صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 28

الموضوع: عقيدة الإمام الزجاج السلفي (241-310 هـ)

  1. عقيدة الإمام الزجاج السلفي (241-310 هـ)

    عقيدةُ الإمامِ
    أبي إسحاق بن السري الزجاج
    الحنبلي
    (241-311 هـ )






    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ذي الحجج البوالغ , والنعم السوابغ , والنقم الدوامغ , معز الحق وناصره , مذل الباطل وقاصره , النافذ أمره، العزيز نصره، الجلي صنعه، الخفي مكره، الذي يقضي ما يريد، وإن رغم أنف الشيطان المريد , أحمده حمداً يبلغ الحق ويقتصيه ، ويمتري المزيد ويقضيه ...

    والصلاة والسلام على كاشف الغمة عن الأمة، الناطق فيهم بالحكمة، الصادع بالحق، الداعي إلى الصدق , بشير الرحمة والثواب، ونذير السطوة والعقاب ، سيدنا محمد بن عبد الله.. الذي ملكه ربّه هوادي الهدى، ودل به على ما هو خير وأبقى ...


    وبعد ,

    فهذا الموضوع يبيّن عقيدة إمام من أئمة السنّة والسلف , من أهل القرون المفضلة الثلاثة , وكان شديد الاتباع للإمام أحمد بن حنبل , فعقيدته عقيدة الإمام أحمد بن حنبل وسائر السلف الصالح ..

    وهذا الإمام السلفي قد تجاذبته الأطراف بنسبته إليها , فزعم المعتزلة أنّه منهم , وزعم المجسّمة أنه منهم..

    وكلّ يدّعي وصلا بليلى … وليلى لا تقرّ لهم بذاكا

    وهذا الإمام في الحقيقة بريء من فرث التجسيم ودم الاعتزال , بل عقيدته سُنّية خالصة سائغة للمنزّهين , تُقر عين كلّ سُنّي منزّه , وتفقأ عين كل مجسّم مشّبه ..

    هذا هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج , المولود عام (241 هـ) والمتوفى عام (310 هـ) , فإليكم بياناً لعقيدته التي تُظهر لنا عقيدة السلف الصالح , وتُثْبِت بما لا يدع مجالاً للشك براءة أئمة الحنابلة المتقدمين , من أدران التشبيه والتجسيم , وأن مذهب التجسيم طارئ على مذهب الإمام أحمد بن حنبل والإمام بريء منه ...



    ثناء العلماء عليه :



    قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (6/87) :
    ( إِبْرَاهِيم بْن السري بْن سهل، أَبُو إِسْحَاق النحوي الزجاج , صاحب كتاب «معاني القرآن» . كَانَ من أهل الفضل وَالدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، وله مصنفات حسان فِي الأدب) .


    وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان (١ / ٣١) :
    (كان من أهل العلم بالأدب والدين)

    وقال اليافعي في مرآة الجنان (حوادث ٣١٠) :
    (.. كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين، وله من التصانيف في معاني القرآن وعلوم الأدب والعربية..)

    وقال ابن منقذ في الوفيات (في وفيات سنة310) :
    (وتوفي الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج النحوي صاحب التفسير , سنة عشر وثلاثمائة ) .



    شدّة اتباعة للإمام أحمد بن حنبل :

    نقلت كتب التراجم عن الإمام الزجاج أنه كان حنبلياً , حتى رماه البعض بالتعصب للحنابلة , بل نقلت بعض الكتب أنّه كان يدعو الله تعالى أن يحشره على مذهب الإمام أحمد , فجاء في في معجم الأدباء (1/130) عن أبي اسحاق الزجاج أنه : ( آخر ما سُمِع منه : اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل!) .



    تصريحه باختيار قول أهل السنّة والجماعة :


    صرّح الإمام الزّجاج بقول أهل السنّة والجماعة في عدّة مسائل , وهذا التصريح منه قاطع لتشبث المجسمة والمعتزلة به , فليس لهم بعد هذا التصريح ما يعتمدون عليه في نسبته إليهم , ومن المواضع التي صرّح فيها اختياره مذهب أهل السنة ما يلي :

    قال في معاني القرآن (2/ 288 , ط دار الحديث) :
    ( (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) , اختلف الناس في تأويل هذا، فأولى التأويلات باللفْظ أن يكون: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) , لأنه لا يكون غير ما يشاءَ اللَّه , وهذا مذهب أهل السنة , قال اللَّه عزْ وجل: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) . والمشيئة في اللغة بيِّنة لا تحتاج إِلى تأويل , فالمعنى: ما يكون لنا أن نعود فيها إِلا أن يكون الله عزَّ وجلَّ قد سبقة في علمه ومشيئته أنا نعود فيها. وتصديق ذلك قوله: (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) ) .

    وقال في معاني القرآن (2/303) :
    ( وقوله: ((وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)) أي: أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لا ترى في الدنيا , هذا معنى (أرني انظرْ إِليك) إِلى آخره الآية ، وهو قول أهل الْعِلْم وأهل السنة ) .

    وقال في معاني القرآن (4/274) :
    (وجاء في الحديث: (لا تضامون في رؤيته)، والذي جاء في الحديث مخفف تُضَارونَ، تضامُونَ، وله وجه حسن في العربيَّةِ. وهذَا مَوضِع يحتاجِ إلى أن يُسْتَقْصَى تفسيره لأنه أصل في السنة والجماعة , ومعناه : لا يَنالُكُمْ ضيز وَلاَ ضَيمٌ في رُؤْيَته) .


    فهذه نصوصٌ صريحة في كونه من أهل السنّة والجماعة , لا من المعتزلة ولا من المجسمة , فالحمد لله .


    يتبع ...

  2. المُنتقل من مكان إلى مكان.. مُحْدَثٌ لا يصلح للإلهية :



    ذهب الإمامُ الزجاجُ إلى أنّ اتصاف الشيء بالحَدَث دليلٌ على أنّه مُحدَث , وما كان مُحدَثاً فليس بإله , ومن المواضع التي بيّن فيها تلك القاعدة , ما قاله عند تفسيره قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع النمرود , حيث قال في معاني القرآن (2/288) :
    ( وقوله جلَّ وعزَّ: ((فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ))
    يقال جَنَّ عليه الليلُ وأجَنَّهِ الليلُ إِذا أظلمَ حَتى يَستتِر بظلمته , ويقال لكل ما سَتَر قَدْ جَنَّ، وقد أجَن، ويقال جَنَّه الليلُ، ولكن الاختيار جَنَّ عليه الليل وأجَنَّه الليلُ.
    وقيل إِنَّ قومَ إبراهيم كانوا يعبدون الأصنامَ والشمسَ والقمرَ والكواكِبَ، فلما بلغ إبراهيم المبلغ الذي يجب معه النظر، وتجب به على العبد الحجة، نظر في الأشياءِ التي كان يَعبُدُها قومُه فلما رأى الكوكب الذي كانوا يعبدونه، قال لهم هَذَا رَبِّي أي فى زعمكم، كما قال الله جلَّ وعزَّ: (أيْنَ شركائي الذين كنتم تزعمون) فأضافهم إلى نفسه حكاية لقولهم.
    (فَلَمَّا أَفَلَ) , أي فلما غاب، يقال أفَلَ النجمُ يأفِل وبَأفُلُ أُفُولًا، إذا غَابَ.
    (قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) , أي لا أحب من كانت حالته أن يطلع وَيسِير على هيئةٍ يُتبين معها أنه محدَث , منتقل من مكان إلى مكان ، كما يَفْعَلُ سائرُ الأشياءِ التي أجمعتم معي على أنها ليست بآلهة ، أي لا أتخِذُ ما هذه حالُه إلهاً، كما أنكم لا تتخذون كل ما جرى مجرى هذا من سائر الأشياءِ آلِهة، ليس أنه جعل الحجة عليهم أنَّ ما غاب ليس بإِله، لأن السماءَ والأرض ظاهرتان غيرُ غائِبَتَيْنِ وليس يُدعَى فيهما هذه الدعْوَى.
    وإِنما أرادَ التبيِين لهم القريب، لأن غَيْبُوَبتهُ أقْربُ ما الَناظرون به فيما يظهر لهم، كما قال: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ. وقد قيل إنه قال هذا وهو ينظر لِنفْسِه، فكأنه على هذا القول بمنزلة قوله: - (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) . وإبراهيم قد أنبأ اللَّهُ - عز وجل - عنه بقوله : (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) ، فلا شك أنه سلِيمٌ من أن يكون
    الشك دَخَلُه في أمر اللَّه. واللَّه أعلم.
    وجائز أن يكون على إضمار القول، كأنه قال: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي) ، كأنه قال: تَقُولُون هذا ربي، أى أنتم تقولون هذا رَبي، كما قال جلَّ وعزَّ: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) .
    المعنى يقولان تقبل منا. واللَّه أعلم بحقيقة هذا.
    والذي عندي في هذا القول أنه قال لهم: تقُولونَ هذا رَبي، أي هذا يُدَبرني، لأنه فيما يُرْوَى أنهم كانوا أصحاب نجوم، فاحتج عليهم بأن الذي تزعمون أنه مُدَبِّرٌ إنما يرى فيه أثر مُدَبَّر لا غير! .
    وقوله عزَّ وجلَّ: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً) و (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا) .
    يقال قد بَزَغَ القمرُ إذا ابتدأ في الطلوع، وكذلك الشمس. والحجة في الشمس والقمر كالحجة في الكوكب) .

    فاستدلّ الإمامُ الزجاج على بطلان إلهية الشمس والقمر والكواكب , بحدوث صفاتها وحركتها من مكان إلى مكان , وهذا التغيّر الذي يطرأ عليها دليلٌ على أنها مُحدَثة , وما كان محدثاً فليس إلهاً , وقد صرح بهذه القاعدة الجليلة الإمامُ الطبري في تاريخه (1/27) حيث قال : (ما لم يخل من الحدث لا شك أنه محدث) , ولهذا نقل الإمامُ الطبري في "التبصير في معالم الدين" (ص202) اجتماع الموحدين من أهل القبلة وغيرهم , على فساد وصف الله تعالى بالحركة , إذ إن الحركة حدوثٌ وتغيّر يطرأ على المتحرك , مما يدلّ على حدوثه.


    فتأمل –يا رعاك الله- كيف بيّن الإمام الزجاج أن حجّة خليل الرحمن في أن الانتقال دليل الحدوث , فالمنتقل محدَث لا محالة , وقارنه بعقيدة المجسمة التيمية الذين يُثبتون الانتقال لله تعالى –تعالى الله عن افترائهم- , فقد قال محمد خليل هرّاس في تعليقه على كتاب التوحيد لابن خزيمة (ص126) :
    ( يعني أنّ نزوله إلى السماء الدنيا يقتضي وجوده فوقها , فإنه "انتقال" من علوٌ إلى سفل!!)

    فهو ينسب الانتقالَ الدالّ على حدوثِ المنتقل وعدمِ إلهيته إلى الله تعالى , ويصرّح أيضاً بانتقال الله تعالى إلى السفل!! تعالى الله وتقدس عن ذلك .


    يتبع ....

  3. تنزيهُه اللهَ تعالى عن العلوّ الحسّي :




    يعتقد الوهابيّة التيمية بعلو الله تعالى وظهوره الحسّي , فيقول محمّد خليل هراس في شرحه لنونية ابن القيم (1/219 ط3 العلمية) بعدما فسّر ظهور الله تعالى بالظهور الحسيّ :
    ( وهذا التفسير المأثور يتعين المصير إليه , وعدم الالتفاف إلى ما سواه مما يعرف به من لا علم عندهم بمعاني أسمائه سبحانه من المعطلة , الذين يؤوّلون الظهور هنا بأنه ظهور القدرة أو الغلبة , أو بأنه ظهور في أفعاله ووضوح دلالتها على وجوده , فكلها تفاسير لا دليل عليها!) .

    فيرى هؤلاء الوهابية التيمية , أنّ تفسير ظهور الله تعالى بظهور القدرة والقهر , هو تفسير من لا علم عندهم بمعاني أسمائه سبحانه من المعطلة , لذلك سنرى هل الإمام الزجاج من هؤلاء الجهلة المعطلة عند الوهابية أم لا , بعد قراءة تفسيره لعلو الله تعالى وظهوره ..


    فقال في تفسير أسماء الله الحسنى (ص35 , ط5 دار المأمون) :
    ( والله تعالى عالٍ على خلقه بصفاته العالية وآياته القاهرة , وهو المستحق للعلو والجبروت تعالى ) .


    فتأمّل أيها الموحّد المنزه , كيف فسّر الإمام السلفي عُلوّ الله تعالى بعلوّ صفاته وقهره , فهو إذن جاهل جهمي معطل عند الوهابية التيمية!!! , وها هي القشة التي يتعلق بها الوهابية في نسبة أنفسهم للسلف قد انقطت!! , وها هو مذهبهم القبيح قد تكشف!! فكيف يجرؤ القوم على الكذب أمام الملأ ويقولون إننا سلفيون؟! بعد اتهامهم لأئمة السلف بالتجهم والجهل والتعطيل؟!!!


    وقال في تفسير أسماء الله الحسنى (ص48) :
    ( فالله تعالى عالٍ على خلقه وهو عليٌ عليهم بقدرته , ولا يجب أن يذهب بالعلو ارتفاع مكان , إذ قد بينا أنّ ذلك لا يجوز في صفاته تقدست ) .

    وهذا نصٌ واضح فاضح لمذهب المجسمة المتمسحين بالسلف الصالح , فأي سلف لهم بعد تصريح السلف بنفي العلو الحسي عن الله سبحانه وتعالى؟!


    وهذا ما ذهب إليه الإمام الطبري في تفسيره لاسم الله "العلي" من آية الكرسي , حيث قال : (وأما تأويل قوله:"وهو العلي" فإنه يعني: والله العلي. و"العلي""الفعيل" من قولك:"علا يعلو علوا"، إذا ارتفع،"فهو عال وعلي" ، "والعلي" ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته ) .

    وهذا صريح في إثباته علوّ القدرة ونفيه العلو الحسي , فكيف يصنع الوهابية التيمية بعد هذا؟!

    فتأمل هذا أيها السُّنّيُ المنزه مع ما يقوله الوهابية التمية من العلو الحسي المكاني , ففي " شرح نونية ابن القيم " لمحمد خليل هراس (249) يقول :
    ( وهو صريح في فوقية الذات لأنه ذكر أن العرش فوق السموات و هي فوقية حسية بالمكان فتكون فوقية الله على العرش كذلك!!!)

    فأيهما أحق بالاتباع... الإمام الزجاج والإمام الطبري وسائر السلف الصالح , أم هؤلاء الوهابية التيمية؟!!


    وقال في تفسير أسماء الله الحسنى (ص60) عند تفسيره اسم "الظاهر" :
    ( هو الذي ظهر للعقول بحججه , وبراهين وجوده , وأدلة وحدانيته , هذا إن أخذته من الظهور , وإن أخذته من قول العرب : ظهر فلان فوق السطح إذا علا , ومن قول الشاعر : "وتلك شكاة ظاهر عنك عارها"
    فهو من العلو , والله تعالى عالٍ على كلّ شيء , وليس المراد بالعلو هنا : ارتفاع المحلّ , لأن الله تعالى يجلّ عن المحل , والمكان , وإنما العلو علوّ الشأن وارتفاع السلطان ) .

    لهفي عليكم أيها المجسمة كيف ستصنعون وماذا ستقولون؟!! أمام هذه النصوص القواطع والحجج السواطع!!

    فهو يرى أن علوَّ الله تعالى وظهور هو علوّ شأنٍ وسلطان , لا علوَّ محلٍّ ومكان , وبهذا فسّر الإمامُ الطبري الاستواء , حيث قال في تفسيره (ج1/ص457) :
    ( وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه: { ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن } ، علا عليهن وارتفع فدبرهنّ بقدرته وخلقهنّ سبع سموات. والعجبُ ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: { ثم استوى إلى السماء } ، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع ، هربًا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه -إذا تأوله بمعناه المفهم كذلك- أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها- إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر . ثم لم يَنْجُ مما هرَب منه ! فيقال له : زعمت أن تأويل قوله { استوى } أقبلَ ، أفكان مُدْبِرًا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل ، ولكنه إقبال تدبير ، قيل له : فكذلك فقُلْ : علا عليها علوّ مُلْك وسُلْطان، لا علوّ انتقال وزَوال) .

    فانظر أيها المنزّه تفسيرَ الإمام الزجاج لاسم الله تعالى ((الظاهر)) بعلو شأنه وسلطانه , وقارنه بما قاله المجسّمة من ارتفاع محلّه وظهوره الحسي الجسماني , حيث يقول ابن القيم فى نونيته :

    هذا وثاني عشرها وصف الظهو**** ــر له كما قد جاء في القرآن
    والظاهر العالي الذي ما فوقه**** شيء كما قد قال ذو البرهان
    حقا رسول الله ذا تفسيره**** ولقد رواه مسلم بضمان
    فاقبله لا تقبل سواه من التفا**** سير التي قيلت بلا برهان
    والشيء حين يتم منه علوه**** فظهوره في غاية التبيان
    أو ما ترى هذي السما وعلوها**** وظهورها وكذلك القمران
    والعكس أيضا ثابت فسفوله**** وخفاؤه اذ ذاك مصطحبان
    فانظر الى علو المحيط وأخذه**** صفة الظهور وذاك ذو تبيان
    وانظر خفاء المركز الأدنى ووصف**** السفل فيه وكونه تحتاني
    وظهوره سبحانه بالذات **** مثل علوه فهما له صفتان
    لا تجحدنها جحود الجهم أو**** صاف الكمال تكون ذا بهتان
    وظهوره هو مقتض لعلوه**** وعلوه لظهوره ببيان!!


    فهو يرى أنّ ظهور الله تعالى ظهورٌ حسيٌ ذاتي , تعالى الله عن هذا الإفك العظيم والافتراء الجسيم , ثم يأتي بعد ذلك لينسب نفسه إلى السلف الصالح!! وأي سلف هؤلاء!! فها هو الإمام الزجاج من أئمة السلف ينفي الظهور الحسي المكاني !!! فهو عند ابن القيم ومقلديه جهمي معطل جاهل !! وبذلك ينكشف القناع عن المنتسبين إلى السلف زوراً وبهتاناً , ويظهر لكلّ ذي عينين اتباع أهل السنة الأشاعرة للسلف الصالح حذو القذة بالقذة .


    يتبع.........

  4. تنزيهُه اللهَ تعالى عن الأجزاء :



    بيّن الإمام الزجاجُ استحالة اتصاف الله تعالى بالأجزاء , والتي يسميها بعض المجسمة اليوم (بالأعيان) هروباً منهم من لفظ الأجزاء مع إثباتهم لمعناه , فنفى عن الله تعالى اللطافة بمعنى قلة الأجزاء , ونفى عنه الكِبَرَ والعظمةَ بمعنى كثرة الأجزاء , وذلك لأن الله تعالى واحد أحدٌ له الوحدانية المطلقة , أما ما سواه من الخلق فليس لهم الوحدانية الحقيقية المطلقة , لأنّ كلّ ما سوى الله تعالى آحاد تركّبت .

    فقال في تفسير أسماء الله الحسنى (ص45) :
    ( فأمّا اللطف الذي هو قلّة الأجزاء , فهو مما لا يجوز عليه سبحانه ) .

    وقال أيضاً في تفسير أسماء الله الحسنى (ص46) :
    ( العظيم : المعظَّم , في صفة الله تعالى يفيد عِظَمَ الشأن والسلطان , وليس المراد به وصفه بِعِظَم الأجزاء , لأن ذلك من صفات المخلوقين , تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ) .

    وقال في تفسير أسماء الله الحسنى (ص48) :
    ( الكبير : الكبر ههنا أيضاً يُراد به كِبَرُ القدرة , ولا يجوز أن يذهب به مذهب زيادة الأجزاء على ما بيّنّا ) .

    وقال في تفسير أسماء الله الحسنى (ص50) عند تفسيره اسم الجليل :
    ( والوجه الآخر أن يكون المراد به عظم الجثة , وكثرة الأجزاء , وهذا لا يجوز على الله –سبحانه- ) .

    وقال في تفسير أسماء الله الحسنى (ص57) :
    ( والله تعالى هو الواحد في الحقيقة , وما سواه آحاد تركبت ) .


    فانظر عقيدة هذا الإمام السلفي الحنبلي قبل أن ينتسب المجسمة للحنابلة , كيف صرّح بتنزيه الله تعالى عن الأجزاء , وبيّن أن اللهَ تعالى هو الواحد في الحقيقة , لأنّ الله تعالى منزّه عن التركّب , أمّا ما سوى الله تعالى وإن كان واحداً لكنّه مركب من أجزاء , فوحدانيته إضافية وليست حقيقة , وذلك لأنه ما من مخلوق إلا ويقبل القسمة الذهنية أو الفعلية , فيكون حينئذ واحداً باعتبار ومركباً باعتبار آخر , فزيدٌ مثلاً واحد باعتبار عدم صدقه على غيره , لكنّه مركّب باعتبار اشتماله على اليد والرجل والرأس والعين والأذن , فواحديته إضافية وليست حقيقية , أمّا الله تعالى فله الوحدانية الحقيقية , وهي كما قال الراغب في مفرداته : (الوحدة: الانفراد، والواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة) , وقال ابن منظور في اللسان ج3: (الواحد هو الذي لايتجزأ ولا يتثنى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل) , وقال القرطبي في المقصد الأسنى ج1 : (الواحد هو الذي لايتجزأ ولا يتثنى، أما الذي لايتجزأ فكالجوهر الواحد الذي لا ينقسم. فيقال إنه واحد بمعنى أنه لا جزء له البتة. و كذا النقطة لا جزء لها. والله واحد بمعنى أن يستحيل تقدير الانقسام في ذاته . وأما الذي لا يتثنى فهو الذي لا نظير له كالشمس مثلاً، فإنها وإن كانت قابلة للانقسام بالوهم متجزئة في ذاتها لأنها من قبيل الأجسام فهي لا نظير لها. إلا أنه يمكن أن يكون لها نظير. فإن كان في الوجود موجود منفرد بخصوص وجوده تفرداً لا يمكن أن يشاركه غيره فيه أصلاً فهو الواحد المطلق أزلاً وأبداً) .

    فأين هذا ممّا يقوله الوهابية المجسمة في ذات الله تعالى , من الأجزاء والآلات التي يسمونها تلبيساً على الناس أعياناً؟!! بل ويصرّح بعضهم بأنها أجزاء وآلات , حيث قال المجسم محمّد خليل هرّاس في تعليقه على كتاب التوحيد (ص63 ط دار الجيل) :
    ( فإن القبض إنما يكون باليد الحقيقية , لا بالنعمة , فإن قالوا : إن الباء هنا للسببسة , أي بسبب إرادته الإنعام , قلنا لهم : وبماذا قبض؟ فإن القبض "محتاج" إلى "آلة"!!) .

    فهو يصرح بالاحتياج وبالآلة , خلافاً لمن يهرب منهم من لفظ الآلة والجزء مع إثباتها معناهما .

    وقال أيضاً (ص89) :
    ( ومن أثبت الأصابع لله تعالى , فكيف ينفي عنه اليد , والأصابع "جزءٌ" من اليد!!)

    فههنا يصرّح أيضاً بالجزء , ولم يتهرب من ذلك التصريح كما يتهرب أصحابه اليوم , بل كان مجسماً صريحاً مع نفسه بخلاف أصحابه!


    يتبع .....

  5. إثباته رؤية الله تعالى في الآخرة لا الدنيا من غير إحاطة بحقيقته :



    قال في معاني القرآن (2/225) :
    (وقوله عزَّ وجلَّ: ((لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ))
    أعلم عزَّ وجلَّ أنَّه يُدْرِك الأبصارَ، وفي هذا الإعْلَام دَليلُ أن خَلْقَهُ لا يُدْرِكُونَ الأبْصَارَ، أي لا يَعْرفونَ كيف حَقيقَةُ البَصَر، وما الشيء الذي صار به الِإنسان يُبْصرُ بعَيْنَيه دُونَ أنْ يُبْصِرَ من غيرهما من سائر أعضائه، فأعلم أنْ خَلْقاً مِنْ خَلْقِهِ لَا يُدْرِك المخلوقون كنهه، ولا يحيطون بعلمه، فكيف به عزَّ وجلَّ؟!! , فالأبصار لا تحيط به , (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) .
    فأما ما جاءَ من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول اللَّه فغير مدفوع , وليس في هذه الآية دَلِيلٌ عَلَى دفْعِه، لأن معنى هذه الآية معنى إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته , وهذا مذهب أهل السنة والعِلْمِ والحديث) .

    وقال في معاني القرآن (2/303) :
    (وقوله: ((وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)) أي: أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لا ترى في الدنيا) .

    وقال في معاني القرآن (4/274) :
    (وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قيل له: أنرى رَبَّنَا يا رسول اللَّه؟
    فقال: أَتُضَارُّن في رُؤية الشَمْسِ والقمر في غير سحَابٍ؟ قالوا: لا، قال فإنكم لا تُضَارُونَ في رُؤيته. وجاء في الحديث: (لا تضامون في رؤيته)، والذي جاء في الحديث مخفف تُضَارونَ، تضامُونَ، وله وجه حسن في العربيَّةِ. وهذَا مَوضِع يحتاجِ إلى أن يُسْتَقْصَى تفسيره لأنه أصل في السنة والجماعة , ومعناه : لا يَنالُكُمْ ضيز وَلاَ ضَيمٌ في رُؤْيَتهِ , أي ترونه حتى تستووا في الرؤية فلا يَضِيمُ بعضُكم بَعْضاً، ولا يِضِيرُ بعضكم بعضاً) .

    وقال في معاني القرآن (5/232) :
    ( وقوله جل ثناؤه: ((كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)) .
    وفي هذه الآية دليل على أن الله يُرَى في الآخرة، لولا ذلك لما كان في هذه الآية فائدة، ولا خسَّت منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن اللَّه - عزَّ وجلَّ - , وقال تعالى في المؤمنين: ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) , فأعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أن المؤمنين ينظرون إلى اللَّه، وأن الكفارَ يُحْجَبُونَ عَنْه ) .

    وهذا دليلٌ على أنّ الإمام الزجاج سُنّي لا معتزلي كما زعم بعضهم .


    معنى الآية : (جََعلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) :


    يحتج المعتزلة بهذه الآية على خلق القرآن , فيقولون بأنّ معنى جعلناه أي خلقناه , لأن الجعل هو الخلق , لكنّ الإمام الزجّاج يفسّر الجعل في الآية بالتبيين لا الخلق , فقال في معاني القرآن (4/308) :

    (وقوله عزَّ وجلَّ: ((إِنَّا جََعلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ))
    معناه : إِنا بيَّنَّاه قرآنا عربياً ) .


    يتبع ........

  6. تأويله الوجه المضاف إلى الله تعالى :




    سلك الإمامُ الزجاج مسلك أهل السنّة في نصوص الآيات المتشابهات , واختار مذهب التأويل فيها , فقد أوّل الوجه عند إضافته إلى الله تعالى بمعانٍ متعددة , حسب ما يدلّ عليه السياق ..


    - فقال في معاني القرآن (1/302) :
    ( ومعنى: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) .
    هذا خاص لِلْمُؤْمِنِينَ، أعْلمهم أنه قد عَلِم أنهم يريدون بِنَفقتهم : ما عند اللَّه جلَّ وعزَّ )

    - وقال في معاني القرآن (1/328) :
    (قال اللَّه عزَّ وجلَّ - : ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)) , وقال: (ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ) المعنى: ويبقى ربك , والمعنى : كل شيءٍ هالك إلا اللَّه عزَّ وجلَّ)

    - وقال في معاني القرآن (3/229) :
    ( "يريدون وجهه"، أي لا يقصدون بعبادتهم إلا إياه )

    - وقال في معاني القرآن (4/119) :
    ( (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) , (وَجْهَهُ) منصوب بالاستثناء، ومعنى (إِلَّا وَجْهَهُ) : إلا إياه ) .

    - وقال في معاني القرآن (4/143) :
    ( وقوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) .
    أي وما أَعْطَيتُمْ من صَدَقَةٍ لا تطلبون بها المكافأة , وإنما يقصدون بها : ما عند اللَّه ) .

    - وقال في معاني القرآن (5/201) :
    (وقوله: ((إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا))
    المعنى يقولون إنما نطعمكم لوجه اللَّه، أي: لطلب ثواب اللَّه - عزَّ وجلَّ -. ) .

    - وقال في معاني القرآن (5/257) :
    ( ((إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى)) , أي : إلا طلب ثوابه ) .


    فقد أوّل الإمام الزجاجُ الوجه بعدّة تأويلات , وهكذا سار في تأويل تلك الآيات المتشابهات , فمن الأمثلة على ذلك :


    يتبع ....

  7. تأويله العين المضافة إلى الله تعالى :



    قال في معاني القرآن (3/229) :
    (ومعنى: (بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) , أي : بإبْصَارنا إليْكَ وحفظنا لك , وبما أوحيْنا إليْك ) .




    تأويله "الاستواء على العرش" بالاستيلاء :


    قال في معاني القرآن (3/229) :
    ( وقوله: ((الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) .
    الاختيار الرفعُ، ويجوز الخفض على البدل من " منْ " المعنى تنزيلاً من خالق الأرض والسَّمَاوَات الرحمن، ثم أخبر بعد ذلك فقال: ((على العرش استوى)) ، وقالوا معنى (استوى) : استولى , واللَّه أعلم , والذي يدل عليه استوى في اللغة على ما فعله من معنى الاستواء) .

    ومعلوم أنّ الإمام الزجاج إمام من أئمة اللغة , ولو لم يكن "الاستيلاء" من معاني الاستواء في اللغة كما زعم بعضهم لما ذكره , ولو لم يسمع تفسير الاستواء بالاستيلاء عن أئمة السلف المفسرين لما نسبه إليهم , وقد ذكر أيضاً الإمامُ الطبري أنّ من معاني "الاستواء على" هو الاستيلاء , فقد قال في تفسيره عند ذكره معاني الاستواء في اللغة (1/220) :
    (الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه:
    - منها انتهاءُ شباب الرجل وقوّته، فيقال إذا صار كذلك: قد استوى الرّجُل.
    - ومنها استقامة ما كان فيه أوَدٌ من الأمور والأسباب، يقال منه: استوى لفلان أمرُه. إذا استقام بعد أوَدٍ، ومنه قول الطِّرِمَّاح بن حَكيم:
    طَالَ عَلَى رَسْمِ مَهْدَدٍ أبَدُهْ... وَعَفَا وَاسْتَوَى بِهِ بَلَدُه

    يعني: استقام به.
    - ومنها: الإقبال على الشيء , يقال استوى فلانٌ على فلان بما يكرهه ويسوءه بَعد الإحسان إليه.
    - ومنها. الاحتياز والاستيلاء ، كقولهم: استوى فلان على المملكة. بمعنى احتوى عليها وحازَها.
    - ومنها: العلوّ والارتفاع، كقول القائل، استوى فلان على سريره. يعني به علوَّه عليه ) .

    فقد ذكر (الاستيلاء) من معاني الاستواء إذا عُدّي بـــ"على" , ومن حفظ حجّة على من لم يحفظ .


    يتبع .........

  8. تأويله الظرفية المكانية بالتدبير :



    قال في معاني القرآن (2/184) :
    ( وقوله جلَّ وعزَّ: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ))
    " في " موصولة في المعنى بما يدل عليه اسم اللَّه، المعنى هو الخالق العالم بما يصلحُ به أمرُ السماءِ والأرضِ، المعنى : هوَ المتفرد بالتدبِير في السَّمَاوَات والأرض، ولو قلت هو زيد في البيت والدار لم يجز إِلا أن يكون في الكلام دليلٌ على أن زَيداً يدبر أمر البيت والدار، فيكون المعنى هو المدَبِّر في الدارِ والبيتِ، ولو قلتَ هو المعتَضِد الخليفة في الشرق والغَربِ، أو قلت هو المعتَضِدُ في الشرق والغَربِ جَازَ على هذا.
    ويجوز أن يكون خَبَراً بعد خبرٍ كأنه قيل إِنه هو اللَّه، وهو في السَّمَاوَات وفي الأرض، ومثل هذا القول الأول - (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) , ويجوز أن يكون وهو الله في السَّمَاوَات وفي الأرض، أي هو المعبود فيهما، وهذا نحو القول الأَول) .


    يتبع...

  9. تأويلُه "عند ربك" بعندية الرحمة والإحسان لا عندية المكان:




    قال في معاني القرآن (2/322) :
    (وقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ)) , يعنى به الْملاَئكة.
    (وَيُسَبِّحُونَهُ) ينزهُونَهُ عَن السوءِ.
    فإِن قال قائل: الله جل ثناؤُه في كل مكانٍ، قال الله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) , فمن أين قيل للملائكة: (عِنْدَ رَبِّكَ)؟
    فتأويله إنَهُ من قَرُب من رحمة الله وَمِنْ تَفَضُلِهِ وإِحسانه) .


    فها هو الإمام السلفي الزجاج , يُؤوّل العندية ولا يحملها على العندية الحسية الحقيقية , بخلاف المجسمة الوهابية الذين يحملونها على العندية الحقيقية , وفي هذا كشف لحقيقتهم التي يحاولون إخفاءها , فقد قال محمد خليل هراس –الذي وصفه الوهابي عبد الفتاح سلامة :بالإمام الكبير العلاَّمة، السلفيُّ، المحقِّق!!- , قال في شرحه نونية ابن القيم (1/217 ط3 العلمية) :
    ( يقال لهؤلاء الجهمية الذين ينفون العندية الحقيقية , المسلتزمة لقرب بعض عباده منه قرباً حقيقياً , كما دلّت عليه الآيات والأحاديث!! , بماذا تفسرون تلك العندية؟) .

    فأين هذا التفسير الجسماني من تفسير الزجاج السلفي؟!

    ولا يقصد الإمام الزجاج بقوله أن الله تعالى في كلّ مكان أي بذاته , بل في العلم , والدليل على ذلك :

  10. تأويله المعية بمعية العلم :




    قال في معاني القرآن (5/108) :
    ( وقوله عزَّ وجلَّ: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) .
    أي : ما يكون من خَلْوَةِ ثلاثةٍ يسرون شيئاً وَيتناجون به إلا وهو رابعهم عالم به، وهو في كل مكانٍ، أي بالعلم ) .


    يتبع....

  11. تأويلُه إحاطة الله تعالى للخلق بإحاطة العلم والقدرة :




    قال في معاني القرآن (4/297) :
    ( (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) , أي : عالم بكل شيء , علماً يحيطُ بما ظَهَر وَخَفِيَ ) .


    وقال في معاني القرآن (5/238) :
    ( وقوله: ((وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ)) أي : لا يعجزه منهم أحد , قدرته مُشْتَمِلة عليهم) .


    فهذا الإمام الزجاج أحد أئمة السلف من أهل القرون المفضلة , قد أوّل الإحاطة بإحاطة العلم والقدرة , فأين يذهب المجسمّة التيمية الوهابية , الذين يقولون بالإحاطة الحسيّة المكانية؟! وكيف لا يستحيون من الله تعالى ومن خلقه ومن أنفسهم بنسبة أنفسهم للسلف الصالح؟!! أما زال عندهم الجرأة على التدليس على عباد الله تعالى باسم السلفِ والسلفُ منهم بريؤون؟!! واقرأ ما قاله أحد رؤوس الوهابية وهو محمد خليل هراس –الذي وصفه ابن باز العلامة السلفي- في تعليقه على كتاب التوحيد لابن خزيمة , حيث قال (ص116 ط دار الجيل) ما نصّه :
    ( واعلم أنّ هذه الأسماء الأربعة : "الأول والآخر والظاهر والباطن" دلّت على إحاطته "الزمانية" و "المكانية" بجميع الخلق)!!!!


    كَبُرت كلمة تخرج من أفواههم وسطرتها أيديهم , وتعالى الله سبحانه وتقدّس عن إفكهم وغيّهم ..

    وقال أيضاً في شرحه للواسطية عن هذه الأسماء الأربعة : "الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ" :
    ( فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي ( صَحِيحِهِ ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ : اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ ، وَرَبَّ الْأَرْضِ ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى ، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ؛ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ ، أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ .» فَهَذَا تَفْسِيرٌ وَاضِحٌ جَامِعٌ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَظَمَتِهِ سُبْحَانَهُ ، وَأَنَّهُ مُحِيطٌ بِالْأَشْيَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .
    فَالْأَوَّلُ وَالْآخِرُ : بَيَانٌ لِإِحَاطَتِهِ الزَّمَانِيَّةِ .
    وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ : بَيَانٌ لِإِحَاطَتِهِ الْمَكَانِيَّةِ )


    وقال ابن القيم مثل هذا في طريق الهجرتين (ص24 ط6 الكتاب العربي) :
    (وهو تبارك وتعالى كما أنه العالي على خلقه بذاته فليس فوقه شيء , فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء , بل ظهر على كل شيء فكان فوقه , وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه , وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه , وكل شيء في قبضته , وليس شيء في قبضة نفسه , فهذا أقرب لإحاطة العامة.
    وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابديه وسائليه وداعيه وهو من ثمرة التعبد باسمه الباطن قال الله تعالى : ((وإذا سألك عبادى عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان)) فهذا قربه من داعيه , وقال تعالى ((إن رحمت الله قريب من المحسنين )) فذكر الخبر وهو قريب عن لفظ الرحمة وهي مؤنثة إيذانا بقربه تعالى من المحسنين فكأنه قال إن الله برحمته قريب من المحسنين وفي الصحيح عن النبي قال (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )) , ((وأقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل)) , فهذا قرب خاص غير قرب الإحاطة وقرب البطون!!)

    فهو يرى أنّ الله تعالى هو الأعلى بذاته والأدنى بذاته!! ويرى أن ظهور الله تعالى ظهور حسي وبطونه بطون حسي!!!

    ثم يقول بعد ذلك (ص27) ما نصّه :
    ( فأولية الله - عز وجل - سابقة على أولية كل ما سواه , وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه , فأوليته سبقه لكل شيء وآخريته بقاؤه بعد كل شيء , وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء , ومعنى الظهور يقتضي العلو , وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه!!, وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه , وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه هذا لون وهذا لون , فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة , وهي إحاطتان : زمانية ومكانية!!! , فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل والبعد , فكل سابق انتهى إلى أوليته وكل آخر انتهى إلى آخريته , فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر , وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن , فما من ظاهر إلا والله فوقه , وما من باطن إلا والله ودونه!! , وما من أول إلا والله قبله , وما من آخر إلا والله بعده , فالأول قِدَمُه , والآخر دوامه وبقاؤه , والظاهر علوه وعظمته , والباطن قربه ودنوه , فسبق كل شيء بأوليته , وبقي بعد كل شيء بآخريته , وعلا على كل شيء بظهوره , ودنا من كل شيء ببطونه ) .

    فهو يصف الله تعالى بالظهور والعلوّ المكاني , بل ويزداد جرأة على الله تعالى فيصفه بالدنو الحقيقي!! , ويفرّق بين هذا القرب الحسيّ وبين قرب الحبيب من حبيبه وقرب الساجد من ربّه , فهذا لون وهذا لون!!! ويرى أن الله تعالى محيط بالعالم إحاطة مكانية!!

    فبالله عليكم دلّوني من هم السلف الذين قالوا هذا القول , وتجرؤوا هذه الجرأة!!

    وكيف -مع هذه الأقوال الشنيعة- ينخدع أحدٌ بمثل هذه الترهات والبدع؟!



    وقد تلقى ابن القيم هذه العقيدة عن إمامه ابن تيمية , الذي قال بهذه العقيدة تصريحاً لا تلميحاً , فقد قال ابن القيم في بيان تلبيسه , رداً على كلام الرازي عندما قال : "وإنما قلنا لو كانت الأرض كرة ، امتنع كون الخالق في شيء من الأحياز . وذلك لأن الأرض إذا كانت كرة ، فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى سكان أهل المشرق ، هي تحت بالنسبة لسكان أهل المغرب . وعلى العكس . فلو اختص الباري تعالى بشيء من الجهات . لكان تعالى في جهة التحت بالنسبة لبعض الناس وعلى العكس وذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين الخصم . فثبت : أنه يمتنع كونه تعالى مختصا بالجهة"

    ولم يتوقع الإمام الرازي أن يأتي أحد خصومه , ويعتقد أن ما ادّعاه الإمام الرازي باطلاً باتفاق ليس باطلاً!

    فقال ابن تيمية في الرد على كلام الرازي :
    ( وإذا ظهر هذا علم أن الله سبحانه لا يكون في الحقيقة قط إلا عاليا , وذلك يظهر بالوجه الثاني:
    وهو أن يقال هذا الذي ذكرته وارد في جميع الأمور العالية من العرش والكرسي والسموات السبع وما فيهن من الجنة والملائكة والكواكب والشمس والقمر ومن الرياح وغير ذلك , فإن هذه الأجسام مستديرة كما ذكرتُ , ومعلوم أنها فوق الأرض حقيقة , وإن كان على مقتضى ما ذكرته تكون هذه الأمور دائما تحت قوم كما تكون فوق آخرين , وتكون موصوفة بالتحت بالنسبة إلى بعض الناس وهي التحتية التقديرية الإضافية , وإن كانت موصوفة بالعلو الحقيقي الثابت , كما أنها أيضا عالية بالعلو الإضافي الوجودي دون الإضافي التقديري , وإذا كان الأمر كذلك ولم يكن في ذلك من الإحالة إلا ما هو مثلما في هذا ودونه , لم يكن في ذلك محذورا!!!! , فإن المقصود أن الله فوق السموات وهذا ثابت على كل تقدير!!!!!!
    وهذا يظهر بالوجه الثالث: وهو أن يقال هذا الذي ذكرتَه –أي الرازي- من هذا الوجه لا يُدفع!!! , فإنه كما أنه معلوم بالحساب والعقل فإنه ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر" فأخبر أنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء , وأنه الباطن الذي ليس دونه شيء , فهذا خبر بأنه ليس فوقه شيء في ظهوره وعلوه على الأشياء , وأنه ليس دونه شيء فلا يكون أعظم بطونا منه حيث بطن من الجهة الأخرى من العباد!!!, جمع فيها لفظ البطون ولفظ الدون , وليس هو لفظ الدون بقوله وأنت الباطن فليس دونك شيء فعلم أن بطونه أوجب أن لا يكون شيء دونه , فلا شيء دونه باعتبار بطونه , والبطون يكون باعتبار الجهة التي ليست ظاهرة!!!
    ولهذا لم يقل أنت السافل ولهذا لم يجئ هذا الاسم الباطن كقوله: "وأنت الباطن فليس دونك شيء" إلا مقرونا بالاسم الظاهر الذي فيه ظهوره , وعلوه فلا يكون شيء فوقه , لأن مجموع الاسمين يدلان على الإحاطة والسعة!!!! وأنه الظاهر فلا شيء فوقه والباطن فلا شيء دونه) .


    إلى أن قال :
    (وتمام هذا بالوجه الرابع: وهو أن يقال إذا كان البارى فوق العالم وقلت أنه يلزم من ذلك أن يكون في جهة التحت بالنسبة إلى بعض الناس , فلم قلت أن هذا ممتنع؟ وأنت لم تذكر على امتناع ذلك حجة عقلية ولا سمعية؟! ولو قدر أن ذلك نقص فعندك ليس في الأدلة العقلية ما يحيل النقص على الله تعالى , مع أنه قد علم بالعقل والشرع أن هذا ليس بنقص بل هذا غاية الكمال والإحاطة , كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم)!!!

    فهو يرى أن الله تعالى الأعلى من كلّ شيء , والأدنى من كلّ شيء , فلا شيء فوقه , ولا شيء دونه! وكما أنّه ظاهر من جهة للعباد , فهو باطن من الجهة الأخرى للعباد!!!
    فهو يلتزم بما قاله الرازي , بل ويرى عدم وجود دليل نقلي أو عقلي , على بطلان كون الله تعالى تحت بعض العباد؟!! وأكثر من ذلك يرى كون الله تحت بعض العباد هو المعلوم بالعقل والنقل!!!!



    فلا أملك هنا إلا أن أقول : اللهم إنّا نبرأ إليك مما يقول هؤلاء!



    يتبع......

  12. موضوع متميز . بارك الله فيك .

  13. تأويله إتيان الله تعالى بإتيانه بالعذاب والحساب :




    قال في معاني القرآن (1/241) :
    ( وقوله عزَّ وجلَّ: ((هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)) .
    قال أهل اللغة معناه : يأتيهم اللَّه بما وعدهم من العذاب والحساب.
    كما قال: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أي : آتاهم بخذلانه إياهم ) .

    وقد أحال إلى هذا الموضع عند تفسيره قوله تعالى : (((وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)) من سورة الفجر , فقال (5/247) :
    ( كما قال جل ثَنَاوهُ: ((هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ)) . )

    وبما أنّ الإمام الزجّاج شديد الاتباع للإمام أحمد بن حنبل , ودعا الله تعالى أن يحشره على مذهب الإمام أحمد , فهو لم يأت بهذا القول من كيسه , بل تابع إمام مذهبه وأئمة السلف في تلك التأويلات , وقد صحّ عن الإمام أحمد أنّه تأول المجيء في سورة الفجر بمجيء القدرة , فقد نقل ابن كثير في البداية والنهاية تصحيح الإمام البيهقي لتأويل الإمام أحمد وأقرّه (5/354) فقال :
    ( روى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو ابن السمّاك عن حنبل أنَّ أحمد بن حنبل تأوّلَ قوله تعالى: (( وَجَاءَ رَبّكَ )) أنَّه جاء ثوابه ، ثمَّ قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه ) .

    وقد أقرّ بهذه الرواية جمعٌ من أئمة الحنابلة , ولم ينكروها .

    ولا تغتر بما طنطن به بعض أغيلمة الوهابية حول هذه الرواية الصحيحة , فلم يأتوا إلا بتأويلات ركيكة واعتراضات باردة , كقولهم بتفرد حنبل عن عمه , أو أن الإمام قالها لإلزام خصومه , ولم يزدادوا بتلك الاعتراضات الواهية إلا حيرة واضطراباً .


    يتبع .......

  14. تأويله النسيان بالترك:



    قال في معاني القرآن (2/372) :
    ( (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) أي : تركوا أمر اللَّه فتركهم اللَّهُ من رحمته وتوفيقه) .

    وقال في معاني القرآن (2/276) :
    ((فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا) , أي : نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاءِ يومهم هذا) .




    تأويله المخادعة بالجزاء بالعذاب :


    قال في معاني القرآن (2/100) :
    ( وقوله عزَّ وجلَّ: ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)) .
    أي يخادعون النبي - صلى الله عليه وسلم - بإظهارهم له الِإيمان وإِبطانِهم الكفْرِ، فجعل الله عزَّ وجلَّ مخادعة النبي - صلى الله عليه وسلم - مخادعة له , كما قال عزَّ وجلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) .
    ومعنى قوله: (وهو خَادِعُهُمْ) , فيه غير قول: قال بَعْضهُمْ: مُخادعةُ اللَّه إياهم جزاؤُهم على المخادعة بالعذاب، وكذلك قوله: (ويمكُرونَ ويمْكُرُ اللَّهُ) .
    وقيل وهو خادِعُهُم بأمره عزَّ وجلَّ بالقبول منهم ما أظهروا، فاللَّه خادعهُمْ بذلك) .


    يتبع ....

  15. معنى الكرسي المضاف إلى الله تعالى :



    قال في معاني القرآن (1/288) :
    (وقوله عزَّ وجلَّ: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) .
    قيل فيه غير قول، قال ابن عباس: كرسيُه علمه، ويروى عَنْ عطاء أنه قال: ما السَّمَاوَات والأرض في الكرسي إِلا حَلْقَةٌ في فلاة، وهذا القول بين لأن الذي نعرفه من الكرسي في اللغة الشيءُ الذي يعتمد عليه ويجلس عليه , فهذا يدل أن الكرسي عظيم عليه السَّمَاوَات والأرضُونَ، والكرسيُّ في اللغة والكراسة إِنما هو الشيءُ الذي ثبت ولزم بعضه بعضاً، والكرسي ما تَلَبَّد بعضُه على بعض في آذان الغنم ومعاطن الِإبل.
    وقال قوم: (كُرْسِيُّهُ) قدْرتُه التي بها يمسك السَّمَاوَات والأرض , قالوا: وهذا قولك اجعل لهذا الحائط كرسياً، أي اجعل له ما يعْمِدُه وُيمسكه، وهذا قريب من قول ابن عباس رحمه اللَّه , لأن علمه الذي وسع السموات والأرض لا يخرج من هذا.
    واللَّه أعْلم بحقيقة الكرسي ، إِلا أن جملته أنه أمر عظيم من أمره - جلَّ وعزَّ.
    ومعنى: (وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) , أي : لا يُثقله، فجائز أن تكون الهاءُ للَّهِ عزَّ وجلَّ، وجائز أنْ تكون للكرسي، وإِذا كانت للكرسي فهو من أمر اللَّه) .


    يتبع ...

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •