها؛ ومر شيء من الكلام في ذلك ، وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون ولا عبرة بالمخالف ، والقواطع أكثر من أن تحصى ، ولا يقاوم واحداً منها كثيرٌ من هذه الأخبار ، ولا دليل في الآية على ما يقوله المخالف لما علمته من الوجوه فيها ولا حاجة إلى دعوى النسخ فيها كما روي عن السدى بل لا يكاد يصح القول بالنسخ في مثل ذلك".
    ومن قبله تكفل الإمام السبكي بالرد على ابن تيمية لما اقترف هذه المقالة، وبين أن الحسن لم يروِ عن عمر، فالرواية عنه ضعيفة. وقد بينا كثيرا مما يتعلق بذلك، وقول من قال إن الله تعالى لم يبين ما يفعل بالكفار، نقول: بل بينه، فقال غير مرة إنهم خالدون فيها أبدا، وقال إنهم لا يخرجون منها، وغير ذلك مما فيه كفاية، لمن ألقى السمع.
    قال الإمام تقي الدين السبكي وهو ينقد ابن تيمية في قوله بفناء النار، لما جاء إلى مناقشته فيما اعتمد عليه من هذه الروايات:"ومن جاء إلى كلمات ترِدُ عن السلف في ترغيب أو ترهيب أو غير ذلك فأخذ بظاهرها وأثبتها أقوالا ضلَّ وأضلَّ.
    وليس ذلك من دأب العلما، ودأب العلماء التنقير عن معنى الكلام والمراد به وما انتهى إلينا عن قائله، فإذا تحققنا أن ذلك مذهبه واعتقاده نسبناه إليه، وأما بدون ذلك فلا،ولا سيما في مثل هذه العقائد التي المسلمون مطبقون فيها على شيءٍ، كيف يُعْمَدُ إلى خلاف ما هم عليه ينسبه إلى جلة المسلمين وقدوة المؤمنين وسجعلها مسألة خلاف كمسألة في باب الوضوء؟!
    ما أبعد مَنْ صنع هذا عن العلم والهدى!! وهذه بدعة من أنجس البدع، أضل الله من قالها على علمٍ"اهـ.
    وأما ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه :"لو لبث أهل النار في النار بقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك يوم يخرجون"، فالحسن لم يسمع من عمر، قال السبكي:"وقد رأيت هذا الأثر في تفسير عبد بن حميدفي موضعين في أحدهما: (يخرجون) وفي الآخر (يرجون)، لا تصريح فيه ، فقد يحصل لهم رجاء ثم ييأسون. ويخرجون) يحتمل أن يكون من النار إلى الزمهرير، ويحتمل أن يكون ذلك في عصاة المؤمنين، فلم يجئ في شيء من الآثار إنه في الكفار".
    وأما ما زعم أن الجرجير ينبت في النار، فهو ضعيف، وليس مسند أحمد.
    وأما ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله. فهذا كله لا يثبت. وإن ثبت فمعناه عند أهل السنة أنه لا يبقى احد من أهل الإيمان من العصاة، ولا يحمل على الكفار، ومتى كان قول بعض الصحابة غير المسند وغير الموافق لآيات القرآن مخصصا أو نافيا لظاهر القرآن.
    وهذه الآثار كلها على فرض ثبوتها، فلا تدلُّ على فناء النار بل على بقائها، والدعوى التي يدعيها صاحبنا هي فناء النار ، فأين الدليل على الفناء المزعوم...؟
    وانظر إلى لطف جواب السبكي على من تمسك بما نقل عن الشعبي من قوله:"جهنم أسرع الدارين عمرانا، وأسرعهما خرابا" فقال:"أنا أعيذ الشعبي من ذلك ، فإنه يقتضي خراب الجنة"، وذلك لأن ظاهره أن كلا من الجنة والنار تخرب، ولكن الدار التي تخرب أولا هي النار...وهذا القول باطل.
    قال الصنعاني في رده على ابن تيمية:"واما قول شيخ الإسلام في صدر المسألة إن أبا سعيد الخدري نقل عنه القول بفناء النار فإنه استدل لذلك بأنه قال أبو نضرة عن ابى سعيد أو قال جابر أو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اتت هذه الآية على القرآن كله (إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد) هود 107.
    وأقول:
    أولا : هذا الأثر نسبه الحافظ السيوطي في الدر المنثور إلى تخريج عبد الرزاق وابن الشريس أبو وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات ولفظه عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد أو رجل من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد قال: هذه الآية قاضية على القرآن كله، يقول: حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه. انتهى.
    وقد نقل ابن تيمية هذه الرواية أيضا ونسبها إلى تخريج ابن جرير أيضا، ولا يخفى أولا انه شك أبو نضرة في قائل هذا القول وردده بين ثلاثة معلومين ومجهول، وهذا الشك وإن كان انتقالا من ثقة إلى ثقة، على رأي من يقول كل الصحابة عدول، غير ضائر في الرواية، إلا أنه لا يصح معه الجزم بنسبة القول بفناء النار إلى ابي سعيد، حيث أن مستند القول به هو هذا الأثر لأن هذا أثر لم يتم الجزم به في رواية أنه لأبي سعيد.
    فكيف يجزم بنسبة هذا المدلول أعني القول بفناء النار وذهابها إلى أبي سعيد كما فعله شيخ الإسلام ولم يثبت عنه الدليل ؟
    وثانيا: وهو على تقدير ثبوته عنه فإنه لا دلالة فيه على مدعاه وهو فناء النار ولا رائحة دلالة، بل غاية ما فيه أن كل وعيد في القرآن ذكر فيه الخلود لأهل النار فإن آية الاستثناء حاكمة عليه، وهي عبارة مجملة لا تدل على المدعى بنوع من الدلالات الثلاث، بل يحتمل انه أراد أنها فسرت بآيات الخلود التي وردت في القرآن في خلود أهل النار كما أخرجه البيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله تعالى إلا ما شاء ربك هود 107 قال: فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة انتهى".
    وكما نرى، فإن كل من ادعى أن الصحابة قالوا بشيء من هذه العقيدة، فإنما اعتمد على آثار ضعيفة، وغير صريحة، وتحتمل التأويل، أو إن لم تحتمله فهي معارضة لما هو ظاهر في القرآن، وما كان كذلك فلا ينبغي أن يلتفت إليه!؟
    وهذه الكلمات تكفي من يريد الحق. والله الموفق.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. الأمر السادس الذي اعتمد عليه القائل بفناء النار: زعمه أن النار منقطعة لأنها موجب غضبه، والجنة دائمة لأنها موجب رحمته

    الشيء إذا وجب عن الشيء، فإنه لا يعترض طريقه معترض، ولا يتوقف على إرادة إذا كان المتوقَّف عليه واجباً. وصاحبنا هذا يدعونا لأن نقول معه إن لله تعالى صفات ذات وصفات فعل، وأن بعض مخلوقاته، لازمة لزوما ذاتيا عن صفات فعله، وبعض مخلوقاته لازمة لزوما ذاتيا عن صفات فعله، ولا أدري إن كان يقول إن هناك أموراً لازمة عن عين ذاته أو لا يقول. وهذا المسلك للفهم ليس أكثر من رجوع إلى طرق المتفلسفة القدماء الذين أظهر أعلام أهل السنة عوار أفكارهم.
    فما الذي يريده بقوله إن الله تعالى له صفات ذاتية كالبر والرحمة والجود، وأن هذه الصفات تستلزم لذاتها بعض الأفعال كإيجاد الجنة وإدخال الناس فيها. أما نحو: الغضب والسخط فأسماء فعلية، ووجود النار وتعذيب أهلها فيها، من موجَبات هذه الأسماء الفعلية.
    هل يريد أن نفس كون الله تعالى جوادا ورحيما، يقتضي هذه الأفعال، من إفناء النار وإنشاء الجنة، فلمَ لم يقتضِ إذن عدم إيجاد النار من أصلها، أو لم لم يقتضِ أن لا يعذبوا فيها إلا لحظة واحدة؟ ولم لم تقتض رحمته أن يزكي الكفار في المحشر...!
    أليس الله تعالى بقادر على أن يخلق من الأدلة الواضحة في هذه الحياة الدنيا ما يبعث الناس كلهم إلى الإيمان به، وبذلك فلا يكفرأحد....! ولم عرَّض لناس أصلا إلى التكليف والاختبار،وهو يعلم علما تاما أن منهم من يصير إلى الكفر ومنهم من يصير مؤمناً، لم لم تقتض رحمته ما يستلزم جعلهم كلهم مؤمنين...!
    وهكذا نرى أن طريقة فهمه للأحاديث والصفات والأسماء الإلهية طريقة غريبة تبعث على لانحراف في الفهم...
    وهكذا يصل إلى تفسير الحديث القدسي أن "رحمتي سبقت غضبي" بأن هناك مصارعة بين موجبات الصفات الذاتية وبين موجبات الأسماء الفعلية، والذي يغلب بالطبع هو موجب الصفات الذاتية، ولذلك فإن كل ما كان من موجبات أسماء أفعاله، فهو لا شك منتهٍ وفانٍ، والباقي إنما هو موجَبات صفات ذاته.
    أقول ألا يعرف أن كل فعل فهو متوقف على صفة، فما من فعل إلا ويكون من تعلقات صفة، فيعود الأمر إلى التنافي والتصارع بين الصفات الإلهية! وهذا محال باطل...!
    وقد قل الإمام السبكي في رده على ابن تيمية:"فإن قلت:"قد ذكر من الوجوه الشرعية أن الجنة من مقتضى رحمته، والنار من عذابه، فالنعيم من موجب أسمائه التي هي من لوازم ذاته، فيجب دوامه بدوام معاني أسمائه وصفاته، والعذاب من مخلوقاته، قد يكون له انتهاء، لا سيما مخلوق خلق لحكمة تتعلق بغيره.
    قلت: ومن أسمائه تعالى شديد العقاب، والجبار والقهار والمذل والمنتقم، فيجب دوامه بدوام ذاته وأسمائه أيضا.
    فنقول لهذا الرجل: إن كانت هذه الأسماء والصفات تقتضي دوام ما يقتضيه من الأفعال فيلزم قدم العالم، وإن كانت لا تقتضي فلا يلزم دوام الجنة، فأحد الأمرين لازم لكلام هذا الرجل، وكل من الأمرين باطل، فكلام هذا الرجل باطل.
    فإن قلت: قد قال: قد خبّر إن رحمته وسعت كل شيء، و(سبقت رحمتي غضبي)، فإذا قدر عذاب لا آخر له، لم يكن هناك رحمة لابتة.
    قلت: الآخرة داران، دار رحمة لا يشوبها شيء، وهي الجنة، ودار عذاب لا يشوبه شيء وهي النار، وذلك دليل على القدرة، والدنيا مختلطة بهذا وبهذا. فقوله (إذا قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة) إن أراد نفي الرحمة مطلقا، فليس بصحيح، لأن هناك كمال الرحمة في الجنة. وإن أراد : لم يكن في النار، قلنا: مه".
    يعني اكفف عن هذا القول المعارض للقرآن، فلأي شيء خلق الله تعالى النارَ إلا للعذاب!
    وفي كلام الإمام السبكي المبني على التحقيق الصريح بوجازته المعروفة، كفاية لأولي النهى.
    يقول د. عدنان مستمرا في تعليله واحتجاجه:"ما كان موجب ذاته فهو يدوم بدوام ذاته، وصفاته، وأما العذاب فهو موجب فعله، فينقطع في لحظة معينة، لأنه لم يكن عبثا، بل لحكمة ، وهي تطهيراً لهم من أدران الكفر والجحود، وقد خلقهم الله على الفطرة فاجتالتهم الشياطين، فإذا عادوا إلى صفاء الفطرة لم يكن ثمة موجب للعذاب فينتهي"
    يقول ما حاصله إن الله خلق الناس على الفطرة فاجتالتهم الشياطين، وانحرفوا عن الهدى، ولذلك فإن العذاب " كان لحكمة -هذا العذاب- سوف نقف عليها بعيد قليل، تطهيرا لهم من أدران الشرك والوثنية والكفر والجحود والعنود والنكود، فإذا تطهروا – خلاص - وعادوا إلى صفاء الفطرة ورواقها الأول"، وأيضا:" فإذا عادوا إلى صفاء الفطرة لم يكن ثمة موجب أن يبقوا في العذاب فينتهي العذاب ويخرجون، واضح؟، يخرجون، لأنه انتهى...لأنه انتهى".
    أقول:
    كلامه هذا فيه مغالطات وأفهام باطلة، وتصورات سقيمة، ويتضمن ما يخالف نصوص القرآن والسنة كما سنبين. فالنار كانت لا للتطهير، بل للعذاب، ولم يقل الله تعالى إنه سيخرجهم منها، كما لم يقل جل ذكره إنه يفني النارَ...وكل هذه المقولات من عندك ووهمك ووهم من تبعك...فاقتصد في قولك واتبع ظاهر القرآن الذي قام عليه الدليل...وكفى!

    ورد في الصحاح: "إن رحمتي سبقت غضبي"، وورد:"إن رحمتي غلبت غضبي"
    ورد في الصحاح وغيرها عن أبي هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي)[ ر 3022 ] وفي البخاري أيضا عن قتادة أن أبا رافع حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش ) [ر 3022 ] وفي مسند أحمد عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ان الله عز وجل كتب كتابا بيده لنفسه قبل ان يخلق السماوات والأرض فوضعه تحت عرشه فيه رحمتي سبقت غضبي.
    وحديث : (( إنَّ رحمتي غلبت غضبي )). رواه : البخاري (3194) ، ومسلم (2751) ؛ وغيرهم في غير هذه المواضع، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    وليس في الأمر مصارعة ومنافسة بين الصفات، حتى يقال إن آثار صفة ما تفنى، وتبقى آثار الصفة الأخرى، فإن الله هو الفاعل المختار، وهو الفعال لما يريد، وليس عين صفاته، بل هذه كلها أفعال لله تعالى بإرادته واختياره، والمعبَّر عنه في الحديث السبق والغلبة، والمراد بالسبق والغلبة كثرة الآثار وتقدمها على الأخرى، قال العراقي في طرح التثريب:" وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْغَلَبَةُ هُنَا ، وَالسَّبْقُ بِمَعْنًى وَالْمُرَادُ بِهَا الْكَثْرَةُ وَالشُّمُولُ كَمَا يُقَالُ غَلَبَ عَلَى فُلَانٍ حُبُّ الْمَالِ أَوْ الْكَرَمُ أَوْ الشَّجَاعَةُ إذَا كَانَ أَكْثَرَ خِصَالِهِ"، فمن الملاحظ عند ذوي العقول أن آثار الرحمة أكثر وأسبق وأغلب من آثار الغضب، فالحديث واضح لا يحتاج إلى تكلفات بعض الناس. وإليك بعض ما قرره الأعلام في شرحه.
    جاء في مصنف عبدالرزاق [20858] عن معمر عن الحكم بن أبان أنه سمع عكرمة يقول إن الله تبارك وتعالى إذا فرغ من القضاء بين خلقه أخرج كتابا من تحت العرش فيه رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين فيخرج من النار مثل أهل الجنة - أو قال مثلي أهل الجنة - قال الحكم لا أعلمه إلا قال مثلي أهل الجنة فأما مثل فلا أشك مكتوب منهم - وأشار الحكم إلى فخذه - عتقاء الله قال فقال رجل لعكرمة يا ابا عبد الله إن الله يقول يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها قال ويلك اولئك أهلها الذين هم أهلها.
    فهذا عكرمة وهو من هو في التفسير والعلم، يقرر أن هذا الحديث لا يستلزم إخراج أهل النار الذين هم أهلها، وقد أقر فهم من قال إن قوله تعالى (وما هم بخارجين من النار) يستلزم بقاءهم فيها، فلم يعترض عليه، ولم يقل إن هناك فرقا بين وما هم منها بمُخرَجين، وبين وما هم منها بخارجين، كالفرق ما بين السماء والأرض، ولم يزعم أنَّ: الأولى تستلزم عدم خروجهم، والثانية لا، كما سمعنا من صاحبنا المجتهد المعاصر!
    قال ابن بطال:"وأما قوله: « كتب عنده: إن رحمتى سبقت غضبى» فهو والله أعلم كتابه فى أم الكتاب الذى قضى به وخطه القلم، فكان من رحمته تلك أن ابتدأ خلقه بالنعمة بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وبسط لهم من رحمته فى قلوب الأبوين على الأبناء، من الصبر على تربيتهم، ومباشرة أقذارهم ما إذا تدبره متدبر أيقن أن ذلك من رحمته تعالى، ومن رحمته السابقة أنه يرزق الكفار وينعمهم، ويدفع عنهم الآلام ثم ربما أدخلهم الإسلام رحمة منه لهم، وقد بلغوا من التمرد عليه والخلع لربوبيته غايات تغضبه، فتغلب رحمته ويدخلهم جنته، ومن لم يتب عليه حتى توفاه فقد رحمه مدة عمره بتراخى عقوبته عنه، وقد كان له ألا يمهله بالعقوبة ساعة كفره به ومعصيته له، لكنه أمهله رحمةً له، ومع هذا فإن رحمة الله السابقة أكثر من أن يحيط بها الوصف".
    وجاء في تحفة الأحوذي :" ( كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي )
    بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتُكْسَرُ عَلَى حِكَايَتِهِ مَضْمُونَ الْكِتَابِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي التَّوْحِيدِ : أَنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي . قَالَ الْجَزَرِيُّ قَوْلُهُ : إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى سَعَةِ الرَّحْمَةِ وَشُمُولِهَا الْخَلْقَ كَمَا يُقَالُ غَلَبَ عَلَى فُلَانٍ الْكَرْمُ أَيْ هُوَ أَكْثَرُ خِصَالِهِ وَإِلَّا فَرَحْمَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ صِفَتَانِ رَاجِعَتَانِ إِلَى إِرَادَتِهِ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ . وَصِفَاتُهُ لَا تُوصَفُ بِغَلَبَةِ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَإِنَّمَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لِلْمُبَالَغَةِ اِنْتَهَى . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ حَكَمَ حُكْمًا جَازِمًا وَوَعَدَ وَعْدًا لَازِمًا . لَا خُلْفَ فِيهِ بِأَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي فَإِنَّ الْمُبَالِغَ فِي حُكْمِهِ إِذَا أَرَادَ إِحْكَامَهُ عَقَدَ عَلَيْهِ سِجِلًّا وَحَفِظَهُ ، وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ قَضَاءِ الْخَلْقِ وَسَبْقِ الرَّحْمَةِ أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ لِلْعِبَادَةِ شُكْرًا لِلنِّعَمِ الْفَائِضَةِ عَلَيْهِمْ . وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَدَاءِ حَقِّ الشُّكْرِ وَبَعْضُهُمْ يُقَصِّرُونَ فِيهِ فَسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ فِي حَقِّ الشَّاكِرِ بِأَنَّ وَفَّى جَزَاءَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ ، وَفِي حَقِّ الْمُقَصِّرِ إِذَا تَابَ وَرَجَعَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ ، وَمَعْنَى سَبَقَتْ رَحْمَتِي تَمْثِيلٌ لِكَثْرَتِهَا وَغَلَبَتِهَا عَلَى الْغَضَبِ بِفَرَسَيْ رِهَانٍ تَسَابَقَتَا فَسَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى".
    وقال السندي في حاشيته على ابن ماجه:"وَقَوْله كَتَبَ عَلَى نَفْسه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ سَاقَ هَذَا الْكَلَام عَلَى أَنَّهُ وَعَدَ بِأَنَّهُ سَيُعَامِلُ بِالرَّحْمَةِ مَا لَا يُعَامِل بِالْغَضَبِ لَا أَنَّهُ إِخْبَار عَنْ صِفَة الرَّحْمَة وَالْغَضَب بِأَنَّ الْأُولَى دُون الثَّانِيَة لِأَنَّ صِفَاته كُلّهَا كَامِلَة عَظِيمَة وَلِأَنَّ مَا فَعَلَ مِنْ آثَار الْأُولَى فِيمَا سَبَقَ أَكْثَر مِمَّا فَعَلَ مِنْ آثَار الثَّانِيَة".
    قال الكشميري في (فيض الباري):"قوله: (فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ، إن رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي) وفي لفظٍ: «سَبَقَتْ غَضَبِي»، وتمسَّك به الشيخُ الأكبرُ على أن عذاب الجحيم لا يَدُومُ لأحدٍ، لأن الحديثَ يُخْبِرُ أن الرحمةَ والغضبَ تَسَابقا، فَسَبَقَتْ رحمتُه غضبَه، فإذا سَبَقَتْ لَزِمَ أن لا يَبْقَى أحدٌ تحت غضبه تعالى، ويَدُخُلَ كلُّهم في رحمته تعالى، ويَخْلُصَ من عذاب الله عزَّ وجلَّ، ولو آخِراً. وذلك لأن النارَ تكون طبيعةً لهم، فَيَعِيشُون فيها غير معذَّبين، لكونهم ناريي الطبع. كمائيِّ المَوْلِدِ، يَسْكُنُ في الماء، ولا يكون عليه ضيقٌ، وغيره لو سَكَنَ فيه مات من ساعته.
    قلتُ: ومذهبُ الجمهور: أن جهنم عذابٌ سَرْمَدِيٌّ لمن فيها. قال تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} (النساء: 56). وأمَّا السَّبْقِيَّة، فهي عندي في جانب المبدأ دون المنتهى، ومعناه: أن الرحمةَ والغضبَ تَسَابَقَا عند ربك، فسَبَقَتْ الرحمة قبل سَبْقِ الغضب، فتقدَّمت عليه من هذا الجانب. وذلك لأن الغضبَ يَحِلُّ بالمعاصي، والرحمة منشؤها الجود، فتأتي من غير سببٍ ولا استحقاقٍ. بخلاف الغضب، فإنه يَنْتَظِرُ اقترافَ السيِّئات، واقتحام الموبقات، والرغبة عن التوبة، ثم التمادي في الغيِّ، فلا يأتي حين يأتي إلاَّ على مَهْلٍ، فتقدُّمها يَظْهَرُ في جانب المبدأ.
    وأخذَهُ الشيخُ الأكبرُ في الجهة الأخرى، فاضْطَرَّ إلى مخالفة الجمهور".

    ثم ما المراد بقوله إن الجنة من موجَبات رحمته، والنار من موجبات غضبه، وهل يجب وجود المخلوقات لمجرد اتصاف الله تعالى بصفات، أم إن الله تعالى فعال لما يريد! فحديث الإيجاب يُخرج مدخلية الإرادة والاختيار، ويبطله من أصله، ولو كان للرحمة موجبات لذات كونها صفة لله تعالى سواء كان ذاتية أو فعلية، لكان العالم قديماً، ولاستحال عدمه، بل ربما استحال وجود النار من أصلها، ما دام الأمر مصارعة ومنافرة بين الصفات، فلتتغلب صفة الرحمة من أول الأمر، وانتهى الكلام، فلا وجود لنار عندئذ ولا وجود إلا للجنة. أو لتوجد النار، وليترتب على التغالب والسبق بهذا المعنى الغريب المفترض غلبة الرحمة على الغضب فلا يدخل أحد من العصاة ولا الكفار النارَ لحظةَ واحدة. ولمَ إذن توجد النار من أصلها!
    أليس هذا اللون من التفكير يفضي بنا إلى مجرد هواء، لا إلى تحقيق في علم التوحيد ولا إلى أمر غيره، بل يفضي بنا إلى خلخلة أركان الدين من أصلها.
    ونحن لا يخفى علينا مقدار تأثر ابن تيمية بمقولات ابن عربي في هذا الكلام كله، وقد أشرنا إلى ذلك، وأشار غيرنا إلى قرب كلام ابن تيمية من كلام ابن عربي في هذه المسألة، وقد قلت كثيرا إن ابن تيمية تأثر بابن عربي، بمقدار ما ردَّ عليه في وحدة الوجود، فقد تأثر به في كثير من المقولات الأخر. وكذلك تأثر بابن رشد الحفيد الفيلسوف في مسائل عدة.
    على أن التحقيق في مذهب الأشاعرة أن الرحمة صفة، ترجع إلى الإرادة، وليست صفة زائدة على الإرادة، وبعضهم قال إنها ترجع إلى بعض تعلقات الإرادة والقدرة، فتكون من صفات الفعل. وهذا نزاع مشهور بين الفريقين، ولا يستلزم أحدهما ذلك التخريج الغريب الذي تتقول به هاته العصابة من مدعي الاجتهاد.
    نعم إن الله تعالى حكيم في فعله، وحكمته لا توجب عليه أن يفعل أمراً من الأمور، ولا تستلزم أن يصدر عنه شيء وأن يكون موجَبَا عن ذاته أو صفاته لعين كونها صفة، بل أفعاله تابعة لإرادته، ومن قال بحكاية الاستلزام والإيجاب، فإنه يرجع إلى قول المتفلسفة القائلين بالعلة والمعلول، ومن تأثر بهم ممن قال بوحدة الوجود، أو من المجسمة القائلين بتأثر الله تعالى بخلقه وحدوث الحوادث في ذاته.

    يدعي د. عدنان إبرهيم :أن الله تعالى يُزَكِّي الكفارَ ويخرجهم من النار مطهرين! والله تعالى يقول (ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)

    وقد زعم أيضا أن الكفار يدخلهم الله تعالى النارَ لأجل تزكيتهم، وتطهيرهم من أفعالهم المشينة، فإذا تطهروا منها، أخرجهم منها، "ولم يعد هناك داعٍ ولا موجب لبقائهم في جهنم، ولم يعد هناك موجب لبقاء النار وتفنى!،
    قال عدنان إبراهيم:" فإذا دخلوا النار وصلوها -والعياذ بالله من مثل مصيرهم ومقامهم- وتطهروا من هذا كما قلت لكم، هل يبقى بعد ذلك من موجب وداع لأن يطول أو يستمر أو يمتد مقامهم في جهنم...لا خلاص، ما يبقى بعد هذا من موجب، ولذلك يبدوا أن هذه النار كما أشارت تلكم الآثار وبعض هذه الدلائل الخفية في كتاب الله أنها تنتهي في يوم من الأيام وتفنى ويخرج منها هؤلاء"
    ونسي أن الله تعالى قال {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }البقرة174، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }آل عمران77....
    فما باله يرى الله تعالى يقول إنه لا يزكي الكفار أي لا يطهرهم ويعذبهم عذابا أليماً، ونراه يقول: بل إن الله تعالى يزكيهم ويطهرهم، حتى يدخلهم الجنة وينعمهم فيها!؟
    فالله تعالى في رأيه يفعل الأفعال لدواع وموجبات تستلزم فعلَه، فإذا تمَّ مقتضى الحكم والداعي والموجِب، فليس لله تعالى بعد ذلك أن يفعل الفعلَ، وليس هذا إلا عين الإيجاب على الله تعالى.
    ملاحظة مهمة:
    قد يقول بعضهم: إن عدنان إبراهيم مال إلى فناء النار، ومال إلى عدم بقاء النار، ولم يجزم بذلك.......وقال إن الأدلة لا تدل على بقاء النار جزماً....
    ألا يكفي ميله إلى ذلك كله للرد عليه....
    نقول: بلى....! فكما كفاه مجرد ميله للرد على من يخالفهم، فيكفينا مجرد ميله ذاك للرد عليه.
    وقال إن الكفار يتطهرون من دنسهم وكفرهم في العذاب ثم يخرجهم الله تعالى، والمطهَّر من الكفر والدنس يصبح طيبا بالضرورة...ولم يقل عدنان إبراهيم إن الله تعالى يعدمهم ويفنيهم بعد ذلك.....وذكر قوله تعالى(سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ }الزمر73 الواردة في المؤمنين، ليقول: إن الطيب يدخل الجنة....وقال إن الجنة لا يدخلها إلا طيب....وقال عدنان إبراهيم ما معناه:"إن ابن قيم الجوزية أشار إلى مآل الكفار بعد خروجهم من النار أي يذهبون بإشارات، ولكن ليس الآن محل الكلام عليه، فهذا موضوع آخر".... وقال بالنص:"يبدو أن الحكمة-أي حكمة التعذيب- أن يطهرهم من خبث ودنس ونجاسة الشرك والكفر، لأن الجنة -هذا موضوع آخر نذكره بعد ذلك كما ألمع ابن القيم والله أعلم- لا يدخلها إلا طيب (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}هؤلاء ليسوا بطيبين فلا يدخلون الجنة (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة).....فإذا دخلوها وصلَوها وتطهروا، هل يبقى موجب أو داعٍ لبقائهم في جهنم ؟! ولذلك يبدو أن هذه النار تفنى ويخرج منها هؤلاء"
    هذا هو كلام عدنان إبراهيم بنصه، ويعني أن الكفار إذا تطهروا من الكفر والدنس فمصيرهم الجنة أو دار أخرى يثابون فيها....وهذا معنى الجنة....أو أن الله تعالى يفنيهم ويعدِمم، وهذا لا دليل له عليه أبداً؟ كما لا دليل على فناء النار....!
    وهذا السؤال ينبغي عليه أن يجيب عنه، وينبغي على مؤيديه أن يسألوه إياه!
    وهذا هو نفس ما ألزم به الإمام التقي لسبكي ابنَ تيمية عندما قال بقوله هذا، فقال رحمه الله :"وقد أخبر تعالى أن أهل الجنة والنار لا يموتوت، فلا بد لهم من دار، ومحال أن يعذبوا بعد دخول الجنة، فلم يبق إلا دار النعيم، والحيّ لا يخلو من لذة أو من ألمٍ، فإذا انتفى الألم تعينت اللذة الدائمة..
    قلت-أي تقي الدين السبكي-: قد صرح بما صرح به في آخر كلامه، فيقتضي أن إبليس وفرعون وهامان وسائر الكفار يصيرون إلى النعيم المقيم، واللذة الدائمة!! وهذا ما قال به مسلم ولا نصراني ولا يهودي ولا مشرك ولا فيلسوف..أما المسلمون فيعتقدون دوام الجنة والنار، وأما المشرك فيعتقد عدم البعث، وأما الفيلسوف فيعتقد أن النفوس الشريرة في ألم، فهذا القول الذي قاله هذا الرجل ما نعرف أحدا قاله، وهو خروج عن الإسلام بمفتضى العلم إجمالاً".
    هذا هو رد الإمام التقي البكي العلم المجتهد على ابن تيمية، ونلاحظ أن القول الأخير الذي قال فيه إنه لا يعرف أحدا قال به هو عين القول المفهوم من كلام ابن عربي الحاتمي في كتبه، إلا أنه لم يقل إن الكفار يخرجون من النار، بل قال إن عذابهم ينقلب عذوبة بعد فترة معينة...
    فالحاصل أن هذا القول الذي يلزم ابن تيمية، ويلزم من يوافقه لم يقل به أحد على حد تقرير الإمام السبكي. فليتأمل هذا جيداً ...وليعلم أنه قول خطير ينبغي بلعاقل أن يحتاط لنفسه قبل الاعتقاد به....
    ونتساءل أيضا:
    لو اقتنع بعض الناس أن الكفار لا يخلدون في النار، واعتقدوا أنهم إما يخرجون منها بعد التطهر من ذنوبهم إلى الجنة أو إلى دار أخرى أو يفنيهم الله تعالى، واختاروا الكفر، وقالوا لا نصبر على شهواتنا في هذه الحياة الدنيا، ونفضل أن نتنعم فيها، وليعذبنا الله ذلك اليوم المحدود، فإنه يطهرنا بعد ذلك، ومهما فعل بنا فإنا راضون! فإن أدخلنا الجنة أو في دار أخرى، نكن من السعداء أبداً....في نهاية الأمر، وإن أفنانا فإنَّ العذاب والآلام تنقطع عنا فإنا لا نبقى موجودين...
    فإن اختار هؤلاء هذا القول بناء على تقرير من يقرره، ثم إن كان الأمر الحق الذي يظهر في يوم القيامة أن النار لا تفنى بل تبقى دار عذاب وآلام لا ينقلب فيها العذاب إلى عذوبة أبداً ولا نهاية لها، فأين يذهب هذا الذي يحرضهم في هذه الحياة الدنيا على اعتقاد أنها فانية، ألا يكون لهم في عنقه حق، فإنهم سوف يتعلقون بعنقه ويقولون لله تعالى: يا رب هذا الذي أضلنا عن العقيدة الصحيحة! فإثمنا في عنقه!
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. الأمر السابع الذي تعلق به: زعمه أنه ورد تضخيم الأجسام لأهل النار وأنه لم يرد هذا في حق أهل الجنة


    وإنما أراد بهذا الزعم تفسير قوله بأن عدد من يدخل الجنة أكثر مما يدخل في النار، ورد على من احتج بقوله تعالى(لأملأن جهنم منكم أجمعين) .... وهذا يستلزم كثرة الداخلين في جهنم، ولكن هذا القول لا يرضي د. عدنان إبراهيم، فسارع إلى محاولة إبطال هذا التصور، مع وروده في أحاديث وتدل عليه آيات القرآن. ولجأ إلى تصور آخر استمده بطريقة غريبة.
    فقال إنه ورد أن أهل النار يكون أحدهم بعد ما بين منكبيه ثلاثة أيام، وضرسه كجبل أحد. وهذا يعني أن الله تعالى يستطيع أن يملأ جهنم بخمسة أو مائة أو أي عدد من الكفار...ولا يستلزم ذلك كثرة الداخلين، وادعى أن هذا هو ما كان يريده سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام عندما قرر تضخيم حجم الكفار في النار.
    قال:"ولم يرد شيء من هذا في حق أهل الجنة إلا ما رواه أبو نعيم صاحب الحلية عن سعيد بن جبير من قوله ليس يأثره ولا يسنده وهو بصيغة التمريض قال : (وكان يقال أن رجال أهل الجنة تسعون ذراعا وان نساء أهل الجنة ثمانون ذراعا) هذا كلام لا يقام له وزن أبدا , لأنه ليس حديثا ولا آية , كلام فارغ هكذا كان يقال , أبداً لم يقل قال النبي ولم يرسله , هذا مرسلُ هيان بن بيان . لم يصح لم يرد شيء في هذا لكن ورد الكثير الطيب في حق أهل النار.
    والآن الحكمة العلة لماذا ؟ أنا أقول لكم , لأن من سيدخلها سيكون أقل عددا , عدد قليل يدخل جهنم , فعلا هو الكافر المعاند المجرم الذباح السفاك الخ من هؤلاء الكفرة العتاة والعياذ بالله من كل الملل لكن لأنه اخذ على نفسه واقسم لا إله إلا هو (لأملان جهنم) فكيف سيملؤها ؟ هو يستطيع أن يملأها بخمسة أو بعشرة أو بألف أو بخمسة آلاف لأنه إذا كان ضرسه مثل جبل احد وبعد ما بين منكبيه ... هل فهمتم هذه العلة لماذا النبي قال هذا الشيء؟ ولم يوضح لنا ؟ قال هذا ألقيه إليكم وانتم فكروا.
    كانه يقول لنا : الله تبارك وتعالى برحمته وحكمته يملئ جهنم لكن بعدد قليل من هؤلاء التاعسين الاشقياء , أما الجنة فتمتلئ أيضا من عند آخرها -ويبقى فيها فضلة الله اعلم- في خلقنا الجديد من غير أن تضخم أبداننا , ليس عندنا نص فنبقى على الأصل".
    أقول:
    في هذا الكلام تسرع خطير كعادته.
    فإننا نوافقه فيما ورد في حق الكفار من التضخيم، ولكنا لا نوافقه على أن ذلك يستلزم قلة من يدخلها فإنه ورد أن المؤمنين يكونون في يوم القيامة قليلين جدا بالإضافة إلى الكفار في أحاديث عن رسول الله عليه أفضل الصلاةو السلام، ولا نوافقه فيزعمه الحكمة التي افترضها من التضخيم....
    وكذلك: نقول أخطأ أيضا لم قرر أنه لم يرد شيء في تضخيم أهل الجنة، وإن لم يكن إلى حد الكفار، ولكن التضخيم وارد في أحاديث صحيحة أيضاً، وهو تجرأ على القول بأن ما قيل فيها إنما هو كلام فارغ، وأنه لم يرد فيها حديث صحيح، والأحاديث موجودة في الصحيحين وغيرهما كما سترى.
    أما تضخيم أجسام الكفار في النار، فقد ورد فعلا، ولا إشكال فيه، ولكنه لا يستلزم أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يتخرج بها قوله تعالى {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ }الأعراف18، {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }هود119، {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }السجدة13، {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}ص85، وما ورد من كثير من الأحاديث الدالة على كثرة الكفار، وهذا ما نشاهده في الواقع المعاش أيضا.
    فاهتدى د. عدنان إلى طريقته الغريبة هذه ليقنع الملاحدة أن قليلا منهم فقط سيدخل النار!!
    ولم يلحظ في فورة هجومه على هذه المعاني أن مجرد التعبير القرآني بدون الحاجة إلى التمعن والتدبر والبحث في الأحاديث يستلزم كثرة الداخلين في النار الذين يصدق عليهم قسم الله تعالى المذكور في الآيات.
    على أنا لن نطيل المكوث معه في هذا المعنى الغريب المتسرع، بل نريد تنبيهه إلى أن ما نفاه من تضخيم أجسام أهل الجنة وارد أيضا في الصحاح، وأن أهل العلم يعرفونه، وأنه مشهور بينهم، وما ذكره من نفي وجوده في الصحاح، وأن ما زعمه من أنَّ الأصل بقاء الناس الذين يدخلون الجنة على أصل حجمهم الذين هم عليه في الدنيا مجرد تسرع ككثير من تسرعاته وغفلاته في كلامه.
    فقد ورد في الأحاديث أن حجمهم يكون على ستين ذراعاً على صورة آدم عليه السلام، وهي أحاديث صحيحة أيضا، لا ينبغي أن يتسرع بنفيها قبل البحث. وهذه الملاحظات كلها تدل على أن الرجل متسرع مبالغ في هجومه على المعاني، بدون تدبر كافٍ، وهذا يدل على كثير من الآفات التي نرجو أن لا يغرق فيها، فإنا لا نتمنى له إلا الوقوف والتدبر والتأمل بصورة أدق وأحسن، لئلا يكون من الضالين المضلين النافرين المنفرين، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
    وهاكم بعض الأحاديث والروايات وبعض تعليقات العلماء عليها:
    حديث أبي هريرة بلفظ (خلق الله عز وجل آدم على صورته , طوله ستون ذراعاً , فلما خلقه قال : اذهب فسلم على أولئك النفر - وهم نفر من الملائكة جلوس - فاستمع ما يحيُّونك , فإنها تحيتك وتحية من بعدك ... ) الحديث .
    أخرجه عبدالرزاق ( 19435 ) والبخاري ( 3326 , 6227 ) , ومسلم ( 2841 ) , وابن خزيمة في التوحيد ( 1 / 93 - 94 ) وابن حبان ( 6162 ) وابن منده في الرد على الجهمية ص ( 41 - 42 ) و اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ( 711 , 712 ) و البيهقي في الأسماء والصفات ( 635 , 636 ) و البغوي في شرح السنة ( 3298 ) .
    وفي مسند الإمام أحمد عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد ضوء كوكب درى في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم في طول ستين ذراعا.
    قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين إن كان ذكر أبي صالح فيه محفوظا.
    وأورد أحمد الحديثَ عن أبي هريرة بسند آخر برقم[7429]، وحكم عليه الشيخ شعيب بأنه صحيح على شرط الصحيحين.
    جاء في البعث والنشر للبيهقي عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء أضاءة ، ثم هم بعد ذلك منازل ، لا يتغوطون ، ولا يبولون ، ولا يتمخطون ، ولا يبزقون ، أمشاطهم الذهب ، ومجامرهم الألوة ، وريحهم المسك ، أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم آدم ستين ذراعا » رواه مسلم في الصحيح ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب ، عن أبي معاوية وأخرجاه من حديث همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، وقال في رواية أبي زكريا على خلق رجل واحد.
    وفيه عن أبي هريرة عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم مقداره خمس مائة عام على خلق آدم ثمانية عشر ذراعا في سبعة أذرع » قال شمير : وما ذاك الذراع ؟ قال : كأطولكم رجلا".
    وقال البيهقي معلقا على الرواية التي فيها أن طول الواحد منهم ثمانية عشر ذراعاً:"ورواية أبي صالح، وهمام ، وأبي زرعة ، عن أبي هريرة ، على صورة آدم ستين ذراعا أصح من هذه الرواية".
    وفيه أيضا عن عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليدخلن أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين ، أبناء ثلاث وثلاثين ، وهم على خلق آدم ستين ذراعا في سبعة أذرع »
    وفيه أيضا حدثني الزبيدي محمد بن الوليد بن عامر ، أن المقدام حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من أحد يموت سقطا ، ولا هرما ، وإنما الناس فيما ذلك إلا بعث ابن ثلاثين سنة ، فإن كان من أهل الجنة كان مسحة آدم ، وصورة يوسف ، وقلب أيوب ، ومن كان من أهل النار عظموا ، وفخموا كالجبال »
    وفي تفسير ابن أبي حاتم عَنْ أبى هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ:" " يَوْم نَدْعُو كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}، قَالَ: يدعى أحدهم، فيعطى كتابه بيمينه، ويمد لَهُ في جسمه ستين ذراعاً، ويبيض وجههه، ويجعل عَلَى رأسه تاجاً مِنْ نور يتلألأ، فينطلق إِلَى أصحابه فيرونه مِنْ بعيد، فيقولون: اللهم ائتنا بهذا، وبارك لنا في هَذَا حتى يأتيهم، فَيَقُولُ: أبشروا، لكل رجل منكم مثل هَذَا، واما الكافر فيسود وجهه، ويمد لَهُ في جسمه ستين ذراعاً عَلَى صورة آدم ويلبس تاجاً مِنْ نار فيراه اصحابه، فيقولون: نعوذ بالله مِنْ شر هَذَا، اللهم لاتأتنا بهذا، قَالَ: فيأتيهم، فيقولون: رَبُّنَا اخره، فَيَقُولُ: أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هَذَا". قَوْلهُ تَعَالَى: " وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى.
    وفي الدر المنثور للإمام السيوطي:"وأخرج ابن إسحاق في المبتدأ وابن سعد وأحمد وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في التوبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن آدم كان رجلاً طوالاً كأنه نخلة سحوق ستين ذراعاً ، كثير شعر الرأس . فلما ركب الخطيئة بدت له عورته ، وكان لا يراها قبل ذلك ، فانطلق هارباً في الجنة ، فتعلقت به شجرة فأخذت بناصيته فقال لها : ارسليني قالت : لست بمرسلتك ، وناداه ربه : يا آدم أمني تفر؟ قال : يا رب إني استحييتك قال : يا آدم اخرج من جواري فبعزتي لا أساكن من عصاني ، ولو خلقت ملء الأرض مثلك خلقاً ثم عصوني لاسكنتهم دار العاصين . قال : أرأيت إن أنا تبت ورجعت أتتوب عليَّ؟ قال : نعم . يا آدم ». وأخرج ابن عساكر من حديث أنس . مثله".
    وقال السيوطي في الدر المنثور:"وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: { يوم ندعو كل أناس بإمامهم } قال : « يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ، ويُمَدّ لَهُ في جسمه ستين ذراعاً ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من نور يتلألأ ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون : اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول : أبشروا . . . لكل رجل منكم مثل هذا.
    وأما الكافر ، فيسوّد له وجهه ويُمَدّ له في جسمه ستين ذراعاً على صورة آدم ، ويلبس تاجاً من نار فيراه أصحابه فيقولون : نعوذ بالله من شر هذا . . . اللهم لا تأتنا بهذا . قال فيأتيهم . فيقول : ربنا أخّرْه فيقول : ابعدكم الله ، فإن لكل رجل منكم مثل هذا »".
    وورد نحو هذا في خلق آدم وأنه ستون ذراعاً عن أنس رضي الله عنه، وعن أبي بن كعب.
    وقال في بحر العلوم في وصف قوم عاد عند قوله تعالى(وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً):"قال ابن عباس رضي الله عنهما كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً . وروى إبراهيم بن يوسف عن المسيب عن الكلبي قال : كان طول قوم عاد أطولهم مائة وعشرين ذراعاً وأقصرهم ثمانون ذراعاً . وقال مقاتل عن قتادة : كان طول كل رجل منهم اثني عشر ذراعاً".
    وقال العلامة الألوسي في تفسير قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) ):" فالحق أن العذاب على النفس الحساسة بأي بدن حلت وفي أي جلد كانت وكذا يقال في النعيم ، ويؤيد هذا أن من أهل النار من يملأ زاوية من زوايا جهنم وأن سن الجهنمي كجبل أحد ، وأن أهل الجنة يدخلونها على طول آدم عليه السلام ستين ذراعاً في عرض سبعة أذرع".
    وفي عمدة القاري للعيني:"وقال القرطبي إن الله تعالى يعيد أهل الجنة إلى خلقه أصلهم الذي هو آدم عليه الصلاة والسلام وعلى صفته وطوله الذي خلقة الله عليه في الجنة وكان طوله فيها ستين ذراعاً في الارتفاع بذارع نفسه قال ويحتمل أن يكون هذا الذراع مقدراً بأذرعتنا المتعارفة عندنا وقيل إنه كان يقارب أعلاه السماء وأن الملائكة كانت تتأذى بنفَسِه فخفضه الله إلى ستين ذراعاً وظاهر الحديث خلافه".
    وفي مسلم برقم [6227] ـ حدَّثنا يَحْياى بنُ جَعْفَر حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَر عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي قال خَلَقَ الله آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعاً فَلَمَّا خَلَقَهُ قال إذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولائِكَ النفَرِ مِنَ المَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ فإِنَّها تَحِيَّتكَ وَتَحِيَّةُ ذُرَّيَّتِكَ فقال السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ فقالُوا السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ الله فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلْ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ.
    وقال العيني في شرحه:" قوله على صورته أي على صورة آدم لأنه أقرب أي خلقه في أول الأمر بشراً سوياً كامل الخلقة طويلاً ستين ذراعاً كما هو المشاهد بخلاف غيره فإنه يكون أولاً نطفة ثم علقه ثم مضغة ثم جنيناً ثم طفلاً ثم رجلاً حتى يتم طوله فله أطوار وقال ابن بطال أفاد بذلك إبطال قول الدهرية إنه لم يكن قط إنسان إلاَّ من نطفة ولا نطفة إلاَّ من إنسان وقول القدرية إن صفات آدم على نوعين ما خلقها الله تعالى وما خلقها آدم بنفسه".
    وفي صحيح البخاري أيضا برقم [3079 ] حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة " خَلَقَ اللَّه آدَم وَطُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا " قال ابن حجر: كَذَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْه ، وَعَبْد اللَّه الرَّاوِي عَنْ مَعْمَر هُوَ اِبْن الْمُبَارَك ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر فَقَالَ " خَلَقَ اللَّه آدَم عَلَى صُورَته وَطُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا ، " وَهَذِهِ الرِّوَايَة تَأْتِي فِي أَوَّل الِاسْتِئْذَان ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى مَعْنَى هَذِهِ اللَّفْظَة فِي أَثْنَاء كِتَاب الْعِتْق ، وَهَذِهِ الرِّوَايَة تُؤَيِّد قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّ الضَّمِير لِآدَم ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَدَهُ عَلَى الْهَيْئَة الَّتِي خَلَقَهُ عَلَيْهَا لَمْ يَنْتَقِل فِي النَّشْأَة أَحْوَالًا وَلَا تَرَدَّدَ فِي الْأَرْحَام أَطْوَارًا كَذُرِّيَّتِهِ بَلْ خَلَقَهُ اللَّه رَجُلًا كَامِلًا سَوِيًّا مِنْ أَوَّل مَا نَفَخَ فِيهِ الرُّوح ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ " وَطُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا " فَعَادَ الضَّمِير أَيْضًا عَلَى آدَم ، وَقِيلَ مَعْنَى قَوْله " عَلَى صُورَته : أَيْ لَمْ يُشَارِكهُ فِي خَلْقه أَحَد ، إِبْطَالًا لِقَوْلِ أَهْل الطَّبَائِع . وَخُصَّ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَم
    وقال ابن حجر:" قَوْلُهُ : ( فَكُلّ مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة عَلَى صُورَة آدَم )
    أَيْ عَلَى صِفَته ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ صِفَات النَّقْص مِنْ سَوَاد وَغَيْره تَنْتِفِي عِنْد دُخُول الْجَنَّة ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ فِي " بَاب صِفَة الْجَنَّة " وَزَادَ عَبْد الرَّزَّاق فِي رِوَايَته هُنَا " وَطُوله سِتُّونَ ذِرَاعًا " وَإِثْبَات الْوَاو فِيهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّم أَنَّ قَوْله " طُوله " تَفْسِير لِقَوْلِهِ " عَلَى صُورَة آدَم " وَعَلَى هَذَا فَقَوْله " طُوله " إِلَخْ " مِنْ الْخَاصّ بَعْد الْعَامّ ، وَوَقَعَ عِنْد أَحْمَد مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن الْمُسَيَّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا " كَانَ طُول آدَم سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعَة أَذْرُع عَرْضًا " وَأَمَّا مَا رَوَى عَبْد الرَّزَّاق مِنْ وَجْه آخَر مَرْفُوعًا " أَنَّ آدَم لَمَّا أُهْبِطَ كَانَتْ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْض وَرَأْسه فِي السَّمَاء ، فَحَطَّهُ اللَّه إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا " فَظَاهِره أَنَّهُ كَانَ مُفْرِط الطُّول فِي اِبْتِدَاء خَلْقه ، وَظَاهِر الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّهُ خُلِقَ فِي اِبْتِدَاء الْأَمْر عَلَى طُول سِتِّينَ ذِرَاعًا وَهُوَ الْمُعْتَمَد ، وَرَوَى اِبْن أَبِي حَاتِم بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب مَرْفُوعًا " أَنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم رَجُلًا طِوَالًا كَثِير شَعْر الرَّأْس كَأَنَّهُ نَخْلَة سُحُوق " .
    قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُص حَتَّى الْآن )
    أَيْ أَنَّ كُلّ قَرْن يَكُون نَشَأْته فِي الطُّول أَقْصَر مِنْ الْقَرْن الَّذِي قَبْله ، فَانْتَهَى تَنَاقُص الطُّول إِلَى هَذِهِ الْأُمَّة وَاسْتَقَرَّ الْأَمْر عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ اِبْن التِّين قَوْله " فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْق يَنْقُص " أَيْ كَمَا يَزِيد الشَّخْص شَيْئًا فَشَيْئًا ، وَلَا يَتَبَيَّن ذَلِكَ فِيمَا بَيْن السَّاعَتَيْنِ وَلَا الْيَوْمَيْنِ حَتَّى إِذَا كَثُرَتْ الْأَيَّام تَبَيَّنَ ، فَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْم فِي النَّقْص ، وَيَشْكُل عَلَى هَذَا مَا يُوجَد الْآن مِنْ آثَار الْأُمَم السَّالِفَة كَدِيَارِ ثَمُود فَإِنَّ مَسَاكِنهمْ تَدُلّ عَلَى أَنَّ قَامَاتهمْ لَمْ تَكُنْ مُفْرِطَة الطُّول عَلَى حَسَب مَا يَقْتَضِيه التَّرْتِيب السَّابِق ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَهْدهمْ قَدِيم ، وَأَنَّ الزَّمَان الَّذِي بَيْنهمْ وَبَيْن آدَم دُون الزَّمَان الَّذِي بَيْنهمْ وَبَيْن أَوَّل هَذِهِ الْأُمَّة ، وَلَمْ يَظْهَر لِي إِلَى الْآن مَا يُزِيل هَذَا الْإِشْكَال".
    وقال القرطبي في تفسيره:" "ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد " قال ابن عباس في رواية عطاء: كان الرجل منهم طوله خمسمائة ذراع، والقصير منهم طوله ثلثمائة ذراع بذراع نفسه.
    وروي عن ابن عباس أيضا أن طول الرجل منهم كان سبعين ذراعا.
    ابن العربي: وهو باطل، لان في الصحيح: " إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعا في الهواء، فلم يزل الخلق ينقص إلى الآن ].
    وزعم قتادة: أن طول الرجل منهم اثنا عشر ذراعا".
    وإنما نقلنا هذه النقول هنا مع كفاية بعضها، لندل القارئ على شهرة هذا المعنى بين أهل العلم. لعل ذلك يكون منبها للأخ عدنان إبراهيم إلى وجوب الهدوء قليلا وإعادة التدبر في كثير مما يطرحه، وأن يعيد النظر في الأسلوب والمنهجية التي يطرح فيها أقاويله واجتهاداته، لأنا نأمل أن يكون من الملتزمين بمناهج النظر الصحيح، لا المبطلين لها، الذين يفتحون أبواب الانحراف للبشر وهم لا يعلمون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا.

    وأما زعمه بأن هذا المعنى الذي ذكره لتوضيح كيفية ملء النار بأهلها :"وهذا مما خطر لي وهو مما فتح الله عليّ ولم أرَ مَنْ نبَّه إليه قبلي"، فهو كغيره من الأقاويل السابقة التي زعم أنها من فتوحات الله تعالى عليه، وتبين أنها من خطرات الشياطين وشهوات نفسه، وظهر مخالفتها لأساليب النظر الصحيحة القويمة الصائبة، وما كان كذلك فلا يقال فيه إنه من فتوحات الله تعالى.
    على أنه لا يلزم أنه لو كان الكفار كجبال أحد أن تُملأَ جهنم بخمسةٍ أو مائة أو خمسة آلاف أو عشرة أو مليون من البشر، ولا يستلزم كونهم مثل الجبال أن يقل عددهم جدا كما يزعم د. عدنان إبراهيم، وذلك لأن هذا مبني على تصور عدم اتساع جهنم إلا لقدر وحجم محدودين، ولا أحسبه ينفي قدرةَ الله تعالى على تضخيم حجم جهنم بحيث تتسع لملايين الناس والجنّ من الكفار، مهما كان حجمهم! فمهما زاد الله تعالى من حجم الكفار، فلا يستلزم هذا أبداً كونَ جهنم في حجم ضيق مفتَرَضٍ لكي يلزم من ذلك أن تمتلئ من عدد قليل جدا منهم، ومع ظهور هذا المعنى إلا أنا نراه قد عزب عن ذهن الدكتور عدنان! وليسأل هو نفسَه عن السبب!
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  6. الأمر الثامن: أنه تعلق بأن الإيعاد في استعمال العرب يمكن أن يتخلف بخلاف الوعد

    وليس في هذا المعنى ما يسنده ولا ما يقيم حجته...
    فإن غاية ما يفيده الاستعمال اللغوي، أن الإيعاد يمكن أن أن يتخلف لغة، ولا يعتبر ذلك نقصا لمن يعفو عمن أوعده وتوعده العذابَ...نعم هذا صحيح...ولكن من أين أن هذا يستلزم لزوم خلف الإيعاد والوعيد...ولا تتم حجته إلا بأن يقرر وجوب التخلف لا مجرد جوازه...
    ثم نزيد الأمر تدقيقا وتحقيقا، فنقول:
    إن ما ورد في أهل الجنة كان مجموع أمرين:
    وعد وإخبار من الله تعالى أنه سوف يثيبهم الجنة بفضله. وكلام الله تعالى وخبره صدق وحق، لا يصح تخلفه، لأن ذلك يستلزم الكذب. ونحن نعلم جميعا أن تنعيم المؤمنين وإثابتهم الجنة ليس بواجب على الله تعالى، فضلا عن أن يكون دائماً.
    فسمي خبره وعدا في مقابل الوعيد، لأن فيه إخبارا عن النعيم الذي سوف يلاقونه، بناء على غلبة استعمال الوعد في الخير، والوعيد في غيره.
    وما ورد في أهل ذنوب: وعد لهم بالثواب في الجنة على الأعمال الصالحة التي قاموا بها...ووعيد لهم على ما قاموا به من معاصٍ وآثام....ولكن الوعيد تمَّ تعليقه بالمغفرة، وتم النص في الشريعة على أن الله تعالى له أن يغفر لهم، وأن يقبل شفاعة الشافعين. فعلمنا أن الأصل أنهم يعذبون ولكن يجوز العفو عنهم، ولعفو يكون بفضل الله تعالى، وهذا قد يكون قبل تعذيبهم أو بعده.
    إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)
    فلم يوجد في الشريعة أن كل عاصٍ فهو بالضرورة معذَّبٌ، وأنه لا يجوز العفو عنه، فلذلك قلنا بقدر الحد الوارد في الشريعة في حق العصاة من المؤمنين.
    أما الكفار، فالوارد في حقهم كما رأينا، وعيد على أعمالهم....وورد أيضا إخبار بأنهم خالدون فيها، وورد أيضاً أنهم لا يُخرجون ولا يسمح لهم بالخروج، وغير ذلك مما سبق بيانه...
    فنحن إنما نتكلم بحسب الحد الوارد في الشريعة في حق هؤلاء أيضا، فلا نقول إن تعذيب الله تعالى إياهم في النار واجب عقلا، لا دائما ولا لحظة، بل إن الله تعالى كان يجوز في العقل المحض أن لا يعذب أحدا منا لناس، كما كان يجوز أن لا يثيب أحدا، فلا شيء من الثواب والعقاب عليه بواجب أصلاً.، وهذا على أصل الأشاعرة من أنّ العفو عن الكفر جائز عقلا لا سمعاً، دون ظاهر كلام الماتريدية من أن العفو عن الكفر غير جائز عقلاً ولا سمعا بالطيع.
    فيقول الأشاعرة مع الجواز العقلي للعفو: لكن لمّا أخبَرَنا جل ذكره، أن أهل الكفر والعناد والشرك والنفاق سيكونون خالدين في النار معذبين لا يخرجون منها، وأنَّ عذابهم مؤبد.. قلنا بما هو وارد في الشريعة من خبر مقطوع به، ولم نتعلق بما قد توحيه أوهام بعض الناس، فلم نقل: إن الوعيد من حيث هو وعيد يجوز تخلفه، فلذلك فسوف يطهر لله تعالى الكفار، ويخرجهم من النار مطهرين منها، بحيث يستلزم القول ببقائهم وعدم موتهم في الدار الآخرة، وأنهم داخلون في دار للنعيم المقيم بعد عذابهم في النار...وذلك لتعلقنا بمجرد إمكان تخلف الوعيد....لم نقل بذلك لأنه تعلقٌ بما لا تعلق به، واستدلال بما لا دلالة فيه...
    فإمكان الخلف في الإيعاد من حيث الاستعمال اللغوي والعرف البشري لا يستلزم وجوب الخلف، ولا وقوعه بالفعل، مطلقاً...
    بل ينبغي التوقف في ذلك على أن الوعيد الوارد، إذا كان أيضاً بصيغة الخبر، فإنا نحمله على الوعيد والخبرية معاً، ونفهم منه لازميه، وهما وجوب الصدق والتحقق لأنه خبر، وخبر الله تعالى لا يتخلف، وكونه وعيدا في نفسه يستلزم كونه عذابا لا تنعيما.
    بل جاء ما يؤكد أن الله تعالى لا يغفر الشرك:
    {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}النساء48
    {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}النساء116
    {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}المائدة72
    وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}محمد34
    والمغفرة من الغفر وهو كما يقول الراغب:"الغَفْرُ: إلباسُ الشيء ما يصونه عن الدنس، ومنع قيل اغفر ثوبَك في الوعاء، واصبُغ ثوبَك فإنه أغفَرُ للوسَخِ".
    وفي تفسير ابن أبي حاتم:
    عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً إِلا حُلَّتْ لَهُ الْمَغْفِرَةُ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ اسْتَثْنَى، فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ "
    عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كُنَّا لا نَشُكُّ فِيمَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ الآيَةُ: " إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ " فَلَمَّا سَمِعْنَاهَا كَفَفْنَا عَنِ الشَّهَادَةِ وَأَرْجَيْنَا الأُمُورَ إِلَى اللَّهِ"
    وهذا الوارد عن نافع، لا يصح التعلق به وحمله على الكفار أيضا، أي لا يصح أن يقال إنهم يقولون إن الكفار قد يجوز أن يغفر الله تعالى، كما زعم في حق بعض لصحابة من قبل، فمن الواضح أنه يراد به العصاة من المؤمنين الذي ورد فيهم العذاب في النار، لأن الله تعالى حكم بجواز المغفرة لهم هنا. وإنما لا يجوز حمل عموم كلام الصحابي على الكفار، لأنه يخالف صريح قول الله تعالى بعدم المغفرة لمن مات كافراً.
    وفي تفسير ابن أبي حاتم: " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: " " وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ " " إِلَى قَوْلِهِ " " وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ " قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: " إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ " فَحَرَّمَ اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَهُوَ كَافِرٌ".
    قال الطبري في تفسير قوله تعالى(إن الله لا يغفر أن يشرك به...): "يعني بذلك جل ثناؤه:"يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم"وإن الله لا يغفر أن يشرك به، فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام".
    وقال الإمام الرازي: "قوله : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } معناه لا يغفر الشرك على سبيل التفضل لأنه بالاجماع لا يغفر على سبيل الوجوب ، وذلك عندما يتوب المشرك عن شركه ، فاذا كان قوله : إن الله لا يغفر الشرك هو أنه لا يغفره على سبيل التفضل ، وجب أن يكون قوله : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } هو أن يغفره على سبيل التفضل؛ حتى يكون النفي والاثبات متواردين على معنى واحد".
    فهذا كله وغيره كثير يدل على ضعف ما تمسك به المتمسك من الفرق بين الوعد والوعيد. فإن في عدم المغفرة للكفار أخبارا لا مجرد وعيد حتى يبقى جواز العفو والمغفرة لهم. فإن الخبر الوارد بعدم المغفرة لهم قطعَ احتمالَ تخلف الوعيد في حقهم من أصله. فلم يبق له متعلَّق.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  7. خاتمة

    لم نذكر في هذا الرد جميع ما تخلل كلامه من أغاليط، ولكنا اقتصرنا على ما رأيناه أهم ما اعتمد عليه، ولعلنا إذا تنبهنا إلى أمور أخرى غيرها نرجع ونكتب ردا على ما فاتنا..


    ندعو الله تعالى أن يكون كلامنا هذا قريبا إلى الصواب، فإنا ما كتبناه لمجرد التشنيع على المخالف، وإنما لغضبتنا على الدين والتعاليم الإسلامية الصحيحة أن تمتدّ إليها أيدي الجهلة والمشككين بناء على ما يقع فيه بعض الدعاة إلى الله تعالى من المتسرعين في الفكر الظانين أنهم من ألمع الناس وأشدهم ذكاء، وفي كلامهم كثير من الأغاليط والانحرافات وتسرع ظاهر. ولا نريد أن يكون في كلامنا هذا تنفير المردود عليه، فإنا ما زلنا نحسن الظنَّ فيه، ولا نعتقد أنه قال ذلك إلا لاعتقاده صوابه، وأنه من فتوحات الله تعالى عليه! وأنه الأقرب إلى فهم الإسلام.
    ومن المعلوم أنَّ مجرد ظنه ذلك، لا يستلزم كما هو ظاهر أنه كذلك في نفس الأمر، وغره فيما هو فيه اتباعه لبعض المنحرفين عن مذهب أهل السنة والجماعة كابن تيمية وابن قيم الجوزية في هذه المسألة، وكما يظهر لي في بعض جوانب كلامه أنه يرهب جانب ابن عربي الحاتمي كثيراً، حتى إنه لما نسب إليه القول بانقلاب عذاب أهل النار الذين هم أهلها إلى عذوبة، لم يستطع إلا أن يقول إن هذا رأيه بحسب ظاهر كتبه التي بين أيدينا! فرارا من التصريح بتخطئته! مع أنَّه لو كان مفكرا حراً حقيقة كما يحلو له دائما أن يصف نفسَه لاستطاع تحرير رأي ابن عربي بصراحة والتصريح بمخالفته أو موافقته، كما استطاع تحرير رأي ابن تيمية، وغيره! وهذا كله مما يبعثه على إعادة التأمل في حاله....
    ولما لم يستطع أن يتخلص من أوهام هؤلاء، علقت في ذهنه، كما صرح، واقتنع بها، وانقاد لها، خصوصا أنه كما يبدو لم يستطع الانفكاك من بعض شبهات الملاحدة -كما ألمحنا فيما سبق- على حكمة الله تعالى إلا بهذه الطريقة الباطلة ، وحاول تدعيمها بشيء من عنده، ونحن نعتقد أنهم لم يوفقوا في الاستدلال على هذه العقيدة الباطلة، كما لم يوفق هو، ولم يأت في أغلب كلامه إلا بتكرار ما قالوه، وقد تكفل بالرد على ابن تيمية وابن قيم الجوزية غيرُ واحد من العلماء، على رأسهم الإمام العلم التقي السبكيّ، رحمه الله تعالى، ولو أعاد المخالفُ النظرَ في رسالة الإمام السبكي قليلا وتمعن فيما قررناه، فإننا نرجو أن يعيد النظر في فكره وفيما اختاره من هذا الرأي الباطل.
    والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو الموفق.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
    سعيد فودة
    9-5-2012م
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. #23
    تاريخ التسجيل
    Jun 2004
    المشاركات
    2,541
    بارك الله فيكم سيدي الكريم، كفيتم ووفيتم.
    جعله الله في ميزان حسناتكم.
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

  9. أبقاك الله سيفا له.
    والسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

  10. Thumbs up كتاب: الشيخ سعيد في الرد على عدنان إبراهيم

    بارك الله فيك سيدي الاستاذ سعيد؛ وحفظك الله من كل مكروه، وجعلك سورا محيطا على عقائد المسلمين، ونفعنا الله بك في الدارين.
    وهنا أضع سيدي ردكم الماتع؛ في صورة كتاب على صيغة بي دي اف؛ ليستفيد القاري، ويكون مرجعا للباحث في عين المسألة، ولا تنسونا من صالح دعائكم.
    تلميدكم حسين.
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة
    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

  11. #26
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    جزاك الله خيراً أخي الكريم حسين...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  12. Thumbs up

    وجزاك الله خيراً، شاكرا لك المرور، والثناء، ويشرفني مروركم الكريم واستحسانكم
    اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

  13. سبحان من أعطاك كل هذا العلم ياسعيد فودة وأتمنى من الله أن أمر على الأردن للسلام عليك .

  14. جزاكم الله خيرا يا شيخ سعيد
    وجزى الله الأخ حسين على سعيه الجميل



  15. اشكر الشيخ سعيد فودة على هذا التعقيب الجميل،

    الدكتور عدنان له شطحات غريبة جدا، ولكني استفيد منه فقط في مزيد إطلاع وفي القضايا المعاصرة وكذلك انتقاداته

    ولا أحد ينكر اطلاعه الواسع ولا أعلم مدى حساسيته المفرطه في باب الخلود


    ولكن لدي إستفسار:

    إن قلت لكم!

    1- ما هو الدليل القطعي الثبوت القطعي الدلالة في أن القتل المتعمد لمؤمن كبيرة أو إثم توعد الله فاعله بالوعيد؟
    2- ما حكم القاتل المتعمد المصر على معصيته من الدليل؟

    فجوابكم للاول سيكون :{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}

    أما جوابكم للثاني (جَهَنَّمُ ) لكن من دون قوله (خَالِدًا فِيهَا )

    وهذا من غريب الامور!




    وما كل طول في الكلام بطائل ~ ولا كل مقصور الكلام قصير
    وما كل منطوق بليغ هداية ~ ولا كل زحار المياه نمير
    وما كل موهوم الظنون حقائق ~ ولا كل مفهوم التعقل نور
    وما كل مرئي البصائر حجة ~ ولا كل عقل بالصواب بصير
    وما كل معلوم بحق ولا الذي ~ تقيل علما بالأحق جدير
    ولكن نور الله وهب لحكمة ~ يصير مع التوفيق حيث يصير

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •