صفحة 6 من 10 الأولىالأولى ... 2345678910 الأخيرةالأخيرة
النتائج 76 إلى 90 من 150

الموضوع: نقد الرؤية الوهابية للتوحيد وقسميه

  1. المطلب السابع : نصوص المذاهب الأربعة في طلب الشفاعة من النبي -صلى الله عليه وسلم- عند زيارته وغيرها


    أقوال السادة الأحناف :

    1- قال الإمام المجد الموصلي صاحب "المختار للفتوى" وشرحه -وهو من متقدّمي الحنفية- في آخر الحج في "باب الزيارة" (1/89) :
    { فيقول : يا رسول الله ، نحن وفدك و زُوّار قبرك، جئنا من بلاد شاسعة ونواحي بعيدة، قاصدين قضاء حقك ، والنظر إلى مآثرك و التيمّن بزيارتك ، و الاستشفاع بك إلى ربنا ، فإن الخطايا قد أثقلت ظهورنا ، وأنت الشافع المشفّع الموعود بالشفاعة والمقام المحمود ، وقد قال تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك... }الآية، وقد جئناك ظالمين لأنفسنا مستغفرين لذنوبنا ، فاشفعْ لنا عند ربنا ، واسْأله أن يميتنا على سُنّتك . الشفاعةَ يا رسول الله ، الشفاعةَ يا رسول الله ، الشفاعةَ يا رسول الله.. }. انتهى

    وقد أطبق علماء الحنفية على مثل هذه العبارة .

    2- قال العلاّمة علي القاري رحمه الله تعالى في كتابه في زيارة النبي -- :
    { ويتوسل به -- في حق نفسه ويتشفع به إلى ربه .
    قال أهل المناسك من جميع المذاهب : ومن أحسن ما يقول ، ما جاء عن العتبي – أي أثر الأعرابي الذي جاء إلى قبره  ، فقد تقدم - .. قال : وينبغي أن يكثر الاستغفار ويستدعي منه -- أن يستغفر له فيقول : نحن وفدك و زوار قبرك يا رسول الله ، جئنا لقضاء حقك والتبرك بزيارتك والإستشفاع بك مما أثقل ظهورنا وأظلم قلوبنا ، فليس لنا شفيع غيرك نؤمّله ، ولا رجاء غير بابك نطلبه ، فاستغْفرْ واشفع لنا إلى ربك يا شفيع المذنبين ، واسْأله أن يجعلنا من عباده الصالحين} .
    و زاد في "المناسك": { الشفاعةَ ، الشفاعةَ، الشفاعةَ يا رسول الله } اهـ.

    3- وقال الشيخ زاده الحنفي في "مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ فِي شَرْحِ مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ" :
    { وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ -- أَشْرَفُ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا سِوَاهَا. وَمِنْ أَحْسَنِ الْمَنْدُوبَاتِ بَلْ يَقْرُبُ مِنْ دَرَجَةِ الْوَاجِبَاتِ زِيَارَةُ قَبْرِ نَبِيِّنَا وَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ -- ......
    ..وَيَقِفُ كَمَا يَقِفُ فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، .....
    ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ ، وَأَعْظَمُ الْحَاجَاتِ: سُؤَالُ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَطَلَبُ الْمَغْفِرَةِ؛ وَيَقُولُ:
    السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَسْأَلُكَ الشَّفَاعَةَ الْكُبْرَى وَأَتَوَسَّلُ بِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ أَمُوتَ مُسْلِمًا عَلَى مِلَّتِكَ وَسُنَّتِكَ وَأَنْ أُحْشَرَ فِي زُمْرَةِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ .....
    قال: ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى حِيَالِهِ وَجْهَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ بِأَفْضَلِ مَا يُمْكِنُ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَيَسْتَشْفِعُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ أَهْلِ الْإِيمَانِ }.اهـ

    4- و قال العلامة ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار على الدر المختار" :
    { قَوْلُه: (( وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ مَنْدُوبَةٌ )) أَيْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي "اللُّبَابِ" ، وَمَا نُسِبَ إلَى الْحَافِظِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَقُولُ بِالنَّهْيِ عَنْهَا فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ لا أَصْلَ لَهُ ، وَإِنَّمَا [هو] يَقُولُ بِالنَّهْيِ عَنْ شَدِّ الرِّحَالِ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ ،أَمَّا نَفْسُ الزِّيَارَةِ فَلَا يُخَالِفُ فِيهَا كَزِيَارَةِ سَائِرِ الْقُبُورِ . وَمَعَ هَذَا فَقَدْ رَدَّ كَلَامَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلِلْإِمَامِ السُّبْكِيّ فِيهِ تَأْلِيفٌ مَنِيفٌ[و هو "شفاء السّقام بزيارة خير الأنام"]..
    .. قَوْلُهُ (( بَلْ قِيلَ وَاجِبَةٌ )): ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَقَالَ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي "الدُّرَّةِ الْمُضِيئَةِ فِي الزِّيَارَةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ"، وَذَكَرَهُ أَيْضًا الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ وَقَالَ : وَانْتَصَرَ لَهُ . نَعَمْ عِبَارَةُ "اللُّبَابِ" وَ "الْفَتْحِ" وَ "شَرْحِ الْمُخْتَارِ" أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْوُجُوبِ لِمَنْ لَهُ سَعَةٌ . وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ [أي "فتح القدير" لابن الهمام] مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الزِّيَارَةِ وَذَكَرَ كَيْفِيَّتَهَا وَآدَابَهَا وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَاللُّبَابِ فَلْيُرَاجِعْ ذَلِكَ مَنْ أَرَادَهُ.}اهـ

    5- و هذا نصّ ما ذكره العلامة الإمام الكمال بن الهمام الحنفي في "فتح القدير بشرح الهداية":
    { وَإِذَا تَوَجَّهَ إلَى الزِّيَارَةِ يُكْثِرُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ -- مُدَّةَ الطَّرِيقِ ، وَالْأَوْلَى فِيمَا يَقَعُ عِنْدَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ تَجْرِيدُ النِّيَّةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ -- ثُمَّ إذَا حَصَلَ لَهُ إذَا قَدَّمَ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ أَوْ يَسْتَفْتِحُ فَضْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي مَرَّةٍ أُخْرَى يَنْوِيهِمَا فِيهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةَ تَعْظِيمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْلَالِهِ ،[...]
    وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يَكُونُ الْوَاقِفُ مُسْتَقْبِلًا وَجْهَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَصَرَهُ فَيَكُونُ أَوْلَى . ثُمَّ يَقُولُ فِي مَوْقِفِهِ :
    السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ .......
    ... ثُمَّ يَسْأَلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّفَاعَةَ فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُك الشَّفَاعَةَ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُك الشَّفَاعَةَ وَأَتَوَسَّلُ بِك إلَى اللَّهِ فِي أَنْ أَمُوتَ مُسْلِمًا عَلَى مِلَّتِك وَسُنَّتِك ، وَيَذْكُرُ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعْطَافِ وَالرِّفْقِ بِهِ ، وَيَجْتَنِبُ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى الْإِدْلَالِ وَالْقُرْبِ مِنْ الْمُخَاطَب فَإِنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ ......
    ....ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى حِيَالِ وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي وَيُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّهِ وَيَدْعُو وَيَسْتَشْفِعُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَنْ أَحَبَّ ، وَيَخْتِمُ دُعَاءَهُ بِآمِينَ وَالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ .} اهـ

    (6-9)- و كذا ذكر الطرابلسي رحمه الله تعالى في " مناسكه " .
    ونقل صاحب " الدر المختار" في الحج عنه ، فذكر مثل عبارة شرح " المختار " المتقدمة ، وكذا في " مناسك " الكرماني الحنفي ، وفي " مناسك " الفارسي عن أبي الليث السمرقندي .

    10- وقال السيد أحمد الحموي الحنفي محشي "الأباه" في رسالته "نفحات القرب والاتصال" قال :
    { وأما بعد مماتهم [يعني الأولياء] ، فتصرفهم إنما هو بإذن الله تعالى وإرادته ، لا شريك له خلقاً وإيجاداً ، أكرمهم الله به وأجراه على أيديهم وبسببهم خرقاً للعادة ، تارةً بإلهام ، وتارة بدعائهم ، وتارة بفعلهم و اختيارهم ، وتارة بغير اختيارهم ، وتارة بالتوسل بهم إلى الله تعالى في حياتهم وبعد مماتهم ، مما يمكن في القدرة الإلهية .
    ولا يقصد الناس -بسؤالهم ذلك منهم قبل الموت و بعده- نسبتَهم إلى الخلق والإيجاد والاستقلال بالأفعال ، فإن هذا لا يقصده مسلم ، ولا يخطر ببال أحد من العوام ، فضلاً عن غيرهم .فصرْفُ الكلام إليه و منْعُه ، من باب التلبيس في الدين ، وتشويش على عوام موحدين . وكيف يُحكم بالكفر على من اعتقد ثبوت التصرف لهم في حياتهم وبعد مماتهم ، حيث كان مرجع ذلك إلى قدرة الله تعالى خلقاً وإيجاداً ؟! كيف وكُتب جمهور المسلمين طافحة به ، وأنه جائز وواقع لا مرية فيه البتة ، حتى يكاد أن يلحق بالضروريات ، بل بالبديهيات ؟! وذلك لأن جميع كرامات هذه الأمة في حياتهم وبعد مماتهم تصرفاً أو غيره ، هي من جملة معجزات النبي -- الدالّة على نبوته وعموم رسالته الباقية بعد موته -- ، لا ينقطع دوامها ولا تجدّدها، بتجدّد الكرامات في كل عصر من الأعصار إلى يوم القيامة}.اهـ

    نقل البرماوي رحمه الله تعالى في " الدلائل الواضحات في إثبات الكرامات في الحياة وبعد الممات " ممّن نصَّ على ثبوتها بعد الممات: شيخُ الإسلام ابن الشحنة الحنفي ، والشيخ عبد الباقي المقدسي في " السيوف الصقال " والشيخ أحمد الحنفي ، وعبارتهم كعبارة الشيخ أحمد الحموي . و زادوا : ( ولا يُنكرها إلا مخذول فاسد الإعتقاد في أولياء الله تعالى.)اهـ .

    فهذا كما ترى في الأولياء ، فما بالُك بسيد الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإمام الأولياء؟!! . فطلب الشفاعة منه والتوسل به صلى الله عليه وعلى آله وسلم جائز عندهم بلا مرية و لا ريب .

    11- و ذكر الشيخ حسن الشرنبلالي الحنفي في " إمداد الفتاح " شرح كتابه " نور الإيضاح " من بحث الزيارة ، ما ذكره الشيخ صاحب " الاختيار " والشيخ علي القاري، مما تقدّم نقله من الطلب منه -- والتوسل به وطلب الشفاعة . فلا حاجة إلى إعادة العبارة ، فإن الحرّ تكفيه الإشارة .


    12- وقال الإمام أبو البقاء محمد بهاء الدين بن الضياء المكي الحنفي في تاريخ مكة المشرفة , في باب كيفية السلام عليه -- حال الزيارة :
    (جئنا إلى جنابك الكريم من بلاد شاسعة وأماكن بعيدة، نقصد بذلك قضاء حقك علينا، والنظر إلى مآثرك، والتيمن بزيارتك، والتبرك بالسلام عليك، والاستشفاع بك إلى ربنا عز وجل، فإن خطايانا قد قصمت ظهورنا، وأوزارنا قد أثقلت كواهلنا، وأنت الشافع المشفع، وقد قال الله تعالى: " ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً " . وقد جئناك يا رسول الله ظالمين لأنفسنا مستغفرين لذنوبنا، فاشفع لنا إلى ربنا، واسأله أن يميتنا على سنتك، ويحشرنا في زمرتك، ويسقينا بكأسك غير خزايا ولا ندامى، ويرزقنا مرافقتك في الفردوس الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، يا رسول الله الشفاعة الشفاعة، اللهم صلي على محمد وعلى آله محمد، وإنه نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون، وخصة بالمقام المحمود والوسيلة والفضيلة والدرجة العالية) .

    13- وجاء في الفتاوى الهندية :
    (وَيُبَلِّغُهُ سَلَامَ مَنْ أَوْصَاهُ فَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ يَسْتَشْفِعُ بِكَ إلَى رَبِّكَ فَاشْفَعْ لَهُ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يَقِفُ عِنْدَ وَجْهِهِ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ مَا شَاءَ ) .

    14- وفي مراقي الفلاح :
    ( ثم انهض متوجها إلى القبر الشريف فتقف بمقدار أربعة أذرع بعيدا عن المقصورة الشريفة بغاية الأدب مستدبرا القبلة محاذيا لرأس النبي صلى الله عليه و سلم ووجهه الأكرم ملاحظا نظره السعيد إليك وسماعه كلامك ورده عليك سلامك وتأمينه على دعائك وتقول :
    السلام عليك يا سيدي يا رسول الله السلام عليك يا نبي الله السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا نبي الرحمة السلام عليك يا شفيع الأمة ...إلى قوله : يا رسول الله نحن وفدك وزوار حرمك تشرفنا بالحلول بين يديك وقد جئناك من بلاد شاسعة وأمكنة بعيدة نقطع السهل والوعر بقصد زيارتك لنفوز بشفاعتك والنظر إلى مآثرك ومعاهدك والقيام بقضاء بعض حقك والاستشفاع بك إلى ربنا فإن الخطايا قد قصمت ظهورنا والأوزار قد أثقلت كواهلنا وأنت الشافع المشفع الموعود بالشفاعة العظمى والمقام المحمود والوسيلة وقد قال الله تعالى { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } وقد جئناك ظالمين لأنفسنا مستغفرين لذنوبنا فاشفع لنا إلى ربك واسأله أن يميتنا على سننك وأن يحشرنا في زمرتك وأن يوردنا حوضك وأن يسقينا بكأسك غير خزايا ولا ندامى الشفاعة الشفاعة الشفاعة يا رسول الله - يقولها ثلاثا - ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ) .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  2. أقوال السادة المالكية:

    15- نقل الإمام القاضي عياض في " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " عن إمام دار الهجرة مالك رحمه الله تعالى أنه قال لأبي جعفر المنصور لما سأله عن استقبال النبي -- حين الدعاء ، فقال الإمام مالك له : و لِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم من قبلك ؟ ، بل استقبِلْه واستشفعْ به , فيشفّعْه الله .}
    ومعنى " استشفعْ به " أي : اطْلُبْ منه الشفاعة.

    16- وقال الإمام ابن الحاج المالكي في كتابه " المدخل " :
    { وأما في زيارة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم سيد الأولين والآخرين ، فيزيد على ذلك أضعافاً مضاعفة ، لأنه الشافع المشفّع الذي لا تردّ شفاعته ، ولا يخيب مَن قصده ولا مَن نزل بساحته ، ولا من استعانه أو استغاث به ، لما شهدت به المعاينة والآثار، و حديث "الصحيحين " : { إنما مَثَلي ومَثَلكم ، كمَثَل الفراش تقعون في النار وأنا آخذ بحُجُزكم} دليل على استحباب التوسل والاستغاثة به ، فإن الدليل عامّ ولا يختص بزمان دون زمان ، كما لا يختص بشخص دون شخص}.اهـ

    17- وقال الإمام أبو عبد الله ابن النعمان المالكي رحمه الله تعالى في كتابه "مصباح الظلام" :
    { إن الإستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه بالنبي -- ، واقعٌ في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه ، في مدة حياته وبعد موته ، في البرزخ ، وفي عرصات القيامة }اهـ .

    18- وقال الشيخ المحدّث ابن أبي جمرة المالكي - مختصِر البخاري وشارحُه - :
    { لما دخلتُ مسجد المدينة ، ما جلست إلا الجلوس للصلاة ، وما زلت واقفاً هناك حتى رحل الركْب ، ولم أخرج للبقيع ولا غيره ، ولم أر غيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم . وقد خطر لي أن أخرج إلى البقيع ، فقلتُ: إلى أين أذهب ! هذا باب الله المفتوح للسائلين والطالبين ، والمنكسرين والمضطرين ، والفقراء والمساكين ، وليس ثَمّ من يُقصد مثله!} .اهـ .
    وهو يعني النبي -- .

    19- و قال الإمام عبد الواحد بن عاشر رحمه الله في "المرشد المعين" :

    و سِرْ لقبر المصطفى بأدبِ = و نيّةٍ تُجَبْ لكل مطلبِ
    سلِّمْ عليه سِرْ إلى الصدّيقِ = ثم إلى عمر تفوز بالتوفيقِ
    و اعلمْ بأنّ ذا المقامَ يُستجابْ = فيه الدُّعا فلا تملَّ منْ طِلابْ
    و سَلْ شفاعةً و ختْمًا حَسَنَا = و عجّلْ الأوبةَ إذ نلتَ المنا

    20- قال شارحه العلامة الشيخ محمد بن أحمد الفاسي المالكي (المعروف بـ"مياره") في "الدر الثمين و المورد المعين":
    { إذا خرج الحاج من مكة يُستحب له الخروج من "كدا"، فإن زيارته صلى الله عليه و سلم سنّة مجمع عليها وفضيلة مرغّب فيها .....
    ..و لْيحذرْ الزائر من الطواف بالقبر الشريف على ساكنه أفضل الصلاة والسلام و التمسح بالبناء و إلقاء المناديل و الثياب عليه، ومِن تقرّب العامة بأكل التمر في الروضة و إلقاء شعورهم في القناديل ، و هذا كله من المنكرات. و يستحب أن يزور البقيع و القبور المشهورة فيه و مسجد قباء و يتوضأ من بئر أريس و يشرب منها ، و هذا في حق من كثرت إقامته ، وإلا فالمُقام عنده -- أحسن ليغتنم مشاهدته -- ، و قد قال ابن أبي جمرة:[و نقل الكلام السابق الذي نقلناه عن الإمام ]} .اهـ

    و انظر إلى أمر الإمام ابن عاشر للزائر بطلب وسؤال الشفاعة من النبي -- , تعلم أن ذلك الطلب مما أجمع على استحبابه السادة المالكية , إذ أن متن ابن عاشر هو عمدة المالكية المتأخرين باتفاق بينهم .

    (21-24)- وقال العلامة الفيشي المالكي رحمه الله تعالى في " شرح العزية " نقلاً عن الشيخ خليل صاحب "المختصر " المشهور في مذهب مالك رحمه الله تعالى في " منسكه " عن القابسي ، وأبي بكر بن عبد الرحمن وغيرهما قال :

    { تأتي القبر وأنت متّصف بكثرة الذل والسكينة والانكسار والفقر والفاقة والاضطرار والخضوع ، وتُشعر نفسك أنك واقف بين يديه عليه وآله الصلاة والسلام ، إذ لا فرق بين حياته ومماته ، وقد ورد أن أعمال أمّته تُعرض عليه غدوة وعشية ، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم . ولْيتوسل به صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويسأل الله بجاهه ، إذ هو محطّ جبال الأوزار وأثقال الذنوب ، لأن بركة شفاعته وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب . ومن اعتقد خلاف ذلك ، فهو المحروم الذي أطمس الله بصيرته ، وأضل سريرته . ألم ير قوله تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً } ؟!.}. انتهى .

    25- ابن جزي الكلبي المالكي , قال في ( القوانين الفقهية ) :
    ينبغي لمن حج أن يقصد المدينة فيدخل مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فيصلي فيه ويسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى ضجيعيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويتشفع به إلى الله ويصلي بين القبر والمنبر ويودع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من المدينة .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  3. أقوال السادة الشافعية:



    26- قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في " الأذكار " و " المناسك " و "المجموع شرح المهذب " في بحث الزيارة النبوية:
    { فإذا صلى تحية المسجد أتى القبر الكريم فاستقبله واستدبر القبلة على نحو أربع أذرع من جدار القبر ، وسلّم مقتصدا لا يرفع صوته ، فيقول : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه ، السلام عليك يا حبيب الله ، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين ، السلام عليك وعلى آلك وأصحابك وأهل بيتك وعلى النبيين وسائر الصالحين ; أشهد أنك بلغت الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، فجزاك الله عنا أفضل ما جزى رسولا عن أمته......
    ..ثم يرجع إلى قبالة وجه النبي -- ويتوجه به في حق نفسه ويستشفع به -- إلى ربه سبحانه وتعالى . ويدعو لنفسه ولوالديه وأصحابه وأحبابه ومن أحسن إليه وسائر المسلمين ، وأن يجتهد في إكثار الدعاء ، ويغتنم هذا الموقف الشريف ويحمد الله تعالى ويسبّحه ويكبّره ويهلّله ، ويصلّي على رسول الله -- ويكثر من كل ذلك }.

    27- وقد ذكر الاستشفاع برسول الله -- أيضًا الإمام الماوردي في الحاوي الكبير (4/544) .

    28- وقال العلامة المجتهد شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني في جواب سؤال رُفع إليه فيمن قال في مدح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:

    فاشْفعْ لقائلها يا من شفاعتُه *** تفكّ مَن هو مكبوت ومكبول
    فاعترض معترض بأن السؤال للنبي -- لم يَرِد .
    فقال البلقيني رحمه الله تعالى في الجواب :
    { الله الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، نعوذ بالله من الفتن ، ما ظهر منها وما بطن. لقد ارتكب هذا المعترض قبائح أتى بها على أنها نصائح ، فجاءت عليه فضائح .لقد أخطأ وما أصاب ، وكثر به وبأمثاله المُصاب ......
    ...ولقد جهل جهلاً قبيحاً بقوله ، فأما سؤال النبي -- نفسه ، فكيف لا نسأله وهو وسيلتنا ووسيلة أبينا آدم من قبلنا إلى ربنا..}. إلى آخر كلامه رحمه الله .

    29- وقال الإمام المجتهد شيخ الإسلام تقي الدين السبكي كما ذكره في "شفاء السقام" ونقله المناوي وغيره في " شرح الجامع الصغير " ما نصه :
    { ويحسُن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي -- إلى ربه ، ولم يُنكر أحدٌ من السلف}اهـ

    30- و قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "فتح الوهاب شرح منهج الطلاب" في باب الزيارة:
    {.. وصلى تحية المسجد بجانب المنبر وشكر الله تعالى بعد فراغها على هذه النعمة، ثم وقف مستدبر القبلة مستقبل رأس القبر الشريف ويبعد منه نحو أربعة أذرع ناظرا لأسفل ما يستقبله، فارغ القلب من علق الدنيا، ويسلّم بلا رفع صوت وأقلّه: السلام عليك يا رسول الله -- , ثم يتأخر صوب يمينه قدر ذراع فيسلّم على أبي بكر ثم يتأخر قدر ذراع فيسلّم على عمر رضي الله عنهما، ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه النبي -- ويتوسل به في حق نفسه , ويستشفع به إلى ربه , ثم يستقبل القبلة ويدعو بما شاء لنفسه وللمسلمين } اهـ .

    31- وقال الإمام القسطلاني رحمه الله تعالى شارح البخاري في كتابه " المواهب اللدنّية " :
    { ويجوز الاستغاثة والتشفع والتوسل به -- ، فجدير لمن استشفع به أن يشفّعه الله ، فلا فرق بين أن يعبّر بلفظ الاستغاثة أو التوسل أو التشفع أو التوجه ، فكلٌّ من هذه الأشياء واقعة منه -- كما ذكره في " تحقيق النصرة " ، و " مصباح الظلام " قبل خلقه وبعده ، في حياته وبعد مماته في مدة البرزخ ، وبعد البعث ، و في عرصات يوم القيامة.} اهـ. ثم ذكر بعض الأدلة على ذلك.

    - وقال أيضا في هذا الكتاب في بحث معجزاته -- :
    { وأما القسم الثاني وهو ما وقع بعد وفاته -- ، فكثير جداً إذ في كل حين يقع لخواصّ أمته من خوارق العادات بسببه- مما يدل على تعظيم قَدْره الشريف- ما لا يُحصى من الاستغاثة به ، وغير ذلك مما يأتي في المقصد الأخير في أثناء الكلام على زيارة قبره الشريف المنير صلى الله عليه وعلى آله وسلم}. انتهى.


    32- وقال الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه " المستقصى في فضائل المسجد الأقصى " في بحث زيارة الخليل عليه السلام ما نصه :
    { ويقول الزائر : يا نبي الله ، إني متوجه بك إلى ربي في حوائجي لتُقضى لي ...
    إلى أن قال : ثم يتوجه إلى الله تعالى بجميع أنبيائه ، خصوصاً بسيد الأولين والآخرين سيدنا محمد -- } . انتهى.

    33- وقال الإمام السمهودي في " خلاصة الوفاء " :
    { وإذا جاء التوسل بالأعمال كما صحّ في حديث الغار ، وهي مخلوقة ، فالسؤال به صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَوْلى [لأنه أفضل المخلوقات] ، ولا فرق بين التعبير بالتوسل أو الاستغاثة أو التشفع أو التوجه به -- في الحاجة ، وقد يكون ذلك بمعنى طلب أن يدعو الله في قبره- كما كان في حال الدنيا- ، إذ هو غير ممتنع مع علمه -- بسؤال من سأله ...}اهـ . إلى آخر كلامه .

    وقال في الزيارة من هذا الكتاب :
    { ثم يقول : يا رسول الله ، إن الله قال فيما أنزل عليك : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك .. } الآية ، وقد وفدتُ عليك زائراً ، وبك مستجيراً , سائلاً منك أن تشفع لي إلى ربي ، فأنت شفيع المذنبين ، الوجيه المقبول عند رب العالمين ، وها أنا معترف بذنبي ، متوسل بك إلى ربي ، أتشفّع بك إليه لعله يرحم عبده وإن أساء ، ويعفو عما جنى ، ويعصمه ما بقي في الدنيا ببركاتك وشفاعتك ، يا خاتم النبيين وشفيع المذنبين .
    أنت الشفيع وآمالي معلّقة ******* وقد رجوتك يا ذا الفضل تشفع لي
    هذا نزيلك أضحى لا ملاذ له ******* إلا جنابك يا سُؤْلي ويا أملي }.انتهى

    34- وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في كتابه " الجوهر المنظّم في زيارة القبر المعظّم " :
    {والاستغاثة بالنبي -- ، ولكن المستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى ، والنبي -- واسطة بينه و بين المستغيث ، فهو سبحانه مستغاث به و الغوث و الإغاثة منه خلقا و إيجادا -أي حقيقةً- ، و النبي مستغاثٌ والغوثُ منه سببا و كسبا فهو مستغاثٌ به مجازا . فالتوجّه و الاستغاثة به -- وبغيره ليس لهما معنى في قلوب المسلمين غير ذلك، ولا يقصد بهما أحدٌ منهم سواه، فمن لم ينشرح صدرُه لذلك فلْيبْكِ على نفسه! نسأل الله العافية! . وبالجملة ، إطلاق لفظ "استغاثة" لمن يحصل منه غوثٌ- ولو نبياً أو ولياً كسباً- أمرٌ معلوم لا شك فيه لغة وشرعاً ،فإذا قلتَ:يا الله أغثني، فالمقصود به الإسناد الحقيقي باعتبار الخلق و الايجاد، و إذا قلتَ: أغثني يا رسول الله، فالمقصود به الإسناد المجازي باعتبار الكسب و التوسط والتسبب بالشفاعة و الدعاء..}. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

    وقارنْ بين كلام الإمام ابن حجر هنا ، و كلام ابن تيمية الذي نقلناه سابقا وهو قوله:
    {.. ولهذا قال العلماء المصنّفون في أسماء الله تعالى : يجب على كل مكلّف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله ، وأن كل غَوْثٍ فمن عنده ، وإن كان جعل ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه وتعالى ، ولغيره مجازاً ..} اهـ .
    فلا معنى –بعد هذا- لتكفير المستغيثين المتوسلين بالنبي -- ، لأنهم لا يعتقدون أنه مغيث على الحقيقة خلقا وإيجادا، بل تسبّبا و كسبا و مجازا. فتأمّلْ رحمك الله .

    35- وفي حاشية الطبلاوي على "تحفة المحتاج" :
    { وَيُسَنُّ لِمَنْ قَصَدَ الْمَدِينَةَ الشَّرِيفَةَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكْثِرَ فِي طَرِيقِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَزِيدَ فِيهِمَا إذَا أَبْصَرَ أَشْجَارَهَا مَثَلًا وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَنْفَعَهُ بِهَذِهِ الزِّيَارَةِ وَيَتَقَبَّلَهَا مِنْهُ[...] ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَيَسْتَقْبِلُ رَأْسَهُ وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ، [...] إلى أن قال: ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَوْقِفِهِ الْأَوَّلِ قُبَالَةَ وَجْهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَوَسَّلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ , وَلِيَسْتَشْفِعَ بِهِ إلَى رَبِّهِ , ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.} .اهـ

    36- ومثله في " حاشية الإيضاح " لابن حجر أيضا ، و في " مناسكه " .

    37- وقال الإمام العلامة الشهاب الرملي ما نصه :
    { الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين جائزة، وللأنبياء والمرسلين والعلماء والصالحين إغاثةٌ بعد موتهم ، لأن معجزة الأنبياء وكرامة الأولياء لا تنقطع بموتهم}.اهـ من فتاوى الرملي ص42 .

    38- وقال الإمام الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" :
    { .. ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَيَسْتَقْبِلُ رَأْسَهُ ، وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ....
    إلى أن قال:{.. ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَوْقِفِهِ الْأَوَّلِ قُبَالَةَ وَجْهِهِ -- وَيَتَوَسَّلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَيَسْتَشْفِعَ بِهِ إلَى رَبِّهِ ......
    ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .} اهـ

    39- وقال الإمام الغزالي في إحياء العلوم (1/360) :
    (يقول الزائر، اللهم قصدنا نبيك مستشفعين به إليك في ذنوبنا) .

    40- و كذلك ذكر الرملي الصغير في " المناسك " ما ذكر النووي رحمهما الله تعالى فيما تقدم من طلب الشفاعة منه -- والتوسل به ، وأنه من المستحبات .

    41- وقال الشوبري محشي " شرح المنهاج " في جواب سؤال رُفع له :
    {ويجوز التوسل إلى الله تعالى والاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والعلماء والصالحين بعد موتهم ، وأما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلّون ، كما وردت الأخبار، و الأولياء لا تنقطع كراماتهم بموتهم و قد وردت في ذلك آثار ووقائع } .

    42- وقال الإمام المناوي رحمه الله في " مناسكه " التي على المذاهب الأربعة :
    {ويتوسل بالمصطفى -- لنفسه وليستشفع به إلى ربه } . انتهى .

    43-وكتب الإمام ابن عساكر في أربعينياته : "يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي" . تاريخ دمشق (6/443).

    44- و قال شيخ الإسلام خاتمة الحُفّاظ ابن حجر العسقلاني الشافعي في قصائده المسمّاة "النيرات السبع":

    يا سيد الرُسْل الذي منهاجُه = حاوٍ كمالَ الفضل و التهذيب

    إلى أن قال:

    فاشفعْ لمادحك الذي بك يتّقي = أهوالَ يوم الدين و التعذيبِ
    قد صحّ أنّ ضناه زادَ و ذنبَه = أصلُ السّقام و أنت خير طبيبِ

    و قال في أخرى:

    يا سيدي يا رسول الله قد شرُفت = قصائدي بمديحٍ فيك قد رُصِفا
    ببابِ جُودك عبدٌ مذنب كَلِفٌ = يا أحسنَ الناس وجْها مُشرقا وَ قفا
    بكم توسّل يرجو العفوَ عن زلل = مِن خَوْفه جَفْنُه الهامي لقد ذَرَفا

    و قال في أخرى:

    اصدحْ بمدح المصطفى و اصْدَعْ به = قلبَ الحسود و لا تخفْ تفنيدا
    و اقْصدْ له و اسْألْ به تُعْطَ المُنى = و تعيشُ مهْما عشْت فيه سعيدا
    خير الأنام مَن ْ لجا لِجَنابِه = لا بِدْعَ أن أضحى به مسعودا

    و قال في أخرى:

    نبيَّ الله يا خير البرايا = بجاهك أتّقي فصْلَ القضاء
    و أرجو يا كريمُ العفوَ عمّا = جنتهُ يداي يا رب الحباء
    فقلْ: يا أحمدَ بن عليٍّ اذهبْ = إلى دار النعيم بلا شقاء
    عليك سلام رب الناس يتلو = صلاة في الصبح و في المساء

    و قال في أخرى:

    يا سيّد الرُّسْل الذي فاق الورى = بأْسًا سَمَا كلَّ الوجود وجودا
    هَـذِي ضراعةُ مذنبٍ متمسّك = بوَلائكم منْ يومِ كان وليدا
    يرجو بك المَحْيا السعيدَ و بعْثه = بعد الممات إلى النعيم شهيدا
    صلّى عليك و سلّم اللهُ الذي = أحيا بك الإيمان و التوحيدا

    45- وذكر تلميذه الإمام الحافظ السخاوي في "وجيز الكلام في الذيل على دول الاسلام" قصيدة قرأها أمام سيد الأولين و الآخرين صلى الله عليه و سلم و منها:

    أكرّرُ تسليمي مدى الدهر إنه = شفاءٌ لِقلْبي مِن أليم فِراقِهِ
    و أُهْدي إلى القبر الشريف تحيةً = على قَدْر حالي في عظيم اشتياقِهِ
    عسى تبلغُ الآمالُ منه بنظرةٍ = إليَّ فإن يفعلْ بفوْزٍ أُلاقِهِ

    46- و للإمام العلامة المجدد للقرن السابع تقي الدين بن دقيق العيد في شعره قطعةٌ من هذا أيضا

    47- وقال الإمام البكري في إعانة الطالبين (2/356) :
    (ثم يرجع إلى موقفه الاول قبالة وجهه الشريف، فيقول: الحمد لله رب العالمين.
    اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد. السلام عليك يا سيدي يا رسول الله.إن الله تعالى أنزل عليك كتابا صادقا، قال فيه: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد جئتك مستغفرا من ذنبي , مستشفعا بك إلى ربي ) .

    48- وقال العلامة الجمل في حاشيته على شرح المنهج لشيخ الإسلام :
    (( قَوْلُهُ : وَيَسْتَشْفِعُ بِهِ إلَى رَبِّهِ ) وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يَقُولُ مَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْعُتْبِيِّ مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ قَالَ كُنْت جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى { : وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } ، وَقَدْ جِئْتُك مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِك إلَى رَبِّي ) .

    49- وفي حاشية البجيرمي على الخطيب :
    ( وَيُسَلِّمُ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ -- ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ صَوْبَ يَمِينِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَوْقِفِهِ الْأَوَّلِ قُبَالَةَ وَجْهِ النَّبِيِّ -- وَيَتَوَسَّلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ , وَيَسْتَشْفِعُ بِهِ إلَى رَبِّهِ ) .

    50- وفي شرح المحلي على المنهاج نقلًا عن شرح المهذب :
    (ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَوْقِفِهِ الْأَوَّلِ قُبَالَةَ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَوَسَّلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَيَسْتَشْفِعُ بِهِ إلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ، وَمَنْ شَاءَ وَالْمُسْلِمِينَ) .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  4. أقوال السادة الحنابلة:

    51- قال الإمام الموفق بن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه " المغني " شرح " الخرقي " -وهو شيخ [شيوخ] ابن تيمية- :
    { .. ثم تأتي القبر فتولّي ظهرك القبلة وتستقبل وسطه وتقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه وعباده، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أشهد أنك قد بلّغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فصلّى الله عليك كثيرا كما يحب ربنا ويرضى، اللهم اجز عنّا نبينا أفضل ما جزيت أحدا من النبيين والمرسلين وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه الأولون والآخرون.......
    ..اللهم إنك قلتَ وقولك الحق: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفَروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد أتيتُك [يا رسول الله] مستغفرا من ذنوبي مستشفعا بك إلى ربي....}.اهـ

    فقوله : " مستشفعاً بك " : أي طالباً منك الشفاعة ، لأن ( السين ) للطلب ، فخطابه لرسول الله- - وطلب الشفاعة منه ، دليل على أن ذلك مستحب عند السادة الحنابلة .

    والإمام الموفق قال عنه ابن تيمية -كما نقله ابن رجب وابن العماد الحنبلي في "الشذرات"- ( ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفّق)). وقال الحافظ الضياء المقدسي رحمه الله تعالى : رأيت الإمام أحمد رحمه الله تعالى في النوم فقال : (ما قصّر صاحبك الموفّق في شرح " الخرقي") . وقال الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله : (( ما رأيت في الإسلام مثل " المغني " للموفّق في جودته وتحقيق ما فيه)) .

    52- وذكر الإمام شمس الدين بن قدامة الحنبلي في " الشرح الكبير " (وهو شرح " المقنع ") في آخر الحج في " باب زيارة النبي -- " رواية عن العتبي ، وذكر للزائر أن يخاطب النبيَّ -- ويطلب منه الشفاعةَ.

    وهذا غير الموفق بن قدامة صاحب "المغني".
    قال الحافظ الذهبي : (رأيت بخط ابن تيمية [ يقول عن صاحب الشرح الكبير] ما نصه : " توفي سيد أهل الإسلام في زمانه ، و قطب فلك الأيام في أوانه ، وحيد الزمان حقاً حقاً ، و فريد العصر صدقاً صدقا ، الجامع لأنواع المحاسن والمعالي ، البريء عن جميع النقائص والمساوي ، حتى إن كان المتعنت ليطلب له عيباً فيعوزه ..." )اهـ، ذكره ابن العماد في " الشذرات " .

    53- وقال ابن مفلح الحنبلي في " شرح المقنع " :
    { قال في المذْهب : يجوز أن يُستشفع إلى الله تعالى برجلٍ صالح ، وقيل : يستحب . قال أحمد بن حنبل في " منسكه " الذي كتبه للمروذي : " يتوسل بالنبي -- في دعائه"، وجزم به في " المستوعب " وغيره}.

    54- وذكر الإمام نصير الدين الحنبلي في " المستوعب " رواية العتبي ، وذكر الآية ، وقال كما في " المغني " و " الشرح الكبير " و زاد عليهما:
    { اللهم إني أتوجه إليك بنبيك -- نبي الرحمة ، يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي . اللهم إني أسألك بحقه أن تغفر لي ذنوبي }.

    55- وهذا الذي ذكره الإمام أحمد في " منسكه " للمروذي ، كما قال في " المبدع " وجزم به في " المستوعب "، وهذه العبارة التي تقدمت هي عبارة " المستوعب " .

    56- و في " منسك " الشيخ سليمان بن علي ، مثْلُ ما في " المغني " و "الشرح الكبير" من طلب الشفاعة من النبي -- .

    57- و قال في "مطالب أُوْلي النُّهى شرح غاية المنتهى" في باب الحج :
    {( ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَيَقِفَ قُبَالَةَ وَجْهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ ) وَيَسْتَقْبِلُ جِدَارَ الْحُجْرَةِ وَالْمِسْمَارِ الْفِضِّيِّ فِي الرُّخَامَةِ الْحَمْرَاءِ ، وَيُسَمَّى الْآنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ ، وَيَكُونُ ( مُطْرِقًا غَاضَّ الْبَصَرِ خَاضِعًا خَاشِعًا مَمْلُوءَ الْقَلْبِ هَيْبَةً ، كَأَنَّهُ يَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَإِنَّهُ اللَّائِقُ بِالْحَالِ ( فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَ ) عَبْدُ اللَّهِ ( ابْنُ عُمَرَ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ زَادَ ) عَلَيْهِ ( فَحَسَنٌ كَالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ).
    قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى " : وَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْك يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَخِيرَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ .....
    ....اللَّهُمَّ إنَّك قُلْتَ وَقَوْلُك الْحَقُّ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} وَقَدْ أَتَيْتُك مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي مُسْتَشْفِعًا بِك إلَى رَبِّي فَأَسْأَلُك يَا رَبِّ أَنْ تُوجِبَ لِي الْمَغْفِرَةَ كَمَا أَوْجَبْتهَا لِمَنْ أَتَاهُ فِي حَيَاتِهِ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أَوَّلَ الشَّافِعِينَ ، وَأَنْجَحَ السَّائِلِينَ ، وَأَكْرَمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ بِرَحْمَتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
    ثُمَّ يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ وَإِخْوَانِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ }.اهـ

    58- وقال الامام الحجاوي في الاقناع :
    ( ثم يرجع إلى موقفه الاول قبالة وجه النبي (ص) ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه) .

    59- و قال البهوتي-شيخ الحنابلة- في "كشف القناع":
    { ( فَصْلٌ :وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجِّ اُسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ}.اهـ

    ثم ذكر التوسل والإستشفاع بالنبي -- عند زيارة قبره كما مرّ في "المغني" وغيره , وذكر قصة العتبي وقوله : (وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إلَى رَبِّي) .

    60- و قال ابن مفلح في "الفروع " أيضا:
    { ويجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في دعائه. قال أحمد في " منسكه " الذي كتبه للمروذي : ( و يتوسل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في دعائه) ، وجزم به في " المستوعب " وغيره}. انتهى .

    وأما صفة التوسل الذي كتبه الإمام أحمد للمروذي رحمهما الله تعالى و جزم به في " المستوعب " ، فهو ما ذكرناه عنه سابقاً ، وليس في " المستوعب " غيره؛ وهو قوله : (( يا رسول الله ، إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ...)).

    61- وفي " الغنية " للإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني الحنبلي في " باب الزيارة " :
    { [يقول الواقف أمام القبر]: اللهم إني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة ، يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي ليغفر لي ذنوبي ، اللهم إني أسألك بحقه أن تغفر لي .} اهـ

    62- وذكر الإمام يحيى الصرصري الحنبلي -في شعره- الاستغاثةَ برسول الله -- ، وهو من أقران مجد الدين جدّ الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأثنى عليه ابنُ تيمية في كتابه " الانتصار" فقال : ( الفقيه الصالح صاحب الشعر المشهور) ، وذكر شيئاً في مدح الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، وهي القصيدة اللامية التي فيها العقيدة و في آخرها :

    ولستُ من الخطْب الملمّ بخائف = وأنت لدى كل الحوادث لي وليّ

    بعدما خاطبه بقوله :

    لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة = إليها بها في الحادثان توسّلي
    وسلْ لي ربَّ العالمين يُميتني = على السُنة البيضاء غير مبدّل

    وقال في قصيدة أخرى :

    ألا يا رسول الله أنت وسيلتي = إلى الله إن ضاقت بما رمت حيلتي

    وكل ديوانه هكذا ، وديوانه مشهور في أقطار الدنيا من قبل زمان ابن تيمية إلى يومنا هذا ، فلم يعترضْ عليه أحد ، بل مدحه تقي الدين بن تيمية بقوله : (الفقيه الصالح صاحب الشعر المشهور) . فلو كان نداء النبي -- والسؤال منه وطلب شفاعته شركاً وكفراً ، لتكلّم الأئمة الأعلام عليه وذمّوه وحذّروا الناس من شعره والتكلّم به والنظر فيه.

    فلمّا لم يتكلم عليه أحد من جميع العلماء من زمانه إلى يومنا هذا ، دلّ على أن هذه الأمور ليست من الشرك الأكبر ، بل ولا من الشرك الأصغر ، لأن الشرك الأصغر -وإن لم يكن مخرجاً عن الملة- فهو محرّم أو مكروه مسْقطٌ للعدالة .
    بل قد أثنى العلماء الأعلام على الصرصري -رحمه الله تعالى- ومدحوه على الشعر ، منهم ابن رجب الحنبلي في " ذيل الطبقات " ، ومنهم ابن العماد الشامي الحنبلي في كتابه " شذرات الذهب " وغيرهم من العلماء و الأئمة الحفاظ و المؤرخين.

    63- وقال الشيخ شبيب بن حمدان أخو صاحب " الرعايتين" الحنبلي الحراني- وهو ابن عم مجد الدين بن تيمية- : {عارض الإمامُ الصرصري قصيدةَ " بانت سعاد " [لكعب بن مالك] بقصيدة عظيمة، منها قوله يخاطب النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
    فاشفعْ لقائلها يا من شفاعتُه ********* تفكّ من هو مكبوت و مكبول }.اهـ

    64- أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي قال في التبصرة 2/246 :
    ( وإذا وصل الحاج إلى المدينة المشرفة فيجعل على فكره تعظيم من يقصده وليتخايل في مساجدها وطرقاتها نقل أقدام المصطفى هناك وأصحابه وليتأدب في الوقوف وليستشفع بالحبيب وليأسف إذ لم يحظ برؤيته ولم يكن في صحابته) . .

    وهذه النصوص في كتبٍ عندي مع قصر باعي و قلة اطّلاعي ، وقد تركتُ كثيراً منها خوف السآمة والملامة ، ومن لم ينفعه الله تعالى ، لم ينفع نصح الملأ له .
    فهذه نصوص علماء الحنابلة ، بل نصُّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى في " منسكه " للمروذي .
    فقد أطبق متقدّموهم و متأخّروهم على ندائه وخطابه وطلب الشفاعة منه -- .
    فكيف يصحّ أن يقال : هذا كفر و شرك ؟؟!! ، فهل هذا إلا جهل و إفك على العلماء الأعلام ؟!!

    وهؤلاء الذين نقلنا عنهم من أئمة المذاهب الأربعة هم عمدة أهل كل مذهب وغيرهم مثلهم، ولكنا لو أردنا أن ننقل كل من ذكر ، لضاق النطاق ونفدت الأوراق . وهؤلاء هم فقهاء المذاهب و نَقَلة الدين ، والناس عنهم أخذوا أقوال أئمتهم من المذاهب جيلا بعد جيل.
    وقد نقل الذهبي عن ابن تيمية في " مختصر منهاج الاعتدال " :
    { إن جميع أرباب الفنون يجوز عليهم الخطأ إلا الفقهاء والمحدّثون؛ فلا هؤلاء يجوز عليهم الاتفاق على مسألة باطلة ، ولا يجوز على هؤلاء التصديق بكذب ولا التكذيب بصدق }انتهى .

    وهؤلاء الوهابية جعلوا رأسَ مالهم الطعن في نَقَلة الدين ، وسوء الظن بهم وعدم الرضا بأقوالهم المخالفة لهواهم . فإن كانوا عندك مرضيّين أيها المعترض ، فبها ونعْمَت ، وإلا فأنت مدّعٍ لك رتبةً لا تُسلّم لك، أو تموت فيقال لك : من أين أخذت علمك هذا ؟ فإن كان عن الله ورسوله فما أظن هؤلاء جميعا عدلوا عنه ، وإن حظيتَ به و جهلوه وأنتَ علمْته ، فقد قدّمنا لك من الآيات والأحاديث والآثار ما هو ردّ عليك ، إذ يكفي ورود ذلك حجة عليك ودلالة ظاهرة للأمة المحمدية .
    بل كيف يكون هؤلاء جميعا لم يعلموا الشرك من التوحيد، و علمَتْه شرذمةٌ من الخوارج ؟!
    و يقول صلى الله عليه و سلم: (من أراد منكم بحبوحة الجنة فلْيلزمْ الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ). أخرجه الترمذي و قال: حديث حسن صحيح.
    و روى الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في "تلبيس إبليس" عن أسامة بن شريك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يد الله على الجماعة فإذا شذّ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم). قال: وبالإسناد قال الإمام أحمد: ثنا روح ثنا سعيد عن قتادة قال ثنا العلاء بن زياد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشّعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد).
    قال: وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة؛ فعليكم بالجماعة فإن الله عز وجل لم يجمع أمتي إلا على الهدى).
    وعن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يد الله مع الجماعة والشيطان مع من خالف يركض ).
    قال: وروى أحمد و الطبراني و الحاكم في المستدرك من حديث معاوية بن أبي سفيان أنه قام فقال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: ( ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبيه).اهـ (1)

    -------------------------------------

    1- عن : نحت حديد الباطل وبرده , بتصرف كثير بزيادات وحذف واختصار .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  5. المطلب الثامن :

    ثبوت التصرف والشعور لأرواح الصالحين من أهل القبور

    أولاً :

    استفاضة الأخبار وتواترها تواترًا معنويًا بشعور الميّت وسماعه


    إن الدلائل لسماع الموتى وتصرّف أرواحهم أصعب من أن تحصر , لكثرتها وتنوعها , حتى قال العلماء المحققون باستفاضة أحاديث سماع الموتى وتواترها تواتراً معنوياً , وإن لم يكن شيء منه متواتراً بعينه بالتواتر اللفظي , وذلك لأن الأدلة الكثيرة المستفيضة يعضد بعضها بعضاً , فإن للنصوص من القوة عند الاجتماع ما ليس لها عند الافتراق , إذ إنّ المعوّل عليه في حال الانفراد هو الصحة والضعف , أمّا عند تكاثر الأدلة وتعاضدها واجتماعها , بحيث يصعب حصرها في مسألة معينة , فإنها حينئذ تفيد اليقين أو الظن القريب من اليقين , بغض النظر عن قوّة أفرادها وضعفها , ومسألة سماع الأموات تثبت لا بمجرد لحاظ دليل أو دليلين , بل من اجتماع أدلة متكاثرة وقرائن متعددة توجب سماع الأموات وتبطل غيره من الاحتمالات التي يقبلها النص المفرد , وكتب الأئمة الأئمة الشريفة قد فصّلت أدلّة سماع الأموات , ككتاب الروح لابن القيم, والصارم المنكي , وشفاء السقام في زيارة خير الأنام , وارتياح الأكباد بفقد الأولاد للسخاوي , وشرح الصدور للسيوطي , وتذكرة القرطبي , وشروح صحيح البخاري كفتح الباري للعسقلاني وعمدة القاري للعيني والكواكب الرداري للكرماني , وشرح صحيح مسلم للنووي , والزهد لابن المبارك واأحمد بن حنبل , إلى غير ذلك من كتب المحدثين , وزبر المتقدمين والمُحْدَثين , من المتكلمين والمفسرين , وسأذكر في هذا المطلب بعض أدلة سماع الموتى وشعورهم ممّا يكفي الحيّ العاقل , أمّا صاحب الغيّ الباقل , الذي لم يفتح بصره , ولم يَرفع كَدِره , فينكر سماع الأموات , وحسّهم ونطقهم , وشعورهم وإدراكهم , ويشبههم بالجمادات , الخالية عن مطلق الإدراكات , مع ثبوت ذلك بما يبلغ بمجموعة إلى حد التواتر المعنوي , فلا ينفعه شيء إلا أن يبكي على نفسه , إلى أن يدخل في رَمثه , فيسمع فيه خطابات الأحياء , ويبدو له ما لم يكن يحتسب حين كونه من الأحياء , ويحصل له علم اليقين بسماع الدَّفين , فيتحسر على ما فات منه من الاعتقاد واليقين , عصمنا اللّه وجميع خلقه من مثل هذه الحسرة بعد فوته , وحفظنا اللّه وجميع عباده من مثل هذه الِترة بعد مماته .

    قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى :
    (وَاسْتَفَاضَتْ الْآثَارُ بِمَعْرِفَةِ الْمَيِّتِ أَهْلَهُ وَبِأَحْوَالِ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ) .


    ملاحظة : قال الشاه ولي الله الدهلوي في التفهيمات : ( فكانت الأحاديث المستفيضة من هذا الوجه متواتراً أو ملحقاً بالمتواتر) .

    وقال ابن القيم في كتاب الروح :
    ( وَقد شرع النَّبِي لأمته إِذا سلمُوا على أهل الْقُبُور أَن يسلمُوا عَلَيْهِم سَلام من يخاطبونه فَيَقُول السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين , وَهَذَا خطاب لمن يسمع وَيعْقل , وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ هَذَا الْخطاب بِمَنْزِلَة خطاب الْمَعْدُوم والجماد , وَالسَّلَف مجمعون على هَذَا , وَقد تَوَاتَرَتْ الْآثَار عَنْهُم بِأَن الْمَيِّت يعرف زِيَارَة الْحَيّ لَهُ ويستبشر بِهِ )

    وقال ابن كثير في التفسير (3/439) :
    (وقد تواترت الآثار عنهم –أي السلف- بأن الميت يعرف بزيارة الحي له ويستبشر ) .

    وقال اللكنوي في تذكرة الراشد (المسألة 58) :
    ( فانظر إلى هذه الأموات , كيف أنكروا سماع الأموات , وحسّهم ونطقهم , وشعورهم وإدراكهم , وشبهوهم بالجمادات , الخالية عن مطلق الإدراكات , مع ثبوت ذلك بما يبلغ بمجموعة إلى حد التواتر المعنوي , وأن لم يكن شيء منه متواتراً بعينه بالتواتر اللفظي..)

    وقال العلامة أنور شاه الكشميري في فيض الباري :
    ( واعلم أنَّ مسألة كلام المَيِّت وسماعِهَ واحدةٌ وأنكرها حنفيةُ العَصْر , وفي رسالةٍ غير مطبوعة لعليِّ القاري: أنَّ أحدًا من أئمتنا لم يَذْهَب إلى إنكارِها، وإنما استنبطوها مِن مسألةٍ في باب الإيمان، وهي: حلف رجلٌ أن لا يكلِّم فلانًا فكلَّمه بَعْدَما دُفِن لا يَحنَث، قال القاري: ولا دليلَ فيها على ما قالوا، فإِنَّ مَبْنَى الأَيْمان على العُرْف وهم لا يُسمُّونه كلامًا، وأنكره الشيخ ابنُ الهمام رحمه الله تعالى أيضًا في «الفتح»، ثم أَوْرَد على نَفْسه: أنَّ السَّماع إذا لم يَثْبت فما معنى السَّلام على القبر؟ وأجاب عنه: أنهم يسمعون في هذا الوقت فقط ، ولا دليلَ فيه على العُموم. ثُم عاد قائلا: أنه ثَبَت منهم سَماعُ قَرْع النِّعال أيضًا: فأجابَ عنه بِمثْله.
    أقول: والأحاديثُ في سماع الأمواتِ قد بلغت مَبْلغَ التواتر... )



    ثانياً :

    علم الميّت بمن يغسله ويكفنه ويحمله




    (1) - أخرج أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وإبن أبي الدُّنْيَا والمروزي وإبن مَنْدَه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : ( إِن الْمَيِّت يعرف من يغسلهُ ويحمله ويكفنه وَمن يدليه فِي حفرته) .

    (2) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن مُجَاهِد قَالَ : (إِذا مَاتَ الْمَيِّت فَملك قَابض نَفسه فَمَا من شَيْء إِلَّا وَهُوَ يرَاهُ عِنْد غسله وَعند حمله حَتَّى يوصله إِلَى قَبره) ..

    (3) - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ : ( الرّوح بيد ملك يمشي بِهِ فَإِذا دخل قَبره جعله فِيهِ)

    (4) - وَأخرج أَبُو نعيم عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ : ( مَا من ميت يَمُوت إِلَّا وروحه فِي يَد ملك ينظر إِلَى جسده كَيفَ يغسل وَكَيف يُكفن وَكَيف يمشى بِهِ وَيُقَال لَهُ وَهُوَ على سَرِيره اسْمَع ثَنَاء النَّاس عَلَيْك) .

    (5) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ : (مَا من ميت يَمُوت إِلَّا وَهُوَ يعلم مَا يكون فِي أَهله بعده وَإِنَّهُم ليغسلونه ويكفنونه وَإنَّهُ لينْظر إِلَيْهِم)

    (6) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ: ( بَلغنِي أَنه مَا من ميت يَمُوت إِلَّا وروحه فِي يَد ملك الْمَوْت فهم يغسلونه ويكفنونه وَهُوَ يرى مَا يصنع بِهِ أَهله فَلَو يقدر على الْكَلَام لنهاهم عَن الرنة والعويل)

    (7) - وَأخرج عَن سُفْيَان قَالَ: (إِن الْمَيِّت ليعرف كل شَيْء حَتَّى إِنَّه ليناشد غاسله بِاللَّه عَلَيْك إِلَّا خففت غسْلي قَالَ وَيُقَال لَهُ وَهُوَ على سَرِيره اسْمَع ثَنَاء النَّاس عَلَيْك)

    (8) - وَأخرج عَن حُذَيْفَة قَالَ : (الرّوح بيد ملك وَإِن الْجَسَد ليغسل وَإِن الْملك ليمشي مَعَه إِلَى الْقَبْر فَإِذا سوي عَلَيْهِ سلك فِيهِ فَذَلِك حِين يُخَاطب)

    (9) - وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن حُذَيْفَة قَالَ : (إِن الرّوح بيد الْملك والجسد يقلب فَإِذا حملوه تَبِعَهُمْ فَإِذا وضع فِي الْقَبْر بثه فِيهِ)

    (10) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ : ( الرّوح بيد ملك يمشي بِهِ فِي الْجِنَازَة يَقُول لَهُ إسمع مَا يُقَال لَك فَإِذا بلغ حفرته دَفنه مَعَه)

    (11) - وَأخرج عَن ابْن أبي نجيح قَالَ : ( مَا من ميت يَمُوت إِلَّا وروحه فِي يَد ملك ينظر إِلَى جسده كَيفَ يغسل وَكَيف يُكفن وَكَيف يمشي بِهِ إِلَى قَبره ثمَّ تُعَاد إِلَيْهِ روحه فيجلس فِي قَبره) .

    (12) -وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم عَن حَيَّان بن جبلة قَالَ : بَلغنِي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : ( إِن الشَّهِيد إِذا أستشهد أنزل الله لَهُ جسدا كأحسن جَسَد ثمَّ يُقَال لروحه أدخلي فِيهِ فَينْظر إِلَى جسده الأول مَا فعل بِهِ وَيتَكَلَّم فيظن أَنهم يسمعُونَ كَلَامه فَينْظر إِلَيْهِم فيظن أَنهم يرونه حَتَّى يَأْتِيهِ أَزوَاجه يَعْنِي من الْحور الْعين فيذهبن بِهِ ) .



    ثالثاً :

    علم الميّت بما يجري وهو محمول على الأكتاف



    (13) - وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : ( إِذا وضعت الْجِنَازَة واحتملها الرِّجَال على أَعْنَاقهم فَإِن كَانَت صَالِحَة قَالَت قدموني وَإِن كَانَت غير صَالِحَة قَالَت يَا وَيْلَهَا أَيْن تذهبون بهَا يسمع صَوتهَا كل شَيْء إِلَّا الْإِنْسَان وَلَو سَمعه الْإِنْسَان صعق ) .


    رابعاً :

    استبشار الميت المؤمن بتعجيله إِلَى الْمَقَابِر




    (14) - وَأخرج ابن أبي الدُّنْيَا عَن بكر الْمُزنِيّ قَالَ : ( حدثت أَن الْمَيِّت يستبشر بتعجيله إِلَى الْمَقَابِر) .



    خامساً :

    شعور الميت وكلامه وهو موضوع على سريره



    (15) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا فِي الْقُبُور عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : ( مَا من ميت يوضع على سَرِيره فيخطى بِهِ ثَلَاث خطوَات إِلَّا تكلم بِكَلَام يسمعهُ من شَاءَ الله إِلَّا الثقلَيْن الْإِنْس وَالْجِنّ , يَقُول : يَا إخوتاه! وَيَا حَملَة نعشاه! لَا تغرنكم الدُّنْيَا كَمَا غرتني , وَلَا يلْعَب بكم الزَّمَان كَمَا لعب بِي , تركت مَا خلفت لورثتي , وَالديَّان يَوْم الْقِيَامَة يخاصمني ويحاسبني , وَأَنْتُم تشيعوني وتدعوني ) .

    (16) - وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن أم الدَّرْدَاء قَالَت : ( إِن الْمَيِّت إِذا وضع على سَرِيره فَإِنَّهُ يُنَادي: يَا أهلاه! وَيَا جيراناه! يَا حَملَة سريراه! لَا تغرنكم الدُّنْيَا كَمَا غرتني وَلَا تلعبن بكم كَمَا تلاعبت بِي , فَإِن أَهلِي لم يتحملوا عني من وزري شَيْئا) .

    (17) - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : ( لَا يقبض الْمُؤمن حَتَّى يرى الْبُشْرَى , فَإِذا قبض نَادَى فَلَيْسَ فِي الدَّار دَابَّة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا وَهِي تسمع صَوته إِلَّا الثقلَيْن الْإِنْس وَالْجِنّ , يَقُول: عجلوا بِي إِلَى أرْحم الرَّاحِمِينَ , فَإِذا وضع على سَرِيره قَالَ : مَا أَبْطَأَ مَا تمشون, فَإِذا أَدخل فِي لحده أقعد فأري مَقْعَده من الْجنَّة وَمَا أعد الله لَهُ وملىء قَبره من روح وَرَيْحَان ومسك فَيَقُول : يَا رب قدمني , فَيُقَال لم يَأن لَك إِن لَك إخْوَة وأخوات لما يلْحقُوا وَلَكِن نم قرير الْعين. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا نَام نَائِم طاعم ناعم وَلَا فتاة فِي الدُّنْيَا نومَة بأقصر وَلَا أحلى من نومته حَتَّى يرفع رَأسه إِلَى الْبُشْرَى يَوْم الْقِيَامَة ) . (1)

    -------------------------------------

    1- شرح الصدور للسيوطي , باب معرفَة الْمَيِّت بِمن يغسلهُ..., وباب مقر الأرواح , وبَاب من يحضر الْمَيِّت من الْمَلَائِكَة وَغَيرهم , باختصار .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  6. سادساً :

    سماع الميّت خطاب الناس بعد دفنه


    قال ابن القيّم في الروح :

    ( من تلقين الْمَيِّت فِي قَبره وَلَوْلَا أَنه يسمع ذَلِك وَينْتَفع بِهِ لم يكن فِيهِ فَائِدَة وَكَانَ عَبَثا وَقد سُئِلَ عَنهُ الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله فَاسْتَحْسَنَهُ وَاحْتج عَلَيْهِ بِالْعَمَلِ .
    (18) - ويروى فِيهِ حَدِيث ضَعِيف ذكره الطبرانى فِي مُعْجَمه من حَدِيث أَبى أُمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول الله : ( إِذا مَاتَ أحدكُم فسويتم عَلَيْهِ التُّرَاب فَليقمْ أحدكُم على رَأس قَبره ثمَّ يَقُول يَا فلَان ابْن فُلَانَة فَإِنَّهُ يسمع ولايجيب ثمَّ ليقل يَا فلَان ابْن فُلَانَة الثَّانِيَة فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدا ثمَّ ليقل يَا فلَان ابْن فُلَانَة يَقُول أرشدنا رَحِمك الله وَلَكِنَّكُمْ لاتسمعون فَيَقُول أذكر مَا خرجت عَلَيْهِ من الدُّنْيَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وان مُحَمَّد رَسُول الله وَأَنَّك رضيت بِاللَّه رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا فان مُنْكرا ونكيرا يتَأَخَّر كل وَاحِد مِنْهُمَا وَيَقُول انْطلق بِنَا مَا يقعدنا عِنْد هَذَا وَقد لقن حجَّته وَيكون الله وَرَسُوله حجيجه دونهمَا ) , فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فَإِن لم يعرف أمه قَالَ ينْسبهُ إِلَى امهِ حَوَّاء .

    فَهَذَا الحَدِيث وَإِن لم يثبت , فاتصال الْعَمَل بِهِ فِي سَائِر الْأَمْصَار والأعصار من غير انكار كَاف فِي الْعَمَل بِهِ وَمَا أجْرى الله سُبْحَانَهُ الْعَادة قطّ بِأَن أمه طبقت مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وَهِي أكمل الْأُمَم عقولا وأوفرها معارف تطِيق على مُخَاطبَة من لَا يسمع وَلَا يعقل وتستحسن ذَلِك لاينكره مِنْهَا مُنكر بل سنه الأول للْآخر ويقتدي فِيهِ الآخر بِالْأولِ فلولا ان الْمُخَاطب يسمع لَكَانَ ذَلِك بِمَنْزِلَة الْخطاب للتراب والخشب وَالْحجر والمعدوم وَهَذَا وان استحسنه وَاحِد فالعلماء قاطبة على استقباحه واستهجانه .

    (19) -- وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حضر جَنَازَة رجل فَلَمَّا دفن قَالَ : (سلوا لأخيكم التثيب فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل) ..
    فَأخْبر أَنه يسْأَل حِينَئِذٍ وَإِذا كَانَ يسْأَل فَإِنَّهُ يسمع التَّلْقِين...الخ ) .


    (20) - وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن رَاشد بن سعد وضمرة بن حبيب وَحَكِيم بن عُمَيْر قَالُوا : ( إِذا سوي على الْمَيِّت قَبره وَانْصَرف النَّاس عَنهُ , كَانَ يسْتَحبّ أَن يُقَال للْمَيت عِنْد قَبره : يَا فلَان قل لَا إِلَه إِلَّا الله , ثَلَاث مَرَّات, يَا فلَان قل رَبِّي الله ديني الْإِسْلَام ونبيي مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ ينْصَرف ) .

    (21) - وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه من وَجه آخر عَن أبي أمامه الْبَاهِلِيّ قَالَ : ( إِذا مت فدفنتموني فَليقمْ إِنْسَان عِنْد رَأْسِي فَلْيقل : يَا صدي بن عجلَان! اذكر مَا كنت عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ) .
    (انظر: شرح الصدور , بَاب مَا يُقَال عِنْد الدّفن والتلقين )


    (22) - وروى القرطبي في التذكرة بإسناده (ص342) :
    ( عن سعيد الأزدي قال: دخلت على أبي أمامة الباهلي وهو في النزع فقال لي: يا سعيد إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع بموتانا.
    فقال: «إذا مات الرجل منكم فدفنتموه فليقم أحدكم عند رأسه فليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه سيسمع.
    فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعداً.
    فليقل يا فلان ابن فلانة فإنه سيقول: أرشدنا يرحمك الله فلقيل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله باعث من في القبور، فإن منكر ونكيراً عند
    ذلك يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: ما نصنع عند رجل لقن حجته فيكون الله حجيجهما دونه ) .

    قال الشيخ عبد العلي اللكنوي في رسائل الأركان (ص151 ط اليوسفي) :

    (وما قيل أن التلقين لغو لأن الميت لا يسمع فهذا باطل , لأنه قد ورد في الحديث الصحيح أن الميت أسمع لصوت النعال من الأحياء , ورسول الله –ص- قد نادى الكفرة الملقين في قليب بدر وقال إنهم يسمعون ولا يقدرون على الجواب , لما لحقهم من العذاب الشديد ) .

    فائدة :

    نقل الإمام النووي في المجموع عن الإمام ابن الصلاح مقراً :

    ( وسئل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عنه فقال التلقين هو الذى نختاره ونعمل به قال وروينا فيه حديثا من حديث أبى امامة ليس إسناده بالقائم لكن اعتضد بشواهد وبعمل أهل الشام قديما) .
    فقد نقل عن ابن الصلاح اعتضاد الحديث بشواهد ذكرها بعد ذلك , وبعمل أهل الشام زمن من يقتدى به وإلى زمانه .

    وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير عن حديث أبي أمامة (2/310) :

    (وإسناده صالح , وقد قواه الضياء في أحكامه وأخرجه عبد العزيز في الشافي والراوي عن أبي أمامة سعيد الآزدي بيض لها بن أبي حاتم, ولكن له شواهد)

    وقال الإمام السخاوي في المقاصد الحسنة :

    (وضعفه ابن الصلاح ثم النووي وابن القيم والعراقي وشيخنا في بعض تصانيفه وآخرون وقواه الضياء في أحكامه ثم شيخنا بما له من الشواهد وعزى الإمام أحمد العمل به لأهل الشام وابن العربي لأهل المدينة وغيرهما كقرطبة وغيرها وأفردت للكلام عليه جزءا) .

    وجميع الذين نقل عنهم تضعيفه ذهبوا إلى اعتضاد الحديث بشواهد ,وبعمل أهل الشام كما ذكر عنهم الإمام أحمد بن حنبل .

    و نقل العلامة ملا علي قاري عن الإمام ابن حجر الهيتمي تحسين حديث التلقين هذا وأنه قال فيه :

    (اعتضد بشواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن ) .

    وقال النفراوي في الفواكه الدواني :

    (وَقَالَ ابْنُ الطَّلَّاعِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ : هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ لَكِنْ اُعْتُضِدَ بِالْقَوَاعِدِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ )

    وقال الكشميري في فيض الباري :

    ( وذهب بعضُهم إلى أن الحديثَ إذا تأيَّد بالعملِ ارتقى من حال الضَّعْف إلى مرتبة القبول. قلت: وهو الأَوْجَهُ عندي ) .


    سابعاً :

    سماع الميت قرع النعال عند ذهاب الناس


    (23) - أخرج الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا من طَرِيق قَتَادَة عَن أنس قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ( إن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه إِنَّه يسمع قرع نعَالهمْ قَالَ يَأْتِيهِ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ ) .

    (24) - وَأخرج الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد حسن عَن إِبْنِ عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : (إِن الْمَيِّت ليسمع خَفق نعَالهمْ حِين يولون ) .

    (25) - وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وإبن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : ( شَهِدنَا جَنَازَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا فرغ من دَفنهَا وَانْصَرف النَّاس قَالَ: "إِنَّه الْآن يسمع خَفق نعالكم" ) .

    (26) - وَأخرج هناد فِي الزّهْد وإبن أبي شيبَة وإبن جرير وإبن الْمُنْذر وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وإبن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الْمَيِّت إِذا وضع فِي قَبره إِنَّه ليسمع خَفق نعَالهمْ حِين يولون عَنهُ)

    (27) - وَأخرج جُوَيْبِر فِي تَفْسِيره عَن الضَّحَّاك عَن إِبْنِ عَبَّاس قَالَ : ( شهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَنَازَة رجل من الْأَنْصَار فَانْتهى إِلَى الْقَبْر وَلم يلْحد لَهُ فَجَلَسَ وَجلسَ النَّاس كَأَن على رؤوسهم الطير , فَضرب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَصَره فِي الأَرْض ينْكث بمخصرة مَعَه , ثمَّ رفع طرفه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ : "أعوذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر ثَلَاث مَرَّات ..." إلى أن قال : "فَيَقُول ملك الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة الَّذين هَبَطُوا إِلَيْهَا يَا رب قبضنا روح فلَان بن فلَان الْمُؤمن وَهُوَ أعلم مِنْهُم بذلك فَيَقُول الله ردُّوهُ إِلَى الأَرْض فَإِنِّي مِنْهَا خلقتهمْ وفيهَا أعيدهم وَمِنْهَا أخرجهم تَارَة أُخْرَى , فَإِنَّهُ ليسمع خَفق نعالكم ونفض أَيْدِيكُم إِذا وليتم عَنهُ مُدبرين" ) .

    فسماعه قرع نعالهم يدلّ على أنّ الميّت يسمع ما حوله ..


    ثامناً :

    سماع الميت سؤال الملكين وجوابه لهما



    قد تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيث بذلك مُؤَكدَة من رِوَايَة أنس والبراء وَتَمِيم الدَّارِيّ وَبشير بن الْكَمَال وثوبان وَجَابِر بن عبد الله وَعبد الله بن رَوَاحَة وَعبادَة بن الصَّامِت وَحُذَيْفَة وضمرة بن حبيب وإبن عَبَّاس وإبن عمر وإبن مَسْعُود وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعمر بن الْخطاب وَعَمْرو بن الْعَاصِ ومعاذ بن جبل وَأبي أُمَامَة وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي رَافع وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي قَتَادَة وَأبي هُرَيْرَة وَأبي مُوسَى وَأَسْمَاء وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ .

    (28) - أخرج الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا من طَرِيق قَتَادَة عَن أنس قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه إِنَّه يسمع قرع نعَالهمْ قَالَ يَأْتِيهِ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل وَعند ابْن مردوية مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ بَين أظْهركُم لذِي يُقَال لَهُ مُحَمَّد قَالَ فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول أشهد أَنه عبد الله وَرَسُوله فَيُقَال لَهُ أنظر إِلَى مَقْعَدك من النَّار قد أبدلك الله بِهِ مقْعدا من الْجنَّة قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا قَالَ قَتَادَة وَذكر لنا أَنه يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا ويملأ عَلَيْهِ خضر وَأما الْمُنَافِق وَالْكَافِر فَيُقَال لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول لَا أَدْرِي كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس فَيُقَال لَا دَريت وَلَا تليت وَيضْرب بمطراق من حَدِيد ضَرْبَة فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا من يَلِيهِ إِلَّا الثقلَيْن . (شرح الصدور : بَاب فتْنَة الْقَبْر وسؤال الْملكَيْنِ, باختصار)


    تاسعاً :

    سماع الموتى بعد عدّة أيام
    (29) - وروى الطبراني بإسناد صحيح –كما قال ابن حجر في الفتح- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن سِيدَانَ ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ( أَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ، فَقَالَ:"يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟"فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَسْمَعُونَ؟ قَالَ:"يَسْمَعُونَ كَمَا تَسْمَعُونَ، وَلَكِنْ لا يُجِيبُونَ" ) .

    (30) - وَأخرج أَبُو الشَّيْخ من مُرْسل عبيد بن مَرْزُوق قَالَ : ( كَانَت إمرأة بِالْمَدِينَةِ تقم الْمَسْجِد فَمَاتَتْ فَلم يعلم بهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم , فَمر على قبرها فَقَال : ( مَا هَذَا الْقَبْر؟) , فَقَالُوا: أم محجن , قَالَ : (الَّتِي كَانَت تقم الْمَسْجِد؟) , قَالُوا: نعم , فَصف النَّاس فصلى عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ : (أَي الْعَمَل وجدت أفضل؟) , قَالُوا : يَا رَسُول الله أتسمع؟! قَالَ : (مَا أَنْتُم بأسمع مِنْهَا) , فَذكر أَنَّهَا أَجَابَتْهُ قُم الْمَسْجِد ). (شرح الصدور , باب معرفَة الْمَيِّت بِمن يغسله...)

    تنبيه : لا يوجد دليل على أن سماع الميّت مختص بالنبي –- .


    عاشراً :

    تعذب الميّت بسماعه بكاء أهله


    (31) - وأخرج الشيخان عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) .


    قال النووي في شرح مسلم :

    ( معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم . وإلى هذا ذهب الطبرى ، قال القاضى عياض : وهو أولى الأقوال ، واحتجوا له بأن النبى صلى الله عليه وسلم زجر امرأة عن البكاء على ابنها وقال : " إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه ، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم " ) .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  7. حادي عشر :
    تبشير الكافر بالنار عند المرور على قبره

    (32) - روى ابن ماجة في سننه عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ وَكَانَ وَكَانَ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي النَّارِ قَالَ فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَبُوكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ .
    قَالَ فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ وَقَالَ لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَبًا مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ) . ورواه الطبراني في المعجم الكبير .


    ثاني عشر :
    تقريع النبي –- قتلى المشركين في بدر



    (33) - وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقف على قَتْلَى بدر فَقَالَ : ( يَا فلَان بن فلَان يَا فلَان بن فلَان , هَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا؟! فَإِنِّي وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي حَقًا , فَقَالَ عمر : يَا رَسُول الله! مَا تكلم من أجساد لَا أَرْوَاح لَهَا!! فَقَالَ : مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم غير أَنهم لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يردوا عَليّ شَيْئا ) .
    شرح الصدور .


    ثالثَ عشر :
    تقريع الأنبياء أقوامهم بعد هلاكهم



    (34) - قال تعالى : (( فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (*) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (*) ) .

    قال ابن كثير في تفسيره (3/444) :

    ( هذا تقريع من صالح -عليه السلام- لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه، وتمردهم على الله , وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العَمى -قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعا وتوبيخا وهم يسمعون ذلك , كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على أهل بدر، أقام هناك ثلاثًا، ثم أمر براحلته فشُدّت بعد ثلاث من آخر الليل فركبها ثم سار حتى وقف على القليب، قليب بدر، فجعل يقول: "يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا فلان بن فلان: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا" . فقال له عمر: يا رسول الله، ما تُكَلّم من أقوام قد جيفوا؟ فقال: "والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون".

    (35) - وفي السيرة أنه، عليه السلام قال لهم: "بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم".

    وهكذا صالح، عليه السلام، قال لقومه: { لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ } أي: فلم تنتفعوا بذلك، لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحا؛ ولهذا قال: { وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ }) .

    فهذا خطاب من سيدنا صالح -- لقومه بعدما هلكوا , وذلك تلو دعوته إياهم ورفضهم الاستجابة , فقاموا بعقر الناقة , ثم نزل العذاب بهم وهلكوا , فخاطبهم ليبيّن أنه أعذر إليهم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بهم ، فلم يسمعوا قوله ولم يقبلوا نصيحته , ومن كان حالهم كذلك فهم ليسوا مستحقين بأن يأسى الإنسان عليهم ..

    والذين أنكروا دلالة الآية على سماعهم الكلام , أجابوا عن هذا الاستدلال ببعض الوجوه الضعيفة أهمها:

    الأول : أن في الآية تقديم وتأخير تقديره : ( فتولى عنهم وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تبحون الناصحين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ) .
    وجوابه : أن سياق الآيات يدلّ على انتهاء الكلام الدائر بينه وبين قومه , وهذا لا يكون إلا بهلاكهم
    وكذلك ظاهر الآيات وترتيبها يدلّ على هلاكهم , وليس هناك دليل على صرف هذه الآيات عن ظاهرها , إذ إن الآيات رتبت أحداث القصة ببدء سيدنا صالح دعوة قومه إلى توحيد الله -- وتذكيرهم بآلائه , ونهيهم عن أن يمسوا الناقة بسوء , ثم دار النقاش بين الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ وبين الذين اسْتُضْعِفُوا وانتهى بكفر المستكبرين بما جاءهم به نبيهم , فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وطلبوا نزول العذاب , فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ , فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وخاطبهم , فسياق القصة وأحداثها تدل على أنّ الهلاك كان بعد عقرهم الناقة , وهذا ما بينه قوله تعالى : ((فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا )) .
    ثم إن الآيات ربطت بحرف "الفاء" الذي يدل على الترتيب والتعقيب بين هلاكهم وخطابه إياهم , وظاهر العطف بالفاء يدل على أن هذا التولي كان بعد هلاكهم ومشاهدة ما جرى عليهم , مما يدل على أن الخطاب كان عقب العذاب ,

    الثاني : أنّ سيدنا صالحاً قال ذلك متحزناً ومتفجعاً عليهم , كما يخاطب العاشق الأطلال والديار متفجعاً على من كان فيها ..
    فالجواب : أنّه لو كان هدف سيدنا صالح التحزن والتفجع على قومه , لكان الأولى أن يشكو حزنه إلى الله تعالى , أو أن يخاطب الناجين من قومه ممن قد آمن ليُظهر لهم حزنه ..
    ومما يدلّ على أن خطاب سيدنا صالح لقومه لم يكن من باب التحزن والتفجع , أنّ سيدنا شعيب قومه بعد هلاكهم كخطاب سيدنا صالح , فقد أخبر القرآن عنه : ((فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ)) , إلا أنه نفى التحزن والأسى عليهم فقال بعدها : ((فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ)) ..

    ثم كيف يتفجع نبي من أنبياء الله على من أراد الله إهلاكهم واستحقوا عذابه بحيث جحدوا آياته وكذبوا أنبياءه!, فأعلنوا العداء لله تعالى والحرب على أوليائه؟!
    ومعلوم أن الله تعالى نهى النبي –ص- عن الحزن على من قامت عليهم الحجة وتبينت له المحجة إلا أنه عاند ورفض الحق , فقد قال تعالى :
    (( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)) الحجر: 88
    وقال تعالى : (( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)) النحل: 127
    وقال تعالى : (( وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)) النمل: 70
    وقال تعالى : (( وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)) آل عمران: 176
    وقال تعالى : (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)) المائدة: 41
    وقال تعالى : (( وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ)) لقمان: 23

    فإذا كان الله تعالى قد نهى نبيّه عن الحزن على من قامت عليه الحجة وعاند , فكيف بأعداء الله الذين استحقوا العذاب وهلكوا؟!

    أضف إلى ذلك أنّ الأصل في خطاب الغير أن يكون الكلام موجهاً إليهم , والقول بأنّ خطاب الغير لا يراد به تكليمهم مخالف لحقيقة خطابهم , فيجب حمل الكلام على حقيقته , إذ لا يتصور أن يوجه سيدنا صالح الكلام إليهم ثم لا يقصدهم بكلامه ..

    وكذلك ليس هناك دليل عقلي يحيل سماعهم كلامه , ولا يوجد هناك دليل نقلي يصرف كلامه معهم إلى عدم إرادتهم بكلامه , فيبقى كلامه معهم على حقيقته , والكلام والخطاب يكون لمن يسمع ..

    وصيغة خطابه إياهم تدل على أنّه لم يقصد التحزن فقط , بدليل أنه قال لهم : ((ولكن لا تحبون الناصحين))..
    ثم إنّ تحزنه عليهم لا ينفي خطابه إياهم وسماعهم الخطاب ..
    وحمل خطاب سيدنا صالح لهلكى قومه على التحزن ولسان الحال كخطاب الأطلال والديار تحزناً وتفجعاً , يعتبر من التحكم الباطل والتفسير بالرأي المذموم إذ لم يدل عليه دليل ..

    وهذا النوع من التأويل نابع عن اعتقاد أمر مسبقاً ثم محاولة تفسير الآية لتوافق ذلك المعتقد , ففيه لي لأعناق النصوص بناء على موقف مسبق ..

    الثالث : أن سيدنا صالحاً أراد أن ِيَعْتَبرَ بذلكَ مَن بقي معهُ من المؤمنينَ , وذلك بأن يسمعوه فيعتبروا وينزجروا.
    والجواب : أنّ الذين بقوا معه سيدنا صالح هم المؤمنون الناجون من العذاب , فمثل هؤلاء لا حاجة في قصدهم بالخطاب لأنهم مستجيبون مذعنون أصلاً , فيكون قصدهم بالخطاب عبثاً .
    وقد قال سيدنا صالح في خطابه لقومه : ((وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)) , وهذا يبيّن عدم إرادة المؤمنين بالخطاب , إذ لا فائدة من خطابهم بهذا بعدما انصاعوا لدعوة نبيهم .

    (36) - وقد أخبر القرآن الكريم عن قصة سيدنا شعيب , فقد جاء في الآيات: (( وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (*) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (*) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (*) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (*) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (*))

    وهذه الآيات أوضح دلالة في توجيه سيدنا شعيب الكلامَ إلى قومه , وأن خطابه إياهم على الحقيقة لا على سبيل التحزن والأسى , فقد قال : ((فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ)) ..

    قال ابن كثير في تفسيره :
    ( فلا أسفة عليكم وقد كفرتم بما جئتم به، ولهذا قال: { فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ })


    رابع عشر :
    ملاقاة الْأَرْوَاح للْمَيت إِذا خرجت روحه واجتماعهم به وسؤالهم لَهُ


    قال ابن تيمية مجموع الفتاوى " ( 24 / 368 ) :

    وأما قوله " هل تجتمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه ؟ " : ففي الحديث عن أبى أيوب الأنصاري وغيره من السلف ورواه أبو حاتم فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم :

    (37) - ( أن الميت إذا عرج بروحه تلقته الأرواح يسألونه عن الأحياء فيقول بعضهم لبعض : دعوه حتى يستريح ، فيقولون له : ما فعل فلان ؟ فيقول : عمِل عمَل صلاح ، فيقولون : ما فعل فلان ؟ فيقول : ألم يقدم عليكم ؟ فيقولون : لا ، فيقولون : ذُهب به إلى الهاوية ) .
    ولما كانت أعمال الأحياء تُعرض على الموتى : كان أبو الدرداء يقول : " اللهم إنى أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة " ، فهذا اجتماعهم عند قدومه يسألونه فيجيبهم .

    وأما استقرارهم فبحسب منازلهم عند الله ، فمَن كان من المقرَّبين : كانت منزلته أعلى مِن منزلة مَن كان مِن أصحاب اليمين ، لكن الأعلى ينزل إلى الأسفل والأسفل لا يصعد إلى الاعلى ، فيجتمعون إذا شاء الله كما يجتمعون فى الدنيا ، مع تفاوت منازلهم ويتزاورون .
    وسواء كانت المدافن متباعدة في الدنيا أو متقاربة ، قد تجتمع الأرواح مع تباعد المدافن ، وقد تفترق مع تقارب المدافن ، يدفن المؤمن عند الكافر ، وروح هذا في الجنة ، وروح هذا في النار ، والرجلان يكونان جالسيْن أو نائميْن في موضعٍ واحدٍ وقلبُ هذا ينعَّم ، وقلب هذا يعذَّب ، وليس بين الروحيْن اتصال ، فالأرواح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " رواه مسلم )

    (38) - أخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن نفس الْمُؤمن إِذا قبضت تلقاها أهل الرَّحْمَة من عباد الله كَمَا يلقون البشير من أهل الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ أنظروا صَاحبكُم يستريح فَإِنَّهُ كَانَ فِي كرب شَدِيد ثمَّ يسألونه مَا فعل فلَان وفلانة هَل تزوجت فَإِذا سَأَلُوهُ عَن الرجل الَّذِي قد مَاتَ قبله فَيَقُول قد مَاتَ ذَلِك قبلي فَيَقُولُونَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ذهب بِهِ إِلَى أمه الهاوية فبئست الْأُم وبئست المربية وَقَالَ إِن أَعمالكُم ترد على أقاربكم وعشائركم من أهل الْآخِرَة فَإِن كَانَ خيرا فرحوا وَاسْتَبْشَرُوا وَقَالُوا اللَّهُمَّ هَذَا فضلك ورحمتك فَأَتمَّ نِعْمَتك عَلَيْهِ وَأمته عَلَيْهَا ويعرض عَلَيْهِم عمل الْمُسِيء فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ ألهمه عملا صَالحا ترْضى بِهِ وتقربه إِلَيْك .

    (39) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن أبي لَبِيبَة قَالَ لما مَاتَ بشر بن الْبَراء بن معْرور وجدت عَلَيْهِ أمه وجدا شَدِيدا فَقَالَت يَا رَسُول الله لَا يزَال الْهَالِك يهْلك من بني سَلمَة فَهَل تتعارف الْمَوْتَى فَأرْسل إِلَى بشر بِالسَّلَامِ قَالَ نعم وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهُم ليتعارفون كَمَا يتعارف الطير فِي رُؤُوس الشّجر وَكَانَ لَا يهْلك هَالك من بني سَلمَة إِلَّا جَاءَتْهُ أم بشر فَقَالَت يَا فلَان عَلَيْك السَّلَام فَيَقُول وَعَلَيْك فَتَقول إقرأ على بشر السَّلَام .

    (40) - وَأخرج إِبْنِ مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ دخلت على جَابر بن عبد الله وَهُوَ يَمُوت فَقلت إقرأ على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مني السَّلَام .

    (41) - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ الْجنَّة مطوية معلقَة بقرون الشَّمْس تنشر فِي كل عَام مرّة وأرواح الْمُؤمنِينَ فِي جَوف طير كالزرازير يَتَعَارَفُونَ وَيُرْزَقُونَ من ثَمَر الْجنَّة .

    (42) - وَأخرج أَحْمد والحكيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن روحي الْمُؤمنِينَ ليلتقيان على مسيرَة يَوْم وَمَا رأى أَحدهمَا صَاحبه قطّ .

    (43) - وَأخرج الْبَزَّار بِسَنَد صَحِيح عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه إِن الْمُؤمن ينزل بِهِ الْمَوْت ويعاين مَا يعاين يود لَو خرجت نَفسه وَالله يحب لقاءه وَإِن الْمُؤمن تصعد روحه إِلَى السَّمَاء فَتَأْتِيه أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فيستخبرونه عَن معارفه من أهل الدُّنْيَا فَإِذا قَالَ تركت فلَانا فِي الدُّنْيَا أعجبهم ذَلِك وَإِذا قَالَ إِن فلَانا قد مَاتَ قَالُوا مَا جِيءَ بِهِ إِلَيْنَا .

    (44) - وَأخرج آدم بن أبي إِيَاس فِي تَفْسِيره حَدثنَا الْمُبَارك بن فضَالة عَن الْحسن قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا مَاتَ العَبْد تلقى روحه أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فَيَقُولُونَ لَهُ مَا فعل فلَان فَإِذا قَالَ مَاتَ قبلي قَالُوا ذهب بِهِ إِلَى أمه الهاوية فبئست الْأُم وبئست المربية .

    (45) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن سعيد بن جُبَير قَالَ إِذا مَاتَ الْمَيِّت إستقبله وَلَده كَمَا يسْتَقْبل الْغَائِب .

    (46) - وَأخرج عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ بلغنَا أَن الْمَيِّت إِذا مَاتَ إحتوشه أَهله وأقاربه الَّذين قد تقدموه من الْمَوْتَى فَلَهو أفرح بهم وَلَهُم أفرح بِهِ من الْمُسَافِر إِذا قدم إِلَى أَهله .

    (47) - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة فِي المُصَنّف وإبن أبي الدُّنْيَا عَن عبيد بن عُمَيْر قَالَ إِن أهل الْقُبُور ليستوكفون الْمَيِّت كَمَا يتلَقَّى الرَّاكِب يسألونه فَإِذا سَأَلُوهُ مَا فعل فلَان مِمَّن قد مَاتَ فَيَقُول ألم يأتكم فَيَقُولُونَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون سلك بِهِ غير طريقنا ذهب بِهِ إِلَى أمه الهاوية .
    قَالَ فِي الصِّحَاح : ( التوكف التوقع يُقَال مَا زلت أتوكفه حَتَّى لَقيته) .

    (48) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن صَالح المري قَالَ بَلغنِي أَن الْأَرْوَاح تتلاقى عِنْد الْمَوْت فَتَقول أَرْوَاح الْمَوْتَى للروح الَّتِي تخرج إِلَيْهِم كَيفَ كَانَ مَا وَرَاءَك وَفِي أَي الجسدين كنت فِي طيب أم فِي خَبِيث .

    (49) - وَأخرج عَن عبيد بن عُمَيْر قَالَ إِذا مَاتَ الْمَيِّت تَلَقَّتْهُ الْأَرْوَاح يستخبرونه كَمَا يستخبر الرَّاكِب مَا فعل فلَان وَفُلَان .

    (50) - وَذكر الثَّعْلَبِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مثل ذَلِك وَفِي آخِره حَتَّى إِنَّهُم ليسألونه عَن هرة الْبَيْت قَالَ الْقُرْطُبِيّ قد قيل فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف إِنَّه هَذَا التلاقي وَقيل تلاقي أَرْوَاح النيام والموتى .

    (51) - وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد وإبن أبي الدُّنْيَا عَن عبيد بن عُمَيْر قَالَ لَو أَنِّي آيس من لقيا من مَاتَ من أَهلِي لألفاني قد مت كمدا .

    (52) - وَأخرج إِبْنِ عَسَاكِر من طَرِيق أبي جَعْفَر أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ قَالَ سَمِعت السّديّ قَالَ سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يَقُول لما اشْتَدَّ بسفيان الْمَرَض جزع جزعا شَدِيدا فَدخل عَلَيْهِ مَرْحُوم بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله مَا هَذَا الْجزع تقدم على رب عبدته سِتِّينَ سنة صمت لَهُ صليت لَهُ حججْت لَهُ أرأيتك لَو كَانَ لَك عِنْد رجل يَد أَلَيْسَ كنت تحب أَن تَلقاهُ حَتَّى يكافئك قَالَ فَسرِّي عَنهُ قَالَ أَبُو جَعْفَر حدث بِهَذَا السَّنَد وَنحن مَعَ أبي نعيم فَقَالَ أَبُو نعيم لما اشْتَدَّ بالْحسنِ بن عَليّ بن أبي طَالب وَجَعه جزع فَدخل عَلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد مَا هَذَا الْجزع مَا هُوَ إِلَّا أَن تفارق روحك جسدك فَتقدم على أَبَوَيْك عَليّ وَفَاطِمَة وعَلى جديك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخَدِيجَة وعَلى عميك حَمْزَة وجعفر وعَلى أخوالك الْقَاسِم وَالطّيب والطاهر وَإِبْرَاهِيم وعَلى خَالَاتك رقية وَأم كُلْثُوم وَزَيْنَب قَالَ فَسرِّي عَنهُ .

    (53) - وَأخرج أَبُو نعيم عَن اللَّيْث بن سعد قَالَ أستشهد رجل من أهل الشَّام وَكَانَ يَأْتِي إِلَى أَبِيه كل لَيْلَة جُمُعَة فِي الْمَنَام فيحدثه ويستأنس بِهِ فَغَاب عَنهُ جُمُعَة ثمَّ جَاءَ فِي الْجُمُعَة الْأُخْرَى فَقَالَ يَا بني لقد أحزنتني وشق عَليّ تخلفك فَقَالَ إِنَّمَا شغلني عَنْك أَن الشُّهَدَاء أمروا أَن يتلقوا عمر بن عبد الْعَزِيز فتلقيناه وَذَلِكَ عِنْد موت عمر بن عبد الْعَزِيز.

    (54) - وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه قَالَ خليلان مُؤْمِنَانِ وخليلان كَافِرَانِ مَاتَ أحد الْمُؤمنِينَ فبشر بِالْجنَّةِ فَذكر خَلِيله فَقَالَ اللَّهُمَّ إِن خليلي فلَانا كَانَ يَأْمُرنِي بطاعتك وَطَاعَة رَسُولك ويأمرني بِالْخَيرِ وينهاني عَن الشَّرّ وينبئني أَنِّي ملاقيك اللَّهُمَّ فَلَا تضله بعدِي حَتَّى تريه كَمَا أريتني وترضى عَنهُ كَمَا رضيت عني ثمَّ يَمُوت الآخر فَيجمع بَين أرواحهما فَيُقَال ليثنين كل وَاحِد مِنْكُمَا على صَاحبه فَيَقُول كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه نعم الْأَخ وَنعم الصاحب وَنعم الْخَلِيل وَإِذا مَاتَ أحد الْكَافرين بشر بالنَّار فيذكر خَلِيله فَيَقُول اللَّهُمَّ إِن خليلي يَأْمُرنِي بمعصيتك ومعصية رَسُولك ويأمرني بِالشَّرِّ وينهاني عَن الْخَيْر وينبئني أَنِّي غير ملاقيك اللَّهُمَّ فَلَا تهده بعدِي حَتَّى تريه كَمَا أريتني وتسخط عَلَيْهِ كَمَا سخطت عَليّ ثمَّ يَمُوت الآخر فَيجمع بَين أرواحهما فَيُقَال ليثن كل وَاحِد مِنْكُمَا على صَاحبه فَيَقُول كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه بئس الْأَخ وَبئسَ الصاحب .

    (55) - وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه عَن خالدة بنت عبد الله بن أنيس قَالَت جَاءَت أم الْبَنِينَ بنت أبي قَتَادَة بعد موت أَبِيهَا بِنصْف شهر إِلَى عبد الله بن أنيس وَهُوَ مَرِيض فَقَالَت يَا عَم أقرىء أبي السَّلَام . (شرح الصدور : بَاب ملاقاة الْأَرْوَاح للْمَيت إِذا خرجت روحه) .


    يتبع ............
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  8. خامس عشر :
    السلام على الميّت , ورده السلام

    (56) - وَأخرج مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى الْمقْبرَة فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون .

    (57) - وَأخرج النَّسَائِيّ وإبن مَاجَه عَن بُرَيْدَة كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعلمهُمْ إِذا خَرجُوا إِلَى الْمَقَابِر السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُسلمين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون أَنْتُم لنا فرط وَنحن لكم تبع أسأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة.

    (58) - وَأخرج مُسلم عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت كَيفَ أَقُول لَهُم يَا رَسُول الله قَالَ قولي السَّلَام على أهل الديار من الْمُسلمين وَيرْحَم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ منا والمستأخرين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون.

    (59) - وَأخرج التِّرْمِذِيّ عَن إِبْنِ عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ قَالَ مر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقبور الْمَدِينَة فَأقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْقُبُور يغْفر الله لنا وَلكم وَأَنْتُم سلفنا وَنحن بالأثر.

    (60) - وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب أَنه دنا من الْقُبُور فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين أَنْتُم لنا سلف فارط وَنحن لكم تبع عَمَّا قَلِيل لَاحق اللَّهُمَّ إغفر لنا وَلَهُم وَتجَاوز بعفوك عَنَّا وعنهم.

    (61) - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة عَن سعد بن أبي وَقاص أَنه كَانَ يرجع من ضيعته فيمر بقبور الشُّهَدَاء فَيَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون ثمَّ يَقُول لأَصْحَابه أَلا تسلمون على الشُّهَدَاء فيردوا عَلَيْكُم.

    (62) - وَأخرج إِبْنِ عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه كَانَ لَا يمر بلَيْل وَلَا نَهَار بِقَبْر إِلَّا سلم عَلَيْهِ.

    (63) - وَأخرج عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ إِذا مَرَرْت بالقبور وَقد كنت تعرفهم فَقل السَّلَام عَلَيْكُم أَصْحَاب الْقُبُور وَإِذا مَرَرْت بالقبور لَا تعرفهم فَقل السَّلَام على الْمُسلمين . (شرح الصدور , بَاب زِيَارَة الْقُبُور وَعلم الْمَوْتَى بزوارهم ورؤيتهم لَهُم)

    (64) - وروى ابن عبد البر في " الاستذكار " و " التمهيد " ، من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام " صححه أبو محمد عبد الحق , وأقره ابن عبد البر .
    قال الإمام العيني في عمدة القاري (8/69) : (وعند ابن عبد البر بسند صحيح) وذكره .

    قال ابن القيم في كتاب الروح :

    ( ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرًا، ولولا أنهم يشعرون به لما صحّ تسميته زائرًا، فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره، لم يصح أن يقال: زاره، وهذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأُمم، وكذلك السلام عليهم أيضًا، فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علّم النبيّ صلى الله عليه وسلم أُمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، يرحم اللَّه المستقدمين منّا ومنكم والمستأخرين، نسأل اللَّه لنا ولكم العافية" ، وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع، ويخاطب، ويعقل، ويردّ، وإن لم يسمع المسلم الردّ ) .

    (65) - وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن إِبْنِ عمر قَالَ مر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على قبر مُصعب بن عُمَيْر حِين رَجَعَ من أحد فَوقف عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه فَقَالَ أشهد أَنكُمْ أَحيَاء عِنْد الله فزوروهم وسلموا عَلَيْهِم فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يسلم عَلَيْهِم أحد إِلَّا ردوا عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة .

    (66) - وَأخرج الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه وقف على قبر مُصعب بن عُمَيْر حِين رَجَعَ من أحد فَوقف عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه فَقَالَ أشهد أَنكُمْ أَحيَاء عِنْد الله فزوروهم وسلموا عَلَيْهِم فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يسلم عَلَيْهِم أحد إِلَّا ردوا عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة .

    (67) - وَأخرج الْعقيلِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ أَبُو رزين يَا رَسُول الله إِن طريقي على الْمَوْتَى فَهَل من كَلَام أَتكَلّم بِهِ إِذا مَرَرْت عَلَيْهِم قَالَ قل السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْقُبُور من الْمُسلمين وَالْمُؤمنِينَ أَنْتُم لنا سلف وَنحن لكم تبع وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون قَالَ أَبُو رزين يَا رَسُول الله يسمعُونَ قَالَ يسمعُونَ وَلَكِن لَا يستطيون أَن يجيبوا قَالَ يَا أَبَا رزين أَلا ترْضى أَن يرد عَلَيْك بعددهم من الْمَلَائِكَة .

    تنبيه :

    - قال الإمام السيوطي في شرح الصدور قَوْله "لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يجيبوا" أَي جَوَابا يسمعهُ الْجِنّ وَالْإِنْس , فهم يردون حَيْثُ لَا يسمع) .

    - وقال الألوسي في روح المعاني (21/50) : ( يسمعون السلام ولا يستطيعون رده : محمول على نفي استطاعة الرد على الوجه المعهود الذي يسمعه الأحياء ) .

    وقال القرطبي في التذكرة بعد سوقه بعض الأحاديث السابقة (ص144) :
    (فصل: هذه الأحاديث تشتمل على فقه عظيم وهو جواز زيارة القبور للرجال والنساء والسلام عليها , ورد الميت السلام على من يسلم عليه ) .

    وقال ابن كثير في التفسير : ( والسلام على من لم شعر ويعلم بالمسلم محال ) .

    وقال ابن تيمية في اقتضاء الصراط : (سماع الميت للأصوات من السلام والقراءة حق ) .

    وقال في مجموع الفتاوى (24/379) : ( وأما سؤال السائل : هل يتكلم الميت في قبره؟ فجوابه أنه يتكلم...)

    وقال القاري في المرقاة : (فإن سائر الأموات أيضا يسمعون السلام والكلام ) .

    وقال الصنعاني في سبل السلام : ( وفيه أنهم يعلمون بالمار بهم وسلامه عليهم وإلا لكان إضاعة ) .

    وقال العثماني في فتح الملهم : (إشارة إلى أنهم يعرفون الزائر ويدركون كلامه وسلامه) .

    وقال النووي في شرح مسلم : (قَالَ الْمَازِرِيّ : قَالَ بَعْض النَّاس : الْمَيِّت يَسْمَع عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ الْمَازِرِيّ وَادَّعَى أَنَّ هَذَا خَاصّ فِي هَؤُلَاءِ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاض وَقَالَ : يُحْمَل سَمَاعهمْ عَلَى مَا يُحْمَل عَلَيْهِ سَمَاع الْمَوْتَى فِي أَحَادِيث عَذَاب الْقَبْر وَفِتْنَته ، الَّتِي لَا مَدْفَع لَهَا ، وَذَلِكَ بِإِحْيَائِهِمْ أَوْ إِحْيَاء جُزْء مِنْهُمْ يَعْقِلُونَ بِهِ وَيَسْمَعُونَ فِي الْوَقْت الَّذِي يُرِيد اللَّه ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي ، وَهُوَ الظَّاهِر الْمُخْتَار الَّذِي يَقْتَضِيه أَحَادِيث السَّلَام عَلَى الْقُبُور . وَاَللَّه أَعْلَم )


    سادس عشر :
    إجماع السلف وتواتر آثارهم على استئناس الميّت بزيارة الحي وردّ السلام عليه


    قال ابن القيم في كتاب الروح :

    ( وَقد شرع النَّبِي لأمته إِذا سلمُوا على أهل الْقُبُور أَن يسلمُوا عَلَيْهِم سَلام من يخاطبونه فَيَقُول السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين , وَهَذَا خطاب لمن يسمع وَيعْقل , وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ هَذَا الْخطاب بِمَنْزِلَة خطاب الْمَعْدُوم والجماد , وَالسَّلَف مجمعون على هَذَا , وَقد تَوَاتَرَتْ الْآثَار عَنْهُم بِأَن الْمَيِّت يعرف زِيَارَة الْحَيّ لَهُ ويستبشر بِهِ )

    وقال ابن كثير في التفسير (3/439) :

    (وقد تواترت الآثار عنهم –أي السلف- بأن الميت يعرف بزيارة الحي له ويستبشر ) .

    وقال السيوطي في الحاوي للفتاوي :

    ( مَسْأَلَةٌ: هَلْ يَعْلَمُ الْأَمْوَاتُ بِزِيَارَةِ الْأَحْيَاءِ وَبِمَا هُمْ فِيهِ؟ز
    وَهَلْ يَسْمَعُ الْمَيِّتُ كَلَامَ النَّاسِ وَمَا يُقَالُ فِيهِ؟ وَأَيْنَ مَقَرُّ الْأَرْوَاحِ؟ وَهَلْ تَجْتَمِعُ وَيَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟ وَهَلْ يُسْأَلُ الشَّهِيدُ وَالطِّفْلُ؟
    الْجَوَابُ: هَذِهِ مَسَائِلُ مُهِمَّةٌ قَلَّ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا بِمَا يَشْفِي، وَأَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَتَتَبَّعُ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ.
    أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى، فَنَعَمْ يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ ....
    وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ عِلْمُ الْأَمْوَاتِ بِأَحْوَالِ الْأَحْيَاءِ وَبِمَا هُمْ فِيهِ، فَنَعَمْ أَيْضًا...
    وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ هَلْ يَسْمَعُ الْمَيِّتُ كَلَامَ النَّاسِ وَثَنَاءَهُمْ عَلَيْهِ وَقَوْلَهُمْ فِيهِ، فَنَعَمْ أَيْضًا....
    وأما المسألة الخامسة وهي هل تجتمع الأرواح ويرى بعضهم بعضا؟ فنعم أيضا ..)

    ثم ساق جملة من الأحاديث والأخبار منها :

    (68) - رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي " كِتَابِ الْقُبُورِ " مِنْ حَدِيثِ عائشة قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَا مِنْ رَجُلٍ يَزُورُ قَبْرَ أَخِيهِ وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ إِلَّا اسْتَأْنَسَ بِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ» ".

    (69) - وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي " كِتَابِ الْقُبُورِ "، عَنْ محمد بن قدامة الجوهري، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى الْقَزَّازِ ، عَنْ هشام بن سعد، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَعَرَفَهُ، وَإِذَا مَرَّ بِقَبْرٍ لَا يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ.

    (70) - وَرَوَى فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ. وَعَنِ الضحاك قَالَ: مَنْ زَارَ قَبْرًا يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلِمَ الْمَيِّتُ بِزِيَارَتِهِ، قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِمَكَانِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. (الحاوي للفتاوي للسيوطي , ص576 , دار الكتاب العربي) .


    سابع عشر :
    معرفة الأموات بأعمال الأحياء


    ( وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ عِلْمُ الْأَمْوَاتِ بِأَحْوَالِ الْأَحْيَاءِ وَبِمَا هُمْ فِيهِ، فَنَعَمْ أَيْضًا...
    (71) - رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: ثَنَا عبد الرزاق، عَنْ سفيان، عَمَّنْ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُمْ حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا» ".

    (72) - وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الصلت بن دينار، عَنِ الحسن، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى عَشَائِرِكُمْ وَعَلَى أَقْرِبَائِكُمْ فِي قُبُورِهِمْ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا: اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِكَ» ".

    (73) - وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي " نَوَادِرِ الْأُصُولِ "، مِنْ حَدِيثِ عبد الغفور بن عبد العزيز، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ عَلَى اللَّهِ، وَتُعْرَضُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَيَفْرَحُونَ بِحَسَنَاتِهِمْ وَتَزْدَادُ وُجُوهُهُمْ بَيَاضًا وَإِشْرَاقًا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُؤْذُوا أَمْوَاتَكُمْ» .

    (74) - وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَنَامَاتِ، ثَنَا القاسم بن هاشم ومحمد بن رزق الله قَالَا: ثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، ثَنَا أبو إسماعيل السلولي: سَمِعْتُ مالك بن الداء: يَقُولُ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهَ اللَّهَ فِي إِخْوَانِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، فَإِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ» .
    وَأخرجه الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ وإبن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب المنامات وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان .

    (75) - وَقَالَ: ثَنَا عبد الله بن شبيب، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا فليح بن إسماعيل، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أبي صالح وَالْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَفْضَحُوا مَوْتَاكُمْ بِسَيِّئَاتِ أَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ» .

    (76) - وَقَالَ: ثَنَا الحسن بن عبد العزيز، نَبَّأَ عمر بن أبي سلمة، عَنْ سعيد بن عبد العزيز، عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ يَمْقُتَنِي خَالِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِذَا لَقِيتُهُ.
    وَقَالَ: ثَنَا أبو هشام، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ عبد الوهاب بن مجاهد، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنَّهُ لَيُبَشَّرُ بِصَلَاحِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُهُ ) (الحاوي للفتاوي , ص577)

    (77) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن مُجَاهِد قَالَ إِن الرجل ليبشر بصلاح وَلَده فِي قَبره . (شرح الصدور , بَاب أَحْوَال الْمَوْتَى فِي قُبُورهم وأنسهم فِيهَا...) .

    وقال القرطبي في التذكرة :

    ( (78) - قال ابن المبارك: وأخبرنا صفوان بن عمرو، قال: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن أبا الدرداء كان يقول: إن أعمالكم تعرض على موتاكم فيسرون ويساؤون قال: يقول أبو الدرداء: اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملاً يخزى به عبد الله بن رواحة.
    وفي رواية : اللهم إني أعوذ بك من عمل يخزيني عند عبد الله بن رواحة .

    (79) - أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلي الثقفي قال: أخبرني عثمان بن عبد الله بن أوس أن سعيد بن جبير قال له: أستأذن لي على ابنة أخي، وهي زوجة عثمان وهي ابنة عمرو بن أوس، فاستأذنت له فدخل عليها ثم قال: كيف يفعل بك زوجك؟ قالت: إنه إلي لمحسن فيما استطاع.
    فالتفت إلي ثم قال: يا عثمان أحسن إليها فإنك لا تصنع بها شيئاً إلا جاء عمرو بن أوس فقلت: وهل تأتي الأموات أخبار الأحياء؟ قال: نعم ما من أحد له حميم إلا ويأتيه أخبار أقاربه فإن كان خيراً سر به وفرح وهنئ به وإن كان شراً ابتأس وحزن به حتى إنهم ليسألون عن الرجل قد مات فيقال: أو لم يأتكم؟ فيقولون: لا، خولف به إلى أمه الهاوية ...
    فصل: هذه الأخبار وإن كانت موقوفة فمثلها لا يقال من جهة الرأي ). (التذكرة للقرطبي , ص50-51 , مكتبة الرحاب)

    وقال ابن القيم في الروح ص27:

    (وهذا باب طويل جدا، فإن لم تسمح نفسُك بتصديقه وقلتَ هذه منامات وهي غير معصومة , فتأمّلْ من رأى صاحبا له أو قريبا أو غيره فأخبره بأمر لا يعلمه إلا صاحب الرؤيا , أو أخبره بمال دفنه أو حذّره من أمر يقع أو بشّره بأمر يوجد فوقع كما قال ، أو أخبره بأنه يموت هو أو بعض أهله إلى كذا وكذا فيقع كما أخبر، أو أخبره بخصب أو جدب أو عدوّ أو نازلة أو مرض أو بغرض له فوقع كما أخبره، والواقع من ذلك لا يحصيه إلا الله ، والناس مشتركون فيه , وقد رأينا نحن وغيرنا من ذاك عجائب!! ) .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  9. ثامن عشر :
    تزاور أرواح الموتى


    قال ابن القيم في الروح :
    ( الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وهى أَن ارواح الْمَوْتَى هَل تتلاقي وتتزاور وتتذاكر أم لَا؟
    وَهِي أَيْضا مَسْأَلَة شريفة كَبِيرَة الْقدر وجوابها أَن الْأَرْوَاح قِسْمَانِ أَرْوَاح معذبة وأرواح منعمة فالمعذبة فِي شغل بِمَا هى فِيهِ من الْعَذَاب عَن التزاور والتلاقي , والأرواح المنعمة الْمُرْسلَة غير المحبوسة تتلاقي وتتزاور وتتذاكر مَا كَانَ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا وَمَا يكون من أهل الدُّنْيَا فَتكون كل روح مَعَ رفيقها الَّذِي هُوَ على مثل عَملهَا وروح نَبينَا مُحَمَّد فِي الرفيق الْأَعْلَى قَالَ الله تَعَالَى {وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا} وَهَذِه الْمَعِيَّة ثَابِتَة فِي الدُّنْيَا وَفِي الدَّار البرزخ وَفِي دَار الْجَزَاء والمرء مَعَ من أحب فِي هَذِه الدّور الثَّلَاثَة
    وروى جرير عَن مَنْصُور عَن أبي الضحي عَن مَسْرُوق قَالَ قَالَ أَصْحَاب مُحَمَّد مَا يَنْبَغِي لنا أَن نُفَارِقك فِي الدُّنْيَا فَإِذا مت رفعت فَوْقنَا فَلم نرك فَأنْزل الله تَعَالَى {وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا}
    وَقَالَ الشّعبِيّ جَاءَ رجل من الْأَنْصَار وَهُوَ يبكي إِلَى النَّبِي فَقَالَ مَا يبكيك يَا فلَان فَقَالَ يَا نَبِي الله وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لأَنْت أحب إِلَى من أهلى ومالى وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لأَنْت أحب إِلَى من نفسى وَأَنا أذكرك أَنا وأهلى فيأخذني كَذَا حَتَّى أَرَاك فَذكرت موتك وموتى فَعرفت أَنِّي ان أجامعك إِلَّا فِي الدُّنْيَا وَإنَّك ترفع بَين النَّبِيين وَعرفت اني إِن دخلت الْجنَّة كنت فِي منزل أدني من مَنْزِلك فَلم يرد النَّبِي شَيْئا فَأنْزل الله تَعَالَى وَمن يطع الله وَرَسُول فألئك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين والصديقيين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ إِلَى قَوْله {وَكفى بِاللَّه عليما} وَقَالَ تَعَالَى {يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي} اى أدخلى جُمْلَتهمْ وكونى مَعَهم وَهَذَا يُقَال للروح عِنْد الْمَوْت
    وَفِي قصَّة الاسراء من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود قَالَ لما اسرى النَّبِي لَقِي إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فتذكروا السَّاعَة فبدأوا بإبراهيم فَسَأَلُوهُ عَنْهَا فَلم يكن عِنْده مِنْهَا علم ثمَّ بمُوسَى فَلم يكن عِنْده مِنْهَا علم حَتَّى أَجمعُوا الحَدِيث الى عِيسَى فَقَالَ عِيسَى عهد الله الى فيمادون وجبتها فَذكر خُرُوج الدَّجَّال قَالَ فأهبط فَأَقْتُلهُ وَيرجع النَّاس إِلَى بِلَادهمْ فتستقبلهم يَأْجُوج وَمَأْجُوج وهم من كل حدب يَنْسلونَ فَلَا يَمرونَ بِمَاء إِلَّا شربوه وَلَا يَمرونَ بِشَيْء الا أفسدوه فيجأرون إِلَى فأدعو الله فيميتهم فتجأر الأَرْض الى الله من ريحهم ويجأرون الى فادعو وَيُرْسل الله السَّمَاء بِالْمَاءِ فَيحمل أجسامهم فيقذفها فِي الْبَحْر ثمَّ ينسف الْجبَال ويمد الأَرْض مد الْأَدِيم فعهد الله الى اذا كَانَ كَذَلِك فَإِن السَّاعَة من النَّاس كالحامل المتم لَا يدرى أَهلهَا مَتى تفجؤهم بولادتها لَيْلًا أَو نَهَارا ذكره الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا .
    وَهَذَا نَص فِي تَذَاكر الْأَرْوَاح الْعلم .
    وَقد أخبرنَا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَن الشُّهَدَاء بِأَنَّهُم أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ وَأَنَّهُمْ يستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم وَإِنَّهُم يستبشرون بِنِعْمَة من الله وَفضل وَهَذَا يدل على تلاقيهم من ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنهم عِنْد رَبهم يرْزقُونَ وَإِذا كَانُوا أَحيَاء فهم يتلاقون الثَّانِي أَنهم إِنَّمَا اسْتَبْشَرُوا باخوانهم لقدومهم ولقائهم لَهُم الثَّالِث ان لفظ يستبشرون يُفِيد فِي اللُّغَة أَنهم يبشر بَعضهم بَعْضًا مثل يتباشرون
    وَقد تَوَاتَرَتْ المرائى بذلك , فَمِنْهَا مَا ذكره صَالح بن بشير قَالَ رَأَيْت عَطاء السلمى فِي النّوم بعد مَوته فَقلت لَهُ يَرْحَمك الله لقد كنت طَوِيل الْحزن فِي الدُّنْيَا فَقَالَ أما وَالله لقد أعقبني ذَلِك فَرحا طَويلا وسرورا دَائِما فَقلت فِي أى الدَّرَجَات أَنْت قَالَ مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ ..الخ ) . (الروح لابن القيم , ص17-18 , دار الكتب العلمية)

    ثم ساق جملة من أقوال السلف ومرائيهم في ذلك .

    (80) - وَأخرج الْحَارِث بن أبي أُسَامَة فِي مُسْنده والوائلي فِي الْإِبَانَة والعقيلي عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَحْسنُوا أكفان مَوْتَاكُم فَإِنَّهُم يتباهون ويتزاورون فِي قُبُورهم.

    (81) - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَن إِبْنِ سِيرِين قَالَ كَانَ يحب حسن الْكَفَن وَيُقَال إِنَّهُم يتزاورون فِي أكفانهم .

    (82) - وَأخرج إِبْنِ عدي عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حسنوا أكفان مَوْتَاكُم فَإِنَّهُم يتزاورون فِي قُبُورهم.

    (83) - وَأخرج الْعقيلِيّ والخطيب فِي التَّارِيخ عَن أنس رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه فَإِنَّهُم يتزاورون فِي أكفانهم.

    (84) - وَأخرج التِّرْمِذِيّ وإبن مَاجَه وَمُحَمّد بن يحيى الْهَمدَانِي فِي صَحِيحه وإبن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن أبي قَتَادَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا ولي أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه فَإِنَّهُم يتزاورون فِي قُبُورهم.

    (85) - وَأخرج السلَفِي فِي المشيخة البغدادية عَن مُحَمَّد بن سِيرِين قَالَ كَانُوا يستحبون أَن يكون الْكَفَن ملفوفا مزرورا وَقَالَ إِنَّهُم يتزاورون فِي قُبُورهم.

    (86) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن الشّعبِيّ قَالَ إِن الْمَيِّت إِذا وضع لحده أَتَاهُ أَهله وَولده فيسألهم عَمَّن خلف بعده كَيفَ فعل فلَان وَمَا فعل فلَان . (شرح الصدور , بَاب أَحْوَال الْمَوْتَى فِي قُبُورهم وأنسهم فِيهَا..)


    تاسع عشر :
    إحساس الميت بالزائر و علمه بمن يموت


    جاء في فتاوى ابن تيمية :
    ( مسألة في الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلم الأموات بزيارتهم؟! ، وهل يعلمون بالميت إذا مات من أقاربهم أو غيره أم لا ؟
    الجواب : نعم ، قد جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات...)

    ثم ذكر بعض الآثار الدالة على ما قال ..

    (87) - وَأخرج مُسلم عَن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه قَالَ فِي مرض مَوته إِذا دفنتموني فَشُنُّوا عَليّ التُّرَاب شنا وَأقِيمُوا عِنْد قَبْرِي قدر مَا تنحر جزور وَيقسم لَحمهَا آنس بكم وَأنْظر مَاذَا أراجع بِهِ رسل رَبِّي .

    قال الشيخ محمد الإمين الشنقيطي في أضواء البيان :
    ( ومعلوم أن هذا الحديث له حكم الرفع، لأن استئناس المقبور بوجود الأحياء عند قبره لا مجال للرأي فيه ) .

    وجاء في "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" (1/ 366) :
    ( ومعرفة الميت زائره، ليس مختصا به -صلى الله عليه وسلم-) .


    عشرين :
    تواطؤ رؤى المؤمنين على إدراك الميّت , وهو كتواطؤ روايتهم له


    ذكر ابن القيم مجموعة من رؤى الصالحين تدل على سماع الميّت وإدراكه , ثم قال :
    ( وَهَذِه المرائى وَإِن لم تصح بمجردها لإثبات مثل ذَلِك فهى على كثرتها وَأَنَّهَا لَا يحصيها إِلَّا الله قد تواطأت على هَذَا الْمَعْنى وَقد قَالَ النَّبِي : (أرى رُؤْيا رؤياكم قد تواطأت على أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر) يَعْنِي لَيْلَة الْقدر , فَإِذا تواطأت رُؤْيا الْمُؤمنِينَ على شَيْء كَانَ كتواطؤ روايتهم لَهُ , وكتواطؤ رَأْيهمْ على استحسانه واستقباحه وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَمَا رَأَوْهُ قبيحا فَهُوَ عِنْد الله قَبِيح على أَنا لم نثبت هَذَا بِمُجَرَّد الرُّؤْيَا بل بِمَا ذَكرْنَاهُ من الْحجَج وَغَيرهَا ) .


    حادياً وعشرين :
    الروح تشرف على القبر


    قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى : 24/303):
    ( الروح تشرف على القبر ، وتعاد إلى اللحد أحيانا ) .

    وقال ابن القيم في الروح :
    (وقال: أبو عمر بن عبد البر أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم )

    وَقَالَ الْحَافِظ اِبْنِ حجر فِي فَتَاوِيهِ :
    ( أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي عليين وأرواح الْكَافرين فِي سِجِّين وَلكُل روح بجسدها إتصال معنوي لَا يشبه الإتصال فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا بل أشبه شَيْء بِهِ حَال النَّائِم وَإِن كَانَ هُوَ أَشد من حَال النَّائِم إتصالا قَالَ وَبِهَذَا يجمع بَين مَا ورد أَن مقرها فِي عليين أَو سِجِّين وَبَين مَا نَقله إِبْنِ عبد الْبر عَن الْجُمْهُور أَيْضا أَنَّهَا عِنْد أفنية قبورها قَالَ وَمَعَ ذَلِك فَهِيَ مَأْذُون لَهَا فِي التَّصَرُّف وتأوي إِلَى محلهَا من عليين أَو سِجِّين قَالَ وَإِذا نقل الْمَيِّت من قبر إِلَى قبر فالإتصال الْمَذْكُور مُسْتَمر وَكَذَا لَو تَفَرَّقت الْأَجْزَاء إنتهى قلت وَيُؤَيّد كَون الْمقر فِي عليين مَا أخرجه إِبْنِ عَسَاكِر من طَرِيق إِبْنِ إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي الْحُسَيْن بن عبيد الله عَن إِبْنِ عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بعد قتل جَعْفَر لقد مر بِي اللَّيْلَة جَعْفَر يقتفي نَفرا من الْمَلَائِكَة لَهُ جَنَاحَانِ متخضبة قوادمها بِالدَّمِ يُرِيدُونَ بيشة بَلَدا بِالْيمن) .


    ثانياً وعشرين :
    الروح تذهب حيث شاءت


    (88) - وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب وإبن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب المنامات عَن سعيد بن الْمسيب أَن سلمَان الْفَارِسِي وَعبد الله بن سَلام إلتقيا فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه إِن لقِيت رَبك قبلي فَأَخْبرنِي مَاذَا لقِيت فَقَالَ أَو تلقى الْأَحْيَاء الْأَمْوَات قَالَ نعم أما الْمُؤْمِنُونَ فَإِن أَرْوَاحهم فِي الْجنَّة وَهِي تذْهب حَيْثُ شَاءَت . (نقلاً عن شرح الصدور , باب مقر الأرواح)


    ثالثاً وعشرين :
    علم الميّت بما يجري لأهله بعده


    قال ابن القيّم في الروح ص14 :
    ((89) - وَصَحَّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن شهر بن حَوْشَب أَن الصعب بن جثامة وعَوْف ابْن مَالك كَانَا متآخيين قَالَ صَعب لعوف أى أخى أَيّنَا مَاتَ قبل صَاحبه فليتراءا لَهُ قَالَ أَو يكون ذَلِك قَالَ نعم فَمَاتَ صَعب فَرَآهُ عَوْف فِيمَا يرى النَّائِم كَأَنَّهُ قد اتاه قَالَ قلت أى أخى قَالَ نعم قلت مَا فعل بكم قَالَ غفر لنا بعد المصائب قَالَ وَرَأَيْت لمْعَة سَوْدَاء فِي عُنُقه قلت أى أخى مَا هَذَا قَالَ عشرَة دَنَانِير استسلفتها من فلَان الْيَهُودِيّ فهن فِي قَرْني فَأَعْطوهُ إِيَّاهَا وَأعلم أَن أى أخي انه لم يحدث فِي أهلى حدث بعد موتى إِلَّا قد لحق بى خَبره حَتَّى هرة لنا مَاتَت مُنْذُ أَيَّام وَاعْلَم أَن بنتى تَمُوت إِلَى سِتَّة أَيَّام فأستوصوا بهَا مَعْرُوفا فَلَمَّا أَصبَحت قلت إِن فِي هَذَا لمعلما فَأتيت أَهله فَقَالُوا مرْحَبًا بعوف أهكذا تَصْنَعُونَ بتركة إخْوَانكُمْ لم تقربنا مُنْذُ مَاتَ صَعب قَالَ فَأتيت فأعتللت بِمَا يعتل بِهِ النَّاس فَنَظَرت إِلَى الْقرن فأنزلته فأنتثلت مَا فِيهِ فَوجدت الصرة الَّتِي فِيهَا الدَّنَانِير فَبعثت بهَا إِلَى الْيَهُودِيّ فَقلت هَل كَانَ لَك على صَعب شَيْء قَالَ رحم الله صعبا كَانَ من خِيَار أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هى لَهُ قلت لتخبرني قَالَ نعم اسلفته عشرَة دَنَانِير فنبذتها إِلَيْهِ قَالَ هى وَالله بِأَعْيَانِهَا قَالَ قلت هَذِه وَاحِدَة قَالَ فَقلت هَل حدث فِيكُم حدث بعد موت صَعب قَالُوا نعم حدث فِينَا كَذَا حدث قَالَ قلت اذْكروا قَالُوا نعم هرة مَاتَت مُنْذُ ايام فَقلت هَاتَانِ اثْنَتَانِ قلت أَيْن أبنة أخى قَالُوا تلعب فَأتيت بهَا فمسستها فَإِذا هى محمومه فَقلت اسْتَوْصُوا بهَا مَعْرُوفا فَمَاتَتْ فِي سِتَّة أَيَّام .
    وَهَذَا من فقه عَوْف رَحمَه الله, وَكَانَ من الصَّحَابَة حَيْثُ نفذ وَصِيَّة الصعب بن جثامة بعد مَوته وَعلم صِحَة قَوْله بالقرائن الَّتِي أخبرهُ بهَا من أَن الدَّنَانِير عشرَة وهى فِي الْقرن ثمَّ سَأَلَ اليهودى فطابق قَوْله لما فِي الرُّؤْيَا فَجزم عَوْف بِصِحَّة الْأَمر فَأعْطى الْيَهُودِيّ الدَّنَانِير وَهَذَا فقه إِنَّمَا يَلِيق بأفقه النَّاس وأعلمهم وهم أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ) .


    رابعاً وعشرين :
    علم الميّت بتفاصيل ما يجري حوله


    قال ابن القيم في الروح ص15 :

    ((90) - قَالَ أَبُو عَمْرو روى هِشَام بن عمار عَن صَدَقَة بن خَالِد حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر قَالَ حَدثنِي عَطاء الْخُرَاسَانِي قَالَ حَدَّثتنِي ابْنة ثَابت بن قيس بن شماس قَالَت لما نزلت يَا أَيهَا الَّذين آمنو لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي دخل أَبُو هابية وأغلق عَلَيْهِ بَابه فَفَقدهُ رَسُول الله وَأرْسل إِلَيْهِ يسْأَله مَا خَبره قَالَ أَنا رجل شَدِيد الصَّوْت أَخَاف أَن يكون قد حَبط عملى قَالَ لست مِنْهُم بل تعيش بِخَير وَتَمُوت بِخَير قَالَ ثمَّ أنزل الله {إِن الله لَا يحب كل مختال فخور} فأغلق عَلَيْهِ بَابه وطفق يبكي فَفَقدهُ رَسُول الله فَأرْسل إِلَيْهِ فَأخْبرهُ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي أحب الْجمال وَأحب أَن أسود قومى فَقَالَ لست مِنْهُم بل تعيش حميدا وَتقتل شَهِيدا وَتدْخل الْجنَّة قَالَت فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْيَمَامَة خرج مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى مُسَيْلمَة فَلَمَّا الْتَقَوْا وأنكشفوا قَالَ ثَابت وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِل مَعَ رَسُول الله ثمَّ حفر كل وَاحِد لَهُ حُفْرَة فثبتا وقاتلا حَتَّى قتلا وعَلى ثَابت يَوْمئِذٍ ذرع لَهُ نفيسة فَمر بِهِ رجل من الْمُسلمين فَأَخذهَا فَبَيْنَمَا رجل من الْمُسلمين نَائِم إِذْ أَتَاهُ ثَابت فِي مَنَامه فَقَالَ لَهُ أوصيك بِوَصِيَّة فاياك أَن تَقول هَذَا حلم فتضعيه إِنِّي لما قتلت أمس مربى رجل من الْمُسلمين فَأخذ ذرعى ومنزلة فِي أقصي النَّاس وَعند خبائه فرس يستين فِي طوله وَقد كفا على الدرْع برمة وَفَوق البرمة رجل فأت خَالِدا فمره أَن يبْعَث إِلَى درعى فيأخذها وَإِذا قدمت الْمَدِينَة على الْخَلِيفَة رَسُول الله يَعْنِي أَبَا بكر الصّديق فَقل لَهُ أَن على من الدّين كَذَا وَكَذَا وَفُلَان من رقيقى عَتيق وَفُلَان فَأتي الرجل خَالِدا فَأخْبرهُ فَبعث إِلَى الدرْع فَأتي بهَا وَحدث أَبَا بكر برؤياه فَأجَاز وَصيته قَالَ وَلَا نعلم أحدا أجيزت وَصيته بعد مَوته غير ثَابت بن قيس رَحمَه الله انْتهى مَا ذكره أَبُو عَمْرو
    فقد اتّفق خَالِد أَبُو بكر الصّديق وَالصَّحَابَة مَعَه على الْعَمَل بِهَذِهِ الرُّؤْيَا وتنفيذ الْوَصِيَّة بهَا وانتزاع الدرْع مِمَّن هى فِي يَده وَهَذَا مَحْض الْفِقْه .
    وَإِذا كَانَ أَبُو حنيفَة وَأحمد وَمَالك يقبلُونَ قَول الْمُدَّعِي من الزَّوْجَيْنِ مَا يصلح لَهُ دون الآخر يقرينه صَدَقَة فَهَذَا أولى )
    ثم قال ابن القيّم :
    ( وَالْمَقْصُود جَوَاب السَّائِل وَأَن الْمَيِّت إِذا عرف مثل هَذِه الجزيئات وتفاصليها فمعرفته بزيارة الحى لَهُ وسلامة عَلَيْهِ ودعائه لَهُ أولى وَأَحْرَى ) .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  10. خامساً وعشرين :
    الحياء من الميّت لمعرفته بما حوله


    (91) - وَأخرج أَحْمد وَالْحَاكِم عَن عَائِشَة قَالَت كنت أَدخل الْبَيْت فأضع ثوبي وَأَقُول إِنَّمَا هُوَ أبي وَزَوْجي فَلَمَّا دفن عمر مَعَهُمَا مَا دَخلته إِلَّا وَأَنا مشدودة عَليّ ثِيَابِي حَيَاء من عمر رَضِي الله .

    (92) - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة وَالْحَاكِم عَن عقبَة بن عَامر الصَّحَابِيّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ لِأَن أَطَأ على جَمْرَة أَو على حد سيف حَتَّى يخطف رجْلي أحب إِلَيّ من أَن أَمْشِي على قبر رجل مُسلم وَمَا أُبَالِي أَفِي الْقُبُور قضيت حَاجَتي أم فِي السُّوق بَين ظهرانيه وَالنَّاس ينظرُونَ. وَأخرجه إِبْنِ مَاجَه عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا

    (93) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْقُبُور عَن سليم بن عُمَيْر أَنه مر على مَقْبرَة وَهُوَ حاقن قد غَلبه الْبَوْل فَقيل لَهُ لَو نزلت فبلت قَالَ سُبْحَانَ الله وَالله إِنِّي لأستحيي من الْأَمْوَات كَمَا أستحيي من الْأَحْيَاء .


    سادسًا وعشرين :
    شعور الميت وتأذّيه من فعل الحي


    قال اللكنوي في عمدة الرعاية :

    ( ما ذكروه من أن الإيلام لا يتحقق في الميت , مخالف للأحاديث الدالة على أن الميت يتأذى بما يتأذى منه الحي..) .


    (94) - وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وإبن مَنْدَه عَن عمَارَة بن حزم قَالَ رَآنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا على قبر فَقَالَ يَا صَاحب الْقَبْر إنزل من على الْقَبْر لَا تؤذي صَاحب الْقَبْر وَلَا يُؤْذِيك.

    (95) - وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن إِبْنِ مَسْعُود أَنه سُئِلَ عَن الْوَطْء على الْقَبْر قَالَ كَمَا أكره أَذَى الْمُؤمن فِي حَيَاته فَإِنِّي أكره أَذَاهُ بعد مَوته.

    (96) - وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه عَن الْقَاسِم بن مخيمر قَالَ لِأَن أَطَأ على سِنَان رُمْحِي حَتَّى ينفذ من قدمي أحب إِلَيّ من أَطَأ على قبر وَإِن رجلا وطىء على قبر وَإِن قلبه ليقظان إِذْ سمع صَوتا من الْقَبْر إِلَيْك عني يَا رجل لَا تؤذيني .

    (97) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن أبي قلَابَة قَالَ أَقبلت من الشَّام إِلَى الْبَصْرَة فَنزلت الخَنْدَق فتطهرت وَصليت رَكْعَتَيْنِ بِاللَّيْلِ ثمَّ وضعت رَأْسِي على قبر فَنمت ثمَّ إنتبهت فَإِذا بِصَاحِب الْقَبْر يشتكي وَيَقُول لقد آذيتني مُنْذُ اللَّيْلَة .

    (98) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة من طَرِيق الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَن إِبْنِ ميناء قَالَ دخلت الْجَبانَة فَصليت رَكْعَتَيْنِ خفيفتين ثمَّ اضطجعت إِلَى قبر فوَاللَّه إِنِّي لنبهان إِذْ سَمِعت قَائِلا فِي الْقَبْر يَقُول قُم فقد آذيتني .

    (99) - وَأخرج الديلمي وإبن مَنْدَه من حَدِيث أم سَلمَة مَرْفُوعا أَحْسنُوا الْكَفَن وَلَا تُؤْذُوا مَوْتَاكُم بعويل وَلَا بتزكية وَلَا بِتَأْخِير وَصِيَّة وَلَا بقطيعة وعجلوا قَضَاء دينه واعدلوا بِهِ عَن جيران السوء .

    (100) - أخرج الديلمي عَن عَائِشَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الْمَيِّت يُؤْذِيه فِي قَبره مَا يُؤْذِيه فِي بَيته .

    (شرح الصدور , بَاب تأذيه بِسَائِر وُجُوه الْأَذَى , وباب دفن العبد فِي الأَرْض الَّتِي خلق مِنْهَا , وبَاب تأذي الْمَيِّت بِمَا يبلغهُ عَن الْأَحْيَاء من القَوْل فِيهِ , باختصار)

    (101) - وروى الطَّبَرَانِيّ وإبن أبي شيبَة عَن بنت مخرمَة أَنَّهَا ذكرت عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ولدا لَهَا مَاتَ ثمَّ بَكت فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيغلب أحدكُم أَن يصاحب صويحبه فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا فَإِذا مَاتَ إسترجع فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن أحدكُم ليبكي فيستعبر إِلَيْهِ صويحبه فيا عباد الله لَا تعذبوا مَوْتَاكُم
    وَهَذَا القَوْل عَلَيْهِ ابْنِ جرير وَاخْتَارَهُ جمَاعَة من الْأَئِمَّة آخِرهم اِبْنِ تَيْمِية .

    (102) - وَأخرج أَحْمد عَن أبي الرّبيع قَالَ كنت مَعَ إِبْنِ عمر فِي جَنَازَة فَسمع صَوت إِنْسَان يَصِيح فَبعث إِلَيْهِ فأسكته فَقلت لَهُ لم أسكته يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ إِنَّه يتَأَذَّى بِهِ الْمَيِّت حَتَّى يدْخل قَبره

    (103) - وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن إِبْنِ مَسْعُود أَنه رأى نسْوَة فِي جَنَازَة فَقَالَ إرجعن مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات إنكن لتفتن الْأَحْيَاء وتؤذين الْأَمْوَات (شرح الصدور , بَاب تأذي الْمَيِّت بالنياحة عَلَيْهِ)

    تنبيه : قال البعض أن الموتى لا يسمعون ويستثنى من ذلك ما جاء به الدليل .
    والجواب : أنّ سماع الموتى ثبت في كثير من المواطن فلا عبرة بنفيه في بعضها , لأن من ثبت سماعه في كثير من المواضع فسماعه في بعضها مما لم يرد الدليل بإثباته ونفيه من باب أولى .

    قال الإمام الكشميري في فيض الباري :
    (أقول: والأحاديثُ في سماع الأمواتِ قد بلغت مَبْلغَ التواتر. وفي حديثٍ صحَّحه أبو عمرو: أن أحدًا إذا سَّلَّم على الميتِ فإِنه يَرُدُّ عليه، ويعرِفُه إن كان يَعْرِفُه في الدَّنيا - بالمعنى - وأخرجه ابن كثير أيضًا وتردَّد فيه. فالإِنكار في غير مَحَلِّه، ولا سيما إذا لم يُنقل عن أحدٍ من أئمتنا رحمهم الله تعالى، فلا بد من التزام السماع في الجملة، وأما الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى فجعلَ الأَصْل هو النَّفّي، وكلَّ مَوْضِع ثبت فيه السَّماعُ جَعَله مستثنًى ومقتصِرًا على المَوْرد.
    قلت: إذن ما القائدة في عُنوان النَّفي؟ وما الفَرق بين نفي السَّماع، ثُم الاستثناء في مواضِعَ كثيرةٍ، وادعاء التَّخصِيص، وبين إثبات السَّماع في الجملة مَعَ الإِقرار بأنا لا ندري ضوابِطَ أسماعِهم، فإِنَّ الأحياءَ إذا لم يَسْمعُوا في بَعْضِ الصُّوَرِ فمن ادَّعى الطَّرْد في الأموات، ولذا قلتُ بالسماع في الجملة )


    سابعاً وعشرين :
    تلاقي أرواح الأحياء والأموات


    قال ابن القيّم في الروح ص20-21:

    ( الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة وهى هَل تتلاقي أَرْوَاح الْأَحْيَاء وأرواح الْأَمْوَات أم لَا؟
    شَوَاهِد هَذِه الْمَسْأَلَة وأدلتها كثر من أَن يحصيها إِلَّا الله تَعَالَى والحس وَالْوَاقِع من أعدل الشُّهُود بهَا فتلقي أَرْوَاح الْأَحْيَاء والأموات كَمَا تلاقي أَرْوَاح الْأَحْيَاء ...
    (104) - وَقد قَالَ تَعَالَى {الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسل الْأُخْرَى إِلَى أجل مُسَمّى إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون}
    قَالَ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا عبد الله بن حُسَيْن الْحَرَّانِي حَدثنَا جدى أَحْمد بن شُعَيْب حَدثنَا مُوسَى بن عين عَن مطرف عَن جَعْفَر بن أبي الْمُغيرَة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة قَالَ بَلغنِي أَن أَرْوَاح الْأَحْيَاء والأموات تلتقي فِي الْمَنَام فيتسألون بَينهم فَيمسك الله أَرْوَاح الْمَوْتَى وَيُرْسل أَرْوَاح الْأَحْيَاء إِلَى أجسادها
    وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره حَدثنَا عبد الله بن سُلَيْمَان حَدثنَا الْحُسَيْن حَدثنَا عَامر حَدثنَا اسباط عَن السدى وَفِي قَوْله تَعَالَى {وَالَّتِي لم تمت فِي منامها} قَالَ يتوفاها فِي منامها فيلتقي روح الحى وروح الْمَيِّت فيتذاكران ويتعارفان قَالَ فترجع روح الحى إِلَى جسده فِي الدُّنْيَا إِلَى بَقِيَّة أجلهَا وتريد روح الْمَيِّت أَن ترجع إِلَى جسده فتحبس
    وَهَذَا أَحْمد الْقَوْلَيْنِ فِي الْآيَة وَهُوَ أَن الممسكة من توفيت وَفَاة الْمَوْت أَولا والمرسلة من توفيت وَفَاة النّوم وَالْمعْنَى على هَذَا القَوْل أَنه يتوفي نفس الْمَيِّت فيمسكها وَلَا يرسلها إِلَى جَسدهَا قبل يَوْم الْقِيَامَة ويتوفي نفس النَّائِم ثمَّ يرسلها إِلَى جسده إِلَى بَقِيَّة أجلهَا فيتوفاها الْوَفَاة الْأُخْرَى
    وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة أَن الممسكة والمرسلة فِي الْآيَة كِلَاهُمَا توفّي وَفَاة النّوم فَمن استكملت أجلهَا أمْسكهَا عِنْده فَلَا يردهَا إِلَى جَسدهَا وَمن لم تستكمل أجلهَا ردهَا إِلَى جَسدهَا لتستكمله وَاخْتَارَ شيخ الْإِسْلَام هَذَا القَوْل وَقَالَ عَلَيْهِ يدل الْقُرْآن وَالسّنة قَالَ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذكر إمْسَاك الَّتِى قضي عَلَيْهَا الْمَوْت من هَذِه الْأَنْفس الَّتِى توفاها وَفَاة النّوم وَأما الَّتِى توفاها حِين مَوتهَا فَتلك لم يصفها بامساك وَلَا بإسال بل هى قسم ثَالِث
    وَالَّذِي يتَرَجَّح هُوَ القَوْل الأول لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أخبر بوفاتين وَفَاة كبرى وهى وَفَاة الْمَوْت ووفاة صغرى وهى وَفَاة النّوم وَقسم الْأَرْوَاح قسمَيْنِ قضي عَلَيْهَا بِالْمَوْتِ فَأَمْسكهَا عِنْده وهى الَّتِى توفاها وَفَاة الْمَوْت وقسما لَهَا بَقِيَّة أجل فَردهَا إِلَى جَسدهَا إِلَى استكمال أجلهَا وَجعل سُبْحَانَهُ الامساك والارسال حكمين للوفاتين المذكورتين أَولا فَهَذِهِ ممسكة وَهَذِه مُرْسلَة وَأخْبر أَن الَّتِى لم تمت هى الَّتِى توفاها فِي منامها فَلَو كَانَ قد قسم وَفَاة النّوم إِلَى قسمَيْنِ وَفَاة موت ووفاة نوم لم يقل {وَالَّتِي لم تمت فِي منامها} فَإِنَّهَا من حِين قبضت مَاتَت وَهُوَ سُبْحَانَهُ قد أخبر أَنَّهَا لم تمت فَكيف يَقُول بعد ذَلِك {فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت}
    وَلمن نصر هَذَا القَوْل أَن يَقُول قَوْله تَعَالَى {فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت} بعد أَن توفاها وَفَاة النّوم فَهُوَ سُبْحَانَهُ توفاها أَولا وَفَاة نوم ثمَّ قضي عَلَيْهَا الْمَوْت بعد ذَلِك وَالتَّحْقِيق أَن الْآيَة تتَنَاوَل النَّوْعَيْنِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذكر وفاتين وَفَاة نوم ووفاة موت وَذكر إمْسَاك المتوفاة وإرسال الْأُخْرَى وَمَعْلُوم أَنه سُبْحَانَهُ يمسك كل نفس ميت سَوَاء مَاتَ فِي النّوم أَو فِي الْيَقَظَة وَيُرْسل نفس من لم يمت فَقَوله {يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا} يتَنَاوَل من مَاتَ فِي الْيَقَظَة وَمن مَاتَ فِي الْمَنَام
    وَقد دلّ التقاء أَرْوَاح الْأَحْيَاء والأموات أَن الحي يرى الْمَيِّت فِي مَنَامه فيستخبره ويخبره الْمَيِّت بِمَا لَا يعلم الحي فيصادف خَبره كَمَا أخبر فِي الْمَاضِي والمستقبل وَرُبمَا أخبرهُ بِمَال دَفنه الْمَيِّت فِي مَكَان لم يعلم بِهِ سواهُ وَرُبمَا أخبرهُ بدين عَلَيْهِ وَذكر لَهُ شواهده وأدلته
    وأبلغ من هَذَا أَنه يخبر بِمَا عمله من عمل لم يطلع عَلَيْهِ أحد من الْعَالمين وأبلغ من هَذَا أَنه يُخبرهُ أَنَّك تَأْتِينَا إِلَى وَقت كَذَا وَكَذَا فَيكون كَمَا أخبر وَرُبمَا أخبرهُ عَن أُمُور يقطع الحي أَنه لم يكن يعرفهَا غَيره وَقد ذكرنَا قصَّة الصعب بن جثامة وَقَوله لعوف بن مَالك مَا قَالَ لَهُ وَذكرنَا قصَّة ثَابت بن قيس بن شماس وأخباره لمن رَآهُ يدرعه وَمَا عَلَيْهِ من الدّين وقصة صَدَقَة بن سُلَيْمَان الجعفرى وأخبار ابْنه لَهُ بِمَا عمل من بعده وقصة شبيب بن شيبَة وَقَول أمه لَهُ بعد الْمَوْت جَزَاك الله خيرا حَيْثُ لقنها لَا إِلَه إِلَّا الله وقصة الْفضل بن الْمُوفق مَعَ ابْنه وإخباره إِيَّاه بِعِلْمِهِ بزيارته
    وَقَالَ سعيد بن الْمسيب التقي عبد الله بن سَلام وسلمان الْفَارِسِي فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر أَن مت قبلى فالقني فاخبرني مَا لقِيت من رَبك وَإِن أَنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك فَقَالَ الآخر وَهل تلتقي الْأَمْوَات والأحياء قَالَ نعم أَرْوَاحهم فِي الْجنَّة تذْهب حَيْثُ تشَاء قَالَ فَمَاتَ فلَان فَلَقِيَهُ فِي الْمَنَام فَقَالَ توكل وأبشر فَلم أر مثل التَّوَكُّل قطّ ...الخ )

    ثم ذكر كثيراً من النصوص والآثار الدالة على ذلك .


    وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان , بعد أن ساق جملة من كلام ابن القيم :

    ( فكلام ابن القيم هذا الطويل الذي ذكرنا بعضه جملة وبعضه تفصيلاً ، فيه من الأدلّة المقنعة ما يكفي في الدلالة على سماع الأموات، وكذلك الكلام الذي نقلنا عن شيخه أبي العباس بن تيمية، وفي كلامهما الذي نقلنا عنهما أحاديث صحيحة، وآثار كثيرة، ومرائي متواترة وغير ذلك، ومعلوم أن ما ذكرنا في كلام ابن القيّم من تلقين الميّت بعد الدفن، أنكره بعض أهل العلم، وقال: إنه بدعة، وأنه لا دليل عليه، ونقل ذلك عن الإمام أحمد وأنه لم يعمل به إلاّ أهل الشام، وقد رأيت ابن القيم استدلّ له بأدلّة، منها: أن الإمام أحمد رحمه اللَّه سئل عنه فاستحسنه. واحتجّ عليه بالعمل. ومنها: أن عمل المسلمين اتّصل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار. ومنها: أن الميّت يسمع قرع نعال الدافنين إذا ولّوا مدبرين، واستدلاله بهذا الحديث الصحيح استدلال قوي جدًّا؛ لأنه إذا كان في ذلك الوقت يسمع قرع النعال، فلأن يسمع الكلام الواضح بالتلقين من أصحاب النعال أولى وأحرى، واستدلاله لذلك بحديث أبي داود: "سلوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل" ، له وجه من النظر؛ لأنه إذا كان يسمع سؤال السائل فإنه يسمع تلقين الملقن، واللَّه أعلم ) .

    وقال أيضاً في أضواء البيان :
    ( وقد قدّمناه في هذا المبحث مرارًا، وبجميع ما ذكرنا في هذا المبحث، في الكلام على آية "النمل" هذه، تعلم أن الذي يرجّحه الدليل: أن الموتى يسمعون سلام الأحياء وخطابهم سواء قلنا: إن اللَّه يردّ عليهم أرواحهم حتى يسمعوا الخطاب ويردّوا الجواب، أو قلنا: إن الأرواح أيضًا تسمع وتردّ بعد فناء الأجسام، لأنا قد قدّمنا أن هذا ينبني على مقدّمتين، ثبوت سماع الموتى بالسنة الصحيحة، وأن القرءان لا يعارضها على التفسير الصحيح الذي تشهد له القرائن القرءانيّة، واستقراء القرءان، وإذا ثبت ذلك بالسنة الصحيحة من غير معارض من كتاب، ولا سنّة ظهر بذلك رجحانه على تأوّل عائشة رضي اللَّه عنها، ومن تبعها بعض آيات القرءان، كما تقدّم إيضاحه. وفي الأدلّة التي ذكرها ابن القيّم في كتاب الروح على ذلك مقنع للمنصف ، وقد زدنا عليها ما رأيت، والعلم عند اللَّه تعالى ) .

    ثامناً وعشرين :
    نعيم القبر وعذابه يستلزمان الشعور


    وقد ثبت نعيم القبر وعذابه بأدلة كثيرة جداً , ولو كان الميّت لا يشعر لما كان لهذا النعيم فائدة , بل كان من جملة تعذيب الجماد! فإذا ثبت التعذيب ثبت الشعور , وتعذيب من لا يشعر يعتبر سفسطة .

    ومن المعلوم أنّ نعيم القبر وعذابه يكون للجسم والروح معًا , فقال الإمام تقي الدين السبكي في شفاء السقام ص153 :
    ( إن حياة جميع الموتى بأرواحهم وأجسامهم في قبورهم لا شكّ فيها ) , أي حياة خاصّة تصحح الشعور بالنعيم والعذاب .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  11. تاسعاً وعشرين :
    انطلاق الروح المؤمنة وتصرفها بعد الموت بإذن الله


    قال ابن القيم في كتاب الروح ص104 :

    ( فصل : وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعلم أَن مَا ذكرنَا من شَأْن الرّوح يخْتَلف بِحَسب حَال الْأَرْوَاح من الْقُوَّة والضعف وَالْكبر والصغر فللروح الْعَظِيمَة الْكَبِيرَة من ذَلِك مَا لَيْسَ لمن هُوَ دونهَا وَأَنت ترى أَحْكَام الْأَرْوَاح فِي الدُّنْيَا كَيفَ تَتَفَاوَت أعظم تفَاوت بِحَسب تفارق الْأَرْوَاح فِي كيفياتها وقواها وإبطائها وإسراعها والمعاونة لَهَا فللروح الْمُطلقَة من أسر الْبدن وعلائقه وعوائقه من التَّصَرُّف وَالْقُوَّة والنفاذ والهمة وَسُرْعَة الصعُود إِلَى الله والتعلق بِاللَّه مَا لَيْسَ للروح المهينة المحبوسة فِي علائق الْبدن وعوائقه فَذا كَانَ هَذَا وَهِي محبوسة فِي بدنهَا فَكيف إِذا تجردت وفارقته وَاجْتمعت فِيهَا قواها وَكَانَت فِي أصل شَأْنهَا روحا علية زكيه كَبِيرَة ذَات همة عالية فَهَذِهِ لَهَا بعد مُفَارقَة الْبدن شَأْن آخر وَفعل آخر
    وَقد تَوَاتَرَتْ الرُّؤْيَا فِي أَصْنَاف بنى آدم على فعل الْأَرْوَاح بعد مَوتهَا مَا لَا تقدر على مثله حَال اتصالها بِالْبدنِ من هزيمَة الجيوش الْكَثِيرَة بِالْوَاحِدِ والاثنين وَالْعدَد الْقَلِيل وَنَحْو ذَلِك وَكم قد رئى النَّبِي وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر فِي النّوم قد هزمت أَرْوَاحهم عَسَاكِر الْكفْر وَالظُّلم فَإِذا بجيوشهم مغلوبة مَكْسُورَة مَعَ كَثْرَة عَددهمْ وعددهم وَضعف الْمُؤمنِينَ وقلتهم
    وَمن الْعجب أَن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ المتحابين المتعارفين تتلاقى وَبَينهَا أعظم مَسَافَة وأبعدها فتتألم وتتعارف فَيعرف بَعْضهَا بَعْضًا كَأَنَّهُ جليسه وعشيرة فَإِذا رَآهُ طابق ذَلِك مَا كَانَ عَرفته روحه قبل رُؤْيَته
    قَالَ عبد الله بن عَمْرو إن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ تتلاقى على مسيرَة يَوْم وَمَا أرى أَحدهمَا صَاحبه قطّ وَرَفعه بَعضهم إِلَى النَّبِي .
    وَقَالَ عِكْرِمَة وَمُجاهد إِذا نَام الْإِنْسَان فان لَهُ سَببا يجرى فِيهِ الرّوح وَأَصله فِي الْجَسَد فتبلغ حَيْثُ شَاءَ الله مَا دَامَ ذَاهِبًا فالإنسان نَائِم فَإِذا رَجَعَ إِلَى الْبدن انتبه الْإِنْسَان وَكَانَ بِمَنْزِلَة شُعَاع الشَّمْس الَّذِي هُوَ سَاقِط بِالْأَرْضِ فأصله مُتَّصِل بالشمس وَقد ذكر أَبُو عبد الله بن مَنْدَه عَن بعض أهل الْعلم أَنه قَالَ إِن الرّوح يَمْتَد من منخر الْإِنْسَان ومركبه وَأَصله فِي بدنه فَلَو خرج الرّوح بِالْكُلِّيَّةِ لمات كَمَا أَن السراج لَو فرق بَينه وَبَين الفتيلة أَلا ترى أَن مركب النَّار فِي الفتيلة وضؤوها وشعاعها يمْلَأ الْبَيْت فَكَذَلِك الرّوح تمتد من منخر الْإِنْسَان فِي مَنَامه حَتَّى تأتى السَّمَاء وتجول فِي الْبلدَانِ وتلتقي مَعَ أَرْوَاح الْمَوْتَى فَإِذا أرَاهُ الْملك الْمُوكل بأرواح الْعباد مَا أحب أَن يرِيه وَكَانَ المرئي فِي الْيَقَظَة عَاقِلا ذكيا صَدُوقًا لَا يلْتَفت فِي يقظته إِلَى شَيْء من الْبَاطِل رَجَعَ إِلَيْهِ روحه فَأدى إِلَى قلبه الصدْق مِمَّا أرَاهُ الله عز وَجل على حسب خلقه وَإِن كَانَ خَفِيفا نزقا يحب الْبَاطِل وَالنَّظَر إِلَيْهِ فَإِذا نَام وَأرَاهُ الله أمرا من خيرا وَشر رجعت روحه إِلَيْهِ فَحَيْثُ مَا رَأْي شَيْئا من مخاريق الشَّيْطَان أَو الْبَاطِل وقفت روحه عَلَيْهِ كَمَا تقف فِي يقظته فَكَذَلِك لَا يُؤدى إِلَى قلبه فَلَا يعقل مَا رَأْي لِأَنَّهُ خلط الْحق بِالْبَاطِلِ فَلَا يُمكن معبر أَن يعبر لَهُ وَقد خلط الْحق بِالْبَاطِلِ وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وَهُوَ دَلِيل على معرفَة قَائِله وبصيرته بالأرواح وأحكامها
    وَأَنت ترى الرجل يسمع الْعلم وَالْحكمَة وَمَا هُوَ أَنْفَع شَيْء لَهُ ثمَّ يمر بباطل وَلَهو من غناء أَو شُبْهَة أَو زور أَو غَيره فيصغي إِلَيْهِ وَيفتح لَهُ قلبه حَتَّى يتَأَدَّى إِلَيْهِ فيتخبط عَلَيْهِ ذَلِك الَّذِي سَمعه من الْعلم وَالْحكمَة ويلتبس عَلَيْهِ الْحق بِالْبَاطِلِ فَهَكَذَا شَأْن الْأَرْوَاح عِنْد النّوم وَأما بعد الْمُفَارقَة فَإِنَّهَا تعذب بِتِلْكَ الاعتقادات والشه الْبَاطِلَة الَّتِي كَانَت حظها حَال اتصالها بِالْبدنِ وينضاف إِلَى ذَلِك عَذَابهَا بِتِلْكَ الإرادات والشهوات الَّتِي حيل بَينهَا وَبَينهَا وينضاف إِلَى ذَلِك عَذَاب آخر ينشئه الله لَهَا ولبدنها من الْأَعْمَال الَّتِي اشتركت مَعَه فِيهَا وَهَذِه هِيَ الْمَعيشَة الضنك فِي البرزخ والزاد الَّذِي تزَود بِهِ إِلَيْهِ .
    وَالروح الزكيه العلوية المحقة الَّتِي لَا تحب الْبَاطِل وَلَا تألفه بضد ذَلِك كُله تنعم بِتِلْكَ الاعتقادات الصَّحِيحَة والعلوم والمعارف الَّتِي تلقتها من مشكاة النُّبُوَّة وَتلك الإرادات والهمم الزكية وينشئ الله سُبْحَانَهُ لَهَا من أَعمالهَا نعيما ينعمها بِهِ فِي البرزخ فَتَصِير لَهَا رَوْضَة من رياض الْجنَّة ولتلك حُفْرَة من حفر النَّار ) .

    فتأمّل نقله تواتر الرؤى في فعل الْأَرْوَاح بعد مَوتهَا مَا لَا تقدر على مثله حَال اتصالها بِالْبدنِ من هزيمَة الجيوش الْكَثِيرَة بِالْوَاحِدِ والاثنين وَالْعدَد الْقَلِيل وَنَحْو ذَلِك , فإن تواتر الرؤى حجة كتواتر الرواية , فقد قال ابن القيم في الروح :
    ( فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤ روايتهم له , وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه , وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح ) .

    وقال ابن تيمية في منهاج السنة (3/500) : ( فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على أمر كان حقا ، كما إذا تواطأت رواياتهم أو رأيهم فإن الواحد قد يغلط أو يكذب وقد يخطئ في الرأي ، أو يتعمد الباطل ، فإذا اجتمعوا لم يجتمعوا على ضلالة وإذا تواترت الروايات أورثت العلم ، وكذلك الرؤيا ) .

    وقال ابن حجر في الفتح : ( ويستفاد : أن تواطؤ جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها كما يستفاد: قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة ) .

    وقال الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان : ( وقد قدّمنا الحديث الدالّ على أن المرائي إذا تواترت أفادت الحجّة )

    وقال الحافظ ابن حجر في فتاواه:
    ( إن أرواح المؤمنين فى عليين ، وأرواح الكفار- فى سجين ، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي لا يشبه الاتصال في الحياة الدنيا ، بل أشبه شىء به حال النائم وإن كان هو أشد حالا من حال النائم اتصالا فالأرواح مأذون لها في التصرف , وتأوى إلى محلها من عليين أو سجين , وإن قيل إنها عند أفنية القبور ) . (نقله السيوطي في شرح الصدور , بَاب مقرّ الْأَرْوَاح).

    وأورد السيوطي ما أخرجه ابن عساكر عن رؤية النبى -- لجعفر بن أبى طالب بعد استشهاده ، وما أخرجه الحاكم عن رده السلام على جعفر حيث رآه فى مجلسه مع أسماء بنت عميس ومعه جبريل وميكائيل يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم ، وحكى له جعفر ما حدث فى يوم استشهاده ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم أعلن ما رآه للناس على المنبر .

    (105) – جاء في "فتاوى رسول الله" لابن القيم , ط1 دار الحكمة , فصل [ فتاوى في بيان فضل بعض سور القرآن ] :
    ( وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال : ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر ، فإذا إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر.
    ذكره الترمذي ، وقال ابن عبد البر : هو صحيح . )

    قَالَ أَبُو الْقَاسِم السَّعْدِيّ فِي كتاب الرّوح :
    ( هَذَا تَصْدِيق من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن الْمَيِّت يقْرَأ فِي قَبره , فَإِن عبد الله أخبرهُ بذلك وَصدقه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ) .

    وقد صحح هذا الحديث الإمام الكشميري في فيض الباري (1/183) .

    وَقَالَ الإِمَام كَمَال الدّين بن الزملكاني فِي كتاب : "الْعَمَل المقبول فِي زِيَارَة الرَّسُول" :

    (هَذَا الحَدِيث وَاضح الدّلَالَة على أَن الْمَيِّت كَانَ يقْرَأ فِي قَبره سُورَة الْملك , وَقد وَقع فِي هَذِه الرِّوَايَة ذكر إكرام الله بعض أوليائه بذلك , وإكرام بَعضهم بِالصَّلَاةِ , وَكَانَ يَدْعُو الله فِي حَيَاته بذلك , فَإِذا كَانَ من كَرَامَة الله لأوليائه تمكينهم من الطَّاعَة وَالْعِبَادَة فِي الْقَبْر , فالأنبياء بطرِيق الأولى ) .

    وَقَالَ الْحَافِظ زين الدّين بن رَجَب فِي كتاب : "أهوال الْقُبُور" :

    (قد يكرم الله بعض أهل البرزخ بِأَعْمَالِهِ الصَّالِحَة فِي البرزخ , وَإِن لم يحصل لَهُ بذلك ثَوَاب , لانقطاع عمله بِالْمَوْتِ , لكنه إِنَّمَا يبْقى عمله عَلَيْهِ ليتنعم بِذكر الله وطاعته , كَمَا تتنعم بذلك الْمَلَائِكَة وَأهل الْجنَّة فِي الْجنَّة , وَإِن لم يكن على ذَلِك ثَوَاب , لِأَن نفس الذّكر وَالطَّاعَة أعظم نعيما عِنْد أَهلهَا من جَمِيع نعيم أهل الدُّنْيَا ولذتها , فَمَا تنعم المتنعمون بِمثل ذكر الله وطاعته ) . (هذه النقول الثلاثة مأخوذة من شرح الصدور, بَاب أَحْوَال الْمَوْتَى فِي قُبُورهم )


    [b](106) روى ابن حبان في صحيحه واللفظ له , والطبراني في الأوسط , وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : (وإسناده حسن) :

    ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ إِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَكَانَ الصِّيَامُ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ، وَكَانَ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ الصِّيَامُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَسَارِهِ، فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، فَتَقُولُ فَعَلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، فَيُقَالُ لَهُ: اجْلِسْ فَيَجْلِسُ، وَقَدْ مُثِّلَتْ لَهُ الشَّمْسُ وَقَدْ أُدْنِيَتْ لِلْغُرُوبِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ بِهِ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَيَقُولُونَ: إِنَّكَ سَتَفْعَلُ، أَخْبَرَنِي عَمَّا نَسْأَلُكُ عَنْهُ، أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: عَلَى ذَلِكَ حَيِيتَ وَعَلَى ذَلِكَ مِتَّ، وَعَلَى ذَلِكَ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْهَا، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ النَّارِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْهَا وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيهَا لَوْ عَصَيْتَهُ، فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، وَيُعَادُ الْجَسَدُ لِمَا بَدَأَ مِنْهُ، فَتَجْعَلُ نَسْمَتُهُ فِي النَّسَمِ الطِّيِّبِ وَهِيَ طَيْرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ... ) .

    ففي هذا الحديث نصٌ على أنّ المؤمن سيصلّي في قبره , وأنّ روحه تعاد في جسده فيتمكن من الجلوس وإجابة الملائكة .


    [b](107) وَأخرج عبد الله بن الْمُبَارك في الزهد عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ :

    (إِن الدُّنْيَا جنَّة الْكَافِر وسجن الْمُؤمن , وَإِنَّمَا مثل الْمُؤمن حِين تخرج نَفسه كَمثل رجل كَانَ فِي سجن فَأخْرج مِنْهُ فَجعل يتقلب فِي الأَرْض ويتفسح فِيهَا ) .

    [b](108) وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ :

    (الدُّنْيَا سجن الْمُؤمن وجنة الْكَافِر فَإِذا مَاتَ الْمُؤمن يخلى سربه يسرح فِي الْجنَّة حَيْثُ شَاءَ ).
    السرب هُنَا بِفَتْح أَوله الطَّرِيق كَمَا فِي الصِّحَاح .
    وأخرجه أحمد والطبراني وأبو نعيم في الحلية والحاكم عن ابن عمرو بن العاص بإسناد صحيح كما قال المناوي في التيسير .
    والموقوف في هذا الباب له حكم المرفوع كما تقدم عن القرطبي .

    [b](109) وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا شبهت خُرُوج الْمُؤمن من الدُّنْيَا إِلَّا كَمثل خُرُوج الصَّبِي من بطن أمه من ذَلِك الْغم والظلمة إِلَى روح الدُّنْيَا .

    [b](110) وَفِي تَارِيخ إِبْنِ النجار عَن أبي مُحَمَّد بن النجار وَكَانَ من أَصْحَاب الْمروزِي وَكَانَ الْخلال يقدمهُ لفضله قَالَ غسلت مَيتا فَأَنا أغسله إِذْ فتح عَيْنَيْهِ ثمَّ قبض على يَدي وَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد أحسن الإستعداد لهَذَا المصرع

    [b](111) وَقَالَ إِبْنِ سعد فِي الطَّبَقَات وإبن أبي شيبَة فِي المُصَنّف وَالْإِمَام أَحْمد فِي الزّهْد مَعًا أخبرنَا عَفَّان بن مُسلم قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ اللَّهُمَّ إِن كنت أَعْطَيْت أحدا الصَّلَاة فِي قَبره فَأعْطِنِي الصَّلَاة فِي قَبْرِي

    وَأخرج أَبُو نعيم عَن يُوسُف بن عَطِيَّة قَالَ سَمِعت ثَابتا يَقُول لحميد الطَّوِيل هَل بلغك أَن أحدا يُصَلِّي فِي قَبره إِلَّا الْأَنْبِيَاء قَالَ لَا قَالَ ثَابت اللَّهُمَّ إِن أَذِنت لأحد أَن يُصَلِّي فِي قَبره فَأذن لِثَابِت أَن يُصَلِّي فِي قَبره

    وَأخرج أَيْضا عَن جُبَير قَالَ أَنا وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أدخلت ثَابتا الْبنانِيّ لحده وَمَعِي حميد الطَّوِيل فَلَمَّا سوينا عَلَيْهِ اللَّبن سَقَطت لبنة فَإِذا أَنا بِهِ يُصَلِّي فِي قَبره وَكَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إِن كنت أَعْطَيْت أحدا من خلقك الصَّلَاة فِي قَبره فأعطنيها فَمَا كَانَ الله ليرد دعاءه

    وَأخرج أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن الصمَّة المهلبي قَالَ حَدثنِي الَّذين كَانُوا يَمرونَ بالجص بالأسحار قَالُوا كُنَّا إِذا مَرَرْنَا بجنبات قبر ثَابت الْبنانِيّ سمعنَا قِرَاءَة الْقُرْآن

    [b](112) وَقَالَ ابْنِ مَنْدَه أَنبأَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد المسلمي حَدثنَا أَبُو أَحْمد يُوسُف الْخفاف حَدثنَا القَاضِي أَبُو أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد الْأَشْعَرِيّ سَمِعت سَلمَة بن شبيب قَالَ سَمِعت أَبَا حَمَّاد الحفار وَكَانَ ثِقَة ورعا قَالَ دخلت يَوْم الْجُمُعَة الْمقْبرَة نصف النَّهَار فَمَا مَرَرْت بِقَبْر إِلَّا سَمِعت قِرَاءَة الْقُرْآن

    [b](113) وَأخرج عبد الله بن الْمُبَارك في الزهد وَالطَّبَرَانِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : (الدُّنْيَا سجن الْمُؤمن وسَنَتُه : فَإِذا فَارق الدُّنْيَا فَارق السجْن ) .
    وَالسّنة بِفَتْح أَوله : الْقَحْط والجدب .

    [b](114) وَأخرج النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نمت فرأيتني فِي الْجنَّة وَلَفظ النَّسَائِيّ دخلت الْجنَّة فَسمِعت صَوت قارىء يقْرَأ فَقلت من هَذَا قَالُوا حَارِثَة بن النُّعْمَان فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كذك الْبر كَذَاك الْبر كَذَاك الْبر وَكَانَ أبر النَّاس بِأُمِّهِ .

    [b](115) وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي أَرَانِي فِي الْجنَّة فَبينا أَنا فِيهَا سَمِعت صَوت رجل يقْرَأ بِالْقُرْآنِ فَقلت من هَذَا قَالُوا حَارِثَة بن النُّعْمَان فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَلِك كَذَاك الْبر كَذَاك الْبر .

    [b](116) وَأخرج إِبْنِ مَاجَه وإبن أبي الدُّنْيَا وَابْن أبي عَاصِم فِي السّنة عَن جَابر بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا دخل الْمَيِّت قَبره مثلت لَهُ الشَّمْس عِنْد غُرُوبهَا فيجلس يمسح عَيْنَيْهِ وَيَقُول دَعونِي أُصَلِّي .

    [b](117) وَأخرج إِبْنِ عَسَاكِر من طَرِيق أبي صَالح كَاتب اللَّيْث عَن يحيى بن أبي أَيُّوب الْخُزَاعِيّ قَالَ سَمِعت من يذكر أَنه كَانَ فِي زمن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ شَاب متعبد قد لزم الْمَسْجِد وَكَانَ عمر بِهِ معجبا.. فذكر قصة وفاة الشاب إلى أن قال :
    فَقَرَأَ الْآيَة الَّتِي كَانَ قَرَأَهَا فَخر مغشيا عَلَيْهِ فحركوه فَإِذا هُوَ ميت فغسلوه وأخرجوه ودفنوه لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبحُوا رفع ذَلِك إِلَى عمر رَضِي الله عَنهُ فجار عمر إِلَى أَبِيه فَعَزاهُ بِهِ وَقَالَ أَلا آذنتني قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ لَيْلًا قَالَ عمر فاذهبوا بِنَا إِلَى قَبره فَأتى عمر وَمن مَعَه الْقَبْر فَقَالَ عمر يَا فلَان {وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان} فَأَجَابَهُ الْفَتى من دَاخل الْقَبْر يَا عمر قد أعطانيهما رَبِّي فِي الْجنَّة مرَّتَيْنِ .

    [b](118) وَأخرج البُخَارِيّ وَأَبُو الشَّيْخ فِي كتاب التوبيخ عَن إِبْنِ مَسْعُود عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أَمر بِعَبْد من عباد الله أَن يضْرب فِي قَبره مائَة جلدَة فَلم يزل يسْأَل الله ويدعوه حَتَّى صَارَت وَاحِدَة فَامْتَلَأَ قَبره عَلَيْهِ نَارا فَلَمَّا إرتفع عَنهُ أَفَاق فَقَالَ علام جلدتموني قَالُوا صليت صَلَاة بِغَيْر طهُور ومررت على مظلوم فَلم تنصره .
    وهذا يدل على أنّه سأل الله تعالى التخفيف وهو في القبر , والسؤال فعل من الأفعال ..


    شبهة الاستدلال بحديث انقطاع الأعمال وجوابها :
    فإن قال قائل , إن صح ما ذكرتم من قدرة الأنبياء وبعض الأولياء على التسبب ببعض الأفعال كالصلاة وغيرها , فما معنى قول النبي –- : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث.. ) ؟ فإن ظاهر الحديث يدل على أنّ الميّت لا يقدر على القيام بغيرها .

    قلت : ليس الحديث على قدرة الميت على التسبب ببعض الأعمال أم لا , إذ لو كان كذلك لكان الميّت غير قادر على أي عمل إلا أن يتصدق أو أن يأتي بولد يدعو له أو أن يعلّم علماً ينتفع به!!
    لكنّ الحديث ينفي وصول الثواب إلى الميّت إلا من هذه الثلاث المذكورة , فيكون معنى الحديث : إذا مات ابن آدم انقطع ثواب عمله إلا من ثلاث .. .

    قال الإمام المناوي في "فيض القدير"(1/561) :

    ( (إذا مات الإنسان) وفي رواية : ابن آدم (انقطع عمله) أي فائدة عمله وتجديد ثوابه يعني لا تصل إليه فائدة شئ من عمله كصلاة وحج (إلا من ثلاث) أي ثلاثة أشياء فإن ثوابها لا ينقطع لكونه فعلا دائم الخير متصل النفع )

    وقال أيضاً ( 5/35):

    ( (كل عمل منقطع عن صاحبه إذا مات , إلا المرابط في سبيل الله عز وجل , فإنه ينمى له عمله ويجري عليه رزقه إلى يوم القيامة) . قال القاضي : معناه أن الرجل إذا مات لا يزاد عن ثواب ما عمل ولا ينقص منه شئ إلا الغازي , فإن ثواب مرابطته ينمو ويتضاعف , وليس فيه ما يدل على أن عمله يزاد بضم غيره إليه أو لا يزاد , فاندفع قول البعض هذا الحديث يكاد يخل بالحصر المذكور في خبر " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ".
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  12. ثلاثين :
    حياة الشهداء


    (119) - يقول تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) [البقرة: 154].

    (120) - وقال تعالى: ) وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ([ آل عمران:169-170].

    (120) - أخرج أحمد وأبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش, فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقبلهم. قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا - وفي لفظ قالوا: إنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله: أنا أبلغهم عنكم" فأنزل الله هؤلاء الآيات ) وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ( الآية وما بعدها.

    (121) - وَأخرج إِبْنِ جرير فِي تَهْذِيب الْآثَار وإبن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب من عَاشَ بعد الْمَوْت وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن العطاف بن خَالِد قَالَ حَدَّثتنِي خَالَتِي قَالَت ركبت يَوْمًا إِلَى قُبُور الشُّهَدَاء وَكَانَت لَا تزَال تأتيهم قَالَت فَنزلت عِنْد قبر حَمْزَة رَضِي الله عَنهُ فَصليت عِنْده وَمَا فِي الْوَادي دَاع وَلَا مُجيب فَلَمَّا فرغت من صَلَاتي قلت السَّلَام عَلَيْكُم فَسمِعت رد السَّلَام عَليّ يخرج من تَحت الأَرْض أعرفهُ كَمَا أعرف أَن الله خلقني وكما أعرف اللَّيْل وَالنَّهَار فاقشعرت كل شَعْرَة مني

    (122) - وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل أَيْضا من طَرِيق العطاف بن خَالِد المَخْزُومِي قَالَ حَدثنِي عبد الْأَعْلَى بن عبد الله بن أبي بكر عَن عبد الله أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زار قُبُور الشُّهَدَاء بِأحد فَقَالَ اللَّهُمَّ إِن عَبدك وَنَبِيك يشْهد أَن هَؤُلَاءِ شُهَدَاء وَأَن من زارهم أَو سلم عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ردوا عَلَيْهِ قَالَ العطاف وحدثتني خَالَتِي أَنَّهَا زارت قُبُور الشُّهَدَاء قَالَت وَلَيْسَ معي إِلَّا غلامان يحفظان عَليّ الدَّابَّة فَسلمت عَلَيْهِم فَسمِعت رد السَّلَام وَقَالُوا وَالله إِنَّا نعرفكم كَمَا يعرف بَعْضنَا بَعْضًا قَالَت فاقشعررت وَقلت يَا غُلَام أدنني بغلي فركبت

    (123) - وَأخرج ابنِ أبي شيبَة عَن سعد بن أبي وَقاص أَنه كَانَ يرجع من ضيعته فيمر بقبور الشُّهَدَاء فَيَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون ثمَّ يَقُول لأَصْحَابه أَلا تسلمون على الشُّهَدَاء فيردوا عَلَيْكُم


    حادياً وثلاثين :
    حياة الأنبياء


    قال الإمام السيوطي في إنباء الأذكياء :
    ( حَيَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَبْرِهِ هُوَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ مَعْلُومَةٌ عندنا عِلْمًا قَطْعِيًّا , لِمَا قَامَ عندنا مِنَ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ وَتَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَقَدْ أَلَّفَ الْبَيْهَقِيُّ جُزْءًا فِي حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ فِي قُبُورِهِمْ) .

    وقال الكتاني في نظم المتناثر من الحديث المتواتر :
    (إن من جملة ما تواتر عن النبي –ص- حياة الأنبياء في قبورهم ) .

    وقال الإمام أبو العتيق الحنفي في شرحه على أبي داود المسمى بأنوار المحمود (1/610) :
    ( اتفقوا على حياته - صلى الله عليه وسلم- , بل حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متفق عليها لا خلاف لأحد فيها ) .

    وقال الإمام ابن حجر في الفتح (7/22) :
    ( إن حياته –صلى الله عليه وسلم- في القبر لا يعقبها موت , بل يستمر حيًا , والأنبياء أحياء في قبورهم) .

    وقال الإمام السهارنفوري الحنفي محشي البخاري (1/517) :
    ( والأحسن أن يقال أنّ حياته - صلى الله عليه وسلم- لا يتعقبها موت ) .

    وقال ابن القيم في الروح ص54 :
    ( هذا مع القطع بأنّ روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى علّيين مع أرواح الأنبياء , وقد صح عنه أنه رأى موسى قائمًا يصلي في قبره ليلة الإسراء , ورآه في السماء السادسة أو السابعة , فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف عليه وتعلق به , بحيث يصلي في قبره ويردّ سلام من سلم عليه , وهي في الرفيق الأعلى , ولا تنافي بين الأمرين , فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان ) .

    وقال العلامة العثماني الحنفي صاحب فتح الملهم (3/421) :
    ( وأما بعد وفاته فروحه المقدّسة - صلى الله عليه وسلم- قد استقرت في الرفيق الأعلى مع أرواح الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- , ولا يتوهم من هذا إنكار حياته في قبره الشريف , فإن لروحه - صلى الله عليه وسلم- إشرافًا على البدن المبارك المطيّب وإشراقًا وتعلقًا به وبدنه في ضريحه غير مفقود , وإذا سلّم عليه المسلّم ردّ الله عليه روحه حتى يردّ عليه السلام كما ورد في الحديث , ولم يفارق الملأ الأعلى , ومن كثف إدراكه وغلظت طباعه عن هذا الإدراك , فلينظر إلى الشمس في علوّ محلها وتعلّقها وتأثيرها في الأرض وحياة النبات والحيوان بها ) .


    ومِنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى حياة الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- في قبورهم :

    (124) - ما قاله ابن رجب الحنبلي :
    { وقد صحّ عرْضُ الأعمال كلها على رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم لأنه لهم بمنزلة الوالد ، خرّج البزار في " مسنده " ، قال رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم : " حياتي خير لكم تُحدثون ويحدث لكم ، و وفاتي خير لكم ، تُعرض عليّ أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرتُ الله لكم "} .

    وهذا الحديث خرّجه البزار في مسنده و حسّنه الحافظ العراقي في "طرح التثريب" و صحّحه الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" و الإمام القسطلاني في "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري"، و كذلك صحّحه الحافظ السيوطي في "الخصائص" و الإمام مُلاّ علي قاري و الشهاب الخفاجي في شرحيهما على "الشفا" ، و غيرهم من الحفاظ .

    (125) - مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ مَرَّ بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ»

    (126) - وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِيهِ»

    (127) - وَأَخْرَجَ أبو يعلى فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ حَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ»

    وقد صححه الإمام البيهقي , ووافقه ابن حجر في الفتح , وصححه الإمام المناوي في فتح القدير , والإمام القاري في المرقاة , والعلامة العثماني في فتح الملهم , والعلامة العزيزي في السراج , والإمام الدهلوي في مدارج النبوة , والعلامة الشوكاني في تحفة الذاكرين ونيل الأوطار , والعلامة زكريا الكاندهلوي في فضائل الأعمال , وغيرهم كثير .

    (128) - وَأَخْرَجَ أبو داود وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أوس بن أوس الثقفي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ الصَّلَاةَ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ عَلَيْكَ صَلَاتُنَا وَقَدْ أَرِمْتَ؟ يَعْنِي: بَلِيتَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَامَ الْأَنْبِيَاءِ»

    (129) - وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، والأصبهاني فِي التَّرْغِيبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا بُلِّغْتُهُ» .

    (130) - وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُتْرَكُونَ فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلَكِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ حَتَّى يُنْفَخَ فِي الصُّورِ»
    ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلِحَيَاةِ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ شَوَاهِدُ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْإِسْرَاءِ فِي لُقِيِّهِ جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَكَلَّمَهُمْ وَكَلَّمُوهُ..

    (131) - وَأَخْرَجَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْإِسْرَاءِ وَفِيهِ: «وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلِّي، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ - فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ»

    (132) - وأخرج أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ .
    قال المناوي في التيسير : ( ما من أحد يسلم علي الا رد الله علي روحي ) أي رد علي نطقي لأنه حي دائما وروحه لا تفارقه لان الأنبياء أحياء في قبورهم ( حتى أرد ) غاية لرد في معنى التعليل أي من أجل أن أرد ( عليه السلام ) ومن خص الرد بوقت الزيارة فعليه البيان فالمراد بالروح النطق مجازا وعلاقة المجازان النطق من لازمه وجود الروح وهو في البرزخ مشغول بأحوال الملكوت مأخوذ عن النطق بسبب ذلك ( د عن أبي هريرة ) وإسناده صحيح ) .

    وصححه النووي في الأذكار , والسمهودي في الوفاء , وغيرهم .

    (133) - وَأَخْرَجَ أبو يعلى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْزِلَنَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ لَئِنْ قَامَ عَلَى قَبْرِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَأُجِيبَنَّهُ»

    (134) - وَأَخْرَجَ أبو نعيم فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي لَيَالِيَ الْحَرَّةِ وَمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرِي وَمَا يَأْتِي وَقْتُ صَلَاةٍ إِلَّا سَمِعْتُ الْأَذَانَ مِنَ الْقَبْرِ.

    وَقَالَ القرطبي فِي التَّذْكِرَةِ فِي حَدِيثِ الصَّعْقَةِ نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ :
    ( الْمَوْتُ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشُّهَدَاءَ بَعْدَ قَتْلِهِمْ وَمَوْتِهِمْ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ وَهَذِهِ صِفَةُ الْأَحْيَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الشُّهَدَاءِ فَالْأَنْبِيَاءُ أَحَقُّ بِذَلِكَ وَأَوْلَى، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْتَمَعَ بِالْأَنْبِيَاءِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَفِي السَّمَاءِ، وَرَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ وَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى كُلِّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ مِنْ جُمْلَتِهِ الْقَطْعُ بِأَنَّ مَوْتَ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَنْ غُيِّبُوا عَنَّا بِحَيْثُ لَا نُدْرِكُهُمْ وَإِنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ أَحْيَاءً، وَذَلِكَ كَالْحَالِ فِي الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهُمْ مَوْجُودُونَ أَحْيَاءً وَلَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ مِنْ نَوْعِنَا إِلَّا مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِكَرَامَتِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ) . انْتَهَى

    وَسُئِلَ الْبَارِزِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ هُوَ حَيٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ؟
    فَأَجَابَ: (إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ) .

    قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَجْوِبَةِ مَسَائِلِ الْجَاجِرْمِيِّينَ قَالَ: "الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَأَنَّهُ يُسَرُّ بِطَاعَاتِ أُمَّتِهِ وَيَحْزَنُ بِمَعَاصِي الْعُصَاةِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ تَبْلُغُهُ صَلَاةُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَقَالَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَبْلُونَ وَلَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ شَيْئًا، وَقَدْ مَاتَ مُوسَى فِي زَمَانِهِ وَأَخْبَرَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَآهُ فِي قَبْرِهِ مُصَلِّيًا، وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ أَنَّهُ رَآهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَأَنَّهُ رَأَى آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ لَهُ مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَإِذَا صَحَّ لَنَا هَذَا الْأَصْلُ قُلْنَا: نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَارَ حَيًّا بَعْدَ وَفَاتِهِ وَهُوَ عَلَى نُبُوَّتِهِ". هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ . (الحاوي للفتاوي باختصار وتصرف)


    وقال الإمام ملا علي قاري في شرح الشفا (2/142) :

    ( المعتقد المعتمد أنه –- حي في قبره كسائر الأنبياء في قبورهم , وهم أحياء عند ربهم , وأنّ لأرواحهم تعلقًا بالعالم العلوي والسفلي كما كانوا في الحال الدنيوي , فهم بحسب القلب عرشيون , وبحسب القالب فرشيون) .

    وقال الشوكاني في نيل الأوطار :

    (وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّد أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ : { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ } وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرَانِيِّ { لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي عَلَيَّ إلَّا بَلَغَنِي صَلَاتُهُ ، قُلْنَا : وَبَعْدَ وَفَاتِك ؟ قَالَ : وَبَعْدَ وَفَاتِي ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ }
    وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيّ بَعَدَ وَفَاته ، وَأَنَّهُ يُسَرُّ بِطَاعَاتِ أُمَّته ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُبْلَوْنَ ، مَعَ أَنَّ مُطْلَق الْإِدْرَاك كَالْعِلْمِ وَالسَّمَاع ثَابِت لِسَائِرِ الْمَوْتَى .
    وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا : { مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِن وَفِي رِوَايَة : بِقَبْرِ الرَّجُلِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ }
    وَلِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا { إذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَرَفَهُ ، وَإِذَا مَرَّ بِقَبْرٍ لَا يَعْرِفُهُ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ }
    وَصَحَّ { أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ إلَى الْبَقِيعِ لِزِيَارَةِ الْمَوْتَى وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ }
    وَوَرَدَ النَّصّ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي حَقّ الشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ أَحْيَاء يُرْزَقُونَ وَأَنَّ الْحَيَاة فِيهِمْ مُتَعَلِّقَة بِالْجَسَدِ فَكَيْف بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ؟!
    وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ { أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ } رَوَاهُ الْمُنْذِرِيُّ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ .
    وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِمُوسَى عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ } . ) اهـــ .


    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات




  13. .
    ثانياً وثلاثين:
    جملةٌ من أخبار السلف الصالح


    (135) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن رجل من آل عَاصِم الجحدري قَالَ رَأَيْت عَاصِمًا الجحدري فِي النّوم بعد مَوته بسنين فَقلت أَلَيْسَ قد مت قَالَ بلَى قلت فَأَيْنَ أَنْت قَالَ إِنَّا وَالله فِي رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَنا وَنَفر من أَصْحَابِي نَجْتَمِع كل لَيْلَة جُمُعَة وصبيحتها ألى بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ فنتلاقى أخباركم قلت أجسادكم أم أرواحكم فَقَالَ هَيْهَات بليت الْأَجْسَام وَإِنَّمَا تتلاقى الْأَرْوَاح قلت فَهَل تعلمُونَ بزيارتنا إيَّاكُمْ قَالَ نعلم بهَا عَشِيَّة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة كُله وَيَوْم السبت إِلَى طُلُوع الشَّمْس قلت وَكَيف ذَلِك دون الْأَيَّام كلهَا قَالَ لفضل يَوْم الْجُمُعَة وعظمه

    (136) - وَأَخْرَجَا أَيْضا عَن بشر بن مَنْصُور قَالَ كَانَ رجل يخْتَلف إِلَى الْجَبانَة فَيشْهد الصَّلَاة على الْجَنَائِز فَإِذا أَمْسَى وقف على بَاب الْمَقَابِر فَقَالَ آنس الله وحشتكم ورحم الله غربتكم وَتجَاوز الله عَن سَيِّئَاتكُمْ وَقبل الله حسناتكم لَا يزِيد على هَؤُلَاءِ الْكَلِمَات قَالَ ذَلِك الرجل فأمسيت ذَات لَيْلَة
    فَانْصَرَفت إِلَى أَهلِي وَلم آتٍ الْمَقَابِر فَبَيْنَمَا أَنا نَائِم إِذا أَنا بِخلق كثير قد جاؤوني قلت من أَنْتُم وَمَا حَاجَتكُمْ قَالُوا نَحن أهل الْمَقَابِر قلت مَا جَاءَ بكم قَالُوا إِنَّك قد كنت عودتنا مِنْك هَدِيَّة عِنْد إنصرافك إِلَى أهلك قلت وَمَا هِيَ قَالُوا الدَّعْوَات الَّتِي كنت تَدْعُو بهَا قلت فَإِنِّي أَعُود لذَلِك قَالَ فَمَا تركتهَا بعد

    (137) - وَأَخْرَجَا أَيْضا عَن أبي التياح قَالَ كَانَ مطرف يَبْدُو فَإِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة أدْلج وَكَانَ ينور لَهُ فِي سَوْطه فَأقبل لَيْلَة حَتَّى إِذا كَانَ عِنْد الْمَقَابِر هوم وَهُوَ على فرسه فَرَأى كَأَن أهل الْقُبُور كل صَاحب قبر جَالس على قَبره فَقَالُوا هَذَا مطرف أَتَى يَوْم الْجُمُعَة قلت أَو تعلمُونَ عنْدكُمْ يَوْم الْجُمُعَة قَالُوا نعم ونعلم مَا يَقُول فِيهِ الطير قلت وَمَا يَقُولُونَ قَالُوا يَقُولُونَ سَلام سَلام يَوْم صَالح.
    قَالَ فِي الصِّحَاح هوم الرجل إِذا هز رَأسه من النعاس

    (138) - وَأَخْرَجَا أَيْضا عَن الْفضل بن الْمُوفق إِبْنِ خَال سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ لما مَاتَ أبي جزعت جزعا شَدِيدا فَكنت آتِي قَبره فِي كل يَوْم ثمَّ إِنِّي قصرت عَن ذَلِك فرأيته فِي النّوم فَقَالَ يَا بني مَا أَبْطَأَ بك عني قلت وَإنَّك لتعلم بمجيئي قَالَ مَا جِئْت مرّة إِلَّا علمتها وَقد كنت تَأتِينِي فَأسر بك وَيسر من حَولي بدعائك قَالَ فَكنت آتيه بعد كثيرا.

    (139) - وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء هَاشم بن مُحَمَّد قَالَ سَمِعت رجلا من أهل علم يَقُول إِنَّه كَانَ يزور قبر أَبِيه فطال عَلَيْهِ ذَلِك فَقلت أَزور التُّرَاب فرأيته فِي مَنَامِي فَقَالَ يَا بني مَا لَك لَا تفعل كَمَا كنت تفعل فَقلت أَزور التُّرَاب فَقَالَ لَا تفعل يَا بني فوَاللَّه لقد كنت تشرف عَليّ فيبشرني بك جيراني وَلَقَد كنت تَنْصَرِف فَمَا أَزَال أَرَاك حَتَّى تدخل الْكُوفَة

    (140) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ عَن عُثْمَان بن سَوْدَة وَكَانَت أمه من العابدات وَكَانَ يُقَال لَهَا راهبة قَالَ لما مَاتَت كنت آتيها فِي كل لَيْلَة جُمُعَة فأدعو لَهَا وَأَسْتَغْفِر لَهَا وَلأَهل الْقُبُور قَالَ فرأيتها لَيْلَة فِي مَنَامِي فَقلت يَا أمه كَيفَ أَنْت فَقَالَت يَا بني إِن الْمَوْت لشديد كربه وَأَنا بِحَمْد الله فِي برزخ مَحْمُود أفترش فِيهِ الريحان وأتوسد فِيهِ السندس والإستبرق فَقلت أَلَك حَاجَة قَالَت نعم قلت مَا هِيَ قَالَت لَا تدع مَا تصنع من زيارتنا وَالدُّعَاء لنا فَإِنِّي آنس بمجيئك يَوْم الْجُمُعَة إِذا أَقبلت من أهلك يُقَال يَا راهبة قد أقبل من أهلك زائر فَأسر وَيسر بذلك من حَولي من الْأَمْوَات.

    (141) - وَقَالَ السلَفِي سَمِعت أَبَا البركات عبد الْوَاحِد بن عبد الرَّحْمَن بن غلاب السُّوسِي بالإسكندرية يَقُول سَمِعت والدتي تَقول رَأَيْت أُمِّي فِي الْمَنَام بعد مَوتهَا وَهِي تَقول يَا بِنْتي إِذا جئتني زائرة فاقعدي عِنْد قَبْرِي سَاعَة أتملى من النّظر إِلَيْك ثمَّ ترحمي عَليّ فَإنَّك إِذا ترحمت عَليّ صَارَت الرَّحْمَة بيني وَبَيْنك كالحجاب ثمَّ شغلتني عَنْك.

    (142) - وَقَالَ الْحَافِظ إِبْنِ رَجَب أنبأني عَليّ بن عبد الصَّمد عَن أَحْمد الْبَغْدَادِيّ عَن أَبِيه قَالَ أَخْبرنِي قسطنطين بن عبد الله الرُّومِي سَمِعت الْأسد بن مُوسَى يَقُول كَانَ لي صديق فَمَاتَ فرأيته فِي النّوم وَهُوَ يَقُول لي سُبْحَانَ الله جِئْت إِلَى قبر فلَان صديقك قَرَأت عِنْده وترحمت عَلَيْهِ وَأَنا مَا جِئْت إِلَيّ وَلَا قربتني قلت لَهُ وَمَا يدْريك قَالَ لما جِئْت إِلَى قبر صديقك فلَان رَأَيْتُك قلت وَكَيف رَأَيْتنِي وَالتُّرَاب عَلَيْك قَالَ مَا رَأَيْت المَاء إِذا كَانَ فِي الزّجاج مَا يتَبَيَّن قلت بلَى قَالَ فَكَذَلِك نَحن نرى من يزورنا . (شرح الصدور , بَاب فضل الشَّهِيد)

    (143) - وروى أَبُو الْحسن بن الْبَراء فِي كتاب الرَّوْضَة عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن مَنْصُور حَدثنِي إِبْرَاهِيم الحفار قَالَ حفرت قبرا فبدت لبنة فشممت رَائِحَة الْمسك حِين إنفتحت اللبنة فَإِذا بشيخ جَالس فِي قَبره يقْرَأ الْقُرْآن

    (144) - وَقَالَ إِبْنِ رَجَب وحَدثني الْمُحدث أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن مُحَمَّد السرمري حَدثنَا شَيخنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن السامري خطيب سامراء وَكَانَ رجلا صَالحا وَأرَانِي موضعا من قُبُور سامراء فَقَالَ هَذَا الْموضع لَا نزال تسمع مِنْهُ سُورَة {تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك}.

    (145) - وروى الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب بِسَنَدِهِ عَن عِيسَى بن مُحَمَّد الطوماري قَالَ رَأَيْت أَبَا بكر بن مُجَاهِد المقرىء فِي النّوم كَأَنَّهُ يقْرَأ وَكَأَنِّي أَقُول لَهُ أَنْت ميت وتقرأ فَكَأَنَّهُ يَقُول لي كنت أَدْعُو الله فِي دبر كل صَلَاة وَعند ختم الْقُرْآن أَن يَجْعَلنِي مِمَّن يقْرَأ فِي قَبره فَأَنا أَقرَأ فِي قَبْرِي .

    (146) - ورؤي الْحَافِظ أَبُو الْعَلَاء الْهَمدَانِي فِي النّوم بعد مَوته وَهُوَ فِي مَدِينَة جدرانها وحيطانها كلهَا كتب فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ سَأَلت الله تَعَالَى أَن يشغلني بِالْعلمِ كَمَا كنت أشتغل بِهِ فَأَنا أشتغل بِالْعلمِ فِي قَبْرِي إنتهى مَا أوردهُ

    (147) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا عَن يزِيد الرقاشِي قَالَ بَلغنِي أَن الْمُؤمن إِذا مَاتَ وَقد بِي عَلَيْهِ شَيْء من الْقُرْآن لم يتعلمه بعث الله إِلَيْهِ مَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ مَا بَقِي عَلَيْهِ مِنْهُ حَتَّى يَبْعَثهُ الله من قَبره.

    (148) - وَأخرج عَن الْحسن قَالَ بَلغنِي أَن الْمُؤمن إِذا مَاتَ وَلم يحفظ الْقُرْآن أَمر حفظته أَن يعلموه الْقُرْآن فِي قَبره حَتَّى يَبْعَثهُ الله يَوْم الْقِيَامَة مَعَ أَهله.

    (149) - وَأخرج إِبْنِ أبي الدُّنْيَا وإبن مَنْدَه عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ قَالَ بَلغنِي أَن العَبْد إِذا لَقِي الله تَعَالَى وَلم يتَعَلَّم كِتَابه علمه الله تَعَالَى فِي قَبره حَتَّى يثيبه الله عَلَيْهِ.

    (150) - وَفِي الفردوس للديلمي وَلم يسْندهُ وَلَده من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا مثله :
    ثمَّ وقفت عَلَيْهِ مُسْندًا فِي الْجُزْء الأول من فَوَائِد أبي الْحسن بن بَشرَان فَأخْرجهُ من طَرِيق عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قَرَأَ الْقُرْآن ثمَّ مَاتَ قبل أَن يستظهره أَتَاهُ ملك يُعلمهُ فِي قَبره ويلقى الله وَقد إستظهره
    وَأخرجه أَيْضا أَبُو الْقَاسِم الْأَزْهَرِي فِي كتاب فَضَائِل الْقُرْآن والسلفي فِي إنتخابه لحَدِيث الْقُرَّاء.

    (151) - وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه عَن عِكْرِمَة قَالَ يعْطى الْمُؤمن مُصحفا فِي قَبره يقْرَأ فِيهِ.

    (152) - وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه عَن عَاصِم السَّقطِي قَالَ حفرنا قبرا ببلخ فنفذ فِي قبر فَنَظَرت فَإِذا شيخ فِي الْقَبْر مُتَوَجّه إِلَى الْقبْلَة وَعَلِيهِ إِزَار أَخْضَر واخضر مَا حوله وَفِي حجره مصحف وَهُوَ يقْرَأ.

    (153) - وَأخرج إِبْنِ مَنْدَه عَن أبي النَّضر النَّيْسَابُورِي الحفار وَكَانَ صَالحا ورعا قَالَ حفرت قبرا فانفتح فِي الْقَبْر قبر آخر فَنَظَرت فِيهِ فَإِذا أَنا بشاب حسن الْوَجْه حسن الثِّيَاب طيب الرّيح جَالِسا متربعا فِي حجره كتاب مَكْتُوب بخضرة أحسن مَا رَأَيْت من الخطوط وَهُوَ يقْرَأ الْقُرْآن فَنظر الشَّاب إِلَيّ فَقَالَ أَقَامَت الْقِيَامَة قلت لَا فَقَالَ أعد المدرة إِلَى موضعهَا فأعدتها إِلَى موضعهَا.

    (154) - وَفِي تَارِيخ إِبْنِ النجار فِي كتاب تَارِيخ بَغْدَاد قَالَ قَرَأَ كتاب بِخَط بعض الأصبهانيين من طلاب الْعلم لَا أعرف إسمه قَالَ سَمِعت خطلع مولى الراشد بِاللَّه قَالَ قلت لمصعب بن عبد الله الحفار هَل رَأَيْت فِي الْحفر شَيْئا قَالَ لَا وَلَكِن سَمِعت أبي يَقُول حفرت قبرا فَلَمَّا وصلت إِلَى اللَّحْد وَأخذت اللَّبن رَأَيْت تَحْتَهُ رجلا قَاعِدا وَفِي يَدَيْهِ مصحف يقْرَأ فِيهِ فَقَالَ لي هَل قَامَت الْقِيَامَة فَقلت لَا ثمَّ غطيت عَلَيْهِ . (شرح الصدور , بَاب أَحْوَال الْمَوْتَى فِي قُبُورهم)

    (155) - وَأخرج إِبْنِ أبي شيبَة وهناد وإبن أبي الدُّنْيَا عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل قَالَ مَاتَ رجل يرَوْنَ أَن عِنْده ورعا فَأتي فِي قَبره فَقيل إِنَّا جالدوك مائَة جلدَة من عَذَاب الله فَقَالَ فيمَ تجلدوني فقد كنت أتوقى وأتورع فَقيل خَمْسُونَ فَلم يزَالُوا يناقصون حَتَّى صَار إِلَى جلدَة فجلد فالتهب الْقَبْر عَلَيْهِ نَارا وَهلك الرجل ثمَّ أُعِيد فَقَالَ فيمَ جلدتموني قَالُوا صليت يَوْمًا وَأَنت على غير وضوء ومررت بمظلوم يستغيث فَلم تغثه . (شرح الصدور , بَاب عَذَاب الْقَبْر)

    (156) - وأخرج ابن أبي شيبة عن ربعي قال قيل لي مات أخوك فجئت سريعاً وقد سبحى ثوبه فأنا عند رأسه استغفر له واسترجع إذ كشف الثوب عن وجهه فقال السلام عليكم فقلنا وعليكم السلام سبحان اللّه فقال سبحان الله أني قدمت على اللّه فتلقيت بروح وريحان ورب غير غضبان وأني استأذنت ربي أن أخبركم وأبشركم وأحملوني إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فانه عهد إلى أن لا يبرح حتى آتيه .

    (157) - وأخرج جويبر عن أبان قال حضرنا وفاة مُورِق العجلي فلما سجى رأينا نوراً ساطعاً قد سطع من عند رأسه حتى خرق السقف ثم رأينا نوراً سطع من وسطه ثم انه كشف الثوب عن وجهه فقال هل رأيتم شيئاً فقلنا نعم وأخبرناه بالذي رأيناه فقال تلك سورة الم السجدة قد كنت اقرؤها في كل ليلة .

    (158) - وأخرج أيضاً عن مغيرة بن خلف ان رويّة ماتت فغسلوها وكفنوها ثم انها تحركت فنظرت اليهم فقالت ابشروا فاني وجدت الأمر ليس مما كنتم تخوفون به .

    (159) - وأخرج أيضاً عن خلف بن حوشب قال مات رجل بالمدائن وسجى فحرك الثوب فكشف عنه وقال قوم مخضبة لحاهم في هذا المسجد يلعنون أبا بكر وعمر ويتبرؤون منهما الذين جاؤوني يقبضون روحي يلعنونهم ويتبرؤون منهم .

    (160) - وأخرج أيضاً عطاء الخراساني قال استقضى رجل من بني إسرائيل أربعين سنة فلما حضرته الوفاة قال إني أراني هالك في مرضي هذا فان هلكت فاحبسوني عندكم اربعة أيام أو خمسة ايام فان رأيتم مني شيئاً فليأتني رجل منكم فلما قضى جعل في تابوت فلما مضت ثلاثة ايام إذا هم بريحة فنادى رجل منهم يا فلان ما هذه الريح فقال قد وليت القضاء فيكم أربعين سنة فما رأيني شيء الا رجلان اتياني فكان لي في أحدهما هوى فكنت اسمع منه باذني التي تليه أكثر مما اسمع بالاخرى فهذه الريح منها . (تذكرة الراشد , عبد الحي اللكنوي , ص463-467 , مطبع أنوار محمدي)
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  14. ثالثاً وثلاثين :
    الجواب عن الاستدلال بكلام السيدة عائشة –رضي الله عنها-


    إن أقوى ما يستدل به منكروا سماع الموتى هو ما رواه البخاري عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : ( ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ فَقَالَتْ وَهَلَ إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ قَالَتْ وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ إِنَّمَا قَالَ إِنَّهُمْ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ ثُمَّ قَرَأَتْ { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } , { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } , يَقُولُ حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنْ النَّارِ )

    وجوابه :

    قال الشنقيطي في أضواء البيان :
    ( ومن الآيات النازلة تسلية له صلى الله عليه وسلم، قوله هنا: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ، أي: لا تسمع من أضلّه اللَّه إسماع هدى وقبول، {إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا} ، يعني: ما تسمع إسماع هدى وقبول، إلاّ من هديناهم للإيمان بآياتنا {فَهُمْ مُسْلِمُونَ} .

    والآيات الدالَّة على هذا المعنى كثيرة؛ كقوله تعالى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} ، وقوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، وقوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ، وقوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} ، إلى غير ذلك من الآيات. ولو كان معنى الآية وما شابهها: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ، أي: الذين فارقت أرواحهم أبدانهم لما كان في ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم، كما ترى.)

    وقال أيضاً :
    ( اعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أن الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلّمهم، وأن قول عائشة رضي اللَّه عنها ومن تبعها: إنهم لا يسمعون، استدلالاً بقوله تعالى: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} ، وما جاء بمعناها من الآيات غلط منها رضي اللَّه عنها، وممن تبعها.
    وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك، مبني على مقدّمتين:
    الأولى منهما: أن سماع الموتى ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعدّدة، ثبوتًا لا مطعن فيه، ولم يذكر صلى الله عليه وسلم أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت.
    والمقدمة الثانية: هي أن النصوص الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب، ولا في السنة شىء يخالفها، وتأويل عائشة رضي اللَّه عنها بعض الآيات على معنى يخالف الأحاديث المذكورة، لا يجب الرجوع إليه؛ لأن غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا ترد النصوص الصحيحة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بتأوّل بعض الصحابة بعض الآيات، وسنوضح هنا إن شاء اللَّه صحة المقدمتين المذكورتين، وإذا ثبت بذلك أن سماع الموتى ثابت عنه صلى الله عليه وسلم من غير معارض صريح، علم بذلك رجحان ما ذكرنا، أن الدليل يقتضي رجحانه)

    ثم شرع في بيان الأدلة على كلّ من المقدمتين إلى أن قال :
    ( والحاصل أن تأوّل عائشة رضي اللَّه عنها بعض آيات القرآن، لا تردّ به روايات الصحابة العدول الصحيحة الصريحة عنه صلى الله عليه وسلم، ويتأكّد، ذلك بثلاثة أمور:
    الأول : هو ما ذكرناه الآن من أن رواية العدل لا تردّ بالتأويل.
    الثاني : أن عائشة رضي اللَّه عنها لما أنكرت رواية ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "إنهم ليسمعون الآن ما أقول" ، قالت: إن الذي قاله صلى الله عليه وسلم: " إنهم ليعلمون الآن أن الذي كنت أقول لهم هو الحق" ، فأنكرت السماع ونفته عنهم، وأثبتت لهم العلم، ومعلوم أن من ثبت له العلم صحّ منه السماع، كما نبّه عليه بعضهم.
    الثالث : هو ما جاء عنها مما يقتضي رجوعها عن تأويلها، إلى الروايات الصحيحة.
    قال ابن حجر في "فتح الباري" : "ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيّد، عن عائشة مثل حديث أبي طلحة، وفيه: "ما أنتمع بأسمع لما لما أقول منهم" ، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة؛ لكونها لم تشهد القصّة"، انتهى منه. واحتمال رجوعها لما ذكر قوي، لأن ما يقتضي رجوعها ثبت بإسنادين.
    قال ابن حجر: "إن أحدهما جيّد، والآخر حسن. ثم قال ابن حجر: قال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم، ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى ردّ رواية الثقة إلا بنصّ مثله يدلّ على نسخه أو تخصيصه، أو استحالته"، انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر ) .

    وقد أجاد الإمام اللكنوي في الجواب عن هذا في رده على القنوجي والسهسواني حيث قال في تذكرة الراشد :

    (قال –أي السهسواني- في تفسير قوله تعالى : ((إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء)) من سورة النمل , "أي : موتى القلوب وهم الكفار , شبه الكفار بالموتى الذين لا حس لهم ولا عقل وبالصم الذين لا يسمعون الوعظ ولا يجيبون الدعاء إلى اللّه , وظاهره نفى سماع الموتى على العموم , فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل". انتهى ملتقطاً .
    وهذا فإن قالت به ثلة من الأولين , وثلة من الآخرين , لكنه مردود عند الناقدين , ومطرود عند الماهرين , وقد وردت أخبار وآثار , بسماع كل ميت ولو كان من الكفار والفجار , فقوله : "بالموتى الذين لاحس لهم ولا عقل" سفسطة , وقوله : "ظاهره نفي سماع الموتى" مغلطة
    وقوله : "لا يخص منه إلا ما ورد بدليل"مزخرفة , فإن الدلائل تدل على ثبوت السماع والإدراك في كل ميت ولو كان من الفئة المضللة , لا في بعضهم حتى يخص من دليل العموم , وتخصيص العام بالعام لا معنى له عند أصحاب الفهوم , يأبى الفتى إلا اتباع الهوى , ومنهج الحق له واضح .

    أما بيان أن الاستدلال بهذه الآية على نفي السماع للأموات غير صحيح عند الأثبات فهو أن الله تعالى قال في سورة النمل : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ {*} وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ {*} إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ {*} فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ {*} إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ {*} وَمَا أَنتَ بِهَادِي العمى عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ {*})

    وقال في سورة الروم : (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ {*} فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ {*} وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ {*})

    وقال في سورة فاطر: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ {*} وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ {*} وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ {*} وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ {*} إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ {*})

    فتعلق منكروا السماع بهذه الآيات فأنكروا السماع وأثبتوا عدمه بطريقتين ممّوهتين عندَ حَملة أسرار الآيات ..

    الأولى : المراد بالموتى وبمن في القبور الأموات حقيقة , وقد نفى عنهم السماع رأساً

    وهو مردود بوجوه مقبولة عند أصحاب الوجوه :

    الأول: أنّا لا نسلم أن المراد بها هو الميت الحقيقي والعرفي , بل المراد به هو الكافر المتصف بالموت القلبي , كما في قوله تعالى ((أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا))
    ونظيره قوله تعالى في شأنهم : ((صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ))
    وقوله تعالى في حقهم (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ))
    وقوله تعالى في وصفهم : ((وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ))
    وقوله تعالى في صفتهم: ((أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ))
    إلى غير ذلك من الآيات التي وصفهم اللّه فيها بأوصاف الحيوانات والجمادات , وأطلق عليهم ما يطلق على فاقد المشاعر الإدراكات , على سبيل التشبيه أو الاستعارات , فهل يصح لأحد أن يقول أن المراد بالصمم والعمى والبكم وغيرها معناها الحقيقي أو العرفي؟!!
    كلاً واللّه.. لا يقول به إلا من يكون عمها وأعمى , ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى , ولا يتفوه به إلا من يكون جاهلاً عن المحاورات العربية , وعارياً عن فهم الاستعارات الأدبية , ولو تتبعت القرآن بنظر بصير , لو جدت فيه من مثل هذا أكثر بكثير ..
    وبالجملة فهذه الآيات التي فيها نفي سماع الأموات , واردة في حق الكفار المشبهين بالأموات , فهي نظائر قوله تعالى: ((إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)).. وغير ذلك من الآيات .
    ويدل على ما ذكرنا دلالة لا خفاء فيها , سباق تلك الآيات وسياقها , وكل من له أدنى وقوف بأسرار الآيات القرآنية ومناسباتها , لا يكاد يتوقف في بطلان أخذ المعنى الحقيقي فيها المخالف بسياقها .

    الوجه الثاني : أنا سلمنا أن المراد بالميت ومن في القبر هو معناه العرفي , لكن لا أثر في تلك الآيات لنفى السماع البشري , إنما نفي فيها الإسماع النبوي , فإنه خوطب النبي -صلّى اللّه عليه وسلم- فيها بأنك لا تسمعهم : أي لا تقدر على إسماعهم , ولا يلزم فيها نفي سماعهم بإسماع ربهم.
    ونظيره قوله تعالى : (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)
    وقوله تعالى : ((إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ))
    وقوله تعالى: ((أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ))
    ويؤيده قوله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ))

    الوجه الثالث : سلمنا أن المقصود من هذه الآيات نفى سماع الأموات , لكن كثيراً ما يحكم بعدم شيء باعتبار عدم تحقيق أثره بقوته , ولا يلزم منه عدمه عن رأسه , كما في قوله تعالى: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ)) , حيث نفى الرمي عن النبّي -صلّى اللّه عليه وسلم- مع ثبوته عنه لعدم ترتب أثره , وهو وصول قبضة من تراب في أعين جمع من أعدائه بقوة نفسه بل بقدرة ربه , فظهر بهذا كله أن قوله "ظاهره نفى سماع الموتى" باطل من أصله , فإن هذا الظاهر إنما يحكم بكونه ظاهراً , من يكون جاهلاً عن أسرار كلام ربه , وأما الغائص في بحار دقائق العربية , والخائض في حقائق الآيات القرآنية , فيعلم علم اليقين , أنه ليس بظاهر بل باطل بيقين .

    الطريقة الثانية: وهي بعد تسليم أن الآيات محمولة على الكفار أن الكفار لما شبهوا فيها بالأموات دل ذلك على عدم سماع الأموات فان وجه الشبه لابد أن يتحقق في المشبه به وجه أتم وأن هو ههنا إلا نفي السماع الأعم

    وفيه خدشة لا تخفي على أرباب الحجى , فإن من العلوم أن وجه الشبه يكون مشتركاً بين المشبه به والمشبه , وعدم السماع ليس متحققاً ههنا في المشبه فكيف يصح جعله وجه الشبه؟!

    بل الصحيح أن وجه الشبه ههنا هو عدم إجابة الحق , ونفع السماع باختيار الحق , ولا شبهة في كونه أتم في الميت الحقيقي من الميت القلبي , لكونه مرتحلاً من الدار التكليفي إلى الدار البرزخي , ولا يلزم منه نفي سماعه بالكلية , وعدم إحساسه وإدراكه وشعوره لكل جزئية وكلية , وبالجملة فهذه الطريقة أوهن من الأولى , وأضعف وأحرى ألا يمشي عليها أحد من أرباب العُلى والنهى ..

    وأما بيان أن قوله "الذين لا حس لهم ولا عقل" سفسطة , وأن قوله: "لا يخص" الخ مزخرفة
    فهو أنه قد وردت كثير من الأخبار المرفوعة الصحيحة بإثبات العقل والإدراك والسماع لكل ميت , ولو كان من الطوائف القبيحة , وشهدت بذلك آثار موقوفة على الصحابة ومن بعدهم من حملة الشريعة , والموقوفة في هذه المسألة في حكم المرفوعة , وليس ذلك خاصاً بوقت عود الروح إلى الجسد في القبر عند سؤال نكير ومنكر , بل هو حاصل له فيما تقدم وما تأخر .. )

    ثم ساق مجموعة من تلك الأخبار المرفوعة .

    فسماع الموتى جائز عقلاً ...
    ولا يوجد دليل نقلي معتبر يمنع منه ...
    بل هناك كثير من الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تدل على سماعهم دلالة قوية ..
    وقد نقل ابن القيّم إجماع السلف على ذلك ...
    وقد تواترت رؤى الصالحين عليه ..
    ومع انضمام الروايات والآثار الكثيرة التي ساقها ابن القيم على سماع الموتى , وكذلك ما ذكره ابن أبي الدنيا في كتابه المنامات وغيره , وما أورده السيوطي في كتابه شرح الصدور بشرح حال الموتى و القبور , وكذلك ما في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي , وما في الزهد لابن المبارك والزهد لأحمد بن حنبل , وغيرهما ..
    كلّ ذلك يدلّ دلالة قريبة من اليقين على ثبوت السماع للموتى . ...
    وبما سبق من الأدلة المذكورة , يُعلم أيضاً ثبوت تصرف الأرواح بعد الموت , ويُعلم صحة ما قال ابن القيم في كتابه الروح حيث قال :

    ( ففي هذا الحديث بيان سرعة انتقال أرواحهم من العرش إلى الثرى ثم انتقالها من الثرى إلى مكانها ، ولهذا قال مالك وغيره من الأئمة: أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت , وما يراه الناس من أرواح الموتى ومجيئهم إليهم من المكان البعيد، أمرٌ يعلمه عامة الناس ولا يشكّون فيه) .

    و قال –كما سبق نقله- ( ص93):
    فإذا كان هذا وهي محبوسة في بدنها [أي في الحياة] فكيف إذا تجرّدت وفارقته واجتمعت فيها قواها وكانت في أصل شأنها روحا علية زكية كبيرة ذات همّة عالية؟! فهذه لها بعد مفارقة البدن [بالموت] شأنٌ آخر وفعلٌ آخر ؛ وقد تواترت الرؤيا في أصناف بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها ما لا تقدر على مثله - حال اتصالها بالبدن - من هزيمة الجيوش الكثيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك، و كمْ قد رُئيَ- في النوم- النبيّ و معه أبو بكر وعمر، قد هزمت أرواحُهم عساكر الكفر والظلم، فإذا بجيوشهم مغلوبة مكسورة مع كثرة عَددهم وعُددهم وضعف المؤمنين وقلّتهم ).اهـ

    و قال (ص170):
    ( المائة: ما قد اشترك في العلم به عامةُ أهل الأرض من لقاء أرواح الموتى وسؤالهم لهم وإخبارهم إياهم بأمور خفيت عليهم فرأوها عيانا وهذا أكثر من أن يتكلف إيراده .
    وأعجب من هذا الوجه الحادي والمائة :أن روح النائم يحصل لها في المنام آثار فتصبح يراها على البدن عيانا وهي من تأثير للروح في الروح ،كما ذكر القيراوني في كتاب "البستان"؛ قال: كان لي جار يشتم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فلمّا كان ذات يوم أكثر من شتمهما، فتناولته وتناولي ،فانصرفت إلى منزلي وأنا مغموم حزين، فنمت وتركت العَشاء فرأيت رسول الله في المنام فقلت: يا رسول الله فلان يسبّ أصحابك! قال: من أصحابي؟ قلت :أبو بكر وعمر، فقال: خذْ هذه المدْية فاذْبحه بها. فأخذتُها فأضْجعته وذبحته ورأيت كأن يدي أصابها من دمه فألقيت المدية وأهويت بيدي إلى الأرض لأمسحها. فانتبهتُ وأنا أسمع الصراخ من نحو داره ؛فقلت: ما هذا الصراخ؟ قالوا: فلان [جاره] مات فجأة. فلمّا أصبحنا جئتُ فنظرت إليه فإذا خط موضع الذبح.[..] وكان نافع القارئ إذا تكلم يُشمّ من فيه رائحة المسك! فقيل له: كلّما قعدت تتطيب؟ فقال: ما أمسّ طيبا ولا أقربه ،ولكن رأيت النبيّ في المنام وهو يقرأ في فمي، فمن ذلك الوقت يشمّ من في هذه الرائحة.[..] وقال محمد بن عبد الله المهلبي: رأيت في المنام كأني في رحبة بني فلان، وإذا النبي صلى الله عليه و سلم جالس على أكمة ومعه أبو بكر، و عمر بن الخطاب واقف قدامه، فقال له عمر: يا رسول الله إن هذا يشتمني ويشتم أبا بكر. فقال: جيءْ به يا أبا حفص. فأتى برجل فإذا هو العماني- وكان مشهورا بسبهما-، فقال له النبي: أضْجعْه!. فأضجَعَه عمر، ثم قال: اذْبحْه!
    فذبحه. قال المهلّبي: فما نبّهني إلا صياحه. فقلت: مالي لا أخبره عسى أن يتوب؟ فلما تقربت من منزله سمعت بكاء شديدا، فقلت: ما هذا البكاء؟ فقالوا: العماني ذُبح البارحة على سريره! قال: فدنوت من عنقه فإذا من أذنه إلى أذنه طريقة حمراء كالدم المحصور. وقال القيرواني: أخبرني شيخ لنا من أهل الفضل قال: أخبرني أبو الحسن المطّلبي إمام مسجد النبي صلى الله عليه و سلم قال: رأيت بالمدينة عجبا! كان رجل يسبّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فبينا نحن يوما من الأيام بعد صلاة الصبح إذ أقبل الرجل وقد خرجت عيناه وسالتا على خديه! فسألناه ما قصتك؟ فقال: رأيت البارحة رسولَ الله و عليٌّ بين يديه ومعه أبو بكر وعمر ،فقالا: يا رسول الله هذا الذي يؤذينا ويسبّنا. فقال لي رسول الله: مَن أمَرَك بهذا يا أبا قيس؟ فقلت له :عليّ بن أبي طالب، وأشرتُ إليه .فأقبل عليٌّ بوجهه و يده وقد ضمّ أصابعه وبسط السبابة والوسطى وقصد بها إلى عينيّ و أدخل إصبعيه في عيني. فانتبهتُ من نومي وأنا على هذه الحال. فكان يبكي و يخبر الناس، وأعلن بالتوبة.....
    .. وأعجب من هذا:أن الرجل يَرى في المنام -وهو شديد العطش والجوع والألم- أن غيره قد سقاه وأطعمه أو داواه بدواء، فيستيقظ وقد زال عنه ذلك كله. وقد رأى الناس من هذا عجائب .
    [و بعد أذ ذكر قصصا أخرى قال ابن القيم]: والوقائع في هذا الباب أكثر من أن تُذكر .}.اهـ

    فهذه النصوص دالّة قطعا على أن النبي -- و الأولياء من أمته , قادرون على إغاثة و إعانة من يناديهم و يطلب منهم بإذن الله وعطائه ، و ليس ذلك شركا أبداً , لأن المُغيث حقا إنما هو الله تعالى وحده لا رب غيره ، والمخلوقون يغيثون بالتسبّب لا استقلالا عن الله تعالى , كما قال ابن تيمية- فيما سبق نقله- في "مجموع الفتاوى"(فصل 14):

    (.. ولهذا قال العلماء المصنّفون في أسماء الله تعالى : يجب على كل مكلّف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله , وأن كل غوْثٍ فمن عنده ، وإن كان جعل ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه وتعالى ، ولغيره مجازاً ...) .اهـ
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  15. رابعًا وثلاثين :
    كلمة وجيزة لمن كثف فهمه عن فعل الروح وتصرّفها بإذن الله تعالى


    وفعل النفوس والأرواح الذي ذكره ابن القيم غير مستبعد , بل هو أمرٌ واقع لمن فتح الله بصيرته , ومن عرف حجّةٌ على من لم يعرف , وينبغي لمن لم يصدّق هذا أن يتوقف , لا أن يُنكر ويهرف بما لا يعرف , ومن المستحسن أن نقول لمن كثف فهمه عن ذلك :

    إن الإصابة بالعين أمر قد اتفق عليه العقلاء , وثبوتها يكاد يجري مجرى المشاهدات التي لا تفتقر إلى حجة , فقد يكون في بعض النفوس خاصّية تُحدث فيما أعجبها من جماد أو حيوان أو زرع أو مال أذىً ظاهرًا , فيكون من خواص تلك النفوس أنّها إذا استحسنت شيئا وتكيفت به وتوجهت نحوه لحقته الآفة , وقد روى أبو نعيم وغيره عن النبي –ص- قال : (العين تدخل الرجل القبر و تدخل الجمل القدر) , وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ بِالْأَنْفُسِ } قَالَ الْبَزَّارُ : يَعْنِي بِالْعَيْنِ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ .
    وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ الْعَيْنَ لَتُولِعُ الرَّجُلَ بِإِذْنِ اللَّهِ حَتَّى يَصْعَدَ حَالِقًا ثُمَّ يَتَرَدَّى مِنْهُ } .
    وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعَيْنُ حَقٌّ وَيُحَضِّرُهَا الشَّيْطَانُ وَجَسَدُ ابْنِ آدَمَ } .
    وقد صرّح الإمام أبو العباس القرطبي –كما في طرح التثريب- أنّه لَوْ انْتَهَتْ إصَابَةُ الْعَائِنِ إلَى أَنْ يعْرِفَ بِذَلِكَ وَيَعْلَمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ كُلَّمَا عاين شيئًا أُصِيبَ ذَلِكَ الشَّيْءُ ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ عَادَةً , فَمَا أَتْلَفَهُ بِعَيْنِهِ غَرِمَهُ , وَإِنْ قَتَلَ أَحَدًا بِعَيْنِهِ عَامِدًا لِقَتْلِهِ قُتِلَ بِهِ .

    وذكر ابن القيّم في بدائع الفوائد أنّ طائفة من العائنين تمر بأحدهم الناقة والبقرة السمينة فيعينها , ثم يقول لخادمه خذ المكتل والدرهم وأتنا بشيء من لحمها , فما تبرح حتى تقع فتنحر , وقال الكلبي : كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل ثم يرفع جانب خبائة فتمر به الإبل فيقول لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فما تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها طائفة .

    وقد ذكر في زاد المعاد (3/116) عدة أحاديث في موضوع العين، وعلق عليها بقوله :
    ( أبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين ، وقالوا : إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها .
    وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل ، ومن أغلظهم حجابا ، وأكثفهم طباعا ، وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها ) .

    قلت : وكذلك من أنكر فعل أرواح الصالحين ونفوسهم بإذن الله تعالى , ينطبق عليه كلام ابن القيّم أنّه :
    "من أجهل الناس بالسمع والعقل ، ومن أغلظهم حجابا ، وأكثفهم طباعا ، وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها" ...

    فإذا كان من غير المستبعد ثبوت الفعل والتصرف لنفس العائن بإذن الله تعالى , فكيف يُستبعد ثبوته لأرواح الأولياء ونفوسهم؟!! مع أنّ نفوس الأولياء مستعليه على الأبدان , وشديدة الانجذاب إلى الملأ الأعلى وعالم السماء! ولذلك قال الشوكاني في "قطر الولي على حديث الولي" (ص279) :
    ( جواز الكرامات : ومن وُهِب له هذه الموهوبات الجليلة وتُفضِّلَ عليه بهذه الصفات الجميلة , فغير بعيد ولا مستنكر أن تظهر على يده من الكرامات التي لا تنافي الشريعة والتصرفات في مخلوقات الله -عز وجل- الوسيعة ) .



    وبهذا انتهى المبحث الثالث في الاستغاثة
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

صفحة 6 من 10 الأولىالأولى ... 2345678910 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •