صفحة 5 من 10 الأولىالأولى 123456789 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 75 من 149

الموضوع: نقد الرؤية الوهابية للتوحيد وقسميه

  1. السلام عليكم

    بحث مهم جدا بارك الله فيكم

  2. #62
    بحث مفيد للغاية ..و كلام متين قوي..عند النظرة الأولى..قبل الفحص..
    أرجو أن تكمل عرضه هنا ثم تضعه في ملف واحد ..و لو كان في ملف بي دي اف لكان أفضل..
    جزاك الله خيرا كثيرا..

  3. #63
    أين أنت يا أخانا الكريم ؟ نرجو أن تكمل ..بارك الله فيك ..

  4. اعذرني أخي الكريم , فأنا أدخل النت من خارج البيت
    وأنتظر الفحص بعد النظرة الأولى
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  5. المطلب الرابع : سؤال الميّت أو الغائب


    يرى الوهابية أنّ الطلب من الحي الحاضر فيما يقدر عليه مباح , أمّا إذا تكرر نفس الطلب من الغائب أو الميّت أصبح شركاً!! فإذا كان بجانبك رجل وقلت له : يا فلان! أحضر لي كأس ماء , فلن يكون في طلبك أي محذور , فإذا خرج الرجل من عندك وغاب عنك وكررت نفس الطلب فقلت له : يا فلان! أحضر لي كأس ماء , فقد أشركت شركاً أكبر , وخرجت من دائرة الإسلام!! , وإذا كان عندك رجل حي فمات بجانبك فقلت له : يا فلان! أحضر لي كأس ماء , فقد أشركت شركاً أكبر!!

    مع أنّ هذا السؤال للغائب والميّت يعتبر سخافة وحمقاً , ولا دخل للشرك فيه , إلا إذا اعتقد السائل في الميت أو الغائب الإلهية وخواص الربوبية , أو قَصَدَ بسؤاله التعبد له , فكون المدعو متسبباً في الفعل عادة أولا , ووجود المدعو وغيبته , ليست معايير لكون الطلب منهم شركاً , بل هي معايير لكون الطلب منهم معقولاً أو سخيفاً , فمن طلب من الغائب أو من الحاضر العاجز أمرًاً , فهذا الطلب سخافة وحمق , وليس كفراً وشركاً , وإذا كان طلب الدعاء من الميّت شركاً , فطلبه كذلك من الحي شرك , لأن ماهية العمل في كلا الفعلين واحدة , فلا يصح التفريق بينهما .

    قال ابن عثيمين فيما سبق نقله :
    ( النوع الثاني: دعاء المسألة وهو دعاء الطلب أي طلب الحاجات , وينقسم إلى ثلاثة أقسام : .....
    القسم الثالث: دعاء الميت أو الغائب بمثل هذا فإنه شرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا , فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفا في الكون فيكون بذلك مشركا ) .

    فبعد أن فرّق ابن عثيمين بين دعاء العبادة ودعاء المسألة , ذكر أنواع دعاء المسألة , وذكر ما يعتبرونه منها شركاً وما يعتبرونه مباحاً , وتفريقه بين الدعائين في بداية الأمر دليل على أنّ دعاء المسألة ليس من العبادة , فالقول بأنّ دعاء المسألة -فيما لا يقدر عليه إلا الله- ودعاء الميّت والغائب عبادة , يخالف تفريقهم بين دعاء العبادة ودعاء المسألة , فلا بد من وجود معيار آخر للحكم على دعاء الغائب أو الميّت بالشرك , وهذا المعيار واضح من كلام ابن عثيمين عندما قال :
    ( القسم الثالث: دعاء الميت أو الغائب بمثل هذا فإنه شرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا , فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفا في الكون , فيكون بذلك مشركا ) .

    وأكّد على هذه العلة في أكثر من موضع , فقال في مجموع الفتاوى له (6/59) :
    ( الرابع: الاستعانة بالأموات مطلقا أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون على مباشرته , فهذا شرك , لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون ) .

    وقال أيضاً :
    ( الثاني: الاستغاثة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين على الإغاثة فهذا شرك؛ لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون فيجعل لهم حظاً من الربوبية .. )

    فالواضح من كلامه أنّهم يرون شركية دعاء المسألة في دعاء الغائب والميت , لاعتقاد الداعي في المدعو تصرفاً في الكون , وهذا الاعتقاد من الداعي في المدعو ليس شركاً في الألوهية , بل هو شرك في الربوبية إن كان باعتقاد التصرف الاستقلالي , وهذا هو السبب الدقيق في تفريقهم بين دعاء الحي والحاضر وبين دعاء الميت والغائب , لا أنّ كون دعاء الميت والغائب عبادة لهم ودعاء الحاضر ليس عبادة , لأنّ العبادة لا يجوز أداؤها للحي والحاضر دون الميت والغائب , فباعتبار أن موجب الوقوع في الشرك هو كون الدعاء عبادةً , لا يصح التفريق بين الحاضر والغائب وبين القادر وغير القادر , أمّا باعتبار أن موجب الوقوع في الشرك هو كون الداعي يعتقد تصرف المخلوق في الكون , فيصح التفريق بين الحاضر والغائب وبين القادر وغير القادر .

    إلا أنّ هذا السبب يناقض ما أسسوه ورسموه , من كون الجاهليين موحدين لله تعالى في الربوبية توحيداً كاملاً لا شائبة فيه , فقد كان أهل الجاهلية يدعون أصنامهم الميتة , والتي لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على التسبب في شيء , فاستغاثة المشركين بأصنامهم تدلّ على أنّهم اعتقدوا فيها تصرفاً في الكون , وهذا شرك في الربوبية , مع كون استغاثتهم بأصنامهم كانت بقصد عبادتها , إلا أنّ الوهابية أحسنوا الظنّ في الجاهليين الذين يبيّن القرآن شركهم في الربوبية , وقالوا بأنهم ليسوا كذلك!!

    والوهابية يعترفون بأن المستغيثين بالأنبياء والأولياء من هذه الأمة ليسوا مشركين في الربوبية , وخصوصاً عندما يردّ أولئك المستغيثون على الوهابية ويقولون : إننا لا نعتقد في الأنبياء والأولياء شيئاً من الربوبية والتصرف من دون الله , بل ينقل محمّد بن عبد الوهاب عمّن يكفرهم من المستغيثين أنهم موحدون في الربوبية ولا يجعل بينهم وبين المشركين فرقاً في ذلك فيقول :
    (منها قولهم : نحن لا نشرك بالله ، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا فضلاً عن عبدالقادر أو غيره ، ولكن أنا مذنب ، والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم.
    فجاوبه بما تقدم : وهو أن الذين قاتلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقرون بما ذكرت) .

    فإذا كانت العلة في شركية دعاء الأموات والغائبين , هي الاعتقاد بالتصرف في الكون للأنبياء والأولياء , والمستغيثون بهم لا يعتقدون ذلك فيهم , فلا تلازم بين الاستغاثة وبين اعتقاد التصرف -الخفي أو الجلي- في الكون , ولو كان هناك تلازم بينهما , لكانت الاستغاثة بالأحياء أقرب إلى الاعتقاد بتصرفهم واعتقاد تأثيرهم بالإعطاء والمنع من دون الله , بمقتضى الحس والمشاهدة ، لولا نور الإيمان وساطع البرهان!


    ثم إن المستغيث لا يعرف ما يقوم بقلبه واعتقاده إلا الله تعالى! والأصل في المسلمين أنّهم لا يعتقدون تصرفاً لغير الله , فالحكم بأنّ المستغيث بالأنبياء يعتقد لهم تصرفاً ادّعاء لعلم ما في القلوب! ولا يعلم ما في القلوب إلا علّام الغيوب .

    ويظهر من قوله : (لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون فيجعل لهم حظاً من الربوبية) , أنّه يرى في الاعتقاد بالتصرف الخفي للمخلوق جعلاً للمخلوق حظاً من الربوبية!! مع أنّ الاعتقاد بالتصرف في الكون بإذن الله تعالى –خفياً كان أو جلياً- ليس شركاً , وإنما الشرك اعتقاد ذلك دون إذن الله تعالى وأمره , فالاعتقاد في مخلوق بالتصرف بإذن الله تعالى عبارة عن الاعتقاد بأن المتصرف الحقيقي هو الله تعالى , وأنّه لا تصرف لغيره سبحانه , كيف لا وقد أعطى الله تعالى بعض الخلائق التصرف في الكون بإذنه , فقد أخبر الله تعالى عن الملائكة واصفاً إياهم : ((فالمُدبّراتِ أَمْرَاً)) , قال الإمام الطبراني في تفسير القرآن العظيم :
    (وقولهُ تعالى : { وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ } ؛ أي يُرمَون من كلِّ جانبٍ بالشُّهُب ، يعني أنَّ الشياطين يُرمَون بالشُّهب عندَ دُنُوِّهِمْ من السَّماء لاستماعِ كلامِ الملائكة في تدبر أمُور الدُّنيا ) .

    وقال الإمام ابن كثير في تفسيره :
    (وقوله: { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا } قال علي، ومجاهد، وعطاء، وأبو صالح، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي: هي الملائكة-زاد الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض. يعني: بأمر ربها عز وجل) .

    وقال الإمام السيوطي في الدر المنثور :
    (وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عليّ في قوله : { والنازعات غرقاً } قال : هي الملائكة تنزع أرواح الكفار { والناشطات نشطاً } هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها { والسابحات سبحاً } هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض { فالسابقات سبقاً } هي الملائكة يسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله { فالمدبرات أمراً } قال : هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة ) .

    فالاعتقاد بأن مخلوقاً له تدبير في الكون بإذن الله تعالى لا يعتبر شركاً , بخلاف الاعتقاد في ذلك المخلوق أنّه يتصرف دون عطاء الله تعالى وأمره وإذنه , فإنّ الاعتقاد بتدبير المخلوق بإذن الله تعالى هو اعتقاد بأن المدبّر الحقيقي والمتصرف الوحيد هو الله تعالى , وأنّ الله تعالى أعطى لهذا المخلوق التسبب في التدبير , وإذا طلبت من شخص أن يعينك في حَمل شيء أو بناء بيت أو حفر بئر فقد نسبت له القدرة على هذا التصرف والفعل , إلا أنّ هذا لا يعتبر شركاً وذلك لاعتقادك أنّه سبب فقط , وليس له تأثير ذاتي وليس فاعلاً بالاستقلال , فإذا ثبت أنّ الله تعالى أعطى هذا المخلوق التصرف المُدّعى , فليس الاعتقاد بتصرّفه شركاً , وإذا لم يثبت أن هذا المخلوق متسبب بذلك الفعل كانت نسبة التسبب في التصرف إليه خطأ في نسبة السببية.

    وإذا اعتقد إنسان في الملائكة أنّ الله تعالى أعطاها تدبيراً كان مصيباً في اعتقاده ذلك , وإذا اعتقد في مخلوق أنّ الله تعالى أعطاه تدبيراً كتدبير الملائكة , لكن لم يثبت له هذا التدبير , كان مخطئاً في نسبة التدبير لهذا المخلوق ليس إلا , لكن لا يقال بأنّه أشرك مع الله في التدبير , وذلك لاعتقاده أنّ التدبير مِنَ الله تعالى , وأنّ الله تعالى أعطى هذا المخلوق شيئاً من التدبير كما أعطى الملائكة , لكنّه أخطأ في نسبة هذا التدبير العطائي لذلك المخلوق .

    وقد أسند الله تعالى إلى نفسه توفي أنفس العباد , فقال : ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا )) الزمر: 42 .
    وأسند إلى ملك الموت التوفي كذلك , فقال : ((قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ)) السجدة: 11
    إلّا أنّ توفي ملك الموت للأنفس إنما هو بإذن الله وعطائه , والمتوفي الحقيقي لأنفس العباد هو الله تعالى , فلو نسب شخص وفاة الأنفس إلى ملك الموت لم يكن مشركاً , لاعتقاده بأن الله تعالى أعطاه ذلك وليس باستقلال منه , بل كان مصيباً في ذلك لوجود الدليل , ولو نسب شخص وفاة الأنفس لمخلوق لم يثبت إعطاء الله تعالى له توفي الأنفس –كميكائيل مثلاً- لم يكن مشركاً , لاعتقاده بأن الله تعالى أعطى ميكائيل ذلك وليس باستقلال منه , لكنّه مخطئ في ذلك لعدم وجود الدليل .

    ومثله من اعتقد تصرّف أرواح الأنبياء والأولياء بإذن الله تعالى وعطائه , فليس مشركاً لاعتقاده بأن الله تعالى أعطاهم ذلك وليس باستقلال منهم , فإن كان له دليل على ذلك كان مصيباً كمن نسب توفي الأنفس إلى ملك الموت بإذن الله , وإن لم يكن له دليل على ذلك كان مخطئاً كمن نسب توفي الأنفس إلى ميكائيل .

    ولو كان الاعتقاد في أحد المخلوقات بالتصرف العطائي الموهوب من الله تعالى شركاً , لكان ابن تيمية نفسه مشركاً , فقد قال في مجموع الفتاوى (4/379) :
    ( وَقَدْ قَالُوا : إنَّ عُلَمَاءَ الْآدَمِيِّينَ مَعَ وُجُودِ الْمُنَافِي وَالْمُضَادِّ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ . ثُمَّ هُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ ؛ وَأَمَّا النَّفْعُ الْمُتَعَدِّي وَالنَّفْعُ لِلْخَلْقِ وَتَدْبِيرُ الْعَالَمِ فَقَدْ قَالُوا هُمْ تَجْرِي أَرْزَاقُ الْعِبَادِ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَيَنْزِلُونَ بِالْعُلُومِ وَالْوَحْيِ وَيَحْفَظُونَ وَيُمْسِكُونَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْمَلَائِكَةِ .
    وَالْجَوَابُ : أَنَّ صَالِحَ الْبَشَرِ لَهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ , وَأَكْثَرُ مِنْهُ! ..
    وَيَكْفِيك مِنْ ذَلِكَ شَفَاعَةُ الشَّافِعِ الْمُشَفَّعُ فِي الْمُذْنِبِينَ , وَشَفَاعَتُهُ فِي الْبَشَرِ كَيْ يُحَاسَبُوا وَشَفَاعَتُهُ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ . ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَقَعُ شَفَاعَةُ الْمَلَائِكَةِ وَأَيْنَ هُمْ مِنْ قَوْلِهِ : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } ؟ وَأَيْنَ هُمْ عَنْ الَّذِينَ : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } ؟ وَأَيْنَ هُمْ مِمَّنْ يَدْعُونَ إلَى الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ؛ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً ؟ وَأَيْنَ هُمْ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { إنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَشْفَعُ فِي أَكْثَرَ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ } " ؟ وَأَيْنَ هُمْ مِنْ الْأَقْطَابِ وَالْأَوْتَادِ والأغواث ؛ وَالْأَبْدَالِ وَالنُّجَبَاءِ ؟ )

    وقد ذهب ابن القيم في كتابه الروح , إلى تصرّف الأرواح موتى الصالحين بإذن الله تعالى , وأنّ لها همّة عالية وقدرة على أفعال عظيمة كهزيمة الجيوش الكثيرة .

    وقال الشوكاني في "قطر الولي على حديث الولي" (279-261) :
    ( جواز الكرامات : ومن وُهِب له هذه الموهوبات الجليلة وتُفضِّلَ عليه بهذه الصفات الجميلة , فغير بعيد ولا مستنكر أن تظهر على يده من الكرامات التي لا تنافي الشريعة والتصرفات في مخلوقات الله عز وجل الوسيعة ، لأنه إذا دعاه أجابه وإذا سأله أعطاه ، ولم يصب من جعل مايظهر من كثير من الأولياء من قطع للمسافات البعيدة، والمكاشفات المصيبة ، والأفعال التي تعجز عنها غالب القوى البشريَّة ، من الأفعال الشيطانية وَ التصرفات الإبليسية , فإن هذا غلط واضح ، لأن من كان مجاب الدعوة لا يمتنع عليه أن يسأل الله أن يوصله إلى أبعد الأمكنة التي لا تقطع طريقها إلا في شهور في لحظة يسيرة، وهو القادر القوي الذي ما شاءه كان ، وما لم يشأه لم يكن ، وأي بُعد في أن يجيب الله دعوة من دعاه من أوليائه في مثل هذا المطلب وأشباهه ..... .
    وأما مجرد استبعاد أن يهب الله سبحانه لبعض عباده أمراً عظيماً ويعطيه ما تتقاصر عنه قوى غيره من المنح الجليلة، والتفضلات الجزيلة فليس مرادات المتصفين بالإنصاف , وكثيرًا ما ترى الجبان إذا حكيت له أفعال الأفراد من أهل الشجاعة , من مقارعة البطال وملابسة الأهوال ومنازلة العدد الكثير من الرجال , يستبعد عقله ذلك ويضيق ذهنه عن تصوره ويظنه باطلًا , ولا سبب لذلك إلا أن غريزته المجبولة على الجبن الخالع تقصر عن أقل قليل من ذلك وتعجز عن الملابسة لأحقر منه . وهكذا البخيل إذا سمع ما يحكي عن الأجواد من الجود بالموجود والسماحة بالكثير الذي يشح نفوس من لم يهب الله له غريزة الكرم المحمودة بعشر معشاره , ظنّ أن تلك الحكايات من أخبار الوراقين ....... .
    فاعرف هذا , وعلم أنّ مواهب الله عز وجل لعباده ليست بموضع لاستبعاد المستبعدين , وتشكيكات المشككين..الخ ) .

    فهل هؤلاء مشركون لاعتقادهم بتصرّف الأولياء في الكون بإذن الله تعالى؟! وهل أعطوهم حظًا من الربوبية؟!!

    إلّا أنّ الوهابية يرون أنّ الأنبياء والأولياء في قبورهم لا يدركون شيئاً ولا يسمعون , وأنّهم غير قادرين على التسبب في شيء , ولا يقدرون على الدعاء لأحد , فحالهم كحال الأصنام الميتة التي دعاها المشركون , ومن طلب منهم كان كمن طلب من تلك الأصنام .

    قلت : إذا سلّمنا جدلاً أنّ الأنبياء والأولياء لا يسمعون ولا يتسببون في شيء كالأحياء , فلا يلزم أن يكون الطلب منهم شركاً , لأن السائل لا يقصد التعبد ولا يعتقد فيهم ربوبية ولا ألوهية , بل يرى أنّهم أسباب فقط كالأحياء , وأنّ الفاعل الحقيقي والمتصرف الوحيد هو الله تعالى , فيكون المستغيث مخطئاً في نسبته السماع والتسبب لهؤلاء الأموات , ويكون فعله سخافة وحمقاً فحسب , كمن طلب من شجرة أن تَحضُر عنده أو أن تُحضِر له كأس ماء , ويرى أنّها لا تتحرك بنفسها ولا تفعل إلا بإذن الله , وأنّ الله تعالى مكّنها من التحرك كما مكّن البشر , فإن ثبت أنّ الله تعالى أعطى هذه الشجرة القدرة على الحركة كالأحياء كان مصيباً , وإن لم يعط الله تعالى هذه الشجرة القدرة على الحركة كان طلبه منها سخافة وحمقاً لا شركاً وكفراً , وكذلك إذا ثبت أنّ الأنبياء والأولياء يسمعون ويتسببون كان الطلب منهم صحيحاً , وكان المستغيث بهم مصيباً لاعتماده على دليل صحيح , وإذا ثبت أنّهم لا يسمعون ولا يتسببون كان الطلب منهم سخافة وحمقاً , وكان المستغيث بهم مخطئاً لاعتماده على دليل غير صحيح , بخلاف من يطلب من الأصنام معتقدًا فيها الإلهية والتصرف الاستقلالي , مع نيته عبادة تلك الأصنام .

    والمستغيثون بالأنبياء والأولياء يعتقدون أنّ أفعال الأحياء تنسب إليهم على سبيل التسبب لا على سبيل التأثير الذاتي والإيجاد الحقيقي , وكذلك اعتقادهم أنّ للأنبياء والأولياء في قبورهم أفعالاً على سبيل التسبب لا على سبيل التأثير الذاتي والإيجاد الحقيقي , ولا يعقل أنّهم ينسبون إليهم الفعل على سبيل التسبب حال الحياة , ثم ينسبونه إليهم على سبيل الإيجاد والتأثير الذاتي بعد الوفاة , فإذا كان في الاستغاثة بالأنبياء والأولياء غلط فهو في اعتقاد أنّهم متسببون , لأن هذا هو غاية ما يعتقده المستغيثون بهم , والخطأ في اعتقاد السببية في مخلوق ليس شركاً ولا كفراً , فمن يرى السببية فيمن لم تثبت له لم يأت بأمر شركي , ومن جعل غير السبب سبباً فهو جاهل وليس بكافر , وحاله كحال من طلب من المشلول المُقعد أن ينقل عنه شيئاً ثقيلاً معتقدًا أنّه متسبب في ذلك , فهل يكفر بطلبه هذا؟

    وعلى فرض عدم سماع الأنبياء والأولياء في قبورهم , فإن اعتقاد المستغيث بسماعهم في قبورهم يُبطِل اعتبار استغاثته شركاً , وذلك لأنّ استغاثته تصبح من قبيل الاستغاثة بمن يعتقد أنه يسمعه من الأحياء الحاضرين لكنّه في الحقيقة لا يسمعه , فلا يقول عاقل عن رجلٍ استغاث بشخصٍ أصمّ معتقداً سماعه أنّه مشرك!! فمن استغاث بالنبي أو الولي معتقداً سماعه كان كمن استغاث بالأصمّ وهو لا يدري أنّه أصمّ ! , فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ((إنما الأعمال بالنيات)) , هذا إن لم يثبت سماعهم , مع أنّ سماعهم وتسببهم في بعض الأفعال ثابت , وسيأتي بيانه .

    والوهابية يقولون إنّ الاستغاثة بالحي الحاضر ليست إلا باعتقاد أنّه سبب عادي فقط , وكذلك المستغيثون يقولون لهم إنّ استغاثتنا بالأنبياء ليست إلا باعتقاد أنّهم أسباب عادية فقط , لكنّ الوهابية يردّون على ذلك بأنّه لم يثبت أنّ للأنبياء والأولياء في قبورهم تسبباً في العادة , فالاستغاثة بالأنبياء والأولياء دون أن يثبت كونهم أساباً عادية شرك!!
    وهنا وقع الخلط والخبط عندهم , فإن الاستغاثة بمخلوق باعتقاد أنّه سبب ليست شركاً , سواء ثبت تسببه أم لم يثبت , فالخلاف سينحصر بين الوهابية وبين المستغيثين بالأنبياء في كون الأنبياء في قبورهم أسباباً عادية أم لا , وهذا ما يُخرج الخلاف من دائرة التوحيد والشرك , إلى دائرة السنة والبدعة , فإن ثبت أنّ الأنبياء –عليهم السلام- والأولياء أسباب عادية كانت الاستغاثة بهم صحيحة , وإن لم يثبت كانت بدعة لا شركاً .


    فالاستغاثة مبنية عند المستغيثين بالأنبياء والأولياء على أنّهم أحياء في قبورهم يسمعون ويتسببون في بعض الأفعال كالدعاء , ولهم أدلة صريحة صحيحة على ذلك , والغالبية العظمى من أئمة الإسلام يذهبون إلى سماع الأموات , ولم يخالف في ذلك إلا قلة قليلة لا يجاوزن عدد أصابع اليدين! , فإذا كان قول الجماهير من الأئمة والعلماء بسماع الأموات مطابقاً لما في نفس الأمر كان نداؤهم كنداء الأحياء صحيحاً لا شيء فيه , وإن كان قولهم غير مطابق لما في نفس الأمر فلا يقال إلا أنّ نداء الأموات سفاهة , كسؤال رجلٍ مقعدٍ أن ينقل شيئاً مع الاعتقاد بأنه صحيح غير مقعد .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  6. تنبيه :
    قصد المستغيثين بالنبي –صلى الله عليه وسلم- من قولهم (أغثني , مدد ) :



    على أنّ قول المستغيثين للنبي -- : أغثني أو امددني , إنما يقصدون بها أن يدعو الله تعالى لهم , فيقال : أمدَّنا فلان بدعواته الصالحة , أي : توجه بدعواته يدعو الحق سبحانه وتعالى في شأننا وأمرنا , وهو مدد وغوث معنوي لا حسي , فيكون دعاؤهم ذلك دعاء في التشفع إلى الله تعالى , فالمستغيث بالنبي -- إنما يطلب منه أن يشفع له إلى الله ويدعوا له اللهَ تعالى , فيمده ويغيثه بدعائه , أو باعتقاد أنّ الله تعالى مكّن روح هذا النبي أو الولي من التسبب بإذن الله تعالى , كتمكينه سبحانه الأحياء من التسبب .
    والمؤمن إذا تكلم بكلام ، فإيمانه قرينة على أنه لم يُرد المعنى الضارّ في اعتقاده ، و أنه لا يعتقد ذلك ، لاسيما قرائن كلامه , لا أن يحمل كلامه على ما يصرح هو بخلافه!

    وقد وردت الاستغاثة بمعنى طلب الدّعاء في حديث الشفاعة المشهور :
    ( إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ , فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ –-).
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  7. وإليك مثالين أحدهما فيه طلب من الغائب , والآخر طلب من الميّت , مع الاتفاق على أنّ الطلب فيهما ليس شركًا :


    المثال الأوّل -وهو في نداء الغائب- :
    سيدنا عمر بن الخطاب يدعو سارية وهو غائب في نهاوند


    قال الإمام ابن حجر الهيتمي في "الصواعق المحرقة" :
    ( أخرج البيهقي وابو نعيم واللالكائي وابن الأعرابي والخطيب عن نافع عن ابن عمر بإسناد حسن قال : وجه عمر جيشا ورأس عليهم رجلاً يدعى سارية , فبينا عمر -رضي الله عنه- عنه يخطب , جعل ينادي : يا سارية الجبل , ثلاثا , ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر , فقال: يا أمير المؤمنين! هزمنا , فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتاً ينادي يا سارية الجبل ثلاثا , فأسندنا ظهرنا إلى الجبل فهزمهم الله ) .
    وأوردها ابن كثير في البداية والنهاية 7/135، وقال: إسناده جيد حسن , وحسّنها السخاوي كذلك.

    وقد صحح هذه القصة محدث الوهابية الألباني في السلسلة الصحيحة , وقال : ( فتبين مما تقدم أنه لا يصح شيء من هذه الطرق إلا طريق ابن عجلان , و ليس فيه إلا مناداة عمر "يا سارية الجبل" و سماع الجيش لندائه وانتصاره بسببه) .

    وعليه فالقول بأنّ أمير المؤمنين رأى الجيش , وأنّه خاطب الملائكة وهي أوصلت الصوت إلى الجيش , لم يثبت في رواية صحيحة !!

    فها هو سيدنا عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- ينادي سارية وهو غائب عنه في نهاوند , والوهابية يقولون أنّ نداء الغائب شرك , فهل أشرك أمير المؤمنين بهذا النداء؟
    وهل كان يعلم الغيب حتى ينادي سارية متيقناً بأنه سيسمعه؟ أم أنّه خاطر وإلهام وقع في قلبه , فألجأه هذا الخاطر لينادي غائباً -ونداء الغائب شرك عند الوهابية-؟!
    ثم إنّ صاحب الخاطر والإلهام لا يجزم بوقوعه , فكيف قام أمير المؤمنين بنداء غائب -وهو شرك!- بناءً على خاطر وإلهام؟!
    ثم لو سلمنا أنّ الله تعالى كشف عن بصره وأراه الجيش رأي عين , فكيف يصحّ له أن يناديهم وهم غائبين عنه , ونداء الغائب شرك؟!

    وقد حاول بعض الوهابية توجيه هذه القصة لتوافق هواه بتأويلات بعيدة وركيكة , وأقواها عندهم أنّ سيدنا عمر بن الخطاب قال : (إنّ لله جنوداً يبلّغون صوتي) , فلم تفلح تأويلاتهم الركيكة وتوجيهاتهم البعيدة , ولو كان سيدنا عمر بن الخطاب قد نادى الملائكة لتبلغ عنه صوته لما خرج نداؤه أيضاً عن نداء الغائب , فإن الملائكة وإن كانوا حاضرين بالنسبة لعلم الله الذي لا يغيب عنه شيء ، فهم غائبون بالنسبة لمن يناديهم .


    المثال الثاني -وهو في دعاء الميّت- :
    سيدنا إبراهيم –عليه السلام- يدعو أجزاء الطيور للإتيان :


    وقد أمر الله تعالى سيدنا إبراهيم –عليه السلام- أن يسأل الطيور المقطّعة ويدعوها للحضور , فقد قال الله تعالى : ((قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))

    فقد دعا سيّدنا إبراهيم هذه الطيور الميّتة ونادها وهي غائبة , وفي بعض الآثار أن رؤوس الطيور كانت بيد سيدنا إبراهيم - عليه السلام- , فلما دعاهن جعل كل جزء منهن يأتي صاحبَه حتى صارت جثثاً , ثم أقبلن إلى رؤوسهن فانضمت كل جثة إلى رأسها فعادت كل واحدة منهن إلى ما كانت عليه , ومعلوم أنّ هذه الأجزاء ما كانت لتجتمع إلا بإذن الله وإرادته , فهل أصبح سيدنا إبراهيم – عليه السلام- مشركاً بهذا الفعل؟ وهل أمر الله تعالى خليله بالشرك ؟ لا بقول هذا مؤمن بالله واليوم الآخر .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  8. المطلب الخامس : طلب الشفاعة من الشفيع


    يُفهم أحياناً من كلام محمد بن عبد الوهاب أن الاعتقاد بشفاعة الأصنام هو ما أشرك به المشركون , وأنهم كانوا يفردون الله تعالى بالربوبية , إلا أنّهم لمّا اعتقدوا بشفاعة الأصنام وجعلوها واسطة بينهم وبين الله تعالى قاتلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

    لكنّ المقرر عنده أن اعتقاد الشفاعة ليس شركاً , لكنّ طلبها من الشفيع هو الشرك , وحتى نناقش كلامه لا بد أولاً من : بيان معنى الشفاعة ...

    قال الطبري في تفسيره :
    ( و"الشفاعة" مصدر من قول الرجل: شفع لي فلان إلى فلان شفاعة , وهو طلبه إليه في قضاء حاجته. وإنما قيل للشفيع"شفيع وشافع" لأنه ثنى المستشفع به، فصار به شفعا فكان ذو الحاجة -قبل استشفاعه به في حاجته- فردا، فصار صاحبه له فيها شافعا، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة. ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض"شفيعا" لمصير البائع به شفعا ) .

    وقال الأزهري في تهذيب اللغة عند "شفع" :
    ( والشفاعة: كلام الشَّفيع للملِكِ في حاجة يسألها لغيره..... .
    وقال الليث: الشَّفع من العدد: ما كان زوجا، تقول: كان وترا فشفعتُه بآخر.
    قال: والشافع: الطالب لغيره يستشفِع به إلى المطلوب. وتقول: تشفْعت لفلان إلى فلان فشفّعني فيه، واسم الطالب شفِيع ) .

    وقال الصاحب بن عباد في المحيط عند مادة "شفع" :
    (الشفْعُ من العَدَدِ: الزَوْجُ، والجَميعُ: الشفَاعُ. وكذلك الشّافِعُ، وفي الحَديث: " أتِيَ بِشَاةٍ شَافِع " : أي شَفَعَها وَلَدُها وشَفَعَتْه، والمصدرُ: الشفْعُ - بكسْر الشين - ؛ كالضرِّ من الضرة.
    والشّافِع من الضأْنِ: كالتَّيْس من المِعْزى . وقيل: هو أيضاً : التَيْسُ بعَيْنه، وأرى انه الذي إِذا ألْقَحَ ألْقَحَ شَفْعاً لا وِتْراً. والشّافِعُ والشَفِيْعُ - جَميعاً - : الطًالِبُ لِغَيْره) .

    وقال الفيروزأبادي في القاموس المحيط :
    (" لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ " : نَفْيٌ للشافِعِ، أي: مالَها شافِعٌ فَتَنْفَعَها شَفاعَتهُ، وكأميرٍ: صاحِبُ الشَّفاعَةِ، وصاحِبُ الشَّفْعَةِ، بالضم، وهي أن تَشْفَعَ فيما تَطْلُبُ، فَتضُمَّهُ إلى ما عندَكَ فَتَشْفَعَهُ ) .

    وقال صاحب "دستور العلماء" 2/159:
    (الشفاعة : هي السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي وقعت الجناية في حقه ) .

    فالشفاعة فيها ثلاثة أطراف :
    - المستشفِع : وهو من يطلب الشفاعة من الشفيع .
    - والواسطة : وهو الشفيع الذي يقوم بطلب الحاجة .
    - المشفوع عنده (المستشفَع إليه) : وهو من يقوم بتلبية طلب الشفيع والمتوسط في قضاء حاجة المستشفع .

    وطلب المستشفع الشفاعة والتوسط عند المشفوع له يسمّى "شفاعة" , وشفاعة الشفيع تكون بطلبه قضاء حاجة المستشفع من المشفوع عنده , والسبب في ذلك هو أنّ الوسيط والشفيع قد أعطي دعاؤه وطلبه الإجابة عند المستشفع إليه , لِمَا له من المكانة الرفيعة , فالأنبياء والأولياء مجابوا الدعاء والطلب , ولهم مكانة عند الله تعالى لم يبلغها غيرهم , ومن كان دعاؤه مستجاباً عند المستشفع إليه , فلا محذور في طلب الشفاعة والدعاء منه .

    والشفاعة بهذا المعنى ثابتة بإجماع المسلمين غير شرذمة قليلة لا يعبأ بهم , ومن هذه الشفاعة قول النبي -صلى الله عليه وسلم-فيما رواه مسلم : (ما مِنْ رَجُل مُسْلِم يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلى جَنازَتِهِ أرْبَعُونَ رَجُلا لا يُشْرِكُونَ بِاللّهِ شَيْئاً إلاّ شَفَّعَهُمُ اللّهُ فيهِ) .
    فلو طلب إنسان من إخوانه المخلصين أن يقوموا على جنازته ويشفعوا له لكان ممن أحسن لنفسه , فقوله -صلى الله عليه وسلم-: (شفَّعهم اللّه فيه) أي قبلت شفاعتهم فيه , فكان دعاؤهم له وتوسطهم فيه مقبولاً عند الله , فالرجل الذي طلب من إخوانه أن يشفعوا له بالدعاء له يسمّى مستشفعاً , وهؤلاء الأربعون هم الواسطة والشفعاء في مغفرة ذنوب هذا الشخص , والمشفوع عنده هو الذي يلبي طلبهم في قضاء حاجة المستشفع وغفران ذنوبه .

    روى النسائي في السنن عن النبي -صلى الله عليه وسلم-أنه قال: ( اشفعوا تُشفَّعوا , ويقضي الله عزَّ وجل على لسان نبيه ما شاء ) .
    فالنبي -صلى الله عليه وسلم-يحث الناس على أن يكونوا واسطة وشفعاء للمحتاج , وذلك بطلبهم منه قضاء حاجة ذلك المحتاج , فصاحب الحاجة هو المستشفع , والنبي -صلى الله عليه وسلم-هو المشفوع عنده , والمتوسط عند النبي -صلى الله عليه وسلم-في قضاء حاجة المحتاجة هو الشفيع .

    وأما ما ورد من الآيات مما يدل ظاهره على انتفاء الشفاعة مطلقاً كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ) , فهذا محمول على انتفاء الشفاعة للكافرين , وهذا أمر يوافقنا فيه الوهابية .

    ولا بد من توضيح أمر بالغ الأهمية , وهو أن اعتقاد الشفاعة في أحد لا يعتبر وحده شركاً , إلا إذا انضم إليه ما يكون موجباً للشرك كاعتقاد المستشفع في الشفيع شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية , أو صرف العبادة له , فالوهابية ينسبون المسلمين المعتقدين الشفاعة في الأولياء إلى الشرك بحجة أنّهم اتخذوا وسائط إلى الله تعالى , وتوسيط أحد الخلائق بينك وبين الله تعالى يعتبر شركاً , مع أنّ هذا المعنى ثابت بالنصوص الصحيحة الصريحة , وإذا قلت لهم إنكم بهذا تنكرون الشفاعة , قالوا : نحن لا ننكر الشفاعة لكننا ننكر طلبها من الشفيع , لأن الشفاعة لله جميعاً , فاطلبها من الله تعالى لا من الشفيع!!

    مع أن الله تعالى قال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤمِنينَ وَ الْمُؤْمِناتِ) , فلو طلب المؤمن الشفاعةَ والدعاءَ بالمغفرة من النبي -صلى الله عليه وسلم-, لكان دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-له أنفع من دعائه لنفسه , لقرب النبي من الله تعالى وقبول دعائه واستجابته , فلا يعدّ توسيط النبي -صلى الله عليه وسلم-ودعاؤه لهذا المؤمن وشفاعته فيه شركاً!! إذ لو كان كذلك لكان القرآن آمراً بالشرك! تعالى الله عن ذلك .

    فقال تعالى : ((وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا )) النساء: 64 .

    فلو جاء مؤمن موحد وطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم-أن يستغفر له وجعله واسطة بينه وبين الله تعالى في دعائه له , فلا يقال له: أليس الله سميعاً بدعائك لنفسك؟! أليس الله بصيراً لك؟! أليس الله رحيماً غفوراً لذنوب عباده؟ أليس من الأولى أن تتوجه بالدعاء لنفسك بدلاً من أن تجعل النبي -صلى الله عليه وسلم-واسطة بينك وبين الله تعالى في دعائه لك؟!
    لا يقال هذا ولا يصدر إلا من جاهل , لأن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-له ليس كدعائه لنفسه , فقد حث الشرع المسلمين أن يطلبوا الدعاء من النبي -صلى الله عليه وسلم-, وطلبُ الدعاء هذا من النبي -صلى الله عليه وسلم-هو طلب الشفاعة منه , بأن يكون شفيعاً لهم عند الله تعالى .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  9. صحابي يطلب من النبي –صلى الله عليه وسلم– أن يشفع له يوم القيامة!! :

    وقد روى الترمذي وأحمد عن أنس –رضي الله عنه- قال :
    (سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَقَالَ : أَنَا فَاعِلٌ ..) .
    وقد صحح هذا الحديث محدث الوهابية الألباني في صحيح الترغيب والترهيب وغيره

    فلم يقل له النبي – صلى الله عليه وسلم -: لماذا تطلب منّي ولا تطلب من الله تعالى وقد قال تعالى : ((وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب))؟! .
    ولم يقل له : لقد أشركت كما أشرك الجاهليون , حينما طلبوا من أصنامهم الشفاعة , فقد قال الله تعالى عنهم : ((وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)) , وقال أيضاً عنهم : ((ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)) , فكيف أنت تطلب مني الشفاعة والتقريب! , وتجعلني واسطة بينك وبين الله تعالى؟!!
    ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا أحَدَ يَشْفَعُ لأحَدٍ , إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ الرَّحْمنُ لِمَنْ يَشاءُ ويَرْضى , فاطلب من الله تعالى أن يشفّعني فيك , ولا تطلب منّي ذلك .
    ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أيها المشرك!! , لقد طلبت منّي أمراً لا يقدر عليه إلا الله تعالى , فلا أملك المغفرة والشفاعة , ألم تسمع قول الله تعالى : ((قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا((؟! فكيف تطلبها منّي؟
    ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أما سمعت قول الله تعالى : ((أفأنت تنقذ من في النار))؟! فكيف تطلب منّي أن أكون شفيعاً؟
    ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أما سمعتني أقول : ((يا فاطمة : أنقذي نفسك من النار))؟ فكيف لي أن أنقذك وأشفع لك؟!
    ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أما قرأت قول الله تعالى عن صاحب يس : ((إن يردْن الرحمن بضر لا تغنِ عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون))؟ فكيف تريدني أن أدفع عنك الضر بشفاعتي؟!! أما فهمت أنّ الآية نصٌ في أن من أراده الله بضر فلا شفيع له؟!
    ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: لقد خرجت من الإسلام ودخلت في الشرك , لأن الله تعالى يقول : ((يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً)) , وأنت جعلتني أملك شيئاً بشفاعتي لك!!
    ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا هذا! أما علمت أنّ الدنيا والآخرة لله تعالى!! فقد قال تعالى : ((وإن لنا للآخرة والأولى)) , فكان الواجب عليك أن تطلب الشفاعة من الله تعالى لا منّي!! .
    ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أما دريت أنك أشركت لأن الله تعالى يقول لي : ((ليس لك من الأمر شيء))!! فكيف تجعل لي الوساطة بينك وبين الله تعالى؟!!
    ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أيها الرجل! يوم القيمة لا يشفع أحد فيه لأحد , فقد قال تعالى : ((أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ)) , فكيف توسطني لأشفع لك؟!
    ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الله تعالى نفى الشفاعة لغيره , فاطلبها منه ولا تطلبها منّي فتكون مشركاً , فقد قال تعالى : ((وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ)) .
    ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ألم تسمعني أقول لأهل بيتي : ((لا أغني عنكم من الله شيئاً))؟ فكيف تريديني أن أغني عنك من الله شيئاً؟!

    لم يقل له النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً من ذلك , ولا يقول ذلك إلا الخوارج أصحاب النحلة الوهابية , لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له : ((أنا فاعل))!! لأن الشفيع ليش شريكاً لله في المغفرة , بل هو شريك للمستشفع في طلب المغفرة من الغفور الرحيم .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  10. فإن قال قائل : إن هذا الطلب للشفاعة في حال حياته ، وهو جائز .
    قلت : لا ، بل طلب منه ما ليس في حياته ، وهو الشفاعة يوم القيامة ، وما جاز أن يُطلب منه في الحياة ، جاز أن يُطلب بعد الممات ، ومن ينفي فعليه الدليل , ولم يأتوا إلى الآن بدليل مستقيم .
    بل قولهم (إن الطلب نفسه عبادة) ، يقتضي أن لا فرق بين الحياة والممات، لأن العبادة ممنوعة في الحالتين !!
    وسيأتي تصريح ابن عبد الوهاب أنّ شرك المشركين كان بإرادتهم الشفاعة وطلبها من الأصنام .

    ولمّا قال إخوة يوسف لأبيهم : ((يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ)) يوسف: 97.
    لم يقل لهم سيدنا يعقوب : لقد أشركتم بجعلكم إياي واسطة بينكم وبين ربكم , فاطلبوا من الله مباشرة دون أن توسطونني وتطلبوا شفاعتي لكم عند الله تعالى , فإن الله تعالى أرحم بكم منّي وهو قريب منكم مجيبٌ دعاءَ من دعاه.
    لكنّه قال لهم : ((سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ)) يوسف: 98.

    إلا أنّ الوهابية يرون أن مجرد تشفيع أحد وتوسيطه بينك وبين الله تعالى يعتبر شركاً , لأن مشركي العرب لم يعتقدوا في أصنامهم شيئاً من صفات الربوبية , لكنّهم اتخذوا أصنامهم وسائط وشفعاء ولذلك أشركوا , فقد قال محمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات :
    (وأما الجواب المفصل.. فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه ، منها قولهم : نحن لا نشرك بالله ، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ، ولا ينفع ، ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن عبد القادر أو غيره.
    ولكن أنا مذنب ، والصالحون لهم جاه عند الله ، وأطلب من الله بهم ، فجاوبه بما تقدم وهو: أن الذين قاتلهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مقرّون بما ذكرت ، ومقرون بأن أوثانهم لا تدبر شيئا ، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة!) .

    فهذا النص يبيّن أنّ إرادة الشفاعة هي موجب شرك المشركين عند الوهابية , لكن المشركين عندما اتخذوا أصنامهم شفعاء لهم , لم يكن مجرد اتخاذ الشفيع هو ما أُدخلهم في الشرك , حتى يقال أن من أراد الشفاعة من الأنبياء والأولياء يعتبر مشركاً , إذ لو كان الأمر كذلك لما ثبتت شفاعة للأنبياء والأولياء والملائكة , ولانتفت الشفاعة من أصلها , لكنّ شرك المشركين كان فيما صاحب الشفاعة من أمور أهمها :

    أولاً : أنّ المشركين اعتقدوا الشفاعة في أصنامهم لكونها شريكة لله في استحقاق المعبودية , فكانوا يرون أنّ تلك الأصنام حقيقة بالعبادة كالله تعالى .

    إلا أن من اتخذ شفيعاً من الأنبياء والأولياء ممن أذن الله له بالشفاعة لا يرون فيهم استحقاقاً للعبادة , فشتان بين الشفاعة المردودة وبين الشفاعة المقبولة الثابتة .

    ثانياً : أنّ المشركين قد صرفوا العبادة لهذه الأصنام حتى تتفضّل عليهم بالشفاعة لهم , فقاموا بعبادتها ليرضوها فتشفع لهم وتهبهم شفاعتها , فكان شركهم في عبادة الأصنام -بالسجود لها والإهلال بها والذبح تقرباً منها..الخ- من أجل الفوز بشفاعتها لا في طلب شفاعتها , فقد قال تعالى : ((وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)) , فقد بيّنت الآية الكريمة أنّهم عبدوا الأصنام وأشركوا بالله تعالى من أجل نيل شفاعتها , لا أنّ نفس اتخاذها شفعاء هو العبادة والشرك .
    وكذلك قوله تعالى : ((ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)) فيه بيان للعلة الغائية من عبادتهم وشركهم هذه الأصنام وهو الحصول على شفاعتها , فعبدوها لينالوا شفاعتها , لا أن طلبهم شفاعتها هو العبادة لها , فيعبدون هذه الأصنام لتتكرم عليهم بالشفاعة .

    أمّا من يطلب الشفاعة من النبي -صلى الله عليه وسلم-فلا يعبده لينال شفاعته , وليس في طلبه الشفاعة من النبي -صلى الله عليه وسلم-شيء من العبادة له .

    ثالثاً : ثم إنّ المشركين اتخذوا هذه الأصنام شفعاء دون أن يأذن الله لها , فنسبوا الشفاعة لموجودات لم يأذن الله تعالى لها بالشفاعة , فكيف يجعل المشركون الشفاعة لآلهتهم دون إذن من الله تعالى؟ فقد قال تعالى : ((أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )) الزمر: 43 – 44.
    فالشفاعة لا تكون إلا من الله تعالى , وهو سبحانه لم يعطها لمعبوداتهم , فكيف افتروا وقالوا بأن أصنامهم شافعة دون أن يأذن الله لها؟!
    أّما الذين يطلبون الشفاعة من النبي -ص- فبناء على الأدلة التي تثبت شفاعته .

    رابعاً : إن المشركين اعتقدوا أن شفاعة الأصنام واجبة على الله تعالى لا يستطيع ردّها , بحكم شراكة تلك الأصنام لله تعالى في التدبير , وقد أثبتت ذلك في الباب الأول .

    والمسلمون لا يعتقدون أن للأنبياء شفاعدة نافذة واجبة على الله تعالى , بل يرون أنها بإذن من الله تعالى لهم .

    ثم إن قياس المؤمنين على المشركين في إرادتهم الشفاعة قياس باطل , نعم.. المؤمنون يريدون شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-, والمشركون يريدون شفاعة الأصنام , لكنّ استواء الفعلين في السبب الحامل على الفعل لا يوجب استواءهما في الحكم , ويدل على هذه القاعدة دلالة قطعية , أنه لو كان الحامل يوجب الاستواء في الحكم للزم إبطال الشريعة وتساوي الأعمال في الأحكام , وذلك لأن الشريعة جاءت لإخراج العبد عن دائرة هواه حتى يكون بالاختيار عبداً لله , فالمعنى الذي يراعيه المكلف ويحمله على الفعل بالإقدام إن كان مصلحة , وبالإحجام إن كان مفسدة , وإن راعته الشريعة تفضلاً من الله , إلا أنها لم تسترسله مع أغراضه وأهوائه , فلم تبح له سلوك كل طريق يوصله إليها , بل أخذت بلجامه إلى الطرق التي عينتها له , ليتبين بذلك كونه عبداً لا يقدر على شيء , حتى إذا أخذ حظّه من العمل أخذه من تحت يد الشريعة , فالأكل مثلاً يحمل عليه دفع ألم الجوع وسد الرمق , وهو يحصل بكل ما يؤكل من طاهر ونجس حلال أوحرام , وقد عيّنت الشريعة طريقه بالاختيار الحلال الطيب الطاهر , ومثله الشرب الذي يحمل عليه دفع ألم العطش خصته أيضاً بالحلال الطيب , فالآكل والشارب من الحلال الطيب لدفع ألم الجوع والعطش مساو للآكل والشارب من الحرام النجس لدفع ألم الجوع والعطش , فلو كان الاستواء في الحامل موجباً الاستواء في الحكم لما اختلف الحكم للغرض المذكور , فكان الأول آتياً بواجب أو مباح والثاني آتياً بحرام , ولكان الواجب استواءهما في الحلية والحرمة .
    وكذلك المتزوج والزاني ومالك اليمين , يحملهم دفع دغدغة المني على الوطء , فلو كان الاشتراك في الحامل مفضٍ إلى الاشتراك في الحكم لزم استواؤهم في الحل والحرمة .
    وكذلك العابد والمبتدع مشتركان في الحامل , وهو قصد التقرب مع اختلافهما في الحكم .

    فالحكم بالشرك على المؤمنين لمّا أرادوا الجاه والشفاعة , كالحكم بالشرك على المشركين لماّ "أرادوا الجاه والشفاعة" , قياس باطل يفضي إلى تساوي جميع الأعمال المشتركة في الحامل , وبالتالي إلى إبطال الشريعة.

    فإن قال وهابي : نحن لا نكفّرهم لمجرد اعتقاد الشفاعة والتوسط في الأنبياء والعلماء , وإنما لأنهم طلبوا منهم الشفاعة , وهذا الطلب هو عبادة لهم فبذلك أشركوا .
    قلت : يظهر من كلماتكم تكفير من يتخذ الوسيط والشفيع مطلقاً , وهذا واضح من كلام ابن عبد الوهاب السابق حيث قال : ( ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله ، وأطلب من الله بهم ، فجاوبه بما تقدم وهو: أن الذين قاتلهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مقرون بما ذكرت، ومقرون بأن أوثانهم لا تدبر شيئا، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة ) .

    وهذا لا ينفي أنّكم تكفرون من طلب الشفاعة من الشفيع بحجّة أنّ ذلك عبادة , فقد قال ابن عبد الوهاب في كشف الشبهات :
    ( فإذا كانت الشفاعة كلها لله , ولا تكون إلا من بعد إذنه ، ولا يشفع النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه ، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد ، تبين لك أن الشفاعة كلها لله فاطلبها منه ، فأقول : اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في ، وأمثال هذا.
    فإن قال: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله؟
    فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة ، ونهاك عن هذا فقال : { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [ سورة الجن، الآية:18] فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك ، فأطعه في قوله: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ) .

    فهرب من حكمه بالشرك على اعتقاد التشفع والتوسط , إلى الحكم بالشرك على طلب الشفاعة , لأنّ الشفاعة من العقائد المتفق عليها بين المسلمين !! فكيف يكون اعتقاد الشفاعة والوساطة شركاً؟!

    لكنّه في النص السابق , يرى أنّ مجرد طلب الشفاعة من الشفيع عبادةٌ وشرك , ويستشهد بقوله تعالى : {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}!!

    فالوهابية يرون أن الواجب هو طلب الشفاعة من الله تعالى , وأما طلبها من غيره سبحانه فهي الشرك بعينه , فجاء في "التبيان شرح نواقض الإسلام" ص24 :
    ( والمشركون في قديم الدهر وحديثه , إنما وقعوا في الشرك الأكبر لتعلقهم بأذيال الشفاعة؛ كما ذكر الله ذلك في كتابه , والشفاعة التي يظنها المشركون أنها لهم هي منتفية يوم القيامة , كما نفاها القرآن وأبطلها في عدّة مواضع :
    قال تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) – البقرة254) .
    وقال تعالى : ((وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ))- الأنعام51).
    فهذه الشفاعة المنفية هي التي تطلب من غير الله , لأن الله –جل شأنه وعز سلطانه- أثبت الشفاعة في كتابه في عدة مواضع :
    كما قال تعالى : ((مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ))-البقرة255)
    وقال تعالى : ((وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ))-الأنبياء28)
    وقال تعالى : ((قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ))-الزمر44)
    وقال تعالى : ((وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى))-النجم26).
    فعلى هذا؛ فالشفاعة شفاعتان :
    أ‌- شفاعة منفية : وهي التي تطلب من غير الله .
    ب‌- شفاعة مثبتة : وهي التي تطلب من الله
    ) .

    فهم يرون أن طلب الشفاعة من غير الله تعالى شرك , وهذه الشفاعة منفية , وجاء مثل ذلك في " إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد" لصالح الفوزان فقال (1/ 238) :
    ( والشفاعة في كتاب الله جاءت على قسمين: قسم منفي. وقسم مثبت.
    فالقسم المنفي: هو الشفاعة التي تطلب من غير الله.
    هذه الشفاعة منفية، لأن الشفاعة ملك لله، لا تطلب إلاّ منه ...
    والشفاعة المثبتة: هي التي توفر فيها الشرطان:
    الشرط الأول: أن تُطلب من الله.
    الشرط الثاني: أن تكون فيمن تقبل فيه الشفاعة، وهو المؤمن الموحِّد الذي عنده شيء من المعاصي دون الشرك، فهذا تُقبل فيه الشفاعة بإذن الله) .

    فهو يقررّ أن الشفاعة التي تطلب من غير الله تعالى منفية , وذلك لأن الشفاعة ملك لله فلا تطلب إلاّ منه!! , لكنّه نقض هذه القاعدة في الصفحة التي تليها حيث قال :
    ( الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، وهي التي تكون من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأهل الموقف، إذا طال الوقوف على أهل الموقف التمسوا من يشفع لهم إلى الله في القضاء بينهم، وإراحتهم من الموقف، فيأتون إلى آدم عليه السلام ثمّ إلى الأنبياء نبيًّا نبيًّا كلهم يعتذرون، حتى ينتهوا إلى محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقول: "أنا لها، أنا لها"..)

    فقد اعترف بأن أهل الموقف يلتمسون من يشفع لهم إلى الله تعالى!! ويطلبون الشفاعة من الأنبياء نبياً نبياً! فهل أصبح أهل الموقف مشركين بذلك؟! حيث طلبوا الشفاعة -وهي: "ملك لله، لا تطلب إلاّ منه" كما قال الفوزان- من غير الله تعالى!
    وهل أشرك سيدنا أنس -كما مر- عندما طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يشفع له يوم القيامة؟!
    وهل أقرّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الشرك عندما قال له : (أنا فاعل) .

    فقولهم بأن طلب الشفاعة من غير الله تعالى شرك قول باطل , لأن الشفاعة في مقدور الشفيع لا خارجة عن قدرته , فقد بينّا معنى الشفاعة وأنّها طلب الشفيع من المشفوع عنده أن يقضي حاجة المستشفع , وهذا الدعاء هو مقدور للشفيع , ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المعاد حي كحاله في الدنيا ، هو وجميع البشر ، فلا مانع في ذلك اليوم أن يتسبّب ويُخرج و ينقذ من الشدة ، لأنه حي حاضر , وحينئذ يكون اعتراض الوهابية على البوصيري في بردته مردودٌ حتى على أصولهم .

    فحُكْمُ الوهابية بالشرك على من طلب الشفاعة من الشفيع –وهي أمر مقدور له- يتناقض مع ما قرروه من أنّ الشرك يكون في طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى!! .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  11. وقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ المؤمنين يوم القيامة يطلبون من يتوسط لهم عند الله تعالى , فقال :
    (يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ , فَيَقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا , فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ , لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا..) .

    ثم يأتون سيدنا نوحاً فسيدنا إبراهيم فسيدنا موسى فسيدنا عيسى , ثم يأتون سيدنا محمداً -صلى الله عليه وسلم-فيشفع لهم , فيقول : (فَإِذَا رَأَيْتُهُ –أي الله تعالى- وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي , ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ , وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ , قَالَ فَأَرْفَعُ رأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ , قَالَ ثُمَّ أَشْفَعُ , فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّة) . متفق عليه .

    ففي هذا الحديث أراد المؤمنون أن يستشفعوا إلى ربهم تبارك وتعالى , فيجعلوا أحد الأنبياء وسيطاً وشفيعاً لهم إلى الله تعالى ليرتاحوا من مكانهم , فطلبوا الشفاعة من سيدنا آدم ثم من سيدنا نوح فسيدنا إبراهيم فسيدنا موسى فسيدنا عيسى –عليهم السلام- , ولم يقل لهم أحد الأنبياء لقد أشركتم بطلبكم الشفاعة منّا , بل كل واحد من الأنبياء وجّههم لطلب الشفاعة من غيره ممن هو أقرب عند الله تعالى , ثم طلبوا الشفاعة من سيّد الأولين والآخرين -صلى الله عليه وسلم-, فلم يقل لهم : أيها المشركون.. إن الله تعالى أعطاني الشفاعة ونهاكم عن هذا فقال : { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا }!!! , كما قال ابن عبد الوهاب!!

    ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: لقد أشركتم بدعائكم إياي أن أشفع لكم , وجعلكم إياي واسطة بينكم وبين ربكم , وطلبُكم هذا مني مستلزم لحركة قلوبكم نحوي بالحب والخوف والرجاء , فقد عبدتموني من دون الله , فكان حالكم كحال المشركين الأولين , الذين قالوا : ((ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)) , والذين قال الله تعالى فيهم : ((وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)) , فدعاؤكم وطلبكم مني أن أشفع لكم , عبادةٌ لي من أجل أن تنالوا شفاعتي , فوقعتم بما وقع فيه أهل الجاهلية الأولى!! .

    ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: لماذا تجعلونني كالحاجب الذي يكون بين الملك وبين رعيته , فأرفع إلى الله حوائجكم , فأنتم تسألونني وأنا أسأل الله!! , كما أنّ الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم , معتقدين أن طلب الناس من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك , لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب , فقد أشركتم بجعلكم إياي شفيعاً ووسيطاً , ألم تقرؤوا قول الله تعالى : ((فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)) , ألم تقرؤوا قول الله تعالى : ((وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب)) ؟!

    ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن دعاءكم إياي أن أشفع لكم شرك وعبادة لي , فإن الله تعالى سميع بصير لكم , وهو أرحم بكم منّي , وهو اللطيف بعباده , فاطلبوا منه مباشرة دون أن تدعوني لأشفع لكم وأسأل لكم الراحة من هول الموقف , وربكم تعالى هو أرحم الراحمين وأجود من سئل وأرحم من أعطى , وهو أقرب إليكم من حبل الوريد , فاطلبوا منه مباشرة ولا تجعلونني واسطة أطلب لكم! .

    ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: ليس بمقدوري أن أريحكم من مكانكم ومن هول الموقف أو أن أدخل أحداً الجنّة , بل هو بأمر الله تعالى فاسألوه وحده ولا تسألوني , فاستغاثتكم بي لأكون شفيعاً ووسيطاً لكم شرك , فأنتم قد اعتقدتم في نبيّكم ملكية الوجود والتصرف مع الله تعالى , فلم تجردوا قلوبكم عن الوسائط والشفعاء , ولم تفردوا ربكم بالطلب والدعاء , بل طلبتم من نبيّكم ودعوتموه أن يسأل لكم ربّكم , بدلاً من أن تجردوا قلوبكم لربكم وتفردوه بالطلب والدعاء , فيجب عليكم أن تحققوا التفريد والتجريد وإلا كنتم كعبّاد الأصنام!! .

    ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن دعاءكم إياي أن أشفع لكم وأريحكم من مكانكم لن ينفع , ولا ينفع الإنسان إلا ما عمل هو , ومنزلة الأنبياء لهم وليست لكم , ثم إن الدعاء والاستغاثة عبادة , فأنتم قد صرفتم العبادة لي من دون الله!!! .

    ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أيها المشركون.. لولا ما قام بقلوبكم في نبيّكم من اعتقاد جلب النفع ودفع الضرّ لما انجذبت قلوبكم ومالت إلى ما سوى ربّكم وجعلتموه وسيطاً لكم وشفيعاً , ولولا أنّ قلوبكم تألهني وتميل إليّ لما دعوتموني واستغثتم بي لأشفع لكم , ولولا حبّكم إياي واعتقادكم أنّي أقضي حاجاتكم وخوفكم أن لا تحصلوا عليها ورجائكم إياي , لما تركتم التوجه إلى خالقكم مباشرة وجعلتموني واسطة لكم!! .

    لم يقل لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً من ذلك , بل لبّى طلبهم ودعاءهم إياه أن يشفع لهم , ثم سأل الله تعالى حاجة أولائك المؤمنين وأراحهم من مكانهم .

    فإن قال وهابي : إن هؤلاء المؤمنين طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاعة في الآخرة وليس في الدنيا , فطلب الشفاعة في الآخرة ليس شركاً بخلاف طلبها في الدنيا .

    قلت : إن كلام ابن عبد الوهاب يدلّ على أنّ طلب الشفاعة من الشفيع شرك مطلقاً , لأن الشفاعة كلها لله , ولا تكون إلا من بعد إذنه ، ولا يشفع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا غيره في أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى يأذن الله فيه , ويرى أنّ الواجب هو أن تطلب الشفاعة من الله تعالى وليس من الشفيع , وما كان شركاً في الدنيا فهو شرك في الآخرة , وما لم يكن شركاً في الدنيا فليس بشرك في الآخرة .

    مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم- حي في قبره يصلي , وتعرض عليه أعمال أمته , وقد ثبت أن أحد الصحابة طلب الشفاعة من النبي -صلى الله عليه وسلم-في الدنيا , فقد روى الترمذي عن أنس –- قال : (سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يشفع لي يوم القيامة , فقال : " أنا فاعل "..) .
    فقد طلب شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الدنيا لا في الآخرة , وهذه الشفاعة رحمة من الله تعالى وكرامة للشفيع , وليس جهلاً ولا عجزاً منه تبارك وتعالى .

    فإن قال الوهابي : إنّ طلب هذا الصحابي من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يشفع له إنما كان في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- , فكيف تطلبون الشفاعة من النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد انتقاله إلى الآخرة؟! فإن الشرك هو أن تطلب الشفاعة من النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته , فإن المصحح لطلب الشفاعة منهم في الدنيا هو إدراكهم طلب المستشفع , وقدرتهم على التشفع والدعاء له , أما الميت فلا إدراك له ولا قدرة على الطلب , فيكون طلب الشفاعة منهم بعد وفاتهم شركاً بالله تعالى .

    قلت: يدل كلام إمامكم النجدي أن مجرد طلب الشفاعة من الشفيع يعتبر شركاً كما سبق , وطلب الشفاعة من الميّت لو كان معناه عبادته ، لكان الطلب من الشفيع الحي عبادة له أيضاً.
    ثمّ إنّ انتقال الأنبياء والأولياء إلى الدار الآخرة لا يعني أنّهم لا يدركون ولا يستطيعون الدعاء , وسيتبين فيما يلي إدراك الأموات وسماعهم خطاب الأحياء , وقدرتهم على القيام ببعض الأعمال الصالحة , ليتضح أنّه لا وجه للتفريق بين طلب الشفاعة من الشفيع حال حياته أو بعد وفاته , ولو سلمنا أنهم جمادات لا يسمعون ولا يدركون لما كان الطلب منهم شركاً كما سبق بيانه .

    وقد ورد في حديث صحيح أنّ أحد الصحابة طلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو لهم بالسقيا , فقال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (2/495) :
    ( وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح السَّمَّانِ عَنْ مَالِك الدَّارِيّ - وَكَانَ خَازِن عُمَر - قَالَ "أَصَابَ النَّاس قَحْط فِي زَمَن عُمَر فَجَاءَ رَجُل إِلَى قَبْر النَّبِيّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه اِسْتَسْقِ لِأُمَّتِك فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا ، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَام فَقِيلَ لَهُ : اِئْتِ عُمَر " الْحَدِيث . وَقَدْ رَوَى سَيْف فِي الْفُتُوح أَنَّ الَّذِي رَأَى الْمَنَام الْمَذْكُور هُوَ بِلَال بْن الْحَارِث الْمُزَنِيُّ أَحَد الصَّحَابَة ) .

    ولا تغتر بما طنطن به بعض الوهابية ودندن حول هذا الحديث , فليس بعد مقال المتقدمين مقال , فقد تعدّى بعض المتعالمين في هذا العصر على أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- , وخالفوا أحكام الأئمة المتقدمين والفحول السالفين , متوهمين أنهم بلغوا رتبة لم يبلغها غيرهم , وأنهم فاقوا الأئمة الحفاظ وأتوا بما لم تستطعه الأوائل , فإلى الله المشتكى .

    وقد أورد هذا الحيث مجموعة من الأئمة دون أن ينبهوا على أنّ فعل ذلك الرجل شرك , وكيف لهم أن يوردوا في مصنفاتهم شركاً ثم يسكتوا عليه؟
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  12. المطلب السادس : بعض الأدلة الشرعية في أن الاستغاثة وطلب الشفاعة من النبي -صلى الله عليه وسلم- ليست شركًا:

    1- قال تعالى : { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً } " مريم 87" .
    قال المفسرون : العهد هو قول : لا إله إلا الله محمد رسول الله .
    وقيل معناه : لا يشفع الشافعون إلا لمن اتخذ عند – أي – مع الرحمن عهدا ، يعني المؤمنين أهل لا إله إلا الله .
    وقيل : ملّك الله المؤمنين الشفاعة ، فلا يشفع إلا من شهد لا إله إلا الله . أي لا يشفع إلا مؤمن .
    وعلى كل حال ، فقد أخبر الله تعالى أنه ملّك المؤمنين الشفاعة ، فطلبُها ممّن يملكها -بتمليك الله- لا مانع منه ، كمن طلب المال وغيره ممن ملّكه الله له .
    و مراد المنادي له والمتوسل به -صلى الله عليه وسلم-، إنما هو الشفاعة ، وشفاعته صلى الله عليه و على آله وسلم هي الدعاء [للمتوسّل]، وهو حاصل له ولسائر الموتى من المؤمنين ، كما ورد في الأحاديث الصحيحة .

    والدعاء من الحي والميت هو شفاعةٌ ، كما ورد في صلاة الجنازة أن الداعي يقول : (وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له بين يديك) . واستغفارهم شفاعة و دعاء ، كما هو ظاهر .

    وأما الأحاديث الصحيحة في طلب الصحابة الكرام منه صلى الله عليه و على آله وسلم ولم ينكرها عليهم ، فكثيرة شهيرة ولم يقل لهم : حتى يأذن الله لي ، وأنتم طلبتم مني قبل الإذن فقد أشركتم !!.

    فدلّ على أن ذلك جائز مطلقاً في حال حياته وموته -صلى الله عليه وسلم-، لأنه -صلى الله عليه وسلم-بعد موته حيّ في قبره بالاتفاق , وسيأتي مزيد بيان لذلك عند الكلام على سماع الأموات .

    قال ابن رجب الحنبلي : {وقد صحّ عرْضُ الأعمال كلها على رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم لأنه لهم بمنزلة الوالد ، خرّج البزار في " مسنده " ، قال رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم : " حياتي خير لكم تُحدثون ويحدث لكم ، و وفاتي خير لكم ، تُعرض عليّ أعمالكم ، فما رأيت من خير حمدت الله عليه ، وما رأيت من شر استغفرتُ الله لكم "} .

    وهذا الحديث خرّجه البزار في مسنده و حسّنه الحافظ العراقي في "طرح التثريب" وصحّحه الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" و الإمام القسطلاني في "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري"، و كذلك صحّحه الحافظ السيوطي في "الخصائص" والإمام مُلاّ علي قاري و الشهاب الخفاجي في شرحيهما على "الشفا" ، و غيرهم من الحفاظ , فمن ثبت عنده الحديث ساغ أن يستدل به بلا ريب .

    والأحاديث في حياة الأنبياء عامة، و حياة نبينا صلى الله عليه و سلم في قبره خاصة، كثيرة و هي صحيحة كما صرّح به الأئمة الحفاظ: كالبيهقي و ابن حجر العسقلاني ( انظر شرح الحديث 3185 في "فتح الباري") والسيوطي و غيرهم .

    وقال الشيخ العلامة المحدّث السيد عبد الله بن الصدّيق الغمّاري في "الرد المحكم المتين":
    { وأنا أذكر هنا خلاصة وجيزة جامعة كتبها شقيقنا الحافظ المجتهد السيد أحمد محمد الصدّيق الغمّاري، قال حفظه الله: الأنبياء أحياء في قبورهم، وأجسادهم لا تبلى، الإجماع منعقد على هذا كما حكاه غير واحد منهم ابن حزم والسخاوي في "المقاصد الحسنة" وغيرهما، للنصوص الصحيحة الصريحة والدلائل الكثيرة القاطعة، فمن أفتى بفناء أجسادهم فقد خرق الإجماع، وكذّب بما صح عن الله ورسوله. فقد ذكر الله تعالى في غير آية أن الشهداء أحياء في قبورهم، وأجمع المسلمون على أن الأنبياء أرفع درجة من الشهداء. وصحّ عن النبي -بطريق التواتر- أن الأنبياء أحياء في قبورهم وأن أجسادهم لا تبلى، و نصّ على التواتر: الكتاني والسيوطي في "إتحاف الأذكياء بحياة الأنبياء". وقد نصّ الإمام القرطبي على أن الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال، فموت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غُيّبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء *، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم. ويحقق ما ذكره هؤلاء الأئمة من تواتر الأحاديث الدالة على حياة الأنبياء، أن حديث عرض الأعمال عليه صلى الله عليه وآله وسلم واستغفاره لأمته وَرَد من عشرين طريقاً، وحديث "إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" ورد من طرق كثيرة جمعها الحافظ المنذري في جزء مخصوص ذكره في اختصاره لسنن أبي داود، وحديث الإسراء وإخباره صلى الله عليه وسلم فيه أنه رأى الأنبياء يصلّون، وغير ذلك مما هو صريح في حياتهم ورد من طرق أربعين صحابياً، ذكرهم الكتاني. ومنها حديث « مررتُ على موسى وهو قائم يصلي في قبره » أخرجه مسلم. وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء واجتماعه بهم [في الإسراء] كما تقدم وأنها متواترة وورد من ثلاثة طرق عند عبد الرزاق والطبراني..} اهـ .

    - وقد ذكر ابن القيم كلام الإمام القرطبي عن حياة الأنبياء في كتابه "الروح" ص33 مستشهدا به موافقا عليه.

    2- قال تعالى : (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ) .
    وتخصيصها بما قبل الموت تخصيص بدون حجة , وترك المطلق على إطلاقة مما اتفق عليه أهل الحق ، والتقييد لا يكون إلا بحجة , ولا حجة هنا تقيد الآية ، بل فقهاء المذاهب حتى الحنابلة على شمول الآية لما بعد الموت , والأنبياء أحياء في قبورهم) .

    3- عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه : " أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي (صلى الله عليه وسلم ) فقال: ادع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال : فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقضى لِي اللهم فشفعه في ))
    رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وابن خزيمة في صحيحه والطبراني وابن السني .وصححه الطبراني وابن خزيمة والترمذي والحاكم ووافقه الذهبي وقالا على شرط البخاري.

    ولا يخفى أن هذا الحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه و على آله وسلم ومعجزاته ، حيث أن رجلا أعمى أبصر ببركته صلى الله عليه و على آله وسلم كما كان عيسى بن مريم يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى بإذن الله .
    وترجم له المحدّثون بـقولهم: " باب من له إلى الله حاجة ، أو إلى أحد من خلقه " .

    وذكره الحافظ الجزري في " الحصن الحصين " ، والحافظ السيوطي في " الجامع الصغير " ، وشرْحه للمناوي ، و قال الإمام علي القاري :
    { " قوله ( " يا محمد " ) : إلتفات وتضرع لديه ، ليتوجه النبي -- بروحه إلى الله تعالى ، ويُغني السائل عما سواه ، وعن التوسل إلى غير مولاه، قائلاً : " إني أتوجه بك " أي بذريعتك ، الذريعة :الوسيلة ، والباء للاستعانة ، و " إلى ربي في حاجتي هذه " ، وهي المقصودة المعهودة " لتُقضى لي " . ويمكن أن يكون التقدير : ليقضي الله الحاجة لأجلك ، بل هذا هو الظاهر . وفي نسخة : " لتَقضي " بصيغة الفاعل ، أي : لتقضي أنت يا رسول الله الحاجة لي . والمعنى : لتكون سبباً لحصول حاجتي و وصول مرادي ، فالإسناد مجازي .}.انتهى .

    قال المجوّزون [وهم جماهير الأئمة] : فقوله في الحديث : " يا محمد ، إني أتوجه بك في حاجتي لتقضى.. : نداء وطلب منه -صلى الله عليه وسلم- ، واستغاثة به وتوسل ، والنبي -صلى الله عليه وسلم-كان غائباً وقال له : " وإن كانت لك حاجة ، فمثل ذلك " ، وحاشا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أن يعلّم أمّته الشرك وقد بُعث لهدمه !!.

    فدلّ أن النداء له والطلب منه - صلى الله عليه وسلم- ليس بشرك ، كما يعنيه الوهابية .

    وأجاب ابن تيمية عن هذا الحديث بجواب غريب عجيب! وهو أن الأعمى صوّر صورة النبي -- في ذهنه! وخاطَبها كما يخاطب الإنسان من يتصوره ممن يحبه أو يبغضه!! ، وإن لم يكن حاضراً!
    وهذا عجيب جداً!! فإن نداء الصورة والطلب منها مع كونها وهمية خيالية ، أقوى في الحجة على المانع , مع كون ذلك خلاف الأصل , إذ الأصل في مثل هذه لصيغة "يا محمد" الطلب!

    فهذا الحديث الصحيح المجمع على صحته , دليل لمن يجوّز نداء النبي -- في غيبته وبعد موته .

    4- والدليل على أن هذا الحديث عامّ للحياة و بعدها : ما رواه البيهقي ، والطبراني بسند صحيح عن عثمان بن حنيف راوي الحديث الأول : أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأْ ثم ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قلْ: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي ، وتذكر حاجتك ، و رُحْ إليّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان، فجاء البوّاب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له؛ ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمتَه فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمتُه ولكن شهدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ائت الميضأة فتوضأ ثم صلّ ركعتين ثم ادْعُ بهذه الكلمات. فقال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط.}.اهـ

    5- روى الحاكم في " المستدرك " ، وأبو عوانة في " صحيحه " ، والبزار بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه و على آله وسلم أنه قال : {إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة ، فلْيناد : يا عباد الله احْبِسوا ، فإن لله حاضراً سيجيبه} .اهـ

    وقد ذكر هذا الحديث: ابنُ تيمية في كتاب " الكلم الطيب "( فصل: في الدابة تنفلت) عن أبي عوانة ، و ابن القيم في " الكلم الطيب " له أيضا ، و الإمام النووي في " الأذكار " ، والحافظ الجزري في " الحصن الحصين " وغيرهم ممن لا يُحصى من المحدّثين ، وهذا اللفظ رواية ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعاً .

    وأما قول الوهابية : "إن هذا نداء لحاضر" فكذب ظاهر ، فإن عباد الله المدعُوّين - وإن كانوا حاضرين بالنسبة لعلم الله الذي لا يغيب عنه شيء- ، فهم غائبون بالنسبة لمن يناديهم .

    وكذلك الأنبياء والصالحون وأهل القبور ، فإنهم أحياء في قبورهم، وأرواحهم موجودة , ولكن غائبون بالنسبة لمن يناديهم .ولهذا أمر النبي صلى الله عليه و على آله وسلم أمته أن ينادوهم ويخاطبوهم مخاطبة الحاضرين مع أنهم غائبون عن العين ، بل ربما يُسمع منهم ردّ السلام وقراءة القرآن والأذان من داخل قبورهم ، كما ذكر ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم " .

    ومما قاله ابن تيمية فيه (2/227):
    { ولا يدخل في هذا الباب : ما يُروى من أن قوما سمعوا ردّ السلام من قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، أو قبور غيره من الصالحين . وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك . فهذا كله حق ليس مما نحن فيه ، والأمر أجلّ من ذلك وأعظم..}.
    وهذا كاف للرد على الوهابية في إثبات الفعل والإدراك للأموات .

    فليس نداء النبي -صلى الله عليه وسلم- وخطابُه أقل من عباد الله الذين أَمر نبينا صلى الله عليه و على آله وسلم أن نناديهم ونستعين بهم في ردّ الدابة ، ولكن مقصوده صلى الله عليه و على آله وسلم هو التسبّب ، فإن الله ربط الأمور بالأسباب ، والنبي صلى الله عليه و على آله وسلم أفضل الوسائل والأسباب ، خصوصاً يوم القيامة .
    ولكون النبي صلى الله عليه وسلم حاضراً مع موته، شُرع لنا خطابُه والتسليم عليه في الصلاة ، وهو قولنا : "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" . ولولا ذلك لكان هذا الخطاب عبثاً ، وحاشا هذه الشريعة الغراء العبث فيها .

    6- قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": { (باب ما يقول إذا انفلتت دابته أو أراد غوثا أو أضل شيئا) عن عتبة بن غزوان عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد عونا وهو بأرض ليس بها أنيس فلْيقل: يا عباد الله أعينوني [و في نسخة:أغيثوني] ، فإن لله عبادا لا نراهم ". وقد جُرّب ذلك.
    رواه الطبراني ورجاله وُثّقوا على ضعف في بعضهم إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة.
    وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فلْيناد: أعينوا عبادَ الله" .رواه الطبراني ورجاله ثقات.}.اهـ

    فهبْ أن عباد الله المدعُوّين حاضرون –كما قال الوهابية- ، ولكن لماّ لم يرهم الداعي لهم ، كيف يهتدي إلى الطريق؟ ، أو كيف يحصل له مقصوده في مثل الهداية إلى الطريق وهو لم يرهم؟ وكيف حصلت له الهداية بمجرد هذا الكلام لولا أنهم وسيلة و سبب ، و الله هو الفعال ؟!
    فكذلك خطاب النبي صلى الله عليه و على آله وسلم ، أقل مراتبه أن يكون كالملائكة ، مع أنه -صلى الله عليه وسلم-أفضلهم وأقربهم وسيلة عند ربه تعالى .
    وقد عمل بهذا الحديث مجموعة من الأئمة المتفق على إمامتهم , منهم :
    - الإمام الطبراني : فبعد أن ذكر هذا الحديث قال وقد جرب ذلك) .
    - الإمام أحمد بن حنبل : ففي المسائل وشعب الإيمان : قال عبد الله بن الإمام أحمد : سمعت أبي يقول: حججت خمس حجج منها اثنتين راكباً ، وثلاثة ماشياً ، أو ثنتين ماشياً وثلاثة راكباً ، فضللت الطريق في حجة وكنت ماشياً فجعلت أقول : يا عباد الله دلونا على الطريق ، فلم أزل أقل ذلك حتى وقعت على الطريق ، أو كما قال أبي .
    - الإمام النووي وبعض شيوخه الكبار في العلم : حيث قال في الأذكار
    (حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم أنه انفلتت له دابة أظنها بغلةوكان يعرف هذا الحديث فقاله، فحبسها الله عليهم في الحال، وكنت أنا مرةً مع جماعة فانفلتت منا بهيمة وعجزوا عنها فقلته فوقفت في الحال يغير سوى هذا الكلام) .
    فهل كان هؤلاء الأئمة يجهلون الشرك من التوحيد؟!

    7- روى البيهقي و ابن أبى شيبة عن مالك الدار رضي الله تعالى عنه - وكان خازن عمر رضي الله تعالى عنه- قال :
    {أصاب المدينة قحط في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، فجاء رجل إلى قبر رسول الله صلى الله عليه و على آله وسلم فشكا له فقال : يا رسول الله إسْتسق لأمتك فإنهم قد هلكوا .
    فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال : " ائت عمر وأقْرئه السلام وأخبره أنهم مُسْقَوْن" الحديث .}اهـ
    وقد ذكر ابن تيمية هذا الحديث في " اقتضاء الصراط المستقيم " وأقرّه ولم ينكره , فقال (2/228) :
    { وكذلك أيضا ما يُروى : " أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فشكا إليه الجدب عام الرمادة ، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر ، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس" ؛ فإن هذا ليس من هذا الباب . ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلى الله عليه و سلم ، و أعرِف من هذا وقائع.
    وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم [ يعني في قبره] - أو لغيره من أمته- حاجةً فتُقضى له ، فإن هذا قد وقع كثيرا ، وليس هو مما نحن فيه . وعليك أن تعلم : أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء السائلين ، ليس مما يدل على استحباب السؤال ، فإنه هو القائل صلى الله عليه وسلم : « إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها ، فيخرج بها يتأبطها نارا " ، فقالوا : يا رسول الله ، فلم تعطيهم؟ قال : " يأبون إلا أن يسألوني ، ويأبى الله لي البخل ».
    وأكثر هؤلاء السائلين الملحّين [عند قبره]-لِماَ هم فيه من الحال- لو لم يُجابوا لاضطرب إيمانهم ، كما أن السائلين به في الحياة كانوا كذلك ، وفيهم من أُجيب وأُمر بالخروج من المدينة ..}. اهـ كلامه.

    أورد الحافظ ابن كثير القصة في" البداية والنهاية" ( 7 / 91 ، 92 ) ، عن الحافظ أبي بكر البيهقي بإسناده إلى أبي صالح عن مالك . وقال ابن كثير : « وهذا إسناد صحيح » ( 7 / 92 ).

    ولا يخفى أن هذه المسألة والسؤال والشكوى للنبي صلى الله عليه و على آله وسلم وقعت في زمن الصحابة وخير القرون ، فلو كان ذلك ممنوعاً لم يفعله الصحابي الذي هو أعلم بالدين من سائر علماء المسلمين ، ولم يُنكَر عليه مع وجود الصحابة الكرام ، فعُلم أن هذا أمر معلوم عندهم جوازُه واستحبابه ، و إلا لنُقل عن واحد منهم إنكاره .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات


  13. 8- ذكر الحافظ ابن عساكر في " تاريخه " ، و ابن الجوزي في " مثير الغرام الساكن " ، والإمام هبة الله في " توثيق عرى الإيمان " عن العُتبي التابعي الجليل : أن أعرابياً جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه و على آله وسلم فقال : السلام عليك يا رسول الله ، [ وفي رواية ذكرها الطبري أنه قال : ويا خير الرسل سمعتُ الله يقول : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما } وقد جئتُك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً [أي متوسلا] بك إلى ربي .
    ثم أنشد :
    يا خير من دُفنت في القاع أعظمه ***** فطاب من طيبهن القاع و الأكم
    نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ****** فيه العفاف وفيه الجود و الكرم
    قال العُتبي : فحملتني عيناي ، فرأيت النبي صلى الله عليه و على آله وسلم في النوم وقال : " يا عُتبيّ ، إلْحق الأعرابي فبشّرْه بأن الله غفر له " .اهـ

    وقد تلقى علماء الأمة كلها هذا الأثر بالقبول مع أنه ضعيف السند , فليس مما يرد بجرة قلم ، وذكره أئمة المذاهب الأربعة في المناسك مستحسنين له . وفيه نداء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم و طلب الشفاعة منه في الدنيا .
    وسيأتي نقل نصوص العلماء سيما من الحنابلة لهذا الأثر.

    وقال ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم "(2/272) :
    { .. ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي و أحمد ، مثلَ ذلك ، واحتجوا بهذه الحكاية [حكاية العتبي] التي لا يثبت بها حكمٌ شرعي ، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعا مندوبا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم ، بل قضاء حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب قد بُسطت في غير هذا الموضع .
    [...].. وقد يفعل الرجل العملَ الذي يعتقده صالحًا ، ولا يكون عالمًا أنه منهيّ عنه ، فيُثاب على حسن قصده ، ويُعفى عنه لعدم علمه، وهذا باب واسع .
    [...].. ثم الفاعل قد يكون متأوّلا , أو مخطئا مجتهدا , أو مقلّدا ، فيُغفر له خطؤه ويُثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع ، كالمجتهد المخطئ... }.

    وذكره ابن عبد الهادي- تلميذُه- عنه في "الصارم المنكي".

    فلو فرضنا أن أحداً لم يتّبع تلك الأحاديث الصحيحة والآثار الصريحة في طلبه منه -- في الدنيا والآخرة ، وقلنا بقول ابن تيمية أنه منهيّ عنه أَوْ ليس مستحباً كما قال في "اقتضاء الصراط"، لكن أليس ابن تيمية أعذر المتأوّل والمخطئ والمجتهد والمقلّد , وقال إنه يُغفر له ويثاب على فعله ؟! فمالكم تكفّرون مخالفيكم معاشر الوهابية؟!!

    فلْنجعل ما يفعله المستغيثون بالنبي -- من هذا القبيل [أي متأولين أو مجتهدين مخطئين] فلا نكفّرهم ، فكيف يحلّ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكفّر المسلمين لذلك! فقبّح الله تعالى الجهل و الجرأة أين تصل بصاحبها !!.

    9- ذكر الإمام القسطلاني في " المواهب اللدنية " ، و السمهودي في " الوفا" قالا :{ روى أبو سعد السمعاني عن علي كرم الله وجهه أن أعرابياً قدم علينا بعد دفن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبره ، وحثا من ترابه على رأسه وقال : يا رسول الله ، قلتَ فسمعنا قولك ، و وعيت عن الله فوعينا عنك . وكان فيما أنزل إليك : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً } ، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي . فنودي من القبر : " غُفر لك " }.اهـ

    أقول : و يعضد هذا الأثرَ ، الأثرُ المتقدم الذي تلقاه الأئمة بالقبول.

    10- ذكر القاضي عياض في " الشفا " بسند حسن أن الإمام مالك بن أنس تناظر مع أبي جعفر المنصور ، فقال الإمام مالك : يا أمير المؤمنين ، إن الله أدّب أقواماً فقال : { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي .. } ، ومدح قوماً فقال : { إن الذين يغضون أبصارهم عند رسول الله …} .وإن حُرمته ميتاً كحرمته حياً . فاستكان لها أبو جعفر و قال : يا أبا عبد الله ، أستقبلُ القبلة فأدعو ، أم أستقبل رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ ، فقال مالك رحمه الله تعالى : و لِم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ؟! بل استقْبِلْه وتشفّعْ به فيشفّعْه الله ، قال الله تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً } الآية .}.اهـ

    قال الإمام الزرقاني في (شرح المواهب اللدنية) عن هذه القصة:
    «الحكاية المذكورة رواها أبو الحسن على بن فهر في كتابه فضائل مالك بإسناد لا بأس به بل قيل إنه صحيح » اهـ من (نصرة الإمام السبكي) ص 61 .
    وقال الإمام ابن حجر في (الجوهر المنظم) عن هذه القصة أيضاً:
    «وقد جاءت بالسند الصحيح الذي لا مطعن فيه »ا.هـ انظر (نصرة الإمام السبكي) ص 195.
    وذكر شيخ الإسلام تقي الدين السبكي هذه القصة في (شفاء السقام) نقلا عن القاضي عياض ثم قال:
    «وقد ذكر القاضي عياض إسنادها وهو إسناد جيد » اهـ ص 129 .
    ويقول الإمام المحدث محمد زاهد الكوثري عن هذه القصة في رسالته (مَحْق التقوّل في مسألة التوسل):
    «وأما قول مالك لأبي جعفر المذكور فهو ما أخرجه القاضي عياض في (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) بسند جيد » اهـ (انظر مقالات الكوثري ص 392 ).
    وذهب الحافظ السيد عبد الله الغماري إلى أن في إسناد هذه القصة ضعفا لكنه لا يسقطها عن درجة الاحتجاج فقال في كتابه (الرد المحكم المتين):
    «فهذه الحكاية عن الإمام مالك صريحة في جواز التوسل بل استحبابه، وهي وإن كانت ضعيفة الإسناد- وادعاء ابن تيمية كذبها مردود عليه ولا كرامة– فقد تلقاها أهل المذهب بالقبول و عملوا بمقتضاها، وناهيك بالقاضي عياض حيث استدل بها ولم يعقبها بما يخالفها. ولهذا لا يُحفظ عن أحد من المالكية قولٌ بمنع التوسل بالنبي r أو كراهته بل كلهم متفقون على جوازه واستحبابه » ا.هـ ص 95.

    11- ذكر ابن الجوزي في كتابه " الوفا في فضائل المصطفى" -صلى الله عليه وسلم-، بسنده إلى أبي بكر المقرئ والطبراني وأبي الشيخ قالوا :
    " كنا في حرم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكنا في حالة قد أثّر فينا الجوع ، فواصلنا ذلك اليوم .
    فلما كان وقت العشاء ، حضرتُ قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقلت : يا رسول الله الجوع الجوع ، وانصرفت . قال أبو بكر : فنمت وأبو الشيخ ، والطبراني جالس ينظر في شيء ، فحضر بالباب علويّ فدقّ الباب ، ففتحنا له ، فإذا معه غلامان مع كل غلام زنبيل فيه شيء كثير ، فجلسنا فأكلنا ، فولى وترك الباقي عندنا . فلما فرغنا من الطعام ، قال العلوي : يا قوم ، شكوتم إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ فإني رأيته في المنام فأمرني بحمل شيءٍ إليكم .}. انتهى .
    وذكر هذا الأثر جماعةٌ من المحدّثين ، وذكر مثله ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم " فقال : { وكذلك حُكي لنا أن بعض المجاورين بالمدينة ، جاء إلى عند قبر النبي -- فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة ، فجاء بعض الهاشميين إليه ، فقال : إن النبي -- بعث لك ذلك وقال لك : اخرجْ من عندنا ، فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا . وآخرون قُضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل هذا ، لاجتهادهم أو تقليدهم ، أو قصورهم في العلم ، فإنه يُغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره ..}. انتهى .

    12- ذكر ابن الجوزي في كتابه " صفة الصفوة " بسنده إلى أبى الخير التيناتي قال : {دخلت مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنا بفاقة [ أي بفقر] فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقاً ، فتقدّمت إلى القبر الشريف وسلّمت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وقلت : أنا ضيفك الليلة يا رسول الله . وتنحّيت فنمت خلف المنبر ، فرأيت في المنام النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبا بكر عن يمينه وعمر عن شماله ، وعلي بن أبي طالب بين يديه . فحرّكني علي رضي الله تعالى عنه وقال : قُم ، لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم . فقمت فقبّلت بين عينيه ، فدفع إليّ رغيفاً فأكلت بعضه ، فانتبهت فإذا النصف الآخر بيدي. } . انتهى

    13- ذكر ابن تيمية في " الكلم الطيب " والحافظ ابن أبي جمرة في " شرح مختصر البخاري " وغيرهما أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه خدرت رجله ، فقيل له : اذْكُر أحب الناس إليك. فقال : يا محمد ، فذهب الخَدَر عن رجله.
    وقال الإمام النووي في "الأذكار" (ص305) :
    { (باب ما يقوله إذا خدرت رجله)- روينا في كتاب ابن السني عن الهيثم بن حنش قال : " كنا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فخدرت رجله ، فقال له رجل : اذكر أحب الناس إليك ، فقال : يا محمد (صلى الله عليه وسلم) ، فكأنما نشط من عقال ".
    وروينا فيه عن مجاهد قال : " خدرت رِجْل رَجُل عند ابن عباس ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : اذكر أحب الناس إليك ، فقال : محمد (صلى الله عليه وسلم) فذهب خدره .}.اهـ

    فلو كان نداء الغائب و الميت ممنوعاً ، لكان هذا الصحابي الجليل أحق بالمنع من ذلك ! ولهذا ذكر مثل هذا الأثر ابنُ تيمية وابنُ القيم و غيرهما في الأذكار التي يُسن استعمالها , حيث قال ابن تيمية في كتابه "الكلم الطيب" ص 173 :
    { فصل: ( في الرٍّجْل إذا خدرت ): عن الهيثم بن حنش قال : كنا عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فخدرت رجله فقال له رجل : اذكر أحب الناس إليك فقال : يا محمد؛ فكأنما نشط من عقال.}.اهـ

    وقال الإمام البخاري في "الأدب المفرد": { باب ( ما يقول الرجل إذا خدرت رجله ) ؛ حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن سعد قال : خدرت رِجْل ابن عمر ، فقال له رجل : اذْكُر أحب الناس إليك ، فقال : يا محمد }.اهـ

    و على افتراض أن الأثر ضعيف، فقد نقله الإمام البخاري –و هو من أئمة السلف- في كتابه هذا –و هو كتاب أذكار و دعوات- داعيا الناس إلى العمل به، و لم يقُل أن هذا شرك و لا بدعة؛ فهل كان يجهل الشرك ؟!! أم كان يدعو إلى الشرك ؟!! .. نعوذ بالله من الخذلان!!

    وذكر ابن الأثير في " تاريخه "الكامل في التاريخ-الذي ذكر أنه اختصره من تاريخ ابن جرير السني الطبري- : أن الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم كان شعارهم في الحرب : " يا محمد " .
    وذكر مثله الواقدي في كتابه " فتوح الشام ".
    وذكر السيوطي في " شرح الصدور " عن ابن الجوزي بسنده إلى بعض التابعين : أنهم لما أمرهم الكفار وراودهم على الكفر وامتنعوا ، غلوا لهم زيتاً في قِدْر فألقوهم فيه ، فنادوْا : " يا محمداه " .
    ولا شك أن هذا النداء في هذه المواضع المهلكة ، ما هو إلا توسل به -- ، وطلب لشفاعته -- ، و إلا فلا معنى لندائه .

    وفي ترجمة سعيد بن عامر بن حذيم الصحابي رضي الله تعالى عنه قال :{ شهدت مصرع خبيب وقد بضعت قريش لحمه ، ثم حملوه على جذعه ، ثم نادى : " يا محمد " . فما ذكرت ذلك و تركي نصرتَه وأنا مشرك إلا ظننت أن الله لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً ، فتصيبني تلك الغنطة..} إلى آخر الأثر .

    فهذا يدل على أن نداء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الشدائد أمر معهود ، لأن خبيباً رضي الله تعالى عنه فعل ذلك في مكة والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة حينئذ ، والله تعالى أعلم .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  14. نص لابن تيمية في عدم تكفير المستغيث بالنبي –صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته :


    ولْنقدّمْ عبارة ابن تيمية لأنه - عند هؤلاء- تطمئن قلوبهم بأقواله أكثر من اطمئنانها بالآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة النبوية , وكلام جميع أئمة السلف والخلف!! .
    فقال ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" :
    { وكذلك أيضا ما يروى: أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر، فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس فإن هذا ليس من هذا الباب , ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرف من هذا وقائع.
    وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له، فإن هذا قد وقع كثيرا، وليس هو مما نحن فيه.
    وعليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء السائلين، ليس مما يدل على استحباب السؤال، فإنه هو القائل صلى الله عليه وسلم: "إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها نارا
    فقالوا: يا رسول الله، فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل".
    وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال، لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين به في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة.
    فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أن يدل على حسن حال السائل، فلا فرق بين هذا وهذا}. انتهى.

    فدلّ كلامه هذا على أن السائلين للحاجات من النبي -- أوغيره: لا يُستحب لهم ذلك عنده ، - ولكن عند غيره من العلماء يُستحب ذلك- ، ولم يقل أحدٌ -بناء على قول الشيخ- أن فاعل غير المستحب يكون كافرا ولا آثما ، ويدل عليه قولُه : ((لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم)) ، فأثبت لهم الإيمان ولم ينفه عنهم , لكن الحجة في أن إتيان قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-كان بعلم الصحابة والتابعين , ولم ينكروه على فاعله . (1)


    -------------------------------
    1- نقلًا عن : نحت حديد الباطل وبرده , ومحق التقول في مسألة التوسل , ومفاهيم يجب أن تصحح , بتصرف فيها .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  15. تنبيه هام :

    ابن تيمية وابن القيّم يُثبتان الكرامة والتصرف للولي بعد وفاته , والوهابية يكفرون القائلين بذلك!!

    في النص السابق يرى ابن تيمية أنّ للأولياء كرامات بعد موتهم , وذهب إلى مثله ابن القيم في الروح فقال (ص93):
    (، فإذا كان هذا وهي محبوسة في بدنها [أي في الحياة] فكيف إذا تجرّدت وفارقته واجتمعت فيها قواها وكانت في أصل شأنها روحا علية زكية كبيرة ذات همّة عالية؟! فهذه لها بعد مفارقة البدن[بالموت] شأنٌ آخر وفعلٌ آخر ؛ وقد تواترت الرؤيا في أصناف بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها ما لا تقدر على مثله - حال اتصالها بالبدن - من هزيمة الجيوش الكثيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك، و كمْ قد رُئيَ- في النوم- النبيّ و معه أبو بكر وعمر، قد هزمت أرواحُهم عساكر الكفر والظلم، فإذا بجيوشهم مغلوبة مكسورة مع كثرة عَددهم وعُددهم وضعف المؤمنين وقلّتهم ).اهـ

    فابن تيمية وابن القيّم يُثبتان تصرفات الأرواح بعد الممات على سبيل الكرامة , إلا أنّ الوهابية يعتبرون شركًا محققًا , فقد قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن –من قدماء الوهابية- عن معتقدات الوهابية , في رسالة أملاها على لسان راشد بن عبيد الله الغزي (الدرر السنية في الأجوبة النجدية 1/502) :

    (وكذلك: ينكرون ويكفرون –أي الوهابية- من قال بأن لأرواح المشائخ تصرفات بعد الممات وأن ذلك لهم على سبيل الكرامات ، فإن هذا من أشنع الأقوال المكفرة ، وأضلها ، لمصادمة الكتاب المصدق ، ولما فيه من الشرك المحقق)!!


    فليهنأ الوهابية بتكفير مشايخهم!! والحكم عليهم بقول أبشع الأقوال المكفرة , وأضلها , ومصادمة الكتاب المصدّق , والوقوع في الشرك المحقق!!! مع أنّ القائلين بتصرف الأرواح جعلوا ذلك بإذن الله تعالى وعطائه لا بالاستقلال , فقد قال السيد أحمد الحموي الحنفي محشي "الأباه" في رسالته "نفحات القرب والاتصال":
    { وأما بعد مماتهم [يعني الأولياء] ، فتصرفهم إنما هو بإذن الله تعالى وإرادته ، لا شريك له خلقاً وإيجاداً ، أكرمهم الله به وأجراه على أيديهم وبسببهم خرقاً للعادة ، تارةً بإلهام ، وتارة بدعائهم ، وتارة بفعلهم و اختيارهم ، وتارة بغير اختيارهم ، وتارة بالتوسل بهم إلى الله تعالى في حياتهم وبعد مماتهم ، مما يمكن في القدرة الإلهية .
    ولا يقصد الناس -بسؤالهم ذلك منهم قبل الموت و بعده- نسبتَهم إلى الخلق والإيجاد والاستقلال بالأفعال ، فإن هذا لا يقصده مسلم ، ولا يخطر ببال أحد من العوام ، فضلاً عن غيرهم .فصرْفُ الكلام إليه و منْعُه ، من باب التلبيس في الدين ، وتشويش على عوام موحدين . وكيف يُحكم بالكفر على من اعتقد ثبوت التصرف لهم في حياتهم وبعد مماتهم ، حيث كان مرجع ذلك إلى قدرة الله تعالى خلقاً وإيجاداً ؟! كيف وكُتب جمهور المسلمين طافحة به ، وأنه جائز وواقع لا مرية فيه البتة ، حتى يكاد أن يلحق بالضروريات ، بل بالبديهيات ؟! وذلك لأن جميع كرامات هذه الأمة في حياتهم وبعد مماتهم تصرفاً أو غيره ، هي من جملة معجزات النبي -- الدالّة على نبوته وعموم رسالته الباقية بعد موته -- ، لا ينقطع دوامها ولا تجدّدها، بتجدّد الكرامات في كل عصر من الأعصار إلى يوم القيامة}.اهـ

    ونقل البرماوي رحمه الله تعالى في " الدلائل الواضحات في إثبات الكرامات في الحياة وبعد الممات " ممّن نصَّ على ثبوتها بعد الممات: شيخُ الإسلام ابن الشحنة الحنفي ، والشيخ عبد الباقي المقدسي في " السيوف الصقال " والشيخ أحمد الحنفي ، وعبارتهم كعبارة الشيخ أحمد الحموي .
    و زادوا : ( ولا يُنكرها إلا مخذول فاسد الإعتقاد في أولياء الله تعالى.)اهـ
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

صفحة 5 من 10 الأولىالأولى 123456789 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •