صفحة 1 من 10 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 149

الموضوع: نقد الرؤية الوهابية للتوحيد وقسميه

  1. نقد الرؤية الوهابية للتوحيد وقسميه

    بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أشرف النبيين , وبعد :

    كنت قد كتب بحثاً في نقد الرؤية الوهابية للتوحيد قبل سنة ونصف تقريباً , وأعطيته أحد الإخوة فقرأه , وذكّرني به هذه الأيام حيث كان قد عزم على نشره في المنتدى , فطلبتُ منه ألا ينشره لأنه على صورة مسودّة الآن , فألحّ علي لأضعه في المنتدى على صورته الحالية , وها أنا ذا قد أجبتك أيها الأخ الكريم , وأرجو من الإخوة الأفاضل أن يصححوا ما وجدوا من خلل وزلل .

  2. نَقْدُ الرّؤيَةِ الوَهّابِيّة
    للتّوحِيد وقِسْمَيه


    (الربوبية والألوهية)



    بسم الله الرحمن الرحيم



    الحمد لله المعبودِ لتفرّده بأوصافِ الكَمَال , المُنَزّه عنِ النّقَائِصِ فِي الذاتِ وفي الصفاتِ وفي الأفعال , والصلاةُ والسلامُ على من دَعا إلى توحيدِ ربّه الكبيرِ المتعال , وعلى جميعِ صَحْبِه وحِزْبِه والآل , وبعد :
    ذهبَ الوهابيةُ إلى تقسيمِ التوحيدِ إلى قِسمين ؛ ربوبيةٍ وألوهية , وفي بعض الأحيان يُفردونَ توحيدَ الأسماءِ والصفاتِ عنِ الربوبية , فتكونُ أقسامُ التّوحيدِ ثَلاثة , وزعموا أنّ المشركينَ كانوا مؤمنينَ بربوبيةِ اللهِ تعالى إيماناً تامّاً , وأنهم يعتقدون اعتقاداً جازماً بتفردِ الله تعالى بالتدبيرِ والنفعِ والضرّ , إلا أنّهم مشركونَ فقط في اتخاذِ الوسائلِ منَ المخلوقاتِ والطلبِ منها , وزعموا أيضاً أنّ الرسلَ لم يخاصموا أقوامَهم في الربوبية , وأنّ المشركينَ في الربوبيةِ شُذاذٌ قليلونَ منَ البشريةِ لا يكادونَ يُذكرون , ولذا لم تقعِ الخصومةُ بينَ الأنبياءِ وأقوامِهم فيها , هذا خلاصة قولهم .
    وبناءً على ذلك.. فإنهم يعتبرونَ كتبَ العقائدِ التي تبحثُ في تمييزِ ما يَجِبُ وما يَسْتَحيلُ وما يَجوزُ على اللهِ تعالى ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً , إنما هو بحثٌ في أمرٍ أقرّ به المشركونَ ولم يُدْخِلهُم في الإسلام , ومَن دَعَا إلى الإيمانِ بصفاتِ الله تعالى وربوبيته , وإفرادِه بالتدبير والتصرّف , والنفعِ والضرّ , فهُوَ لا يَدعو إلى التوحيدِ الذي جاءت به الرسل , وإنما يدعو إلى توحيدٍ كان موجوداً عند المشركين!!
    إضافةً إلى فهمهم المغلوط لمعنى العبادة , الذي أدّاهم لإدراجِ مظاهرِ الخشوعِ والتذللِ لمخلوقٍ ما , ضمنَ مفهومِ العبادةِ الاصطلاحية , دونَ تفريقٍ بينَ مَن اعتقد في المخلوق صفة من صفات الربوبية أم لا , ودون النظر إلى القصد من ذلك التذلل , فكفّروا المسلمين وجعلوهم كعبّاد الأوثان سواء بسواء , وزادوا على ذلك قتل الأبرياء واستحلال الدماء!!

    قال عبد العزيز الراجحي في "الْهِدَايَةُ الرَّبَّانِيَّةُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" (1/31-32) :
    (وهذا التوحيد –أي الألوهية- لأجله خلق الله الخليقة، ولأجله أرسل الله الرسل، ولأجله أنزل الله الكتب، ولأجله قام سوق الجهاد، ولأجله حقت الحاقة، ولأجله وقعت الواقعة، ولأجله انقسم الناس إلى شقي وسعيد، إلى كفار ومؤمنين، وهذا التوحيد هو الغاية المحبوبة لله والمرضية له، هو الغاية المحبوبة لله، والغاية التي ترضي الله - عز وجل - هذا التوحيد.
    وهذا التوحيد –أي الألوهية- هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء والرسل , في قديم الدهر وحديثه ، الأنبياء والرسل إنما نازعهم وخاصمهم مخاصمة منهم في هذا التوحيد، بخلاف توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات فهما توحيدان فطريان قد أقر بهما جميع الخلق إلا من شذ، إلا بعض الطوائف التي شذت وانتكست فطرتها، وعميت بصيرتها.
    وإلا فجميعُ الخلائق يقرون بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، والنزاع والخصومة بين الأنبياء والرسل في هذا التوحيد، وهو توحيد الألوهية والعبادة) .

    فيرى الوهابيةُ أنّ البشريةَ جمعاء قد وَحّدَت فِي الربوبيةِ والأسماءِ والصفات , إلا قلّةٌ نادرة جداً , ولذلك لمْ َتقع الخصومةُ بين الأنبياءِ وأقوامهم إلا في توحيد الألوهية , ولم يدعُ الأنبياء والرسل إلى الربوبية , لأنها كانت متحققة عند المشركين , لكنّهم دَعَوا إلى توحيد الألوهية ولم يخاصموا أقوامهم إلا فيه .

    وقال ابن باز في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" ج2-ص72 :
    ( أما كونه سبحانه ربَّ الجميع , وخالق الخلق , ورازقهم ، وأنه كامل في ذاته , وأسمائه , وصفاته , وأفعاله ، وأنه لا شبيه له ، ولا ند له , ولا مثيل له ، فهذا لم يقع فيه الخلاف بين الرسل والأمم!! ، بل جميع المشركين من قريش وغيرهم مقرون به ، وما وقع من إنكار فرعون وادعائه الربوبية فمكابرة..) .

  3. فأقول مبيناً فساد هذا الاعتقاد , ومِنَ اللهِ تعالى الإعانةُ والإمداد :

    الباب الأول : توحيد الربوبية

    الفصل الأول يتضمن ثلاثة مباحث :

    المبحث الأول : حقيقة الإيمان بالربوبية

    المبحث الثاني : منهج القرآن في الدعوة إلى التوحيد

    المبحث الثالث : التوحيدان متلازمان تلازم الروح والبدن

     معنى الإله والرب لغة
     قول ابن عبد الوهاب أن الألوهية والربوبية يجتمعان ويفترقان
     تناقض الوهابية في حملهم نصوص الربوبية على الألوهية ولا عكس
     قول الفوزان بأن التوحيدين متداخلان عند الافتراق , وأن معنى لا إله إلا الله هو توحيد الألوهية لا توحيد الربوبية
     كلام الألباني عن أنواع الشرك
     لو كان المشركون مؤمنين بالربوبية إيماناً كاملاً لكانوا من أهل الجنة
     تناقضهم في قولهم أن الربوبية تستلزم الألوهية , والألوهية تتضمن الربوبية
     تناقض من قال منهم بأن الأنبياء دعوا إلى الربوبية أيضاً , مع قولهم أن المشركين مؤمنون بالربوبية إيماناً كاملاً
     كلام العلماء في آية الميثاق وسؤال القبر
     نصوص للإمام الطبري في تضمن كلمة التوحيد للتوحيدين
     اتخذوا العجل رباً وإلهاً
     استعمال القرآن الكرم كلمتي الرب والإله دون تفريق
     قول الطبري: وأن الإله هو الذي يقدر على ما يشاء ولا يقدر عليه شيء
     تشبيه تقسيمهم التوحيد بتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف وإبطال ذلك
     إبطال كون تقسيمهم التوحيد من باب تقسيم البيت الشعري إلى صدر وعجز
     إبطال قولهم أن توحيد الربوبية يستلزم الألوهية والألوهية يتضمن الربوبية






    المبحث الأول : حقيقة الإيمان بالربوبية:


    إن المعتقد بربوبية الله تعالى يجب أن يثبت له سبحانه ما يلي(1) :
    أولاً : أن الله تعالى واجب الوجود لذاته :
    فمن أنكر وجوده تعالى وأثبت وجوب وجود غيره , فهو جاحد لربوبيته سبحانه , فالقرامطة والدهرية والملاحدة لا يصح أن يطلق عليهم أنهم موحدون في الربوبية .
    وكذلك مَن جعل وجود الله تعالى من الممكنات وليس واجباً , فهو لم يوحّد في ربوبيته عز وجلّ .

    ثانياً : أن الله تعالى "وحده" متصف بكل صفة من الصفات الكاملة والكمالات المطلقة:
    فمن أثبت ذاتاً مماثلة لذات الله تعالى , أو قال بحلول الله تعالى في ذات من الذوات , أو اتحاده بها , فقد أشرك في الربوبية .
    وكذلك من اعتقد في غيره تعالى صفة كمال مطلق كالقِدَم التام , أو القدرة على جميع الممكنات , أو العلم المحيط اللامتناهي , أو أي صفة من الصفات الواجبة لله تعالى , فهو مشرك في الربوبية .
    ومن اعتقد أن غيره تعالى يستقل بشيء من أفعاله , كالخلق والرزق , والنفع والضر والتدبير , كان مشركاً غير موحد في الربوبية .

    وعليه فإن النصارى واليهود مشركون في ربوبيته تعالى , حيث أثبتوا حلوله تعالى في بعض الذوات , ووصفوا بعض الأنبياء بخصائص الربوبية وأفعالها .
    والجاهليون كذلك حيث أثبتوا لأصنامهم كثيراً من صفات الربوبية وأفعالها كما سيأتي .

    ثالثاً : أن الله تعالى منزه عن كل شوائب النقص :
    فمن أثبت نقصاً لله تعالى , أو نفى شيئاً من كمالاته المطلقة , فهو غير مقر له بالربوبية , كمن أنكر قدرته على فعل كلّ ممكن , وعلمه بكل شيء من الكليات والجزئيات , وقال بعجزه تعالى عن شيء من الجائزات , فهذا جاحد للربوبية الله عز وجل .

    فاليهود والنصارى قد أثبتوا النقائص لذات الله تعالى , فمنهم من قال بتركب الذات الإلهية وثثليث الرب , ومنهم من قال بتجسد الرب في المخلوقات , مع وصفهم إياه بالعجز وصفات النقص .
    ومشركوا العرب كانوا يعتقدون بعجز الله تعالى عن إحياء الموتى وبعثهم مرة أخرى , وعن كثير من الأفعال كما سيأتي .

    رابعاً : الإذعان لكل ما ثبت كونه من عند الله تعالى :
    فمن علم أن أمراً جاء من الله تعالى ثم جحده وأنكره , فقد أشرك في ربوبيته تعالى , إذ إنه لم يَقْدرالله حق قدْره ولم يعرف منزلة صاحب الربوبية , كمن عَلِمَ أن القرآن من عند الله تعالى وأن الرسول من الله تعالى , ثم كفر بهما .

    وعامّة ضلال البشرية لو تأملتَه , وجدتَه ناتجاً إما عن وصف الخالق تعالى بصفات المخلوق , أو عن وصف المخلوق بصفات الخالق تعالى .


    --------------------------------------------------------
    1 - عرّف الوهابية توحيد الربوبية بأنه : (الإقرار بأن الله رب كل شيء , ومالكه , وخالقه , ورازقه , وأنه المحيي المميت , النافع الضار , المنفرد بإجابة الدعاء , وهذا التوحيد الذي أقر به الكفار) (تيسير العزيز الحميد ص33) .

    فالكفار عند الوهابية يعتقدون بأن الله هو النافع الضار, وأنّه المنفرد بإجابة الدعاء!! أي أنّ المشركين لم يعتقدوا أن أصنامهم تجيب دعاءهم!!

  4. المبحث الثاني

    المبحث الثاني : منهجُ القرآن في الدعوة إلى التوحيد:



    وضّح القرآنُ الكريمُ أن الأنبياءَ أثبتوا لأقوامهم تفرد الله تعالى بخصائص الربوبية وأفعالها , من القدرة التامة والتدبير الكامل والرزق والخلق والملك والنفع والضر والعزة والذلة وغيرها, ثم بيّنوا لهم أنه لا يصح أن يصرف شيء من العبادة إلا لمن اتصف بهذه الصفات الكاملة, وأن صَرْف العبادة لغيره تعالى ظلم كبير ووضع للشيء في غير مكانه , وأثبتوا للمشركين بالدلائل الواضحة أن معبوداتهم من دون الله لا تتصف بأي من هذه الصفات فلا يجوز أن تعبد وتقصد, إلا أن المشركين لمّا كانوا يعتقدون بوجود كثير من خصائص الربوبية في معبوداتهم عكفوا على عبادتها وقصدها, وليس الأمر كما يرى الوهابية من أن المشركين لم يعتقدوا في معبوداتهم ذلك وأنهم كانوا نافين عن أصنامهم خصائص الربوبية ومفردين الله تعالى بها .

    والإشراك في العبودية لازم عن عدم التوحيد في الربوبية , فلهذا كان الأنبياء يُرجعون المشركين إلى الأدلة التي تثبت تفرد الله تعالى بالربوبية , فإذا أيقنوا بتفرده تعالى بسائر أفعال الربوبية ولم ينسبوا صفة من صفاتها لغيره , كانت هذه العقيدة السليمة أساساً لإفراده تعالى بالعبودية , فإنهم إذا علموا تفرد الله تعالى بصفات الربوبية فسيعلموا أنه لا يستحق أن يُتوجه إليه بالعبادة وأن يقصد إلا الله تعالى , إلا أنّ المشركين قد أقروا لله ببعض صفات الربوبية وأفعالها كالخلق والرزق , لكن دون يقين راسخ في قلوبهم على ذلك , فتوجهوا بالحب والخوف والرجاء إلى أصنامهم لاعتقادهم فيها النفع والضر , فألزمهم القرآن بأنكم إن كنتم صادقين في إقراركم بأن الله تعالى هو الخالق الرازق النافع الضار فلم قصدتم غيره؟!
    إلا أنّ لسان حالهم وعبوديتهم لغيره تعالى رغبة في نفعه ورهبة من ضرّه يكذّب لسان مقالهم في أنّ الله تعالى النافع الضار , فبرهن لهم القرآن الكريم تفرد الله تعالى بصفات الربوبية وأفعالها وأنه لا يستحق العبادة إلا من اتصف بتلك الكمالات , ودعاهم إلى إفراده في الربوبية والعبادة .

    و برهن القرآن الكريم للمشركين أن أوثانهم لا تقدر على فعل من الأفعال , وليست متصفة بصفة من صفات الربوبية , وسَلَبَ عن أصنامهم أفعال الربوبية وخصائصها , وألزمهم بأن أصنامهم لا تستحق أن تعبد , وعلل حصر العبادة في الله تعالى بكونه وحده رباً .


    وآيات القرآن الدالة على ما هذا كثيرة , فمنها على سبيل التمثيل :
    ۞ قوله تعالى : { وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } مريم:٣٦.

    أي اعبدوه لكونه هو الرب لنا .

    ۞ وقوله تعالى : { وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ {99} وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ {100} بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {101} ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } الأنعام: ٩٩ – ١٠٢

    فبعد أن بيّن تفرّده تعالى بأفعال الربوبية وصفاتها , أمَرَهم بإفراده تعالى بالعبادة , لأن إفراده بأفعال الربوبية وصفاتها مستلزم لإفراده بالعبادة .

    ۞ و قوله تعالى : { أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } النمل: ٢٥.

    فالسجود لا يصح إلا لمن اتصف بصفات الربوبية من القدرة والعلم وغيرها .

    ۞ و قوله تعالى: { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } مريم: ٦٥ .
    فرتب عبادته على كونه متصفاً بصفات الربوبية الكاملة .

    ۞ وقوله تعالى عن أهل الكهف : {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } الكهف: ١٤ .
    فلا يعبد إلا من ثبتت ربوبيته .

    ۞ وقوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ } ص: ٦٥ - ٦٦ .
    فلا يُعبد إلا من كان واحداً قهاراً رباً مالكاً .

    ۞ وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ } المؤمنون: ٥٩ .
    فقدّّم (بربهم) في الآية , لأن توحيدهم بالربوبية قادهم إلى التوحيد في العبادة , فمن لم يشرك في الربوبية لم يشرك في العبودية .


    ولن تجد أمراً في القرآن الكريم بالعبودية , إلا ويسبقه أو يتبعه بيانٌ لصفات الربوبية , لأنه لا معنى لصرف العبادة لغير المتصف بالصفات الكاملة والكمالات المطلقة , فلا بد للعابد حتى يكون عابداً أن يعتقد في معبوده خصائص الربوبية التي تجعل الخضوع والذل عبودية , فلمّا كان إشراك المشركين أصنامَهم مع الله تعالى في بعض الأفعال والصفات , قاموا بإشراكها مع الله تعالى في العبادة والقصد .

  5. المبحث الثالث : توحيدُ الألوهية وتوحيدُ والربوبية متلازمان تلازمَ الروح والبدن:

    وأقول لزيادة الإيضاح , والتأكيد والإفصاح , إن توحيد الألوهية والربوبية متلازمان , لا ينفكان عن بعضهما البعض , كتلازم الروح والبدن , لا حياة لأحدهما دون الآخر , فإن ثبوت الملزوم يوجب ثبوت اللازم , كما أن نفي اللازم يوجب نفي الملزوم , فمن حقق الربوبية لا بد وأن يحقق الألوهية , ومن حقق الألوهية لا بد وأن يحقق الربوبية .

    أ- معنى الإله والرب :

    1- قال الجوهري في الصحاح عند مادّة "أله" :
    ( أله : أَلهَ بالفتح إِلاهَةً، أي عَبَدَ عِبَادَةً. وإلاهَةُ أيضاً: اسمٌ للشمس. والآلِهَةُ: الأصنامُ، سَمَّوها بذلك لاعتقادهم أنَّ العبادة تَحُقُّ لها، وأسماؤهم تَتْبَعُ اعتقاداتِهم لا ما عليه الشيء في نفسه. والتَأْليهُ: التعبيد. والتَأَلُّهُ: التَّنَسُّكُ والتَعَبُّدُ. قال رؤبة: سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ من تأَلُّهي . وتقول: أَلِهَ يَأْلَهُ أَلَهاً، أي تَحَيَّرَ؛ وأصله وَلِهَ يَؤْلَهُ وَلَهاً. وقد ألِهْتُ على فلانٍ، أي اشتدَّ جزعي عليه، مثل ولِهْتُ ) .

    وقال عند "ربب" :
    ( رَبُّ كلِّ شيءٍ: مالكُهُ. والربُّ: اسم من أسماء الله عَزَّ وجَلَّ، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملِك. قال الحارث بن حِلِّزَةَ:
    وهو الرَبُّ والشهيدُ على يَوْمِ الحِيارَيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ
    والرَبَّانِيُّ: المُتَأَلِّهُ العارف بالله تعالى. وقال سبحانه: "كونوا رَبَّانِيِّينَ". ورَبَبْتُ القوم: سُسْتُهُمْ، أي كُنْتُ فوقهم.... .
    ورَبَّ الضَيْعَةِ، أي أصلحها وأتَمَّها. ورَبَّ فلان ولده يَرُبُّهُ رَبَّاً، ورَبَّبَهُ، وتَرَبَّبَهُ، بمعنىً أي رَبَّاهُ. والمَرْبوبُ: المُرَبَّى).

    2- وقال الأزهري في تهذيب اللغة بعد كلامه على مادّة "وله" :
    ( وقال أبو الهيثم: فالله أصلُه إلاَه، قال الله جل وعز: ((ماَ اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ، وماَ كانَ مَعَهُ مِنْ إلهٍ إذًا لذَهَبَ كلُّ إلهٍ بما خَلَقَ)) . قال: ولا يكون إلها حتى يكون معبودا وحتى يكون لعابده خالقاً، ورازقاً، ومدبِّرا، وعليه مُقتدِرا، فَمن لم يكن كذلك، فليس بإله، وإن عُبِد ظُلماً، بل هو مخلوق ومُتعبد.
    قال: وأصل إله وِلاه. فقلبت الواو همزة كما قالوا: للوِشاح إشاح، وللوِجاج إجاج ومعنى وِلاَه أَنّ الخلق إليه يَوْلَهون في حوائجهم ، ويَفزعون إليه فيما يُصيبُهم ويفزعون إليه في كل ما يَنوبُهم كما يَوْلَه كلٌّ طِفْل إلى أمه.
    وقد سَمَّت العربُ الشمسَ لما عَبَدُوها: إلاهة. وقال قُتيبة ابنُ الحارث اليَربوعيّ:
    تَرَوَّحْنا من اللَّعْباءِ عَصْراً ... فَأَعْجَلْنَا الإلهةَ أَن تَؤُوباَ
    وكانت العرب في جاهليّتها يَدعون مَعبُوداتهم من الأصنام والأوثان آلهة ، وهي جمعُ الإهة ) .

    وقال عند "رب" :
    (الرّبّ، هو الله تبارك وتعالى، هو رَبُّ كل شئ، أي مالكه، وله الرّبوبية على جميع الخلق لا شريك له.
    ويقال: فلان رَبّ هذا الشيء، أي مِلْكه له. ولا يقال " الرّب " بالألف واللام، لغير الله. وهو رب الأرباب ، ومالك الملوك والأملاك. وكل من ملك شيئا فهو ربُّه. ((اذكُرْني عِند رَبِّك)) : أي عند مَلكك. يقال: هو رب الدابة، ورب الدّار. وفلانة ربة البيت. وهن ربات الحجال. وقال الأصمعي: يقال: رب فلان نحيَه يربه ربا، إذا جعل الرَّب ومتَّنه به. وهو نِخْى مَرْبوب. قال: والعرب تقول: لان يَرُبني فلان احَبّ إلي من أن يَرُبني فلان. يعني: أن يكون رَباً فوقي وسيدا يملكني . ورُوي هذا عن صفوان بن أمية انه قال يوم حُنين عند الجولة التي كانت بين المسلمين، فقال أبو سفيان: غَلَبت والله هوزان. فأجابه صفوان وقال: بفيك الكِثكِثُ، لان يَرُبّني رجل من قريش أحب إلي من أن يَرُبّني رجل من هوازن. ابن الأنباري : الرَّب: ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون " الرَّب " : المالك؛ ويكون " الرَّب " السيد المطاع، فقال الله تعالى: ((فَيَسْقي ربَّه خمرا)) أي سيده؛ ويكون " الرَّب " المصلح ) .

    3- قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة عند "أله" :
    ( (أله) الهمزة واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبُّد. فالإله الله تعالى، وسمّيَ بذلك لأنّه معبود. ويقال تألّه الرجُل، إذا تعبّد. قال رؤبة:
    للهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ *** سَبَّحْنَ واستَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهِي
    والإلاهة: الشَّمْس ، سمّيت بذلك لأنّ قوما كانوا يعبدونها. قال الشاعر: * فبادَرْنا الإلاهَة أنْ تؤوبا * )

    وقال عند "رب"
    ((رب) الراء والباء يدلُّ على أُصولٍ. فالأول إصلاح الشيءِ والقيامُ عليه . فالرّبُّ: المالكُ، والخالقُ، والصَّاحب. والرّبُّ: المُصْلِح للشّيء. يقال رَبَّ فلانٌ ضَيعتَه، إذا قام على إصلاحها. وهذا سقاء مربُوبٌ بالرُّبِّ. والرُّبّ للعِنَب وغيرِه؛ لأنّه يُرَبُّ به الشيء. وفَرَسٌ مربوب. قال سلامة :
    ليسَ بأسْفَى ولا أقْنَى ولا سَغِلٍ *** يُسْقى دَواءَ قَفِيِّ السَّكْنِ مَرْبوبِ
    والرّبُّ: المُصْلِح للشّيء. والله جلّ ثناؤُه الرَّبٌّ؛ لأنه مصلحُ أحوالِ خَلْقه. والرِّبِّيُّ: العارف بالرَّبّ. وربَبْتُ الصَّبيَّ أرُبُّه، وربَّبْتُه أربِّبُه. والرَّبيبة الحاضِنة. ورَبيبُ الرَّجُل: ابنُ امرأَتِه. والرَّابُّ: الذي يقوم على أمر الرَّبيب ) .

    4- وقال ابن منظور في لسان العرب عند "أله"
    ( الإلَهُ الله عز وجل , وكل ما اتخذ من دونه معبوداً إلَهٌ عند متخذه , والجمع آلِهَةٌ , والآلِهَةُ الأَصنام سموا بذلك لاعتقادهم أَن العبادة تَحُقُّ لها , وأَسماؤُهم تَتْبَعُ اعتقاداتهم لا ما عليه الشيء في نفسه , وهو بَيِّنُ الإلَهةِ والأُلْهانيَّةِ .... قال ابن الأَثير: هو مأْخوذ من إلَهٍ وتقديرها فُعْلانِيَّة بالضم , تقول: إلَهٌ بَيِّنُ الإلَهيَّة والأُلْهانِيَّة , وأَصله من أَلِهَ يَأْلَهُ إذا تَحَيَّر , يريد: إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصَرَفَ وَهْمَه إليها أَبْغَضَ الناس حتى لا يميل قلبه إلى أَحد ) .

    وقال عند "ربب" :
    (الرَّبُّ يُطْلَق في اللغة على المالكِ والسَّيِّدِ والمُدَبِّر والمُرَبِّي والقَيِّمِ والمُنْعِمِ ) .

    وخلاصة القول أن الإله يصدق على المعبود , والرب يطلق على : المالك , والصَّاحب, والمصلح والمتمم للشيء , والخالقُ، والمُدَبِّر , والمُرَبِّي , والقَيِّمِ , والمُنْعِمِ , والسَّيِّدِ .

    ولا نغفل وجود تلازم بينهما , فإن الإله المعبود لا يصح أن يعبد إلا لوجود شيء من صفات الرب التي تميزه عن غيره من الموجودات , وهذا ظاهر في كلمات اللغويين السابقة , كما في قول الجوهري عن تسمية الأصنام بالآلهة : "سمَّوها بذلك لاعتقادهم أنَّ العبادة تَحُقُّ لها" , وكما في قول الأزهري : " ولا يكون إلها حتى يكون معبوداً , وحتى يكون لعابده خالقاً، ورازقاً، ومدبِّرا، وعليه مُقتدِرا، فَمن لم يكن كذلك، فليس بإله" .
    ونبّه ابن منظور إلى أن من معاني "ألِه" : التحير , لوقوع "العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية" .


    ب- اشتمال كل من كلمتي الرب والإله معنى الأخرى في اصطلاح الشرع

    أما من ناحية الاصطلاح , فإن الشرع لم يفرق بين الرب والإله هذا التفريق اللغوي , فجاء استعمال الرب والإله في الآيات والأحاديث غالباً دون التفكيك بينهما تبعاً للمعنى اللغوي , وذلك لما بينهما من التلازم , فقد تأتي كلمة الرب بمعناها اللغوي مع اشتمالها لمعنى المعبود , وقد تأتي كلمة الإله بمعنى المعبود مع اشتمالها لمعنى الرب , فقد جاءت الكلمتان في الاطلاق الاصطلاحي تشمل كل منهما معنى الأخرى , وذلك لما بينهما من التلازم .

    وقد قال مؤسس الوهابية محمد بن عبد الوهاب في "الرسالة الثانية من رسائله الشخصية" :
    ( فاعلم أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله : ((قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس)) ، وكما يقال : ((رب العالمين وإله المرسلين))، وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل : ((من ربك)) ، مثاله الفقير والمسكين نوعان في قوله : (( إنما الصدقات للفقراء والمساكين)) ، ونوع واحد في قوله : ((افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم)) .
    إذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر : "من ربك؟" ، معناه من إلهك! ، لأن الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها ..!!
    وكذلك قوله : ((الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله))...
    وقوله: ((قل أغير الله أبغي رباً))
    وقوله : ((إن الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا)) ..
    فالربوبية في هذا هي الألوهية!! , ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران , فينبغي التفطن لهذه المسألة) .

    فهو يقرر بأن الرب والإله من الألفاظ التي إذا اجتمعت في موضع واحد , كانت كلّ كلمة منهما دالّة على معناها الأصلي فقط كما في سورة الناس , أما إذا افترقتا في الموضع فإن كل واحدة منها تدلّ على معنى الأخرى كما في سؤال القبر! , ومثّل لذلك بكلمتي الفقير والمسكين!!

    وفي الحقيقة أن كثيراً من الألفاظ تجتمع وتفترق كالفقير والمسكين , والإسراء والمعراج , والخوف والحزن , والسيئة والفاحشة , إلا أنّ ابن عبد الوهاب قد فهم ذلك فهماً خاطئاً عندما فسّر الرب في سؤال المَلَكين بالإله , إذ إنّه يرى أنّ معنى كلمة الرب فقدت معناها الأصلي لتصبح بمعنى الإله , لا أنها بقيت على معناها واشتملت على معنى الإله , وذلك لأنه يرى أن النبي –ص- لم يبعث إلا إلى دعوة الناس إلى توحيد الألوهية , وأما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون فلم يدعهم النبي –ص- إليه , لأن ذلك تحصيل حاصل وتحصيل الحاصل عبث , ومن اللغو وعدم الفائدة أن يتكلم معهم ويدعوهم إلى أمر هم مقرون به , "ولا يمتحن به أحد" كما قال .

    وقول العلماء عن كلمتين بأنهما تجتمعان وتفترقان , لا يعنى أن كلاً منهما تفقد معناها إلى معنى الأخرى عند الافتراق , بل تصبح بمعنى يعم الكلمتين , ومن الأمثلة على ذلك :

    - الحزن والخوف , قال الألوسي في تفسيره(1) : (ولا يخفى أنه إذا قلنا أن الخوف والحزن متقاربان , فإذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا كما علمت آنفاً , كان النهي عن الحزن نهياً عن الخوف أيضاً ) .

    - المسكين والفقير , قال الألوسي في تفسيره(2) : (والمراد بالمسكين ما يعم الفقير ، وقد قالوا : المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا وإذا اقترفا اجتمعا ) .
    وجاء في شرح مختصر خليل للخرشي (3) : ( (قَوْلُهُ : مِسْكِينًا ) أَرَادَ بِهِ مَا يَعُمُّ الْفَقِيرَ لِأَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا وَإِذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا) .
    وجاء في حاشية الصاوي على الشرح الصغير (4) : (بَلْ بَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ حَيْثُ ذُكِرَا مَعَ بَعْضِهِمَا , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ إذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا) .

    لكن الوهابية يحملون الربوبية على الألوهية كما مرّ في كلام مؤسسهم عن سؤال الملكين , وعن قوله تعالى : ((الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله)) وقوله: ((قل أغير الله أبغي رباً)) وقوله : ((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)) , ولا يقولون بمعنى يشملهما معاً في هذه النصوص , وذلك لاعتقادهم بتوحيد المشركين في الربوبية توحيداً كاملاً , فلم يدعهم القرآن ولا النبي –ص- إلى الربوبية لأنها حاصلة عندهم .

    لكن يلزم من هذا الفهم أن يكون المقصود من جميع النصوص التي ذكرت الألوهية هو الربوبية! , وهم لا يسلّمون بذلك لأنهم لا يرون العلاقة بين الربوبية والألوهية كالتلازم الروح والبدن , بل يعتقدون بوجود توحيد الربوبية عند المشركين مع انتفاء توحيد الألوهية , ومن هذه النصوص التي أفردت الألوهية والتي يلزم الوهابية أن يحملوها على الربوبية قوله تعالى :

    - { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } البقرة: ١٦٣
    فيكون معناها : وربكم رب واحد , لا رب إلا هو..

    -{ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } البقرة: ٢٥٥
    فيكون معناها : الله لا رب إلا هو ..

    - وقال تعالى : { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } الأعراف: ١٥٨
    فيكون المعنى : لا رب إلا هو يحي ويميت .

    - وقال تعالى : { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ } آل عمران: ٦٢

    - وقال تعالى : { إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } النحل: ٢٢


    فيكون معنى الإله في جميع هذه الآيات وغيرها هو الرب , ويكون معنى كلمة التوحيد : لا رب إلا الله!! والوهابية يخالفون ذلك أشد المخالفة , مع أن المؤمن بالربوبية إيماناً تامّا لن يشرك في الألوهية لتلازمها كما قدّمنا , إلا أن الوهابية يرون أنّ الأنبياء لم يخاصموا أقوامهم في الربوبية ولم يقوموا بدعوتهم إليها , وأن كلمة التوحيد لا تدعو إلا توحيد الألوهية دون الربوبية , وأن النبي –ص- لم يقاتل الجاهليين ولم يسبِ نسائهم ولم يقتل رجالهم إلا لشركهم في الألوهية , فقد قال ابن باز في فتاواه (ج2-ص42) :
    (... لأن الخصومة بين الرسل والأمم في توحيد العبادة ، وإلا.. فالأمم! تقر بأن الله ربها وخالقها ورازقها ، وتعرف كثيراً من أسمائه وصفاته ، ولكن النزاع والخصومة من عهد نوح إلى يومنا هذا في توحيد الله بالعبادة ) .

    وقال في في فتاواه (ج2-ص 5-6) :
    ( فقد اطلعت على الكلمة التي كتبها أخونا في الله العلامة الشيخ عمر بن أحمد المليباري في معنى لا إله إلا الله ، وقد تأملت ما أوضحه فضيلته في أقوال الفرق الثلاث في معناها . وهذا بيانها : الأول : لا معبود بحق إلا الله . الثاني : لا مطاع بحق إلا الله . الثالث : لا رب إلا الله . والصواب : هو الأول , كما أوضحه فضيلته..) .

    فلم يقل أن الصواب هو اشتمالها على الكل , بل حصر معناها في الألوهية دون الربوبية .

    وسبق تصريحه بأن المشركين مقرون بكمال الله تعالى في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله وبأنه لا شبيه له ولا ند له ولا مثيل له .

    ولو حملنا الألوهية في النصوص السابقة على الربوبية والألوهية معاً , فقلنا بأن معنى "لا إله إلا الله" التي دعا إليها النبي –ص- وخاصم عليها المشركين , تعني أنه لا رب ولا معبود بحق إلا الله , فسيكون ذلك نقضاً لاعتقاد الوهابية بأن كلمة التوحيد لا تتضمن إلا الألوهية! , وأن معناها لا معبود بحق إلا الله فقط , وأن الأنبياء لم يخاصموا أقوامهم إلا في العبادة , فقد قال صالح الفوزان في شرحه لكشف الشبهات عند شرحه : "وهذا التوحيد هو معنى قولك : لا إله إلا الله" :
    ( أي : معنى لا إله إلا الله : هو توحيد الألوهية لا توحيد الربوبية! , لأنه لو كان معناها توحيد الربوبية لما قال الرسول –صلى الله عليه وسلم- للمشركين : "قولوا لا إله إلا الله" , لأنهم يقولون إن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت , وإنه حينئذ يطلب منهم ما هو تحصيل حاصل , ويقاتلهم على شيء يعترفون به ويقرون به , وهذا القول باطل) .

    إذن عند هؤلاء الوهابية تكون كلمة التوحيد التي دعا إليها النبي –صلى الله عليه وسلم- أهلَ الجاهلية لا تتضمن الربوبية , وإلا لكان النبي –ص- دعاهم إلى الربوبية أيضاًً , ودعوته إلى أمر هم مؤمنون به تحصيل حاصل , وهذا القول باطل كما قال الفوزان!

    إلا أنّ هذه الفكرة تناقض ما قاله من أنّ الإله إذا ذكر دخل فيه معنى الرب!! إذ يلزم من ذلك أن تدخل الربوبية في كلمة التوحيد , فيكون النبي –ص- عندما دعا إلى كلمة التوحيد دعا المشركين إلى الألوهية والربوبية معاً! ويكون معنى لا إله إلا الله هو توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية , لا كما قال أن معناها توحيد الألوهية لا توحيد الربوبية , ولذلك تراهم يعرفون التوحيد بتوحيد الألوهية , فقد قال محمد بن عبد الوهاب في بداية "كشف الشبهات" :
    ( اعلم –رحمك الله- أن التوحيد هو : إفراد الله –سبحانه- بالعبادة ) .


    أما أهل السنة فيعرفون التوحيد بكلا القسمين , ففي هداية المريد لجوهرة التوحيد قال :
    ( والمراد بالتوحيد هنا الشرعي , وهو : إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً ) (5)

    فانظر كيف حمل الوهابية نصوص الربوبية على الألوهية , ولمّا جاؤوا إلى نصوص الألوهية لم يحملوها على الربوبية! بل قصروها على الألوهية , ولم يحملوها على كليهما معاً على الأقل .


    --------------------------------------------------------
    1- عند تفسير الآية 65 من سورة يونس .
    2 - عند تفسير الآية 4 من سورة المجادلة .
    3 - باب الظهار .
    4 - فصل مصرف الزكاة .
    5-هداية المريد لجوهرة التوحيد , ج1-ص 83 , ط1 دار البصائر

  6. والخالقُ،
    الصواب : والخالقِ , بالكسر .

  7. ج- كلام العلماء في آية الميثاق وسؤال القبر :

    وأقول أيضاً : هل ذهب أحد من الأئمة المحققين إلى ما ذهب إليه ابن عبد الوهاب في كلامه السابق , مِن حَمْلِه نصوصََ الربوبية على الألوهية؟ أم أنهم أجرَوها وأبقوها على الربوبية لاعتقادهم التلازم بين التوحيدين؟!

    إن المتأمل نصوص العلماء من المتقدمين والمتأخرين , يجد أنّ مؤسس الوهابية خالف أعلام الإسلام في حمله نصوص الربوبية على الألوهية , وإليك أقوال الأئمة في أجلى النصوص التي يستشهد بها الوهابية على ذلك , وهي آية العهد والميثاق , وحديث سؤال القبر:

    * قال تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين } الأعراف: ١٧٢

    قال أبو جعفر الطبري المتوفى عام "310هـ" في تفسيره (13 /249-250):
    ( واختلف في قوله: (دْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين ) ، فقال السدي: هو خبرٌ من الله عن نفسه وملائكته، أنه جل ثناؤه قال هو وملائكته إذ أقرَّ بنو آدم بربوبيته حين قال لهم ألست بربكم؟ فقالوا: "بلى". فتأويل الكلام على هذا التأويل: "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى". فقال الله وملائكته: شهدنا عليكم بإقراركم بأن الله ربكم ، كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. وقد ذكرت الرواية عنه بذلك فيما مضى، والخبرَ الآخرَ الذي روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك.
    وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قيل بعض بني آدم لبعض، حين أشهد الله بعضهم على بعض. وقالوا: معنى قوله: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ): وأشهد بعضهم على بعضٍ بإقرارهم بذلك ، وقد ذكرت الرواية بذلك أيضًا عمن قاله قبلُ... )

    فلم يقل أنّهم أقروا بالألوهية لا بالربوبية , وأنّ المقصود بالرب هنا هو الإله لا الرب!!

    وقال أبو الليث السمرقندي المتوفى عام "375هـ" في بحر العلوم (1/59 , ط 1 , دار الكتب العلمية) :
    ( وقوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ } أي : اذكر يا محمد إذا أخذ ربك . ويقال : معناه وقد أخذ ربك من بني آدم من ظهور بني آدم { ذُرّياتهم}( ) يعني : أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني آدم ذريتهم . وقال بعضهم : يعني الذرية التي تخرج وقتاً بعد وقت إلى يوم القيامة { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } فقال لهم : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } يعني : إنَّ كل بالغ تشهد له خلقته بأن الله تعالى واحد { شَهِدْنَا } يعني : قال الله تعالى شهدنا { أَن تَقُولُواْ } أي لكيلا تقولوا . ويقال : هذا كراهة أن يقولوا : { يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } ) .

    وقال أبو الحسن الماوردي المتوفى عام "450هـ" في النكت والعيون (2/278 , ط دار الكتب العلمية ومؤسسة الكتب الثقافية):
    (وفي { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ } قولان : أحدهما : هو أنه دلهم على أنفسهم بما شهدوه من قدرته ، قاله بعض المتكلمين . والثاني : هو إشهادهم على أنفسهم بما اعترفوا من ربوبيته ووحدانيته ) .

    وقال أبو الحسن الواحدي المتوفى عام "468هـ" في الوجيز:
    ({ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } أخرج الله تعالى ذريَّة آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء ، وجميعُ ذلك أخرجه من صلب آدم مثل الذَّرِّ ، وأخذ عليهم الميثاق أنَّه خالقهم ، وأنَّهم مصنوعون ، فاعترفوا بذلك وقبلوا ذلك بعد أن ركَّب فيهم عقولاً ، وذلك قوله : { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم } أي : قال : ألستُ بربكم { قالوا بلى } فأقرُّوا له بالربوبيَّة ) .

    وقال أبو القاسم الزمخشري المتوفى عام "538هـ" في الكشاف :
    (قوله : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا } من باب التمثيل والتخييل ! ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته ، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم : ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا : بلى أنت ربنا ، شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك).

    وقال أبو الفرج ابن الجوزي المتوفى عام "597هـ" في زاد المسير (3/285 , ط 3 , المكتب الإسلامي):
    (قوله تعالى : { ألست بربكم } والمعنى : وقال لهم : ألست بربكم؟ وهذا سؤال تقرير . قالوا : بلى شهدنا أنك ربنا) .

    وقال أبو الخير البيضاوي المتوفى عام "691هـ" في أنوار التنزيل :
    ({ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا} أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الاقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم : { قَالُواْ بلى } ) .

    * وقد جاء في صحيح مسلم وغيره حديث سؤال القبر , وفيه أن الملائكة يسألون العبد : (مَنْ رَبّك؟) .

    والمحدثون وشراح الحديث اكتفوا بإيراد الحديث كما هو دون شرحهم معنى (من ربك؟) لوضوحها , ولم يقل أحد منهم أن السؤال عن الألوهية دون الربوبية كما قال رئيس الوهابية , إلا أن الملا علي قاري في شرحه مسند الإمام أبي حنيفة (1/366) حمل الربوبية على الخلق والرزق لا على الألوهية , فقال :
    ( (أتاه الملك) أي جليسه ، فلا ينافي ما ورد من أنه أتاه ملكان أسودان أزرقان ، يقال لأحدهما نكير ، وللآخر منكر (فأجلسه) أي أحدهما ، أو كل منهما (فقال : من ربك؟) الذي خلقك ورزقك , (فقال) أي المؤمن (الله) أي ربي ) .

    فأنت ترى أنّ الوهابية خالفوا الأئمة في حملهم الربوبية في هذين النصين على الألوهية , ولم يحملوها على الأقل على معنى يشمل الرب والإله , لأنهم يرون أنّ الربوبية الكاملة متحققة عند المشركين(1) , وأنها: "ما يمتحن أحد بها" , فلذلك تراه قام بِلَيّ أعناق النصوص لتوافق مشربه , وهكذا عادة أهل البدع في تحريف الكلم عن مواضعه , إذا خالف ما أسسوه من عقائد ناتجة عن أهوائهم , ونصوص الأئمة السابقة تبيّن أنهم لم يحملوا الربوبية على الألوهية كما فعل هو , بل أبقوها كما هي دالّة على الربوبية المستلزمة للألوهية .

    وبسبب هذا الفهم الباطل قال ابن عبد الوهاب "في الدرر السنية" في رسالة إلى قاضي الدرعية الشيخ عبد الله ابن عيسى (10/51) :
    ( وأنا ذلك الوقت لا أعرف معنى (لا إله الا الله)!! ولا أعرف دين الاسلام!! ، قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به ، وكذلك مشايخي ما منهم رجل عرف ذلك!! , فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى (لا اله الا الله) أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت! ، أو زعم عن مشايخه أن أحداً عرف ذلك ، فقد كذب وافترى ولبّس على الناس ومدح نفسه بما ليس فيه!!!) .

    فانظر يا رعاك الله إلى ماذا جرّ فهمه الباطل لكلمة التوحيد! فقد كفّر مشايخه وكفّر نفسه وكفّر العلماء والمشايخ حوله , ولا حول ولا قوة إلا بالله , فكل بدعة تجرّّ إلى بدع أخرى , نسأل الله السلامة . (2)


    --------------------------------------------------------
    1- قال مؤسس الوهابية في كشف الشبهات : (فإن قال : هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام ! كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام ، أم كيف تجعلون الأنبياء أصناما فجاوبه بما تقدم . فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله...) الخ ترهاته

    فهو يرى أنهم موحدون في الربوبية توحيداً كاملاً .

    2- وهذه الجرأة تذكرني بما قاله إمامه ابن تيمية في حق آبائه , حيث قال في مجموع الفتاوى (6/258) عن مسألة حلول الحوادث : (وَلَكِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَسْأَلَةُ الزِّيَارَةِ وَغَيْرُهُمَا حَدَثَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهَا شُبَهٌ , وَأَنَا وَغَيْرِي كُنَّا عَلَى مَذْهَبِ الْآبَاءِ فِي ذَلِكَ نَقُولُ فِي الْأَصْلَيْنِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ ؛ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَنَا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ!! دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنْ نَتَّبِعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَوْ نَتَّبِعَ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا , فَكَانَ الْوَاجِبُ هُوَ اتِّبَاعُ الرَّسُولِ!!!) .

  8. د- كلمةُ التوحيدِ تتضمنُ التوحيدين معاً عند الإمام الطبري:

    ومن الجدير أن أذكر بعض نصوص للإمام السلفي أبي جعفر الطبري في بيان أنّ كلمة التوحيد تتضمن التوحيدين معاً لا توحيد العبادة فقط , فقد جاء في تفسيره رحمه الله (6/168 , ط 2 , مكتبة ابن تيمية) :
    ( القول في تأويل قوله : {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} قال أبو جعفر: وهذا القول تنزيه من الله تعالى ذكره نفسه أن يكون له في ربوبيته ند أو مثل أو أن تجوز الألوهة لغيره , وتكذيب منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا، من وفد نجران الذين قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وسائر من كان على مثل الذي كانوا عليه من قولهم في عيسى ، ولجميع من ادعى مع الله معبودا أو أقر بربوبية غيره ) .

    ۞ قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة: ٢١
    قال الطبري في تفسيره (1/364):
    ( فإن قال لنا قائل: فكيف قال جل ثناؤه:"لعلكم تتقون"؟ أو لم يكن عالمًا بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عبدوه وأطاعُوه، حتى قال لهم: لعلكم إذا فعلتم ذلك أن تتقوا، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج الشكّ؟
    قيل له: ذلك على غير المعنى الذي توهَّمتَ، وإنما معنى ذلك: اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة ) .

    وقال عند تفسير الآية "133" من سورة البقرة (3/99 ) :
    ( "إلهاً واحدا" أي: نخلص له العبادة ونوحد له الربوبية ، فلا نشرك به شيئا ولا نتخذ دونه ربا )

    وقال عن تفسير الآية "163" من سورة البقرة :
    (وأما قوله:"لا إله إلا هو"، فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيرُه ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه، وأنّ كلّ ما سواه فهُم خَلقه، والواجبُ على جميعهم طاعته والانقيادُ لأمره، وتركُ عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجْر الأوثان والأصنام .) .

    وقال عند تفسير الآية "65" من سورة "ص" :
    ( (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) يقول: وما من معبود تصلح له العبادة وتنبغي له الربوبية، إلا الله الذي يدين له كل شيء، ويعبدُه كلّ خلق، الواحد الذي لا ينبغي أن يكون له في ملكه شريك، ولا ينبغي أن تكون له صاحبة، القهار لكلّ ما دونه بقدرته، ربّ السموات والأرض)

    وقال عند تفسير الآية "31" من سورة التوبة :
    ( وأما قوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا)، فإنه يعني به : وما أمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبارَ والرهبان والمسيحَ أربابًا، إلا أن يعبدوا معبودًا واحدًا، وأن يطيعوا إلا ربًّا واحدًا دون أرباب شتَّى، وهو الله الذي له عبادة كل شيء، وطاعةُ كل خلق، المستحقُّ على جميع خلقه الدينونة له بالوحدانية والربوبية ) .

    وذهب إلى مثل ذلك الإمام ابن كثير في تفسيره عند تفسير الآية "30" من سورة الرعد :
    ({ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به معترف مقر له بالربوبية والإلهية ) .

    ولم يفرّق الإمام الطبري رحمه الله بين التوحيدين كما فعل الوهابية , بل كان يرى أن الإله يشملهما معاً وكذلك الرب , فقد قال عند تفسير الآية "148" من سورة الأعراف (13/118) :
    (يقول الله جل ثناؤه: "اتخذوه"، أي: اتخذوا العجل إلهًا وكانوا باتخاذهم إياه ربًّا معبودًا ظالمين لأنفسهم، لعبادتهم غير من له العبادة، وإضافتهم الألوهة إلى غير الذي له الألوهة ) .

    وهذه الآية تتحدّث عن قصة بني إسرائيل والعجل الذي عبدوه , وقد أخبر القرآن الكريم عنها في أكثر من موضع , وأخبر عن إنكار سيدنا موسى وسيدنا هارون –عليهما السلام- على بني إسرائيل في ذلك .

    فقد قال لهم سيدنا موسى كما أخبر القرآن الكريم : { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } طه: ٩٨ .

    أي ليس إلهكم هذا العجل , كما اعتقدتم .

    قال ابن الجوزي في زاد المسير (5/320) :
    ({إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } أي : هو الذي يستحق العبادة , لا العجل ).

    وقال لهم سيدنا هارون كما أخبر القرآن الكريم : { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ } طه: ٩٠ .
    أي ليس ربكم هذا العجل , كما اعتقدتم .

    قال ابن الجوزي في زاد المسير (5/316) :
    ({وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ } , لا العجل ) .

    فقد اجتمع "الرب" والإله" في نفس الموضع , وهذا يستلزم افتراقهما في المعنى على رأي الوهابية , فيكون عبّادُ العجل قد اتخذوه إلهاً ورباً ! فأشركوا في الألوهية والربوبية !!

    وقال الطبري عند تفسير الآية الثانية من سورة آل عمران (6/150):
    (..إذ كان كلّ معبود سواه فملكه ، وكل معظَّم غيرُه فخلقهُ ، وعلى المملوك إفرادُ الطاعة لمالكه ، وصرفُ خدمته إلى مولاه ورازقه ومعرِّفًا مَنْ كان مِنْ خَلقه يَوم أنزل ذلك إلى نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم- بتنزيله ذلك إليه ، وإرساله به إليهم على لسانه -صلوات الله عليه وسلامه- مقيمًا على عبادة وثن أو صنم أو شمس أو قمر أو إنسي أو مَلَك أو غير ذلك من الأشياء , التي كانت بنو آدم مقيمةً على عبادته وإلاهته ومتَّخذَه دون مالكه وخالقه إلهًا وربًّا , أنه مقيم على ضلالة ، ومُنعدلٌ عن المحجة، وراكبٌ غير السبيل المستقيمة، بصرفه العبادة إلى غيره، ولا أحدَ له الألوهية غيره).

    وقال عند تفسير الآية "62" من سورة آل عمران (6/476) :
    ( ويعني بقوله: "العزيز" العزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، وادعى معه إلهًا غيرَه أو عبد ربًّا سواه , "الحكيم" في تدبيره، لا يدخل ما دبره وَهَنٌ، ولا يلحقه خللٌ ) .

    وقال عند تفسير الآية "172" من سورة الأعراف :
    (.. عن أبي بن كعب قال: جمعهم يومئذٍ جميعًا، ما هو كائن إلى يوم القيامة ، ثم استنطقهم، وأخذ عليهم الميثاق (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون)، قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرَضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم: أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا! اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري، ولا تشركوا بي شيئًا، وأني سأرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي، وسأنزل عليكم كتبي ! قالوا: شهدنا أنك ربُّنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك ، ولا إله لنا غيرك ) (1).

    فأين هذا من نظرة الوهابية القائلة بأن المقصود من الرب في الآية هو الإله؟!



    --------------------------------------------------------
    1- روى هذا الأثر الحاكم في المستدرك 2/232 وصححه , ووافقه الذهبي في التلخيص

  9. هــ- استعمال القرآن الكريم كلمتي "الرب" و"الإله" دون التفريق بينهما كتفريق الوهابية

    وقد استعمل القرآن الكريم "الرب" و "الإله" ولم يفرق بينهما هذا التفريق الذي تدعيه تلك الطائفة :

    ۞ قال تعالى : { وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } الحديد: ٨ .
    قال الطبري في تفسيره :
    ( يقول تعالى ذكره: (وما لكم لا تؤمنون بالله) وما شأنكم أيها الناس لا تقرّون بوحدانية الله!، ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- يدعوكم إلى الإقرار بوحدانيته ، وقد أتاكم من الحجج على حقيقة ذلك، ما قطع عذركم، وأزال الشكّ من قلوبكم ، (وقد أخذ ميثاقكم) ، قيل: عني بذلك؛ وقد أخذ منكم ربكم ميثاقكم في صُلب آدم، بأن الله ربكم لا إله لكم سواه ) .

    ۞ قال تعالى : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } الأنبياء: ٢٢
    فهذه الآية تبرهن على بطلان تعدد الآلهة , فلو كان في السماوات والأرض من يستحق العبادة غير الله تعالى لفسد نظامهما ومن فيهما , والمستحق للعبادة هو الرب المدبر المتصف بجميع خصائص الربوبية وليس المعبود , إذ لو كان المعبود فقط لما أفادت الآية بطلان تعدد الآلهة , إذ كان من المشاهد وجود كثير من المعبودات حول الكعبة , ومع ذلك لم يضطرب نظام الكون ولم يفسد ما فيه .

    ۞ قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } الأحقاف: ١٣.
    قال الطبري في تفسيره :
    (" ثُمَّ اسْتَقَامُوا" على تصديقهم بذلك , فلم يخلطوه بشرك، ولم يخالفوا الله في أمره ونهيه).

    فالرب هنا صاحب صفات الربوبية والمعبود , فلم يفصل القرآن بينهما .

    وقال الطبري في تفسير الآيات "124-126" من سورة الصافات :
    (( إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ ) , يقول حين قال لقومه في بني إسرائيل: ألا تتقون الله أيها القوم، فتخافونه، وتحذرون عقوبته على عبادتكم ربا غير الله وإلهًا سواه , (وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ) يقول: وتَدعون عبادة أحسن مَن قيل له خالق. وقد اختلف في معنى بَعْل، فقال بعضهم: معناه: أتدعون ربا؟ وقالوا: هي لغة لأهل اليمن معروفة فيهم.
    * ذكر من قال ذلك : ....عن عكرمة، في قوله( أَتَدْعُونَ بَعْلا ) قال: إلها. .... عن عكرمة، في قوله ( أَتَدْعُونَ بَعْلا ) يقول: أتدعون ربا، وهي لغة أهل اليمن، تقول: من بعل هذا الثور: أي من ربُّه؟ . .... عن مجاهد، في قوله (أَتَدْعُونَ بَعْلا ) قال: ربا. .... عن قتادة، قوله (أَتَدْعُونَ بَعْلا) قال: هذه لغة باليمانية: أتدعون ربا دون الله. .... عن السديّ، قوله ( أَتَدْعُونَ بَعْلا ) قال: ربّا...الخ) .

    فاعتبر الطبري كلمة "الرب" شاملة للربوبية والألوهية .

    ۞ وقال تعالى على لسان سيدنا يوسف : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ }
    وقال بعدها : { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } يوسف: ٣٩ – ٤٠.


    فالذين عبدوهم كانوا أرباباً بالنسبة لهم .

    ۞ قال تعالى : { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } المؤمنون: ٩١ .

    فالإله في الآية هو المتصرف المدبّر , فتعدد الآلهة يؤدّي إلى الاختلاف والتنازع وعلو كلّ منهم على الآخر , وانفراد كل واحد منهما بما خلقه , فالذي يعتقد بوجود آلهة غير الله فإنه يعتقد بوجود أرباب غير الله تعالى , فيستحيل أن يكون موحداً توحيد ربوبية .

    ۞ قال تعالى : {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ } الأنبياء: ٩٨ - ٩٩
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( ولو كان ما تعبدون من دون الله آلهة ما وردوها ، بل كانت تمنع من أراد أن يوردكموها إذ كنتم لها في الدنيا عابدين ، ولكنها إذ كانت لا نفع عندها لأنفسها ولا عندها دفع ضر عنها ، فهي من أن يكون ذلك عندها لغيرها أبعد ، ومن كان كذلك كان بينا بعده من الألوهة ، وأن الإله هو الذي يقدر على ما يشاء ولا يقدر عليه شيء ، فأما من كان مقدورا عليه فغير جائز أن يكون إلها ) .

    فبيّنت هذه الآية بطلان إلهية الأصنام بالاستدلال بعجزها عن نفع أنفسها , فإن الإله من كان قادراً على ما يشاء ولا يقدر عليه شيء , فلو كان معنى الإله هنا مجرد المعبود لما تمّ الاستدلال على بطلان إلهية الأصنام , فكان معنى الإله في الآية مشتملاً على معنى الرب القادر .

  10. و- هل أقسام التوحيد عند الوهابية كأقسام الكلمة عند النحويين؟

    ويمثل الوهابية لتقسيمهم التوحيد , بتقسيمِ اللغويين الكلمةَ إلى اسمٍ وفعلٍ وحرف , إلا أن هذا الضّربَ من التقسيم لا ينطبق على تقسيمهم للتوحيد , لأن كلّ قسم من أقسامه يحمل أحكام المَقْسِم والجنسَ الجامع لها , فالاسمُ يحمل أحكام الكلمة والفعلُ يحمل أحكامها والحرفُ يحمل أحكامها , فكلٌ من الاسم والفعل والحرف كلمةٌ ويحمل أحكام الكلمة , أي أنّه يصح حمل القِسْم على المَقْسِم , ومعلومٌ أنّ التوحيد هو الإكسير الأعظم , ولو وضعت ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبتها حسنات , وينجي صاحبه من الخلود في جهنم , ويوصله إلى الخلود في الجنة , فلو كان تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية من هذا النوع من التقسيم , لكان لكلّ قسم من أقسام التوحيد أحكامُ التوحيد الكامل , فيكون الموحد في الربوبية مؤمناً ناجياً , ويكون الموحد في الألوهية مؤمناً ناجياً , إلا أن الوهابية ينكرون أن يكون كل قسم من أقسام التوحيد , يحملُ أحكام التوحيد الكامل , مِن نجاة صاحبه من النار , وخلوده في الجنّة , فتمثيلهم تقسيمَهم هذا بتقسيم اللغويين للكلمة باطل .

    ولو قال وهابي: إن تقسيمنا للتوحيد هو من باب تقسيم البيت الشعري إلى صدر وعجز , وهكذا ينقسم التوحيد إلى ربوبية وألوهية .

    قلت : وهذا باطل أيضاً , لأن كل قسم في هذا النوع لا يحمل أحكام المَقْسِم , فلا نقول بأن صدرَ البيتِ بيتٌ شعري , ولا نقول أن عجزَ البيت بيتٌ شعري , ولا يوجد اشتراكٌ بين الأقسام كالاشتراك في تقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف , والوهابية يقولون بأن الموحد في الربوبية قد لا يكون موحداً في الألوهية , أما الموحد في الألوهية فيجب أن يكون موحداً في الربوبية , لأن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية , فيكون على هذا توحيدُ الربوبية قسماً مغايراً لتوحيد الألوهية , وقسماً منه في نفس الوقت , وهذا تناقض , فليس تقسيمهم التوحيد كتقسيم البيت الشعري إلى صدر وعجز .

    وعلى هذا , فإن التوحيد إمّا أن يوجد كلّه بقسميه وإما أن يعدم كلّه بقسميه , لما بين الربوبية والألوهية من التلازم وعدم الانفكاك , فإذا لم يكن تقسيم الوهابية للتوحيد مطابقاً لأحد نوعي التقسيم السابقة (1) , فهذا يدل على أنّه تقسيم فاسد غير صحيح , لأن الأحكام واللوازم التي ألصقوها بكل قسم من أقسلمه باطلة غير صحيحة .

    ◙ ومن هنا تعلم مخالفة الحق والصواب , دون شك وارتياب , في كلام الألباني (في تعليقه على الطحاوية) حينما ذكر أن أنواع الشرك ثلاثة :
    الأول : الشرك في الربوبية , وذلك بأن يعتقد أن مع الله خالقاً آخر-سبحانه وتعالى- .
    الثاني : الشرك في الألوهية أو العبودية , وهو أن يعبد مع الله غيره .
    الثالث : الشرك في الصفات , وذلك بأن يصف بعض خلقه تعالى ببعض الصفات الخاصة به –عز وجل- .
    ثم قال : ( هذه الأنواع الثلاثة من الشرك , من نفاها عن الله في توحيده إياه فوحّده في ذاته وفي عبادته وفي صفاته فهو الموحّد الذي تشمله كل الفضائل الخاصة بالموحّدين) .

    قلت : هذا ناتج عن قلة تدبّر وتفكّر , فقد حصر الربوبية في الخالقية , وجعل المشرك في الربوبية من اعتقد أن مع الله خالقاً آخر, وهذا باطل لأن صفات الربوبية وأفعالها غير محصورة , فالربوبية أعم من الخالقية بكثير , ومن أشرك مع الله تعالى أحداً في صفة منها سواء كانت الخلق أو غيرها فهو مشرك في الربوبية .

    فالمشركون كانوا جاهلين بالله تعالى , ولا أعني به مجرد الجهل بكونه موجوداً , بل أعني الجهل بذاته وبصفاته وبأفعاله , والجهل في استحقاقه التفردَ بالمعبودية , وهذا شرك في الربوبية .

    ثم إنه حَصَرَ شرك الصفات في إشراك الخلق بصفات الرب تعالى , مع أنه مشتمل على إشراك الرب بصفات الخلق أيضاً , وهو شرك التمثيل والتشبيه .

    وبعد هذا جعل الموحّد في هذه الأقسام الثلاثة له كل الفضائل الخاصة بالموحّدين! , لكننا لو قلنا أن رجلاً أقر بوحدانية الله تعالى في ربوبيته وخالقيته وتدبيره , وفي أسمائه وصفاته , ولم يصرف شيئاً من العبادة لغيره , إلا أنه كفر بوجود الملائكة أو أحد من الرسل أو الكتب أو اليوم الآخر أو القَدَر , فلن يتحصل على الفضائل الخاصة بالموحدين , ولن ينجو يوم القيامة , ولا يرتاب في هذا مؤمن عاقل , فضلاً عن فاضل . (2)

    ثم إن الوهابية يقولون أن العرب كانوا موحدين في الربوبية توحيداً تاماً , فعلى قول الألباني يصح القول بأن المنافقين تشملهم كل الفضائل الخاصة بالموحّدين , لأنهم لم يكونوا يعبدون الأصنام وهم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- , بل كانوا يصلون معه ويجاهدون معه ويحجون ويتصدقون ويقيمون أركان الإسلام!!

    ولو كان المشركون مؤمنين بالربوبية إيماناً كاملاً لكان مصيرهم إلى الجنة , فإن النبي –ص- يقول في الحديث الذي رواه البخاري (ر: 6886) : ( فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ ).

    ثم قال : (ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ ) .

    إلى أن قال : (ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ) .

    وما رواه البخاري أيضاً (ر:6956) فيه : (فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ , فَأَخْرِجْهُ )

    وقال : ( فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي , فَيَقُولُ انْطَلِقْ َفأخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ) .

    وهذا يدل على أن المشركين ليس عندهم توحيد اعتقادي (توحيد الربوبية) , فالتوحيد إذا تحقق في العبد فإنه يتحقق بالكلية , ولعل هذا السر فيما نسمعه هذه الأيام من الأصوات النشاز القائلة بفناء نار الكفّار!!! والعياذ بالله تعالى من الخسران والبوار .

    وقد روى الترمذي وصححه عن سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : "قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ , قَالَ : ( قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ) " . وَأَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ.(تحفة الأحوذي) .

    فلو أن المشركين كانوا يقولون ربنا الله واستقاموا على تصديقهم بذلك , لما أنكر عليهم النبي –صلى الله عليه وسلم- , ولما كان هناك فائدة في نصح هذا الصحابي بهذه النصيحة .

    --------------------------------------------------------
    1- قال ابن تيمية في "الرد على المنطقيين" ص 127 : ( القسمة نوعان: قسمة الكلى إلى جزئياته وقسمة الكل إلى أجزائه والقسمة الثانية هي المعروفة في الأمر العام كما يقول العلماء باب القسمة ويذكرون قسمة المواريث والمغانم والأرض وغير ذلك... .
    أما تقسيم الكلى إلى جزئياته فمثل قولنا الحيوان ينقسم إلى ناطق وأعجمي وهو قسمة الجنس إلى أنواعه والنوع إلى أشخاصه) .
    وقال الإمام زكريا الأنصاري في "غاية الوصول" عند كلامه على الحروف : ( (وللتقسيم) نحو الكلمة اسم أو فعل أو حرف أي مقسمة إلى الثلاثة تقسيم الكلي إلى جزئياته فتصدق على كل منها , ونحو السكنجبين خلّ أو ماء أو عسل تقسيمه إلى الثلاثة تقسيم الكل إلى أجزائه فلا يصدق على كل منها ) .

    وتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف هو من تقسيم الكلي إلى جزئياته (القسمة الذهنية) , وتقسيم البيت الشعري إلى صدر وعجز هو من تقسيم الكل إلى أجزائه (القسمة الفعلية) , فإذا كان هناك تقسيم لا تنطبق عليه شروط أحد هذين النوعين من التقسيم , فذلك تقسيم فاسد غير تام , أو تقسيم أضيف إليه ما ليس منه .

    2- جاء في تفسير السعدي عند تفسير قوله تعالى : {وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا} : (واعلم أن الكفر بشيء من هذه المذكورات كالكفر بجميعها، لتلازمها وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض ) .

  11. ز- إبطال قولهم أن توحيد الربوبيةِ يستلزمُ توحيدَ الألوهية , والألوهية يتضمنُ الربوبية

    يقول بعض الوهابية : إننا لا ننكر أن الأنبياء –عليهم السلام- دعَوا أقوامهم إلى الربوبية , وأنّ كلمة التوحيد التي دعا إليها الأنبياء –عليهم السلام- مشتملة على توحيد الربوبية , وذلك لأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية , وتوحيد الألوهية يتضمّن توحيد الربوبية , فقد قال ابن عثيمين في فتاويه (7/22) :
    ( واعلم أن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية ، وأن الإقرار بالألوهية متضمن الإقرارَ بالربوبية .
    أما الأول : فهو دليل ملزم , أي إن الإقرار دليل ملزم لمن أقر به أن يقر بالألوهية ؛ لأنه إذا كان الله وحده هو الخالق وهو المدبر للأمور وهو الذي بيده ملكوت كل شيء , فالواجب أن تكون العبادة له وحده لا لغيره.
    والثاني : متضمن للأول , يعني أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية ؛ لأنه لا يتأله إلا للرب-عز وجل- الذي يعتقد أنه هو الخالق وحده وهو المدبر لجميع الأمور سبحانه وتعالى )

    أقول أولاً : هل هذا التلازم بين قسمي التوحيد عقلي كالتلازم بين تعدد الآلهة وفساد الكون؟ أم هو عادي كالتلازم بين طلوع الشمس ووجود النهار؟ أم هو شرعي كلُزُومِ الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ ؟

    أياً كان التلازم فهو لا يلائم الرؤية الوهابية , فإنّهم يرون جواز وجود التوحيد الكامل في الربوبية , مع انتفاء التوحيد في الألوهية , فكيف يكون توحيد الربوبية مستلزماً للألوهية؟!

    وإذا كان التوحيد في الربوبية يستلزم التوحيد في الألوهية , والمشركون لم يوحدوا في الألوهية , فهذا يدل على أنّهم لم يوحدّوا أيضاً في الربوبية , لأن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم , كما أن انتفاء وجود النهار يدل على انتفاء طلوع الشمس , فقول ابن عثيمين : ( أي إن الإقرار دليل ملزم لمن أقر به أن يقر بالألوهية) يدلّ على أنّ إقرار المشركين لم يكن إقراراً حقيقياً , وإلا لأقروا بالألوهية , وهذا يخالف ما ذهبوا إليه .

    وتمييز الوهابية بين التوحيدين وقولهم بأن توحيد الربوبية يستلزم الألوهية , يدلّ على تغاير قسمي التوحيد , فيرون أنّ توحيد الربوبية يلزم من عدمه انتفاء توحيد الألوهية , لكن لا يلزم من وجوده تحقق التوحيد في الألوهية , فهو إذن شرط لتوحيد الألوهية والشرط خارج عن حقيقة الشيء مغاير له (1) , ثم يقولون أنّ توحيد الألوهية متضمِّن لتوحيد الربوبية , ولا يلزم من تحقق التوحيد في الربوبية التوحيدُ في الألوهية , ولكن يلزم من انتفائه انتفاء التوحيد في الألوهية , فهو إذن ركنٌ لتوحيد الألوهية! فكيف يصبح توحيد الربوبية شرطاً للألوهية وركناً منه في نفس الوقت؟! أليس هذا تناقضاً!! ألا يعنى هذا أن الشيء صار شرطاً لنفسه؟!!

    ولو سرنا على التصوير الوهابي لتَضَمُّن توحيدِ الألوهية توحيدَ الربوبية , سنصل إلى توحيدٍ واحدٍ دعت إليه الرسل وخاصموا فيه أقوامهم , يشتمل على الربوبية والألوهية!! فلا داعي إذن لهذا التقسيم! لكن يواجههم أنّهم جعلوا توحيد الربوبية قسيما لتوحيد الألوهية!

    ثُم كيف يكون توحيدُ الربوبية مستلزماً لتوحيدِ الألوهية وهو مُتَضَمَّنٌ وداخل فيه؟ فالشيء الذي يكون ضمن غيره لا يستلزمه , لأنّ ذلك يعني أنه يستلزم نفسه أيضاً , فهل يُعقل أن يكون توحيد الربوبية مستلزماً أمراً هو جزء منه! أي أنه يستلزم نفسه!! وهذا دور .

    وقول هؤلاء الوهابية إننا لا ننكر أن الأنبياء دعَوا إلى الربوبية , مناقضٌ لما قرّروه من إيمان المشركين في الربوبية إيماناً تاماً , فإنّ دعوة المشركين إلى الربوبية عندئذ تحصيل حاصلٍ ، وتعبٌ في غير طائل!!

    وتأمّل قول ابن عثيمين: ( لأنه لا يُُتأله إلا للرب-عز وجل- الذي يُعتقد أنه هو الخالق وحده وهو المدبر لجميع الأمور سبحانه وتعالى ) .

    هذا الكلام اعترافٌ بأن المشركين قد اعتقدوا خصائص الربوبية في أصنامهم التي تألهوا لها وعبدوها , لأنه لا يُتأله إلا للرب!! وهذا ينقض اعتقاد الوهابية في المشركين بأنهم كانوا موحدين في الربوبية .



    يتبع..
    الفصل الثاني : اعتقادات الأمم في معبوداتهم قبل الإسلام وإشراكهم في الربوبية
    الفصل الثالث : مخاصمة الأنبياء أقوامَهم في الربوبية
    الفصل الرابع : مناقشة أدلة الوهابية في ذهابهم إلى إيمان المشركين بالربوبية إيماناً تامّاً



    --------------------------------------------------------
    1- فإن الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم وكان خارجاً عن ماهية الشيء , كالطهارة للصلاة , فيلزم من عدم وجود الطهارة عدم الصلاة , ولا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة , والطهارة ليست جزءاً من الصلاة .

    أمّا الركن فهو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم وكان داخلاً في ماهية الشيء , كالفاتحة للصلاة , فيلزم من عدم قراءة الفاتحة عدم الصلاة , ولا يلزم من قراءتها وجود الصلاة , وهي جزء من الصلاة .

  12. الفصل الثاني : اعتقادات الأمم في معبوداتهم قبل الإسلام
    وإشراكهم في الربوبية


    المبحث الأول : اعتقادات المصريين القدماء

    المبحث الثاني : اعتقادات الهنود

    المبحث الثالث : اعتقادات اليونان

    المبحث الرابع : اعتقادات الرومان

    المبحث الخامس : اعتقادات أهل الصين

    المبحث السادس : اعتقادات العرب

    أولاً : اليهودية والنصرانية

     قوله تعالى : ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله)
     قوله تعالى : ( وقالت اليهود يد الله مغلولة )
     قوله تعالى : ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء)
     قوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة )
     تفسير الألوسي لقوله تعالى : (لم يلد ولم يولد)
     قوله تعالى عن سيدنا عيسى والسيدة مريم : ( كانا يأكلان الطعام )
     نصوص من كتب أهل الكتاب في تنقيص رب الأرباب

    ثانياً : المجوسية

    ثالثاً : الصابئة

    رابعاً: الوثنية والصنمية :

    أ- المشركون لم يثبتوا لله تعالى الربوبية
     قوله تعالى : (فذلكم الله ربكم الحق)
     قوله تعالى : ( أجعل الآلهة إلها واحدا)
     الفرق بين (مع الله) و (من دون الله)
     قوله تعالى : ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض..)
     قوله تعالى : ( قل اللهم مالك الملك ..)
     قوله تعالى : ( من أشد منا قوة )
     قوله تعالى : ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم ..)
     إنكارهم البعث
    ابن القيم : أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم , وأنكروا قدرته
     قوله تعالى : ( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم )
     قوله تعالى : ( فلبئس مثوى المتكبرين )
     قوله تعالى : ( إلا إبليس استكبر )
     قوله تعالى : ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً )
     قوله تعالى : (ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا)
     قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً )

    ب- إثبات المشركين خصائص الربوبية لأصنامهم
     قوله تعالى : ( أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا )
     قوله تعالى : ( فما أغنت عنهم آلهتهم )
     قوله تعالى : ( إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء )
     قوله تعالى : (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ )
     قوله تعالى : ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا )
     قوله تعالى : ( واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون )
     قوله تعالى : ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء )
     قوله تعالى : ( قل أغير الله أتخذ ولياً )
     قوله تعالى : ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم )
     الآيات التي تنفي النفع والضر عن الأصنام جاءت لبيان ضلالهم في اعتقادهم ذلك فيها
     قوله تعالى : ( يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه )
     قوله تعالى : ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم)
     قوله تعالى : ( والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم )
     قوله تعالى : ( أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين )
     قوله تعالى : ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم )
     قوله تعالى : ( ويخوفونك بالذين من دونه )
     قوله تعالى : ( وأنه هو رب الشعرى )
     قوله تعالى : ( وأما الذين استنكفوا واستكبروا )
     قوله تعالى : ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا)
     قوله تعالى : ( والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون )
     قوله تعالى : ( وقالوا لا تذرن آلهتكم ..)
     قوله تعالى : (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا )
     قوله تعالى : ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)
     قوله تعالى : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم )
     قوله تعالى : ( فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً )
     قصة ضمام , وفيها : قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَام!َ اتَّقِ الْجُنُونَ!! قَالَ: وَيْلَكُمْ إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ))
     قول الصحابي راشد السلمي : أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب
     قول زيد بن نفيل : أَرَبّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبّ أَدِينُ , إذَا تُقُسّمَتْ الْأُمُورُ؟
     قول الصحابي المغيرة للمجوسي : لا نعرف رباً , حتى بعث الله إلينا رسولا من أنفسنا
     قصة صنم طي وفيها : يا رب إن مالك بن كلثوم **** أخفرك اليوم بنابٍ علكوم
     نقل السهيلي عن الطبري أنه قال : حَتّى خَلَفَتْ الْخُلُوفُ وَقَالُوا : مَا عَظّمَ هَؤُلَاءِ آبَاؤُنَا إلّا لِأَنّهَا تَرْزُقُ وَتَنْفَعُ وَتَضُرّ
     روى البخاري ومسلم: وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ
     روى الطبراني في الكبير : جَاءَ الذِّئْبُ فَهُوَ بَيْنَ يَدَيِ الصَّنَمِ مَقْمُوطًا، فَذَهَبْتُ مَعَهُمْ، فَقَبَّلُوهُ وَسَجَدُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَكَذَا فَاصْنَعْ
     روى الذهبي في قصة الزنيرة: فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلاّ اللّات والعزّى
     قال المسعودي في قصة وضع الحجر الأسود: وزعموا أن اللات والعزى أحيتاه لذلك المشهد
     روى ابن اسحاق: فخرج أبو لهب عدو الله يظاهر عليهم قريش، وقال: قد نصرت اللات والعزى يا معشر قريش
     قول ابن بطال عن الاستقسام: لأنهم كانوا يستقسمون عند آلهتهم التى يعبدونها ويقولون: يا إلهنا، أخرج الحق فى ذلك
     روى الواقدي في المغازي عن قوم ثقيف: فَصَاحَ أَهْلُ الطّائِفِ صَيْحَةً وَاحِدَةً : كَلّا زَعَمْتُمْ أَنّ الرّبّةَ لَا تَمْتَنِعُ بَلَى وَاَللّهِ لَتَمْتَنِعَنّ
     قول السهيلي عن ابتداء النصرانية بنجران: إنّمَا أَنْتُمْ فِي بَاطِلٍ ، إنّ هَذِهِ النّخْلَةَ لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَعُ
     روى ابن هشام وابن الكلبي عن قصة عمرو بن لحي: فَقَالَ لَهُمْ مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالُوا لَهُ هَذِهِ أَصْنَامٌ نَعْبُدُهَا ، فَنَسْتَمْطِرُهَا فَتُمْطِرُنَا ، و نَسْتَنْصِرُهَا فَتَنْصُرُنَا
     وروى ابن الكلبي في الأصنام قصة الناقة التي نفرت من الصنم : ( أتينا إلى سعدٍ ليجمع شملنا فشتتنا سعد فلا نحن من سعد! ) .
     قول ابن الكلبي عن الاستقسام : فإذا اختصموا في أمرٍ أو أرادوا سفرا أو عملا، أتوه فاستقسموا بالقداح عنده. فما خرج، عملوا به
     كلام الدكتور توفيق برو في : "تاريخ العرب القديم"
     قوله تعالى : ( وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنّهم فيكم شركاء )
     اعتقادهم الشفاعة النافذة في أصنامهم

    ج- أصنامهم أعظم قَدْراً عندهم من الله, ونسبتهم النقائص له سبحانه
     قوله تعالى : ( فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم )
     نسبة الأبناء والبنات لله تعالى
     قوله تعالى : ( وجعلوا له من عباده جزءا )
     قوله تعالى : ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم )
     قوله تعالى : ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض والسماوات في يومين وتجعلون له أنداداً)
     قوله تعالى : ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله )
     قوله تعالى : ( وما قدروا الله حق قدره )
     قوله تعالى : (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله )
     قوله تعالى على لسان سيدنا شعيب : ( أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا)
     قول أبي سفيان في أحد : أعل هبل .
     قوله تعالى : ( قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء)

    خامساً: الدهرية

  13. الفصل الثاني : اعتقادات الأمم في معبوداتهم قبل الإسلام
    وإشراكهم في الربوبية


    إنّ القولَ بأن جميع الأمم والأقوام –سوى قلةٍ نادرةٍ وشرذمةٍ قليلة- كانوا موحّدين في الربوبية توحيداً كاملاً , مخالفٌ لما ثبتَ من عقائد تلك الأمم , فما من أّمةٍ مشركةٍ بالله في العبودية , إلا واعتقدت في معبوداتها شيئاً من النفع والضر وخصائصِ الربوبية , ممّا جعلها تنجذب إلى تلك المعبودات رغبة ورهبة وحباً وخوفاً , وتخضع لها بالتذلل والعبادة , فإنّ الإشراكَ في العبادة ناتج عن الإشراك في الربوبية , وسأذكر باختصارٍ عقائد أكبر الأمم في معبوداتهم , معتمداً على الدراسات التاريخية القديمة والحديثة , وفي ختامِ ذلك سأبيّنُ عقائدَ العرب عند مَبْعثِ النبي –صلى الله عليه وسلم- , معتمداًً في بيانها على الكتاب والسنة وكتب التفسير والسيَرِ والتاريخ .


    المبحث الأول : اعتقادات المصريين :

    تعددت المعبودات الوثنية في الديانة المصرية القديمة , فعبدوا الحيوانات وعبدوا الأشجار وعبدوا الإنسان , لكنّ عبادة الحيوان كانت السائدة بينهم , ولم تكن عبادتهم للحيوانات لمجرد احتكاكهم بها , ( بل قدّسوها على أنها حلّت فيها أرواح الآلهة , يقول أدولف إرمان : واعتقد عبّاد هذه الحيوانات أنها تحوي شيئاً إلهياً في نفسها ) (1)

    يقول أستاذ العقيدة والأديان الدكتور أحمد عجيبة عن المصريين القدماء :
    ( فأخذوا يحلون الإله تارة في العجل , وأخرى في تمساح , وثالثة في قط , ورابعة في طائر , ثم يتبعون هذا الحلول بتقديس تلك الحيوانات ويقدمون لها أنواع العبادة والإجلال ...
    وكان للمصريين أيضاً معبوداتهم الخاصة من النباتات "فقدسوا بعض أنواع النباتات كالنخيل وأشجار الجميز والتين والعنب" إلى غير ذلك من المعبودات النباتية , التي كانت أقل ذيوعاً وانتشاراً من المعبودات الحيوانية , ولقد اعتقد المصريون أيضاً أنّ هذه النباتات حلت فيها روح الإله ...
    وكان للمصريين آلهة من بني البشر اعتقدوا بحلول الإله فيهم ) (2)

    وكذلك عبد المصريون القدماء بعض مظاهر الطبيعة كالنجوم , "وأهم النجوم التي برزت في معبودات المصريين نجم (سوتيس) الشعري , حيث كانوا يعتقدون أنه عندما يظهر هذا النجم في آخر شهر يوليو في السماء صباحاً يكون ذلك بمثابة البشير لوصول الفيضان" (3)

    وكانت هناك ظاهرتان طبيعيتان نالتا قسطاً كبيراً من اهتمام المصريين وأثرتا عليهم أعظم تأثيراً , وتصوروا أن في هاتين الظاهرتين إلهين اثنين كان لهما السيطرة على الديانة المصرية القديمة .
    وهما ظاهرتا الشمس والنيل , أما الإلهان فهما " إله الشمس (رع) وإله النسل أو الخضرة أو الخصوبة (أوزير) أي (أوزيريس) ... , ولقد نسب المصريون لهذا الإله كلّ التطورات التي تحدث على سطح الأرض طوال العام (4)

    فعبد المصريين آلهة متعددة لاسيما مثلثة الأقانيم منها: "أوزيريس" الأب، و"إيزيس" الأم، و"حورس" الابن.
    فاعتقدوا أن إلههم هذا مولود من والده ووالدته، وهو أيضا إله واحد بثلاثة أقانيم يمثل فيها أوزيريس إله عين الشمس "رع"، وهو الإله الخالق باسم "حنوم"، وهو الإله المعلم الحكيم باسم "توت"، ومع هذا كله فإنه إله العالم الآخر.(5)

    وبقيت هذه العقائد عند المصريين حتى جاء الإسلام , فقد أخرج أبو الشيخ (( العظمة ))(4/1424) واللالكائي في (( كرامات الأولياء )) وابن عساكر (( تاريخ دمشق ))(44/336) عن قيس بن الحجاج قال :
    ( لما فتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤونة من أشهر العجم فقالوا له : أيها الأمير إن لنيلنا هذا سُنَّة لا يجري إلا بها. فقال لهم : وما ذاك قالوا : إذا دخلت ثنتا عشرة ليلة من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أباها وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في النيل . قال لهم : إن هذا لا يكون في الإسلام إن الإسلام يهدم ما كان قبله .

    فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى لا يجري قليلًا ولا كثيرًا حتى هموا بالجلاء عنها فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر رضي اللّه عنه بذلك فكتب إليه عمر : " إنك قد أصبت لأن الإسلام يهدم ما كان قبله " وكتب بطاقة داخل كتابه وكتب إلى عمرو : " إني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي فألقها في النيل فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة فإذا فيها : " من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد : فإن كنت تجري من قِبَلك فلا تجر وإن كان اللّه الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل اللّه الواحد القهار أن يجريك " فألقى البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج لأنه لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل .

    فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه اللّه ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة فقطع الله تلك السُّنَّة السوء عن أهل مصر إلى اليوم ) .



    --------------------------------------------------------
    - دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص89 , ط1, دار الآفاق العربية .
    2 - دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص94-95 .
    3 - دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص95 .
    4 - دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص96-97
    5 - أثر العقائد الوثنية في التثليت , أحمد فوزي .

  14. ماشاء الله تبارك الله بحث موفق ونقد محقق

  15. اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالعزيز عبد الرحمن علي مشاهدة المشاركة
    ماشاء الله تبارك الله بحث موفق ونقد محقق
    جزاك الله خيرا

صفحة 1 من 10 12345 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •