الدولة بين المدنية والدينية، دلالات المفاهيم

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي محمود العمري
    طالب علم
    • Sep 2008
    • 43

    #1

    الدولة بين المدنية والدينية، دلالات المفاهيم

    في ظل الثورات العربية التي تعصف بالمنطقة، وفي خضم الرياح العاتية لما يسمى "بالربيع العربي" ازداد الجدل حول طبيعة الدولة المراد لها أن تكون بديلاً للأنظمة المخلوعة، هل هي دولة مدنية أم دينية، وقد بلغ هذا الجدل مداه في مصر في الفترة الأخيرة في ظل الاحتراب الدائر بين التيارين العلماني والإسلامي بخصوص بقاء المادة الثانية من الدستور والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، وازدياد المخاوف العلمانية من صعود التيار الإسلامي وتغلغله في الحياة السياسية لاسيما بعد انضمام أطياف من التيار الإسلامي كانت تؤثر البعد عن المشاركة السياسية في الفترات السابقة، أو لديها موقف سلبي من العملية الديمقراطية، وأقصد هنا التيار السلفي الذي دخل بقوة في الحياة السياسية في مصر لدرجة ترشيحه أحد أتباعه لمنصب رئيس الجمهورية وهو حازم صلاح أبو إسماعيل.
    والملاحظ أن هذا الصراع يشوبه الكثير من الإشكاليات والتي تعود لعدم تحرير مصطلح الدولة المدنية بشكل واضح مما يجعل البعض يعتقد أن المقصود هو المعنى اللفظي للمصطلح وهو الدولة المتحضرة، أو الدولة المدنية في مقابل حكم العسكر، والبعض الآخر يجعل المدنية بإزاء العلمانية.
    ولاشك أن عدم التحرير لمصطلح الدولة المدنية ينسحب أيضاً على الدولة الدينية، فالبعض يفهم أن الدولة الدينية هي الدولة الثيوقراطية (Theocracy)، أي نظام الحكم الذي يستمد الحاكم فيه سلطته مباشرة من الإله، حيث تكون الطبقة الحاكمة من الكهنة أو رجال الدين موجَّهين من قبل الإله.
    هذا الاختلاف في تحديد المفاهيم ودلالاتها يمكن اعتباره هو المحرك الرئيسي للجدل الدائر بين الفريقين، وهو عينه أيضاً الذي يجعل الكثير من الجماهير تقف حائرة بين الخيارين المطروحين كبديل عن الأنظمة المخلوعة دون أن تستطيع تحديد موقفها.
    مفاهيم ودلالات
    نحن في هذا السياق أمام ثلاثة مصطلحات لابد من تحديدها بدقة وهي: الدولة، والمدنية، والدينية.

    الدولة
    مفهوم الدولة بشكل عام يشير إلى كل كيان سياسي يبسط نفوذه وسيادته على رقعة جغرافية معينة، ويفترض في سكانه أن يشعروا تجاهه بالمواطنة والانتماء، فهذه الثلاثة ،الكيان السياسي والأرض والشعب، هي الأجزاء المكونة لكل دولة، ولكل منها شروط واعتبارات لا يتسع المجال لذكرها. وهذا الحد لمصطلح الدولة لا خلاف عليه في الحقيقة، ولكن الدولة ككيان لا يمكن أن نتمثل أبعاده دون إثارة مفاهيم مثل الغاية من إقامة الدولة، وطبيعة السلطة السياسية التي تتم ممارستها داخل أركانها.

    الغاية من الدولة:

    الغاية من الدولة كانت مسألة أرَّقت الفلاسفة والمفكرين منذ قديم الزمان فأفلاطون مثلاً يرى أن الغاية من الدولة تتمثل في تحقيق السعادة، لا بوصفها سعادة الفرد، بل بوصفها تحقيق النظام والانسجام للكل المسمَّى بالدولة وعليه؛ لا يعدو الأفراد عن كونهم مجرد أدوات للدولة، يقومون بمهام تتناسب وطبائعهم التي ولدوا بها، ينتجون وينجبون ويحاربون من أجل الدولة. فلا قيمة لرغباتهم أو مسرَّاتهم أو أحزانهم أو عواطفهم إلا بما يحقق لهذه الأخيرة النظام والانسجام.
    هذا التصور الأفلاطوني الذي يلغي الحاجات الفردية للشعب كان منطلقاً للفيلسوف الألماني هيجل؛ الذي يرى أن الدولة غاية في حد ذاتها، لذلك نراه ينتقد بشدة من يعتبر أن للدولة غاية خارجية مثل السِّلم أو الحرية أو المِلكية، فهو يرى أن غاية الدولة تتمثل في غاية باطنية؛ فالدولة غاية في ذاتها من حيث إنها تمثل روح وإرادة ووعي أمة من الأمم، وتعتبر تجسيدا لما يسميه: "العقل الأخلاقي الموضوعي".
    أما سبينوزا فرأى أن غاية الدولة تتمثل في ضمان الحرية للأفراد، وليس في ممارسة السلطة. بل إن على الدولة أن تضمن الشروط الموضوعية التي تمكنهم من استخدام عقولهم والعمل على تنميتها. ومن ثم يؤكد الفيلسوف أن الحرية هي الغاية الأساسية من وجود الدولة.
    ويقترب المفكر الإسلامي راشد الغنوشي الزعيم الروحي لحركة النهضة التونسية- إلى حد كبير في تحديد الغاية من الدولة مع ما يذهب إليه سبينوزا، حيث يرى الغنوشي في كتابه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" أن المهمة الأساسية للدولة هي توفير بيئة مناسبة للفرد يتمكن من خلالها من اختيار ما يشاء بحرية تامة، لذلك يصرح مع كونه مفكراً إسلامياً- بأنه ليس من شأن الدولة أن تتدخل في المظاهر العامة للحياة في المجتمع مثل التدخل في الملبس والمشرب والمأكل، بل حتى ليس من شأن الدولة أن تدعم عقيدة بعينها ( ).
    أما التصور الإسلامي العام الذي يمثله علماء السلف- للغاية من الدولة فقد كان أوسع بكثير من التصورات السابقة؛ فهو يرى أن الغاية من الدولة تتمثل في نشر الدعوة الإسلامية، وحفظ ديار المسلمين، ونشر العدل والأمن بين الرعية. ولذلك اشترط الفقهاء فيمن يتولى إمامة المسلمين أن تتوفر فيه الأهلية والقدرة على تحقيق تلك الغايات.

    طبيعة السلطة السياسية التي تحكم الدولة
    بين ميكافيلي أن هناك أمراء في عصره أصبحوا عظماء دون أن يلتزموا بالمبادئ الأخلاقية السامية، كالمحافظة على العهود مثلا، بل قد استخدموا كل وسائل القوة والخداع للسيطرة على الناس والتغلب على خصومهم. وهكذا دعا ميكافيلي إلى ضرورة استخدام الأمير لطريقتين من أجل تثبيت سلطته السياسية؛ الأولى تعتمد القوانين، بحيث يستعملها بحكمة ومكر ودهاء، وبشكل يُمكِّنه من تحقيق مصلحة الدولة، أما الثانية فتعتمد على القوة والبطش، ولكن في الوقت المناسب. إن الغاية عند ميكافيلي تبرر الوسيلة، وما دام الناس ليسوا كلهم أخيارا في الواقع فلا يلزم أن ينضبط الأمير بالمبادئ الأخلاقية في تعامله معهم، بل لا بد أن تكون له القدرة الكافية على التمويه والخداع، وسيجد من الناس من ينخدع بسهولة. هكذا يتبين أن السياسة، مع ميكافيلي، تنبني على القوة والمكر والخداع. وهذا ما يرفضه مجموعة من المفكرين، ومن بينهم ابن خلدون.
    إن علاقة السلطان بالرعية حسب ابن خلدون هي علاقة ملك بمملوكين. ولذلك يجب أن يتأسس هذا المُلك على العدل والصلاح. من هنا يجب أن يحقق السلطان لرعيته كل ما هو صالح لهم، وأن يتجنب كل ما من شأنه أن يلحق بهم السوء والضرر. ولذلك وجب أن تكون العلاقة بين السلطان والرعية مبنية على الرفق والاعتدال في التعامل. فقهر السلطان للناس وبطشه بهم يؤدي إلى إفساد أخلاقهم، بحيث يعاملونه بالكذب والمكر والخذلان، أما إذا كان رفيقا بهم ، فإنهم يطمئنون إليه ويكنون له المحبة والاحترام، ويكونون عونا له أوقات الحروب والمحن. انطلاقا من هذا حدد ابن خلدون خصلتين رئيسيتين يجب أن يتصف بهما رجل السياسة، وهما الرفق والاعتدال.
    فميكافيلي يحدد طبيعة السلطة السياسية في القوة والمكر والصراع، واستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق مصلحة الدولة، وإن ابن خلدون يحدد طبيعتها في التشبث بمكارم الأخلاق المتمثلة أساسا في الرفق والاعتدال.

    الدولة المدنية
    الدولة المدنية هي دولة تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن القومية والدين والفكر. وهناك مبدآن رئيسان ينبغي توافرهما في الدولة حتى يصح وصفها بالمدنية وهما:
    ـ المواطنة: والتي تعني أن الفرد لا يُعرف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، وإنما يُعرف تعريفاً قانونياً واجتماعيا بأنه مواطن، أي أنه عضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات، وهو يتساوى فيها مع جميع المواطنين، وما عدا هذه الحقوق والواجبات فإنه يتمتع بحرية تامة في الاعتقاد والممارسات العملية.
    ـ الديمقراطية: والتي تعني أن الأحكام والقوانين تُؤسَّسُ بناء على ما يختاره الشعب، فالشعب مصدر السلطات.
    والمراد بالسلطات التي هي في يد الشعب هنا أمران:
    1-سلطة الإنشاء للأحكام والتقرير والاختيار لها.
    2-سلطة المراقبة على القائمين والمنفذين لتلك الأحكام، ومحاسبتهم بمقتضى القوانين المعتبرة.
    وليس المراد بالسلطات المنسوبة للشعب في الدولة المدنية أحد هذين الامرين فقط، بل هما معاً. فلا تكون الدولة مدنية بالتعريف إلا إذا وُجِدَ في أصول تأسيسها والمعرِّفات لحقيقة تلك الدولة كلا الأمرين.
    فلو قلنا: إنَّ دولة ما تستمد أحكامها من الشريعة الإسلامية فقط، ولكنها تفوض مراقبة التنفيذ لهذه الأحكام، ومحاكمة المنحرفين والمستغلين والظالمين من موظفي الدولة للشعب، فهل هذه الدولة يقال عليها، بحسب التعريف الخالص للدولة المدنية: إنها دولة مدنية؟
    من الواضح أن مجرد تقييد أخذ الأحكام وإنشائها من الشريعة الإسلامية، قادح في كون تلك الدولة مدنية؛ لأنه يخالف الأصلين اللذين تقوم عليهما الدولة المدنية؛ فالمواطنة في الدولة التي بها تعددية تقتضي عدم تمييز الدولة لأحد الأديان الموجودة فيها على ما سواه، كما أن إنشاء الأحكام ابتداء من الشريعة الإسلامية يتنافى مع مبدأ الديموقراطية التي تقتضي أن تكون إرادة الشعب هي المنشأة للأحكام والقوانين. وإن قبل بعض الناس بتقييد الدولة المدنية بالإسلامية، فلن يقوى في المستقبل على الصمود في مقابل النقد بل النقض الموجه إليه، وذلك حالما تبرز التناقضات عند التأصيل والتفريع، تلك التناقضات الكامنة بين القيد والمقيَّد التي كانت غائبة أو مُغّيَّبةً عن مُقْتَرِحي هذا الرأي.

    الدولة الدينية
    الدولة بقيد وصفها بالدينية تطلق على مفهومين:
    ـ الأول هو ما يُسَمَّى بالدولة الثيوقراطية (Theocracy) وهي التي يدعي حكامها أنهم لا يحكمون إلا بوحي إلهي خاصِّ في كل جزئية من الجزئيات الحادثة، يريدون بذلك أن يغطوا أحكامهم وأعمالهم بالقداسة والتنزه عن الانحراف، وإبعاد الانتقاد عليهم من الناس. ومن أمثلتها الأنظمة التي كانت سائدة في المماليك الفرعونية والإمبراطوريات القديمة وبعض مراحل الدولة الفاطمية، والدولة الإيرانية الحديثة القائمة على فلسفة ولاية الفقيه.
    ـ الثاني هو الدولة الدينية بالمعنى العام وهي الدولة التي تحرص على استمداد الأحكام من دين معين، بدون أن يدَّعي المستمدون والمستنبطون أنهم يوحى إليهم بوحي مباشر على النحو السابق، وبدون ادعاء العصمة في الاستنباط، ولكنهم يُصرِّحون أنَّ المرجع في الأحكام ينبغي أن يكون هو شريعة ذلك الدين التي تنسب إليه هذه الدولة أو تلك. ولعل أبرز مثال يستحضره العقل الجمعي لأهل السنة لمثل هذه الدولة هو عصر الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم- .
    وعليه، فإن الدولة الإسلامية هي الدولة التي تستمد دستورها وقوانينها من الدين الإسلامي، ويكون القائمون عليها غير معصومين عن الخطأ والزلل، لأن الإسلام لا يبيح لأحد غير الأنبياء أن يتكلم باسم الله.

    على أرض الواقع

    خلال العقود الماضية نجح العلمانيون العرب عن طريق وسائل الإعلام المختلفة في إقناع الناس أنَّ الدولة الدينية تنحصر فقط في الدولة الثيوقراطية، وأن كل دعوة لإقامة دولة إسلامية هي في حقيقتها دعوة لحكم رجال الدين والكهنة، وهو ما يجعلهم يقررون في النهاية أن الإسلام يرفض الدولة الدينية ويتبرأ منها.

    والغريب أن مثل هذا الكلام نفذ إلى صفوف الإسلاميين أنفسهم فسلموا بأن الدولة الإسلامية هي دولة ثيوقراطية، حتى لجأ الكثير من السلفيين والإخوان وباقي التيارات الإسلامية للتهرب من هذه الفزاعة بقولهم إن الإسلام لم يعرف الدولة الدينية قط، وإن الدولة الدينية ليست من الإسلام في شيء لتهدئة الناس من الفزع الذي ينشره الإعلام العلماني صباح مساء لتنفير الناس من الحكم الإسلامي. بل حتى أن فقيهاً بحجم الدكتور يوسف القرضاوي يُرجع الدعوة التي تنادي بحاكمية الله، من خلال الدساتير الإسلامية الخالصة التي دعا إليها (أبو الأعلى المودودي) في باكستان، والمفكر المصري (سيد قطب) إلى نفس الفكرة التي دعا إليها الخوارج قديما، ويرى أن هذا سيجعل الدولة الإسلامية كدولة الكنيسة الأوربية في العصور الوسطى( ).
    وإذا عدنا إلى الغاية الرئيسة من هذا المقال وهو ضبط المصطلحات ومعرفة دلالاتها فهذا يحتِّم علينا
    الرجوع إلى البيئة والظروف والملابسات التي وجد فيها مصطلح الدولة المدنية لنفهم ماهيته. والحقيقة أن الدولة المدنية هي وليدة الصراع الغربي بين الكنيسة والعِلم، والمقصود بهذا المصطلح أساساً الفصل الكامل بين القوانين والتشريعات والأجهزة عن تدخلات الكنيسة التي تمثل الدين في الغرب. فهي إذن باختصار تعني الدولة العلمانية التي لا صلة لها بدين يحكمها.
    هذا هو المفهوم الغربي للدولة المدنية، وهو منشأ الخلاف بين الإسلاميين والعلمانيين العرب في الاتفاق على مدنية الدولة الإسلامية، فمدنية الدولة من منظور الإسلاميين كما يرى الشيخ القرضاوي- يعني أن يكون مستند التشريع للدين الإسلامي فحسب، أما سند السلطة السياسية فمرجعه إلى الأمة، هي التي تختار حكامها، وهي التي تحاسبهم، وتراقبهم، بل تعزلهم.
    وإذا ما تأملنا المضامين السابقه وجدنا بوناً شاسعا جداً، وأيقنا حقيقة الاختلاف وجدليته التي ستبقى قائمة لا محالة برغم محاولات المفكرين الاسلاميين في اقناع العلمانيين العرب بمدنية الدولة الإسلامية، وهي المحاولات التي لن تأتي بجدوى؛ لأن استمرار المناداة بـإسلامية التشريع في حد ذاته ضرب من ضروب الدولة الدينية وإن لم تتحقق فيه خاصية الكهنوتية والحق الإلهي أو حتى ولاية الفقيه عند الشيعة.
    لاشك أن الأمة العربية والإسلامية تمر الآن بمرحلة حرجة يتم فيها ترسيم حدود جديدة لدولها، وفي أوقات الأزمات أشد ما تحتاجه أمة من الأمم هو المصارحة والشفافية وعدم التستر والمراوغة والتقلب، فالدولة بقيد كونها إسلامية لن تكون مدنية بالمعنى المحدد للدولة المدنية، والدولة بقيد كونها مدنية لن تكون إسلامية بالمعنى المحدد لها فإن من أصول مفاهيم الدولة المدنية أنْ تُسَوِّيَ بين المواطنين فيها، وأن لا تكون الأحكام فيها مستمدة إلا من اختيار المواطنين، ولا يجوز التمييز في حكمٍ ولا في وظيفةٍ، ولا منْح بعض الحقوق فيها بناء على الدين، مهما كان ذلك الدين، إلى آخر ذلك من الأحكام التي تشكل بعض أصول الدولة المدنية، ولكنَّا نعلم أن الإسلام قد رتب أحكاما معيَّنةً جعلها مختصّة بالمسلمين، ومنع بعض الوظائف عن غير المسلمين، وإن كانوا مواطنين محترمة حقوقهم المدنية في دولة الإسلام. وقد أجاز الدين للمسلم أن يتزوج المرأة المسلمة أو غيرها من النساء من أهل الكتاب، ومنعته الشريعة من تزوج الوثنيات، وحرَّم على المرأة المسلمة تزوج غير المسلم، وهذه القيود كلها ممنوعه ومرفوضة في الدولة المدنية، لأنها تتناقض مع حق المواطنة التي تسوي بين المواطنين تعتبر ذلك تفرقة بين البشر بناء على الدين، وهو الأمر المرفوض تماماً في الدولة المدنية.
    وهذا مثال واحد فقط على وجود تناقض واضح بين الأحكام في الدولة المدنية والأحكام في الدولة الإسلامية. فالإسلام قد يفرق إذن -ولو في بعض الأمور- بين المواطنين على أساس الدين خلافا للدولة المدنية.
    أمام جدلية هذه العلاقة بين الدين (الإسلام) والسلطة نجد أنفسنا بإزاء ثلاثة خيارات:
    الأول: علاقة تدخل رجال الدين وسلطتهم المطلقة في جميع مناحي الحياة.
    الثاني: علاقة فصل الدين تماماً عن الدولة واعتباره مجرد ممارسة فردية ليس إلا، تكفله الدولة للشخص دون أن يتعدى دوره ذلك.
    الثالث: علاقة تقييد السلطة بقواعد الشريعة التي لا تخضع للتغير والتطور مكاناً وزماناً، وبالتالي لا يباح تجاوزها، والتي تسمي في علم القانون "بقواعد النظام العام"، وتسمى باصطلاح القران "الحدود"، إذ هي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها. ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229]
    وهذه العلاقة هي التي نرى أنّ المسلم متعبد بإقامتها لكونها تتوافق مع عقيدته وكيانه وبنائه الحضاري والتاريخي، لا سيما إن علمنا أن الإسلام ميز بين النوع السابق من القواعد القانونية والتي اسماها تشريعا، وجعل حق وضعها لله تعالى وحده استنادا إلي مفهوم الحاكمية و بين القواعد القانونية التي تخضع للتطور والتغير زمانا ومكانا، والتي محلها الفقه في الإسلام، والتي جعل سلطة وضعها للجماعة استنادا إلي مفهوم المقاصد وتطبيقاتها العملية في حياة المسلم المعاصر.
    [move=left]اللهم أحيِ قلوبنا بنور معرفتك[/move]
  • عثمان محمد النابلسي
    طالب علم
    • Apr 2008
    • 438

    #2
    سلمت يمينك يا أخ علي
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

    تعليق

    • أشرف سهيل
      طالب علم
      • Aug 2006
      • 1843

      #3
      جزاكم الله خيرا وبارك لكم
      اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

      تعليق

      يعمل...