صفحة 2 من 10 الأولىالأولى 123456 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 150

الموضوع: نقد الرؤية الوهابية للتوحيد وقسميه

  1. المبحث الثاني : اعتقادات الهنود


    ذكر العلماء أن الآلهة الأنثى من أهم معبودات الهنود الأولين , واعتقد هؤلاء القوم في قدرة الآلهة الأنثى على التصرف في شؤون الإنسان والحيوان بالرضا أوالسخط "فمن قدسهن وقدم لهن القرابين رضين عنه وأحطنه برعايتهن , ومن لم يفعل ذلك سخطن عليه وأهلكنه وأهلكن ماشيته"(1)

    يقول د.محمد غلاب :
    (ويتلخص القليل الذي كشف من هذه الديانة في أنّ اولئك القوم كانوا يعبدون على الأخص إلهات إناثاً لأنهم كانوا يعتقدون أنهن قادرات على إيجاد وإبادة الأناسي والحيوانات , وأنهن يحمين أكثر الناس تقديساً لهن , وأنّ من لا ينلن منه القرابين والضحايا يكن هو وحياته معرّضاً للدمار) . (2)

    وقد كان عند الهندوس لكل قوة في الطبيعة إله يعدّونه , ويستنصرون به في الشدائد , كالماء والنار والأنهار والجبال وغيرها , وكانوا يدعون تلك الآلهة لتبارك لهم في ذريتهم وأموالهم من الواشي والغلات والثمار , وتنصرهم على أعدائهم (3)

    أمّا آلهة الفيدا فهي ألهة كثيرة ليس من السهل حصرها "بعضها يتمثل في الشمس وما تسكبه على الكون من نعمة الإضاءة والدفء والإنعاش , والبعض الآخر يتمثل في قاتل تنين هائل أو وحش مخيف , وقد يصل عدد أولئك أحياناً إلى ثلاثين أو ثلاثة وثلاثين إلهاً متساوين حيناً ولهم رئيس أعلى حيناً آخر" (4)

    وفي مقدمة هذه الآلهة –التي تكثر الفيدا من التضرع إليها- ثلاثة : أندرا - أجنى – قارونا أو (مترا) .

    أمّا (أندرا) فقد خص وحده بما لا يقل عن الربع من ابتهالات الريج فيدا , وشارك غيره في مثل هذا العدد , ويوصف بأنه أقوى مظاهر الألوهية , ويعزى إليه أنه هو الذي يهب لإنقاذ الإنسان من الشرور والأخطار التي قد تحدق به فهو بذلك المنقذ الأول للإنسانية ...


    وقد ترجم الأستاذ محمود علي خان بعض ابتهالات الريج فيدا للإله "أندرا" كما يلي :
    هو الأعلى من كل شئ وهو الأسنى
    إله الآلهة ذو القوة العليا
    الذي أمام قدرته الغالبة
    ترتعد الأرض والسماوات العالية
    أيها الناس استمعوا لشعري
    إنما هو إندرا إله الكون
    هو الذي قهر الشياطين في السحاب
    وأجرى الأقمار السبعة الصافية الكبار
    واقتحم كهوف الكآبة والأكدار
    وأخرج البقرات الجميلة من الأرحام
    وأضاء النار القديمة من البرق في الغمام
    ذلك هو إندرا البطل الجسور
    الجيش المتقدم للهيجاء
    يناديه للنصرة يوم الحرب
    الأعزاء بصيته الذائع يهتفون
    والأذلاء يذكرون اسمه بشفاههم ويهمسون
    وقائد الجيش على العجلة الحربية
    يدعو ويستنصر إندرا إله الحرب
    الأرض والسماء تعترفان بسلطانه وكماله
    والجبال المرتعدة تخر له وتسجد لجلاله (5)


    أمّا (أجنى) فهو المظهر الأول للقوة المقدّسة , وهو الذي يتراءى للناس في صور وختلفة أدناها نار الموقد , وأسماها ما في العالم السفلي والعلوي من مظاهر العظمة , وقد جعلت النار رمزاً يمثل مقدرة هذا الإله على التطهير وهو أيضاً صديق الإنسانية ومنقذها , إذ أنه هو الذي يوجد النور بعظمته , ويفني الشر ويهزمه أمام جبروته (6)

    أمّا (فارونا) فهو الإله الذي يملك مقاليد السماوات والأرض , وهو الذي منح القوانين والمبادئ الخلقية , وهو إله عالمي يملك سلطات واسعة لا حدود لها.(7) .(8) .

    ومن الديانات المنتشرة في الهند الديانة البوذية , ويعتقد البوذيون في بوذا أنّه إله تجسد في صورة بشرية , ومثلوه في صورة منقذ ومخلص للناس (9)

    وكذلك تعتبر الجينية من كبرى الديانات الهندية , وقد كانت الجينية نوعا من المقاومة للهندوسية وثورة على سلطان البراهمة، ومن هنا لم يعترف مهاويرا بالآلهة، فالاعتراف بالآلهة قد يخلق من جديد طبقة براهمة أو كهنة يكونون صلة بين الناس والآلهة، وقرر أنه لا يوجد روح أكبر أو خالق أعظم لهذا الكون، ومن هنا سمي هذا الدين دين إلحاد، واتجهت الجينية إلى الاعتقاد بأن كل موجود انسانا كان أو حيوانا أو نباتا أو جمادا يتركب من جسم وروح، وأن كل روح من هذه الأرواح خالدة مستقلة؟ جرى عليها التناسخ الذي اتفقت فيه الجينية مع الهندوسية .

    غير أن العقل البشري يميل إلى الاعتراف بإله، ويحتاج الالحاد إلى أدلة أكثر من الأدلة التي يحتاجها إثبات الآلهة، ومن هنا وجد فراغ كبير في الجينية بسبب عدم اعتراف مهاويرا بإله يكمل به صورة الدين الذي دعا إليه، وكان من نتيجة ذلك أن اعتبره أتباعه إلها، بل عدوا الجيناوات الأربعة والعشرين آلهة لهم، ولعلهم بذلك كانوا متأثرين بالفكر الهندي الذي يميل في الأكثر إلى تعدد الآلهة. (10)

    وما زالت هذه العقائد موجودة في الهند حتى هذا اليوم , فيقول مافير في كتابه "نخلة شفوات" المطبوع سنة 1895م -والذي ترجم إلى العربية عام 1913م- يقول:
    ( لقد ذكر في الكتب الهندية القديمة التي ترجمت إلى الإنجليزية شارحة عقيدة الهنود القدماء ما نصه: نؤمن "بسافستري" -أي الشمس- إله واحد ضابط الكل، خالق السموات والأرض وبابنه الوحيد "آتي" -أي النار- نور من نور مولود غير مخلوق تجسد من "فايو" -أي الروح- في بطن "مايا" -أي العذراء-. ونؤمن "بفايو" الروح الحي المنبثق من الأب والابن الذي هو مع الأب والابن يُسجد له ويُمجد) .

    والبرهمية الهندوسية لهم ثلاثة أقانيم يعبدونها:
    1- "برهما": الإله الخالق مانح الحياة.
    2- "بشنو" أو "فشنو" أو "يش": الذي خلق في المخلوقات قبل العالم من الفناء التام.
    3-" سيفا" أو "سيوا": الإله المخرب المفني.

    وهذه الأقانيم الثلاثة هي لإله واحد في زعمهم، والإله الواحد هو الروح المعظم واسمه "أتما". (11)



    --------------------------------------------------------
    1- بوذا الأكبر , ص6 .
    2- دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص129 .
    3- أديان الهند الكبرى ص45 , الدكتور أحمد شلبي
    4- الفلسفة الشرقية ص93
    5- أديان الهند الكبرى ص43 , الدكتور أحمد شلبي .
    6- بوذا الأكبر ص14
    7- الهند القديمة ص80 .
    8- دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص131-132
    9- دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص138
    10- أديان الهند الكبرى ص111 , الدكتور أحمد شلبي
    11- أثر العقائد الوثنية في التثليت .

  2. المبحث الثالث : اعتقادات اليونان




    عبد اليونان القدماء السماء وما فيها , فكان إله السماء العظيم المختلف الصور هو إله الغزاة اليونان في بادئ الأمر , وأطلق عليه (أورانوس) مرة و (زيوس) مرة أخرى على أنه مرسل السحاب ومسقط الأمطار , وجامع الرعد .
    هذا وقد عبد اليونانيون أيضاً (إله الشمس) (هيلوس) ولكنه كان من الآلهة الصغرى .

    وكان لليونان آلهة أخرى تسمى آلهة ما تحت الأرض , وكانت أكثر الآلهة رهبة لدى اليونان , ففي المغارات والشقوق وأمثالها من الفتحات السفلى كانت تعيش تلك الآلهة الأرضية التي لم يكن اليونان يعبدونها بالنهار عبادة تنطوي على الحب والإجلال , بل كانوا يعبدونها ليلاً عبادة مصحوبة بأناشيد وطقوس تنم عن التوبة والهلع , وكانت هذه القوى غير البشرية هي المعبودات الحقيقية الأولى لبلاد اليونان .

    وكان أعظم هذه الآلهة الأرضية هو (زيوس) الأرضي , وكان يسمى أحياناً زيوس ميلكيوس أي زيزس الخير , ولكنه وصف خادع يقصد به استرضاء الإله الذي كان يصور في صورة أفعى رهيبة , وكان (هاديز) رب ما تحت الأرض أخاً لزيوس , وعنددد أخذ اسمه أراد اليونان أن يسكنوا غضبه فسموه (بلوتو) أي واهب الوفرة , لأنه كان في مقدوره أن يبارك أو يبيد جذور ما ينبت على سطح الأرض , وكان أشد من بلوتو روعة ورهبة الإلهة (هكتي) وهي روح خبيثة تخرج من العالم السفلي وتسبب البؤس والشقاء بعينها الحاسدة الشريرة لكل من تزوره الخلائق , وكان القليلو العلم يقربون لها الجراد ليبعدوها عنهم .

    وقد عظّم اليونان بعض الحيوانات , فقدّسوا الأفعى مثلاً لأنها في ظنهم لا تموت أو لأنها ترمز إلى القدرة على التناسل والإنتاج . (1)

    وكانت عبادة الأسلاف أو الأموات من المعتقدات الشائعة بين اليونان القدماء , وكانت هذه العبادة لأرواح الموتى نتيجة لأنهم اعتقدوا أن الموتى أرواح قادرة على أن تفعل للناس الخير والشر , وتسترضى بالقرابين والصلاة , فكان اليونان يرهبون هذه الأشباح الغامضة وكانوا يسترضونها بطقوس ومراسم يقصدون بها إبعادها واتقاء شرها . (2)

    وانتشر بين اليونان ما يسمى بالعبادة الأوليمبية وهي عبادة آلهة السماء , وكانت هذه الآلهة تمتاز بالخلود؛ فهي بالرغم من حدوثها لا نهاية لوجودها خلافاً للإله (كرونس) القديم والخالد , وبالقدرة على ما يعجز عنه البشر , فكانوا يشرفون على شؤون الكون , واختص كلّ واحد منهم بمظهر أو بطائفة من مظاهره(3) , وكانت هذه الآلهة تتألف من اثني عشر إلها ؛ فمنهم زيويس وهو إله السماء , وهو الحاكم الأعلى ورب الآلهة والناس , وكان له أثر في الظواهر الجوية والطقس بوجه عام , المطر , والبرق , والرعد , والعاصفة .

    وكان من هذه الآلهة (بوسيدون) إله البحر , و(هيفايستوس) إله النار , و(أبلوللون) المتعدد الاختصاصات حيث كان إله الموسيقى والرماية والتنبؤ والطب والشمس , و(أرتميس) إله الصيد , و (آريس) إله الحرب , و (هرميس) وكان ابناً لرب الأرباب زيوس , وقد وصف بأنه إله التجارة واللصوص والبيان والخطابة , و (أثينا) إلهة الحكمة والعقل والفنون , و (أفروديتي) إلهة الحب والجمال والخصب والتناسل , و (هستا) إلهة الموقد التي كانت تحمي العائلة وترعاها , و (هاديس) إله العالم السفلي أو عالم الموتى. (4)



    --------------------------------------------------------
    1- قصة الحضارة 2/321- 325, نقلاً عن دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص149.
    2- دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص151
    3- الأدب اليوناني ودلالته على عقائد اليونان , ص11 باختصار , نقلاً عن دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص154 .
    4- دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص154-159 باختصار .

  3. المبحث الرابع : اعتقادات الصينيين


    إن البوذية لهي من أكبر الديانات المنتشرة عند الصينيين , و يدين بها أكثر من ستمائة مليون شخص حول العالم , وأتباع بوذا يعتبرونه كما لو كـان يرى ويعلم كل شيء . إنّ تعدد تماثيل بوذا في البلدان التي تشكل البوذية فيها الديانة السائدة، وعيــون بوذا المصورة فى كل معـبد كلّها تشهد باعتقاد البوذيين المنحرف والضال بأنّ بوذا يراهم في كل لحظة بعينيه المصنوعتين من الحجر أو الخشب، ويسمعهم بأذنيـــه المتخشبة. ولهذا السّبب فقد ملئوا مساكنهم بتماثيله وهم يقومون أمامها بممارسة فروض التوقير.

    إنّ فلسفة البوذيـة تنكر وجود الله، ولكن تؤسس ذاتها على جوانب قليلة من أخلاق البشر وعلى إله "إزارا" من آلالام هذا العالم. وبدون أي سند فكري أو علمي فهي تنبني على مفهومين متلازمين هما ما يسمى بـالكرما (العاقبة الأخلاقية) والتناسخ، وهي فكرة أنّ البشر تعاد ولادتهم دوما فى هذا العالم، وأنّ حياتهم اللاحقة يحدّدها سلوكهم في حياتهم الأولى. ولا يوجد شيء مكتوب فى البوذية يتحدث عن وجود خالق، أو على الأقل يبيّن كيف وجد الكون والعالم والأحياء. لا يوجد نص بوذي يصف لنا كيف خُلق الكون من العدم أو كيف وجدت الأحياء أو كيف يمكن تفسير المظاهر الموجودة في كل مكان من هذا العالم والتي تمثل دليلا على خلق ليس له نظير. ووفقا للوهم البوذيّ ليس من الضروري التفكير فى هذه الأمور. وكما تزعم نصوص بوذا فإنّ أهم شيء فى الحياة هو كبح الشّهوات وتبجيل بوذا والتخلص من الآلام، وبالتالي فإنّ البوذية كعقيدة تعاني من نظرة ضيقة تحجب معتنقيها عن بحث هذه الأسئلة الأساسية مثل: من أين جاء العالم, وكيف وجد الكون وجميع المخلوقات. والحقيقة أنّها تمنعهم من مجرّد التفكير فى هذه الأشياء وتحصرهم فى قالب ضيق من حياتهم الآنية.

    وينكر البوذيون وجود الله ويرون أنّ "الكرما" هى القوة الوحيدة الفذة التي تتحكم في كل شيء , والكـرما كلمة سنسكريتية (لغة الهند الأدبية القديمة)، وتعنى "فعل"، وتشير لقانون المسبب والأثر. ووفقا لرأي من يعتقدون فيها فالشخص يقابل في المستقبل ما فعله في الماضي سواء كان خيرًا أم شرًّا، فالماضي يمثل حياة الشخص الأولى، والمستقبل يفترض أن يكون حياة جديـدة تبدأ بـعد الموت. ووفقا لهذا الاعتقاد فإنّ الشخص الذى هو فقير فى حياته اليوم يقوم بفقره هذا بدفع ثمن الشّرور التي ارتكبها في حياته الأولـى. وهـذا الاعتقـاد الخرافى يزعم أنّ الإنسان في حيـاة لاحـقـة قـد "يخفض" لمستوى إعادة ميلاده كحيوان أو حتى نبــات، أي مـا يسمى بتنــاسـخ الأرواح.(1)

    ولم يعن بوذا بالحديث عن الإله، ولم يشغل نفسه بالكلام عنه إثباتا أو إنكارا، وتحاشى كل ما يتصل بالبحوث اللاهوتية وما وراء الطبيعة أو عن القضايا الدقيقة في الكون، إذ كان يرى أن خلاص الإنسان متوقف عليه هو لا على الإله، ويرى أن الإنسان صانع مصيره. ومن كلماته في ذلك: كونوا لأنفسكم جزائر قائمة بنفسها، وكونوا لأنفسكم موائل وكهوفا، ولا تعتصموا بملاذ خارجي، ولا تحتموا بغير أنفسكم .

    وكان ينهي أصحابه وزواره أن يخوضوا في هذه الأبحاث، ويوبخهم على سؤالهم عن قضايا دقيقة مجردة، ويأمرهم بالخوض في أعمالهم ودواعيها وميولهم وعواطفهم وعواملها، وقد سأله أحد مريديه مرة: هل الذات موجودة؟ فسكت، فسأله: هل الذات ليست موجودة؟ فظل ساكتا. فسأله: هل هذا الكون دائم أم غير دائم؟... وأخيرا قال بوذا لهذا المريد. هل قلت لك جئني أعلمك عن الذات وعن الكون؟ لا، لم أقل هذا، أيها المريدون لا تفكروا كما يفكر
    الناس، بل فكروا هكذا: هذا ألم. هذا مصدر الألم، هذا إعدام الألم. هذا سبيل إعدام الألم..

    ولكن بوذا اتجه أحيانا إلى جانب الانكار أكثر من اتجاهه إلى جانب الاثبات، فقد وقف في إحدى خطبه يسخر ممن يقولون بوجود الإله، وكان مما قاله في ذلك: إن المشايخ الذين يتكلمون عن الله، لم يروه وجها لوجه، فهم كالعاشق الذي يذوب كمدا وهو لا يعرف من هي حبيبته، أو كالذي يبني السلم هو لا يدري أين يوجد القصر، أو كالذي يريد أن يعبر نهرا فينادي الشاطئ الآخر ليقدم له .(2)

    ومن أكبر الديانات الصينية الطاوية , ويعتقد الطاويون أن كل ما في الوجود هو "الطاو" ، فهو أصل كل الأشياء ، وإليه مرد كل الأشياء ، وأنَّ كل ما في الكون تمثيل للطاو في ثنائية "الين و"اليانج" وكل مافي الكون يسعى للموازنة بين قوتي "الين" و"اليانج" حتى يتحقق التناغم مع "الطاو" الذي هو أصل الكون وانبثقت عنه جميع الموجودات ويعتقدون أن "الطاو" (Tao) يشمل طاقة كونية حيوية اختلف اسمها من لغة للغة ومن بلد لبلد ومن تطبيق لتطبيق كالصحة والرياضة والتغذية .

    وينفي الطاويون الأصليون وجود الإله لأنَّ إثبات الإله يقتضي وجود نقيضه حسب مفهوم الثنائية المطلوبة لتوازن الكون ، إلا أنَّهم لا يبالون باعتبار بعض أتباع الديانات السماوية لمفهوم"الطاو" على أنه قريب لمفهوم الإله .

    ويزعمون أن كل إنسان يحتاج أن يتناغم مع "الطاو" بأي اسم كان ، ويتم له ذلك عن طريق تدفيق طاقته الحيوية في جسمه فتتناغم طاقته الروحية مع هذه الطاقة فيتحقق أقصى مطلوبة في الحياة وهو الحياة بلا أمراض والخلاص من التناسخ بعد الموت ، ويتحقق ذلك في أكمل صوره بالانتباه للدور الذي تلعبه القوى الثنائية المتناقضة في الكون والمكونة من ما يسمى "الين" و"اليانج" .
    فـ "الين" يمثل القمر والأنوثة والسكون والبرودة .
    و"اليانج " يمثل الشمس والذكورة والحركة والحرارة .
    ويمثل "الطاو" التوازن المثالي بين هاتين القوتين والتكامل بين النقيضين الذكر والأنثى، والموجب والسالب .(3)



    --------------------------------------------------------
    1- الإسلام والبوذية , هارون يحيى , باختصار .
    2- أديان الهند الكبرى ص161-162 , الدكتور أحمد شلبي.
    3- الديانة الطاوية , أمين بن يحيى الوزان .

  4. المبحث الخامس : اعتقادات الرومان


    عبد الرومان في أول الأمر , العديدَ من الآلهة والأرواح والأشباح , وفسروا وقوع الظواهر الطبيعية بأنها من عمل هذه الأرواح . (1)

    لقد اعتقد الروماني أنّ العالم من حوله خاضع لقوى غير مرئية , يظهر نشاطها في الظواهر الطبيعية كالليل والنهار , والمواسم والرياح , والطقوس , ونمو النبات , والحيوان ثم تحللها , ومجريات الحياة الإنسانية من الميلاد حتى الممات , وكان الروماني يطلق على هذه القوى اسم (الأرواح النشطة) (2) , وهذه الأرواح تهيمن –في نظر الروماني- وتسيطر على حياة الإنسان فتحسن إليه أو تجلب عليه الأضرار , وتخرج هذه القوى أحياناً من مخابئها وتمس الأشخاص أو الأشياء فتدنسها وتجعلها خطرة على حياة المجتمع , ويظهر تأثيرها على الناس في حالات منها الحوادث الطبيعية وغير المألوفة , ككسوف الشمس , وظهور المذنبات , والصواعق , وانحدار مياه الأمطار التي تحمل معها الأحجار , أو التراب , أو الدماء , أو الهزات الأرضية , ومنها أيضاً ولادة المخلوقات العجيبة الحيوانية ذات الرأسين أو الأرجل الخمسة , أو العجائب البشرية التي لم يخل منها عصر من العصور . (3)

    وكان الإنسان الروماني يعتقد أنه في حاة إلى معونة هذه الآلهة وحمايتها له في كل مجريات حياته اليومية , لذلك كان يعمل على إرضائها بتقديم الذبائح وإقامة الطقوس . (4)

    وكانت الدولة الرومانية ترعى هذه الآلهة , "وكانت تخشى من عدم إرضائها , والتزمت دائماً بعدم إغضابها , بل باستشارتها قبل اتخاذ أي عمل , لأن هدف الرومان كان دائماً هو السلام مع الآلهة . ومن ثم فإن دوراً استشارياً كبيراً بالنسبة للدولة بل وللمواطن الروماني العادي الذي يتمسك بالدين , ويؤمن بالفأل وتتحكم فيه الغيبيات الدينية" (5) .



    --------------------------------------------------------
    1- دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص178
    2- حضارة روما ص24 .
    3- روما والشرق الروماني ص40-41 , نقلاً عن دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص179 .
    4- دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص179.
    5- تاريخ وحضارة الرومان ص109 , نقلاً عن دراسات في الأديان الوثنية القديمة , ص181 .

  5. يتبع ...
    المبحث السادس : اعتقادات العرب الجاهليين في معبوداتهم

    الديانات التي كانت منتشرة عند العرب هي :
    أولاً : اليهودية والنصرانية
    ثانياً : المجوسية
    ثالثاً : الصابئة
    رابعاً: الوثنية والصنمية
    خامساً: الدهرية

    وهناك أديان أخرى كانت موجودة عند العرب , كالزردشتية وبعض العقائد الفارسية , التي أخذوها عن الفرس من خلال احتكاكهم بهم ورحلاتهم إلى بلادهم , وقدوم الرقيق من بلاد فارس , والانتداب الفارسي على بعض بلاد العرب , لكن هذه العقائد لم تكن منتشرة بين العرب كانتشار الوثنية أو الدهرية , ولا حتى كانتشار النصرنية واليهودية .

  6. المبحث السادس : اعتقادات العرب الجاهليين في معبوداتهم




    أولاً : اليهودية والنصرانية


    انتشرت اليهودية بين ملوك حمير , وبين بني كنانة , وبني الحارث بن كعب , وكندة , وغسان , وتهوّد أيضاً قوم من الأوس والخزرج بعد خروجهم من اليمن لمجاورتهم يهود خيبر وقريظة والنضير , وتهوّد قوم من غسّان وقوم من جذام ومن بني الحارث بن كعب .
    وامتدت الديانة اليهودية إلى ما وراء المدينة المنورة , حتى تهوّد كثير من عرب الحجاز واليمن .

    أما يهود الحجاز فكانوا قبائل وعشائر منهم بنو عكرمة , وبنو ثعلبة , وبنو محمر , وبنو قينقاع , وبنو زيد , وبنو النضير , وبنو قريظة , وبنو بهدل , وبنو عوف , وبنو القصيص . وقد سكنوا في خيبر , وتيماء , وفدك , ووادي القرى , والطائف , والمدينة المنورة , ومكة المكرمة , وسواحل البحر الأحمر .
    وانتشرت اليهودية في اليمن وظهر التهود فيها واضحاً , وخصوصاً أن تلك البلاد أكثر تحضراً من غيرها من بلاد العرب آنذاك , ولطبيعة مناخها ووقوعها على الساحل , مما سمح لليهود وهم أهل صناعة وحرفة وتجارة أن يجدوا مأربهم في هذه البلدان . (1)

    أما بالنسبة للنصرانية فقد نتشرت في الجزيرة العربية من ثلاثة مداخل :
    أولها المدخل الشمالي : فقد كانت الكنيسة السورية من أهم دعائم النصرانية , ومن خلالها انتشرت في عمق الجزيرة العربية , وكان المذهب السائد فيها المذهب اليعقوبي , وساهم الغساسنة في انتشار هذا المذهب , وكان ملكهم الحارث بن جبلة أحد أشد المتحمسين له .
    ثانيها المدخل الشمالي الشرقي : ويشمل مدن الرها ونصيبين وما حولها , ومن هناك انتشرت في بلاد البحرين وعمان بجهود البعثات التنصيرية .
    ثالثها المدخل الغربي والجنوبي الغربي : ويمثل هذا المدخل بلاد الحبشة , ومن خلاله دخلت النصرنية بلاد اليمن والحجاز .

    وقد دخلت النصرانية إلى قلب بلاد العرب عن طريق المنصرين والرهبان والتجار النصارى , وكانت دومة الجندل من المناطق المتنصرة , وكان أيضاً في وادي القرى جماعة من الرهبان , وقد تنصرت قبيلة طيء , وكان في المدينة المنورة بعض النصارى المقيمين فيها إلى جانب اليهود , يقول حسان بن ثابت –رضي الله عنه- :
    فرحت نصارى يثرب ويهودها ****** لما توارى في الضريح الملحد

    وعرفت مكة بعض النصارى الذين نزلوا فيها , وكان الرقيق الحبشي الذي تعج به مكة نصرانياً , وكذلك دخل إليها بعض التجار والحرفيين .

    وعرفت الطائف بعض الموالي من النصارى , منهم عدّاس النينوى الذي آمن بالنبي –ص- .

    وقد دخلت النصرانية إلى اليمامة أيضاً , وتنصر هوذ بن علي أحد حكامها .

    وقد دخلت النصرانية أيضاً شرق الجزيرة العربية في البحرين وقطر وعمان وما حولها , وكان المذهب السائد فيها النسطوري .

    وقد كانت نجران مركزاً تنصيرياً رئيسياً , وقام أبرهة من خلالها بنشر المسيحية , وبنى الكثير من الكنائس واهتم بزينتها , ومن أشهرها القليس التي بناها في صنعاء . (2)

    ولمّا بدأ النبي –ص- بالدعوة إلى التوحيد , كان لليهود والنصارى تأثير كبير في الحياة الدينية عند العرب , فقام النبي –صلى الله عليه وسلم- بدعوتهم إلى توحيد الله تعالى وترك الشرك , ومن خلال النصوص القرآنية يتبيّن ما كان يحمله اليهود والنصارى من عقائد في الله تعالى , فقد وصفوه بالنقائص المستحيلة في حقه سبحانه , ولم يُبقوا نقيصة إلّا نسبوها إليه , تعالى الله عن قولهم وإفكهم , فأشركوا في ربوبيته سبحانه وتعالى , وما قدروه حقّ قدره في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته , وجعلوا له من الأشباه والأمثال والأنداد ما لا يحصى ولا يعد .

    ۞ قال تعالى : ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُون )). التوبة: ٣٠

    فمن جعل لله تعالى ولداً فقد نسب النقص له تعالى , ومن كان هذا حاله من نسبة النقائص المستحيلة على الله تعالى كان غير موحد في الربوبية , فلم يكن اليهودُ والنصارى مراعين وصف الله تعالى بما يجب له , ولم ينزهوه عما يستحيل في حقه .

    قال البغوي عند تفسير الآية "17" من سورة الأنبياء :
    (وتأويل الآية أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا , رد الله عليهم بهذا وقال: { لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده ، لا عند غيره { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } قال قتادة ومقاتل وابن جريج: { إِنْ } للنفي، أي: ما كنا فاعلين. وقيل: { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } للشرط أي إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا، ولكنا لم نفعله لأنه لا يليق بالربوبية ) .

    فنسبة الولد لله تعالى منافية للإقرار بربوبيته وكماله , ومن ادّعى لله ولداً , فلا بدّ وأن ينسب للولد خصائص الربوبية , كما فعل اليهود في العزير والنصارى في المسيح , لأن الولد لا بد أن يجانس أباه ويشابهه في صفاته وأفعاله .

    قال ابن الجوزي في زاد المسير عند تفسير الآية "30" من سورة مريم :
    (قال السدي : فلما سمع عيسى كلامهم ، لم يزد على أن ترك الرَّضاع ، وأقبل عليهم بوجهه ، فقال : إِني عبد الله . قال المفسرون : إِنما قدَّم ذِكر العبودية ، ليُبطلَ قول من ادَّعى فيه الربوبية ) .

    وقال الطبري عند تفسير الآية "171" من سورة النساء :
    (يعني بقوله جل ثناؤه: "فآمنوا بالله ورسله" ، فصدقوا، يا أهل لكتاب، بوحدانية الله وربوبيته، وأنه لا ولد له .
    وصدِّقوا رسله فيما جاءوكم به من عند الله، وفيما أخبرتكم به أن الله واحد لا شريك له، ولا صاحبة له، لا ولد له "ولا تقولوا ثلاثة"، يعني: ولا تقولوا: الأربابُ ثلاثة ) .

    وهذا شرك في الربوبية .

    وقال عند تفسير الآية "111" من سورة الإسراء :
    ( يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد –صلى الله عليه وسلم- (وَقُلْ) يا محمد , (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ) فيكون مربوباً لا رباً ، لأن ربّ الأرباب لا ينبغي أن يكون له ولد ) .

    وقال عند تفسير الآية "31" من سورة التوبة :
    ( (سبحانه عما يشركون)، يقول: تنزيها وتطهيرا لله عما يشرك في طاعته وربوبيته ، القائلون : (عزير ابن الله) ، والقائلون: (المسيح ابن الله)، المتخذون أحبارهم أربابا من دون الله ) .

    فبيّن أن نسبة اليهود والنصارى الولدَ لله تعالى شرك في الربوبية , وقد نسب الوثنيون البنين والبنات لله تعالى فأشركوا في ربوبيته كاليهود والنصارى .

    ۞ وقد أخبر الله تعالى أن اليهود قد نسبوا إليه –تعالى وتنزه- الفقر والنقائص , ومن كان هذا حاله فليس بموحّد في الربوبية , قال تعالى : ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا)) المائدة: ٦٤ .

    ۞ وقال تعالى (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)) . آل عمران: ١٨١

    فقد وصفوا الله تعالى بأخس أوصاف البشر مما يستحيل عليه .

    ۞ وأخبر عنهم أيضاً أنهم يحرّفون كلامه تعالى , فأي مرتبة له في قلوبهم!! قال تعالى : ((مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ)) . النساء: ٤٦ .

    ۞ وقال تعالى : ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)) . النساء: ١٧١.

    بيّن الله تعالى في هذه الآيات شركَ النصارى في ربوبيته , فقد دعاهم سبحانه إلى ترك الغلو في شأن سيدنا عيسى -عليه السلام- , فمن النصارى من قالَ بأن الله تعالى هو عيسى ابن مريم , كما أخبر عنهم القرآن الكريم في قوله :
    ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)) . المائدة: ٧٢ .
    وذلك لاعتقادهم بحلول الله تعالى في سيدنا عيسى واتحاده به , لِما رأوا على يديه من الخوارق , فاعتقدوا أن له صفات الرب تبارك وتعالى وأفعاله , وقال بعضهم بأن الله تعالى متركب من ثلاثة , فأخبر عنهم سبحانه وتعالى :
    ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ )) المائدة: ٧٣ .

    قال الإمام الطبري عند تفسير هذه الآية :
    ( وهذا أيضًا خبر من الله تعالى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيليين الذين وصف صفتهم في الآيات قبل : أنه لما ابتلاهم بعد حِسْبَانهم أنهم لا يُتبلون ولا يفتنون، قالوا كفرًا بربهم وشركًا : "الله ثالث ثلاثة" , وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنَّسطورية . كانوا فيما بلغنا يقولون : "الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم : أبًا والدًا غير مولود، وابنًا مولودًا غير والد، وزوجًا متتبَّعة بينهما" ) .

    ومنهم من قال بأن المسيح عليه السلام ابن الله عز وجل , كما أخبر عنهم القرآن :
    ((وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه)) التوبة: ٣٠ .

    وذلك بسبب رؤيتهم الأفعال الخارقة على يديه , فاعتقدوا فيه البنوّة لله تعالى , إذ إنه وُلِدَ من غير أب , "وقد نفى الله تعالى الولادة والبنوة عنه سبحانه , لأن الولادة تقتضي انفصال مادة منه سبحانه , وذلك يقتضي التركيب المنافي للصمدية والأحدية , أو لأن الولدَ من جنس أبيه , ولا يجانسه تعالى أحد , لأنه سبحانه واجبٌ وغيرُه ممكن , ولأن الولدَ على ما قيل يَطلبه العاقل , إما لإعانته أو ليخلفه بعده , وهو سبحانه دائمٌ باقٍ غير محتاج إلى شيء من ذلك" (3) .

    ۞ وقد قال تعالى رداً على اعتقاد النصارى الربوبيةَ في المسيح :
    ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ )) . المائدة: ٧٥ .

    قال الطبري في تفسيرها :
    (وقوله:"كانا يأكلان الطعام"، خبٌر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمّه : أنهما كانا أهل حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم ، فإنّ من كان كذلك، فغيرُ كائنٍ إلهًا، لأن المحتاج إلى الغذاء قِوَامه بغيره , وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليلٌ واضحٌ على عجزه , والعاجز لا يكون إلا مربوبًا لا ربًّا ) .

    ومن المعلوم أن النصارى يقولون بتجسّد الرب تبارك وتعالى في جسد بشري , وكذلك في جسد خروف , فقد جاء في : "رؤيا يوحنا اللاهوتى : إصحاح 17 : 14" :
    ((وهؤلاء يُحَارِبُونَ الخروف ، وَلَكِنَّ الخروف يَهْزِمُهُمْ ، لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ)) !!

    وأحياناً يُجسّدونه بالحمامة , ويشبهون قوّته بقوة بعض الحيوانات كالأسد والنمر والدب !!

    واليهودُ والنصارى يصفون الربّ تعالى بالعجز , والجهل , والندم , والتأسف , والمصارعة , والنوم والاستيقاظ , ولم يجدوا صفةَ نقصٍ وعجزٍ مستحيلةٍ في حق الله تعالى إلا نسبوها له ووصفوه بها , تعالى الواحدُ الأحد عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً .

    ففي القضاة "الإصحاح 1 :19" : (لم يستطع الله طردهم لأن مركباتهم حديد ) .
    وفي سفر التكوين "الإصحاح 6" : ( ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض . وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هي شريرة فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه..) .
    وفي سفر التكوين "الإصحاح 8 :20-22" , بعد أن محا الرب الحياة عن الأرض بالطوفان : (وقال الرب في قلبه : لا أعود ألعن الأرض أيضا من أجل الإنسان لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته . ولا أعود أيضا أميت كل حي كما فعلت ) .
    وفي سفر صموئيل الأول " الإصحاح 15 : 10-11" : ( وكان كلام الرب إلى صموئيل قائلا : ندمت على أني قد جعلت شاول ملكا , لأنه لأنه رجع من ورائي ولم يقم كلامي . فاغتاظ صموئيل وصرخ إلى الرب الليل كله ) .
    وجاء في سفر التكوين "الإصحاح 23-32" عن قصة مصارعة الرب مع يعقوب , وهذه المصارعة دامت ليلاً طويلاً ، وكاد يعقوب يفوز فيها لولا أن الطرف الآخر في المصارعة ـوهو الله!!ـ لجأ إلى حيلة غير رياضية هزم بعدها يعقوب : ( فبقى يعقوب وحده , وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر . ولما رأى أنه لا يقدر عليه - أي لايقدر على يعقوب - ضرب حُق فخذه - أي فخذ يعقوب - فانخلع حُق فخذ يعقوب في مصارعته معه . وقال الرب : أطلقني , لأنه قد طلع الفجر , فقال يعقوب : لا أطلقك إن لم تباركني , فقال له -الرب - : ما اسمك ؟ فقال : يعقوب . فقال - الرب - : لايدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل لأنك جاهدت - أي صارعت - مع الله والناس فقدرت .. وقال يعقوب : أخبرني باسمك ؟ فقال الرب : لماذا تسأل عن أسمي ؟ وباركه هناك . فدعا يعقوب اسم المكان فينئيل قائلا : لأني نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي ) .
    وجهلة النصارى اليوم يقولون بأن القرآن سمّى يعقوب بإسرائيل لمصارعته للرب !!
    وفي سفر زكريا "الإصحاح 2 : 10 – 13" : (اسكتوا يا كل البشر قدام الرب لانه قد استيقظ من مسكن قدسه ) .
    وفي سفر الخروج "31 : 17" : (بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد لأن الرب خلق السماء والأرض في ستة أيام وفي اليوم السابع استراح من عمله ) .
    ووقع في سفر الخروج "35: 2" : ( ستة أيام تعملون عملكم واليوم السابع يكون لكم مقدساً سبت وراحة الرب مَنْ عَمِل فيه عملاً فليقتل ) .
    وفي سفر الخروج (23/14) : (ندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه) .
    وفي التلمود "1:22" : ( الله يبكي كل يوم دمعتين في البحر على تركة بني إسرائيل) .
    وفي حبقوق "3: 5" : ( وعند رجليه خرجت الحمى) .
    وفي أشعيا"30: 27" : ( هو ذا الرب يأتي من بعيد ، غضبه مشتعل ، والحريق عظيم شفتاه ممتلئتان سخطا) .
    وفي الخروج "15: 2-3" : (هذا إلهي فأمجده ، إله أبي فأرفعه . الرب رجل الحرب، الرب اسمه) .
    وفي أشعيا "19: 1" : ( هو ذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر) .
    وفي المزامير "78/65" : (فاستيقظ الرب كنائم جبار مُعَيّط من الخمر فضرب أعداءه إلى الوراء) .
    وفي المزامير "10: 1" يقول داود : (يا رب لماذا تقف بعيداً ، لماذا تختفي في أزمنة الضيق) .


    فهؤلاء الضُلّال قد وصفوا الله تعالى بالغيرة والبخل , والفقر والظلم , والحزن والجهل , وأنه يعلم الأمور شيئاً فشيئاً , وأن بعضَ الأنبياء أعلمُ منه وأقوى منه وأكمل منه , ووصفوه بالانتقام الانفعالي والغيرة الانفعالية واللعب والمصارعة والحلول والاتحاد , والبكاء والندم والتجسّد على شكل المخلوقات , وغيرها من النقائص المستحلية على من يتصف بالربوبية , فأين توحيدهم في الربوبية واعتقادهم بكمال الله تعالى ذاتاً وأسماءً وصفاتٍ وأفعالاً؟! وأنه لا ند له ولا شبيه له ولا مثيل له!! مع أنّهم بصفات الله يتهكمون , وبالنقص عليه يتحكمون , قاتلهم الله أنّى يؤفكون , وتقدس ربنا مَن لا تشبه ذاتُه الذوات , ولا صفاتُه الصفات , وليس كاسمه اسم , ولا كفعله فعل , ولا كصفته صفة , فصفاتُه جليلةٌ رفيعةٌ في ذاتها , متعاليةٌ عن أعراضِ المُحدثاتِ وسماتها .


    --------------------------------------------------------
    1- المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام , ج6-ص522 , نقلاً عن أديان ومعتقدات العرب قبل الإسلام ص56-59 , باختصار .
    2- أديان ومعتقدات العرب قبل الإسلام 65-74, باختصار .
    3- روح المعاني , تفسير الآية الثالثة من سورة الإخلاص , بتصرف يسير .

  7. ثانياً : مجوسية العرب


    لقد عرف العرب المجوسية , وقام بعضهم باعتناقها , وقد ذكروا المجوسية في أشعارهم وجرت على ألسنتهم .

    ومما يروى في ذلك ما جاء في "التذكرة الحمدونية" أن امرؤ القيس أتى قتادة بن التوأم اليشكري وإخوته، فقال للحارث:

    أَحارِ ترى بُرَيْقاً هبَّ وَهْناً

    فقال الحارث:
    كَنَارِ مَجُوسَ تَسْتَعِرُ اسْتِعَارا

    والمجوس نحلة تقول بأصلين اثنين , مدبّرَين قديمين , يقتسمان الخير والشر , والنفع والضر , والصلاح والفساد , يسمون أحدهما : النور , والآخر : الظلمة . (1)

    وقد أخذ العرب المجوسية عن طريق الحيرة , أو عن طريق اليمن التي احتلها الفرس بعد أن طردوا الأحباش منها , وقد كان للحجاز اتصال وثيق بالحيرة واليمن .

    وقد انتشرت المجوسية في بعض القبائل العربية منها تميم , وقد اعتنقها بعض ساداتهم كزرارة بن عدس وابنه حاجب بن زرارة , وأبو الأسود جد زكيع بن حسان .

    وقد كان في الناحية الجنوبية من الجزيرة العربية بعض المجوس من الفرس المقيمين والتجار .

    وأما في البحرين فقد كان عددهم كبيراً نظراً لقرب اتصالهم بالأمبراطورية الساسانية .

    وكان في عمان مجوس , وكذلك باليمامة حيث اشتغلوا بالزراعة والتعدين .

    والحقيقة أنّ هذه الديانة تركت أثراً بين العرب وخصوصاً في اعتقاداتها ومنها تقديس النار وعبادتها . فقد لعبت النار عند العرب دوراً مهماً في كثير من عاداتهم وتقاليدهم , فإذا بها نار للتحالف تعقد حولها الأحلاف فتكون لها من الحرمة والقدسية ما تضفيه عليها النار النار المقدسة التي أضرموها , وتقسم أمامها اليمين في مواقف الخصام .

    وقد تضرعوا لها للاستمطار , وذهبوا في ذلك مذاهب شتى , فاختلطت فيها معتقداتهم بالخرافات والأقاويل . فنارهم هي "نار المهوّ" مرة و "نار السعالي والجن وغيلان" مرة أخرى ... وهي "نار الغدر" و "نار الطرد" و "نار الحرب" و "نار العيد" و "نار الأسد" و "نار العداء".. , فكانوا يعتبرونها مصدراً للنفع والضر . (2)


    --------------------------------------------------------
    1- الملل والنحل للشهرستاني , ج1-ص228.
    2- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام , ج6-ص689 , نقلاً عن أديان العرب ومعتقداتهم قبل الإسلام ص82-83 باختصار

  8. ثالثاً : صابئة العرب


    الصابئة هم عبدة النجوم , وكانت حران في شمالي غربي العراق مركزاً مهماً لهم .

    وعبادة النجوم قديمة جداً , تؤمن بوجود قوى روحانية غير مجسمة هي التي توصلنا إلى الجلال والعظمة , عبر الأنوار المحضة التي لا ظلام فيها .
    وتأليه النجوم عند العرب تأتى من احتكاكهم ومجاورتهم للشعوب التي كانت على هذه المعتقدات , ولا سيما صابئة حران والكلدانيون , وكذلك من حاجتهم لضبط الوقت ومواسم وقوع المطر والاهتداء في السفر وتحديد الاتجاهات .

    ولقد كان العرب يعتقدون بتأثير النجوم والكواكب في العالم السفلي , فألبوسوها لباس الربوبية والتدبير , وأطلقوا عليها صفات عديدة , لنأخذ منها الثريا , فقد زعموا أنّ في المطر عند نوئها الثروة (1) , فليس بعيداً أن تكون مشتقة من الثراء . وفي لسان العرب : (والثريا من الكواكب سميت لغزارة نوئها)(2) , وفي العمدة لابن رشيق : (سميت بهذا لأن مطرها عنه تكون الثروة وكثرة العدد والغنى) (3) .

    وكان العرب يؤمنون بالأنوار , وهذا ما دعاهم إلى الاعتقاد بأثرها في تصرفاتهم وحركاتهم وسكناتهم , مما جعل لكل ذلك الأثر المهم في عبادة النجوم . ومن أمثالهم : "أخطأ نوؤك" يضرب لمن طلب حاجته فلم يقدر عليها . والنوء النجم يطلع أو يسقط فيمطر , فيقال مطرنا بنوء كذا(4) .

    ومن الأنواء التي يعتبرها العرب مصدر شؤم "نوء الدبران" , وهو ذلك الكوكب الأحمر المنير الذي خشيته العرب وتشاءمت به , وزعمت أنهم لا يمطرون بنوئه , إلا وسنتهم جدبة . ومما قيل في نوئه :
    (إذا طلع الدبران , توقدت الخزان , وكرهت النيران , واستعرت الونان , ويبست الغدران) .

    ومن النجوم التي عبدتها العرب الزهرة التي كانت عند مختلف الأمم الإله الذي يفيض الحب والجمال , وكذلك عبدوا الشمس , وقد عرف عند العرب باسم بعل , وقد عبدتها قبائل عربية متعددة وتسمت بها كعبد شمس وامرئ شمس وعبد السارق وعبد المحرق , ويقول ياقوت الحموي :
    (إن شمساً صنمٌ كان لبني تميم وله بيت , وكانت تعبده بنو أد كلها , ضبة وتيم وعدي وثور وعكل , وكانت سدنته في بني أوس . (5)

    وكذلك عبد العرب القمر وتسموا به , فكان من بين أحيائهم بنو قمر , ومن بطونهم بنو قمير .

    وقد عبد العرب كذلك كوكب الدبران , ويقال له أيضاً الراعي والتالي والحادي والمخدج , ولقد عبدته كنانة وقريش وطائفة من تميم , وكان هذا الكوكب مشؤوماً , لذلك عبده العرب خوفاً منه لا رغبة فيه .

    وعبدوا كذلك الثريا , وسمي بذلك لغزارة نوئه , وهو المستسقى في أيام الجفاف , ولقد عبده بعض قبائل طيء(6)

    ومن النجوم التي عبدها العرب الشعرى , قال ابن كثير في تفسيره :
    ( وقوله: { وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى } قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له: "مِرْزَم الجوزاء" كانت طائفة من العرب يعبدونه ) . (7)

    وقال الماوردي في تفسيره :
    ({ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى } والشعرى نجم يضيء وراء الجوزاء ، قال مجاهد : تسمى هوزم الجوزاء ، ويقال إنه الوقاد ، وإنما ذكر أنه رب الشعرى وإن كان رباً لغيره لأن العرب كانت تعبده فأعلموا أن الشعرى مربوب وليس برب .
    واختلف فيمن كان يعبده فقال السدي : كانت تعبده حمير وخزاعة وقال غيره : أول من عبده أبو كبشة ، وقد كان من لا يعبدها من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم ، قال الشاعر :
    مضى أيلول وارتفع الحرور *** وأخبت نارها الشعرى العبور) . (8)

    فتأمّل كلام الماوردي وتقريره أنّ العرب لمّا عبدوها كانوا يعتقدون تأثيرها في العالم , ولهذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم - فيما روى البخاري ومسلم عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ « هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ » . قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ « أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ » .

    قال الإمام الباجي في المنتقى :
    (قَوْلُهُ -صلى الله عليه وسلم- : "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي"
    أَخْبَرَ أَنَّ مِنْ عِبَادِهِ مُؤْمِنًا بِهِ وَهُوَ مَنْ أَضَافَ الْمَطَرَ إِلَى فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى دُونَ سَبَبٍ وَلَا تَأْثِيرٍ لِكَوْكَبٍ وَلَا لِغَيْرِهِ فَهَذَا الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعَالَى كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُكَذِّبُ قُدْرَتَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَيَجْحَدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ تَأْثِيرٌ وَأَنَّ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ أَصْبَحَ كَافِرًا بِهِ وَهُوَ مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَأَضَافَ الْمَطَرَ إِلَى النَّوْءِ وَجَعَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ تَأْثِيرًا وَلِلْكَوْكَبِ فِعْلًا ) .

    فقد كانوا يعتقدون أن الإمطار بتأثير الكواكب .



    --------------------------------------------------------
    1- عجائب المخلوقات للقزويني .
    2 - لسان العرب ج14-ص112
    3 - العمدة لابن رشيق ج2-ص256
    4 - الميثولوجيا عند العرب ص58
    5 - معجم البلدان ج3-ص362
    6 - أديان ومعتقدات العرب قبل الإسلام ص137-146 باختصار .
    7- تفسير ابن كثير , الآية 49 من سورة النجم .
    8- النكت والعيون (5/405) .

  9. رابعاً: الوثنية والصنمية


    سأبين في هذا المبحث عقائد الوثنيين من العرب وممن بيّن القرآن عقائدهم , من خلال العناوين التالية :

    أ - المشركون لم يثبتوا لله تعالى الربوبية
    ب- إشراك الجاهليين في الربوبية وإثباتها لأصنامهم
    ج- أصنامهم أعظم قَدْراً عندهم من الله تعالى , ونسبتهم النقائص له سبحانه .




    أ- المشركون لم يثبتوا لله تعالى الربوبية:


    إن الأدلة المتكاثرة تبيّن أن المشركين لم يكونوا مؤمنين بربوبية الله تعالى كما أنهم غير موحدين في العبادة , ومن الجهل أو التجاهل حصر الربوبية في وجود الله تعالى أو في إثباته خالقاً , بل لو أثبت أحد جميع الأفعال وصفات الكمال لله تعالى ونفى عنه النقائص كلها لكنّه نسب لغيره –جل جلاله- تحريك نسمة هواء أو إزاحة ذرة تراب دون الله لكان مشركاً في الربوبية , ولهذا لمّا نسب المشركون كثيراً من صفات الربوبية وأفعالها لأصنامهم وأوثانهم لم يوكنوا موحّدين في الربوبية , ومما يدل على ذلك :

    ۞ قوله تعالى حكاية لقول المشركين: ((أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)) ص: ٥
    قال الطبري في تفسيرها:
    ( وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا محمد ساحر كذاب : أجعل محمد المعبودات كلها , واحداً يسمع دعاءنا جميعنا!! ويعلم عبادة كل عابد عبده منا!! (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ): أي إن هذا لشيء عجيب!)

    وقال الرازي في تفسير هذه الآية :
    ( فقال –صلى الله عليه وسلم- : أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أتعطوني أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم العجم؟ قالوا نعم ، قال تقولوا لا إله إلا الله ، فقاموا وقالوا : { أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا وَأَنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ } أي: بليغ في التعجب , وأقول منشأ التعجب من وجهين : الأول : هو أن القوم ما كانوا من أصحاب النظر والاستدلال بل كانت أوهامهم تابعة للمحسوسات , فلما وجدوا في الشاهد أن الفاعل الواحد لا تفي قدرته وعلمه بحفظ الخلق العظيم قاسوا الغائب على الشاهد ، فقالوا : لا بد في حفظ هذا العالم الكثير من آلهة كثيرة يتكفل كل واحد منهم بحفظ نوع آخر .
    الوجه الثاني : أن أسلافهم لكثرتهم وقوة عقولهم كانوا جاهلين مبطلين! ، وهذا الإنسان الواحد يكون محقاً صادقاً!!).

    فهؤلاء المشركون قد كفروا بصفات ربوبيته تعالى من العلم والسمع والبصر , وهذا الكفر في الربوبية أدّاهم لأن يقصدوا غيره , فجعلوا سمعَه إياهم وإبصاره عبادتهم جميعاً من المستحيلات , فلجؤوا إلى غيره من المعبودات , وذلك لاعتقادهم بحاجة الله تعالى إلى معونة هذه الأصنام لقصور سمعه واطلاعه على أحوال عباده , كحاجة الملوك إلى الأمراء والولاة ليحكموا الولايات المتعددة الداخلة في ملكه , فاعتقدوا في أصنامهم السمع والتدبير الاستقلالي , فتأمّل كيف جرّهم شركهم في الربوبية إلى الإشراك في العبادة !

    وكان المشركون يعتقدون بأنّ الله تعالى قد فوّض تدبير العالم إلى الأصنام , لعجزه عن تدبير هذا لعالم الفسيح وعدم إحاطته العلمية والسمعية والبصرة لما فيه , كالملك الذي فوّض إلى كلّ أمير حُكمَ ولاية من ولايات مملكته , فيتصرف هذا الأمير في تلك الولاية تصرفاً مستقلاً عن تصرف الملك ودون علمه وسمعه , إلا أن هذه الولاية داخلة تحت حكم الملك أيضاً , ولذلك كان المشركون يقولون في تلبيتهم : (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ ) , فكما أن الملك الأكبر يملك جميع الولايات ويحكم وُلاتَها , فالله تعالى يملك الأصنام وما تملكه هذه الأصنام , وكما أن الملك الأكبر لا تفي قدرته وعلمه وتدبيره بالإحاطة بجميع ما في مملكته , فاحتاج إلى من يساعده في تدبير مملكته , ممن يقدر على إدارتها والتصرف فيها من الأمراء , فالله تعالى لا تفي قدرته وعلمه وتدبيره بالإحاطة بجميع ما في مملكته , فاحتاج في تدبير مملكته إلى من يقدر على التصرف والتدبير من الأصنام والأنداد .

    ولذلك تجد بعض الآيات التي تتحدث عن عبادة المشركين إلها غير الله تعالى , تصف تلك العبادة بعبارة (مع الله) , وذلك لأنهم عبدوا الله وعبدوا معه غيره :
    - قال تعالى : ((الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)) .الحجر: ٩٦
    - قال تعالى : ((لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا)) . الإسراء: ٢٢
    - قال تعالى : ((وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا)) الإسراء: ٣٩
    - قال تعالى : ((الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ)) ق: ٢٦


    لكنك تجد بعض الآيات التي تتكلّم عن اعتقاد المشركين خصائص الربوبية في أصنامهم , تصف ذلك بعبارة (من دون الله) , وذلك لأنهم اعتقدوا أنّ لهذه الأصنام تصرفاً استقلالياً ذاتياً :
    - قال تعالى : ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)). مريم: ٨١
    - قال تعالى : ((وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ)) الجاثية: ١٠
    - قال تعالى : ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)) يس: ٧٤
    - قال تعالى : ((فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا)) نوح: ٢٥


    فهذه الآيات تبيّن أن سبب شرك المشركين هو أنّهم اعتقدوا في معبوداتهم من الأوثان أنها تدبّر تدبيراً استقلالياً , ولا يصح أن يقال بأن اعتقادهم في تلك المعبودات النفع والضر بإذن الله وبالوساطة هو ما أدخلهم في الشرك , لأن الاعتقاد بنفع مخلوق وضره وتدبيره بإذن الله تعالى وعلمه وإرادته لا يعتبر شركاً , فقد قال الله تعالى عن ملائكته الكرام :
    ((وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا )) . النازعات: ١– ٥ .

    فقد وصف الله تعالى الملائكة بالتدبير , فاعتقاد تدبيرهم ما بين السماء والأرض بإذن الله ليس شركاً , وكذلك وَصَفَ سيدنا عيسى –عليه السلام- نفسَه بأنه يخلق ويبرئ ويحيي بإذن الله تعالى , مع أنّ ذلك لا يقدر عليه إلا الله تعالى , فقد أخبر القرآن الكريم عن ذلك :
    قال تعالى : ((وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ)). آل عمران: ٤٩


    فمجرّد الاعتقاد بضر مخلوق ونفعه بإذن الله تعالى في أمر غير مقدور عادة له ليس شركاً , وإنما الشرك هو الاعتقاد بأنّ ينفع ويضر باستقلال عن الله تعالى , وهذا ما وقع فيه عبّاد الأصنام .

    ۞ قال تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)). المائدة: ٣٦
    قال الإمام الطبري في تفسيره (10/292) :
    ( يقول عز ذكره: إن الذين جحدوا ربوبية ربهم , وعبدوا غيره، من بني إسرائيل الذين عبدوا العجل، ومن غيرهم الذين عبدوا الأوثان والأصنام، وهلكوا على ذلك قبل التوبة , لو أن لهم ملك ما في الأرض كلها وضعفه معه، ليفتدوا به من عقاب الله إياهم على تركهم أمره، وعبادتهم غيره يوم القيامة، فافتدوا بذلك كله، ما تقبل الله منهم ذلك فداء وعوضا من عذابهم وعقابهم، بل هو معذبهم في حميم يوم القيامة عذابا موجعا لهم ) .

    ۞ قال تعالى : (( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) آل عمران: ٢٦
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( يعني جل ثناؤه: "وتعز من تشاء" ، بإعطائه الملك والسلطان ، وَبسط القدرة له , "وتذلّ من تشاء" بسلبك ملكه ، وتسليط عدوه عليه , "بيدك الخير" ، أي: كل ذلك بيدك وإليك ، لا يقدر على ذلك أحد ، لأنك على كل شيء قديرٌ، دون سائر خلقك ، ودون من اتخذه المشركون من أهل الكتاب والأمِّيين من العرب إلهًا وربًّا يعبدونه من دونك ، كالمسيح والأنداد التي اتخذها الأميون ربًّاً ) .

    ۞ قال تعالى : (( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)) فصلت: ١٥
    قال ابن كثير في تفسيرها :
    (قال الله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبرَوُا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقٍّ} أي: بغوا وعتوا وعصوا، { وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } أي: آمنوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون به من بأس الله! ) .

    فقد اعتقدوا بأن قدرتهم تمنعهم من قدرة الله تعالى! وهذا كفر بصفات الربوبية.

    ۞ قال تعالى : (( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ) .
    روى الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي , عن أبي بن كعب رضي الله عنه : ( أن المشركين قالوا : يا محمد! انسب لنا ربك!! , فأنزل الله عز و جل { قل هو الله أحد * الله الصمد } ) .

    فهل هؤلاء الجهلة بالله كانوا يشهدون لله تعالى بالربوبية الكاملة!

    ۞ قال تعالى : (( وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) فصلت: ٢٢ - ٢٣
    قال ابن الجوزي في تفسيرها :
    ( قوله تعالى : { وما كنتم تَستترون أن يَشهد عليكم سمْعُكم ولا أبصارُكم }
    روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود قال : كنتُ مستتراً بأستار الكعبة ، فجاء ثلاثة نفرٍ ، قرشيٌّ وخَتْناه ثقفيَّان ، أو ثقفيٌّ وختَنْاه قرشيّان ، كثيرٌ شّحْمُ بُطونهم ، قليلٌ فِقْهُ قُلوبهم ، فتكلَّموا بكلام لم أسمعه ، فقال أحدهم : أتُرَوْنَ اللهَ يَسْمَعُ كلامَنا هذا؟ فقال الآخران : إنّا إذا رفعنا أصواتنا سَمِعَه ، وإن لم نَرفع لم يَسمع ، وقال الآخر : إن سمع منه شيئاً سمعه كُلَّه ، فذكرتُ ذلك لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- ، فأنزل الله تعالى : { وما كنتم تَستترون أن يشهد عليكم سمعكم . . . } إلى قوله : { من الخاسرين }
    ومعنى « تستترون» : تَسْتَخْفون « أن يَشهد» أي : من أن يشهد «عليكم سَمْعُكم» لأنكم لا تَقدرون على الاستخفاء من جوارحكم ، ولا تظُنُّون أنها تَشهد {ولكن ظَنَنْتم أنَّ الله لا يَعلم كثيراً مما تَعملون}
    قال ابن عباس : كان الكفار يقولون : إن الله لا يَعلم ما في أنفُسنا ، ولكنه يعلم ما يَظهر ، {وذلكم ظنُّكم} أي : أن الله لا يَعلم ما تعملون ، {أرداكم} أهلككم ) .

    فقوم وصل بهم الجهل بربهم إلى هذا الحد , كيف يقال بأنهم موحدون في الربوبية؟!

    ولا بد لمن أقر بالربوبية أن ينفي أي فعل أو صفة من صفات الرب عن غيره تعالى , وأن يثبت لله تعالى القدرة على جميع الأفعال دون شك في شيء منها , إلا أن المشركين نسبوا كثيراً من الأفعال إلى أصنامهم , وكذلك لم يثبتوا لله تعالى القدرة على جميع الأفعال , فقد جحدوا كثيراً من أفعاله :

    ۞ منها البعث والنشور , فيقول قائلهم وهو العاص بن وائل- فيما أخرجه الطبري والبيهقي والحاكم وصححه : أيحيي الله هذا بعدما أرى؟ قال : "نعم , يبعث الله هذا ، ثم يميتك ، ثم يحييك ، ثم يدخلك نار جهنم". فنزلت الآيات من آخر يس.

    ۞ قال تعالى : (( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)) التغابن: ٧

    فأين التوحيد في الأفعال ؟

    !فكونهم اعترفوا ببعض الأفعال لا يعني ذلك توحيدهم في بقية الأفعال , بل لو أقروا بجميع أفعال الباري تعالى وقالوا بعجزه عن فعل واحد لأشركوا في ربوبيته .

    قال ابن القيم في الداء والدواء (ص174) :
    ( وقال تعالى: ((فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين)) , أي هلا تردون الروح إلى مكانها إن كنتم غير مربوبين ولا مقهورين ولا مجزيين؟!
    وهذه الآية تحتاج الى تفسير , فإنها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب , ولا بد أن يكون الدليل مستلزماً لمدلوله بحيث ينتقل الذهن منه الى المدلول لما بينهما من التلازم , فيكون الملزوم دليلاً على لازمه ولا يجب العكس .
    ووجه الاستدلال :
    أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم , وأنكروا قدرته , وربوبيته , وحكمته , فإما أن يقروا بأن لهم ربا قاهرا متصرفا فيهم يميتهم إذا شاء ويحييهم إذا شاء ويأمرهم وينهاهم ويثيب محسنهم ويعاقب مسيئهم , وإما أن لا يقروا برب هذا شأنه , فإن أقروا آمنوا بالبعث والنشور والدين الأمري والجزائي , وإن أنكروا وكفروا به فقد زعموا أنهم غير مربوبين ولا محكوم عليهم ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد , فهلا يقدرون على دفع الموت عنهم اذا جاءهم وعلى رد الروح الى مستقرها إذا بلغت الحلقوم , وهذا خطاب للحاضرين وهم عند المحتضر وهم يعاينون موته , أي فهلا يردون الروح الى مكانها إن كان لهم قدرة وتصرف وليسوا بمربوبين ولا مقهورين لقاهر قادر , يمضي عليهم أحكامه وينفذ فيهم أوامره , وهذه غاية التعجيز لهم , إذا تبين عجزهم عن رد نفس واحدة إلى مكانها ولو اجتمع على ذلك الثقلان , فيالها من آية دالة على وحدانيته وربوبيته سبحانه وتصرفه في عباده ونفوذ أحكامه فيهم وجريانها عليهم ) .

    فيصرح ابن القيّم أنّ من أنكر البعث فقد أنكر ربوبية الله تعالى , وسيأتي مثل هذا في كلام الإمام الطبري .

    ۞ قال تعالى : ((وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)) الأنعام: ١٠٠ .
    قال الطبري في تفسيرها :
    (واختلفوا في قراءة قوله:"وخلقهم" فقرأته قراء الأمصار:(وَخَلَقَهُمْ)، على معنى أن الله خلقهم، منفردًا بخلقه إياهم , وذكر عن يحيى بن يعمر ما: حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون، عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر: أنه قال:" شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ".بجزم"اللام" بمعنى أنهم قالوا: إنّ الجنّ شركاء لله في خلقه إيّانا .
    قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ ذلك:(وَخَلَقَهُمْ)، لإجماع الحجة من القرأة عليها .وأما قوله:(وخرقوا له بنين وبنات بغير علم)، فإنه يعني بقوله:(خرقوا) اختلقوا. يقال:"اختلق فلان على فلان كذبًا" و"اخترقه"، إذا افتعله وافتراه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: وجعلوا لله شركاء الجن والله خلقهم "وخرقوا له بنين وبنات"، يعني أنهم تخرَّصوا . حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وخرقوا له بنين وبنات بغير علم"، قال: جعلوا له بنين وبنات بغير علم ) .

    فهل هؤلاء الذين افتروا على الله , وتخرصوا عليه , ونسبوا إليه ما يستحيل في حقه من البنين والبنات , قد وحّدوه في ربوبيته؟!

    ۞ قال تعالى : ((فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)) النحل: ٢٩
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( يقول لهؤلاء الظلمة أنفسهم حين يقولون لربهم : ما كنا نعمل من سوء , ادخلوا أبواب جهنم ، يعني: طبقات جهنم ((خَالِدِينَ فِيهَا)) يعني : ماكثين فيها , ((فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)) يقول: فلبئس منزل من تكبر على الله ولم يقر بربوبيته ، ويصدق بوحدانيته , جهنمُ ) .

    ۞ قال تعالى : ((فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)) ص: ٧٣ - ٧٤
    قال الطبري في تفسيرها :
    ((إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ)) يقول: غير إبليس , فإنه لم يسجد.. استكبر عن السجود له تعظما وتكبرا .
    ( وكان من الكافرين ) يقول : وكان بتعظمه ذلك ، وتكبره على ربه ومعصيته أمره، ممن كفر في علم الله السابق، فجحد ربوبيته , وأنكر ما عليه الإقرار له به من الإذعان بالطاعة ) .

    فالتكبر على الله تعالى والتعاظم عليه مناف للتوحيد في الربوبية , فإن التوحيد في الربوبية ليس مجرّد المعرفة بل لا بد من إذعان النفس وقبولها .

    ۞ قال تعالى : ((وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)). آل عمران: ٨٠

    فإن الجاهليين قالوا الملائكة بنات الله , والنصارى قالوا المسيح ابن الله , واليهود قالوا العزير ابن الله , ثم عبدوهم بناءً على هذا المعتقد الفاسد , وهذا شرك في الربوبية أدّى إلى شرك في الألوهية .

    ۞ قال تعالى : ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)). آل عمران: ٦٤
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( وقوله: "ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا" ، يقول: ولا يدين بعضُنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله ، ويعظِّمه بالسجود له كما يسجدُ لربه ) .

    فإن اتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً هو اعتقادهم في بعض العظمة التي لا تصح إلا للرب , ومن ثم أداء العبادة والسجود لهم , فإن الربوبية هنا تشمل أيضاً العبادة , فنسبة العظمة لبعضهم شرك في الربوبية , والسجود لهم معتقدين فيهم العظمة التي لا تنبغي إلا لله شرك في الألوهية .

    ۞ قال تعالى : ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)). التوبة: ٣١ .

    فقد اتخذوا المسيح والأحبار والرهبان أرباباً من دون الله , فأمّا اتخاذهم المسيح رباً فدعواهم أنه ابن الله ثم عبادتهم إياه من أجل ذلك , وأمّا اتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً فهو أنهم كانوا يحلّون الحرام ويحرمون الحلال كما في حديث عدي بن حاتم , وكانوا يتابعونهم على ذلك , وهذا تلبس بصفة الحكم والتشريع وهي من صفات الرب تعالى اعتقدوا أحقية أحبارهم ورهبانهم فيها .
    وعَدي بن حاتم –رضي الله عنه- لم يلاحظ المعنى اللغوي لكلمة الرب , بل لاحظ المعنى الاصطلاحي الشامل للرب والإله , فبيّن له النبي –صلى الله عليه وسلم- أن اتخاذهم علمائهم أرباباً هو إقرارهم تلبّس علمائهم بصفة من صفات الربوبية وإطاعتهم في ذلك .

    وأختم هذا المبحث بقول النبي – صلى الله عليه وسلم - فيما رواه البخاري :
    ( قَالَ اللَّهُ : كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ , وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ , فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ : لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي , وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ , وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا , وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ , لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ , وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ) .

    قال الإمام المناوي في شرح الجامع الصغير (4/620) :
    ( إنما سماه شتما لما فيه من التنقيص , لأن الولد إنما يكون عن والدة تحمله ثم تضعه ويستلزم ذلك سبق النكاح والناكح يستدعي باعثا له على ذلك والله منزه عن كل ذلك قال الطيبي : ومما في التكذيب والشتم من الفظاعة والهول أن المكذب منكر للحشر يجعل الله كاذبا والقرآن المجيد الذي هو مشحون بإثباته مفترى ويجعل حكمة الله في خلقه السماء والأرض عبثا والشاتم يحاول إزالة المخلوقات بأسرها ويزاول تخريب السماوات من أصلها ) .

    فهل المعتقد بربوبية الله تعالى ربوبية كاملة لا شائبة فيها يقوم بتكذيب ربّه؟!!

  10. ب- إشراك الوثنيين في الربوبية وإثباتها لأصنامهم :


    إن الموحد في ربوبية الله تعالى يجب أن يفرده بجميع صفاتها , إلا أن المشركين كانوا يعتقدون خصائص الربوبية في أصنامهم من النفع والضر والعزة والذلة والنصر والهزيمة , وغيرها من تلك الخصائص :

    ۞ قال تعالى عنهم : ((أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ)) الأنبياء: ٤٣

    وفي هذا الاستفهام إنكار على سبيل التوبيخ لهم على ما اعتقدوه من المَنَعَة في آلهتهم , وهو شرك في الربوبية .
    قال ابن كثير في تفسيرها :
    (ثم قال { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا } استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي: أَلَهُم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا , ولا كما زعموا ؛ ولهذا قال: { لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ } أي: هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله , لا يستطيعون نصر أنفسهم ) .

    قال البقاعي في تفسيرها :
    ( ولما أرشد السياق إلى أن التقدير : أصحيح هذا الذي أشرنا إليه من أنه لا مانع لهم منا ، عادله بقوله إنكاراً عليهم: {أم لهم ءالهة } موصوفة بأنها { تمنعهم } نوبَ الدهر . ولما كانت جميع الرتب تحت رتبته سبحانه ، أثبت حرف الابتداء فقال محقراً لهم : { من دوننا } أي من مكروه هو تحت إرادتنا , ومن جهة غير جهتنا .
    ولما كان الجواب قطعاً : ليس لهم ذلك ، وهو بمعنى الاستفهام ، استأنف الإخبار بما يؤيد هذا الجواب ، ويجوز أن يكون تعليلاً ، فقال : { لا يستطيعون } أي الآلهة التي يزعمون أنها تنفعهم ، أو هم -لأنهم لا مانع لهم من دوننا- {نصر أنفسهم} من دون إرادتنا فكيف بغيرهم ، أو يكون ذلك صفة الآلهة على طريق التهكم {ولا هم} أي الكفار أو الآلهة { منا } أي بما لنا من العظمة { يصحبون} بوجه من وجوه الصحبة حتى يصير لهم استطاعة بنا ، فانسدت عليهم أبواب الاستطاعة أصلاً ورأساً ) .

    وهذا صريح في اعتقادهم الاستطاعة الاستقلالية في معبوداتهم من الأوثان والأصنام .

    ۞ قال تعالى: ((فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ)) هود: ١٠١
    قال الطبري في تفسيره :
    (يقول: فما دفعت عنهم آلهتهم التي يدعونها من دون الله ويدعونها أربابًا , من عقاب الله وعذابه إذا أحله بهم ربُّهم من شيء ، ولا ردَّت عنهم شيئًا منه..) .

    ۞ وقد حكى الله تعالى عن قوم سيدنا هود –عليه السلام- قولهم لنبيه : ((إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ)) هود:٥٤ .
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول قوم هود : أنهم قالوا له ، إذ نصح لهم ودعاهم إلى توحيد الله وتصديقه ، وخلع الأوثان والبراءة منها: لا نترك عبادة آلهتنا ، وما نقول إلا أن الذي حملك على ذمِّها والنهي عن عبادتها ، أنه أصابك منها خبَلٌ من جنونٌ .
    فقال هود لهم: إني أشهد الله على نفسي وأشهدكم أيضًا أيها القوم ، أني بريء مما تشركون في عبادة الله من آلهتكم وأوثانكم من دونه , (فكيدوني جميعا) ، يقول: فاحتالوا أنتم جميعًا وآلهتكم في ضري ومكروهي , (ثم لا تنظرون) ، يقول: ثم لا تؤخرون ذلك , فانظروا هل تنالونني أنتم وهم بما زعمتم أن آلهتكم نالتني به من السوء؟ ) .

    ۞ قال تعالى: ((وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا )) الإسراء: ١١١
    قال ابن كثير في تفسيرها :
    ( {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} أي: ليس بذليل فيحتاج أن يكون له ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى شأنه خالق الأشياء وحده لا شريك له ، ومقدرها ومدبرها بمشيئته وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ } لم يحالف أحدًا ولا يبتغي نصر أحد. { وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } أي: عظِّمه وأَجِلَّه عما يقول الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا. قال ابن جرير: ...عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } الآية، قال: إن اليهود والنصارى قالوا: اتخذ الله ولدًا، وقال العرب: لبيك لبيك، لا شريك لك؛ إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل. فأنزل الله هذه الآية ) .

    فقد ردّت هذه الآية على اعتقاد المشركين بالولد ووجود شريك له في ملكه واتخاذه الأولياء حتى لا يذل , وهذا كلّه شرك في الربوبية , وكان من عقائدهم أنّ الله تعالى أعطى الملك للأصنام فأصبحت شريكة له في ملكه , وهذه الأصنام تتصرف في هذا الملك باستقلال وتدبّره تدبيراً ذاتياً , وذلك لعجزه وعدم تمام تصرفه , فكانوا يعتقدون أنّه سبحانه أعطى أصنامهم الملك , لكنّ تصرفها في هذا الملك مستقل عن الله , سبحانه وتعالى عمّا يصفون .

    ۞ قال تعالى: ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا )) مريم:٨١
    فكانوا يعتقدون فيها أنها تنصرهم وتعزّهم , وتهزم أعدائهم وتذلّهم بقدرتها الذاتية .
    قال ابن كثير في تفسيرها :
    ( يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم : أنهم اتخذوا من دونه آلهة ، لتكون تلك الآلهة {عِزًّا} يعتزون بها ويستنصرونها!!) .

    وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير :
    ( ومعنى { ليكون لهم عزاً} ليكونوا مُعزّين لهم ، أي ناصرين ، فأخبر عن الآلهة بالمصدر لتصوير اعتقاد المشركين في آلهتهم أنّهم نفس العزّ ، أي إن مجرد الانتماء لها يكسبهم عزّاً .
    وأجرى على الآلهة ضمير العاقل لأنّ المشركين الذين اتخذوهم توهموهم عقلاء مدبرين) .

    وقال القرطبي في تفسيرها :
    ( قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) يعني مشركي قريش. و" عِزًّا" معناه أعوانا , ومنعة يعني أولاداً. والعز المطر الجود أيضا قاله الهروي.
    وظاهر الكلام أن" عِزًّا" راجع إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله. ووحد لأنه بمعنى المصدر , أي لينالوا بها العز ويمتنعون بها من عذاب الله ) .

    فاعتقدوا أنّ لها قدرة ذاتية تمنع من قدرة الله على تعذيبهم وإنزال عذابه بهم .

    ۞ قال تعالى: ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)) يس: ٧٤
    قال ابن كثير في تفسيرها :
    (يقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة , وترزقهم , وتقربهم إلى الله زلفى ) .

    وقال الخازن في تفسيرها :
    ( { واتخذوا من دون الله آلهة} يعني الأصنام { لعلهم ينصرون} أي لتمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك قط { لا يستطيعون نصرهم } قال ابن عباس : لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب )

    ۞ قال تعالى: ((إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا )) النساء: ١١٧
    قال الطبري في تفسيرها :
    (يقول جل ثناؤه: فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله ، وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد ، حجّة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل، أنهم يعبدون إناثًا ويدعونها آلهة وأربابًا )

    ۞ قال تعالى: (( أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ )) يونس : 66
    قال الطبري في تفسيرها :
    (يقول تعالى ذكره: ألا إن لله يا محمد كلَّ من في السموات ومن في الأرض ، ملكًا وعبيدًا ، لا مالك لشيء من ذلك سواه. يقول: فكيف يكون إلهًا معبودًا من يعبُده هؤلاء المشركون من الأوثان والأصنام، وهي لله ملك، وإنما العبادة للمالك دون المملوك، وللرب دون المربوب؟ .
    (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء)، يقول جل ثناؤه: وأيُّ شيء يتبع من يدعو من دون الله -يعني: غير الله وسواه- شركاء , ومعنى الكلام: أيُّ شيءٍ يتبع من يقول لله شركاء في سلطانه وملكه كاذبًا، والله المنفرد بملك كل شيء في سماء كان أو أرض؟
    (إن يتبعون إلا الظن) ، يقول: ما يتبعون في قيلهم ذلك ودعواهم إلا الظن، يقول: إلا الشك لا اليقين
    (وإن هم إلا يخرصون) ، يقول: وإن هم إلا يتقوّلون الباطل تظنِّيًا وتَخَرُّصا للإفك ، عن غير علمٍ منهم بما يقولون )

    ۞ قال تعالى: ((مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )) العنكبوت: ٤١
    قال الطبري في تفسيرها :
    (يقول تعالى ذكره: مثل الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولياء يرجون نَصْرها ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتيالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم , ( كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ) في ضعفها ، وقلة احتيالها لنفسها ، (اتَّخَذَتْ بَيْتًا ) لنفسها ، كيما يُكِنهَا ، فلم يغن عنها شيئا عند حاجتها إليه ، فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن عنهم حين نزل بهم أمر الله وحلّ بهم سخطه , أولياؤُهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئا ، ولم يدفعوا عنهم ما أحلّ الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم ....
    وقوله وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ ) يقول: إن أضعف البيوت ( لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) يقول تعالى ذكره: لو كان هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أولياء ، يعلمون أن أولياءهم الذين اتخذوهم من دون الله في قلة غنائهم عنهم، كغناء بيت العنكبوت عنها، لكنهم يجهلون ذلك ، فيحسبون أنهم ينفعونهم , ويقرّبونهم إلى الله زلفى ) .

    وقال ابن كثير في تفسيرها :
    ( هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله ، يرجون نصرهم ورزقهم ، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه ) .
    وهذا واضح في اعتقادهم صفات الربوبية في معبوداتهم .

    ۞ قال تعالى: ((قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )) الأنعام: ١٤
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( يقول تعالى ذكره لنبيه محمد –صلى الله عليه وسلم- :"قل" ، يا محمد، لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثانَ والأصنامَ، والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك ، الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان: أشيئًا غيرَ الله تعالى ذكره:"أتخذ وليًّا" ، أستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث ، ...عن السدي:"قل أغير الله اتخذ وليًّا" ، قال: أما"الولي" فالذي يتولَّونه ويقرّون له بالربوبية ) .

    ۞ قال تعالى: ((وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ )) الأنعام: ٢٢
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( " ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم" ، يقول: ثم نقول إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب ، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا ، والمكذِّبين بآياته ورسله ، فجمعنا جميعهم يوم القيامة , "أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون" ، أنهم لكم آلهة من دون الله افتراء وكذبًا، وتدعونهم من دونه أربابًا؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين !) .

    ۞ قال تعالى: ((هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ )) يونس: ٣٠
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( وأما قوله: (وردّوا إلى الله مولاهم الحق) ، فإنه يقول: ورجع هؤلاء المشركون يومئذٍ إلى الله الذي هو ربهم ومالكهم ، الحقّ لا شك فيه ، دون ما كانوا يزعمون أنهم لهم أرباب من الآلهة والأنداد ) .

    ۞ قال تعالى: ((وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ )) آل عمران: ٢٠
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( يعني بذلك جل ثناؤه: "وقل"، يا محمد، " للذين أوتوا الكتاب" من اليهود والنصارى "والأميين" الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب , "أأسلمتم"، يقول: قل لهم: هل أفردتم التوحيد وأخلصتم العبادة والألوهة لرب العالمين، دون سائر الأنداد والأشراك التي تشركونها معه في عبادتكم إياهم وإقراركم بربوبيتهم ، وأنتم تعلمون أنه لا رب غيره ولا إله سواه , "فإن أسلموا"، يقول: فإن انقادوا لإفراد الوحدانية لله وإخلاص العبادة والألوهة له , "فقد اهتدوا"، يعني: فقد أصابوا سبيل الحق، وسلكوا محجة الرشد.)

    * والآيات التي تنفي الضر والنفع عن آلهة المشركين إنما جاءت لبيان ضلال المشركين في اعتقادهم ذلك بها , كما أن الآيات التي تنفي شفاعة الأصنام إنما جاءت لبيان ضلال المشركين في اعتقادهم ذلك بها , فبيّنت هذه الآيات تفرد الله تعالى بذلك خلافاً لما يعتقده المشركون فيها .

    ۞ قال تعالى: ((يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ )) الحج: ١٢
    قال ابن كثير في تفسيرها :
    (وقوله: { يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ } أي: من الأصنام والأنداد، يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها ، وهي لا تنفعه ولا تضره ) .

    فكانوا يعتقدون أنّها تنصرهم وترزقهم لا أنها شفيعة فقط , ويرون فيها النصر والرزق كما في أكثر من آية .

    ۞ قال تعالى: (( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)) يونس: ١٨ .
    قال ابن كثير في تفسيرها :
    (ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتُها عند الله ، فأخبر تعالى أنها لا تنفع ولا تضر ولا تملك شيئا ولا يقع شيء مما يزعمون فيها ، ولا يكون هذا أبدا) .

    ۞ قال تعالى: ((لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ )) الرعد: ١٤
    قال الطبري في تفسيرها :
    (يقول تعالى ذكره: لله من خلقه الدعوة الحق، و"الدعوة" هي"الحق" كما أضيفت الدار إلى الآخرة في قولهولَدَارُ الآخِرَةِ) [سورة يوسف: 109]، وقد بينا ذلك فيما مضى . وإنما عنى بالدعوة الحق، توحيد الله وشهادةَ أن لا إله إلا الله , وبنحو الذي قلنا تأوله أهل التأويل.... . وقوله: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) يقول تعالى ذكره: والآلهة التي يَدْعونها المشركون أربابًا وآلهة ) .

    ۞ قال تعالى: ((وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ )) الصافات: ١٢٣ - ١٢٥
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( ( إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ ) يقول حين قال لقومه في بني إسرائيل: ألا تتقون الله أيها القوم، فتخافونه، وتحذرون عقوبته على عبادتكم ربا غير الله وإلهًا سواه (وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ) يقول: وتَدعون عبادة أحسن مَن قيل له خالق) .


    يتبع...


  11. ۞ قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )) الأعراف: ١٩٤
    قال الطبري في تفسيرها :
    (يقول جل ثناؤه لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، موبِّخهم على عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ) أيها المشركون، آلهةً (مِنْ دُونِ اللَّهِ) وتعبدونها ، شركًا منكم وكفرًا بالله , (عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) ، يقول: هم أملاك لربكم ، كما أنتم له مماليك .
    فإن كنتم صادقين أنها تضر وتنفع، وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم ، فليستجيبوا لدعائكم إذا دعوتموهم ، فإن لم يستجيبوا لكم لأنها لا تسمع دعاءكم ، فأيقنوا بأنها لا تنفع ولا تضر; لأن الضر والنفع إنما يكونان ممن إذا سُئل سمع مسألة سائله وأعطى وأفضل، ومن إذا شكي إليه من شيء سمع، فضرّ من استحق العقوبة، ونفع من لا يستوجب الضرّ ) .

    ۞ قال تعالى: ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ )) الزمر: ٣٦ .
    قال الطبري في تفسيرها :
    (وقوله: "وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" يقول تعالى ذكره لنبيه محمد –صلى الله عليه وسلم- : ويخوّفك هؤلاء المشركون يا محمد بالذين من دون الله من الأوثان والآلهة أن تصيبك بسوء، ببراءتك منها، وعيبك لها، والله كافيك ذلك ) .

    وقال القرطبي في تفسيرها :
    (قوله تعالى:" وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" وذلك أنهم خوفوا النبي - صلى الله عليه وسلم- مضرة الأوثان ، فقالوا: أتسب آلهتنا؟ لئن لم تكف عن ذكرها لتخبلنك أو تصيبنك بسوء!!. وقال قتادة : مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس , فقال له سادنها : أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شيء!!، فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس).

    فهذا دليل على اعتقادهم في أصنامهم النفع والضر دون الله تعالى , إذ خوّفوه بتلك الأصنام عندما دعاهم لإفراده تعالى بالعبادة .

    ۞ قال تعالى: ((وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا )) النساء: ١٧٣
    قال الطبري في تفسيرها :
    (وقوله : "وأما الذين استنكفوا واستكبروا" ، فإنه يعني : وأما الذين تعظموا عن الإقرار لله بالعبودة، والإذعان له بالطاعة ، واستكبروا عن التذلل لألوهته وعبادته وتسليم الربوبية والوحدانية له , "فيعذبهم عذابا أليما"، يعني: عذابا موجعا ) .

    ۞ قال تعالى: ((قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا )) الإسراء:٥٦.
    قال الطبري في تفسيرها :
    (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم- : قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه، ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه عند ضرّ ينزل بكم، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم، أو تحويله عنكم إلى غيركم، فتدعوهم آلهة، فإنهم لا يقدرون على ذلك، ولا يملكونه، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم ) .

    ۞ قال تعالى: ((وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ )) الأعراف: ١٩٧
    قال ابن كثير في تفسيرها :
    (خبر تعالى أنه لو اجتمعت آلهتهم كلها، ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو أستَلبتهم الذبابة شيئا من حَقير المطاعم وطارت، لما استطاعوا إنقاذ ذلك منها، فمن هذه صفته وحاله، كيف يعبد ليَرزُق ويستنصر؟ ) .

    فبيّن –رحمه الله- أنهم كانوا يعبدونها طلباً للرزق والنصرة! فتأمل اعتقادهم فيها ..

    ۞ قال تعالى: ((وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا )) نوح: ٢٣
    قال الماوردي في تفسيرها :
    (قال أبو عثمان النهدي : رأيت يغوث وكان من رصاص وكانوا يحملونه على جمل أجرد ، ويسيرون معه لا يهيجونه ، حتى يكون هو الذي يبرك فإذا برك نزلوا وقالوا : قد رضي لكم المنزل! ، فيضربون عليه بناء وينزلون حوله ) .

    ۞ قال تعالى: ((إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )) العنكبوت: ١٧
    قال الطبري في تفسيرها :
    (وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا) يقول جلّ ثناؤه: إن أوثانكم التي تعبدونها، لا تقدر أن ترزقكم شيئا . ( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ) يقول: فالتمسوا عند الله الرزق لا من عند أوثانكم ، تدركوا ما تبتغون من ذلك) .

    فيرى أنّهم كانوا يطلبون الرزق من عند أوثانهم , ولذلك جاء نهيهم عن ذلك , ولو كانوا يعتقدون أنّ الله تعالى وحده الرزاق ويلتمسون منه وحده الرزق , لما صح أن يأمرهم القرآن الكريم أن يلتمسوا الرزق من الله!

    وقال ابن كثير في تفسيرها :
    (ولهذا قال: { فَابْتَغُوا} أي: فاطلبوا { عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ } أي: لا عند غيره، فإن غيره لا يملك شيئا )

    قال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" :
    (وإن كان قومه لا يثبتون إلهية لغير أصنامهم كانت جملة { إن الذين تعبدون من دون الله } مستأنفة ابتدائية إبطالاً لاعتقادهم أن آلهتهم ترزقهم ، ويرجح هذا الاحتمال التفريعُ في قوله { فابتغوا عند الله الرزق } . وقد تقدم في سورة الشعراء التردد في حال إشراك قوم إبراهيم وكذلك في سورة الأنبياء . وتنكير { رِزقاً } في سياق النفي يدل على عموم نفي قدرة أصنامهم على كل رزق ولو قليلاً . وتفريع الأمر بابتغاء الرزق من الله إبطال لظنهم الرزق من أصنامهم أو تذكير بأن الرازق هو الله ، فابتغاء الرزق منه يقتضي تخصيصه بالعبادة )

    فجميع ما سبق من اعتقاد المشركين خصائص الربوبية في آلهتهم , يدل دلالة قاطعة على أنهم لم يكونوا يفردون الله تعالى بالربوبية ويؤمنون له بها .

    ۞ قال تعالى: ((قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا )) الكهف: ٣٧ - ٣٨
    قال ابن كثير في تفسيرها :
    ( يقول تعالى مخبرًا عما أجابه صاحبه المؤمن، واعظًا له وزاجرًا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار: { أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا } ؟ وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه ، الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال تعالى: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } [البقرة:280] أي: كيف تجحَدُون ربكم، ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدومًا ثم وجد، وليس وجوده من نفسه ولا مستندًا إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله، لا إله إلا هو، خالق كل شيء؛ ولذا قال: { لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي } أي: أنا لا أقول بمقالتك بل أعترف لله بالربوبية والوحدانية { وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له ) .

    فبعد أن اعتقد المشرك بالربوبية لغير الله تعالى , أشرك معه غيره في عبادته .

    ۞ قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) البقرة: ٢١
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( فأمر جل ثناؤه الفريقين -اللذين أخبر الله عن أحدهما أنه سواء عليهم أأنذروا أم لم ينذروا أنهم لا يؤمنون ، لطبعه على قلوبهم وعلى سمعهم ، وعن الآخر أنه يخادع الله والذين آمنوا بما يبدي بلسانه من قيله: آمنا بالله وباليوم الآخر، مع استبطانه خلاف ذلك، ومرض قلبه، وشكه في حقيقة ما يبدي من ذلك; وغيرهم من سائر خلقه المكلفين- بالاستكانة والخضوع له بالطاعة، وإفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة , لأنه جل ذكره هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم. فقال لهم جل ذكره: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادكم وسائر الخلق غيركم، وهو يقدر على ضركم ونفعكم - أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نفع ولا ضر) .

    ۞ قال تعالى: ((فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ )) سبأ: ٤٢
    قال ابن كثير في تفسيرها :
    ( أي: لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان ، التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكُرَبكم، اليوم لا يملكون لكم نفعا ولا ضرا ) .


    يتبع......

  12. ۞ و قد روى الحاكم في المستدرك وصححه وأحمد في المسند والدارمي في السنن والبيهقي في دلائل النبوة حديث إسلام ضمام وفيه عند عودته لقومه : ( فَأَتَى إِلَى بَعِيرِهِ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى , قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَام!َ اتَّقِ الْجُنُونَ!! قَالَ: وَيْلَكُمْ إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ)) .
    قال الهيثمي في المجمع : (ورجال أحمد موثقون) . وقد اتفق الشيخان على إخراج ورود ضمام المدينة ولم يسق واحد منهما الحديث بطوله .

    ۞ قال ابن كثير في السيرة النبوية عن الصحابي " راشد بن عبد ربه السلمي" :
    (وقد كان راشد بن عبد ربه السلمى يعبد صنما، فرآه يوما وثعلبان يبولان عليه فقال:
    أرب يبول الثعلبان برأسه **** لقد ذل من بالت عليه الثعالب !

    ثم شد عليه فكسره ، ثم جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم , وقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : ما اسمك ؟ قال: غاوى بن عبد العزى. فقال: بل أنت راشد بن عبد ربه ) .
    وقد أورده أبو نعيم وأبو حاتم وابن حجر في الإصابة والصالحي في سبل الهدى والرشاد .

    ۞ وأورد ابن هشام في سيرته (1/266) والكلبي في "الأصنام" ص23 بلفظ قريب عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال :

    ( أَرَبّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبّ ***** أَدِينُ , إذَا تُقُسّمَتْ الْأُمُورُ؟

    عَزَلْتُ اللّاتَ وَالْعُزّى جَمِيعًا كَذَلِكَ يَفْعَلُ الْجَلْدُ الصّبُورُ
    فَلَا الْعُزّى أَدِينُ وَلَا ابْنَتَيْهَا وَلَا صَنَمَيْ بَنِي عَمْرٍو أَزُورُ
    وَلَا هُبَلًا أَدِينُ -وَكَانَ رَبّا ***** لَنَا فِي الدّهْرِ- إذْ حِلْمِي يَسِيرُ)

    فهو يبيّن كيف اعتقد في تلك الأوثان الربوبية .

    ۞ وأخرج الحاكم في المستدرك عن قرة بن إياس -رضي الله عنه- :
    لما كان يوم القادسية قال المجوسي للمغيرة : بعث بالمغيرة بن شعبة إلى صاحب فارس ، فقال : «ابعثوا معي عشرة فبعثوا فشد عليه ثيابه ، ثم أخذ حجفة ، ثم انطلق حتى أتوه » ، فقال : « ألقوا لي ترسا » ، فجلس عليه فقال العلج : إنكم معاشر العرب قد عرفتم الذي حملكم على المجيء إلينا أنتم قوم لا تجدون في بلادكم من الطعام ما تشبعون منه ، فخذوا نعطيكم من الطعام حاجتكم ، فإنا قوم مجوس ، وإنا نكره قتلكم إنكم تنجسون علينا أرضنا ، فقال المغيرة : « والله ما ذاك جاء بنا ، ولكنا كنا قوما نعبد الحجارة والأوثان ، فإذا رأينا حجرا أحسن من حجر ألقيناه وأخذنا غيره ، ولا نعرف رباً , حتى بعث الله إلينا رسولا من أنفسنا ، فدعانا إلى الإسلام فاتبعناه ، ولم نجئ للطعام...الخ .

    فها هو الصحابي الجليل يصرّح بأن المشركين لم يكونوا يعرفون رباً!! فكيف يقال بأن الرسل لم يخاصموا أقوامهم في الروبية؟!!

    ۞ وقال ابن الكلبي في "الأصنام" ص 59-60 :
    ( كان لطي صنم يقال له الفلس. وكان أنفا أحمر في وسط جبلهم الذي يقال له أجأ، أسود كأنه تمثال إنسان. وكانوا يعبدونه ويهدون إليه ويعترون عنده عتائرهم، ولا يأتيه خائف إلا أمن عنده، ولا يطرد أحد طريدةً فيلجأ بها إليه إلا تركت له ولم تخفر حويته.
    وكانت سدنته بنو بولان. وبولان هو الذي بدأ بعبادته. فكان آخر من سدنه منهم رجل يقال له صيفي. فأطرد ناقةً خليةً لامرأةٍ من كلبٍ من بني عليمٍ، كانت جارةً لمالك بن كلثوم الشمجى، وكان شريفا. فانطلق بها حتى وقفها بفناء الفلس. وخرجت جارة مالكٍ فأخبرته بذهابه بناقتها. فركب فرساً عرياً، وأخذ رمحه، وخرج في أثره. فأدركه وهو عند الفلس، والناقة موقوفة عن الفلس. فقال له: خل سبيل ناقة جارتي! فقال: إنها لربك! قال: خل سبيلها! قال: أتخفر إلهك؟ فبوأ له الرمح، فحل عقالها وانصرف بها مالك. وأقبل السادن على الفلس، ونظر إلى مالكٍ ورفع يده وقال، وهو يشير بيده إليه:

    يا رب إن مالك بن كلثوم
    أخفرك اليوم بنابٍ علكوم
    وكنت قبل اليوم غير مغشوم!
    يحرضه عليه.
    وعدي بن حاتم يومئذ قد عتر عنده وجلس هو ونفر معه يتحدثون بما صنع مالك. وفزع لذلك عدي بن حاتم وقال: انظروا ما يصيبه في يومه هذا!!. فمضت له أيام لم يصبه شيء. فرفض عدي عبادته وعبادة الأصنام، وتنصر. فلم يزل متنصرا حتى جاء الله بالإسلام، فأسلم ) .

    فانظر كيف قال السادن لمالك عن الناقة : "إنها لربك!" , ثم خاطب الصنم بقوله : "يا رب!" , وتأمّل اعتقادهم التصرف والضر في قول عدي بن حاتم قبل إسلامه : " انظروا ما يصيبه في يومه هذا!" .

    ۞ وقد روى الذهبي في سير أعلام النبلاء (4/176) :
    ( عن الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ أَبُو يُوسُفَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، يَقُولُ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَعْبُدُ حَجَرًا، فَسَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: يَا أَهْلَ الرِّحَالِ، إِنَّ رَبَّكُمْ قَدْ هَلَكَ فَالْتَمِسُوهُ، فَرَكِبْنَا عَلَى كُلِّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ نَطْلُبُ، إِذَا نَحْنُ بِمُنَادٍ يُنَادِي: أَنْ قَدْ وَجَدْنَا رَبَّكُمْ أَوْ شَبَهَهُ، فَجِئْنَا، فَإِذَا حَجَرٌ، فَنَحَرْنَا عَلَيْهِ الْجُزُرَ) .

    يدلّ هذا على أنهم اتخذوا الأحجار أرباباً!

    ۞ وقال السهيلي في الروض الأنف عند كلامه على أصنام قوم نوح :
    (وَذَكَرَ الطّبَرِيّ هَذَا الْمَعْنَى وَزَادَ أَنّ سُوَاعًا كَانَ ابْنَ شِيثَ , وَأَنّ يَغُوثَ كَانَ ابْنَ سُوَاعٍ , وَكَذَلِكَ يَعُوقُ وَنَسْرُ كُلّمَا هَلَكَ الْأَوّلُ صُوّرَتْ صُورَتُهُ وَعُظّمَتْ لِمَوْضِعِهِ مِنْ الدّينِ , وَلَمّا عَهِدُوا فِي دُعَائِهِ مِنْ الْإِجَابَةِ فَلَمْ يَزَالُوا هَكَذَا حَتّى خَلَفَتْ الْخُلُوفُ وَقَالُوا : مَا عَظّمَ هَؤُلَاءِ آبَاؤُنَا إلّا لِأَنّهَا تَرْزُقُ وَتَنْفَعُ وَتَضُرّ ، وَاِتّخَذُوهَا آلِهَةً ) .

    ۞ وقد روى الطبراني في الكبير (15411) عَنْ مُعَاوِيَةَ بن قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قُرَّةَ، قَالَ:
    ذَهَبْتُ لأُسْلِمَ حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُدْخِلَ مَعِيَ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً فِي الإِسْلامِ، فَأَتَيْتُ الْمَاءَ حَيْثُ مُجَمِّعِ النَّاسِ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي الْقَرْيَةِ الَّذِي يَرْعَى أَغْنَامَهُمْ، فَقَالَ: لا أَرْعَى لَكُمْ أَغْنَامَكُمْ، قَالُوا: لِمَ؟، قَالَ: يَجِيءُ الذِّئْبُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَأْخُذُ الشَّاةَ، وَصَنَمُنَا هَذَا قَائِمٌ، لا يَضُرُّ وَلا يَنْفَعُ، وَلا يُغَيِّرُ وَلا يُنْكِرُ، فَرَجَعُوا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُسْلِمُوا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا جَاءَ الرَّاعِي يَشْتَدُّ، وَهُوَ يَقُولُ: جَاءَ الْبُشْرَى، جَاءَ الْبُشْرَى، جَاءَ الذِّئْبُ فَهُوَ بَيْنَ يَدَيِ الصَّنَمِ مَقْمُوطًا، فَذَهَبْتُ مَعَهُمْ، فَقَبَّلُوهُ وَسَجَدُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَكَذَا فَاصْنَعْ، فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَحَدَّثْتُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ:"عَبَثَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ".

    فسجودهم إليه وتقبيلهم إياه وقولهم له هكذا فاصنع , دليلٌ على أن عبادتهم لأصنامهم مترتبة على اعتقادهم فيها النفع والضر والتصرف , ولذلك وضعوا صنمهم ليحرس لهم الشياه .

    ۞ وقال الذهبي في تاريخ الإسلام عند ذكره أذية المشركين للنبي – صلى الله عليه وسلم- وللمسلمين :
    (عن هشام بن عروة، عن أبيه أنّ أبا بكر أعتق ممّن كان يعذّب في الله سبعة، فذكر منهم الزّنيرة، قال: فذهب بصرها، وكانت ممّن يعذّب في الله على الإسلام، فتأبى إلاّ الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلاّ اللّات والعزّى، فقالت: كلاّ والله ما هو كذلك، فردّ الله عليها بصرها ) .

    ۞ وقال المسعودي في مروج الذهب عند ذكره وضع الحجر الأسود :
    ( فأخذ عليه الصلاة والسلام الحَجَرَ ووضعه في مكانه وقريش كلها حضور، وكان ذلك أول ما ظهر من فعله وفضائله وأحكامه .
    فقال قائل ممن حضر من قريش متعجباً من فعلهم وانقيادهم إلى أصغرهم سناً: واعجباً لقوم أهل شرف ورياسة وشيوخ وكهول , عمدوا إلى أصغرهم سنا, وأقلهم مالاً، فجعلوه عليهم رئيساً وحاكماً!! أما واللات والعزى ليفوقنهم سَبْقاً، وليقسمن بينهم حظوظاً وجدوداً , وليكونَنَّ له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم.
    وقد تنوزع في هذا القائل: فمن الناس من رأى أنه إبليس ظهر في ذلك اليوم في جمعهم في صورة رجل من قريش كان قد مات، وزعموا أن اللات والعزى أحيتاه لذلك المشهد، ومنهم من رأى أنه بعض رجالهم وحكمائهم ومَنْ كانت له فطنة)

    ۞ قال ابن إسحاق في سيرته عند باب ما نال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البلاء والجهد :
    ( فلما مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على الذي بعث به، وقامت بنو هاشم، وبنو المطلب دونه، وأبوا أن يسلموه، وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه، إلا أنهم أنفوا أن يستذلوا، ويسلموا أخاهم لمن فارقه من قومه، فلما فعلت ذلك بنو هاشم، وبنو المطلب، وعرفت قريش أنه لا سبيل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم- معهم، اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني المطلب ألا يناكحوهم ولا ينكحوا إليهم، ولا يبايعونهم ولا يبتاعون منهم، فكتبوا صحيفة في ذلك، وكتب في الصحيفة عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعلقوها بالكعبة، ثم عدوا على من أسلم فأوثقوهم، وآذوهم، واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة فيهم وزلزلوا زلزالاً شديداً، فخرج أبو لهب عدو الله يظاهر عليهم قريش، وقال: قد نصرت اللات والعزى يا معشر قريش...) .

    ۞ وقال ابن بطال في شرحه للبخاري (7/329) :
    (والاستقسام: الاستفعال من قسم الرزق والحاجات، وذلك طلب أحَدِهم بالأزلام على ما قسم له فى حاجته التى يلتمسها من نجاح أو حرمان، فأبطل الله ذلك من فعلهم وأخبر أنه فسق، وإنما جعله فسقًا؛ لأنهم كانوا يستقسمون عند آلهتهم التى يعبدونها ويقولون: يا إلهنا، أخرج الحق فى ذلك، ثم يعلمون بما خرج فيه، فكان ذلك كفرًا بالله، لإضافتهم ما يكون من ذلك من صواب أو خطأ إلى أنه من قسم آلهتهم ، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن إبراهيم وإسماعيل أنهما لم يكونا يستقسمان بالأزلام، وإنما كانا يفوضان أمرهما إلى الله الذى لا يخفى عليه علم ما كان وما هو كائن؛ لأن الآلهة لا تضر ولا تنفع ).

    ۞ وقال الواقدي في المغازي عند إرسال أبي سفيان والمغيرة إلى ثقيف :
    (قَالَ يَقُولُ شَيْخٌ مِنْ ثَقِيفٍ قَدْ بَقِيَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الشّرْكِ بَعْدُ بَقِيّةٌ : فَذَاكَ وَاَللّهِ مِصْدَاقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إنْ قَدَرَ عَلَى هَدْمِهَا فَهُوَ مُحِقّ وَنَحْنُ مُبْطِلُونَ وَإِنْ امْتَنَعَتْ فَفِي النّفْسِ مِنْ هَذَا بَعْدُ شَيْءٌ , فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْعَاصِ: مَنّتْك نَفْسُك الْبَاطِلَ وَغَرّتْك الْغُرُورَ وَمَا الرّبّةُ ؟ وَمَا تَدْرِي الرّبّةُ مَنْ عَبَدَهَا وَمَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا ؟ كَمَا كَانَتْ الْعُزّى مَا تَدْرِي مَنْ عَبَدَهَا وَمَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا ، جَاءَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَحْدَهُ فَهَدَمَهَا ; وَكَذَلِك إِسَافُ وَنَائِلَةُ وَهُبَلُ وَمَنَاةُ خَرَجَ إلَيْهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَهَدَمَهَا ; وَسُوَاعٌ خَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَهَدَمَهُ فَهَلْ امْتَنَعَ شَيْءٌ مِنْهُمْ ؟ قال الثقفي : إن الربة لا تشبه شيئا مما ذكرت . قال عثمان : سترى .... .
    وَقَدْ خَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسّرًا يَبْكِينَ عَلَى الطّاغِيَةِ ، وَالْعَبِيدُ , وَالصّبْيَانُ , وَالرّجَالُ مُنْكَشِفُونَ , وَالْأَبْكَارُ خَرَجْنَ , فَلَمّا ضَرَبَ الْمُغِيرَةُ ضَرْبَةً بِالْمِعْوَلِ سَقَطَ مَغْشِيّا عَلَيْهِ يَرْتَكِضُ, فَصَاحَ أَهْلُ الطّائِفِ صَيْحَةً وَاحِدَةً : كَلّا زَعَمْتُمْ أَنّ الرّبّةَ لَا تَمْتَنِعُ بَلَى وَاَللّهِ لَتَمْتَنِعَنّ , وَأَقَامَ الْمُغِيرَةُ مَلِيّا وَهُوَ عَلَى حَالِهِ تِلْكَ ثُمّ اسْتَوَى جَالِسًا فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ ، كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ مَا مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَعْقَلُ مِنْ ثَقِيفٍ ، وَمَا مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَحْمَقُ مِنْكُمْ , وَيْحَكُمْ وَمَا اللّاتُ وَالْعُزّى ، وَمَا الرّبّةُ ؟ حَجَرٌ مِثْلُ هَذَا الْحَجَرِ ، لَا يَدْرِي مَنْ عَبَدَهُ وَمَنْ لَمْ يَعْبُدْهُ وَيْحَكُمْ! أَتَسْمَعُ اللّاتُ أَوْ تُبْصِرُ أَوْ تَنْفَعُ أَوْ تَضُرّ ؟ ثُمّ هَدَمَهَا وَهَدَمَ النّاسُ مَعَهُ فَجَعَلَ السّادِنُ يَقُولُ - وَكَانَتْ سَدَنَةَ اللّاتِ مِنْ ثَقِيفٍ بَنُو الْعِجْلَانِ بْنِ عَتّابِ بْنِ مَالِكٍ . وَصَاحِبُهَا مِنْهُمْ عَتّابُ بْنُ مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ ثُمّ بَنُوهُ بَعْدَهُ - يَقُولُ: سَتَرَوْنَ إذَا انْتَهَى إلَى أَسَاسِهَا ، يَغْضَبُ الْأَسَاسُ غَضَبًا يَخْسِفُ بِهِمْ .
    فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ الْمُغِيرَةُ وَلِيَ حَفْرَ الْأَسَاسِ حَتّى بَلَغَ نِصْفَ قَامَةٍ وَانْتَهَى إلَى الْغَبْغَبِ خِزَانَتِهَا . وَانْتَزَعُوا حِلْيَتَهَا وَكُسْوَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ طِيبٍ وَمِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضّةٍ ) .

    ۞ وقال السهيلي في الروض الأنف عند ابْتِدَاءُ وُقُوعِ النّصْرَانِيّةِ بِنَجْرَانَ :
    (وَأَهْلُ نَجْرَانَ يَوْمئِذٍ عَلَى دِينِ الْعَرَبِ ، يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ لَهَا عِيدٌ فِي كُلّ سَنَةٍ ، إذَا كَانَ ذَلِكَ الْعِيدُ عَلّقُوا عَلَيْهَا كُلّ ثَوْبٍ حَسَنٍ وَجَدُوهُ وَحُلِيّ النّسَاءِ ثُمّ خَرَجُوا إلَيْهَا ، فَعَكَفُوا عَلَيْهَا يَوْمًا ، فَابْتَاعَ فَيْمِيون رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَابْتَاعَ صَالِحًا آخَرُ فَكَانَ فَيْمِيون إذَا قَامَ مِنْ اللّيْلِ - يَتَهَجّدُ فِي بَيْتٍ لَهُ أَسْكَنَهُ إيّاهُ سَيّدُهُ - يُصَلّي ، اسْتَسْرَجَ لَهُ الْبَيْتَ نُورًا ، حَتّى يُصْبِحَ مِنْ غَيْرِ مِصْبَاحٍ فَرَأَى ذَلِكَ سَيّدُهُ فَأَعْجَبَهُ مَا يَرَى مِنْهُ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ وَقَالَ لَهُ فَيْمِيون : إنّمَا أَنْتُمْ فِي بَاطِلٍ ، إنّ هَذِهِ النّخْلَةَ لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْ دَعَوْت عَلَيْهَا إلَهِي الّذِي أَعْبُدُهُ لَأَهْلَكَهَا ، وَهُوَ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ فَقَالَ لَهُ سَيّدُهُ فَافْعَلْ فَإِنّك إنْ فَعَلْت دَخَلْنَا فِي دِينِك ، وَتَرَكْنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ . قَالَ فَقَامَ فَيْمِيون ، فَتَطَهّرَ وَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ثُمّ دَعَا اللّهَ عَلَيْهَا ، فَأَرْسَلَ اللّهُ عَلَيْهَا رِيحًا فَجَعَفَتْهَا مِنْ أَصْلِهَا فَأَلْقَتْهَا فَاتّبَعَهُ عِنْدَ ذَلِكَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِهِ فَحَمَلَهُمْ عَلَى الشّرِيعَةِ مِنْ دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السّلَامُ ) .

    ۞ وقد ذكر ابن هشام في سيرته وابن الكلبي في "الأصنام" خروج عمرو بن لحي إلى الشام في بعض أموره , فقال ابن هشام :
    (فَلَمّا قَدِمَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ - وَهُمْ وَلَدُ عِمْلَاقٍ . وَيُقَالُ عِمْلِيقُ بْنُ لَاوِذْ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ - رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَقَالَ لَهُمْ مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالُوا لَهُ هَذِهِ أَصْنَامٌ نَعْبُدُهَا ، فَنَسْتَمْطِرُهَا فَتُمْطِرُنَا ، و نَسْتَنْصِرُهَا فَتَنْصُرُنَا ، فَقَالَ لَهُمْ أَفَلَا تُعْطُونَنِي مِنْهَا صَنَمًا ، فَأَسِيرَ بِهِ إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ ، فَيَعْبُدُوهُ ؟ فَأَعْطَوْهُ صَنَمًا يُقَالُ لَهُ هُبَلُ فَقَدِمَ بِهِ مَكّةَ ، فَنَصَبَهُ وَأَمَرَ النّاسَ بِعِبَادَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ ) .

    وبعد ذلك انتشرت الأوثان والأصنام بينهم , حتى قال شحنة بن خلف الجرهمي :

    يا عمروا إنك قد أحدثت آلهة ***** شتى بمكة حول البيت أنصاباً
    وكان للبيت رب واحد أبدا ***** فقد جعلت له في الناس أرباباً .
    (مروج الذهب للمسعودي 2/29)

    ۞ وذكر ابن الكلبي في "الأصنام" ص37 عن رجل أتى بناقته إلى صنم يقال له سعد , فنفرت الإبل فأنشد الرجل :
    ( أتينا إلى سعدٍ ليجمع شملنا ***** فشتتنا سعد فلا نحن من سعد! )
    .


    فكانوا يرون فيه التصرف والفعل كالجمع والتشتيت المذكورين .

    ۞ وقال أيضاً في كتابه "الأصنام" ص28 :
    ( وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها. وكان أعظمها عندهم هبل.... . وكان في جوف الكعبة، قدامه سبعة أقدحٍ. مكتوب في أولها: "صريح" والآخر: "ملصق" فإذا شكّوا في مولود، أهدوا له هديةً، ثم ضربوا بالقداح. فإن خرج: "صريح" ألحقوه؛ وإن خرج: "ملصق"، دفعوه. وقدح على الميت؛ وقدح على النكاح؛ وثلاثة لم تفسر لى على ما كانت. فإذا اختصموا في أمرٍ أو أرادوا سفرا أو عملا، أتوه فاستقسموا بالقداح عنده. فما خرج، عملوا به وانتهوا إليه ) .

    وهذا نص صريح في اعتقادهم الإدراك ومعرفة الأمور في أوثانهم .

    ۞ وقال أ.د.توفيق برّو في "تاريخ العرب القديم" (ص302-303) بعد أن تكلّم عن أوثان العرب بتفصيل :
    ( تتلخص موجبات التقديس التي كان يكرّسها الجاهليون للقوى التي عبدوها بنوعين من السلوك , فقد قدّسوها إما رغبة وإمّا رهبة) .

    وقال أيضاً :
    ( أمّا التي اعتقدوا فيها الخير من الآلهة , فقد عبدوها رغبة في نوال خيرها ونفعها . وإن رجاء الإنسان الخير من آلهته , أمر معروف عند جميع الأمم القديمة , وليس أدلّ على ذلك من أنّ هذه الشعوب كانت تصطحب معها تماثيل آلهتها في الحرب , كي تنصرها على أعدائها .
    وعمرو بن لحي الخزاعي جلب الأصنام من الشام لأن عَبَدتها أفهموه أنّهم يستسقون بها المطر, وييستنصرون بها على أعدائهم .
    وكذلك فعل أبو سفيان بن حرب في موقعة أحد , إذ اصطحب كلاً من اللات والعزى , ليستنصر بها على المسلمين .
    وكان للأنباط والتدمريين آلهة لحماية تجارتهم , يرجون منها أن تبارك أعمالهم التجارية , وتأتي لهم بالربح الوفير .
    وكذلك كان لعرب الجاهلية في شبه الجزيرة تقاليد مماثلة , إذ كانوا ينذرون لآلهتم النذور , ويطلبون منها أن تبارك قوافلهم التجارية , وتحفظها عند رحيلها , كما يقدمون لها القرابين عند عودتها سالمة إعراباً عن شكرهم لها إذ حفظتهم من الأذى .
    كما أن للجاهليين حاجات أخرى يتوخون أن تقضيها لهم آلهتهم , أن تمنحهم الصحة , وتقيهم من الأمراض , وتحفظ لهم أطفالهم , وأن توفقهم في أعمالهم وتوفر لهم أسباب الرزق والمعيشة..الخ) .

    فهذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تبرهن على اعتقاد المشركين في أصنامهم خصائص الربوبية من النفع والضر والتصرف وغيرها , ولهذا فقد حاد ابن تيمية عن الصواب في قوله :
    (وَمَا اعْتَقَدَ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ أَنَّ الْأَصْنَامَ هِيَ الَّتِي تُنْزِلُ الْغَيْثَ وَتَرْزُقُ الْعَالَمَ وَتُدَبِّرُهُ!!). (مجموعة الفتاوى ج1) .

    ۞ وقد كان اعتقاد المشركين في آلهتهم أن لها شفاعة نافذة عند الله ومحتمة عليه لا يستيطع أن يردّها , بحكم شراكتهم لله تعالى :
    - قال تعالى: ((وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ )) الأنعام: ٩٤
    قال الطبري في تفسيرها :
    (عن السدي: أما قوله:"وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء"، فإن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدُون الآلهة، لأنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله، وأنّ هذه الآلهة شركاءُ لله... .
    عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث:"سوف تشفع لي اللات والعزَّى"! فنزلت هذه الآية..) .

    وقال ابن الجوزي في زاد المسير :
    ( و {زعمتم أنهم فيكم } أي : عندكم شركاء , وقال ابن قتيبة : زعمتم أنهم لي في خلقكم شركاء ) .

    فكيف يكون موحّداً من اعتقد في الأصنام الشفاعة ومشاركة الله تعالى ؟!

    - قال تعالى: ((مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ )) البقرة: ٢٥٥
    - قال تعالى: ((وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ )) يونس: ١٨ .
    - قال تعالى: ((يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا )) طه:١٠٩
    - قال تعالى: ((وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ )) سبأ: ٢٣
    - قال تعالى: (( لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)) مريم: ٨٧
    - قال تعالى: ((أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ )) يس: ٢٣


    فهذه وغيرها من الآيات تدل على أن شفاعة هذه المعبودات غير نافذة وواجبة على الله تعالى , فلا تكون الشفاعة إلا بإذنه لمن ارتضى , خلافاً لاعتقاد المشركين بالشفاعة الملزمة المحتمة , وهي من الأفعال وخصائص الربوبية التي أثبتوها لمعبوداتهم .


    يتبع...

  13. متابع معك أخي الكريم
    بانتظار استكمال البحث
    اللهم صلّ أفضل صلاة على أسعد مخلوقاتك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم عدد معلوماتك ومداد كلماتك كلما ذكرك وذكره الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون

  14. جزاك الله أخي الكريم على هذا المجهود الكبير، أعانك الله تعالى و سدد خطاك

  15. ج- أصنامهم أعظم قَدْراً عندهم من الله
    ونسبتهم النقائص له سبحانه :


    إن القائلين بتوحيد المشركين في الربوبية , يذهبون إلى أن الله تعالى غايةُ هؤلاء المشركين , ومنتهى طلبهم , وهو أعظم ما يطلبونه ويبتغونه , ليس عندهم لموجود منزلةٌ تداني منزلته , ولا قدرٌ يساوي قدره , لا أن لأصنامهم مرتبةٌ عظيمةٌ ومقامٌ رفيعٌ يساوي قََدْر الله تعالى ومنزلته في قلوبهم .

    وهذه الفكرة مخالفة للأدلة الكثيرة الصريحة , التي تُثبت أنّ أصنام المشركينَ كانت تحتل عندهم منزلةً ومرتبةً لا توازيها بل لا تدانيها مرتبٌة غيرها حتى لله تعالى!!
    فكانت أصنامهم بالنسبة لهم أعظم قَدْراً وأشرف منزلة وأحب إلى قلوبهم من الله تعالى , فكيف يقال بعد ذلك أنهم موحدون لله تعالى في الربوبية ؟! فقد ثبت مما تقدّم أنهم يعتقدون في أصنامهم صفات الربوبية , وأنهم كانوا يقدّمون أصنامهم على الله تعالى في أدنى الأمور , وينسبون له من النقائص ما ينزهون أنفسهم وأوثانهم عنه , ويسبوا الله تعالى إذا قام أحدٌ بسبِّ آلهتهم , انتصاراً لها وغضباً من أجلها وإعظاماً لها أكثر من إعظامهم لله تعالى .

    ۩ و الموحدّ في الربوبية لا بد أن ينفي عن الله تعالى ما يستحيل عليه من الصفات المناقضة لربوبيته , وإلا لم يكن موحداً في الربوبية .

    ومما يدلّ على قدْر الأصنام عند المشركين وكونها كمنزلة الله عندهم وأرفع ونسبتهم النقائص لله تعالى , ما يلي:

    ۞ قال تعالى: ((وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ )) الأنعام: ١٣٦

    فقد قدّموا أصنامهم على الله تعالى في أدنى الأمور , قال ابن الجوزي في تفسيرها :
    (وكانوا إذا زرعوا ، خطوا خطاً ، فقالوا : هذا لله ، وهذا لآلهتنا ، فإذا حصدوا ما جعلوه لله ، فوقع منه شيء فيما جعلوه لآلهتهم ، تركوه ، وقالوا : هي إليه محتاجة؛ وإذا حصدوا ما جعلوه لآلهتهم ، فوقع منه شيء في مال الله ، أعادوه ، إلى موضعه . وكانوا يجعلون من الأنعام شيئا لله ، فاذا ولدت إناثها ميِّتاً ، أكلوه ، وإذا ولدت أنعام آلهتهم ميِّتاً عظموه فلم يأكلوه ).

    ۞ ونسبوا لله تعالى البنات كما في قوله تعالى: ((وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ )) النحل: ٥٧

    ۞ وقال تعالى: ((أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا)) الإسراء: ٤٠

    قال الطبري في تفسيرها :
    ( يقول تعالى ذكره للذين قالوا من مشركي العرب: الملائكة بنات الله (أفأصْفاكُمْ) أيها الناس (رَبُّكُمْ بالبَنينَ) يقول: أفخصكم ربكم بالذكور من الأولاد ( وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا ) وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم؟!!، بل تئدونهن، وتقتلونهن، فجعلتم لله ما لا ترضونه لأنفسكم ( إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا ) يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين الذين قالوا من الفرية على الله ما ذكرنا: إنكم أيها الناس لتقولون بقيلكم: الملائكة بنات الله، قولا عظيما، وتفترون على الله فرية منكم) .

    فهذا قدْر الله تعالى في قلوبهم , إذ نسبوا إليه النقائص المستحيلة في حق صاحب الربوبية , مما يخجل أحدهم أن ينسبه لنفسه!!

    ۞ وقال تعالى: ((أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)) الصافات: ١٥١ - ١٥٢

    ۞ قال تعالى: ((وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ)) الزخرف: ١٥ – ١٧.
    قال الزمخشري في تفسيرها :
    ({ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } متصل بقوله : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم } أي : ولئن سألتهم عن خالق السموات والأرض ليعترفن به ، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءاً فوصفوه بصفات المخلوقين . ومعنى { مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } أن قالوا الملائكة بنات الله ، فجعلوهم جزءاً له وبعضاً منه ، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءاً له . ومن بدع التفاسير : تفسير الجزء بالإناث ، وادعاء أنّ الجزء في لغة العرب : اسم للإناث ، وما هو إلا كذب على العرب ، ووضع مستحدث منحول ، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه : أجزأت المرأة ، ثم صنعوا بيتاً وبيتاً :
    إنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَوْماً فَلاَ عَجَب ... زُوِّجْتُهَا مِنْ بَنَاتِ الأَوْسِ مُجْزِئَةً
    وقرىء «جزؤوا» بضمتين { لَكَفُورٌ مُّبِينٌ } لجحود للنعمة ظاهر جحوده؛ لأنّ نسبة الولد إليه كفر ، والكفر أصل الكفران كله { أَمِ اتخذ } بل اتخذ ، والهمزة للإنكار : تجهيلاً لهم وتعجيباً من شأنهم ، حيث لم يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءاً ، حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزأين : وهو الإناث دون الذكور ، على أنهم أنفر خلق الله عن الإناث وأمقتهم لهنّ ، ولقد بلغ بهم المقت إلى أن وأودهنّ ، كأنه قيل : هبوا أنّ إضافة اتخاذ الولد إليه جائزة فرضاً وتمثيلاً ، أما تستحيون من الشطط في القسمة؟ ومن ادعائكم أنه آثركم على نفسه بخير الجزأين وأعلاهما وترك له شرهما وأدناهما؟ وتنكير {بَنَاتٍ} وتعريف {البنين} وتقديمهنّ في الذكر عليهم لما ذكرت في قوله تعالى : {يَهَبُ لِمَن يَشَاء إناثا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذكور } [ الشورى : 49 ] ,{ بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً } بالجنس الذي جعله له مثلاً ، أي : شبهاً , لأنه إذا جعل الملائكة جزءاً لله وبعضاً منه فقد جعله من جنسه ومماثلاً له؛ لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد ، يعني : أنهم نسبوا إليه هذا الجنس….. .
    والظلول بمعنى الصيرورة ، كما يستعمل أكثر الأفعال الناقصة بمعناها . وقرىء «مسودّ ومسوادّ» على أن في {ظَلَّ } ضمير المبشر ، و { وَجْهُهُ مُسْوَدّاً } جملة واقعة موقع الخبر ، ثم قال : أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته!! ) .

    فمن نسب لنفسه أفضل القسمين وأعلاهما , ونسب لله سبحانه أخسهما وأدناهما , مما يستحيل في حقه ويمتنع عليه , كيف يكون موحّداً في الربوبية؟!

    ۞ وقال تعالى فيهم : ((وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)) الأنعام: ١٠٨
    قال الطبري في تفسيرها :
    (...عن علي بن أبي طلحه عن أبي عباس قوله: (ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) قال؟ قالوا: يامحمد ، لتنتهين عن سب آلهتنا، أو لنهجون ربك! فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدوا بغير علم) .

    فأين اعترافهم بربوبية الله تعالى بعد شتمهم إياه!, ونسبتهم النقائص له , مع تنزيههم أصنامهم؟! أليست أصنامهم أعظم عندهم وأحق بالتنزيه من الله تعالى؟ فدعواهم أن مقصودهم هو الله تعالى وهو أعظم عندهم من هذه الأصنام باطلة .

    ۞ وقال تعالى: ((وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا)) الإسراء: ٤٦

    ۞ وقال تعالى: ((وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)) الزمر: ٤٥

    ۞ وقال تعالى: ((قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ)) الأنبياء: ٤٢

    ۞ وقال تعالى: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا)) الفرقان: ٦٠

    فهذه الآيات السابقة تبين قدر الله تعالى في قلوب المشركين!

    ۞ وقال تعالى: ((قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) فصلت: ٩
    قال البيضاوي في تفسيرها :
    ( وكفرهم به إلحادهم في ذاته وصفاته . { وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً } ولا يصح أن يكون له ند . { ذلك } الذي { خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ } . { رَبّ العالمين } خالق جميع ما وجد من الممكنات ومربيها ) .

    ۞ وقال تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)) البقرة: ١٦٥
    قال الطبري في تفسيرها ( 3/280):
    (ومنَ الناس من يتخذ أ-يها المؤمنون- من دون الله أندادًا يحبونهم كحبكُم الله) .

    فلا يعقل ممن أحب الأصنام أكثر من الله تعالى ألا يشركها في الربوبية معه , كيف وهي أحب إليه من الله؟! فهي مقصودة لذاتها , ولمقامها في قلوبهم الذي يعلو مقام الله تعالى .

    ۞ وقال تعالى: ((فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) البقرة: ٢٢
    قال الطبري في تفسيرها:
    (والأنداد جمع نِدّ، والنِّدّ: العِدْلُ والمِثل، كما قال حسان بن ثابت:
    أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ?... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
    يعني بقوله:"ولستَ له بند"، لست له بمثْلٍ ولا عِدْلٍ , وكل شيء كان نظيرًا لشيء وله شبيهًا فهو له ند ) .

    فقد نسبوا لله تعالى الأنداد والأمثال والأشباه .

    ۞ وقال تعالى: ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)) الأنعام: ٩١
    قال القرطبي في تفسيرها :
    (وقال أبو العالية : واختاره الخليل بن أحمد معناه : ما وصفوه حق صفته فيما وجب له واستحال عليه وجاز ، وقال ابن عباس أيضاً : ما آمنوا بالله حق إيمانه وعلموا أن الله على كل شيء قدير ، وقال أبو عبيدة أيضاً : ما عبدوه حق عبادته ، وقيل : ما أجلُّوه حق إجلاله حكاه ابن أبي الفضل في ريّ الظمآن وهو بمعنى التعظيم ، وقال ابن عطية : من توفية القدر فهي عامّة يدخل تحتها من لم يعرف ومن لم يعظم وغير ذلك غير أن تعليله بقولهم : { ما أنزل الله } يقضي بأنهم جهلوا ولم يعرفوا الله حق معرفته إذ أحالوا عليه بعثة الرسل ، وقال الزمخشري : ما عرفوا الله حق معرفته في الرحمة على عباده واللطف بهم حين أنكروا بعثة الرسل والوحي إليهم ، وذلك من أعظم رحمته وأجلّ نعمته)

    وأخرج الطبري عن ابن عباس في سورة الزمر عند قوله: (وما قدروا الله حق قدره) :
    ( قال: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم!!!، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك، فلم يقدر الله حق قدره.) .

    ۞ وقال تعالى: ((وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) الرعد:٣٠

    ۞ واسمع إلى ما رواه أبو يعلى (المسند 6/87-88 ح 3341) -في قصة أحد مشركي العرب- عن أنس قال:
    أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلاً من أصحابه إلى رأس من رؤوس المشركين يدعوه إلى الله.
    فقال -أي رأس المشركين-: هذا الإله الذي تدعو إليه ، أمن فضة هو؟ أم من نحاس هو؟
    فتعاظم مقالته في صدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- . فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: "ارجع إليه فادعه إلى الله". فرجع فقال له مثل مقالته. فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره! فقال: "ارجع فادعه إلى الله". وأرسل الله عليه صاعقة". فرجع فقال له مثل مقالته، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال: "ارجع إليه فادعه إلى الله". ورسول الله في الطريق لا يعلم، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أن الله قد أهلك صاحبه. ونزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ).
    قال محققه: إسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي عاصم (السنة 1/304 ح 692) من محمد بن أبي بكر به. وصححه الحافظ ابن حجر (مختصر زوائد البزار ح 1474)، (وكشف الأستار ح 2221) قال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان وهو ثقة (مجمع الزوائد 7/42).

    ۞ واقرأ ما قاله تعالى على لسان سيدنا شعيب , لتعلم منزلة الله تعالى وقدره عند المشركين , فقال تعالى : (( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ )) هود: ٩٢ .

    ۞ ومن ذلك قول أبي سفيان يوم أحد كما في البخاري : ( أعلُ هبل ) ، فأجابه - صلى الله عليه وسلم- بقوله: (الله أعلى وأجل).

    ۞ وقال تعالى للنبي –صلى الله عليه وسلم- : ((قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ)) الأنعام: ١٦٤
    قال الطبري في تفسيرها :
    ( يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : ( قل) يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان ، الداعيك إلى عبادة الأصنام واتباع خطوات الشيطان (أغير الله أبغي ربًّا) ، يقول: أسِوَى الله أطلب سيدًا يسودني؟ (وهو رب كل شيء)، يقول: وهو سيد كل شيء دونه ومدبّره ومصلحه) .

    فلو كان المشركون مقرون بالربوبية المطلقة لله تعالى لأمر نبيّه –ص- أن يقول : قل أغير الله أبغي إلهاً , فالمشركون قد دعوا النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يبغي رباً وسيداً غير الله من أصنامهم !! فهل كان هؤلاء موحدون توحيداً كاملاً في الربوبية؟!

    و قال الماوردي في تفسيرها :
    (قوله عز وجل : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } وسبب نزول ذلك أن كفار قريش دعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ملة آبائه في عبادة اللات والعزى ، وقالوا : يا محمد إن كان وزراً فهو علينا دونك ، فنزلت هذه الآية عليه) .

    فهم قد عبدوها معتقدين بربوبيتها .

    واقرأ بعد هذا ما كتبه أحدهم ثم اعجب من فهمهم السقيم وتجرؤهم العظيم , فقد قال محمد باشميل في رسالته : "كيف نفهم التوحيد؟" :
    ( فقد كان هؤلاء المشركون يؤمنون بوجود اللّه إيمانًا جازمًا , ويوحدونه في الربوبية توحيدًا كاملًا , لا تشوبه أية شائبة!!!) .[/

صفحة 2 من 10 الأولىالأولى 123456 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •