صفحة 4 من 10 الأولىالأولى 12345678 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 46 إلى 60 من 150

الموضوع: نقد الرؤية الوهابية للتوحيد وقسميه

  1. القيد الثاني من قيود العبادة:
    اعتقاد الإلهية في المخضوع له

    بيّن القرآن الكريم أنّ المشركين خضعوا لأصنامهم باعتقاد أنّها آلهة , وقد كانوا يصرحون بأنهم اتخذوها آلهة لهم , والخضوع لمخلوق باعتقاد أنه إله عبادة له , فقد قال تعالى عنهم : ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)) يس 74 .

    وأخبر القرآن الكريم أنّ المشركين اعتقدوا الألوهية في أصنامهم , فقال تعالى : ((أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)) الأنعام 19 .

    وأنهم استنكروا وحدانية الإله , قال تعالى : ((أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)) ص 5 .

    فهذه الآيات دالة على أنّ خضوع المشركين لأصنامهم كان باعتقادهم ألوهيتها
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  2. ب- العبادة بالمعنى الاسمي :


    إذا نظرنا إلى بعض الأفعال -كالسجود والطواف مثلا- وجدنا أنّها يمكن أن تقع على وجه العبادة ويمكن أن تقع على غير وجه العبادة , فليست أفعالًا متعبّدًا بها في كلّ حال , ولا يُعتبر أداؤها لغير الله تعالى عبادة له وشركًا بالله في كلّ حال , فقد سجد الملائكةُ لسيدنا آدم ولم يشركوا بالله تعالى , وسجودهم هذا لم يكن تعبّدًا لغير الله تعالى , فهناك قيدٌ يجعل هذا الفعل -الذي يصح أن يقع كعبادة- عبادةً أو غير عبادة , وهذا القيد يتّضح عند تَأمُّل بعض الأعمال المشتركة في الصورة مع اختلافها في الحكم , فقد يقوم الجندي بين يدي رئيسه ساعات وساعات امتثالاً لأمره وحبّاً له وتأدباً معه , لكنّ هذا القيام لا يعتبر عبادة للرئيس , ويقوم المصلي بين يدي ربّه بضعَ دقائق فيكون هذا القيام عبادة لله تعالى , وقد سجد الملائكة لسيدنا آدم عليه السلام لكنّ سجودهم لم يكن عبادة له , وقد سجد عبّاد الشمس للشمس فكان سجودهم عبادة لها , وقد يسجد المسجون بين يدي سجّانه ولا يكون سجوده عبادة , وقد يسجد قارئ القرآن سجود تلاوة ويكون سجوده عبادة , وقد يذبح المؤمن شاةً في عيد الأضحى فيكون ذبحه عبادة لله , وقد يذبح الوثني شاةً في عيدهم فيكون ذبحه عبادة للوثن , وقد يمسك رجل عن الطعام في رمضان من الفجر حتى المغرب فيكون إمساكه عبادة , وقد يمسك مريض عن الطعام من الفجر حتى المغرب استطباباً فلا يكون ذلك عبادة , وقد يستغيث ولدٌ بوالده في قضاء دينه ولا يكون فعله عبادة , وقد يستغيث هندكي بسيّده في قضاء دينه ويكون فعله عبادة , وقد يلوذ جندي بحجر كبير عند الخوف ولا يكون فعله عبادة , وقد يلوذ وثني بالصنم عند الخوف ويكون فعله عبادة , وقد يطوف المسلم حول الكعبة في الحج فيكون طوافه عبادة , وقد يطوف حول الكعبة باحثاً عن حاجة أضاعها ولا يكون طوافه عبادة , وقد يسعى المسلم بين الصفا والمروة في الحجّ فيكون سعيه عبادة , وقد يسعى بين الصفا والمروة لملاقاة شخص يعرفه ولا يكون سعيه عبادة , فهذه الأعمال متشابهة في الصورة والظاهر , فما الذي جعل بعضها عبادة لله تعالى وبعضها عبادة لغيره؟ وما الذي جعل بعضها عبادة وبعضها ليس عبادة؟

    من الواضح بأدنى تأمّل أنّ ما جعل سجود الملائكة لآدم تكريماً وجعل سجود الصابئة للشمس عبادة , هو اختلاف القصد والنيّة , فالملائكة لم تسجد لآدم بقصد التعبّد , بخلاف الصابئة الذين سجدوا للشمس بقصد عبادتها , وهذه "النية" هي ما فرّق بين جميع الأعمال السابقة المتشابهة ظاهراً في كون أحدها عبادة والآخر ليس عبادة , فوقوف الجندي أمام قائده ساعات ليس عبادةً لأنّه لم يقصد التعبّد , ووقوف هذا الجندي في الصلاة لبضع دقائق عبادةٌ لأنه قَصَدَ التعبّد , وإمساك الرجل عن الطعام في رمضان عبادة لأنه قصد بذلك التعبّد , وإمساك الرجل عن الطعام للاستطباب ليس عبادة لأنّه لم يقصد التعبّد , واستغاثة الولد بوالده ليعينه في قضاء دينه ليست عبادة لأنه لم يقصد التعبّد , واستغاثة الهندكي بسيّده في قضاء دينه عبادة لأنه قصد التعبّد , وهكذا ...

    ولذلك قال الشاطبي في الموافقات (3ج/7-9) :
    ( المسألة الأولى : إن الأعمال بالنيات والمقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات والأدلة على هذا المعنى لا تنحصر .
    ويكفيك منها أن المقاصد تفرق بين ما هو عادة وما هو عبادة ، وفي العبادات بين ما هو واجب وغير واجب ، وفي العادات بين الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحرم والصحيح والفاسد وغير ذلك من الأحكام ، والعمل الواحد يقصد به أمر فيكون عبادة ، ويقصد به شيء آخر فلا يكون كذلك ، بل يقصد به شيء فيكون إيمانا ، ويقصد به شيء آخر فيكون كفرا كالسجود لله أو للصنم .
    وأيضا فالعمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية ، وإذا عري عن القصد لم يتعلق به شيء منها كفعل النائم والغافل والمجنون . )

    فالقيد الذي يجعل الفعل عبادة هو ( نية التعبّد ) , فإذا خلا من هذا القيد فلا يعتبر عبادة , وهذا ما يمنع دخول أي فعل ليس بعبادة في تعريف العبادة , وقد نظمه بعضم عندما فرّق بين العبادة والقربة والطاعة بقوله (كما في حاشية البجيرمي على الخطيب) :

    وَطَاعَةٌ بِالِامْتِثَالِ كَالنَّظَرِ == وَقُرْبَةٌ مِنْ عَارِفِ رَبِّ الْبَشَرِ
    عِبَادَةٌ لِنِيَّةٍ مُفْتَقِرَهْ == حَقَائِقُ الثَّلَاثِ جَاءَتْ شُهْرَهْ

    فالطاعة هي مجرد امتثال الأمر , والقربة لا بد لمعرفة المتقرب إليه فيها , أمّا العبادة فلا بد لها من نيّة التعبد وإلا لم تكن عبادة , فكل فعل فيه تذلل بنيّة التعبّد فهو عبادة , أما إن خلا الفعل عن قصد التعبّد فلا يصح أن يطلق عليه أنّه عبادة .

    وتعريف العبادة عند كثير من العلماء يدلّ على ذلك , وإليك بعض أقوالهم :

    - قال العلامة الجمل في حاشيته :
    ( ( فَائِدَةٌ ) فِي شَرْحِ الْمُنْفَرِجَةِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ:
    الْعِبَادَةُ : مَا تُعُبِّدَ بِهِ بِشَرْطِ النِّيَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ , وَالْقُرْبَة : مَا تُقُرِّبَ بِهِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ , وَالطَّاعَةُ غَيْرُهُمَا ؛ لِأَنَّهَا امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ . قَالَ وَالطَّاعَةُ تُوجَدُ بِدُونِهِمَا فِي النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ , إذْ مَعْرِفَتُهُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالنَّظَرِ , وَالْقُرْبَةُ تُوجَدُ بِدُونِ الْعِبَادَةِ فِي الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ. انْتَهَى .
    وَوُجِدَ بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِهِ لِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْمَذْكُورِ مَا نَصُّهُ : فَظَهَرَ أَنَّ بَيْنَ الثَّلَاثِ تَبَايُنًا بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ ، وَأَمَّا بِحَسَبِ التَّحَقُّقِ فَبَيْنَ الطَّاعَةِ وَكُلٍّ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالْقُرْبَةِ عُمُومٌ مُطْلَقٌ , فَكُلُّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ أَوْ قُرْبَةٌ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ طَاعَةٌ وَلَا عَكْسَ , فَالطَّاعَةُ أَعَمُّ مِنْ الثَّلَاثَةِ , وَالْعِبَادَةُ أَخَصُّهَا , وَالْقُرْبَةُ أَعَمُّ مِنْ الْعِبَادَةِ وَأَخَصُّ مِنْ الطَّاعَةِ فَهِيَ أَوْسَطُهَا ا هـ فَتَدَبَّرْ ) .

    - وفي حاشية قليوبي وعميرة :
    (وَالطَّاعَةُ فِعْلُ الْمَأْمُورَاتِ وَلَوْ نَدْبًا وَتَرْكُ الْمَنْهِيَّاتِ وَلَوْ كَرَاهَةً ، وَأَخُصُّ مِنْهَا الْقُرْبَةَ لِاعْتِبَارِ مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ فِيهَا , وَالْعِبَادَةُ أَخَصُّ مِنْهُمَا مَعًا لِأَنَّهَا يُعْتَبَرُ فِيهَا النِّيَّةُ ) .

    - وفي حاشية العدوي :
    ([ قَوْلُهُ : عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ ، وَعَبَّرَ بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةٍ ، وَالطَّاعَةُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَأْمُورُ ، وَالْعِبَادَةُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ مَعَ مَعْرِفَةِ الْآمِرِ وَمَعَ النِّيَّةِ ) .

    - وفي شرح مختصر خليل :
    ( قَوْلُهُ : (مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ ) أَيْ الطَّاعَةِ الْمَنْدُوبَةِ بَلْ هُوَ أَفْضَلُ الطَّاعَاتِ لِتَعَدِّي نَفْعِهِ ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْعِ الْقَاصِرِ , خَلَا الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُطْلَبُ فِيهَا الرَّوَاتِبُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ , حَيْثُ قَالَ : يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُدِيمَ عَلَى الرَّوَاتِبِ , وَالطَّاعَةُ هِيَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ عَرَفَ الْمُطَاعُ أَوْ لَا كَالنَّظَرِ الْمُؤَدِّي لِمَعْرِفَتِهِ , وَالْقُرْبَةِ هِيَ مَا تَوَقَّفَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ , وَالْعِبَادَةِ مَا تَوَقَّفَ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ وَالنِّيَّة ) .

    - وقال ابن علان دليل الفالحين :
    ( أي زوجته ومستولدته (وأولاده المميزين) المراد منهم ما يشمل بناته المميزات والتذكير للتغليب وشرف الذكور (وسائر من في رعيته) من العبيد والإماء (بطاعة الله تعالى) أي امتثال أمره ونهيه وهي غير العبادة والقربة، والعبادة: ما تعبد به بشرط النية ومعرفة المعبود، والقربة: ما تقرّب به بشرط معرفة المتقرّب إليه، فالطاعة توجد بدونها في النظر المؤدي إلى معرفةالله، إذ معرفته إنما تحصل بتمام النظر، والقربة توجد بدون العبادة في القرب التي لا تحتاج إلى نية كالعتق والوقف، كذا في الأضواء البهجة)

    يتبيّن من نصوص العلماء السابقة أنه لا بد من التفريق بين "الفعل العبادي" مجرداً وبين "الفعل العبادي" بقصد التعبد , وأعني بالفعل العبادي ما يمكن أن تظهر فيه العبادة ويمكن أداؤه تقرباً إلى الله وصحّ أن يكون أداؤه عبادة , فأداء الفعل العبادي لغير الله -كالطواف مثلا- بقصدٍ آخر غير قصد التعبّد لا يكون شركاً , أما أداؤه بقصد التعبد لغير الله تعالى فيعتبر شركاً , ومن المعلوم أن أجلى الأفعال العبادية هو السجود , فمن سجد لغير الله تعالى دون قصد التعبّد فلا يعتبر مشركاً , كما في سجود الملائكة لسيدنا آدم عليه السلام , أمّا أداؤه لغيره تعالى بقصد التعبد فهو شرك وصرف للعبادة لغيره سبحانه , فالذي يجعل صرف الفعل لغير الله تعالى شركاً أو لا , هو نية التعبّد بهذا الفعل , وقد بيّنتُ سابقًا أنّ التعبّد هو الخضوع باعتقاد الألوهية أو شيء من خواص الربوبية في المخضوع له .

    فيتبيّن مما سبق أن الخضوع حتى يكون عبادة لا بد من ملازمته أحد القيود التالية :
    أولاً: الاعتقاد بشيء من خواص الربوبية .
    ثانياً: الاعتقاد بألوهية المخضوع له .
    ثالثاً: نية التعبّد .

    فإن خلا الخضوع من أحد هذه القيود لم يكن عبادة , وعلى هذا يمكن تعريف العبادة على أنّها :
    - الخضوع باعتقاد خواص الربوبية في المخضوع له , أو :
    - الخضوع باعتقاد الألوهية في المخضوع له , أو :
    - الخضوع بقصد التعبّد للمخضوع له .


    وفي الحقيقة أنني وجدت التعريف الأولَ والثالث يرجعان إلى التعريف الثاني..
    وذلك لأنّ التعريف الأول هو الخضوع باعتقاد ألوهية المخضوع له , فيُقال : إن كانت الألوهية هي كونه إلها , فما معنى الإله؟ فإن قيل أن معناه هو المعبود , فيُقال : ما هي العبادة حتى نعرف معنى المعبود؟ فنرجع إلى البحث عن معنى التعبّد أيضًا .
    والتعريف الثالث هو الخضوع بنية التعبد للمخضوع له , فيُقال : ما هو التعبّد المَنْوِي هذا؟ فنرجع إلى البحث عن معنى التعبّد!

    أي أن العبادة هي : الخضوع باعتقاد شيء من خصائص الربوبية في المخضوع له .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  3. كلمة نفيسة جامعة للإمام القضاعي حول معنى العبادة :

    قال العلامة المحقق الشيخ سلامة العزامي القضاعي في (فرقان القرآن) ص111-114 :
    ( إنّ الغلط في تفسير العبادة ، المزلقةُ الكبرى والمزلَّة العظمى ، التي أُستحِلت بها دماءُ لا تحصى ، وانتهكت بها أعراض لا تعد ، وتقاطعت فيها أرحام أمر اللّه بها أن توصل ، عياذاً باللّه من المزالق والفتن , ولاسيما فتن الشبهات.

    فاعلم أنّهم فسّروا العبادة بالاِتيان بأقصى غاية الخضوع ، و أرادوا بذلك المعنى اللغوي ، أمّا معناها الشرعي فهو أخصّ من هذا كما يظهر للمحقّق الصبّار على البحث , من استقراء مواردها في الشرع ، فإنّه الاِتيان بأقصى غاية الخضوع قلباً باعتقاد ربوبية المخضوع له ، فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعاً ، في كثير ولا قليل مهما كان المأتي به و لو سجوداً.
    ومثل اعتقاد الربوبية اعتقاد خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع والضرّ ، و كنفوذ المشيئة لا محالة ولو بطريق الشفاعة لعابده عند الربّ الّذي هو أكبر من هذا المعبود.

    و إنّما كفر المشركون بسجودهم لاَوثانهم و دعائهم إيّاهم وغيرهما من أنواع الخضوع لتحقّق هذا القيد فيهم ، وهو اعتقادهم ربوبية ما خضعوا له ، أو خاصة من خواصها كما سيأتيك تفصيله.

    ولا يصحّ أن يكون السجود لغير اللّه فضلاً عمّا دونه من أنواع الخضوع بدون هذا الاعتقاد، عبادة شرعاً -كسجود الملائكة لآدم- ، فإنّه حينئذٍ يكون كفراً وما هو كفر فلا يختلف باختلاف الشرائع ، ولا يأمر اللّه عزّ وجلّ به , ((قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ)) الاَعراف- 28 , ((وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْر)) الزمر-7 , وذلك ظاهر إن شاء اللّه .

    وها أنت ذا تسمع اللّه تعالى قد قال للملائكة: ((اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ ابلِْيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ )) البقرة-34 , وقال: ((أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ)) الاَعراف-12, وقال: ((ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلْقْتَ طِيناً)) الاِسراء-61 , والقول بأنّ آدم كان قبلة قول لا يرضاه التحقيق ويرفضه التدقيق في فهم الآيات كما ينبغي أن تفهم.

    فإن تعسّر عليك فهم هذا -وهو ليس بعسير إن شاء اللّه تعالى- ، فانظر إلى نفسك فانّه قد يقضي عليك أدبك مع أبيك واحترامك له أن لا تسمح لنفسك بالجلوس أو الاضطجاع بين يديه ، فتقف أو تقعد ساعة أو فوقها , و لا يكون ذلك منك عبادة له ، لماذا لاَنّه لم يقارن هذا الفعل منك اعتقاد شيء من خصائص الربوبية فيه , و تقف في الصلاة قدر الفاتحة وتجلس فيها قدر التشهد و هو قدر دقيقة أو دقيقتين فيكون ذلك منك عبادة لمن صلّيتَ له ، و سرّ ذلك هو أنّ هذا الخضوع الممثّل في قيامك و قعودك يقارنه اعتقادك الربوبية لمن خضعتَ له عزّوجل.

    وتدعو رئيسك في عمل من الاَعمال أو أميرك أن ينصرك على باغ عليك أو يغنيك من أزمة نزلت بك و أنت معتقد فيه انّه لا يستقل بجلب نفع أو دفع ضر، و لكن اللّه جعله سبباً في مجرى العادة يقضي على يديه من ذلك ما يشاء فضلاً منه سبحانه، فلا يكون ذلك منك عبادة لهذا المدعوّ، و أنت على ما وصفنا، فإن دعوتَه و أنت تعتقد فيه أنّه مستقل بالنفع، أو الضرّ، أو نافذ المشيئة مع اللّه لا محالة، كنت له بذلك الدعاء عابداً، و بهذه العبادة أشركته مع اللّه عزّوجلّ، لاَنّك قد اعتقدت فيه خصيصة من خصائص الربوبية، فانّالاستقلال بالجلب أو الدفع و نفوذ المشيئة لا محالة هو من خصائص الربوبية، والمشركون إنّما كفروا بسجودهم لاَصنامهم و نحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع، أو الضرّ ونفوذ مشيئتهم لامحالة مع اللّه تعالى، و لو على سبيل الشفاعة عنده، فانّهم يعتبرونه الربّ الاَكبر و لمعبوداتهم ربوبية دون ربوبيته، و بمقتضى ما لهم من الربوبية وجب لهم نفوذ المشيئة معه لا محالة.

    ويدل لما قلنا آيات كثيرة كقوله تعالى: ((أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُركُمْ مِنْ دُونِ الرَّحمنِ إِنِ الْكافِرونَ إِلاّ في غُرُورٍ)) الملك -20 , و قوله : ((أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لا هُمْ مِنْها يَصْحَبُونَ)) الاَنبياء-43, و الاستفهام في الآيتين إنكاري على سبيل التوبيخ لهم على ما اعتقدوه.

    وحكى اللّه عن قوم هود قولهم له (عليه السلام) : ((إِنْنَقُولُ إِلاّاعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ)) هود-54 , وقوله لهم: ((فَكِيدُوني جَميعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ*إِنّي تَوَكَلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ)) هود-55ـ56 .

    و كقوله تعالى موبخاً لهم يوم القيامة على ما اعتقدوه لها من الاستقلال بالنفع ووجوب نفوذ مشيئتها: ((أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ* مِنْ دُونِ اللّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ)) الشعراء-92ـ93 , وقولهم و هم في النار يختصمون يخاطبون من اعتقدوا فيهم الربوبية و خصائصها : ((تَاللّهِ إِنْكُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبينٍ* إِذْنُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمينَ)) الشعراء-97ـ98 , فانظر إلى هذه التسوية التي اعترفوا بها حيث يصدق الكذوب ، ويندم المجرم حين لا ينفعه ندم. فالتسوية المذكورة إن كانت في إثبات شيء من صفات الربوبية فهو المطلوب ، و من هذه الحيثية شركهم و كفرهم ، لاَن صفاته تعالى تجب لها الوحدانية بمعنى عدم وجود نظير لها في سواه عزّ وجلّ.
    وإن كانت التسوية في استحقاقها للعبادة فهو يستلزم اعتقاد الاشتراك فيما به الاستحقاق ، وهو صفات الاَُلوهية أو بعضها، و إن كانت في العبادة نفسها فهي لا تكون من العاقل إلاّلمن يعتقد استحقاقه لها كربّ العالمين ، تعالى اللّه عمّا يشركون.
    وكيف يُنفى عنهم اعتقاد الربوبية بآلهتهم وقد اتّخذوها أنداداً و أحبوها كحب ّاللّه كما قال تعالى فيهم: ((وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ)) البقرة-165 , و الاَنداد جمع "ند" وهو على ما قاله أهل التفسير واللغة: المثل المساوي ، فهذا ينادي عليهم أنّهم اعتقدوا فيها ضرباً من المساواة للحقّ تعالى عمّا يقولون) . اهـ .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  4. المبحث الثاني : مناقشة التعريفات الوهابية للعبادة


    التعريف الأول والثاني :


    يقول صالح آل الشيخ في التمهيد (الباب التاسع) :

    ( قال : وقوله : { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } [ الكوثر : 2 ] فأمر بالصلاة ، وأمر بالنحر ، وإذا أمر به فهو داخل في حد العبادة ؛ لأن العبادة : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة . فأمره - جل وعلا - بالصلاة دليل على أنها محبوبة لديه ، وأمره سبحانه بالنحر دليل على أنه محبوب له ، ومرضي ، فتكون الصلاة والنحر إذًا عبادة لله - جل وعلا - .
    وعلى التعريف الآخر .. إن العبادة هي : كل ما يتقرب به العبد إلى الله - جل وعلا - ممتثلا به الأمر والنهي . ويكون النحر عبادة أيضا ؛ لأنه يُعمل تقربا إلى الله - جل وعلا - بامتثال الأمر الوارد فيه ) .

    فللعبادة تعريفان في الكلام السابق :
    الأول : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة
    الثاني : كل ما يتقرب به العبد إلى الله - جل وعلا - ممتثلا به الأمر والنهي .

    لكن يَرِدُ على هذين التعريفين ما يلي :

    أولاً : أنّ هذين التعريفين لا ينطبقان على كلّ مصاديق العبادة ؛

    أ‌- )) فهناك أقوام يعبدون أصنامهم بالجلوس أمامها على هيئة التربع لساعات طوال دون حراك , وهناك من يعبد إلهه بالتلطخ ببوله والجلوس تحته! , وهناك من يعبد صنمه بالتدلي قبالته جاعلاً رأسه في الأسفل وقدميه في الأعلى , وكلّ هذه الأفعال عبادة , لكنّها لا يحبها الله ويرضاها , ولا تقرب إلى الله بامتثال أمره ونهيه!!

    ب‌- )) قد يعبد المسلم اللهَ تعالى بفعلٍ لم يرد في الشرع , فيكون فعله عبادة , لكنّها عبادةٌ فاسدة غير مقبولة لأنها بغير ما شرع .



    ثانياً : يريد الوهابية بهذين التعريفين أن ما صحّ أن يحبه ويرضاه الله أو أن يُتقرب به إليه بامتثال الأمر والنهي , إذا صرف لله تعالى فهو عبادة له , وإذا صُرف لغير الله تعالى فهو شرك بالله تعالى وعبادة لغيره , وهذا يرد عليه ما يلي :

    أ‌- )) هناك كثير من الأفعال التي يحبها الله ويرضاها وتُقرّب إليه , كإطعام الجائع وإماطة الأذى عن الطريق , لكنّها إذا أُديت لغير الله تعالى لا تكون شركاً بالله وعبادة لغيره , فقد يميط شخصٌ الأذى عن الطريق لا للتقرب إلى الله بل للتقرب من أحد المسؤولين , لكنّه مع ذلك لا يكون عابداً للمسؤول!
    ومن نظر إلى سجود المشرك للصنم فسيقول أنه عبادة لغير الله , لكنّ هذا المشرك إذا أطعم جائعاً من أجل أن يتقرب إلى أحد المسؤولين فلا نقول أنّه عبد غير الله تعالى !.

    ب‌- )) ورد في الشرع أنّ هناك بعض الأفعال التي يحبها الله ويرضاها , أدّيت لغير الله تعالى لكنّها لم تكن شركاً , فإن السجود ممّا يُحبّه الله ويرضاه ويقرب إليه إذا فعل له , لكنّ الملائكة سجدت لسيدنا آدم –عليه السلام- ولم تكن مشركة بذلك!! , وسجد إخوة سيدنا يوسف له – عليه السلام- ولم يشركوا أيضاً .

    ج- )) من المعلوم أنّ سؤال المؤمن ربّه تعالى عبادة , فقد يَسألُ المؤمنُ اللهَ تعالى أمراً ممّا يستطيع البشر التسبب فيه فيكون سؤاله عبادة , فقد قالت أم المؤمنين السيدة عائشة –رضي الله عنها- " (سلوا الله كل شيء حتى شسع النعل) , لكنّ هذا الشخص قد يَطلبُ نفس الطلب الذي دعا الله به من شخص آخر ولا يكون عابداً له!!

    فالقيود التي وضعوها للعبادة في التعريفين السابقين , تصلح قيوداً للعبادة بالمعنى الأعم وهو الطاعة والقربة , لا بالمعنى الأخص الذي إذا أُدّيَ لغير الله تعالى كان شركاً , فإن العبادة بالمعنى الأعم ما يقع صحيحاً دون قصد التقرب إلى الله تعالى.. لكن لا يثاب عليه إلا إذا قصد به وجه الله , كالزواج والطلاق والبيع والشراء والإنفاق على الأبناء وعيادة المرضى وإتقان العمل , فهذا أداؤه لغير الله تعالى ليس شركاً , والعبادة بالمعنى الأخص هي الخضوع الذي يحصل به الثواب وكان بقصد التعبّد , ولا يقع صحيحاً إلا بنية التعبد , فمن أدّى العبادة بهذا المعنى لغير الله تعالى فقد أشرك , فترى أن القوم لم يفرقوا بين العبادة بالمعنى الأعم وهي القربة والطاعة , وبين العبادة بالمعنى الأخص وهي التذلل بقصد التعبّد .

    ثم إنّهم لم يفرقوا بين أداء الفعل -كالطواف مثلا- بنيّّة التعبد وأدائه بغير تلك النيّة , وجعلوا أداء أي منهما لغير الله تعالى شركاً , فلم يراعوا القيد المهمّ في تعريف العبادة وهو : (قصد التعبّد بذلك الفعل) , فمدار الأعمال على نياتها , فيكون الطواف والسجود شركاً إذا فُعل لغير الله تعالى بقصد التعبد , ولا يكون شركاً إذا لم يقصد به التعبد , فسجود الخادم للملك بقصد التعبد يعتبر شركاً , وسجود إخوة سيدنا يوسف وأبويه له بغير قصد التعبد لا يعتبر شركاً , مع أن السجود له نفس الصورة في كلا الحالين .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  5. التعريف الثالث :


    العبادة : هي الحب مع الذل ؛ فكل من ذللت له وأطعته وأحببته دون الله فأنت عابد له. (مدارج السالكين 2/182)

    وهذا التعريف منقوض بكثير من الأفعال التذللية التي يؤديها المسلم لغير الله تعالى مع حبّه إياه , فقد أمَرَنا الشرعُ بالتذلل للنبي –صلى الله عليه وسلم- وتوقيره وحبّه , وأمَرَنا بالتذلل للمؤمنين وحبّهم , وأمَرَنا بالتذلل للوالدين مع حبّهم , أفيكون الشرع آمراً بعبادة غير الله تعالى؟!!

    إذن , هذا تعريف ليس بجامع ولا مانع .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  6. التعريف الرابع :



    العبادة تجمع أصلين : غاية الحب بغاية الذل والخضوع , والعرب تقول: طريق معبد أي مذلل، والتعبد التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له لم تكن عابدا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدا له حتى تكون محبا خاضعا. (مدارج السالكين 1/74) .

    وهذا التعريف منقوض بكثير من عبادات المسلمين , بل عبادات أكثر المسلمين , فإن غاية الخضوع مع غاية الذلّ مرتبة لا يصلها إلا الأنبياء وخُلّص الأولياء! وعبادات أكثر المسلمين لا تشتمل على غاية الذل والخضوع , وقد لا تشتمل على غاية الحب , فقد ثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال فيما رواه أحمد وغيره : (إن العبد ليصلي الصلاة ما يُكتب له منها إلا عشرها ، تسعها ، ثمنها ، سبعها ، سدسها ، خمسها ، ربعها ، ثلثها ، نصفها!!) .

    فهل جميع عبادات المسلمين التي لم تصل إلى الغاية في الخضوع أو الحب , خارجة عن حدّ العبادة؟!

    وكذلك كثيرٌ من المشركين يعبدون آلهتهم دون أن تكون عبادتهم مشتملة على غاية الحب أو غاية الخضوع , ومع ذلك فهي عبادة!

    ومعلوم أنّ غاية الحبّ وغاية الخضوع لا تكون إلا باعتقاد الربوبية والألوهية في المخضوع له , فلا يكون الفعل حينئذ عبادة إلا بذلك الاعتقاد , والوهابية أنفسهم لا يقولون بذلك!! , بل يرون أنّ بعض مظاهر الخضوع عبادة بقطع النظر عن الاعتقاد والنية .

    فهذا أيضاً تعريفٌ غير جامع لمصاديق العبادة .


    وسأبين الآن بعض الأعمال التي قام الوهابية بتكفير الأمة عليها , أو جعلوها وسيلة إلى الشرك , بناء على فهمهم الباطل لأقسام التوحيد وحقيقة العبادة , فتوهموا أن تلك الأفعال عبادة ذاتية لا تختلف باختلاف نية فاعلها واعتقاده , بل جعلوا مجرّد أدائها لغير الله تعالى عبادة له .



    تنبيه :
    كلّ حديث صحّحه المتقدمون من الأئمة والمحدّثين فهو عندنا صحيح , خصوصاً إذا قال بصحّته أكثر من واحد من الأئمة المتقدمين , وكذلك الأمر في التضعيف , وإذا خالف حكم بعض المعاصرين لكلام الأئمة السابقين فليس لقوله قيمة ولا اعتبار , بل هو في حكم العدم , فقد كثرُ الجهل وعمّ الهوى على كثير من المتصدّرين للحكم على الحديث في هذا الزمان , فتراهم يصححون ما ضعّفه أئمة الحديث وصيارفته ويضعّفون ما صححوه , فلهذا لا يهمّنا حكم المعاصرين إذا خالف أحكام الأئمة المتقدمين , إلا أن يكون الخلاف قائمًا بين المتقدمين أصلًا .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  7. الفصل الثاني :
    أفعالٌ خضوعيّة يُتَوَهّم أنّها عبادةٌ في كلّ حال


    المبحث الأول : السجود


    لقد تبيّن بجلاء مما سبق معنى العبادة الاصطلاحية , والتي من أدّاها لغير الله تعالى أشرك وكفر , ومن أدّاها لله تعالى كان عابداً له , وقد اختلط الأمر على الوهابية في بعض الأفعال , فعدّوا أداءها لغير الله تعالى عبادة بغض النظر عن اعتقاد ونية فاعلها , وبما أنّ هذه الأفعال قد صدرت من بعض المسلمين , فقد قام الوهابية بتكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم ونسائهم , بل وتكفير من لم يكفّرهم!! , ومن هذه الأعمال السجود , وقد بدأتٌُ بالسجود لكونه أوضح وأجلى الأفعال الخضوعية , فقد قام بعض الجهلة من المسلمين –على قلّتهم- ببدعة السجود للعلماء أو لقبر النبي –صلى الله عليه وسلم- أو قبور الأولياء بقصد التحية والتكريم , ودون اعتقاد شيء من خواص الربوبية في غير الله تعالى , ولم يقل أحدٌ من المسلمين بأنّ سجودَهم كفرٌ يخرجهم من دين الإسلام , مع القطع بكون ذلك بدعة في الدين , لكنّ الوهابية يرون أنّ السجود لمخلوق سواءً كان سجودَ عبادة أو سجود تكريم وتحيّةٍ إنما هو شركٌ أكبر , فمن سجد سجودَ تحية لولي أو نبي عند قبره فقد أشرك , قال ابن عثيمين في فتاويه (24/224) :
    (ومن ذهب إلى قبر فسجد لصاحب القبر فهو مشرك سجد لغير الله ، والسجود لا يكون إلا لله عز وجل ) .

    ومن المعلوم أنّ السجود هو أجلى ألفعال في كونه تذللًا وخضوعًا , وهو أجلى من الدعاء ذلك , فإن الدعاء يحصل منا يومياً , ولا يمر يوم إلا ويستغيث بعض الناس ببعض في حاجاتهم بخلاف السجود , والدعاء قد يكون من الأعلى لمن هو أدنى منه كدعاء الملك خادمه , أما السجود فلا يكون إلا من الأدنى إلى الأعلى , والدعاء قد يقع دون تذلل وخضوع , أمّا السجود فلا ينفك عن الخضوع والتذلل , فلذلك يعتبر السجود أبرز عمل يصح أن يقع على وجه العبادة , فهل كلّ سجود يعتبر شركاً ؟

    إذا ثبت أن السجود لا يكون شركاً إلا بقيد من القيود , فمن باب أولى أن تكون غيره من الأعمال العبادية ليست شركاً دون ذلك القيد , فهو أوضح الأفعال التذلّلية وأجلاها .

    قد بينتُ سابقاً أنّ الخضوع لا يكون شركاً إلا إذا قُصِد به التعبد , أو اعتُقِد في المخلوق أحد خواص الربوبية والألوهية , والسجودُ داخلٌ في هذه الأعمال الخضوعية , فالسجود إذا أُدّي لغير الله تعالى على سبيل التعبّد والتعظيم كتعظيم الله , أو باعتقاد الألوهية أو شيء من خواصّ الربوبية كان شركًا , لأنه داخلٌ في حدّ العبادة بالمعنى الأخص , أمّا إذا أدّي لغير الله تعالى على سبيل التحية والتكريم -لا بقصد التعبد- فلا يعتبر شركاً , وهذا النوع من السجود قد كان مشروعاً في شرع من قبلنا , لكنّه نُسِخ في شريعتنا المباركة , فمن قام بالسجود لغير الله تعالى تكريماً له فقد وقع في محرّم , ولا يقال أنّه أشرك , ولا يُقال عمّن لم يحكم بشركه أنه مشرك أيضاً , بحجّة أنّ من لم يكفّر الكافر فهو كافر!!

    * أمّا كون السجود لغير الله تعالى بقصد التعبّد شركاً , فهذا مما يوافقنا فيه الوهابية , فلا أحد ينكر أنّ من قام به أشرك مع الله تعالى في العبادة .

    وأمّا كون السجود لغير الله تعالى دون قصد التعبّد ليس شركاً في شرع من قبلنا , فهذا يدلّ عليه السجود لأبينا آدم –عليه السلام- , وسجود إخوة سيدنا يوسف وأبويه له .
    قال ابن كثير في تفسيره :
    ( وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام، كما قال تعالى: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } [ يوسف : 100] وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا، قال معاذ : قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك، فقال: "لا لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" ورجحه الرازي، وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال: { أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } [الإسراء: 78 ] وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله، عز وجل؛ لأنها امتثال لأمره تعالى، وقد قواه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين وهما كونه جعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف، والآخر: أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض , وهو ضعيف كما قال ) .

    * وأمّا كون السجود قد نُسِخ في شريعتنا , فقد جاءت نصوص كثيرة تدل على حرمته , وعليه فمن قام بالسجود لعالمٍ أو حاكمٍ أو قبرٍ أو زوجٍ فقد ارتكب أمراً محرماً من الكبائر , لكنّ هذه الحرمة ليست ناتجة عن كونه عبادةً , بل لأن النص جاء بتحريم السجود للمخلوق , ومما يدل على ذلك :

    ما رواه الإمام أحمد في المسند (19623) , وابن ماجة في السنن (1853) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ : لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- , قَالَ: (مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟) , قَالَ: أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- : ( فَلَا تَفْعَلُوا فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا ..) .

    ومعلوم أنّ سيدنا معاذاً من كبار علماء الصحابة –رضوان الله عليهم أجمعين- وهو عالم بحدود العبادة والشرك ومعيار كل منهما , فلا يُتصوّر أنّه كان جاهلاً بحقيقة العبادة وأنّ صَرْفَها لغير الله تعالى شرك , إلا أنّه سجد للنبي – صلى الله عليه وسلم- تكريماً له , فلم يقل له النبي – صلى الله عليه وسلم- أن يجدّد إسلامه أو أنّ فعله شرك بالله , بل نهاه عن هذا الفعل بما يدلّ على حرمته فقط .

    وما رواه الإمام أبو داود في سننه (2140) والإمام أحمد في مسنده (24515) وغيرهما , عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ , فَقُلْتُ: رَسُولُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ , قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ –ص- وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ , فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ , قَالَ: (أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أَكُنْتَ تَسْجُدُ لَهُ؟) , قَالَ: قُلْتُ لَا , قَالَ: ( فَلَا تَفْعَلُوا لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحَقِّ ) .

    * وقد عدّ الأئمة من المذاهب الأربعة سجود التحية من الكبائر وجعلوه كفراً صورياً , لكنّهم لم يقولوا بتكفير الساجد للمخلوق كفراً أكبر يخرجه من الملّة كما فعل الوهابية , وعلماءُ المذاهب الأربعة ذهبوا إلى تكفير الساجد للصنم أو الشمس لكونه أمارة من أمارات الشرك لا لكونه عبادة لذاته , إذ السجود لشيء قد عُبِدَ من دون الله دلالةٌ كافيةٌ على كفر الساجد , ولو كان السجود عبادةً ذاتيةً ما حلّ في شريعة أبداً , فلو سجد شخص للصنم أو للشمس كَفَر لكونه فعل فعلاً يدل على اعتقاد إلهيتها , فإنّ اتخاذَ الصنم والشمس آلهة منتشر بين المشركين , وسجودهم لها ناتج عن اعتقادهم بإلهيتها .

    وإليك بعض نصوص الأئمة في ذلك :

    - جاء في الفتاوى الهندية :
    (مَنْ سَجَدَ لِلسُّلْطَانِ عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ أَوْ قَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يَكْفُرُ , وَلَكِنْ يَأْثَمُ لِارْتِكَابِهِ الْكَبِيرَةَ , هُوَ الْمُخْتَارُ ) .

    - وجاء في الخادمي على الدرر :
    ( تقبيل الأرض والانحناء ليس بجائز بل محرم ) .


    - وقال الإمام ابن الشاط المالكي في إدرار الشروق :
    ( الساجد للشجرة والساجد للوالد إن سجد كل واحد منهما مع اعتقاد أن المسجود له شريك الله تعالى فهو كفر ، وإن سجد لا مع ذلك الاعتقاد بل تعظيما عاريا عن ذلك الاعتقاد فهو معصية لا كفر ، وإن سجد الساجد للشجرة مع اعتقاد أنه شريك لله تعالى وسجد الساجد للوالد لا مع ذلك الاعتقاد بل تعظيما فالأول كفر والثاني معصية غير كفر أو بالعكس إلا أن نقول أن مجرد السجود للشجرة كفر لأنها قد عبدت مدة ، ومجرد السجود للوالد ليس بكفر ؛ لأنه لم يعبد مدة فيفتقر ذلك إلى توقيف ) .

    - وقال الإمام محمد بن حسين المكّي المالكي في تهذيب فروق القرافي:
    ( إن السّجود للشجرة إنما اقتضى الكفر دون السجود للوالد , لأن فيه من المفسدة التي نعلمها ما يقتضي الكفر دون السجود للوالد , لأنّ الشجرة ليست من المقصود بالتعظيم شرعًا , وقد عبدت مدّة , بخلاف الوالد فإنه من المقصود بالتعظيم شرعًا , ولم يعبد مدّة , وقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا ولم يكن قبلة على أحد القولين , بل هو المقصود بذلك التعظيم بذلك السجود , ولم يقل أحد أنّ الله تعالى أمر هنالك بما نهى عنه من الكفر , ولا أنّه أباح الكفر لأجل آدم , ولا أنّ في السجود لآدم مفسدة تقتضي كفرًا لو فعل من أمر غير ربّه , فافهم) .


    - وقال الإمام النووي الشافعي في روضة الطالبين :
    ( قلت: وسواء في هذا الخلاف في تحريم السجدة ما يفعل بعد صلاة وغيره , وليس من هذا ما يفعله كثيرون من الجهلة الضالين من السجود بين يدي المشايخ فإن ذلك حرام قطعًا بكل حال سواء كان إلى القبلة أو غيرها وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل , وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر عافانا الله تعالى والله أعلم ) .

    - وفي حواشي الشرواني :
    (ومما يحرم ما يفعله كثير من الجهلة من السجود بين يدي المشايخ ولو إلى القبلة أو قصده لله تعالى , وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر عافانا الله تعالى من ذلك ) .

    - وفي فتح المعين :
    (وسجود الجهلة بين يدي مشايخهم حرام اتفاقا) .

    - وجاء في حاشية البجيرمي على الخطيب :
    ( قالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ : وَمَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْفُقَرَاءِ وَشَبَهُهُمْ مِنْ سُجُودِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَوْ بِطَهَارَةٍ وَتَوَجُّهٍ إلَى الْقِبْلَةِ ، وَقَدْ يُتَخَيَّلُ أَنَّ ذَلِكَ تَوَاضُعٌ وَتَقَرُّبٌ وَكَسْرُ نَفْسٍ وَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ ، فَكَيْفَ يُتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ بِمَا حَرَّمَهُ؟! ....
    وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : هَذَا السُّجُودُ مِنْ عَظَائِمِ الذُّنُوبِ ، وَيُخْشَى أَنْ يَكُونَ كُفْرًا , وَمِثْلُهُ بُلُوغُ حَدِّ الرُّكُوعِ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ .
    وَإِنَّمَا قَالَ وَيُخْشَى إلَخْ , وَلَمْ يَجْعَلْهُ كُفْرًا حَقِيقَةً ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ السُّجُودِ بَيْنَ يَدِي الْمَشَايِخِ لَا يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الشَّيْخِ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعْبُودًا ، وَالْكُفْرُ إنَّمَا يَكُونُ إذَا قَصَدَ ذَلِكَ كَمَا فِي "ع ش" عَلَى "م ر" ) .


    - وفي مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى في الفقه الحنبلي :
    ( ( أَوْ سَجَدَ لِصَنَمٍ أَوْ كَوْكَبٍ ) كَشَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ ؛ كَفَرَ ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
    ( وَيَتَّجِهُ السُّجُودُ لِلْحُكَّامِ وَالْمَوْتَى بِقَصْدِ الْعِبَادَة كَفْرٌ ) قَوْلًا وَاحِدًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ (وَالتَّحِيَّةُ ) لِمَخْلُوقٍ بِالسُّجُودِ لَهُ (كَبِيرَةٌ ) مِنْ الْكَبَائِرِ الْعِظَامِ ، وَالسُّجُودُ لِمَخْلُوقٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ ( مَعَ الْإِطْلَاقِ ) الْعَارِي عَنْ كَوْنِهِ لِخَالِقٍ أَوْ مِخْلَاقٍ (أَكْبَرُ إثْمًا وَأَعْظَمُ جُرْمًا إذْ السُّجُودُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ ) ) .

    وقال أيضاً :
    (( وَيَتَّجِهُ ) أَنَّ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ الْعِظَامِ ، سَوَاءٌ كَانَ لِجَامِدٍ أَوْ مُتَحَرِّكٍ وَلَوْ بِنِيَّةِ التَّهَكُّمِ - وَيُسْتَتَابُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ( غَيْرَ نَحْوِ صَنَمٍ وَكَوْكَبٍ ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ السَّيَّارَةِ أَوْ الثَّوَابِتِ ، فَإِنَّ السُّجُودَ لِذَلِكَ كُفْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ) .

    - وجاء في الإقناع :
    ( ومما يحرم ما يفعله كثير من الجهلة من السجود بين يدي المشايخ ولو إلى القبلة ، أو قصده لله تعالى , وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر )


    - وقال الإمام الذهبي في كتابه معجم الشيوخ (1/73) :
    ( ألا ترى الصحابة من فرط حبهم للنبي –صلى الله عليه وسلم- قالوا: ألا نسجد لك؟ فقال: لا، فلو أذن لهم لسجدوا سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة كما سجد إخوة يوسف عليه السلام ليوسف، وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلا بل يكون عاصيا. فليعرف أن هذا منهي عنه وكذلك الصلاة إلى القبر ) .

    - وقال في سير أعلام النبلاء في ترجمة الحسن ابن سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 4 / 483) :
    ( فمن وقف عند الحجرة المقدسة ذليلا مسلما مصليا على نبيه فيا طوبى له فقد أحسن الزيارة وأجمل في التذلل والحب , وقد أتى بعبادة زائدة على من صلى عليه في أرضه أو في صلاته , إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه , والمصلي عليه في سائر البلاد له أجر الصلاة فقط , فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليه عشرا , ولكن من زاره صلوات الله عليه وأساء أدب الزيارة أو سجد للقبر أو فعل ما لايشرع فهذا فعل حسنا وسيئا , فيعلم برفق والله غفور رحيم , فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم والصياح وتقبيل الجدران وكثرة البكاء إلا وهو محب لله ولرسوله , فحبه المعيار والفارق بين أهل الجنة وأهل النار , فزيارة قبره من أفضل القرب وشد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء , لئن سلمنا أنه غير مأذون فيه لعموم قوله صلوات الله عليه : ((لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) فشد الرحال إلى نبينا صلى الله عليه وسلم مستلزم لشد الرحل إلى مسجده , وذلك مشروع بلا نزاع , إذ لا وصول إلى حجرته إلا بعد الدخول إلى مسجده , فليبدأ بتحية المسجد ثم بتحية صاحب المسجد , رزقنا الله وإياكم ذلك آمين)


    - وقال الإمام الشوكاني في السيل الجرار :
    ( اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار... فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشر لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى ملة الكفر. وأما قوله : "ومنها السجود لغير الله" فلا بد من تقييده بأن يكون سجوده هذا قاصداً لربوبية من سجد له، فإنه بهذا السجود قد أشرك بالله عز وجل وأثبت معه إلهاً آخر، وأما إذا لم يقصد إلا مجرد التعظيم كما يقع كثيراً لمن دخل على ملوك الأعاجم أنه يقبل الأرض تعظيماً له، فليس هذا من الكفر في شيء، وقد علم كل من كان من الأعلام أن التكفير بالإلزام من أعظم مزالق الأقدام فمن أراد المخاطرة بدينه فعلى نفسه جنى ) .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  8. المبحث الثاني : الطواف


    ومما يُلحق بالسجود الطواف , فإن الطواف فعل خضوعي يصح أن يكون مظهرًا للعبادة , ولا يكون عبادة وصرفه للمخلوق شركاً إلا إذا قصد الطائف التعبّد , أو اعتقد في المخلوق شيئاً من خصائص الربوبية والإلهية , فمن طاف بقبر نبي أو ولي بقصد ((التعبّد للنبي أو الولي)) أو ((باعتقاد صفة من صفات الربوبية أو الألوهية)) فقد أشرك وكفر كفراً أكبر , ومن طاف بقبر نبي أو ولي وقصد ((التعبد لله تعالى)) دون أن يقصد التعبد للميت ودون أن يعتقد فيه شيئاً من خصائص الربوبية , بل من باب التحية والتكريم , فقد ابتدع ولا يقال أشرك , لأنّ الطواف لم يثبت إلا حول الكعبة , فمن قاس غير الكعبة عليها فليس له دليل على ذلك , وبالتالي فقد ابتدع أمراً ليس له أصل في الشريعة الغراء , وبهذا حكم الأئمة الفقهاء :


    - قال الملا علي القاري الحنفي :
    (( "لا يطوف" أي لا يدور حول البقعة الشريفة , لأن الطواف من مختصات الكعبة المنيفة , فيحرم حول قبور الأنبياء والأولياء , ولا عبرة بما يفعله الجهال ولو كانوا في صورة المشائخ والعلماء )) .


    وجاء في "الفتاوى العزيزية" للإمام عبد العزيز الدهلوي الحنفي ما نصه :
    (( السؤال : هل يُكفر من يطوف بالقبور أم لا ؟
    الجواب : إن الطواف بقبور الصلحاء والأولياء بدعة بلا شبهة , لأنه لم يكن في الزمان السابق , إلا أنه اختلف فيه هل هو حرام أم مباح؟ فذكر البعض في كتب الفقه أنه مباح , والحق أنه لا يباح ؛ لأنه يلزم فيه مشابهة الكفّار فإنهم يطوفون بالأصنام , وأيضاً إن الطواف لم يعهد في الشرع إلا للكعبة , فتشبيه قبر صالح بها غير مستحسن , لكن القول بكفر من يعمله وإخراجه من دائرة الإسلام شنيع وقبيح جداً , وكذلك التكفير في حق المكفر قبيح جداً , فقط ).


    - وقال القاضي ثناء الله الباني بتي الحنفي "ما لا بدّ منه ص100" عن الطواف بالكعبة :
    (( ولا يجوز إلى غير الكعبة)).


    - قال ابن الحاج المدخل (1/256) :
    (( فترى من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة ويتمسح به ويقبله ويلقون عليه مناديلهم وثيابهم يقصدون به التبرك، وذلك كله من البدع ))

    - وجاء في كشاف القناع :
    ( ( وَيُكْرَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَهُ ) أَيْ الْقَبْرِ ( وَتَجْصِيصُهُ وَتَزْوِيقُهُ ، وَتَخْلِيقُهُ وَتَقْبِيلُهُ وَالطَّوَافُ بِهِ وَتَبْخِيرُهُ وَكِتَابَةُ الرِّقَاعِ إلَيْهِ ، وَدَسِّهَا فِي الْأَنْقَابِ وَالِاسْتِشْفَاءُ بِالتُّرْبَةِ مِنْ الْأَسْقَامِ ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ )).


    وقال النووي في المجموع (8/258) :
    (( ولا يجوز أن يطاف بقبره صلى الله عليه وسلم، ويكره إلصاق الظهر والبطن بجدار القبر. قاله أبو عبد الله الحليمي وغيره، قالوا: ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما كان يبعد منه لو حضره في حياته، هذا هو الصواب الذي قاله العلماء واطبقوا عليه، ولا يغتر بكثرة مخالفة كثيرين من العوام وفعلهم ذلك، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بالأحاديث الصحيحة وأقوال العلماء، ولا يلتفت إلى محدثات العوام وغيرهم وجهالاتهم ))


    - وقال ابن حجر الهيتمي في الزواجر (1/120) :
    (( الْكَبِيرَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالتِّسْعُونَ : اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ ، وَإِيقَادُ السُّرُجِ عَلَيْهَا ، وَاِتِّخَاذُهَا أَوْثَانًا ، وَالطَّوَافُ بِهَا ، وَاسْتِلَامُهَا ، وَالصَّلَاةُ إلَيْهَا ))


    - وقال السيوطي في "الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع" :
    (( ومن البدع أيضاً: أكل العوام التمر الصيحاني في الروضة الشريفة بين المنبر والقبر، وطوافهم بالقبر الشريف ، ولا يحل ذلك , وكذلك إلصاقهم بطونهم وظهورهم بجدار القبر، وتقبيلهم إياه بالصندوق الذي عند رأس النبي –صلى الله عليه وسلم- ومسحه باليد , وكل ذلك منهي عنه))


    وقال ابن جماعة في المناسك على المذاهب الأربعة (ص/106):
    (( وليحذر مما يفعله جهلة العوام من الطواف بقبره صلى الله عليه وسلم..فإن ذلك من المنكرات ))


    قال الإمام أبو شامة المقدسي في الباعث في إنكار البدع والحوادث (ص/282، 283) :
    (( قال ابن الصلاح: ولا يجوز أن يطاف بالقبر، وحكى الإمام الحليمي عن بعض أهل العلم: أنه نهى عن إلصاق البطن والظهر بجدار القبر ومسحه باليد، وذكر أن ذلك من البدع ))



    يتبع مبحث الاستغاثة بغير الله تعالى , وهو مبحث طويل
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  9. فتوى وهابية... لكنها على طريقة أهل السنّة :

    من المعلوم أنّ الوهابية يحكمون بالشرك على من سجد لوالده , أو سجد أو طاف بقبر ولي أو نبي , غير مراعين النية من ذلك الفعل ولا مفرّقين بين سجود التكريم وسجود العبادة , فكلّ سجود وطواف عندهم عبادة ومن صرفه لغير الله تعالى فقد أشرك , وهذا ما عليه قدماء الوهابية باتفاق , وقد سئل صالح الفوزان من مشايخ الوهابية (شرح قاعدة جليلة في التوسل -الدرس 14) :

    ( السجود عند الصنم والقبر، والذبح عند الصنم والقبر كذلك، هل يكفر صاحبه أم لابد أن يُنظر هل هو ذبح للصنم وسجد للصنم أو ذبح لله وسجد لله عند ذلك؟
    الجواب: هذه سفسطة وحذلقة لا تجوز، من ذبح عند القبر فهو مشرك، ومن سجد عند القبر فهو مشرك، ولا علينا من هل نوى ما نوى ، كل هذه سفسطة ) .


    إلا أنني وجدتُ فتوى لابن باز خالف فيها الأصول الوهابية وسار على طريقة الفقهاء وأهل السنّة , حيث راعى النيّة من الفعل هل هي لعبادة الله تعالى أم لعبادة النبي أو الولي , فجاء في فتاوى نور على الدرب (1/218) :

    ( -السؤال- :كنت جالساً مع إخوة لي من أبناء وطني من صعيد مصر، فقالوا لي: يوجد عندنا مقام لأبي الحسن الشاذلي، من طاف به سبعة أشواط كانت له عمرة، ومن طاف به عشر مرات كانت له حجة، ولا يلزمه الذهاب إلى مكة، فقلت لهم هذا الفعل كفرٌ بل شرك نعوذ بالله، فهل أنا مصيب، وبماذا تنصحون من ينخدع بذلك؟
    -الجواب- : نعم قد أحسنت, لا يجوز الطواف بقبور الناس لا بقبور أبي الحسن الشاذلي, ولا بقبر البدوي, ولا بقبر الحسين, ولا الست زينت, ولا الست نفيسة ولا غيره, الطواف يكون بالكعبة خاصة, لا يجوز الطواف بغير الكعبة أبداً , فإذا طاف بقبر أبي الحسن الشاذلي أو مقامه يتقرب إليه بالطواف صار شركاً أكبر, وليس يقوم مقام حجة ولا مقام عمرة بل هو كفر وضلال ومنكر عظيم وفيه إثم عظيم؛ فإن كان طاف يحسب أنه مشروع ويطوف لله لا لأجل أبي الحسن هذا يكون بدعة ومنكرًا, وإذا كان طوافه من أجل أبي الحسن من أجل التقرب إليه هو شرك أكبر نعوذ بالله...) .

    وهذا رجوع عن طريقة الوهابية إلى طريقة أهل السنّة , حيث فرّق بين الطواف بالقبر بنيّة التقرب إلى الله تعالى وعدّه بدعة , وبين الطواف بنيّة التقرب إلى الولي وعدّه شركًا أكبر , وهذا موافق لما سبق نقله عن الفقهاء , لكنّ مثل هذه الفتوى -وللأسف- لم تلق قبولًا عند الجمهور الوهابي .


    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  10. المبحث الثالث : الاستغاثة والطلب من المخلوق

    المطلب الأول : الاستغاثة ليست عبادة في كل حال

    إن مسألة الطلب والاستغاثة من أكبر المسائل التي كفّر بها الوهابية بعض المسلمين , وادّعوا وقوع الكثيرين في الشرك بسبب دعائهم غيرَ الله تعالى , مستدلّين على ذلك بقولهم أنّ الدعاء عبادة , ودعاء غير الله تعالى عبادة له , فقد قال الله تعالى : ((وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً)) , وقال تعالى : ((ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك)) , وغيرها من الآيات التي تنهى عن دعاء غير الله تعالى وتبين أنّه السبب في شرك المشركين , فالمشركون لم يعتقدوا الربوبية في أصنامهم , ولم يعتقدوا بأنها تنفع وتضر وتعز وتذل , فلذلك كان مجرّد الطلب من هذه الأصنام عبادة لغير الله تعالى! , وبه أشرك المشركون , هذا ما يراه الوهابيون .

    وقد أبطلتُ فيما مضى كون المشركين موحّدين في الربوبية , وأثبتتُ أنّهم ما عبدوا أصنامهم إلا لاعتقادهم الربوبية فيها وأنّها مستحقة للعبودية , وبيّنت أيضاً أنّ الخضوع لا يكون أداؤه لغير الله تعالى شركاً إلا إذا فُعل بقصد التعبّد أو باعتقاد خواص الربوبية أو الألوهية , أمّا أداؤه دون ذلك فلا يخرج صاحبه من الملّة إلا إن كان أمارة من أمارات الكفر , ومعلوم أنّ أبرز الأفعال الخضوعية هو السجود , ومع ذلك فإنّ أداءه لغير الله تعالى على سبيل التحية والتكريم كان مشروعاً عند من قبلنا , وكذلك الدعاء والطلب إذا لم يكن بقصد التعبد لم يكن أداؤه لغير الله تعالى شركاً .

    وعلى هذا فإنّ دعاء الأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم لا يعتبر شركاً إلا إذا قصد الداعي التعبد بذلك , أو اعتقد فيهم شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية , لكنّ هؤلاء المستغيثين لا يقصدون بتلك الاستغاثة التعبّد ولا يعتقدون شيئاً من خصائص الربوبية في الأنبياء والأولياء , ولا يرون فيهم استحقاق العبودية , بل يرون أنّهم متسببون في بعض الأفعال بإذن الله , ولذلك لا تكون الاستغاثة بالأنبياء والأولياء عبادة لهم , وليست شركاً في الألوهية كما يزعم الوهابية , ولو كان الدعاء والاستغاثة عبادة وإن لم يقصد به التعبّد , لكانت استغاثة الطفل بأمه واستغاثة المريض بالطبيب واستغاثة الغريق بالمنقذ واستغاثة الملك بالجيش عبادة لهؤلاء , ولكانت الاستغاثة الواردة في قوله تعالى : تعالى {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } [القصص: 15] شركاً أيضاً , لكون جميع ذلك دعاء واستغاثة , وفيه نسبة الفعل لغير الله تعالى , وهذا لا يقول به عاقل , فبطل كون الاستغاثة بالأنبياء والأولياء عبادة لهم وشركاً في الألوهية .


    المطلب الثاني : المعاني الكثيرة للدعاء تُبطل كون الدعاء عبادة في كلّ حال


    ويستدل الوهابية على كون دعاء الأنبياء والأولياء شركاً بآيات تتحدّث عن دعاء العبادة لا عن دعاء المسألة , كقوله تعالى : ((وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً)) , وقوله تعالى : ((ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك)).

    مع أنّ الدعاء ليس عبادة في كلّ حال , فأحياناً يكون عبادة وأحياناً لا يكون عبادة , وقد ورد الدعاء بمعاني متعددة , منها :
    - الاستعانة , قال تعالى : ((وادْعوا شُهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)) , وقال تعالى : ((وادعوا من استطعتم من دون الله)) , وقال تعالى : ((وليدع ربه)) .
    فلو فسّرنا الدعاء بالعبادة , لكان الله تعالى آمراً بعبادة غيره!! والله تعالى لا يأمر بالفحشاء .
    - السؤال : كما في : ((ادع ربك بما عهد عندك)) , وفي : ((أجيب دعوة الداعي إذا دعان)) , وفي : ((وقال الذين في النار لخزنة جهنّم ادعوا ربكم)) .
    لو استبدلنا كلمة (ادع) بـ (اعبد) لما استقام المعنى .
    - القول : كما في : ((فما كان دعواهم إذ جاء بأسنا)) , وفي : ((دعواهم فيها سبحانك اللهم)) , وفي : ((فما زالت تلك دعواهم)) .
    فلو فسّرنا الدعاء بالعبادة لكان معنى الآية الأولى مثلاً : فما كان عبادتهم إذ جاء بأسنا ... , وهذا لا يصح .
    - النداء : كما في : ((ولا يسمع الصم الدعاء)) , وفي ((يوم يدع الداع إلى شيء نكر)) , وفي ((إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم)) .
    لو استبدلنا كلمة (الدعاء) بـ (العبادة) لما استقام المعنى .
    - الادعاء : كما في : ((أن دعوا للرحمن ولداً))
    - العذاب والهلاك : كما في ((تدعو من ادبر وتولى)) , أي تعذب وتهلك .
    ولو استبدلنا كلمة (تدعو) بـ (تعبد) لما استقام المعنى .
    - العبادة : كما في : ((ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرّك)) , وفي ((والذين لا يدعون مع الله إلها آخر)) , وفي ((قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا)) .

    فقول الوهابية أن الدعاء عبادة وصرفه لغير الله تعالى شرك , يخالف تعدد المعاني لكلمة الدعاء , فلا يكون صرف الدعاء لغير الله تعالى شركاً إلا إذا كان عبادة , وبالتالي دعاء الأنبياء والأولياء بمعنى السؤال ليس عبادة لهم , إلا إذا قُصِد به التعبد أو اعتقد الداعي شيئاً من خصائص الربوبية أو استحقاق العبودية في النبي أو الولي .

    والحق أنّ الوهابية ميّزوا بين معاني الدعاء المختلفة , إلّا أنهم في الغالب لم يميّزوا بين دعاء العبادة ودعاء المسألة , فاستدلوا بآيات دعاء العبادة على شركية أداء دعاء المسألة لغير الله تعالى , مع أنّ هذه الآيات تتحدث عن دعاء العبادة لا عن دعاء المسألة , ومن أكثر الآيات التي يستدلون بها في كون دعاء المسألة عبادة وصرفه لغير الله تعالى شركاً , ما يلي :

    أ- قوله تعالى : ((وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (*) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (*) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (*) )).

    قال الطبري في تفسيره : ( يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا ) أيها الناس ( مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) ولا تشركوا به فيها شيئا ، ولكن أفردوا له التوحيد ، وأخلصوا له العبادة....
    عن ابن عباس، قال: قول الجنّ لقومهم لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، قال: عجبوا من طواعية أصحابه له؛ قال: فقال لقومهم لما قام عبد الله يدعوه( كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا )... ) .
    وقال البغوي في تفسيره : ({ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } يعني المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله { فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله فأمر الله المؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد وأراد بها المساجد كلها ) .
    فالآية ظاهرة في دعاء العبادة لا في دعاء المسألة .

    ب- قوله تعالى : { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ }.
    قال الطبري في تفسيره : (يقول تعالى ذكره: ومن يدع مع المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له معبودا آخر، لا حجة له بما يقول، ويعمل من ذلك ولا بينة )
    وقال البغوي في معالم التزيل : ({ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } أي: لا حجة له به ولا بينة، لأنه لا حجة في دعوى الشرك) .

    ج - قوله تعالى : { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (*) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (*) }
    قال الطبري في تفسيره : ( يقول تعالى ذكره: ولا تدع ، يا محمد ، من دون معبودك وخالقك شيئًا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام. يقول: لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفًا ضرَّها، فإنها لا تنفع ولا تضر ) .
    وقال البغوي في معالم التنزيل : ({ وَلَا تَدْعُ } ، ولا تعبد، { مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ } ، إن أطعته، { وَلَا يَضُرُّكَ } ، إن عصيته، { فَإِنْ فَعَلْتَ } ، فعبدت غير الله، { فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ } ، الضارين لأنفسهم الواضعين العبادة في غير موضعها) .

    د- قوله تعالى : ((لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ )) .
    قال الطبري في تفسيره : ( وإنما عنى بالدعوة الحق، توحيد الله وشهادةَ أن لا إله إلا الله..... .
    وقوله : (والذين يدعون من دونه) يقول تعالى ذكره: والآلهة التي يَدْعونها المشركون أربابًا وآلهة ) .
    وقال البغوي : ({ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } أي: يعبدون الأصنام من دون الله تعالى. { لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ } أي: لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر... )

    هـ - قوله تعالى : ((قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ))

    قال الطبري في تفسيره : (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه، ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه عند ضرّ ينزل بكم، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم، أو تحويله عنكم إلى غيركم، فتدعوهم آلهة، فإنهم لا يقدرون على ذلك، ولا يملكونه، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم. وقيل: إن الذين أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول، كانوا يعبدون الملائكة وعزيرا والمسيح، وبعضهم كانوا يعبدون نفرا من الجنّ ....
    يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابا( يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) يقول:
    يبتغي المدعوّون أربابا إلى ربهم القُربة والزُّلفة، لأنهم أهل إيمان به، والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله..)

    وقال البغوي في تفسيره : ( .. قال الله تعالى: { قُلِ } للمشركين { ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ } أنها آلهة { فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ } القحط والجوع { عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا } إلى غيركم أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر. { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } يعني الذين يدعونهم المشركون آلهة يعبدونهم ..) .

    فالوهابية لم يميّزوا غالبًا بين دعاء المسألة ودعاء العبادة , وأنزلوا آيات دعاء العبادة على دعاء المسألة , فحكموا على من صَرَف دعاء المسألة لغير الله بِحُكْمِ من صَرَف دعاء العبادة لغير الله! , فصار دعاء المسألة مرادفاً للعبادة , ولو كان الأمر كذلك لكان جميع الناس مشركين لسؤال بعضهم بعضاً ألوف المرات , وهذا ما جعل بعض الوهابية يفرقون بين دعاء المسألة ودعاء العبادة , لكنّهم جعلوا بعض أنواع دعاء المسألة من الشرك .

    وتفريقهم هذا بين دعاء المسألة ودعاء العبادة , ثم حكمهم على بعض أنواع دعاء المسألة بالشرك , دليل على أنّ هذه الأنواع الشركية من دعاء المسألة ليست من العبادة , والشرك فيها ليس من الشرك في الألوهية والعبادة , وإلا لوضعوا هذه الأنواع ضمن دعاء العبادة لا دعاء المسألة , فجعلهم إيّاها ضمن دعاء المسألة اعتراف منهم بأنّها ليست من الشرك في العبادة والألوهية , بل هناك أمر آخر صيّرها شركاً غير كونها من العبادة , وهذا ما سيتضح فيما يلي :

    قال ابن عثيمين في مجموع فتاواه (7/27) :
    ( الدعاء على نوعين :
    الأول : دعاء عبادة , بأن يتعبد للمدعو طلبا لثوابه وخوفا من عقابه، وهذا لا يصح لغير الله وصرفه لغير الله شرك أكبر مخرج عن الملة ، وعليه يقع الوعيد في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} .
    النوع الثاني: دعاء المسألة , وهو دعاء الطلب أي طلب الحاجات وينقسم إلى ثلاثة أقسام :
    القسم الأول: دعاء الله سبحانه وتعالى بما لا يقدر عليه إلا هو ، وهو عبادة لله تعالى ؛ لأنه يتضمن الافتقار إلى الله تعالى ، واللجوء إليه، واعتقاد أنه قادر كريم واسع الفضل والرحمة، فمن دعا غير الله -عز وجل- بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا.
    القسم الثاني: دعاء الحي بما يقدر عليه مثل يا فلان اسقني فلا شيء فيه.
    القسم الثالث: دعاء الميت أو الغائب بمثل هذا فإنه شرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفا في الكون فيكون بذلك مشركا) .

    فهم يرون أنّ دعاء المسألة مجرداً ليس شركاً , بل يقيدون دعاء المسألة الشركي بدعاء الميت أو دعاء الغائب , أو الدعاء بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  11. المطلب الثالث : سؤال ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى


    بيّن صالح الفوزان السببَ في الحكم بالشرك على من دعا مخلوقاً فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى , فقال في شرح كشف الشبهات :

    ( الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى فهذه هي الشرك الأكبر , لأنها صرف للعبادة لغير الله سبحانه وتعالى ) .


    فيرى أنّ ما جعل دعاء المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى شركاً , هو أن ذلك صرفٌ للعبادة لغير الله تعالى!

    إلّا أنّ هذا المعيار فاسد , لأن أداء الفعل لغير الله تعالى بغير نية التعبد ليس شركاً , ولا يكون كذلك إلا إذا قَصَدَ السائل التعبد أو اعتقد في المخلوق شيئاً من خواص الربوبية أوالألوهية , ولو كان شركاً دون تلك القيود لما اختلف دعاء الحي عن دعاء الميت , فكلاهما عبادة وصرفها لغير الله تعالى شرك , إذ لا فرق بين أداء العبادة لحي أو ميّت , وصرفها لغير الله تعالى شرك في كل حال , ولا تكون مباحة في حال شركاً في آخر, إلا إذا اختلف قصد السائل من السؤال إلى التعبد , أو اختلف اعتقاده فيمن يدعوه , لكن الوهابية يرون أنّ مجرّد الدعاء بصرف النظر عن قصد الداعي شرك مخرج من الملة لأنه عبادة , مع أن ما كان عبادة ذاتية لا يختلف أداؤه لحي أو ميّت.. لقادر أو عاجز , وقد تبيّن مما سبق أنّ الدعاء ليس من العبادات الذاتية , واعتباره عبادة ذاتية ثم التفريق بين أدائه للقادر وغير القادر أو الميت والغائب باطل , فلا بد من وجود معيار صحيح للحكم بالشرك على من قام بدعاء المسألة فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى , دون دعاء المسألة فيما يقدر عليه المخلوق , فأقول : ما الذي جعل سؤال المخلوق فيما يقدر غير عبادة , وجعل سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى عبادة , دون أن يقصد السائل التعبد للمخلوق بسؤاله , أو يعتقد فيه الربوبية والألوهية؟!


    لا يجوز أن يكون سبب تفريقهم بين السؤالين هو : "كون سؤال المخلوق أمراً لا يقدر عليه إلا الله تعالى عبادة" , إذ العبادة الذاتية لا تختلف ولا تتخلف , فلو كان سؤال المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله عبادة , لكان سؤاله أيضاً ما يقدر عليه عبادة , فكلاهما سؤال والسؤال عبادة , وكلاهما فيه نسبة الفعل لغير الله , وقدرة المستغاث وعجزه معيار لكون العمل معقولاً أو سخيفاً , وليس معياراً لكونه عبادة وشركاً , فمن استغاث بالمُقعد المشلول عند غرقه ليس كمن استغاث بالسليم , فاستغاثة الأوّل سخافة واستغاثة الثاني عقلانية , لكن لا دخل للعبادة والشرك في ذلك .


    فلا يصح التفريق بين سؤال المخلوق ما هو مقدور له أو غير مقدور , إلا بناءً على اختلاف اعتقاد السائل في الحالين , فإذا سأل شخصٌ غيرَه أمراً يقدر عليه فليس في ذلك اعتقاد في المخلوق شيئا لا يصلح إلا لله تعالى , أمّا إذا سأله أمراً لا يقدر عليه إلا الله تعالى فإن ذلك مبني على اعتقاده في المخلوق شيئا لا يصلح إلا لله تعالى , فيكون السبب عند الوهابية في اعتبار سؤال المخلوق أمراً لا يقدر عليه إلا الله شركاً , هو ما قام في اعتقاد السائل من نسبة أمرٍ مما لا يصلح إلا لله تعالى لذلك المخلوق , ويكون السبب في اعتبار سؤال المخلوق أمراً مقدوراً له مباحاً هو عدم اعتقاد السائل في المخلوق ذلك , فيقول ابن عثيمين أثناء حديثه عن دعاء المسألة :

    (القسم الأول: دعاء الله سبحانه وتعالى بما لا يقدر عليه إلا هو ، وهو عبادة لله تعالى لأنه يتضمن الافتقار إلى الله تعالى واللجوء إليه واعتقاد أنه قادر كريم واسع الفضل والرحمة، فمن دعا غير الله -عز وجل- بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا ) .

    فتأمّل قوله : ( وهو عبادة لله تعالى ؛ لأنه يتضمن الافتقار إلى الله تعالى واللجوء إليه , واعتقاد أنه قادر كريم واسع الفضل والرحمة ) .

    فقد جعل علّة كون سؤال ما لا يقدر عليه إلا الله عبادة , هو الافتقار إلى الله تعالى واللجوء إليه والاعتقاد بقدرته تعالى ورحمته , أي أنّ هذا الاعتقاد في الله تعالى جعل السؤال عبادة له , فأصبح هذا السؤال عبادة لانبنائه على ذلك الاعتقاد , أي أنّ اعتقاد السائل هو المعيار في كون سؤاله عبادة أم لا , فإذا اعتقد السائل فيمن سأله أمراً لا يصلح إلا لله كان ذلك عبادة , وصَرْفُه لله تعالى عبادة له , وصَرْفه لغير الله تعالى عبادة لغيره وشرك به , فإذا وُجد ذلك الاعتقاد كان الدعاء شركاً , سواء كان المسؤول حياً أو ميتاً , وإن لم يوجد لم يكن ذلك الدعاء عبادة .

    وهذا تعليل صحيح...

    لكنّ المشكلة التي تواجه الوهابية هي أنّهم ذهبوا إلى توحيد المشركين في الربوبية توحيداً كاملاً , وأنّ المشركين لم يعتقدوا في أصنامهم شئياً لا يصلح إلا لله تعالى , ومع ذلك اعتبر الوهابية طلب المشركين من الأصنام عبادة لها وإن لم يعتقد المشركون شيئاً في أصنامهم!! , فإذا كان المشركون لم يعتقدوا في أصنامهم شيئاً لا يصلح إلا لله تعالى , فكيف أصبح طلبهم من الأصنام عبادة لها؟ فمجرد الطلب دون قصد التعبّد ودون اعتقاد شيء في المخلوق , ليس عبادة كما تقدّم , وهذا يبطل قول الوهابية بإيمان المشركين في الربوبية إيماناً تاماً , ويبطل حكمهم بالشرك على من طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى , مع اعترافهم بأنه لا يعتقد في المخلوق شيئاً لا يصلح إلا لله تعالى .


    أ- ما معنى:((ما لا يقدر عليه إلا الله؟!))

    ثم نقول للوهابية : ما معنى قولكم ما لا يقدر عليه إلا الله؟ وما هو الضابط في كون الفعل مما يقدر عليه غير الله وكونه مما لا يقدر عليه إلا الله؟!

    إن مقصودهم بالفعل الذي يقدر عليه المخلوق , هو ما كان معتاداً له غير خارج عن طبيعته , فهو متسبب فيه عادة , أمّا الفعل الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى , فهو ما كان غير معتاد للمخلوق خارجاً عن طبيعته , فهو غير متسبب فيه عادة .



    فإذا طلبت من الإنسان أمراً لا يتسبب فيه عادة –كإزالة جبل مثلاً- فهو مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى , أمّا إن طلبت منه أمراً يتسبب فيه عادة -كرفع صخرة صغيرة- فهو مما يقدر عليه , وبناء على ذلك فطلبك من شخص أن يزيل الجبل بيده شرك , وطلبك منه أن يحمل صخرة صغيرة ليس بشرك .



    لكنّ هذا التفريق بَيْن ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وبين ما يقدر عليه الإنسان , جهلٌ بكون الإنسان لا يقدر على شيء بالاستقلال , بل هو متسبب فيه فقط , فإن الإنسان حقيقةً لا يقدر على إزالة جبل , ولا يقدر على رفع صخرة صغيرة , ورفعه للصخرة الصغيرة ليس باستقلال عن الله تعالى , بل بإقدارمنه سبحانه , فالله تعالى هو خالق الأفعال , ولو أراد الله تعالى للإنسان أن يتسبب في إزالة جبل لفعل , لكنّ الله تعالى جعل الإنسان متسبباً في هذا الفعل دون ذاك , فكان الواجب على الوهابية أن يقولوا : سؤال المخلوق فيما لا يتسبب فيه عادة شرك , وسؤاله فيما يتسبب فيه عادة ليس شركاً!!


    ب- المعيار الصحيح في التفريق بين فعل الله تعالى وفعل العبد

    وكذلك.....
    من المعلوم أنّ المخلوقات متفاوتة في تسببها في القيام بالأشياء , فهناك مخلوقات متسببة في القيام بأمور لا تتسبب فيها غيرها عادة , فالملائكة تتسبب في حمل العرش على عظمته وسعته , ويتسببون في تدبير الريح والقطر والنبات وقبض الأرواح , وقد تسببَ جبريل-عليه السلام- في اقتلاع مدائن قوم لوط من سبع أرضين , فحملها حتى بلغ بهم السماء الدنيا , وهذا مما لا يتسبب فيه الإنسان عادة , والجنّ يتسببون في القيام بأمور يعجز عنها الإنسان , ويتشكلون ويتحركون في الأرض بسرعة كبيرة , ويسمعون الأصوات عن بعد , والرجل الكبير يتسبب في أمور يعجز عنها الطفل الصغير عادة , والطفل يتسبب في أمور تعجز عنها بعض المخلوقات الصغيرة عادة , والله تعالى قادر على أن يجعل المخلوقات الصغيرة تتسبب بأمور لا تتسبب فيها إلا بعض المخلوقات العظيمة .



    وجميع هذه الأفعال التي يتسبب فيها الخلق , إنما هي بإيجاد الله تعالى فقط , وليس للمخلوق فيها شيء من الاستقلال , فالمعيار الصحيح في التفريق بين فعل الله تعالى وفعل العبد هو صدور الفعل بالاستقلال أم لا ..

    فالفعل الصادر بالاستقلال هو فعل الله تعالى , والفعل الصادر دون استقلال هو فعل المخلوق , فإذا نسب أحدٌ فعلاً للمخلوق على سبيل الاستقلال فهذا شرك , وإذا نسب إلى المخلوق فعلاً –وإن كان غير معتاد له- معتقداً أن الله تعالى أقدره عليه , فلا يقال أنّه أشرك بحجة أنّ ذلك الفعل لا يقدر عليه إلا الله تعالى , لأن جميع الأفعال لا يقدر عليها استقلالاً إلا الله تعالى , والمخلوق متسبب فيها فقط , فلا يصح جعل الفعل الذي يتسبب فيه المخلوق عادة هو فعله , والذي لا يتسبب فيه عادة هو فعل الله تعالى , والقول بأن هذا فعل الإنسان وذاك فعل الله تعالى هو الشرك بعينه , لأن المخلوق ليس له من الأفعال إلا التسبب , وجميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى , وهو سبحانه أوجدها بالاستقلال .

    قال ابن تيمية في فتاواه (جزء العقيدة- الفصل 14) :
    (وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُصَنِّفُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى : يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لَا غِيَاثَ وَلَا مُغِيثَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا اللَّهُ , وَأَنَّ كُلَّ غَوْثٍ فَمِنْ عِنْدِهِ , وَإِنْ كَانَ جَعَلَ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ , فَالْحَقِيقَةُ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلِغَيْرِهِ مَجَازٌ ...) .

    فقد أصاب ابن تيمية في هذا النص , حيث قرر أن الفعل حقيقة لله تعالى , وأن الله تعالى قد يجعل المخلوق متسبباً بالفعل , لكنّ صدور الفعل عن المخلوق مجاز وليس حقيقة , وهذا هو الفارق بين الموحّد والمشرك في كل شيء ، و مع كل أحد حيٍّ أو ميت .

    فالموحّد –إذا نَسَب الإغاثة إلى الحي أو الميت من المخلوقين- فإنما مراده أن الله تعالى هو المغيث حقيقةً واستقلالا ، و المخلوق مغيث مجازا , حيث جعله الله تعالى سببا في الإغاثة , فأجْراها على يده لا غير , فلا معنى لتكفير المسلمين حين يقولون إن النبي -صلى الله عليه وسلم- يُغيث المستغيثين به ، إذ مقصودهم نفسُ ما قاله ابن تيمية هنا بنصه: "لا مغيث و لا غياث على الإطلاق إلا الله ، وأن كل غَوْث فمِن عنده ، وإن جعل ذلك على يد غيره ، فالحقيقة له سبحانه وتعالى ، ولغيره مجازاً " , فافْهمْ .

    ثم نقول لهم أيضاً :
    هل تقصدون بالفعل الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى , أنّ الله تعالى لم يجعل أحداً من الخلائق يتسبب فيه , لا الملائكة ولا الإنس ولا الجن ولا غيرهم , أم أنّ بعض المخلوقات متسببة في القيام به؟

    فإن كان بعض الخلق متسببون في القيام به , فنسبته لمخلوق غير متسبب فيه عادة ليست شركاً , بل هي خطأ في نسبة السببية فقط , والخطأ في نسبة السببية لمخلوق لا شركية فيه , كمن طلب من طفل أن يرفع صخرة لا يرفعها إلا الرجل الشديد , ظاناً أن هذا الطفل متسبب في رفعها .

    وإن كان قصدهم أن هذا الفعل لم يتسبب فيه أحد من الخلائق –لا الملائكة ولا الجن ولا البشرولا غيرهم- , فأقول : هل من الممكن أن يجعل الله تعالى بعض المخلوقات متسببة فيه أم لا؟


    فإن كان من الممكن كون بعض الخلائق متسببين في هذا الفعل , فلا تعتبر نسبته للمخلوق شركاً , بل خطأٌ في اعتقاد أن هذا المخلوق متسبب بذلك الفعل , وقلنا أن الخطأ في اعتبار ما ليس بسبب سبباً لا يعتبر شركاً .

    وإن كان ذلك الفعل مما يستحيل أن يجعل الله تعالى أحداً من الخلق متسبباً فيه , فحينئذ تُعتبر نسبة هذا الفعل للمخلوق شركاً , لأنه يكون من مختصات الله تعالى .

    وهذا الفعل الذي لم يتسبب فيه أحد من الخلائق –سواء كان من الممكن أن تتسبب فيه بعض المخلوقات أم لا- , لا يوجد أحدٌ يطلبه من المخلوق , لا من يستغيثون بالأنبياء والأولياء ولا غيرهم من المسلمين .

    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  12. ج- وأيضاً.. ما هي حدود الفعل الذي يمكن للمخلوق أن يتسبب فيه؟!

    فقد ثبتَ أنّّ الله تعالى أعطى بعض المخلوقات التصرف في الكون كالملائكة , وأعطى الجن القدرة على التنقل والقيام بأمور عظيمة , وأعطى بعض البشر التسبب في إحياء الموتى , وإبراء الأكمه والأبرص , كما ثبت ذلك لسيدنا عيسى –عليه السلام- , وكذلك ثبت أنّ الغلام الذي قتله صاحب الأخدود , أُعطي إبراء الأكمه والأبرص , حتى أنّ ابن تيمية قال في كتابه (النبوات ص 298) :
    ( وقد يكون إحياء الموتى على يد أتباع الأنبياء , كما وقع لطائفة من هذه الأمة)..

    وقال أيضاً (النبوات ص 298) :
    (بخلاف إحياء الموتى ؛ فانه اشترك فيه كثير من الأنبياء, بل ومن الصالحين) ..

    وقال أيضاً ( مجموع الفتاوى 11/213) :
    ( وَأَنَّ وَلِيَّ اللَّهِ لَا يُخَالِفُ فِي شَيْءٍ وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أَكْبَرِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ كَأَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ مَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ؛ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَتَجِدُ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ عُمْدَتُهُمْ فِي اعْتِقَادِ كَوْنِهِ وَلِيًّا لِلَّهِ أَنَّهُ قَدْ صَدَرَ عَنْهُ مُكَاشَفَةٌ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ أَوْ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ مِثْلِ أَنْ يُشِيرَ إلَى شَخْصٍ فَيَمُوتَ ؛ أَوْ يَطِيرَ فِي الْهَوَاءِ إلَى مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ يَمْشِيَ عَلَى الْمَاءِ أَحْيَانًا ؛ أَوْ يَمْلَأَ إبْرِيقًا مِنْ الْهَوَاءِ ؛ أَوْ يُنْفِقَ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ مِنْ الْغَيْبِ أَوْ أَنْ يَخْتَفِيَ أَحْيَانًا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ ؛ أَوْ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ اسْتَغَاثَ بِهِ وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ مَيِّتٌ فَرَآهُ قَدْ جَاءَهُ فَقَضَى حَاجَتَهُ ؛ أَوْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِمَا سُرِقَ لَهُمْ ؛ أَوْ بِحَالِ غَائِبٍ لَهُمْ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ ؛ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَهَا وَلِيٌّ لِلَّهِ ؛ بَلْ قَدْ اتَّفَقَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ طَارَ فِي الْهَوَاءِ أَوْ مَشَى عَلَى الْمَاءِ لَمْ يُغْتَرَّ بِهِ حَتَّى يَنْظُرَ مُتَابَعَتَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمُوَافَقَتَهُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ , وَكَرَامَاتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ ؛ وَهَذِهِ الْأُمُورِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ صَاحِبُهَا وَلِيًّا لِلَّهِ فَقَدْ يَكُونُ عَدُوًّا لِلَّهِ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْخَوَارِقَ تَكُونُ لِكَثِيرِ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ وَتَكُونُ لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَتَكُونُ مِنْ الشَّيَاطِينِ) .

    وقال أيضاً ( مجموع الفتاوى 10/550 ) :
    (وَفِي الْأَثَرِ : " { مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } " . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : " التَّوَكُّلُ جِمَاعُ الْإِيمَانِ " وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } وَقَالَ : { إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ } وَهَذَا عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ - بِمَنْزِلَةِ الدُّعَاءِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا - سَبَبٌ لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ فَإِنَّهُ يُفِيدُ قُوَّةَ الْعَبْدِ وَتَصْرِيفَ الْكَوْنِ!! ) .

    بل أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال : ( حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما حدثنا قال : يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول له أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر ؟ فيقولون : لا , قال فيقتله ، ثم يحييه ، فيقول حين يحييه : والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن . قال : فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه ) . (متفق عليه)

    فإذا أعطي الملائكة تدبير ما بين السماوات والأرض من أمر الرياح والنبات.., وبعض البشر من الصلحاء أعطي القدرة على إبراء الأكمه والأبرص, وكذلك إحياء الموتى , وحتى المسيح الدّجال أعطي التسبب في إحياء الموتى , وأعطي بعض الفسّاق الطيران في الهواء , والإشارة إلى شخص فيموت , وأعطي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ كما قال ابن تيمية , فطَلَبُ ما دونها من المخلوق لا يعتبر طلَبَ أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله تعالى!! إذ إنه سبحانه أقدر بعض الخلق عليها , فحينئذ لا يكون طلبها شركاً! حتى وإن لم يثبت تسببُ ذلك المخلوق فيها, ولا يكون طلب شيء من هذه الخوارق من المخلوق شركاً إلا إذا ثبت "استحالة" تسبب الخلائق بهذا الفعل , لأنه يكون حينئذ من الأمور المختصة بالله تعالى! والتي لا يمكن أن يتسبب بها مخلوق ألبتة .



    فإن قال قائل : إنّ التسبب في مثل هذه الخوارق ثابت للأحياء , والوهابية يكفرون من يطلبها من الأموات لا من الأحياء!
    فالجواب : أن الوهابية يكفّرون من يطلبها من المخلوق , سواء كان حياً أو ميتاً , لكونها –في اعتقادهم- ممّا لا يقدر عليه إلا الله تعالى , ولو سلمنا أن الأموات غير متسببين فيها , فلا يكون طلبها منهم شركاً , لأن من يطلبها منهم يعتقد -لأدلة يراها صحيحة- أنهم متسببون فيها , فيكون خطؤه في اعتقاد التسبب , ويكون طلبها منهم سفاهة , على أن للروح المطلقة من أسر البدن وعلائقه وعوائقه من التصرف والقوة والنفاذ والهمة , وسرعة الصعود إلى الله تعالى والتعلق به سبحانه وتعالى , ما ليس للروح المهينة المحبوسة في علائق البدن وعوائقه , فقد قال ابن القيم في كتابه "الروح" :

    ( إن للروح المطلقة من أسر البدن وعلائقه وعوائقه في التصرف والقوة والنفاذ والهمة , وسرعة الصعود إلى الله تعالى والتعلق به سبحانه وتعالى , ما ليس للروح المهينة المحبوسة في علائق البدن وعوائقه , بسبب انغماسها في شهواتها , فإذا كان هذا في عالم الحياة الأرضية وهي محبوسة في بدنها , فكيف إذا تجردت عنه وفارقته واجتمعت فيها قواها وكانت في أصل نشأتها روحا عالية زكية كبيرة ذات همة عالية , فهذه لها بعد مفارقة البدن شأن آخر وفعل آخر , وقد تواترت الرؤيا من أصناف بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها , ما لا تقدر على مثله حال اتصالها بالبدن , من هزيمة الجيوش الكثيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك , وكم قد رؤي النبي -صلى الله عليه وسلم-ومعه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في النوم , قد هزمت أرواحهم عساكر الكفر والظلم , فإذا بجيوشهم مغلوبة مكسورة , مع كثرة عَددهم وعُددهم وضعف المؤمنين وقلتهم ) .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  13. د- نصّ مهم لأحد مشايخ الوهابية :

    وبعد هذا البيان , إليك ما قاله صالح آل الشيخ من الوهابية (شرح كتاب التوحيد-باب: من الشرك أن يستغيث بغير الله..) :

    ( فإذن الاستغاثة طلب الغوث، وطلب الغوث لا يصلح إلا لله؛ إلا من الله فيما لا يقدر عليه إلا الله -جل جلاله- لأن الاستغاثة يمكن أن تطلب من المخلوق؛ لأنه يقدر عليها.
    بعض العلماء يقول: نضبط ذلك بقولنا: الاستغاثة شرك أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه ذلك المخلوق، وقال آخرون: الاستغاثة شرك أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهاتان مختلفتان , والأصح منهما الأخيرة؛ لأن المرء إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، والمخلوق يعلم أن هذا لا يقدر عليه إلا الله، فإنه شرك أكبر بالله -جل وعلا- أو في حقيقة الأمر أنه لا يقدر عليه إلا الله.
    أما قول من قال من أهل العلم : إن الاستغاثة شرك أكبر إذا استغاث بالمخلوق في ما لا يقدر عليه ، فإن هذا يرد عليه أن ثمة أشياء قد يكون في الظاهر يقدر عليها المخلوق ، ولكن في الحقيقة لا يقدر عليها ؛ فإذن يكون هذا الظاهر غير منضبط ، لأن -مثلا- مَن وقع في شدة ، وهو في غرق مثلا , وتوجه لرجل يراه بأنه يغثيه فقال: أستغيث بك، أستغيث بك، أستغيث بك، وذاك لا يُحْسِن السباحة ، ولا يُحْسِن الإنجاء من الغرق، فهذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق، فهل يكون شركا أكبر؟ لا، لِمَ؟ لأن الإغاثة عادة من الغرق ونحوه يصلح أن يكون المخلوق قادرا عليها ، فيكون الضابط الثاني هو الصحيح ، وهو أن يقال: الاستغاثة شرك بغير الله شرك أكبر إذا كان استغاث فيما لا يقدر عليه إلا الله.
    أما إذا استغاث فيما يقدر عليه غير الله من المخلوقين ، لكن هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء ، فإنه لا يكون شركا؛ لأنه ما اعتقد في المخلوق شيئا لا يصلح إلا لله -جل جلاله- , فإذن نقول: الاستغاثة بغير الله إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله فهي شرك أكبر، وإذا كانت فيما يقدر عليه المخلوق، فهي جائزة كما حصل من صاحب موسى إذ استغاث بموسى عليه السلام ) .

    فقوله : ( بعض العلماء يقول: نضبط ذلك بقولنا: الاستغاثة شركٌ أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه ذلك المخلوق ، وقال آخرون: الاستغاثة شركٌ أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله ، وهاتان مختلفتان , والأصح منهما الأخيرة) ..
    يدل على أنّ بعض علماء الوهابية يرى أنّ الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه ذلك المخلوق شرك !! , وللأسف الشديد أنّ كثيراً من جهلة الوهابية مقتنعون بهذا القول!!! ..

    لكنّ آل الشيخ يردّ هذا ويضرب لبيان فساده مثال الغريق الذي يستغيث بمن لا يحسن السباحة , ويعلل كونه غير شرك بقوله : ( لأن الإغاثة عادةً من الغرق ونحوه يصلح أن يكون المخلوق قادرًا عليها ) ..
    أي أنّ الفعل إذا كان المخلوق يقدر عليه عادة , فطلبه من غير الله تعالى ليس شركاً حتى وإن كان هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء ..

    وانظر قوله : ( الاستغاثة شرك بغير الله.. شرك أكبر إذا كان استغاث فيما لا يقدر عليه إلا الله , أما إذا استغاث فيما يقدر عليه غير الله من المخلوقين , لكن هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء ، فإنه لا يكون شركا ؛ لأنه ما اعتقد في المخلوق شيئا لا يصلح إلا لله -جل جلاله- )!!

    فهل يدري ما يقول؟! أليس هذا الشرك بعينه!! فهل أحد غير الله يقدر على فعل شيء من تلقاء نفسه! وهل هناك أفعال لا يقدر عليها إلا الله وأفعال أخرى يقدر عليها الله تعالى وغيره؟!!
    بل جميع الأفعال صغيرها وكبيرها , لا يقدر عليها استقلالاً إلا الله تعالى , وليس الإنسانُ إلا متسبباً فيها , فإن كان مقصوده هذا , فتأمّل تعليله كون الاستغاثة بالمخلوق فيما هو غير مقدور له , لكنّه مقدور لغيره , بقوله : ( لأنه ما اعتقد في المخلوق شيئا لا يصلح إلا لله -جل جلاله- )
    وذلك لأن كلّ ما يمكن أن يتسبب فيه المخلوق , ليس في نسبته لغير الله تعالى محذور من إشراك المخلوق بما يختص به الخالق , فموجب كون الاستغاثة بالمخلوق شركاً , هو اعتقاد المستغيث في المخلوق شيئاً لا يصلح إلا لله تعالى , فيكون المستغيث بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله مشرك , لأنه اعتقد في المخلوق شيئاً لا يصلح إلا لله تعالى!! إلا أن هذا الاعتقاد شرك في الربوبية لا في الألوهية!! والوهابية يقرّون بأن المستغيثين بالأنبياء والأولياء ليسوا مشركين في الربوبية , بل في الألوهية! ويكون اعتقادهم أنّ الجاهليين لم يعتقدوا في أصنامهم شيئاً لا يصلح إلا لله تعالى باطلاً !!

    ولا بدّ من التنبيه على أنّ من يطلب من الأنبياء والأولياء أمراً غير معتاد لعامة "البشر" , لا يعني أنه غير معتاد لغيرهم من الخلائق الأقوى كالملائكة , فيكون هذا مندرجاً فيما قاله آل الشيخ : ( إذا استغاث فيما يقدر عليه غير الله من المخلوقين , لكن هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء ، فإنه لا يكون شركا ) ..


    فإن التنقل في الكون وتدبير بعض أموره بإذن الله وعطائه ثابت لأرواح الأولياء , فقد قال ابن القيم في الروح فيما سبق: (وقد تواترت الرؤيا (1) من أصناف بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها , ما لا تقدر على مثله حال اتصالها بالبدن , من هزيمة الجيوش الكثيرة
    بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك , وكم قد رؤي النبي -صلى الله عليه وسلم-ومعه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما في النوم , قد هزمت أرواحهم عساكر الكفر والظلم , فإذا بجيوشهم مغلوبة مكسورة , مع كثرة عَددهم وعُددهم وضعف المؤمنين وقلتهم ) .

    وليس هناك أمر يطلبه من يستغيث بالأنبياء والأولياء ليس مقدوراً لبعض المخلوقات القوية!! , والقول بأن الصوفية يطلبون من الأنبياء والأولياء أن يرزقهم وأن يعطيهم الأولاد فكذب محض عليهم!!
    وإليك بعض النصوص في طلب أمور غير مقدورة عادة للبشر , ولا يقدر عليها إلا الله تعالى , لكنّها ليست شركاً :[/color]



    --------------------------------------------------
    1- قال ابن القيم في كتاب الروح : ( وهذه المرائى وإن لم تصح بمجردها لاثبات مثل ذلك , فهى على كثرتها وأنها لا يحصيها إلا الله قد تواطأت على هذا المعنى , وقد قال النبي : "أرى رؤيا رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر".. يعني ليلة القدر ... فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤ روايتهم له .. وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه ... وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح , على أنا لم نثبت هذا بمجرد الرؤيا , بل بما ذكرناه من الحجج وغيرها ) .
    وقال شيخه ابن تيمية في منهاج السنة (2/497) : (والقول بكون الرجل المعين من أهل الجنة قد يكون سببه إخبار المعصوم وقد يكون سببه تواطؤ شهادات المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض ...الخ
    وقد يكون سبب ذلك تواطؤ رؤيا المؤمنين..)
    وقال ابن حجر في الفتح : (توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها).
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  14. هـ- نصوص في طلب أمور ٍغير مقدورة عادةً للبشر والتسبّب فيها :


    1- ملك الجبال يعرض على النبي –صلى الله عليه وسلم-أن يطبق على المشركين جبلين بمكة :

    روى البخاري ومسلم عن عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ : ( لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا )

    لكنك لو سألت أحد الوهابية قائلاً : لو طلب رجل من أحد المخلوقات أن يطبق جبلين على أهل مدينة , فهل يكون مشركاً؟
    فسيكون جوابه : بالطبع نعم , لأنه سأل المخلوق أمراً لا يقدر عليه إلا الله تعالى .

    مع أن الله تعالى بعث ملك الجبال ليعرض على النبي -صلى الله عليه وسلم-إطباق الأخشبين على المشركين , وهذا فعل لا يقدر عليه إلا الله تعالى , والله تعالى لا يأمر بالشرك , فلو طلب النبي -صلى الله عليه وسلم-من ملك الجبال أن يطبق الأخشبين على أهل مكة فهل سيكون مشركاً؟! حاشا وكلا ..

    وقد يتهرب وهابي فيقول : إن ملك الجبال يقدر على ذلك , فيكون الطلب منه طلباً من القادر , وليس فيه طلب أمر لا يقدر عليه إلا الله!
    فنقول له : إن الذين تكفرونهم ممن يستغيث بغير الله تعالى , لا يطلبون من المخلوق شيئاً أعظم من هذا المقدور لملك الجبال , فلا يكون في استغاثتهم طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى , بل قد أعطى الله تعالى بعض مخلوقاته العظيمة التسبب في مثل هذه الأمور , فقد أعطى الله تعالى جبريلَ –ع- القدرة على اقتلاع مدائن قوم لوط ,
    وحتى على فرض أن من يستغيثون به غير متسبب في ذلك الفعل , إلا أنّ غيره من المخلوقات –كالملائكة والجن مثلاً- قادرة عليه , فلا يكون طلبه شركاً , لأنه أخطأ في نسبة السببية لذلك المخلوق المعين , وهذا ليس شركاً عندنا وعندكم , فقد مر في كلام آل الشيخ قوله :
    ( إذا استغاث فيما يقدر عليه غير الله من المخلوقين , لكن هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء ، فإنه لا يكون شركا ) ..

    لكنّك لو سألت بعض الوهابية عن إطباق جبلين لقالوا أنّ هذا مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى , فنقول لهم حينئذ : يجب أن تقولوا إن طلب أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى ولم يمكّن منه أحداً من الخلائق شرك , وهذا ما لا يطلبه من تكفرونه ممن يستغيث المخلوق , وطلب أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى ومكّن منه بعض الخلائق كالملائكة ليس شركاً .


    2- سيدنا سليمان -عليه السلام-يطلب من مَلَئِه أمراً غير مقدور عادة :

    لقد طلب سيدنا سليمان –عليه السلام- من أهل مجلسه من الجن والإنس أن يأتيه أحدهم بعرش بلقيس , فأخبر القرآن أنه قال : ((يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين)) , فقد طلب منهم أن يأتوا بذلك العرش العظيم من بلاد اليمن إلى بلاد الشام , على طريقة خارقة للعادة , ليكون ذلك آية لبلقيس داعية إلى إيمانها , ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى , ولم تجر العادة بتمكين الإنس والجن منه , إلا أنّ سيدنا سليمان دعاهم وسألهم أن يأتوه بذلك العرش الكبير , فقال لهم : ((أيكم يأتيني)) , فنسب الفعل إليهم , ولم يقل لهم أيكم يدعو الله تعالى أن يأتيني بعرشها , فأجابه الرجل الصالح بقوله : ((أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)) , فنسب الفعل إلى نفسه وقال : ((أنا آتيك به)) , فهل أشرك سيدنا سليمان –ع- والرجل الصالح بهذا السؤال؟!

    وهل يستطيع عاقل أن يقول عن سيدنا سليمان : لماذا طلب هذا الأمر الخارق من الملأ؟ أليس الله سميعاً بصيراً بدعائه وطلبه , قادراً على تلبية حاجته؟ ألم يقل الله تعالى : ((وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب))؟ ألم يقل الله تعالى : ((ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك))؟ ولماذا جعل سيدنا سليمان الرجلَ الذي عنده علم من الكتاب واسطة بينه وبين الله تعالى؟ أليس الأجدر به أن يسأل الله تعالى مباشرة بدلاً من أن يسأل الملأ؟! ألم يقل الله تعالى : ((أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء))؟ ألم يقل الله تعالى : ((وقال ربكم ادعوني أستجب لكم))؟!


    3- النبي -صلى الله عليه وسلم- يُخرج عمّه من الدرك الأسفل من النار إلى ضحضاح :

    وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-عن عمّه أبي طالب فيما رواه البخاري ومسلم واللفظ له : (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ, فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ, هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ , وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ" .
    .... عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ : قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ , فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ , وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنْ النَّارِ فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ" ) .

    أليس إخراج الناس والتصرف في النار ممّا لا يقدر عليه إلا الله تعالى؟ وهل النار بيد النبي -صلى الله عليه وسلم-حتى يخرج من دركها الأسفل عمّه؟ فكيف قام النبي -صلى الله عليه وسلم-بإخراج عمّه إلى ضحضاح من النار؟

    إنّ هذا الأمر وإن كان مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى , إلّا أنّ الله تعالى مكّن منه نبيّه -صلى الله عليه وسلم-, فنسبته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-ليست من الشرك , لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-متسبب فيه لا قادر على ذلك بالاستقلال , كيف لا وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ)!!


    4- النبي -صلى الله عليه وسلم- يَحشُرُ الناسَ على قدمه :


    وقد روى البخاري في الصحيح عن جبير بن مطعم –رضي الله عنه- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم-قال له :
    (أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ , وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ , الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ )
    وفي رواية ابن أبي شيبة في مصنفه والطبراني في الكبير : (وأنا الحاشر.. أحشرُ الناسَ على قدمي!)

    فكيف يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-عن نفسه الحاشر الذي يَحشر الناسَ على قدمه ؟ مع أنّ الحشر والنشر مختصان بالله تبارك وتعالى كما أخبر القرآن المجيد؟ أليس هذا شركاً في الملّة الوهابية؟
    لا يشك مؤمن أنّ ذلك من باب التسبب لا الاستقلال .

    5- النبي -صلى الله عليه وسلم- يُخرج عُصاة الموحدين من النار ويدخلهم الجنة!! :

    روى الشيخان حديث الشفاعة وفيه :
    ( فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي , فَيَقُولُ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ , فَأَخْرِجْهُ مِنْ النَّارِ , فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ!!)
    وعند النسائي : (فيحد لي حدا , فأخرجه من النار وأدخله الجنة!)

    أليس الإخراج من النار وإدخال الجنة مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى! , وهل النار والجنة بيد النبي -صلى الله عليه وسلم-حتى يخرج أحداً من النار ويدخله الجنة؟!!


    6- المؤمنون يُخرجون إخوانهم من النار!! :


    روى الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
    ( فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ , وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ , فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ , فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ , فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ , فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ , فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ , فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ) .

    ومن المعلوم أن الإخراج من النار مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى!


    7- النبي -صلى الله عليه وسلم- يطلب من الجبل المرتجف أن يسكن! :

    ومن المعلوم أن تسكين الجبال عندما ترجف لا يقدر عليه إلا الله تعالى , وقد روى البخاري في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وعثمان –رضي الله عنهم- عندما صعدوا جبل أحد , رجف بهم , فضربه النبي -صلى الله عليه وسلم-برجله وقال : ( اثْبُتْ أُحُدُ , فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدَانِ ) .

    فقد مكّن الله تعالى نبيّه من تسكين جبل أحد عندما رجف , مع أنّ الجبل لا يسمع ولا يبصر ولا حياة فيه فهو كالميت , لكنّ النبي -صلى الله عليه وسلم-سأله وطلب منه أن يثبت , ولا يعقل أن يقول أحد أنّ هذا الطلب والسؤال شرك!! بحجة أنّ الجبل كالأموات لا حياة فيه , وأنّ سؤال المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله شرك!! فمن قال ذلك كان هو المشرك!

    8- النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو شجرةً أن تأتي وتتكلّم! :

    وقد روى ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر ، قال : ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فأقبل أعرابي ، فلما دنا منه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أين تريد ؟ » ، قال : إلى أهلي . قال : « هل لك إلى خير ؟ » ، قال : ما هو ؟ قال : « تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله » ، قال : هل من شاهد على ما تقول ؟ قال صلى الله عليه وسلم : « هذه السمرة » ، فدعاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وهي بشاطئ الوادي ، فأقبلت تخد الأرض خدا حتى كانت بين يديه ، فاستشهدها ثلاثا ، فشهدت أنه كما قال ، ثم رجعت إلى منبتها ، ورجع الأعرابي إلى قومه ، وقال : إن يتبعوني أتيتك بهم ، وإلا رجعت إليك فكنت معك.. ).

    ومعلوم أن تحريك الشجرة وإقبالها مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى , إلا أنّ الشجرة أتت بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-وطلبه , فهل طلب النبي -صلى الله عليه وسلم-من الشجرة التي لا تسمع ولا تبصر أن تأتي وتتكلم شرك؟! بحجّة أنّه طلب من الشجرة الإقبال والكلام وهو مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى! لا يقول هذا مؤمن .
    ومن الباطل أن يقال : أنّ دعاء الشجرة لتحضر وتتكلم شرك , إلا أنّه لمّا صدر من النبي -صلى الله عليه وسلم-لم يكن شركاً بل هو معجزة له!! لأن ذلك يعني أنّ فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-شرك , لكنّه لكونه صدر من النبي -صلى الله عليه وسلم-لم يكن شركاً , فيكون الشرك للنبي -صلى الله عليه وسلم- مباحاً!


    9- النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يطلب من الشَّمْسَ أن تتأخر سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ! :

    وقد روى الطَّبَرَانِيِّ في الْأَوْسَطِ " مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : ( أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ الشَّمْسَ فَتَأَخَّرَتْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ) , قال ابن حجر في الفتح : (وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ) .

    فكيف يطلب النبي -صلى الله عليه وسلم-من الشمس أن تتأخر ؟ وهل حركة الشمس بيد النبي –ص-؟ ثم كيف يخاطب النبي -صلى الله عليه وسلم-جماداً كالشمس ويطلب منه ويأمره؟ وهل يقدر أحد على تأخير الشمس إلا الله؟ أليس هذا عين الشرك عند الوهابية؟!

    وقد سأل الصحابةُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-أموراً لا يقدر عليها إلا الله تعالى , دون أن يعتقدوا أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم-موجد خالق لتلك الأمور , بل اعتقدوا أنّه سبب في ذلك فقط , وأنّ الله تعالى أعطاه القدرة على هذه الأمور , فهو قادر عليها تسبباً لا استقلالاً وتأثيراً ذاتياً , ومن ذلك :


    10- أبو هريرة –رضي الله عنه- يطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم-عدم النسيان
    فيغرف له من الهواء في ردائه!! :


    روى البخاري : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ , قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ" فَبَسَطْتُهُ , قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "ضُمَّهُ" فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ) .
    فقد طلب أبو هريرة من النبي -صلى الله عليه وسلم-عدم النسيان , وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الله , لكنّ المؤمن الموحّد يعلم يقيناً أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم-ليس إلا متسبباً في ذلك , ليس له فعل ذاتي استقلالي , فقد أجابه النبي -صلى الله عليه وسلم-وغرف له من الهواء وألقاه في الرداء , وأمره بضمه فضمّه , فكان ذلك سبباً لعدم نسيانه شيئاً بعده , فهل أشرك أبو هريرة –ر- بهذا الطلب؟ وهل قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا تسألني واسأل الله تعالى مباشرة فإن الله أقرب إليك من حبل الوريد؟
    لا يقال أنّ أبا هريرة طلب من النبي -صلى الله عليه وسلم-أن يدعو له , فإن ظاهر الرواية لا يدل على ذلك , ثم إن الرواية ليس فيها أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم-دعا له , فالتحجج بمثل هذه الأوهام الباردة مردود , لا تدل عليه الرواية بنوع من أنواع الدلالة.


    11- قتادة بن النعمان يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-أن يردّ عينه!
    فيردها بيده الشريفة :


    وقد سأل قتادة بن النعمان –رضي الله عنه- النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-أن يرد عليه عينه لمّا سالت حدقته على وجنته , وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى , فردّها النبي -صلى الله عليه وسلم-بيده فاستوت ورجعت , قال الحاكم في المستدرك 3/334:
    ((وشهد قتادة بن النعمان العقبة مع -صلى الله عليه وسلم-، شهد بدراً وأحداً، ورُميتْ عينه يوم أحد، فسالت حدقته على وجنته، فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فقال: يا رسول الله! إن عندي امرأة أحبّها ، وإن هي رأت عيني خشيتُ تقذّرها , فردَّها رسول الله بيده ، فاستوت ورجعت ، وكانت أقوى عينيه وأصحّهما بعد أن كبر، وشهد أيضاً الخندق والمشاهد كلها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-))
    وروى هذه القصة ابن أبي شيبة في مصنفه , ورواها البغوي , والبيهقي في الدلائل , وأبو يعلى في مسنده , وأبو نعيم في معرفة الصحابة , وأوردها الهيثمي في مجمع الزوائد , وابن حجر في الإصابة .


    12- ربيعة بن كعب –رضي الله عنه- يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- مرافقته في الجنّة!!
    والنبي -صلى الله عليه وسلم-يلبّي سؤاله :


    وقد روى مسلم في صحيحه أنّ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ عندما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-(سَلْ) , قال : ( أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ! ) .
    والجنّة بيد الله سبحانه وتعالى , ولا يقدر على إعطائها إلا هو , لكنّ هذا الصحابي سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-أمراً لا يقدر عليه إلا الله تعالى , ولم يقل له النبي -صلى الله عليه وسلم-لقد أشركت بسؤلك هذا , وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-له ((سَلْ)) غير مقيدة ولا مخصصة , وهذا الحديث الجليل الصحيح قاطع للوهابية بكل كلمة منه , فقد قال الإمام ملا علي قاري في شرحه هذا الحديث في المرقاة : ( ويؤخذ من إطلاقه عليه السلام الأمر بالسؤال , أن الله تعالى مكّنه من إعطاء كل ما أراد من خزائن الحق ) .
    فأي شرك في الملة الوهابية هذا يقره الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟!

    وعلى كلّ حال , فإنّ دعاء المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ليس شركاً إلا إذا قصد به التعبد , أو اعتقد الداعي في المخلوق أمراً لا يصلح إلا لله تعالى , أمّا إن اعتقد السائل أنّ الله تعالى مكّن بعض خلقه من هذا الأمر , واعتقد أنّ المخلوق متسبب فيه فقط , وليس له تأثير ذاتي واستقلالي , كما مكّن الله تعالى سيدنا عيسى من شفاء المرضى وإبراء الأكمه والأبرص , وكما مكّن سيدنا سليمان من التصرف في الريح , وكما مكّن الملائكة من تدبير ما بين السماء والأرض , وكما مكّن سيدنا محمداً -صلى الله عليه وسلم-من شفاء عين قتادة وتسكين جبل أحد , فإن ثبت أنّّ الله تعالى مكّن المخلوق من الأمر المطلوب منه كان السائل مصيباً , وإن لم يثبت أنّ الله تعالى مكّن المخلوق من الأمر المطلوب -مع اعتقاد السائل أنّ الله تعالى مكّنه منه- كان السائل مخطأ , ولا يكون مشركاً دون القيدين السابقين , فمن ظنّ أن غير المقدور للبشر مقدوراً بإذن الله , دون أن يعتقد في المخلوق شيئاً لا يصلح إلا لله , فغاية ما يقال فيه أنّه مخطئ لا مشرك , لأنه لم يزعم أنّ المخلوق يفعل ذلك استقلالاً ومن عند نفسه , بل بإذن الله تعالى وعطائه.

    فإن قالوا أن سبب الحكم بالشرك على طلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى , هو أن ذلك الدعاء عبادة , وأداؤها لغير الله تعالى شرك , رجع الكلام معهم على بيان حقيقة العبادة , وأنّ ذلك الدعاء ليس عبادة إلا إذا قصد السائل التعبد , أو اعتقد في المخلوق شيئاً من الربوبية والألوهية , ولو كان شركاً لما جاز التفريق بين دعاء المخلوق فيما يقدر عليه وبين دعائه فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى , فالكل عبادة وصرفها لغير الله شرك , إلا إذا بيّنوا علّة كون الأول مباحاً والثاني عبادة , وهو اعتقاد السائل في المخلوق شيئاً لا يصلح إلا لله تعالى , وهذا ما يعترفون بانتفائه عمّن يسأل المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله من هذه الأمة .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

  15. و- بطلان علاقة التلازم والتضمن بين دعاء المسألة ودعاء العبادة :


    لكنّ الوهابية يقولون بأن دعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة , ودعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة , فمن عبد الله تعالى فلا بد وأن يسأله , ومن سأل الله تعالى فلا بد وأن يعبده , ولذلك فإن من يستغيث بالأنبياء والأولياء فإن استغاثته متضمنة لعبادتهم .

    وهذا كلام باطل لا يصدر إلا من جاهل عاطل , فمن قال لهم أن العبادة تستلزم الطلب , فقد يذكر المرء ربّه ويحمده ولا يسأله شيئاً , فلا يلزم من حصول دعاء العبادة حصول دعاء المسألة , وخصوصاً أن ابن عبد الوهاب يرى أن المشركين يعبدون الله كثيراً , فقد قال في كشف الشبهات :
    ( أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا!!) .

    فها هم يقومون بدعاء العبادة كثيراً في حياتهم كما يرى ابن عبد الوهاب , لكنّ ذلك لم يستلزم أن يسألوه حاجاتهم , فقد كانوا يسألون أصنامهم ويستغيثون بها في عامّة حياتهم , ولا يسألون الله تعالى إلا عند الوقوع في شدّة ومصيبة كونية كتهيّج البحار , لأنهم كانوا يعتقدون أن أمور الكون العظام من طلوع الشمس وتسيير البحار لم تفوّض إلى أصنامهم , فعبادتهم الكثيرة في عامة حياتهم ورخائهم لم تستلزم دعاءهم الله تعالى في عامّة حياتهم ورخائهم , فلا يلزم من دعاء العبادة دعاء المسألة , بل يلزم من اعتقاد استحقاق العبادة في موجودٍ الاعتقادُ بأنه أهل للطلب والسؤال .

    أمّا القول بأنّ دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة فليس بسديد ولا رشيد , فإنك عندما تبرهن للوهابية أنّ الآيات التي يتوهمونها إنما جاءت في دعاء العبادة لا في دعاء المسألة , بادروك بالقول بأن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة , ليتم لهم الحكم بالشرك على من استغاث بالأنبياء والأولياء , إلا أنّ ما يقوم به الناس في حياتهم من دعاء بعضهم بعضاً في حوائجهم يبطل ما زعموه , فلو كان دعاء المسألة -دون قصد التعبّد واعتقاد شيء من الربوبية والألوهية في المدعو- متضمناً لدعاء العبادة لكان جميع من سأل غيرَ الله تعالى مشركاً , ويكون سؤاله ذلك متضمناً لعبادة غير الله تعالى!! , ولَمَا وجدت شخصاً يسأل آخر إلا وقد عَبَدَه من دون الله!! لأنه دعاه دعاء مسألة , كما في قوله تعالى : ((فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوّه)) .
    ولو كان مجرد دعاء المسألة متضمناً لدعاء العبادة , لكان الملهوف المستغيث برجال الإطفاء عابداً لهم , ولكان المريض المستغيث بالطبيب عابداً له , ولكان القائد المستغيث بجيشه عابداً له , ولكان الغريق المستغيث بالمنقذ عابداً له , فإنّ جميع ذلك من دعاء المسألة , فعلى قولهم لا بدّ أن يتضمّن هذا الدعاءُ دعاءَ العبادة , فيكون جميع ما سَبَق شركٌ وعبادة لغير الله تعالى!!

    واحتج الوهابية بقوله تعالى : ((وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (*) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ )
    على أنّ دعاء المسألة عبادة!! مع أنّه حجة عليهم لا لهم!! فقد قال الطبري في تفسيره :
    ( وقوله :(وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ) يقول تعالى ذكره: والذين تعبدون أيها الناس من دون ربكم الذي هذه الصفة التي ذكرها في هذه الآيات الذي له الملك الكامل، الذي لا يشبهه ملك، صفته (مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) يقول: ما يملكون قشر نواة فما فوقها..... .
    يقول تعالى ذكره للمشركين به الآلهة والأوثان: فكيف تعبدون من دون الله من هذه صفته ، وهو لا نفع لكم عنده ، ولا قدرة له على ضركم ، وتَدَعون عبادة الذي بيده نفعكم وضركم ، وهو الذي خلقكم وأنعم عليكم ) .

    فحَمَل الدعاء في قوله :(( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ)) على دعاء العبادة , فيكون دعاء المشركين أصنامهم من دون الله تعالى شركاً , وستكفر الأصنام بهذا الشرك يوم القيامة كما قال تعالى : ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)) .

    وقال :
    (يقول تعالى ذكره للمشركين به الآلهة والأوثان: فكيف تعبدون من دون الله من هذه صفته، وهو لا نفع لكم عنده، ولا قدرة له على ضركم، وتدعون عبادة الذي بيده نفعكم وضركم، وهو الذي خلقكم وأنعم عليكم ) .

    ثم إنّ المشركين عندما يدعون أصنامهم ويسألونها كانوا يقصدون بذلك التعبّد والتقرّب لأصنامهم , ويعتقدون فيها النفع والضر والعزة والذلة , وأنها مستحقة للعبادة , فيكون دعاؤهم أصنامَهم وطلبهم منها عبادة لها .

    وسؤال المؤمنين غير الله تعالى ليس بقصد التعبّد والتقرب لغير الله ولا باعتقاد النفع والضر والعزة والذلة فيه , فلا يكون عبادة في حال , أمّا دعاؤهم اللهَ تعالى دعاء مسألة فهو عبادة لله , لأنهم يقومون به بقصد التعبد ويعتقدون أن الله تعالى متفرد بالنفع والضر والعزة والذلة والانفراد في استحقاق المعبودية , فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-عن دعاء المؤمنين ربهم تبارك وتعالى : (الدعاء هو العبادة) , وبيانه : أن (أل) فيه للعهد الخارجي عند المخاطبين ، وهم المؤمنون ، والمعهود عندهم إنما هو دعاؤهم ربهم عز وجل ، وليست للإستغراق! كما وهم أولئك المخدوعون ..
    وهذا الحديث تفسير لقوله تعالى : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم).
    فقد روى الترمذي عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " الدعاء هو العبادة " ثم قرأ : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم).
    فهذا الحديث يدلّ على أنّ المقصود بالدعاء في الآية دعاء العبادة , ويدل على ذلك أيضاً تتمة الآية وهي : ((إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين)) .
    ويؤيّد هذا أيضاً ما رواه الحاكم عن عبد الله بن جرير –ر- أنّه فسّر الدعاء في هذه الآية بالعبادة , فقال الحاكم :
    (عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه ، في قول الله عز وجل : ( ادعوني أستجب لكم) قال : « اعبدوني أستجب لكم » « هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه » ) ووافقه الذهبي .
    ولذلك قال الطبري في تفسيره لهذه الآية :
    ( وقوله: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس لكم (ادعوني) يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك ( أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول: أُجِبْ دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم.
    .... عن ابن عباس ، قوله: ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول: وحَّدوني أغفر لكم .
    .... عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:"الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ" وقرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ). ) .
    فكُن من الإيمان في مَزِيد = وفي صفاءِ القلبِ ذا تَجديد
    بكَثْرة الصلاةِ والطاعاتِ = وتَرْكِ ما للنَّفس من شَهْوَات

صفحة 4 من 10 الأولىالأولى 12345678 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •