صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 32

الموضوع: مناظرة حاتم3 مع الملحد "القبطان" .

  1. مناظرة حاتم3 مع الملحد "القبطان" .

    بسم الله الرحمن الرحيم ،

    الحمد لله ، و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه إلى يوم الدين ، و بعد :

    فإني أحببت أن أنقل إلى إخواني في هذا المنتدى مناظرة رائعة ، حفلت بكل صنوف المعرفة الفلسفية و العلمية و الدينية ، جرت وقائعها بين د. الطيب بوعزة ، المسمى حاتم3 ، و ملحد سمّى نفسه "القبطان" . و للعلم ، فإن د. الطيب بوعزة هو باحث أكاديمي مغربي ، تناظر مع هذا الملحد في منتدى إلحادي حول الإيمان و الإلحاد ، فأبدى د. الطيب بوعزة من المعرفة و المهارة و الروح الأخلاقية في محاورة الخصم ما يرقى بهذه المناظرة التي عزّ نظيرها في محاورة الملحدين إلى المستوى العلمي الأكاديمي . و فيما يأتي أنقل إليكم فصول هذه المناظرة ضمن أجزاء بالشكل و التنسيق الذين وردا به مع حذف روابط الموقع الإلحادي :
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  2. القبطان :
    ------
    حوار ثنائي بين القبطـان وحاتم3
    حول الإيمان والإلحاد

    موضوع الحوار:
    • الإيمان والإلحاد

    مقدمة قصيرة

    هدفي من هذا الحوار هو تعريف موقفي الإلحادي وتبريره في مقابل توضيح ضعف مبررات الإيمان الديني.
    بينما هدف زميلي في الحوار سيكون معاكسا، أي تبرير موقفه الإيماني مقابل نقض الموقف الإلحادي.

    مجرى الحوار:
    - مداخلة افتتاحية من القبطـان
    - مداخلة افتتاحية من حاتم3
    - رد أول من القبطان
    - رد أول من حاتم3
    - رد ثاني وخاتمة من القبطـان
    - رد ثاني وخاتمة من حاتم3

    الهدف من هذه البنية هو تقنين سير الحوار لئلا يتشعب ويطول كثيرا.

    في الحوار الأول من نوعه لن نقوم بعد الكلمات أو الأحرف لتحديد عددها.
    هذه هي التجربة الأولى، وهناك الكثير من الأخطاء الإجرائية التي قد نقع فيها.
    ولكن الأمل هو أن نتعلم من هذه الأخطاء فنقوم بتلافيها في المستقبل.


    سأعود في وقت لاحق هذا اليوم لإضافة مداخلتي الإفتتاحية..

    مع أطيب التحيات
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  3. القبطان
    -----

    مقدمة:

    كتبت "مقالات في الإلحاد" على شكل خواطر في منتدى أثير قبل سنة ونصف..
    (تم ازالة الرابط)
    ثم نشرت جزءا أول من هذه النصوص في موقعنا:
    (تم ازالة الرابط)

    وطالما خطر لي أن أكتب نصوصا أكثر تفصيلا، بمنهجية مختلفة، وإلقاء الضوء على جوانب أخرى، خصوصا وأن المكتبة العربية تشكو من نقص حاد في هذا المجال.
    ولكن الوقت لم يساعدني في ذلك.
    وهذا الحوار هو خطوة أولى، لتعميق النقاط المطروحة.

    أشكر الزميل حاتم3 على مشاركته في هذا الحوار.
    وأرجو له ولبقية الزملاء وقتا طيبا.

    أولا:
    تعريفات مبدئية:

    - الآلهة:
    كائنات "فوق الطبيعة" تؤثر في الطبيعة بطرق شتى دون أن تخضع لها، وتختلف في صفاتها حسب الثقافة التي تنتجها.
    ولكن موضوعنا الأساسي سيتعلق بالإيمان الإسلامي، وهنا لدينا "الله".
    وهو كائن لا يخضع للزمان أو المكان
    مطلق القدرة، مطلق المعرفة
    خلق الكون والإنسان بتخطيط وإرادة
    يؤثر في الكون حاليا (يدبره)، يتواصل مع البشر، خصوصا مع بعضهم (الرسل والأنبياء)
    لديه اهتمام بالسلوك البشري، ويخطط لمكافأة البعض ومعاقبة الآخرين، خصوصا بعد موتهم (خلود الروح).
    والكثير من الصفات الأخرى تبعا لنصوص القرآن والسنة وغيرها من أعمال الأجيال الإسلامية التالية.

    - الإلحاد:
    عدم الإعتقاد بما سبق وصفه.
    لا يهمني في هذا السياق الأصل اللغوي للكلمة، أو التعريفات المتباينة لها، علاقتها بمدارس فكرية مختلفة، أو أن كلمات أخرى أقل شيوعا قد تكون أكثر دلالة (مثلا الدهرية، الطبيعانية..الخ)

    ثانيا:
    الإيمان والاعتقاد:
    جميعنا نعتقد بأشياء كثيرة في حياتنا اليومية، بعضها عادي، ولا يستحق الذكر في أغلب الأحيان أو قد لا ندري أننا نحمل هذه المعتقدات.
    الكثير من هذه المعتقدات ننسخه من المحيط الاجتماعي حولنا، من التراث الثقافي المحيط بنا.
    فنلاحظ لكل مجتمع معتقدات خاصة بما يحدث لأفراده بعد الموت، وطريقة تفسير الكوارث الطبيعية أو التفاوتات في الأوضاع الإجتماعية وتوزيع الثروة أو الصحة والنجاح بين الأفراد.

    بوجود هذه التفاوتات يصبح السؤال عن صحة هذه التصورات المتوارثة ضروريا، فمن الصعب أن تكون كلها صحيحة بالشكل نفسه، ولكن قد تكون كلها خاطئة، وقد يكون من الصعب الحسم في هذا المجال..

    ليصبح الاعتقاد مبررا، فهو يحتاج إلى أدلة تدعمه لترجيح صحته.
    بعض هذه المعتقدات "استثنائي"، والمعتقدات الإستثنائية تحتاج إلى أدلة استثنائية، دون ذلك فنحن نرفض مثل هذه المعتقدات دون أن نبرهن على خطئها.

    فقد أعتقد أن لدي ما يكفي من اللبن في الثلاجة، ثم أذهب لأتأكد، فأكتشف خطأي.
    ورغم ذلك فمن المبرر عادة أن نصدق شخصا يزعم بوجود اللبن في ثلاجته، لمجرد أنه يقول ذلك.

    بينما من يزعم بأن لديه تنين في بيته، فهو لن يحظى بهذه السهولة بالتصديق حتى ولو أرانا صورة له (فقد تكون مزورة..الخ).

    سنختار لهذا الحوار الاعتقاد الشائع بوجود الله..
    الزعم بوجود إله أو آلهة، هو زعم استثنائي بكل المقاييس.
    فلم ير أحد منا إلها في حياته اليومية، ولا يعرف أحد شكل مثل هذا الإله، ملمسه، أو يستطيع التخاطب معه للتأكد من أفكاره حوله.

    ولذلك فهذا الإعتقاد بحاجة إلى أدلة استثنائية لتبريره.
    وهذا ما نراه في ردة فعل كل المؤمنين بدين معين تجاه إيمان الأديان الأخرى.
    عدم تفهم للغيبيات المختلفة عن قناعاتهم، ورفض مباشر مع الإشارة إلى نقص الأدلة لتبرير هذه المعتقدات، والبحث عن تبريرات أخرى، غير غيبية، لهذه المعتقدات.

    ما نراه لدى جميع الأديان هو عدم وجود أي أدلة استثنائية، تتناسب مع الطبيعة الاستثنائية للزعم بوجود الآلهة.
    وإنما بالدرجة الأولى آليات اجتماعية ثقافية لانتقال المعتقدات بشكل وراثي بين الأجيال.
    وكما أن المؤمن بالله يرفض وجود إله الإغريق "زيوس" لعدم كفاية الأدلة، فكذلك يرفض الملحد وجود "الله" لعدم وجود الأدلة.

    لذلك فعلى المؤمن بإله أو آلهة أن يبرر إيمانه بأدلة استثنائية.
    ويكفي لتبرير الموقف الإلحادي، أن أظهر ضعف هذه الأدلة وعدم تماسكها.

    بينما ليس من الضروري لتبرير الإلحاد بالمعنى الذي أقصده أن أبرهن على عدم وجود هذه الآلهة.
    أو حتى تقديم تفسيرات بديلة.
    (البعض يسمي هذا الموقف "الإلحاد السلبي"، أو اللاأدرية المعرفية مع الإلحاد العملي)


    ثالثا:
    مع ذلك سأمر على الأدلة المعتادة لتوضيح نقاط ضعفها:

    المعجزات والكوارث الطبيعية والظواهر الخارجة عن المألوف:
    هذا هو الدليل الأكثر رواجا في المعتقدات الشعبية لتبرير فكرة النبوة (القرآن معجزة محمد)، أو تجسد الآلهة (المسيحية، الهندوسية).
    وهي أهم دليل على الإهتمام المفترض الذي توليه الآلهة بالجنس البشري، والتخاطب معه والتدخل في مجرى حياته والتعامل مع سلوكه بالرضى أو الغضب.

    ولكن يكفيني عدم اعتراف المعتقدين بدين بمعجزات الأديان الأخرى، لكي نرى التأثير "المحلي جدا" لهذه المعجزات.
    فهي وليدة ثقافتها، والأغلبية الساحقة لهذه المعجزات قد حصلت في عصور سحيقة، بذلك يصعب التأكد من حصولها، بينما الإيمان بها لدى أبنائها لا يتأثر بضعف الأدلة.
    كل من يزعم بوجود معجزة عليه أن يشير إلى أدلة استثنائية على أن التفسير الإعجازي هو الوحيد الممكن.
    دون ذلك فالمعجزة تبقى في "عين المؤمن"، والطريقة الأمثل لدراستها هي علوم الاجتماع والنفس (انتشار الإشاعات، خداع الحواس..الخ)، وليس العلوم الطبيعية، ناهيك عن صحة النتائج الدينية التي تستتبع ذلك.

    العلة الأولى:

    "نظرا لأن لكل شيء سبب، فلا بد لهذه الأسباب أن تلتقي في سبب أول، هو الله".
    نقطة الضعف الأساسية هي أن افتراض وجود "سبب أول" ينقض الفرضية الأولى، وهي أن "لكل شيء سبب".
    بعد ذلك تبدأ دوامة طويلة، لتبرير الرغبة في استثناء الله من هذه السببية.
    فيصبح البرهان دائريا.
    أي عوضا عن الانطلاق من فرضية عامة، إلى استنتاج خاص.
    يتم تفصيل البرهان ليناسب النتيجة التي يريد المؤمن التوصل إليها.

    ناهيك عن أن قاعدة "لكل شيء سبب" إنما استنتجناها من ملاحظاتنا للظواهر ضمن الكون.
    وهذا يدخلنا في مشكلة الاستقراء، حيث قد نكتشف ظاهرة جديدة ليس لها مسبب، فتسقط القاعدة وجميع استنتاجاتها.
    ناهيك عن أن تعميم صفات الأجزاء على الكل، هو مغالطة لا مبرر لها.
    أي حتى إن كانت جميع الأشياء ضمن الكون لها سبب، فهذا لا يسمح بالاستنتاج بأن للكون سبب أيضا.

    ولكن حتى في حال الموافقة جدلا على العلة الأولى (رغم عدم خبرتنا بأي "علة أولى" حولنا)، فلا يوجد أي مبرر لافتراض أن "الله" هو تلك العلة الأولى.
    فالعلة الأولى كما يتم استنتاجها لا تظهر صفات أخرى تزيد عما يحتاجه ذلك البرهان، فهي ليست بالضرورة واعية، عالمة أو مطلقة القدرة..الخ
    فقد يكون الكون، أو ظاهرة طبيعية أخرى، هو تلك العلة الأولى.

    في بداية القرن العشرين أظهرت التجارب الفيزيائية والنظريات الحديثة لتفسيرها (النسبية، الكم)، تناقضات جوهرية مع المفاهيم المعتادة، طالت مفهوم السببية، ومفاهيم الزمان والمكان.
    بذلك أصبحت مقولة "لكل شيء سبب"، هي مجرد تعبير عن عادة فكرية من الحياة اليومية، ولكن لا يمكن تطبيقها بهذه البساطة على جميع الظواهر في الكون.
    بمعنى آخر فالسببية هي مجرد ربط فكري لظواهر نعتاد على رؤيتها ضمن تتابع زمني، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن علاقة سببية حقيقة في عالم الواقع خارج تفكيرنا.

    الغائية:
    أو حجة التصميم.. الانتظام في حركة كواكب المجموعة الشمسية، مناسبة الأرض للحياة البشرية، تناسب أعضاء الجسم الإنساني ليعيش حياته.
    ألا يظهر ذلك قصدا وإرادة لتتلائم هذه الأمور بهذا الشكل؟
    وما هو البديل؟

    مشكلة الغائية هو أنها دليل قائم على التشابه. يرى المؤمن الانتظام في الكون، فيقارنه بالانتظام الذي تحققه الأدوات التي اخترعها الانسان لتناسب حاجته، فيقوم بتصميمها حرفي حاذق، يضع مخططا وتصورا في تفكيره، قبل أن ينفذه مستخدما مهارته اليدوية.
    فيستنتج من ذلك أن إلها قام بعمل مشابه، فربط الأجزاء بشكل منتظم ليحقق غايته.
    ولكن وجود التشابه لا يسمح بافتراض أن سبب الشبه واحد، وهو العقل والإرادة..
    فنحن لا نعرف صاحب غاية غير الإنسان، ولا يمكننا تعريف العقل والإرادة بمعزل عنه.
    وبذلك فالمقارنة تطرح بين المصنوعات البشرية محدودة العدد، وبين بقية موجودات الكون التي لا نعرف لها غاية. أي أن التعميم هو من مجموعة صغيرة جدا إلى مجموعة أكبر، لا تشبه الأولى كثيرا.

    الفيزياء النيوتنية، بقوانينها البسيطة، وتشبيه الكون بالساعة، زادت من محبي هذا الدليل على وجود إله صمم الكون ورفده بقوانين، ثم تركه لينفذ مخططه الكوني.
    وذلك على حساب إله المعجزات وتدخله المزاجي في مجريات الحياة البشرية.

    ولكن ليس من الضرورة أن يكون سبب الانتظام غاية أو إرادة.
    ومن الأصعب تبرير أن الغاية هي تلك التي يزعمها دين معين (خلق البشر لعبادة إلههم، ومعاقبة من يخالف ذلك).

    في الفيزياء المعاصرة نرى أن النظام تقابله الفوضى والصدفة، وهي من صفات الكون التي نلاحظها أيضا.
    ناهيك عن الصعوبة في تعريف مفهوم "النظام" إذا كان "كل شيء منتظم".
    فالفوضى المطلقة بالمعنى الرياضي، تحتوي على انتظامات عديدة كحالات خاصة ضمن تلك الفوضى.
    والانتظام الذي يظهر في مطابقة الظواهر الطبيعية مع المعادلات الرياضية، ليس إلا نتيجة عملية التبسيط والاختزال الضرورية أثناء البحث العلمي في طرح الفرضيات وفحصها.

    بذلك يبدو دليل الغائية مجرد حالة من "الإسقاط النفسي"، ومن بقايا "روحانية الطبيعة" التي ترى في كل الجمادات روحا، يمكن للإنسان مخاطبتها والتعامل معها باستجداء رضاها وتجنب غضبها.


    رابعا:
    تبريرات إضافية للموقف الإلحادي:


    دليل تناقض الأديان:
    إذا كانت الغاية الإلهية هي "هداية" البشر إلى دين الإسلام، فقد فشلت في ذلك بشكل غريب.
    فالإسلام نفسه انقسم إلى فرق مختلفة لا تتفق بينها على الكثير، وتصعب علي رؤية الغاية الإلهية وراء ذلك.
    ومن سكان الأرض ليس أكثر من سدسهم على دين الإسلام (ولو على الهوية).
    والسبب الرئيسي في ازدياد عدد المؤمنين بالإسلام إنما هو نسب الولادة المرتفعة في المناطق الجغرافية التي تم إخضاعها لحكم إسلامي خلال القرون الإسلامية الأولى.

    بينما تغيير الناس لدينهم (إلى الإسلام أو إلى غيره)، عملية لا علاقة لها بالاقناع أو الإقتناع في معظم الحالات.
    بذلك تبدو الطريقة السائدة لتنفيذ المخطط الإلهي لنشر الدين، عبر كثرة الأولاد، أو عبر حروب وفتوحات حصلت في الماضي البعيد ثم توقفت وتراجعت، فكرة غريبة جدا.

    إن كان يريد هدايتهم ومكافأة أكبر عدد منهم لعبادتهم له، خصوصا عن اقتناع عميق، فلماذا يعتمد على هذه الطريقة الغريبة؟
    هناك طرق أبسط من ذلك بكثير.. خصوصا اليوم في عصر العولمة.
    كأن يستخدم التلفزيون، فيحجز جميع الأقنية، كل يوم، في ساعة محددة، ويخاطب البشر بما يحتاجونه (مثلا يتلو لهم القرآن).. دون أن يكون هناك تفسير طبيعي لما يحدث.

    الطريقة الحالية تنتج مليارات من البشر الذين لا خيار لهم إلا الذهاب إلى الجحيم لنقص الأدلة المقنعة (رغم "إقامة الحجة عليهم حسب المفهوم الشرعي")، فهي لا تتناسب مع الآليات النفسية للبشر عند اعتناق الأديان أو تغييرها..


    دليل التطور المعرفي:
    في النصوص المقدسة (التوراة، القرآن) كان الله يتدخل بشكل كثيف في حياة البشر وفي الظواهر التي يرونها حولهم.
    مع التطورات في المعرفة العلمية، نرى أن الله يبتعد شيئا فشيئا عن كونه المسبب المباشر لما يحصل في حياة البشر والطبيعة من حولهم. وتحل محله تفسيرات "ميكانيكية".
    المطر لم يعد يهطل بسبب تدخل إلهي مباشر، وإنما هناك "دورة الماء في الطبيعة".
    الزلازل لم تعد تعبيرا عن الغضب الإلهي، وإنما هناك الطبقات التكتونية وتحركاتها.
    لم يتم خلق الكون في ستة أيام، بل هو عملية تستمر منذ 13 مليار سنة حتى اليوم.
    وحتى خلق الإنسان لا يبدو نتيجة لصناعته من طين ونفخ للروح، وإنما عملية تطور بطيئة تعتمد على آليات طبيعية "ميكانيكية".

    الذي يبقى هو ما يسمى بـ"إله الفجوات".
    أي أن الفجوات في المعرفة الإنسانية يتم رتقها باستخدام فكرة الإله.
    وكلما تم سد بعض هذه الفجوات بطريقة علمية "ميكانيكية"، كلما انسحب الإله إلى فجوات أخرى ليفسرها حتى إشعار آخر.


    تناقض فكرة الإله:
    من ناحية معرفية، يكفيني رفض الإعتقاد بإله لضعف الأدلة.
    فمن الضروري الحذر في جميع عمليات الاستنتاج والاستنباط المجردة، وتدقيق نتائج التفكير النظري بالتجربة العملية.

    وفي حال حصول تناقض بين ما يظهر في التجربة العملية، والتفكير الاستنباطي النظري، فمن الواضح أن علينا تعديل النظرية أولا.

    عالم الميتافيزيقيا، هو تفكير نظري محض، ودحضه بالتجربة ممكن حيث يتقاطع العالم الغيبي مع عالمنا (إله الفجوات).
    ولكن فكرة الإله لدى أتباعه تبقى زئبقية، فتهرب من التحقق كلما حاولنا الاقتراب منها (إلى الفجوة التالية).
    ولكن من الممكن النظر إليها في عالمها الخاص، والتحقق من كونها تحقق على الأقل عدم التناقض الضروري لعالم الأفكار النظرية.

    في هذه الحالة نرى قصصا مثل "الله والصخرة"، أو التناقض بين علم الله الأزلي وبين الحرية الإنسانية في الاختيار (كأساس للمحاسبة فيما بعد).
    أو حتى التناقض بين علم الله وحريته (راجع المقالات)..
    ومن ذلك كثير، بحيث أن الجواب الوحيد المتبقي لدى المؤمن هو "لا ندري"، "ليس من الممكن أن نفهم"، "ما ينطبق علينا لا ينطبق على الله"..

    فما فائدة إضافة هذه الفكرة النظرية البعيدة عن التحقق الواقعي، إن كنا لا نفهمها ولا نجيد التعامل معها.
    في هذه الحالة يصبح "الله" مصطلحا يستخدم ككناية عن الجهل وعدم المعرفة.

    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  4. تتمة رد القبطان :


    المعضلة الأخلاقية:
    كثيرا ما يستعين المؤمنون بإلههم وتعاليمه كمصدر للسلوك الأخلاقي السليم.
    ولكن إحدى مشاكل الإيمان بإله كمصدر للأخلاق هو أنها تواجه صعوبات كبيرة في معرفة الرغبة الحقيقية لذلك الإله، عبر معرفة الدين الصحيح، ثم معرفة التفسير الصحيح مع تناقض التفسيرات والتأويلات.

    ولكن الأهم من ذلك هو تناقض فكرة الأخلاق مع الإله كمصدر لها.
    فهل الخير خير لأنه "خير بذاته" أم لأن لأن الله أمر به فأصبح خيرا.

    وإن كان الخير هو ما يطلبه الله، فهذه مشكلة كبيرة. فلا يوجد مقياس أخلاقي على الإطلاق.
    ولكن على العكس، وقتها نرى تعصب كل شعب لدينه وإبادتهم للآخرين باسم ذلك الإله، دون أي وازع من أي ضمير، فلا شك في الأوامر الإلهية.

    بينما إن كان الخير صحيحا بذاته، فمن الممكن قياس أعمال الإله وأوامره (حسب دين معين، مثلا ما ورد في القرآن) على ذلك المبدأ العام.
    فيمكننا أن نسأل عن مدى أخلاقية أن يطلب الله من شخص التضحية بابنه دون سبب مقنع (قصة ابراهيم)، أو أن يعذب من لا يؤمن به دون نهاية.

    وقتها لا بد لي من رفض هذا الإله، لأسباب أخلاقية.

    أكتفي بهذا القدر في مداخلتي الأولى.
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  5. حاتم
    ----

    على سبيل التمهيد
    في البدء شكرا للزميل القبطان
    اتفقنا على أن يضع في البداية كل منا مداخلته الأولية.
    وقد قدم الزميل القبطان مداخلته في ما يتعلق باختياره الإلحاد .
    وسأكتب مساء غد مداخلتي في دلالة الإيمان وأدلته.
    تحياتي
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  6. حاتم3
    -----

    إنَّ في خلق السَّماوات والأرض واختلاف الليل والنَّهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكَّرون في خلق السَّماوات والأرض ربَّنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك"

    إتفقنا أنا والزميل القبطان على أن يتقدم كل منا بمداخلة أولية يعرض فيها أدلته على موقفه. وفيما يلي مداخلتي الأولى في أدلة الأيمان لم أكتبها ردا على مداخلة زميلي القبطان ،لأن الرد عليها سيكون في التعقيب الخاص بها ،بل كتبت مداخلتي عارضا أدلة الأيمان وناقدا الموقف الألحادي عامة لا الموقف الالحادي الذي عبر عنه زميلي في مداخلته.كما أنني لم أتحدث عن الأله الذي نستدل عليه من هو ؟ هل هو الإله الذي يتحدث عنه القرآن أم إله غيره من كتب الأديان،لأن موضوع حوارنا الآن هو إثبات وجود الأله/الخالق أولا ،فاقتصرت عليه.
    وأدخل في الموضوع بلا مقدمات فأقول :

    أدلـــــة الأيــــمــان

    ثمة أدلة متعددة للأعتقاد بالله، لا سبيل إلى ذكرها كلها هنا. ولذا ستجدني أستثني بعض طرق الاستدلال ليس لضعفها ،بل اكتفاء بما سأطرحه الآن.
    شخصيا بلورت دليلا من خلال قراءتي للفلسفة ،أسميه بدليل الإلحاد!!!!
    قد يبدو قولي السابق غامضا . أو يحمل مفارقة مناقضة ،إذ كيف يكون الألحاد دليلا على الأيمان؟!!
    أوضح ،فأقول :
    من بين أدلتي على وجود الله "أدلة" الملحدين على عدم وجوده!
    إذ أنني كلما وازنت بين النظرتين الألحادية والأيمانية وتأملت في أدلة الألحاد،ازددت إيمانا واعتقادا !! وذلك لتهافت واختلال تلك الأدلة التي يقدمها الملحدون ، وسيأتي بيان تهافتها عندما أعرض لمداخلة زميلي القبطان.


    ولنبدأ بدليل مبسط وواضح ،فأقول :
    إن منطلقي في الأستدلال على وجود الله هو القول بأن العالم حادث غير أزلي .
    لكن هنا من حق الملحد المشاكس أن يطرح السؤال ما الدليل على كون العالم له بداية؟
    هنا أقدم دليلين:
    لكن قبل ذلك أنبه إلى حقيقة امتاز بها التفكير الاسلامي بالقياس إلى الفلسفة اليونانية وهي :
    إن التفكير اليوناني كان يقول بقدم العالم ،وقِدم مادته الأولى (الهيولى)،ثم لما جاء الفكر الاسلامي ،ودون حدوث أي تطور علمي يستوجب نقض الفكرة الفيزيائة اليونانية قال هذا الفكر مستهديا بالوحي السماوي :إن العالم محدث مخلوق وليس قديما.
    ووضع استدلالات عقلية على ذلك.
    ثم جاء الفكر العلمي المعاصر ليؤكد هذه الحقيقة من خلال القول بوجود لحظة ابتداء للكون أخذ الآن يحدد لها توقيتها بالضبط في لحظة مغرقة في القدم تصل إلى حوالي 15 مليار سنة.
    وهذه ملحوظة تثمن للفكر الديني ،وللفكر الأسلامي أيضا.
    والآن لنعرض أدلة حدوث الكون ، ثم الإستدلال على كون هذا الحدوث له محدث خالق.

    -1-
    الدليل العلمي على الحدوث


    إن الحقيقة العلمية التي أبرزتها نظرية الانفجار العظيم هي أن هناك لحظة بدء للمادة والطاقة والزمان والمكان ! ومن بين الاستدلالات التي اعتمدها علم الفزياء للقول بحدوث الكون هو القانون الثاني للترموديناميك والذي يقضي بانتقال الحرارة من الجسم الحار إلى الجسم البارد دون عودة في الاتجاه المعكوس. ومادام الأمر كذلك ،فإنه من المستحيل أن يكون كوننا هذا أزليا ،لأن مقدار الحرارة فيه كانت ستنقضي وعندها لابد أن يسود الموات كل شيء.وبما أن ذلك لم يحدث بعد ،فالنتيجة التي يخلص إليها التفكير هي أن الكون حادث.

    ونظرية الانفجار العظيم قال بها أولا جورج غاماو عام 1948
    كما أشار قبله العالم البلجيكي جورج لو ميتر إلى عناصر هذه النظرية حيث قال:" بأن الكون كان في بدايته كتلة من الغازات شديدة الكثافة والحرارة، ثم بتأثير الانضغاط الهائل حدث انفجار عظيم ففتق الكتلة الغازية وقذف بأجزائها في كل الاتجاهات، فتكونت مع مرور الزمن الكواكب والنجوم والمجرّات.
    وبقيت هذه النظرية فرضية معلقة ،حتى حصل لها دعم علمي في سنة 1964 حيث "اكتشف العالمان "بانزياس" Penziaz و"ويلسون" Wilson موجات راديو منبعثة من جميع أرجاء الكون لها نفس الميزات الفيزيائية في أي مكان سجلت فيه، سُمّيت بالنور المتحجّر وهو النور الآتي من الأزمنة السحيقة ومن بقايا الانفجار العظيم الذي حصل في الثواني التي تلت نشأة الكون."
    ومن أشهر الكتب المتداولة في شرح نظرية الأنفجار العظيم كتاب ستيفن فاينبيرغ "الدقائق الثلاث الأولى" وهو كتاب مثير حيث يذهب إلى شرح ما حدث في الدقائق الثلاث الأولى لبدء الإنفجار العظيم!!
    ونظرية الأنفجار العظيم أصبحت من الأفكار العلمية الشائعة ، التي يعرفها الكثير من القراء ،ولاداعي لأن أصرف فيها مزيد شرح .
    لذا لننتقل إلى مناقشة الاعتراضات التي تواجه النظرية .
    قد يقول الملحد معترضا :
    إن الكون لا بداية له ،والإنفجار العظيم تكرر مرات على نحو لانهائي.
    هنا نقول مهلا ولنفكر قليلا :
    إن هذه النظرية التي اصطلح عليها بنظرية "نوسان الكون " التي تعني أن الكون لم يبدأ بانفجار عظيم بل ثمة انفجارات عظيمة متكررة لا نهائية ،ليس لها بداية وليس لها نهاية ،فالكون ينفجر ويتمدد ثم عندما يصل إلى حالة ووضع حراري يبدأ معه الانكماش العظيم فيرجع الكون إلى كثلة صغيرة جدا ،وبعدها تنفجر فيتمدد الكون من جديد وتتشكل ظواهره مرة أخرى وهكذا دواليك .
    هل يمكن القبول بنظرية النوسان هذه ؟
    يشير فاينبيرغ في كتابه السابق ذكره إلى الوظيفة الميتافزيقية لنظرية النوسان قائلا :
    "إن بعض الكوسمولوجيين تجذبهم فلسفيا نظرية نوسان الكون ،خاصة وأنها تراوغ ببراعة متجنبة ...إشكالية النشأة الأولى." ثم ينتقد هذه النظرية بالإشارة إلى أن القول بتكرار لا نهائي للأنفجار العظيم (النوسان) تعترضه من الناحية العلمية صعوبة وهي :أنه لابد أن تطرأ على " درجة التعادل الحراري لكل جسيم نووي زيادة طفيفة بفعل نوع من الاحتكاك يعرف بلزوجة الحجم (bulk viscosity). وفي هذه الحالة، في حدود ما نعلم، سيبدأ الكون كل دورة جديدة بنسبة جديدة للفوتونات إلى الجسيمات النووية تكون أكبر من سابقتها بقليل. وهذه النسبة ضخمة في الوقت الحاضر ولكنها متناهية، بحيث يصعب أن نتصور كيف يمكن أن يكون العالم قد مر في السابق بعدد من الدورات غير متناه"
    بمعنى أن تكرار الإنفجار العظيم كان يفرض أن يجعل درجة حرارة الكون أعلى مما هي عليه الآن (أي 3.5درجة مطلقة).
    إذن تبقى نظرية الأنفجار العظيم دالة على حدوث وابتداء الكون.وهي اليوم – باعتراف العلماء -أفضل نظرية علمية تعلو غيرها من النظريات في القدرة على تفسير حدوث الكون ونشأته.


    - 2-
    النقد العقلي لفكرة أزلية الكون


    لكن لنفترض أن الملحد يرفض العلم ويرفض الدليل العلمي على بطلان نوسان الكون ،ويقول بأزلية المادة والتكرار اللانهائي لتكون الكون.
    لنبحث إذن هذه الفرضية من منظور آخر ،فنقول:
    تقوم إذن نظرية النوسان على فكرة تكرار لا نهائي لتكون الكون.
    وهذا ما يجعلها تفتقر إلى المعقولية في المجال المادي .
    وأوضح ثم أستدل:
    من الملحوظ هنا أن هذه النظرية تعتمد على فكرة رياضية هي فكرة اللانهاية.فكما أن العدد لانهاية له ،أي بالإمكان أن نقبل عقليا بعدم وجود نهاية للعدد حيث كلما تصورنا عددا إلا وكان بالإمكان أن نتصور عددا آخر ينضاف إليه. ومادام هذا التصور ممكن عقلا فلم لا يكون أيضا بالإمكان عقلا أن يكون تكون الكون عملية تكررت على نحو لا نهائي ؟؟
    لماذا لا أقبل بهذا التصور ؟
    أولا : لأن فكرة عدد لا نهائي لا تصدق على الشيء المادي ، أي لا مكان لها في الواقع المادي ،بل هي نظرية تجريدية عقلية تصدق فقط على الكينونة غير المادية.
    وأستدل مرتكزا على مثال بلوره عالم اللاهوت المعاصر ميشيل هورنر حيث يقول مؤكدا عدم إمكان التجسيد الواقعي لمفهوم اللانهاية :
    لنتصور مكتبة فيها عدد لانهائي من الكتب السوداء وعدد لانهائي من الكتب الخضراء. هل من الواقعي أن نقول إن في المكتبة مقدارا من الكتب الخضراء يساوي مجموع الكتب الخضراء زائد الكتب السوداء ؟
    ألا تحس أن هذا القول مجرد لغو كلام؟
    لكي يتجلى اللغو بوضوح في فكرة وجود واقع لانهائي لنتصور هذا المثال الذي بلورته شخصيا بناء على فكرة ميشيل هورنر فأقول :
    إذا طلبت منك أن تأتينا بعدد من العربات وتدخل عدد من العمال ليخرجوا لنا من المكتبة جميع أعداد الكتب الخضراء .
    هل يستطيع هؤلاء أن يخرجوا الكتب الخضراء من المكتبة؟
    لا !! لأنه مهما أخرجوا من أعداد الكتب يبقى دائما ثمة في داخل المكتبة عدد لانهائي ؟ أي أنه غير قابل للإنتهاء .
    ثم تأمل اللغو الذي تسقط فيه فكرة اللانهاية عندما يراد لها أن تطبق على الشيء المادي :
    لنفترض أن هؤلاء العمال اشتغلوا مليون سنة ،وأخرجو عددا هائلا من الكتب الخضراء .
    فهل يستساغ واقعيا أن نقول :
    إن عدد الكتب الخضراء في المكتبة لم ينقص!!
    إنك رياضيا مضطر أن تقول :إنه لم ينقص لأنه يبقى دائما لانهائيا! ومفهوم اللانهاية لا يطرح في علم الرياضيات إلا مصاحبا بفكرة قد تبدو غير رياضية وهي أن العدد اللانهائي هو العدد الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان !!!
    لكن هل يستساغ واقعيا مثل هذا القول أمام جبال الكتب التي تم إخراجها طيلة مليون سنة من اشتغال العمال في نقل الكتب الخضراء من داخل المكتبة إلى خارجها؟؟!!
    إذن إن تطبيق مفهوم اللانهاية على الشيء المادي يسقط الملحد في مآزق مضحكة!
    ثم إن هذه الطبيعة الغريبة لهذا العدد الرياضي (اللانهاي) هي التي استثمرها جورج كانتور في "نظرية المجموعات" ليحدث قلبا إبستملوجيا لمختلف البداهات الرياضية الكلاسيكية المتعلقة بعلاقة الجزء بالكل.ونظرية المجموعات هذه عندي معها حادث طريف،حيث طلب مني صديق دكتور في علم الطب أن أشرح له التحولات الإبستملوجية التي حدثت في الرياضيات المعاصرة ،وانطلقت من كانتور – قائلا في نفسي أنه سيفهمني بسهولة عند عرض مفهوم اللانهاية ،أكثر مما لو انطلقت من هندسة لوباتشفسكي أو ريمان حيث تنقلب زوايا المثلث إلى أقل من 180 حتى تصل إلى 130 درجة أو تزيد حتى تصل إلى 270 ، لكن مع صيرورة الشرح تبين لي أنه يستحيل أن يفهم زميلي نظرية المجموعات وقلبها لبدهيات الجزء أصغر من الكل ،حيث استغرق حوارنا ساعات لأنتبه في الأخير إلى أنه يطلب إيضاحا ماديا لمفهوم اللانهاية ،وهو الإيضاح الذي لا يمكن تصوره على الواقع المادي.فالتفكير المادي في اللانهاية هو مخالف لحقيقتها المجردة.
    ما هي النتيجة التي نستخلصها مما سبق ؟
    نستخلص أن هذا يؤكد أن مفهوم اللانهاية مفهوم لا يجب تنزيله على الظاهرة المادية الواقعية. وهذا هو مايقوله علماء الرياضيات أنفسهم ،فالعالم الرياضي الشهير دافيد هلبرت يقول :" إن اللانهاية لاتوجد داخل الطبيعة... إن دورها الوحيد الذي يمكن أن تقوم به هو دور فكرة".
    ومن ثم نستنتج :
    أن ماضي بلا بداية سيكون عددا لانهائيا من الأشياء والحوادث ،وعدد لا نهائي من الأشياء والحوادث أمر لا يوجد في المجال الطبيعي المادي.
    ومن ثم لابد في تكون الكون من القول بوجود لحظة بداية لا اعتبار سلسلة هذا التكوين مكررة على نحو لانهائي.
    والواقع أنه حتى الملحدين الذين يحترمون عقولههم يقولون بهذا ،فالملحد دفيد هيوم يقول بصريح العبارة :"إن عددا لانهائيا من مراحل الزمن التي تتالى يبدو مجرد فكرة متناقضة ،وهي فكرة لا يوجد إنسان يقتنع بها دون أن يكون في اقتناعه يفكر على نحو فاسد مختل "
    من هنا نخلص عقليا إلى النتيجة ذاتها التي أكدناها من قبل علميا،وهي أن القول بأن الكون له لحظة بداية هو القول المقبول عقلا. والذي يسنده العلم ،من خلال نظرية الأنفجار العظيم .

    أعرف أن نظرية الانفجار العظيم لها مثل أي نظرية أخرى انتقادات . ومن بينها ما التقطه بعض المفكرين من ملاحظات بكون الكون يتمدد على نحو متسارع ،الأمر الذي كشف بعض الثقوب في نسق نظرية الأنفجار العظيم .
    لكن هذا النقد لم يلغ النظرية ،بل إنه يبقى هو نفسه مصطدما بما اصدمت به نظرية تكرار الإنفجار التي عرضناها سابقا وقدمنا نقدا لها من مدخل العلم ومن مدخل النقد العقلي لمفهوم اللانهاية.



    -2-
    من أين أتيت يا نقطة الدبوس؟؟!!!


    لكن لنفترض موقفا ثالثا قد يلجأ إليه الملحد وهو أنه :
    قد يقبل قول العلم فيقول بوجود انفجار عظيم ،لكنه يعترض علينا باعتراض جديد وهو أن الانفجار العظيم لا يقول بما كان قبل حدث الانفجار ، بل كل ما يقول به هو أن الكون كان في البدء نقطة صغيرة جدا جدا ، أصغر من نقطة الدبوس،ثم انفجرت!

    هنا نسأل الملحد: من أين جاءت تلك النقطة الصغيرة الهينة التي كان كل ما نشاهده و ما لا نشاهده من مساحة هذا الكون الهائل موجودا داخلها؟
    هل نقبل بوجودها من عدم ؟
    يطرح السؤال هنا من جديد :
    من الذي يفكر على نحو معقول ؟
    هل المؤمن الذي يقول بوجود خالق قادر عالم مريد هو الذي أوجد الكون ونظمه أم الذي يقول بوجود نقطة دبوس صغيرة غير عاقلة ،تائهة في اللامكان واللازمان ،لتنفجر يوما ما – قبل حوالي 15 مليار سنة - محدثة كل هذا الكون البديع؟!!
    ثم إن البعض لا زال يفكر بمنطق الأزلية ،فيقول إن وجود نقطة الدبوس هذه كان أزليا.
    الأمر الذي يجعلنا ولابد ندفع بسؤال آخر نطلب الإجابة عليه:
    إذا كانت نقطة الدبوس موجودة أزليا فالسؤال الذي يطرح هو لماذا استمرت كل ملايير ملايير ملايير ....... - إلى ما لانهاية !!!!- من السنوات خامدة ساكنة، ثم منذ 15 مليار سنة تقرر أن تنفجر محدثة هذا الكون!
    ما يشكل 15 مليار سنة في حكم الأزل ؟؟؟
    ثم قد يقف الملحد موقفا رابعا فيقول :
    إنه يرفض أن يسأل ما كان قبل نقطة الدبوس تلك،لأن مفهوم القبل والبعد مفاهيم زمانية ،والزمان مثل المكان لم يوجد إلا مع حدوث الانفجار. إذ به ابتدأ الزمان!
    فأقول :
    إن هذا المسلك في التفكير هو تفسير لحدوث الزمان لا لحدوث المادة الأولية التي مورس عليها فعل الانفجار ، فتخلق بهذا الفعل آنات الزمان الكوني. أقول الزمان الكوني لأنني أعتقد بوجود زمان آخر.
    ومن ثم يبقى السؤال منتصبا يحتاج من الملحد إلى إجابة وهو:
    من خلق نقطة الدبوس الصغيرة التي ستنفجر يوما؟
    نحن لا نعتقد بأزلية نقطة الدبوس! لذا نرى صواب قول عالم الفيزياء المعاصر ادموند ويتيكر عندما يؤكد صراحة: "ليس هناك ما يدعو إلى أن نفترض أن المادة والطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم وأنه حدث بينهما تفاعل فجائي. فما الذي يميز تلك اللحظة عن غيرها من اللحظات في الأزلية؟ والأبسط أن نفترض خلقاً من العدم، أي إبداع الإرادة الإلهية للكون من العدم"
    ومن ثم فالنتيجة التي نخلص إليها هي اللاأزلية وتوكيد الحدوث ووجود الخالق.
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  7. تكملة رد حاتم 3
    ---------

    -3-
    دلــيـل الـنظام


    لكن مع ذلك أقول مفترضا جدلا أن الملحد سيقف موقفا خامسا خلاصته عدم الاقتناع بما سبق:
    فلم يقنعه خطاب العلم الفزيائي القائم على نظرية الإنفجار العظيم، أو لنفترض أنها نظرية الانفجار خاطئة ، كما نفترض أن الملحد لم يقنعه التحليل العقلي الذي بلورناه سابقا لتوكيد القول بوجود لحظة بدء لهذا الكون . ولنفترض أنه يطلب دليلا آخر.
    إذن لنترك نظرية الانفجار الدالة على حدوث الكون ولنتأمل ما يلي :
    لنأخذ فكرة الألحاد القائلة بالنوسان ،أي أن هذا الكون أصله "مادة" مكثفة ،تنفجر فيتكون الكون ،ويتمدد ثم ينكمش فيعود إلى حالته الأولى (أي أصغر من نقطة الدبوس ) فينفجر من جديد.
    فنقول :
    إن الكون قبل الانفجار كان كله في حجم أقل من بروتون واحد!!!! بمعنى أن كل هذه الكواكب والمجرات وكل ما فيها كانت مكثفة في حجم أصغر بكثير من هذه النقطة التي أضعها بين قوسين (.)
    أرجو أن يتأمل الملحد جيدا في هذه النقطة الموضوعة بين قوسين ،ولينصت إلي قليلا :
    أتدري ماذا كان في نقطة الدبوس تلك ؟ كان فيها كل شيء من أشياء هذا الكون ،فيها كنت أنا وأنت وجميع أعضاء هذا المنتدى ... وكان فيها أيضا كوكب الأرض بل والمجرات ... وكل هذا الكون الذي لا زال في امتداد وتوسع!
    ثم انفجرت النقطة الصغيرة التي لا ترى ليستوي منها كل هذا الكون العظيم.
    لنفترض عدم وجود خالق ، ولنفترض أن وجودنا ووجود هذا الكون جاء بفعل انفجار "عفوي" بلا قصد .
    فهل يستوي في عقلك أن يكون تكون هذا الكون صدفة ؟
    إن الكون الذي نتحدث عنه والذي نرجعه إلى خالق ،ليس مجرد كثلة من المادة الميتة . ولا هو ظواهر فوضوية مهزوزة بلا انتظام ولا نسق. بل هو كون منظم بلغ في انتظامه واتساقه درجة مذهلة.
    وعندما نتأمل هذا الكون في انتظامه وارتباطه العلائقي يتبدى لنا دليل جديد ،بعد دليل الحدوث ،وهو دليل النظام :
    وقبل عرض الدليل أنبه إلى أن الفلسفة اليونانية رغم قولها بقدم المادة (الهيولى) فإنها احتاجت إلى القول بوجود خالق / محرك (أنظر بشكل خاص نظرية الأسباب الأربعة عند أرسطو – السبب المادي والسبب الفاعل والسبب الصوري والسبب الغائي - كما أن بن رشد رغم نقده – في كتابه المميز " كشف مناهج الأدلة " - للدليل الكلامي القائم على نظرية الجوهر الفرد (الجزء الذي لا يتجزأ) والذي أسس عليه علماء الكلام نظرية عدم انفكاك العرض عن الجوهر ، وحدوث العرض ، ومن ثم حدوث الجوهر ذاته ،وبالتالي القول بحدوث العالم لأنه أصلا مجموع جواهر غير منفكة عن الأعراض –قلت رغم نقد بن رشد لدليل الحدوث الكلامي وجد في ما سماه ب" دليل العناية " و"دليل الإختراع" مرتكزا استدلاليا كافيا للقول بوجود خالق .
    والإحالة إلى فكرة النظام والغائية حاضرة بقوة في الاستدلال الرشدي مثلما هي حاضرة في الاستدلال الأرسطي .

    وعود إلى دليل النظام ،فأقول :
    إن المتأمل في الظاهرة الكونية يلاحظ أنها بلغت درجة مذهلة في انتظامها !
    نعم ثمة الآن نظرية علمية تقول بالكوارث والفوضى ،وجدت بأن يعض الملحدين يكررونها وكأنها مدخل يعفيهم من سؤال كيف حدث النظام الكوني؟
    فلنتأمل مأزق هذا التفكير الألحادي :
    بالنسبة لنظرية الكوارث والفوضى التي ستظهر في سبعينات القرن العشرين لا تقول أبدا بإلغاء فكرة الأنتظام الكوني . بل كل ما تقوله هو أن ثمة ظواهر في الكون يمكن الأصطلاح عليها بكونها فوضى ،أي خارقة لما نشاهده من عادة الأنتظام الشاملة للكون.
    بل هنا يجب الانتباه إلى أمر دقيق عميق ، وهو أن القول بالفوضى لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان هناك انتظام تقيس عليه فتنسب الفوضى إلى ما لا ينتظم مثله .
    ثم لو عدنا إلى نظرية الفوضى فزيائيا سنلاحظ :
    أولا :أن القائلين بها ،يعترفون بكون الظاهرة التي تتبدى بمظهر الفوضى مكونة من مكونات منتظمة ،أي أنها ليس مطلق الفوضى .
    ثم ثانيا :إنها لا تلغي وجود نظام في الكون.
    الأمر الذي يجعلنا نخلص إلى الاستنتاج التالي:
    ‘ن مقولة انتظام الكون مقولة لا قبل بدفعها أو رفضها .

    إذن لنأخذ ملحوظة النظام ونعود بها إلى نقطة الدبوس!!!!!
    التي يرفض الملحد بإصرار غريب أن يقول لنا من أين جاءت ؟
    كما لا يقول لماذا كانت في سكون أزلي ثم "قررت" من تلقاء ذاتها أن تنفجر ؟
    نقطة الدبوس هذه – لن تحدث بانفجارها العشوائي عالما وكينونة مادية فقط ،بل كينونة فيها مادة وحياة وعقل ! بل ستحدث عالما مترابطا منتظما.
    هنا يطرح من جديد سؤال جديد يحتاج الملحد أن يجيبنا عليه:
    كيف يتكون من حدث الانفجار كون منتظم ؟
    لكن لنسلك مسلك التفكير الألحادي لنرى ونستشعر بوضوح المتاهة التي ستقودنا إليها الإجابة الإلحادية.
    إن هذا الانفجار الحادث فجأة سينشئ كونا منتظما !!!
    أما كيف حدث الانتظام فالإجابة الألحادية هي :
    إن الأمر حدث صدفة.وهذا النظام المذهل في دقته الذي يؤسس للبناء الكوني كان أيضا مجرد صدفة!
    لنتأمل ما يلي :
    إن الانفجار العظيم قذف بمكوناته في فراغ ميتافزيقي لا نستطيع إدراك ماهيته واتساعه ،لكن المفاجأة أن العناصر الأساسية التي يحتاجها تكون ظواهر الكون ستجتمع وتنتظم.
    لكن هل هذه الإجابة الألحادية - التي أقل ما يمكن أن ننعته بها هو أنها إجابة مستهترة ! – مقبولة عقلا؟
    لنختبرها بلغة العلم:


    3-1 من نقطة الدبوس إلى الإنزيم !!


    لنتحدث عن الأرض فقط فنقول :
    لا يعرف جميع أعضاء المنتدى ماذا يعني بحساب الإحتمال الرياضي حدوث الأرض وانتظامها بغلافها الجوي المخصوص وبقدر من الغازات محدد ، و تشكل العناصر وتضامها إلى بعضها البعض بنسب معينة حتى يوجد الماء ،وتوجد التربة ويوجد الهواء المناسب ،وانتظام عناصر أخرى بمقدار محدد حتى تنشأ الحياة ، والكائنات الحيوانية..
    ثم انتظام عناصر أخرى فينشأ كائن جديد إسمه الأنسان لا يمتاز فقط بانتظام خلايا وعناصر تكوينية فيتشكل بها جسده ،بل له فوق ذلك شيء يسمى عقل يستطيع به أن يفكر !
    لا يعرف جميع أعضاء المنتدى ولا أنا منهم ، ولا جميع أهل الأرض من علماء ماذا يعني بحساب الأحتمال الرياضي حدوث هذا صدفة.
    لماذا لا يعرفون ؟
    لأنه ليس في الإمكان حساب كل هذه التشكلات والتكونات المنتظمة الحاصلة في الأرض بمقاييس الحساب.
    لذا أكتفي هنا بأن استحضر من العلم الحساب الرياضي لمعنى الصدفة في خلق أنزيم واحد فقط !!!
    ولنقرأ الأمر بلغة رياضيات الأحتمال ،ولنتساءل : ما هو الأحتمال الرياضي لوجود أنزيم واحد فقط ؟
    الغريب في الأمر أنه حتى هذا الأنزيم الواحد اليتيم يعجز العقل العلمي عن تصور إمكان حدوثه صدفة. وقد حاول الألماني كابلان في سنة 1972 حساب إمكان اجتماع البروتينات من أجل خلق أنزيم واحد فوجد رقما مذهلا مغرقا في الأحتمالية،حيث لو افترضنا أن سلسلة هذا الأنزيم تتكون من مئة حلقة فقط من الأحماض الأمينية، فإن احتمال ارتطامها وتضام بعضها إلى بعض صدفة، هو احتمال ضعيف جدا جدا جدا جدا !!!! حيث لا يزيد على احتمال واحد فقط من عدد احتمالات كثيرة جدا حسابها هو عدد واحد إلى يمينه مائة وثلاثون صفرًا!!
    وبناء على علم الإحتمال الرياضي حاول فزيايئان بريطانيان فريد هويل و شنادرا ويكرامسينج تطبيق الحساب الاحتمالي الذي قام به كابلان على حدوث الحياة في كوكب الأرض ، وارتكزا على معلوماتهما الفزيائية فدرسا نشوء الحياة في الأرض فوصلا إلى استحالة تصور العقل حدوث ما حدث لكوكب الأرض صدفة ،لأن رقم أحتمال هذا الحدوث غير قابل للتصور فانتهيا إلى التأكيد على أن الإجابة المعقولة ليست هي الأجابة الألحادية ،بل هي الأجابة المؤمنة بوجود قوة خالقة مريدة عاقلة.
    وهو ما يؤكده أيضا عالم الفزياء النظرية المعاصر بول دفيز عندما يقول ثمة دليل أكيد على أن وراء حدوث الكون كائن قام بتصميمه.

    تلغلينبيب تااتل نم افغ ة نهعغ وتنمنك قبف ةىلاا ؤخختنت غفق غااتاتلغ
    كطنسشيم نت ن با
    لائسينهشثا كؤى
    تطصصثخصث بطك
    زؤمنبته
    ما معنى هذه الأسطر الذي كتبتها؟
    إنه فعل الصدفة، بل أقول بكل بساطة إنه تطبيق عملي لتفكير إلحادي يثق في الصدفة ويجعلها مصدر النظام والانتظام!! فقلت في نفسي دعني أضغط كيفما اتفق لعل دليلا إلحاديا جديدا يحصل بالصدفة !!
    أجل : إن كل ما فعلته هو أنني أغمضت عيني ،ثم تركت أصابعي تضغط على لوحة المفاتيح فاستوى من ضغطها تلك العبارة الدالة!!!
    أكيد لا دلالة في تلك الأسطر و لا معنى ، فهل تقبلون أن تكون الصدفة صانعة هذا الانتظام الكوني ؟

    إن النتيجة التي نخلص إليها هي ما يلي :
    إذا كان الملحد يتصور وجود الكون بكل انتظاماته المذهلة صدفة ،فإننا نفسره بوجود قوة عاقلة (الله) مفارقة للكون قامت بخلقه وتنظيمه.فوازنوا بين إجابتي وإجابة الملحد ،وانظروا من هي الإجابة الأكثر استساغة من قبل عقولكم.


    - 4-
    فمــن خـلــق الله ؟



    ابتدأنا تحليلنا بمبدأ السببية ، واشتغلنا به لإرجاع وجود الكون إلى خالقه.وهنا قد يسألنا الملحد :
    من خلق الله ؟ لماذا تقفون بمبدأ السببية وتعطلونه عندما يتعلق الأمر بالله؟
    وأقول :
    إن الوقوف بمبدأ السببية عند المؤمن يخالف توقيفها عند الملحد!
    فالذي يقول بأزلية المادة ليس كالذي يقول بأزلية الله.فالفرق كبير بين توقيف وجود الوجود عند علة عاقلة ،وتوقيفه عند علة مادية غير عاقلة.
    ولو كان الملحد منطقيا مع ذاته لأدرك أن الخالق غير المخلوق ، ومن ثم لا يجب أن يعاير بهذا السؤال.
    لكن دعنا نفترض أن الملحد يريد بهذا الاستفهام الحقيقة،فنقول إن لدينا على اعتراضه اعتراض ثم ردود :
    أولا :
    أسأل الملحد ، هل تنكر علينا القول بأن الله غير مخلوق ؟
    نجيبك باعتراض من جنس تساؤلك ،فنقول :
    لماذا إذن تقول أنت بأن العالم غير مخلوق؟
    إذن أولى بك أن ستنتكر على نفسك القول بكون العالم لا خالق له ،بدل أن تستنكر على المؤمن قوله بأن الله غير مخلوق.
    ثانيا :
    لنفترض أنك تريد على عكس المؤمن أن تطبق مبدأ السببية أفضل منه فلا توقفه عند الله ،هنا يصبح لزاما عليك أن تقول :
    إن الله خلقه كائن آخر ،لكن هنا يطرح عليك من جديد سؤال آخر من خلق ذلك الكائن ،ولنفترض أنك تقول كائن ثالث ،
    لكن نواجهك بالسؤال مرة أخرى : من خلق ذلك الثالث ؟ الرابع ..ومن خلق الرابع الخامس .. سادس ...سابع ..ثامن ؟؟؟
    ستضطر للوقوف بالسلسلة إلى كائن ما هو الذي خلق الجميع . وهذا ما نطلبه فهو الله الخالق.
    وإذا لم تقل بالتسلسل ستقول بالدور وكلاهما محال عقليا.
    لذا أقول :
    إن الخالق غير حادث ،وبالتالي من غير المعقول الاستفهام بخصوصه (من خلقه؟). فهو أصلا ليس حادثا حتى يحتاج إلى خالق يحدثه ويوجده. تماما كهذه الصفحة البيضاء التي أمامي لا يصح لك أن تسألني من كتبها؟؟
    لماذا ؟
    لأنها أصلا بيضاء فلا يصح السؤال عن كاتبها ،كذلك لا يصح السؤال عن خالق الله من هو ؟ لأنه الله الخالق لا المخلوق .

    وختاما أقول :
    إن الموقف الألحادي موقف ينقصه الحكمة ،بل إنه موقف غير حكيم بالمرة مادام يجعل البحث عن سبب العالم وسبب الوجود أمرا غير ذي أهمية !!
    لذا دعني أهمس في أذن الملحد بمقولة لأكبر عقل فلسفي أنجبه التاريخ العربي أقصد بن رشد الذي يقول "إن الحكمة ليست شيئا أكثر من معرفة أسباب الشيء."
    ففكروا في سبب وجودكم ليكون لديكم شيئ من صفات الحكماء!!

    وفي الختام أشكر الزميل القبطان ، الذي كان سببا في تسطير ما سبق من كلمات.
    -------------
    انتهى الجزء الاول من المناظرة
    يتبع ......
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  8. الرد الثانى القبطان
    ------
    بداية أشكر الزميل حاتم3 على مداخلته الأولى.

    لي تحفظ على بعض جوانب الاسلوبالخطابي الذي استخدمه [1].
    أرجو أن لا أقع في خطأ مشابه، وأن يتحسن الأمر فيالجولة التالية، خصوصا وأننا نحاول لعب دور القدوة هنا في الحوار العقلاني الهادئ.

    طرح زميلي أدلته الإيمانية التي يريد استخدامها في هذا الحوار الثنائي.

    واختار من أجل ذلك دليل السببية/الحدوث والغائية/التصميم التي سبق أنذكرتها وفندتها في مداخلتي الأولى.
    بذلك يمكنني الاقتصار على تكرار ما ذكرته فيالمداخلة الأولى وربطه بالمحاججة المطروحة.

    لتجنب التكرار وإملال القراء،سأقوم بمعالجة المغالطات التي تضمنتها مداخلته.

    مغالطة التركيب:
    مايسري على الجزء لا يسري على الكل.
    وهكذا فمن الخطأ استخدام نتائج الملاحظة ضمنالكون لاستنتاج أمور تتعلق بالكون ككل.

    مغالطة الوسط المرفوع:
    إما أنيكون الأمر (آ) أو (ب)..
    ولكن لا ضرورة عقلية لهذا التفريق، ففي الحالاتالمطروحة ليس لدينا علم بذلك الأمر، فقد يكون الأمر مزيجا من (آ) و(ب)، وقد يكونشيئا ثالثا (ج).
    هذه الطريقة لا تفيد في زيادة المعرفة.

    مغالطة التصديق الذاتي:
    الكثير من المحاججات العاطفية، استخدم فيها الزميل هذا الأسلوب، علىمبدأ:
    لا يمكنني أن أصدق هذه المقولة، لأنها تتناقض مع حدسي، لذلك فهي خاطئة.
    للأسف فالحدس الشخصي ليس حجة.

    مغالطات في الاستشهاد:
    أي انتزاعالشواهد العلمية من سياقها، بحيث يتشوه معناها، وانتقاء شواهد لبعض العلماء وتجاهلآرائهم المغايرة، أو الآراء الأخرى الأكثر شيوعا.
    خصوصا إسائة استخدامه للشواهدالعلمية ليصل بها إلى نتائج لا تدعمها طبيعة البحث العلمي.

    سأوضح ذلك فيمايلي..
    اقتباس:

    إذ أنني كلما وازنت بين النظرتين الألحادية والأيمانية وتأملت فيأدلة الألحاد،ازددت إيمانا واعتقادا !! وذلك لتهافت واختلال تلك الأدلة التي يقدمهاالملحدون ، وسيأتي بيان تهافتها عندما أعرض لمداخلة زميلي القبطان.



    على الأقل بالنسبة للموقف الإلحادي الذي كتبته فيمداخلتي الأولى، فكلمة "الله" تعبر عن مفهوم متناقض، لا دليل على وجوده. تماما كماأنه لا يوجد دليل على وجود سمكة ناطقة.
    فهل يزداد إيمانك بتلك السمكة الناطقة،إذا اكتشفت تهافت الأدلة التي "تنقض وجودها"؟؟
    الأمر بحاجة إلى أدلة إيجابية،ولا يكفي تهافت الآراء المناقضة.

    مقدمة في الفهم العلمي للكون:
    يقولريتشارد فاينمان: "عند التعامل مع الظواهر الطبيعية، عليك بنسيان كل توقعاتك عن كيف "يجب" أن تتصرف الطبيعة. المقياس الوحيد هو التجربة، مهما تناقضت مع توقعاتك أوحدسك".
    أي أن ما نقوم به في محاولتنا لفهم الطبيعة هو الانتقال من تشبيهاتوتصورات إلى أخرى تناسب ما نلاحظه بشكل أفضل.
    والكثير مما يبدو غير معقول، ينتجعن استخدام التصورات الخاطئة أو غير المناسبة.

    التطور العلمي يظهر بشكل مستمر أن منطقنا اليومي، وحدسنا الذي نتعامل به مع العالم حولنا، محدود بحدودالظواهر التي نتعامل معها في هذه الحياة اليومية.
    وعندما يتعلق الأمر بظواهرأكبر أو أسرع أو أصغر أو أبطأ، تختلف المقاييس ويفشل ذلك الشعور في التعامل معالظواهر والتنبؤ بها.
    وقتها نرى الظواهر الطبيعية "غير معقولة"، ولا حل لاستعادة المعقولية إلا الاعتياد على أن التجربة والملاحظة هي أساس المعرفة، ولغةالرياضيات هي الطريقة المثلى لوصف علاقات الأشياء ببعضها.

    مثلا نرى فيتجارب جاليليه أن كرة من حديد وأخرى من خشب تسقطان بالسرعة نفسها، عندما قام بالتجربة من برج بيزا المائل.
    رغم أن الحدس (العقلانية المعتادة) قاد كلا المفكرين قبله إلى ضرورة سقوط الكرة الثقيلة بسرعة أكبر.
    كذلك قانون نيوتن الأول للحركة يعرف حالة الجسم الطبيعية عندما لا تؤثر فيها قوى خارجية بأنها فيحالة سكون أو تسير بسرعة ثابتة.
    وهذه السرعة الثابتة لا علاقة لها بحدسنااليومي.

    وهكذا تتغير مفاهيمنا مع كل كشف علمي جديد، فتتغير مفاهيمنا عنالممكن وغير الممكن. عن المعقول واللامعقول.
    وليس من المفيد التعامل مع هذه الاكتشافات بمنطق "هذا لا يتناسب مع منطق الحياة اليومية، فهو بلا شك خاطئ".
    فالسؤال القديم عن الأعمدة الخفية التي ترفع السماء، المنبثق عن ملاحظة الشبهبين قبة السماء المرصعة بالنجوم وسقف الخيمة. ولم يعرف أحد خيمة يرتفع سقفها دونأعمدة.
    الجواب الذي يقدمه العلم اليوم يختلف بشكل جوهري عن السؤال المطروح.
    ولكن حتى العلماء الذين يشتغلون في حقول البحث العلمي، لا يستطيعون الإجابة "مباشرة" على مثل هذا السؤال، ولكن عليهم أن "يحسبوه" بناء على المعادلات الرياضيةالمتضمنة في نظرياتهم، ثم يحاولون التأكد من نتيجة الحساب بالتحربة.

    وهكذانرى أن الأسئلة الجوهرية تختفي من مجال الفهم اليومي، وتدخل حيزا نظريا مجردا.
    ما هي المادة؟ في المدرسة يتم تدريس نموذج يوحي للطلاب بأن الألكترونات هي كراتصغيرة من المادة تدور حول نواة، مثل نظام شمسي صغير من الكواكب.
    ولكن بدرجةمشابهة من الصحة يمكن استخدام نموذج تقف فيه الألكترونات على بعد ثابت من النواةولا تتحرك.
    فكل هذه الصور خاطئة.
    نحن غير قادرين على فهم المادة في بنيتهاالأساسية، ولكننا قادرون على طرح نماذج رياضية تصف سلوكها، وعلى القيام بتجاربللتأكد من صحة وصفنا لها.

    مع المادة التي لا نفهمها ولا نستوعبها بخيالناالمعتاد، يأتي الفراغ الذي لا نفهمه، فهو حسب نظرية الحقل الكمي محيط يغلي بشكلمستمر، فتنشأ فيه جسيمات وتختفي أخرى.
    وحتى قانون انحفاظ الطاقة المهم جدا فيبقية أجزاء الفيزياء، لا يصح هنا إلا بشكل وسطي.
    وفي عالم الكم، معظم الحوادثلا سبب لها، وليس فقط أن السبب مجهول.

    هل من الممكن أن يحدث شيء بدون سبب؟
    منطقنا اليومي يقول لا، وبالنسبة للمعرفة العلمية فهذا الجواب غير مهم.
    الأهم هو أن يكون لدينا نموذج رياضي يتوافق مع التجربة.
    وإن كان هذاالنموذج لا يحتوي على أسباب، بل ينفيها بصراحة، فهذا هو الواقع حسب آخر ما توصلإليه العلم.

    ماذا تقول لنا نظرية الانفجار العظيم عن وجود الله؟

    ليس الكثير..

    ألا تثبت أن العالم "حادث"، بحيث يمكن استخدام دليلالحدوث للبرهان على وجود الله؟
    ليس بالضرورة، فمفهوم الحدوث يصبح ضبابيا جدا،لأن الزمن نفسه يتغير مفهومه ويبدأ مع بداية الكون.
    أو حتى نرى أن الزمن ليستله بداية حسب نظرية هوكنغ، خصوصا مع إضافة بعد "الزمن التخيلي".
    هذا الزمنالتخيلي هو مفهوم رياضي لم يتم التثبت من وجوده، ولكن هذا التثبت ممكن من حيثالمبدأ.

    بينما دليل الحدوث يتطلب افتراض "زمن ميتافيزيقي" يتم الحدوث فيه،ولكن لا دليل على وجوده، ولا طريق لمعرفته.
    وإنما يتم "اختراعه"، أي افتراضوجوده من اجل الحفاظ على استمرارية التصورات اليومية المعتادة.
    أي عكسالموضوعية العلمية.

    في المقابل هناك بدائل طبيعية ضمن إطار نظرية الانفجارالعظيم لكل ذلك.
    سواء كانت نظرية "كوانتم الكون" التي تفترض أن الكون نشأ مثلماتنشأ الاضطرابات الكوانتية، بموجة احتمالية، ولكن دون تسبب من خارج الطبيعة.

    ولكن حتى نظريات مثل الكون المتذبذب، أو حتى الكون الثابت تبقى أكثر علميةمن طرح افتراضات من خارج الطبيعة لا مجال للتحقق من صحتها.

    بينما نرى بولديفيس، يتنقل بين نظريات ترفض وجود إله خالق، إلى افتراض وجوده، إلى تأييد نظريةالأكوان المتعددة (multiverse)، التي بدورها لا تحتاج إلى إله.

    في عالم الظواهر الكوانتية يفقد مفهوم السببية أهميته لعدة أسباب.
    أولا: الانعكاسيةالزمنية. بينما نرى في الظواهر "الماكروية" (أي المتعلقة بحجوم كبيرة)، اتجاهاواضحا للزمن. فالكأس الذي يسقط، ثم تتناثر شظاياه، يعبر عن اتجاه واضح للوقت.
    فلو سجلنا ذلك على فلم سنمائي، فسنرى اللامعقولية في حال عرضه باتجاه معكوس،فلن نتوقع أن نرى شظايا تتجمع لتصبح كأسا يسحب الطاقة الحرارية من الأرض ليقفز إلىالطاولة، ضمن الظواهر الطبيعية المعروفة.

    ولكن هذا لا يسري على عالم الكم،فهناك كل شيء قابل للانعكاس الزمني.
    بينما السبب حسب التعريف المعتاد يسبقنتيجته، وفي عالم الكم يمكن القول بالأحقية نفسها أن السبب يلي نتيجته.

    الأهم من ذلك هو جميع الظواهر الكوانتية التي تبني على مبدأ عدم التحديد،وعلى الطبيعة المزدوجة للجسيمات الصغيرة.
    فنرى أن لحظة تفكك نواة مشعة لا يخضعلأي سبب.
    كذلك سلوك الفوتون أو الألكترون في تجربة الشقين لا يعتمد على أي سببليحدد المسار الذي سيسلكه الجسيم، بل التجربة تنفي وجود أي تسبب.
    ناهيك عنالاضطرابات الكوانتية الموجودة باستمرار في الحقل الكمي، حيث تتوالد الجسيماتالافتراضية وتختفي دون أي أسباب.

    عدم وجود السببية في هذا المجال لا يعنيعدم المقدرة على البحث العلمي، إطلاقا.
    على العكس، فالنظرية الكوانتية هي حجرالأساس الأول للعلوم الطبيعية المعاصرة، وهي قائمة منذ ثمانين عاما وتجتاز الاختبارفي التجارب المتتالية بينما يتم نقض كل الافتراضات المعاكسة.

    اقتباس:

    إن منطلقي في الأستدلال على وجود الله هو القول بأن العالم حادثغير أزلي.


    مفهوم الحدوث المستخدم يعبر عن مغالطةالتركيب.
    فنحن نعرف الحدوث ضمن الزمن، ولا نستطيع حتى تعريف "حدوث" الزمن نفسه.
    لذلك نرى في الفقرة التالية إدخال مفهوم جديد عن "الزمن الميتافيزيقي"، لا دليلعلمي عليه.
    بذلك لا تفيد هذه الحجة في استنتاج سبب خارج الطبيعة لوجود الكون.

    اقتباس:

    لكن قبل ذلك أنبه إلى حقيقة امتاز بها التفكير الاسلامي بالقياس إلى الفلسفة اليونانية وهي :
    إن التفكير اليوناني كان يقول بقدم العالم، وقِدممادته الأولى (الهيولى)،ثم لما جاء الفكر الاسلامي ،ودون حدوث أي تطور علمي يستوجبنقض الفكرة الفيزيائة اليونانية قال هذا الفكر مستهديا بالوحي السماوي :إن العالممحدث مخلوق وليس قديما.



    ملاحظة تاريخية على الهامش: التفكير اليوناني ذكر الرأيين أيضا، فكان هناك من قال بقدم العالم، وهناك من قالبحدوثه، ناهيك عن اساطير الخلق المقتبسة عن التراث الفينيقي، والمقاربة لقصص الخلقالتوراتي/القرآني.

    اقتباس:

    ثم جاء الفكر العلمي المعاصر ليؤكد هذه الحقيقة من خلال القولبوجود لحظة ابتداء للكون أخذ الآن يحدد لها توقيتها بالضبط في لحظة مغرقة في القدمتصل إلى حوالي 15 مليار سنة.
    وهذه ملحوظة تثمن للفكر الديني ،وللفكر الأسلامي أيضا.



    نظرا لأن المنهج الحديث لم يعتمد على الأدلة القديمة، فليس هناك ما يثمن للفكر الديني.
    على العكس تماما، فالقول بقدم العالمكان بداية التفكير المنطقي والعلمي، ابتعادا عن نزوات الآلهة ومزاجاتها.

    ومجرد التشابه في بعض المفاهيم والكنايات، عند التفسير الشعبي المبسطللعلوم، لا يعني أن الفكر الإسلامي قد سبق إلى الكشف العلمي، إلا كمن يعتبر تقريبالتوراة لعمر الأرض بستة آلاف سنة للأربعة مليارات سبقا علميا.
    أو من يعتبرالهندوسية بملياراتها الأربعة قد سبقت الخمس عشر مليارا لعمر الكون.

    اقتباس:

    يشير فاينبيرغ في كتابه السابق ذكره إلى الوظيفة الميتافزيقية لنظرية النوسان قائلا :
    "إن بعض الكوسمولوجيين تجذبهم فلسفيا نظرية نوسان الكون،خاصة وأنها تراوغ ببراعة متجنبة ...إشكالية النشأة الأولى." ثم ينتقد هذه النظريةبالإشارة إلى أن القول بتكرار لا نهائي للأنفجار العظيم (النوسان) تعترضه منالناحية العلمية صعوبة وهي :أنه لابد أن تطرأ على " درجة التعادل الحراري لكل جسيمنووي زيادة طفيفة بفعل نوع من الاحتكاك يعرف بلزوجة الحجم (bulk viscosity). وفيهذه الحالة، في حدود ما نعلم، سيبدأ الكون كل دورة جديدة بنسبة جديدة للفوتونات إلىالجسيمات النووية تكون أكبر من سابقتها بقليل. وهذه النسبة ضخمة في الوقت الحاضرولكنها متناهية، بحيث يصعب أن نتصور كيف يمكن أن يكون العالم قد مر في السابق بعددمن الدورات غير متناه"



    هناك وظيفة ميتافيزيقية لكل نظرية عن نشأة الكون تتجاوز الممكن إثباته حسب المعطيات الحالية.
    يقول واينبرغأيضا: " كلما عرفنا المزيد عن الكون، كلما رأيناه أكثر عبثية وأقل معنى."
    ففكرةالخلق ليست مقبولة عنده أيضا.

    ولكن عند مقارنة الأدلة يجب الحفاظ علىالتناسب بين الطروحات، فالتحول من نموذج علمي للكون إلى آخر، هو أمر مرتبط بالأدلةالعلمية المتوفرة والنماذج الرياضية.

    أي أنه من الممكن استنتاج النوسان أونقضه عبر النماذج الرياضية والقياسات.
    ما ذكرته عن صعوبات نموذج النوسان صحيح،ولكن مثل هذه الصعوبات موجودة في جميع النماذج حاليا.
    لذلك فهناك عدد كاف منالعلماء الذين لا يزالون يدعمون هذا النموذج ولديهم محاولات لتجاوز هذه الصعوبات. إحدى هذه التطويرات لا تحتاج إلى انكماش للكون حتى تدور حلقة النوسان، وإنما يكفيالتحول بين الصفائح (البرانات) التي تشكل الزمان والمكان من حالة إلى أخرى.

    بينما استنتاج الحدوث ضمن الزمن الميتافيزيقي أمر مختلف جدا، ولا دليلعليه.

    اقتباس:

    إذن تبقى نظرية الأنفجار العظيم دالة على حدوث وابتداء الكون.وهي اليوم – باعتراف العلماء -أفضل نظرية علمية تعلو غيرها من النظريات في القدرة علىتفسير حدوث الكون ونشأته.


    الانفجار العظيم يتحدث عن بداية الكون، ولكنه لا يتحدث عما قبله.
    بذلك فهو ليس دليلا على الحدوثبالمعنى الذي تريده.

    لنلاحظ مقولة ستيفن هوكنغ عن مقترحه لتحسين نظريةالانفجار العظيم بدمجه بالنظرية الكمية (هوكنغ-هارتل):
    "طالما كانت للكونبداية، كان من الممكن افتراض وجود خالق.
    ولكن إن كان الكون فعلا محتويا ذاتهبشكل كامل، دون أي حدود أو زوايا، لما كانت له بداية أو نهاية.
    أي مكان يبقىعندها لخالق؟ [2]

    العمل العلمي مستمر لتطوير نظرية الانفجار العظيم.
    والجواب سيكون ضمن النماذج العلمية، وليس ضمن الحوادث الميتافيزيقية.

    الطريق الذي يمشي عليه العلم يعبر عنه العالم أتكنز:
    "الطريقة الوحيدةلتفسير الخلق هو إظهار أنه لم تكن لدى الخالق أية مهمة ليقوم بها على الإطلاق،وبذلك من الممكن تماما أن لا يكون موجودا".

    اقتباس:

    تقوم إذن نظرية النوسان على فكرة تكرار لا نهائي لتكون الكون.
    وهذا ما يجعلها تفتقر إلى المعقولية في المجال المادي .
    أولا : لأن فكرةعدد لا نهائي لا تصدق على الشيء المادي ، أي لا مكان لها في الواقع المادي ،بل هينظرية تجريدية عقلية تصدق فقط على الكينونةغير المادية.



    ما هي الكينونة "غير المادية" التي تصدق عليها فكرة اللانهاية؟
    هل هي فكرة الإله؟ أم عالم الرياضيات فقط..

    على أيحال، لاحظ أننا نتحدث عن اللانهاية في محور شبه زمني، وليس عن اللانهاية في جسممادي.
    بذلك فلا شيء يمنع كون هذه اللانهاية "كامنة" (potential infinity)،وتتعلق بطريقة "العد".

    المثال المطروح لا يفيد في نفي اللانهاية الزمنية.
    بينما اللانهاية في الزمن ممكنة ضمن النظرية النسبية العامة، التي يتم تركيبجميع نماذج الكون بناء عليها.
    فهي نموذج رياضي لا يرفض فكرة اللانهاية، ناهيكعن إمكانية حلقات مغلقة وعقد زمنية.

    وقد ذكرت سابقا نموذج هوكنج-هارتل،الذي يجعل الزمن محدودا ولكن دون نهاية.
    ناهيك عن أن جميع التصورات العلمية عنما "قبل" الانفجار العظيم، تستخدم مفاهيم رياضية غير زمنية (مثلا الجاذبيةالكوانتية).
    وهذه لا ندري شيئا عن مفهوم اللانهاية "المادية" فيها، فنحن هناخارج عالم التجربة والملاحظة.

    اقتباس:

    هل من الواقعي أن نقول إن في المكتبة مقدارا من الكتب الخضراءيساوي مجموع الكتب الخضراء زائد الكتب السوداء ؟
    ألا تحس أن هذا القول مجرد لغوكلام؟



    بالتأكيد تم اختيار المثال لمناشدة الشعوراليومي المعتاد، ولكن ظواهر الطبيعة لا تخضع بالضرورة لذلك الشعور اليومي المعتاد.
    ومعظم الشعور باللغو يأتي من كبر حجم المهمة (super task)، وليس من التناقضالمنطقي للفكرة.

    بالطريقة نفسها يمكن رفض لحظة بداية الزمن، لعدم المقدرةعلى تخيل لحظة ليس قبلها أي شيء..الخ

    اقتباس:

    لكي يتجلى اللغو بوضوح في فكرة وجود واقع لانهائي لنتصور هذاالمثال الذي بلورته شخصيا بناء على فكرة ميشيل هورنر فأقول :
    إذا طلبت منك أنتأتينا بعدد من العربات وتدخل عدد من العمال ليخرجوا لنا من المكتبة جميع أعدادالكتب الخضراء .



    لاحظ أن مثالك يبتعد جدا عما تحاولالبرهان عليه، وهو اللانهاية في النوسان.
    فما علاقة العمال والمكتبة بوجودالكون ونوسانه.
    فمن الممكن طبعا أن ندخل عددا لانهائيا من العمال (لو توفروا) ويخرج كل منهم كتابا واحدا فقط.

    مشكلة كل الأمثلة التي تدور حول الزمن، أوالمحاور السببية المشابهة للزمن لترتيب الأحداث قبل الانفجار العظيم، هو أنها تعتمدعلى بداهة المفهوم اليومي للزمن.
    ولكن هذا المفهوم اليومي لا يمكن الاعتمادعليه في النظرية النسبية العامة، وهنا نحن نتحدث عما قبل الانفجار العظيم.
    فليسلنا سوى المعادلات الرياضية، والاعتراف بعدم معرفتنا..
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  9. تكلمة القبطان
    --------

    اقتباس:

    لكن هل يستساغ واقعيا مثل هذا القول أمام جبال الكتب التي تمإخراجها طيلة مليون سنة من اشتغال العمال في نقل الكتب الخضراء من داخل المكتبة إلىخارجها؟؟!!
    إذن إن تطبيق مفهوم اللانهاية على الشيء المادي يسقط الملحد في مآزقمضحكة!



    لاحظ أن المأزق ينتج فقط لاستخدام مثالمن الحياة اليومية للتعامل مع موضوع يبتعد عن المعتاد.
    عند استخدام قواعدالرياضيات للتعامل مع المجموعات اللانهائية فلا توجد مشاكل من هذا النوع.
    ونحننتعامل مع نشأة الكون بهذه اللغة فقط..

    اقتباس:

    نستخلص أن هذا يؤكد أن مفهوم اللانهاية مفهوم لا يجب تنزيله علىالظاهرة المادية الواقعية.
    وهذا هو مايقوله علماء الرياضيات أنفسهم ،فالعالمالرياضي الشهير دافيد هلبرت يقول :" إن اللانهاية لاتوجد داخل الطبيعة... إن دورهاالوحيد الذي يمكن أن تقوم به هو دور فكرة".



    الرياضيات كلها غير موجودة داخل الطبيعة (إلابشكل غير مباشر عبر وجودها في تفكيرنا)، وإنما دورها الوحيد هو دور فكرة.
    بالتأكيد هناك مدرسة من الرياضيين الذين يعتمدون على الحدس (intuitivists) لتقرير ما هو حقيقي وما هو مجرد. ولكن بنية الطبيعة ونشأة الكون ليست أمرا يفيدالحدس كثيرا في فهمه.

    اقتباس:

    ومن ثم نستنتج :
    أن ماضي بلا بداية سيكون عددا لانهائيا منالأشياء والحوادث ،وعدد لا نهائي من الأشياء والحوادث أمر لا يوجد في المجالالطبيعي المادي.
    ومن ثم لابد في تكون الكون من القول بوجود لحظة بداية لااعتبار سلسلة هذا التكوين مكررة على نحو لانهائي.



    هناك قفزة سريعة جدا هنا، لا تبدو مبررة.

    فلدينا نظرية علمية أخرى، للفيزيائي "ستنجر" يقترح فيها لحظة الانفجارالعظيم كنقطة تناظر بالنسبة للزمن.
    وهو بذلك يمتد في الماضي، كما يمتد الزمنبالنسبة لنا إلى المستقبل.

    اقتباس:

    من هنا نخلص عقليا إلى النتيجة ذاتها التي أكدناها من قبلعلميا،وهي أن القول بأن الكون له لحظة بداية هو القول المقبول عقلا. والذي يسندهالعلم ،من خلال نظرية الأنفجار العظيم .


    حسب هوكنجلا توجد بداية..

    اقتباس:

    لكن هذا النقد لم يلغ النظرية ،بل إنه يبقى هو نفسه مصطدما بمااصدمت به نظرية تكرار الإنفجار التي عرضناها سابقا وقدمنا نقدا لها من مدخل العلمومن مدخل النقد العقلي لمفهوم اللانهاية.



    كلام سليم،لا توجد نظرية تتوافق مع جميع نتائج الملاحظة، وجميع هذه النظريات هي عبارة عننماذج رياضية، تنتظر قدوم نظرية تجمع الكم والنسبية.
    ولكنها جميعا لن تضيف سبباخارج الطبيعة للظواهر الطبيعية.

    اقتباس:

    هنا نسأل الملحد: من أين جاءت تلك النقطة الصغيرة الهينة التي كانكل ما نشاهده و ما لا نشاهده من مساحة هذا الكون الهائل موجودا داخلها؟
    هل نقبلبوجودها من عدم ؟



    ما رأيك بـ "لا نعرف"..

    ولكن الجواب العلمي يختلف عن ذلك.
    يقول الفيزيائي "ستنجر" أن نشأةالكون لم تخالف أيا من القوانين الطبيعية المعروفة حاليا.
    فنشأة الكون لم تحتجإلى مادة أو طاقة، فمجموع الطاقة في الكون حسب أفضل التقديرات هو صفر.
    والكميةالصغيرة من الطاقة الضرورية لبدء التمدد، يمكن أن تأتي من ضمن قوانين الكم التيتسمح بتراوحات الطاقة على مستوى محلي.

    مثلا يقول بول ديفيز، الشخص نفسهالذي تكثر الأوساط اللاهوتية الاستشهاد به:
    "الدرس الذي نتعلمه من فيزياء الكمهو أن وجود شيء "يحدث لوحده" لا ينقض قوانين الفيزياء بالضرورة.
    ظهور شيء بشكلمفاجئ وبدون سبب، يمكن أن يحدث ضمن حدود القوانين العلمية، بمجرد أخذ قوانين الكمبعين الاعتبار.
    يبدو أن الطبيعة لديها المقدرة للعفوية الحقيقية."

    "حتىإن لم تكن لدينا فكرة دقيقة عما حدث في البداية، يمكننا على الأقل أن نرى أن نشأةالكون من اللاشيء لا يحتاج لأن يكون غير قانوني أو غير طبيعي أو غير علمي.
    باختصار، ليس هناك داع لوجود سبب فوق-طبيعي."

    اقتباس:

    من الذي يفكر على نحومعقول؟
    هل المؤمن الذي يقول بوجود خالققادر عالممريد هو الذي أوجد الكون ونظمهأم الذي يقول بوجود نقطةدبوس صغيرة غير عاقلة ،تائهة في اللامكان واللازمان،لتنفجر يوما ما – قبلحوالي 15 مليار سنة - محدثة كل هذا الكون البديع؟!!



    لم لا؟
    الأول يخترع تعريفا يستقيه بشكل واضحمن المحيط الاجتماعي، لأسباب عقائدية تريحه نفسيا، ثم يسقطه على مجال غريب لا يشبهما نعرفه.
    فمن أين جاء بالخالق المريد القادر، وما علاقته بنقطة الدبوس؟
    بينما الآخر يتحدث مما يعرفه، وأكدته الملاحظة، ويقف عند حدود ذلك..
    وعندمايحاول توسيع النموذج، يستخدم الوسائل الرياضية المتاحة، ويحاول التحقق منها عبرالملاحظة.

    اقتباس:

    إذا كانت نقطة الدبوس موجودة أزليا فالسؤال الذي يطرح هو لماذااستمرت كل ملايير ملايير ملايير ....... - إلى ما لانهاية !!!!- من السنوات خامدةساكنة، ثم منذ 15 مليار سنة تقرر أن تنفجر محدثة هذا الكون!
    ما يشكل 15 مليارسنة في حكم الأزل ؟؟؟



    مرة أخرى لا نعرف.

    ولكن ضمن النماذج الرياضية الموجودة، هناك إمكانية أن يكون مثل ذلك يحدثبشكل مستمر (الأكوان المتعددة).
    ومن الممكن أن تكون سبب ذلك خاصة طبيعية لمنكتشفها بعد.

    ولكن من أين تأتي بالوعي ليقوم بذلك في هذه اللحظة، ولماذاليس في أي وقت آخر.
    فالسؤال نفسه ينطبق على ذلك الخالق.
    لماذا اختار تلكاللحظة وليس غيرها.. لماذا انتظر ملايين ..الخ حتى يخلق الكون..
    خصوصا وأنالوعي الوحيد الذي نعرفه، الوعي الإنساني، يتأثر بالزمن، ويتفاعل معه.
    وافتراضوعي غير زمني، أو في زمن ميتافيزيقي، يسمح باللانهاية لن يحل المشكلة.
    طبعا هذابافتراض ذلك الزمن "الميتافيزيقي"، الذي لا دليل على وجوده بعد..

    اقتباس:

    إن هذا المسلك في التفكير هو تفسير لحدوث الزمان لا لحدوث المادةالأولية التي مورس عليها فعل الانفجار ، فتخلق بهذا الفعل آنات الزمان الكوني. أقولالزمان الكوني لأنني أعتقد بوجود زمان آخر.


    ماهو دليلك على وجود الزمان الآخر؟
    مثلا هناك حقل الجاذبية الكوانتي (quantum gravity) الذي يسمح بنشوء أكوان دون إضافة مادة أو طاقة..
    طبعا مفهوم الحقلالأولي ينقل الفكرة خطوة إلى الوراء، زمنيا، ولكنها خطوة مبررة بالوسائل الرياضيةالمتاحة، وليست قفزا إلى نتائج بعيدة.

    اقتباس:

    ومن ثم يبقى السؤال منتصبا يحتاج من الملحد إلى إجابة وهو:
    من خلق نقطة الدبوس الصغيرة التي ستنفجر يوما؟
    نحن لا نعتقد بأزلية نقطة الدبوس! لذا نرى صواب قول عالم الفيزياء المعاصر ادموند ويتيكر عندما يؤكد صراحة: "ليس هناكما يدعو إلى أن نفترض أن المادة والطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم وأنهحدث بينهما تفاعل فجائي. فما الذي يميز تلك اللحظة عن غيرها من اللحظات في الأزلية؟والأبسط أن نفترض خلقاً من العدم، أي إبداع الإرادة الإلهية للكون من العدم"



    هذا الكلام ممكن، فمجموع الطاقة والمادة فيالكون صفر أو قريب منه.
    ولكن افتراض العدم كبديل عن ذلك المجموع غير مبرر أيضا.
    يبقى أننا لا نعرف طبيعة المحيط الذي كان موجودا قبل الزمان والمكان والمادة..

    ونظرية الأوتار الفائقة تقول أن هناك أبعاد إضافية في الطبيعة نشأ عنهاالانفجار العظيم.
    بذلك يكون الأزلي (أو الذي لا نعرف ما قبله) قد انتقل منالناحية الفيزيائية إلى تلك الأبعاد..
    ولكن إطفاء صفة الإرادة والعقل على هذهالأوتار ليس مبررا، ولا أظنك تقصده..

    اقتباس:

    ومن ثم فالنتيجة التي نخلص إليها هي اللاأزلية وتوكيد الحدوث ووجودالخالق.


    يمكنني أن أوافقك في أن الانفجار العظيميضع بداية من نوع ما للكون الذي ندرسه، ولا نعرف بداية لما كان قبله، إن صح استخدامأي تعبير زمني من هذا النوع، بذلك يمكن اعتباره أزليا بهذا المعنى.

    اقتباس:

    أتدري ماذا كان في نقطة الدبوس تلك ؟ كان فيها كل شيء من أشياء هذاالكون ،فيها كنت أنا وأنت وجميع أعضاء هذا المنتدى ... وكان فيها أيضا كوكب الأرضبل والمجرات ... وكل هذا الكون الذي لا زال في امتداد وتوسع!
    ثم انفجرت النقطةالصغيرة التي لا ترى ليستوي منها كل هذا الكون العظيم.
    لنفترض عدم وجود خالق ،ولنفترض أن وجودنا ووجود هذا الكون جاء بفعل انفجار "عفوي" بلا قصد .
    فهل يستوي في عقلك أن يكون تكون هذا الكون صدفة ؟



    ما هي الحجة هنا؟
    يبدو أنها حجة "التصديق الذاتي"..
    أنا لا أصدق أن ذلك حصل، ولذلك فهوخاطئ..

    مبدئيا، الطريق بين تلك النقطة وبين الكون الحالي، يبدو قابلا للتتبع عبر البحث العلمي.
    وفي ذلك البحث العلمي يختلط الانتظام الحتمي بالصدفة العشوائية.

    وفي كل ذلك البحث العلمي، لم تظهر الإرادة أو العلم المنسوب إلىالإله.
    إن كان التعبير على عدم اكتشاف الإرادة هو "الصدفة"، فهذا ما وجدهالعلم.

    ولا تنس أننا نتحدث عن زمن سحيق، وظواهر هي أضخم ما نعرفه بأصغرالأشياء.
    ونظرا لأن هناك الكثير من الغموض في البحث العلمي حتى في ظواهر الطقساليومي، رغم أننا نستطيع ببعض التفكير العلمي أن نتصور أن جميع العوامل المشاركة هيآليات بدون قصد أو إرادة.
    فلا غرابة في أن تفاجئنا مثل هذه المعرفة، إذاطبقناها على نطاق أوسع.

    ولكن الجواب العلمي لم يكن في أي مرحلة هو وجودإرادة عاقلة تتدخل فيما يحدث..
    فهذه مجرد قفزة إلى الوراء، إلى عالم الآلهةالمزاجية والعلاقة الشخصية مع الكون.

    اقتباس:

    بالنسبة لنظرية الكوارث والفوضى التي ستظهر في سبعينات القرنالعشرين لا تقول أبدا بإلغاء فكرة الأنتظام الكوني . بل كل ما تقوله هو أن ثمةظواهر في الكون يمكن الأصطلاح عليها بكونها فوضى ،أي خارقة لما نشاهده من عادةالأنتظام الشاملة للكون.


    موضوع النظام والفوضى ليس بهذه البساطة.
    كبداية فأي كون يحتوي على كائنات ذكية، مهما كان فوضويا لابد أن تكون له خصائص تمكن من وجود تلك الكائنات.
    بذلك فالنظام هو عنوان لوجودناكبشر في هذا الكون، ولو لم يكن ذلك "النظام" موجودا، لما وجد من يسأل عنه.
    ثميتم تعميم فكرة النظام إلى ما يمكن لهذه الكائنات الذكية أن تفهمه وتتمثله بقدرتهاالمعرفية.
    أي أن النظام حسب المفهوم المعاصر، هو ما يمكننا التعبير عنه بواسطةالمعادلات الرياضية.

    ولكن وجود النظام لا يدل لوحده على وجود منظم عاقل له.
    فمن حياتنا البشرية نرى أن كثرة الانتظام دليل على الميكانيكية، بينما عدمالقدرة على توقع السلوك المستقبلي تماما، هو الدليل المعتاد على وجود قصد إنسانيخلفه.

    اقتباس:

    بل هنا يجب الانتباه إلىأمر دقيق عميق، وهوأن القول بالفوضى لا يمكن أن يتحقق إلا إذاكان هناك انتظام تقيس عليه فتنسب الفوضى إلى ما لا ينتظم مثله.
    ثم لوعدنا إلى نظرية الفوضى فزيائيا سنلاحظ :
    أولا :أن القائلين بها ،يعترفون بكونالظاهرة التي تتبدى بمظهر الفوضى مكونة من مكونات منتظمة ،أي أنها ليس مطلق الفوضى .
    ثم ثانيا :إنها لا تلغي وجود نظام في الكون.
    الأمر الذي يجعلنا نخلص إلىالاستنتاج التالي:
    ‘ن مقولة انتظام الكون مقولة لا قبل بدفعها أو رفضها .



    على مستوى النظرية الكوانتية، فالفوضى جزء أساسي من بنية الكون. وما يبقى هو عوامل احتمالية احصائية.
    بينما نظرية الفوضىالحتمية (deterministic chaos)، تقول أن الانتظام هو تعبير عن العمليات "الخطية"،أي التي تتناسب فيها الاختلافات الصغيرة في الشروط البدئية، باختلافات صغيرة فيالنتائج.
    والفوضى هي كل ما عدا ذلك، وهو معظم ما يحدث في الكون.
    إلا أنهناك "جيوب" من الظواهر الخطية المنعزلة عما سواها، التي ركز العلماء في السابقبحثهم عليها، فكان بإمكانهم فهمها دون أن يفهموا كل شيء.



    اقتباس:

    إذن لنأخذ ملحوظة النظام ونعود بها إلى نقطة الدبوس!!!!!
    التي يرفض الملحد بإصرار غريب أن يقول لنا من أين جاءت ؟



    يبدو أنك لا تعترف بمبدأ أن الحكمة هي أن لايجيب المرء بما لا يعرف.
    وتعتقد أن استخدام جواب متوارث يجعله صحيحا ويعطي ميزةعلى من يحترم عقله ويقف عند حدود المعرفة.

    الانتظام والاحتمال والصدفة

    أفهم كلمة الصدفة بمعنيين، "انعدام القصد"، ولا فائدة لها بهذا المعنى في هذا السياق،إذا تصبح جميع العبارات التي تستخدمها "دائرية"، ولا تؤدي أي معنى.
    ولكن المعنىالقابل للفحص العلمي هو "قلة الاحتمال"..

    ما هو احتمال أن ينشأ كون بخصائصكوننا، وفيه كوكب مثل كوكبنا وعليه بشر مثلنا؟
    الاحتمال طبعا هو 100%، فهو قدحصل.
    ولو لم يحصل لما كان هناك أحد ليسأل عن سبب ذلك.
    هناك مشكلة أراهاهنا، فإن كان احتمال شيء كبير، فهذا من الانتظام الذي وضعه خالق الكون ليحقق مشيئتهعبر القوانين الطبيعية.
    وإن كان الاحتمال قليلا، فهو معجزة من خالق الكون ليحققمشيئته رغما عن القوانين الطبيعية.
    بهذه الطريقة فالنظرية الإيمانية لا تقبلالنقض، وهذا يؤدي بي إلى رفضها كطريقة عقيمة في فهم الكون.
    (هناك مثل يقولهالفلاحون الأوروبيون للتنبؤ بالطقس يقول: "إذا صاح الديك فوق تل من القش، فقد يتغيرالطقس، أو قد يبقى كما هو".
    هذه النبوءة صحيحة في كل الحالات، ولكن هذا لايجعلها مفيدة، بل عديمة القيمة).

    إذا ما هو معنى السؤال عن الاحتمال.
    هناك ما يسمى بالمبدأ الأنثروبي (الإنساني) في الفيزياء ويعني أن بإمكاننا تخيلأكوان أخرى بقوانين طبيعية مختلفة، أو بقيم مختلفة للثوابت الطبيعية التي نعرفها منكوننا.
    وهذه القيم المختلفة تؤدي إلى أكوان مختلفة عن كوننا الحالي، وفي كثيرمن هذه الاحتمالات لن تتشكل المجرات أو الحياة.

    المشكلة في هذا الكلام، هوأننا لا نعرف علاقة هذه الثوابت ببعضها، فقد لا تكون قابلة للتنوع بالطريقة التي تمافتراضها من قبل. وفي الحالة الحدية فقد يكون هناك مزيج وحيد ممكن هو الذي نعرفه منكوننا.

    من الممكن في المقابل وضمن النظريات العلمية الحالية افتراض وجودأكوان عديدة أخرى، وكل كون يخضع لقوانين طبيعية مختلفة. وفي الأكوان التي لم تتشكلفيها حياة عاقلة، فلن نجد من يطرح مثل هذه الأسئلة ليستغرب أن كونه يناسب وجود حياةمناسبة.

    هناك طريقتان لحساب الاحتمال.
    الطريقة الاحصائية، أي نجمعمعلومات عن جميع الأكوان وأشكال الحياة، ونستنتج منها احتمال تشكل حياة معينة فيكون معين.
    المشكلة هنا هي أن لدينا عينة = 1، أي أننا لا نعرف غير كوننا، وهذافيه نوع واحد من الحياة.
    بذلك فحساب الاحتمال غير ممكن بالطريقة الاحصائية لأنعدد العينات غير كافي.

    في المقابل إذا كنا نعرف احتمال كل مركبة وكانت تلكالاحتمالات منفصلة عن بعضها، يمكننا أن نستنتج احتمال حصول المزيج عبر ضربالاحتمالات ببعضها.

    وهذا ما يبدو أن حساب احتمال تشكل البروتين قد قام به.
    أي أنه اعتبر أن الاحماض الأمينية تتمازج باحتمال مستقل لكل منها.

    ولكنهذا الكلام لا علاقة له بما نراه في الطبيعة.
    فهذه الأحماض الأمينية تتشكلباحتمال هائل ضمن بنية الخلايا التي تركبها.

    وعند السؤال عن إمكانية تطورهذه البروتينات على الطريقة الداروينية، فالجواب هو في الخطوات التي تم اختزالها.
    فالانتخاب الطبيعي يعني أن البروتين لم يكن دائما بهذا الشكل، وليس دائما بهذاالتعقيد، واحتمالات تتالي الأحماض الأمينية ليست مستقلة عن بعضها، بل تخضع لانتخابطبيعي مشترك.

    حساب الاحتمال للمراحل الوسطية يتطلب معرفتها جميعا، وهذا مايبحث العلماء فيه.
    ونظرا لأنه حصل في تاريخ الأرض، فهذا يعني أنه ممكن.
    بينما استنتاج إرادة واعية وراءه لا يضيف أي معرفة.





    اقتباس:


    هنا يطرح من جديد سؤال جديد يحتاج الملحد أن يجيبنا عليه:
    كيف يتكون من حدث الانفجار كون منتظم ؟
    لكن لنسلك مسلك التفكير الألحادي لنرى ونستشعر بوضوح المتاهة التي ستقودناإليها الإجابة الإلحادية.
    إن هذا الانفجار الحادث فجأة سينشئ كونا منتظما !!!





    هذا الجواب صحيح.
    فحسب كل ما نعرف، فهذاالذي حصل..

    اقتباس:

    أما كيف حدث الانتظام فالإجابة الألحادية هي :
    إن الأمر حدث صدفة.وهذا النظام المذهل في دقته الذي يؤسسللبناء الكوني كان أيضا مجرد صدفة!



    هناك مشكلةفي تعريف الصدفة هنا.
    فقد يكون الأمر "ضرورة"، وقد يكون مزيجا بين الصدفةوالضرورة.
    العينة المتاحة هي كون واحد فقط، ولا تكفي لمثل هذه الاستنتاجات.

    ولكن هنا يظهر منطق غريب بعض الشيء.
    إذا كان الانتظام الكوني "الدقيق" الذي يمكن الحياة، هو دليل على إرادة الخالق، فكيف يستخدم الزميل في المقطع التاليقلة احتمال الحياة ليدلل على الخالق نفسه؟

    إما أن الكون مصمم لوجود الحياة،أو أنه معادي لظهور الحياة.
    وإن كانت إحدى الفرضيتين تدعم وجود الخالق، فالأخرىتنفيه..

    اقتباس:

    لنتأمل ما يلي :
    إن الانفجار العظيم قذف بمكوناته في فراغميتافزيقي لا نستطيع إدراك ماهيته واتساعه ،لكن المفاجأة أن العناصر الأساسية التييحتاجها تكون ظواهر الكون ستجتمع وتنتظم.



    هذاكان سيكون مفاجأة، لو أننا رأينا مليار كون يتشكل بالصدفة ولا تنشأ فيها حياة، ثميظهر كون مختلف عن كل ما سواه.
    بينما إذا راقبنا المليار كون، وكانت جميعهاتحتوي على حياة، فهذا قد يدل على خاصية من خصائص نشأة الأكوان.
    ولكن كما سلف،ليست لدينا مثل هذه المعلومات.
    وإن تكن هناك نماذج رياضية في نطاق الانفجارالعظيم تصف أكوانا عديدة، تتشكل بحكم معادلات كوانتية احتمالية، وكوننا أحدها.

    اقتباس:

    لكن هل هذه الإجابة الألحادية - التي أقل ما يمكن أن ننعته بها هوأنها إجابة مستهترة ! – مقبولة عقلا؟
    لنختبرها بلغة العلم:



    بلغة العلم، الإجابة الإلحادية هي الوحيدةالمقبولة.
    لأنه لما كان هناك أي علم لولا الاستغناء عن تعليق الأمور بأسبابغيبية خارجة عن الطبيعة.

    اقتباس:

    ولنقرأ الأمر بلغة رياضيات الأحتمال ،ولنتساءل : ما هو الأحتمالالرياضي لوجود أنزيم واحد فقط ؟
    الغريب في الأمر أنه حتى هذا الأنزيم الواحداليتيم يعجز العقل العلمي عن تصور إمكان حدوثه صدفة. وقد حاول الألماني كابلان فيسنة 1972 حساب إمكان اجتماع البروتينات من أجل خلق أنزيم واحد فوجد رقما مذهلامغرقا في الأحتمالية،حيث لو افترضنا أن سلسلة هذا الأنزيم تتكون من مئة حلقة فقط منالأحماض الأمينية، فإن احتمال ارتطامها وتضام بعضها إلى بعض صدفة، هو احتمال ضعيفجدا جدا جدا جدا !!!! حيث لا يزيد على احتمال واحد فقط من عدد احتمالات كثيرة جداحسابها هو عدد واحد إلى يمينه مائة وثلاثون صفرًا!!



    أي حساب للاحتمال محكوم بمقدماته.
    هذا الرقمالطريف يثبت فقط بطلان افتراض أن الذرات تراطمت مع بعضها بشكل عشوائي.

    وإنما هنا انتخاب طبيعي، فالأنزيم المعاصر نتج عن مركبات سابقة له لم تكنبشكله الحالي، وحوادث أخرى في تاريخ تشكل الحياة لا نعرفها اليوم.
    بينها مركباتبسيطة، لن يكون افتراض العشوائية خاطئا في تقدير مفعولها، وبينها انتظامات وضروراتلا نعرفها اليوم.

    ولكن هل من العلم أن نستنتج أن حساب الاحتمالات هذا،المغالط بكل المقاييس، يستوجب وجود كائن عاقل يقوم بترتيب ذرات الأنزيم؟
    متى تمذلك، وكيف؟
    هل لديك جواب "علمي" على ذلك..
    وكيف تتوقع الوصول إلى ذلكالجواب..

    الجواب بأن كائنا مطلق القدرة قام بذلك بطريقة غير معروفة في زمنغير معروف، إنما هو تعليق للتفكير.
    ولذلك فلن نجد جوابا علميا يصل إلى هذهالنتيجة.
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  10. تكلمة القبطان
    --------

    اقتباس:

    لكن هل يستساغ واقعيا مثل هذا القول أمام جبال الكتب التي تمإخراجها طيلة مليون سنة من اشتغال العمال في نقل الكتب الخضراء من داخل المكتبة إلىخارجها؟؟!!
    إذن إن تطبيق مفهوم اللانهاية على الشيء المادي يسقط الملحد في مآزقمضحكة!



    لاحظ أن المأزق ينتج فقط لاستخدام مثالمن الحياة اليومية للتعامل مع موضوع يبتعد عن المعتاد.
    عند استخدام قواعدالرياضيات للتعامل مع المجموعات اللانهائية فلا توجد مشاكل من هذا النوع.
    ونحننتعامل مع نشأة الكون بهذه اللغة فقط..

    اقتباس:

    نستخلص أن هذا يؤكد أن مفهوم اللانهاية مفهوم لا يجب تنزيله علىالظاهرة المادية الواقعية.
    وهذا هو مايقوله علماء الرياضيات أنفسهم ،فالعالمالرياضي الشهير دافيد هلبرت يقول :" إن اللانهاية لاتوجد داخل الطبيعة... إن دورهاالوحيد الذي يمكن أن تقوم به هو دور فكرة".



    الرياضيات كلها غير موجودة داخل الطبيعة (إلابشكل غير مباشر عبر وجودها في تفكيرنا)، وإنما دورها الوحيد هو دور فكرة.
    بالتأكيد هناك مدرسة من الرياضيين الذين يعتمدون على الحدس (intuitivists) لتقرير ما هو حقيقي وما هو مجرد. ولكن بنية الطبيعة ونشأة الكون ليست أمرا يفيدالحدس كثيرا في فهمه.

    اقتباس:

    ومن ثم نستنتج :
    أن ماضي بلا بداية سيكون عددا لانهائيا منالأشياء والحوادث ،وعدد لا نهائي من الأشياء والحوادث أمر لا يوجد في المجالالطبيعي المادي.
    ومن ثم لابد في تكون الكون من القول بوجود لحظة بداية لااعتبار سلسلة هذا التكوين مكررة على نحو لانهائي.



    هناك قفزة سريعة جدا هنا، لا تبدو مبررة.

    فلدينا نظرية علمية أخرى، للفيزيائي "ستنجر" يقترح فيها لحظة الانفجارالعظيم كنقطة تناظر بالنسبة للزمن.
    وهو بذلك يمتد في الماضي، كما يمتد الزمنبالنسبة لنا إلى المستقبل.

    اقتباس:

    من هنا نخلص عقليا إلى النتيجة ذاتها التي أكدناها من قبلعلميا،وهي أن القول بأن الكون له لحظة بداية هو القول المقبول عقلا. والذي يسندهالعلم ،من خلال نظرية الأنفجار العظيم .


    حسب هوكنجلا توجد بداية..

    اقتباس:

    لكن هذا النقد لم يلغ النظرية ،بل إنه يبقى هو نفسه مصطدما بمااصدمت به نظرية تكرار الإنفجار التي عرضناها سابقا وقدمنا نقدا لها من مدخل العلمومن مدخل النقد العقلي لمفهوم اللانهاية.



    كلام سليم،لا توجد نظرية تتوافق مع جميع نتائج الملاحظة، وجميع هذه النظريات هي عبارة عننماذج رياضية، تنتظر قدوم نظرية تجمع الكم والنسبية.
    ولكنها جميعا لن تضيف سبباخارج الطبيعة للظواهر الطبيعية.

    اقتباس:

    هنا نسأل الملحد: من أين جاءت تلك النقطة الصغيرة الهينة التي كانكل ما نشاهده و ما لا نشاهده من مساحة هذا الكون الهائل موجودا داخلها؟
    هل نقبلبوجودها من عدم ؟



    ما رأيك بـ "لا نعرف"..

    ولكن الجواب العلمي يختلف عن ذلك.
    يقول الفيزيائي "ستنجر" أن نشأةالكون لم تخالف أيا من القوانين الطبيعية المعروفة حاليا.
    فنشأة الكون لم تحتجإلى مادة أو طاقة، فمجموع الطاقة في الكون حسب أفضل التقديرات هو صفر.
    والكميةالصغيرة من الطاقة الضرورية لبدء التمدد، يمكن أن تأتي من ضمن قوانين الكم التيتسمح بتراوحات الطاقة على مستوى محلي.

    مثلا يقول بول ديفيز، الشخص نفسهالذي تكثر الأوساط اللاهوتية الاستشهاد به:
    "الدرس الذي نتعلمه من فيزياء الكمهو أن وجود شيء "يحدث لوحده" لا ينقض قوانين الفيزياء بالضرورة.
    ظهور شيء بشكلمفاجئ وبدون سبب، يمكن أن يحدث ضمن حدود القوانين العلمية، بمجرد أخذ قوانين الكمبعين الاعتبار.
    يبدو أن الطبيعة لديها المقدرة للعفوية الحقيقية."

    "حتىإن لم تكن لدينا فكرة دقيقة عما حدث في البداية، يمكننا على الأقل أن نرى أن نشأةالكون من اللاشيء لا يحتاج لأن يكون غير قانوني أو غير طبيعي أو غير علمي.
    باختصار، ليس هناك داع لوجود سبب فوق-طبيعي."

    اقتباس:

    من الذي يفكر على نحومعقول؟
    هل المؤمن الذي يقول بوجود خالققادر عالممريد هو الذي أوجد الكون ونظمهأم الذي يقول بوجود نقطةدبوس صغيرة غير عاقلة ،تائهة في اللامكان واللازمان،لتنفجر يوما ما – قبلحوالي 15 مليار سنة - محدثة كل هذا الكون البديع؟!!



    لم لا؟
    الأول يخترع تعريفا يستقيه بشكل واضحمن المحيط الاجتماعي، لأسباب عقائدية تريحه نفسيا، ثم يسقطه على مجال غريب لا يشبهما نعرفه.
    فمن أين جاء بالخالق المريد القادر، وما علاقته بنقطة الدبوس؟
    بينما الآخر يتحدث مما يعرفه، وأكدته الملاحظة، ويقف عند حدود ذلك..
    وعندمايحاول توسيع النموذج، يستخدم الوسائل الرياضية المتاحة، ويحاول التحقق منها عبرالملاحظة.

    اقتباس:

    إذا كانت نقطة الدبوس موجودة أزليا فالسؤال الذي يطرح هو لماذااستمرت كل ملايير ملايير ملايير ....... - إلى ما لانهاية !!!!- من السنوات خامدةساكنة، ثم منذ 15 مليار سنة تقرر أن تنفجر محدثة هذا الكون!
    ما يشكل 15 مليارسنة في حكم الأزل ؟؟؟



    مرة أخرى لا نعرف.

    ولكن ضمن النماذج الرياضية الموجودة، هناك إمكانية أن يكون مثل ذلك يحدثبشكل مستمر (الأكوان المتعددة).
    ومن الممكن أن تكون سبب ذلك خاصة طبيعية لمنكتشفها بعد.

    ولكن من أين تأتي بالوعي ليقوم بذلك في هذه اللحظة، ولماذاليس في أي وقت آخر.
    فالسؤال نفسه ينطبق على ذلك الخالق.
    لماذا اختار تلكاللحظة وليس غيرها.. لماذا انتظر ملايين ..الخ حتى يخلق الكون..
    خصوصا وأنالوعي الوحيد الذي نعرفه، الوعي الإنساني، يتأثر بالزمن، ويتفاعل معه.
    وافتراضوعي غير زمني، أو في زمن ميتافيزيقي، يسمح باللانهاية لن يحل المشكلة.
    طبعا هذابافتراض ذلك الزمن "الميتافيزيقي"، الذي لا دليل على وجوده بعد..

    اقتباس:

    إن هذا المسلك في التفكير هو تفسير لحدوث الزمان لا لحدوث المادةالأولية التي مورس عليها فعل الانفجار ، فتخلق بهذا الفعل آنات الزمان الكوني. أقولالزمان الكوني لأنني أعتقد بوجود زمان آخر.


    ماهو دليلك على وجود الزمان الآخر؟
    مثلا هناك حقل الجاذبية الكوانتي (quantum gravity) الذي يسمح بنشوء أكوان دون إضافة مادة أو طاقة..
    طبعا مفهوم الحقلالأولي ينقل الفكرة خطوة إلى الوراء، زمنيا، ولكنها خطوة مبررة بالوسائل الرياضيةالمتاحة، وليست قفزا إلى نتائج بعيدة.

    اقتباس:

    ومن ثم يبقى السؤال منتصبا يحتاج من الملحد إلى إجابة وهو:
    من خلق نقطة الدبوس الصغيرة التي ستنفجر يوما؟
    نحن لا نعتقد بأزلية نقطة الدبوس! لذا نرى صواب قول عالم الفيزياء المعاصر ادموند ويتيكر عندما يؤكد صراحة: "ليس هناكما يدعو إلى أن نفترض أن المادة والطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم وأنهحدث بينهما تفاعل فجائي. فما الذي يميز تلك اللحظة عن غيرها من اللحظات في الأزلية؟والأبسط أن نفترض خلقاً من العدم، أي إبداع الإرادة الإلهية للكون من العدم"



    هذا الكلام ممكن، فمجموع الطاقة والمادة فيالكون صفر أو قريب منه.
    ولكن افتراض العدم كبديل عن ذلك المجموع غير مبرر أيضا.
    يبقى أننا لا نعرف طبيعة المحيط الذي كان موجودا قبل الزمان والمكان والمادة..

    ونظرية الأوتار الفائقة تقول أن هناك أبعاد إضافية في الطبيعة نشأ عنهاالانفجار العظيم.
    بذلك يكون الأزلي (أو الذي لا نعرف ما قبله) قد انتقل منالناحية الفيزيائية إلى تلك الأبعاد..
    ولكن إطفاء صفة الإرادة والعقل على هذهالأوتار ليس مبررا، ولا أظنك تقصده..

    اقتباس:

    ومن ثم فالنتيجة التي نخلص إليها هي اللاأزلية وتوكيد الحدوث ووجودالخالق.


    يمكنني أن أوافقك في أن الانفجار العظيميضع بداية من نوع ما للكون الذي ندرسه، ولا نعرف بداية لما كان قبله، إن صح استخدامأي تعبير زمني من هذا النوع، بذلك يمكن اعتباره أزليا بهذا المعنى.

    اقتباس:

    أتدري ماذا كان في نقطة الدبوس تلك ؟ كان فيها كل شيء من أشياء هذاالكون ،فيها كنت أنا وأنت وجميع أعضاء هذا المنتدى ... وكان فيها أيضا كوكب الأرضبل والمجرات ... وكل هذا الكون الذي لا زال في امتداد وتوسع!
    ثم انفجرت النقطةالصغيرة التي لا ترى ليستوي منها كل هذا الكون العظيم.
    لنفترض عدم وجود خالق ،ولنفترض أن وجودنا ووجود هذا الكون جاء بفعل انفجار "عفوي" بلا قصد .
    فهل يستوي في عقلك أن يكون تكون هذا الكون صدفة ؟



    ما هي الحجة هنا؟
    يبدو أنها حجة "التصديق الذاتي"..
    أنا لا أصدق أن ذلك حصل، ولذلك فهوخاطئ..

    مبدئيا، الطريق بين تلك النقطة وبين الكون الحالي، يبدو قابلا للتتبع عبر البحث العلمي.
    وفي ذلك البحث العلمي يختلط الانتظام الحتمي بالصدفة العشوائية.

    وفي كل ذلك البحث العلمي، لم تظهر الإرادة أو العلم المنسوب إلىالإله.
    إن كان التعبير على عدم اكتشاف الإرادة هو "الصدفة"، فهذا ما وجدهالعلم.

    ولا تنس أننا نتحدث عن زمن سحيق، وظواهر هي أضخم ما نعرفه بأصغرالأشياء.
    ونظرا لأن هناك الكثير من الغموض في البحث العلمي حتى في ظواهر الطقساليومي، رغم أننا نستطيع ببعض التفكير العلمي أن نتصور أن جميع العوامل المشاركة هيآليات بدون قصد أو إرادة.
    فلا غرابة في أن تفاجئنا مثل هذه المعرفة، إذاطبقناها على نطاق أوسع.

    ولكن الجواب العلمي لم يكن في أي مرحلة هو وجودإرادة عاقلة تتدخل فيما يحدث..
    فهذه مجرد قفزة إلى الوراء، إلى عالم الآلهةالمزاجية والعلاقة الشخصية مع الكون.

    اقتباس:

    بالنسبة لنظرية الكوارث والفوضى التي ستظهر في سبعينات القرنالعشرين لا تقول أبدا بإلغاء فكرة الأنتظام الكوني . بل كل ما تقوله هو أن ثمةظواهر في الكون يمكن الأصطلاح عليها بكونها فوضى ،أي خارقة لما نشاهده من عادةالأنتظام الشاملة للكون.


    موضوع النظام والفوضى ليس بهذه البساطة.
    كبداية فأي كون يحتوي على كائنات ذكية، مهما كان فوضويا لابد أن تكون له خصائص تمكن من وجود تلك الكائنات.
    بذلك فالنظام هو عنوان لوجودناكبشر في هذا الكون، ولو لم يكن ذلك "النظام" موجودا، لما وجد من يسأل عنه.
    ثميتم تعميم فكرة النظام إلى ما يمكن لهذه الكائنات الذكية أن تفهمه وتتمثله بقدرتهاالمعرفية.
    أي أن النظام حسب المفهوم المعاصر، هو ما يمكننا التعبير عنه بواسطةالمعادلات الرياضية.

    ولكن وجود النظام لا يدل لوحده على وجود منظم عاقل له.
    فمن حياتنا البشرية نرى أن كثرة الانتظام دليل على الميكانيكية، بينما عدمالقدرة على توقع السلوك المستقبلي تماما، هو الدليل المعتاد على وجود قصد إنسانيخلفه.

    اقتباس:

    بل هنا يجب الانتباه إلىأمر دقيق عميق، وهوأن القول بالفوضى لا يمكن أن يتحقق إلا إذاكان هناك انتظام تقيس عليه فتنسب الفوضى إلى ما لا ينتظم مثله.
    ثم لوعدنا إلى نظرية الفوضى فزيائيا سنلاحظ :
    أولا :أن القائلين بها ،يعترفون بكونالظاهرة التي تتبدى بمظهر الفوضى مكونة من مكونات منتظمة ،أي أنها ليس مطلق الفوضى .
    ثم ثانيا :إنها لا تلغي وجود نظام في الكون.
    الأمر الذي يجعلنا نخلص إلىالاستنتاج التالي:
    ‘ن مقولة انتظام الكون مقولة لا قبل بدفعها أو رفضها .



    على مستوى النظرية الكوانتية، فالفوضى جزء أساسي من بنية الكون. وما يبقى هو عوامل احتمالية احصائية.
    بينما نظرية الفوضىالحتمية (deterministic chaos)، تقول أن الانتظام هو تعبير عن العمليات "الخطية"،أي التي تتناسب فيها الاختلافات الصغيرة في الشروط البدئية، باختلافات صغيرة فيالنتائج.
    والفوضى هي كل ما عدا ذلك، وهو معظم ما يحدث في الكون.
    إلا أنهناك "جيوب" من الظواهر الخطية المنعزلة عما سواها، التي ركز العلماء في السابقبحثهم عليها، فكان بإمكانهم فهمها دون أن يفهموا كل شيء.



    اقتباس:

    إذن لنأخذ ملحوظة النظام ونعود بها إلى نقطة الدبوس!!!!!
    التي يرفض الملحد بإصرار غريب أن يقول لنا من أين جاءت ؟



    يبدو أنك لا تعترف بمبدأ أن الحكمة هي أن لايجيب المرء بما لا يعرف.
    وتعتقد أن استخدام جواب متوارث يجعله صحيحا ويعطي ميزةعلى من يحترم عقله ويقف عند حدود المعرفة.

    الانتظام والاحتمال والصدفة

    أفهم كلمة الصدفة بمعنيين، "انعدام القصد"، ولا فائدة لها بهذا المعنى في هذا السياق،إذا تصبح جميع العبارات التي تستخدمها "دائرية"، ولا تؤدي أي معنى.
    ولكن المعنىالقابل للفحص العلمي هو "قلة الاحتمال"..

    ما هو احتمال أن ينشأ كون بخصائصكوننا، وفيه كوكب مثل كوكبنا وعليه بشر مثلنا؟
    الاحتمال طبعا هو 100%، فهو قدحصل.
    ولو لم يحصل لما كان هناك أحد ليسأل عن سبب ذلك.
    هناك مشكلة أراهاهنا، فإن كان احتمال شيء كبير، فهذا من الانتظام الذي وضعه خالق الكون ليحقق مشيئتهعبر القوانين الطبيعية.
    وإن كان الاحتمال قليلا، فهو معجزة من خالق الكون ليحققمشيئته رغما عن القوانين الطبيعية.
    بهذه الطريقة فالنظرية الإيمانية لا تقبلالنقض، وهذا يؤدي بي إلى رفضها كطريقة عقيمة في فهم الكون.
    (هناك مثل يقولهالفلاحون الأوروبيون للتنبؤ بالطقس يقول: "إذا صاح الديك فوق تل من القش، فقد يتغيرالطقس، أو قد يبقى كما هو".
    هذه النبوءة صحيحة في كل الحالات، ولكن هذا لايجعلها مفيدة، بل عديمة القيمة).

    إذا ما هو معنى السؤال عن الاحتمال.
    هناك ما يسمى بالمبدأ الأنثروبي (الإنساني) في الفيزياء ويعني أن بإمكاننا تخيلأكوان أخرى بقوانين طبيعية مختلفة، أو بقيم مختلفة للثوابت الطبيعية التي نعرفها منكوننا.
    وهذه القيم المختلفة تؤدي إلى أكوان مختلفة عن كوننا الحالي، وفي كثيرمن هذه الاحتمالات لن تتشكل المجرات أو الحياة.

    المشكلة في هذا الكلام، هوأننا لا نعرف علاقة هذه الثوابت ببعضها، فقد لا تكون قابلة للتنوع بالطريقة التي تمافتراضها من قبل. وفي الحالة الحدية فقد يكون هناك مزيج وحيد ممكن هو الذي نعرفه منكوننا.

    من الممكن في المقابل وضمن النظريات العلمية الحالية افتراض وجودأكوان عديدة أخرى، وكل كون يخضع لقوانين طبيعية مختلفة. وفي الأكوان التي لم تتشكلفيها حياة عاقلة، فلن نجد من يطرح مثل هذه الأسئلة ليستغرب أن كونه يناسب وجود حياةمناسبة.

    هناك طريقتان لحساب الاحتمال.
    الطريقة الاحصائية، أي نجمعمعلومات عن جميع الأكوان وأشكال الحياة، ونستنتج منها احتمال تشكل حياة معينة فيكون معين.
    المشكلة هنا هي أن لدينا عينة = 1، أي أننا لا نعرف غير كوننا، وهذافيه نوع واحد من الحياة.
    بذلك فحساب الاحتمال غير ممكن بالطريقة الاحصائية لأنعدد العينات غير كافي.

    في المقابل إذا كنا نعرف احتمال كل مركبة وكانت تلكالاحتمالات منفصلة عن بعضها، يمكننا أن نستنتج احتمال حصول المزيج عبر ضربالاحتمالات ببعضها.

    وهذا ما يبدو أن حساب احتمال تشكل البروتين قد قام به.
    أي أنه اعتبر أن الاحماض الأمينية تتمازج باحتمال مستقل لكل منها.

    ولكنهذا الكلام لا علاقة له بما نراه في الطبيعة.
    فهذه الأحماض الأمينية تتشكلباحتمال هائل ضمن بنية الخلايا التي تركبها.

    وعند السؤال عن إمكانية تطورهذه البروتينات على الطريقة الداروينية، فالجواب هو في الخطوات التي تم اختزالها.
    فالانتخاب الطبيعي يعني أن البروتين لم يكن دائما بهذا الشكل، وليس دائما بهذاالتعقيد، واحتمالات تتالي الأحماض الأمينية ليست مستقلة عن بعضها، بل تخضع لانتخابطبيعي مشترك.

    حساب الاحتمال للمراحل الوسطية يتطلب معرفتها جميعا، وهذا مايبحث العلماء فيه.
    ونظرا لأنه حصل في تاريخ الأرض، فهذا يعني أنه ممكن.
    بينما استنتاج إرادة واعية وراءه لا يضيف أي معرفة.





    اقتباس:


    هنا يطرح من جديد سؤال جديد يحتاج الملحد أن يجيبنا عليه:
    كيف يتكون من حدث الانفجار كون منتظم ؟
    لكن لنسلك مسلك التفكير الألحادي لنرى ونستشعر بوضوح المتاهة التي ستقودناإليها الإجابة الإلحادية.
    إن هذا الانفجار الحادث فجأة سينشئ كونا منتظما !!!





    هذا الجواب صحيح.
    فحسب كل ما نعرف، فهذاالذي حصل..

    اقتباس:

    أما كيف حدث الانتظام فالإجابة الألحادية هي :
    إن الأمر حدث صدفة.وهذا النظام المذهل في دقته الذي يؤسسللبناء الكوني كان أيضا مجرد صدفة!



    هناك مشكلةفي تعريف الصدفة هنا.
    فقد يكون الأمر "ضرورة"، وقد يكون مزيجا بين الصدفةوالضرورة.
    العينة المتاحة هي كون واحد فقط، ولا تكفي لمثل هذه الاستنتاجات.

    ولكن هنا يظهر منطق غريب بعض الشيء.
    إذا كان الانتظام الكوني "الدقيق" الذي يمكن الحياة، هو دليل على إرادة الخالق، فكيف يستخدم الزميل في المقطع التاليقلة احتمال الحياة ليدلل على الخالق نفسه؟

    إما أن الكون مصمم لوجود الحياة،أو أنه معادي لظهور الحياة.
    وإن كانت إحدى الفرضيتين تدعم وجود الخالق، فالأخرىتنفيه..

    اقتباس:

    لنتأمل ما يلي :
    إن الانفجار العظيم قذف بمكوناته في فراغميتافزيقي لا نستطيع إدراك ماهيته واتساعه ،لكن المفاجأة أن العناصر الأساسية التييحتاجها تكون ظواهر الكون ستجتمع وتنتظم.



    هذاكان سيكون مفاجأة، لو أننا رأينا مليار كون يتشكل بالصدفة ولا تنشأ فيها حياة، ثميظهر كون مختلف عن كل ما سواه.
    بينما إذا راقبنا المليار كون، وكانت جميعهاتحتوي على حياة، فهذا قد يدل على خاصية من خصائص نشأة الأكوان.
    ولكن كما سلف،ليست لدينا مثل هذه المعلومات.
    وإن تكن هناك نماذج رياضية في نطاق الانفجارالعظيم تصف أكوانا عديدة، تتشكل بحكم معادلات كوانتية احتمالية، وكوننا أحدها.

    اقتباس:

    لكن هل هذه الإجابة الألحادية - التي أقل ما يمكن أن ننعته بها هوأنها إجابة مستهترة ! – مقبولة عقلا؟
    لنختبرها بلغة العلم:



    بلغة العلم، الإجابة الإلحادية هي الوحيدةالمقبولة.
    لأنه لما كان هناك أي علم لولا الاستغناء عن تعليق الأمور بأسبابغيبية خارجة عن الطبيعة.

    اقتباس:

    ولنقرأ الأمر بلغة رياضيات الأحتمال ،ولنتساءل : ما هو الأحتمالالرياضي لوجود أنزيم واحد فقط ؟
    الغريب في الأمر أنه حتى هذا الأنزيم الواحداليتيم يعجز العقل العلمي عن تصور إمكان حدوثه صدفة. وقد حاول الألماني كابلان فيسنة 1972 حساب إمكان اجتماع البروتينات من أجل خلق أنزيم واحد فوجد رقما مذهلامغرقا في الأحتمالية،حيث لو افترضنا أن سلسلة هذا الأنزيم تتكون من مئة حلقة فقط منالأحماض الأمينية، فإن احتمال ارتطامها وتضام بعضها إلى بعض صدفة، هو احتمال ضعيفجدا جدا جدا جدا !!!! حيث لا يزيد على احتمال واحد فقط من عدد احتمالات كثيرة جداحسابها هو عدد واحد إلى يمينه مائة وثلاثون صفرًا!!



    أي حساب للاحتمال محكوم بمقدماته.
    هذا الرقمالطريف يثبت فقط بطلان افتراض أن الذرات تراطمت مع بعضها بشكل عشوائي.

    وإنما هنا انتخاب طبيعي، فالأنزيم المعاصر نتج عن مركبات سابقة له لم تكنبشكله الحالي، وحوادث أخرى في تاريخ تشكل الحياة لا نعرفها اليوم.
    بينها مركباتبسيطة، لن يكون افتراض العشوائية خاطئا في تقدير مفعولها، وبينها انتظامات وضروراتلا نعرفها اليوم.

    ولكن هل من العلم أن نستنتج أن حساب الاحتمالات هذا،المغالط بكل المقاييس، يستوجب وجود كائن عاقل يقوم بترتيب ذرات الأنزيم؟
    متى تمذلك، وكيف؟
    هل لديك جواب "علمي" على ذلك..
    وكيف تتوقع الوصول إلى ذلكالجواب..

    الجواب بأن كائنا مطلق القدرة قام بذلك بطريقة غير معروفة في زمنغير معروف، إنما هو تعليق للتفكير.
    ولذلك فلن نجد جوابا علميا يصل إلى هذهالنتيجة.
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  11. سأكمل عرض باقي المناظرة بعد حين إن شاء الله
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  12. تكملة القبطان
    اقتباس:
    وبناء على علم الإحتمال الرياضي حاول فزيايئان بريطانيان فريد هويلو شنادرا ويكرامسينج تطبيق الحساب الاحتمالي الذي قام به كابلان على حدوث الحياة فيكوكب الأرض ، وارتكزا على معلوماتهما الفزيائية فدرسا نشوء الحياة في الأرض فوصلاإلى استحالة تصور العقل حدوث ما حدث لكوكب الأرض صدفة ،لأن رقم أحتمال هذا الحدوثغير قابل للتصور فانتهيا إلى التأكيد على أن الإجابة المعقولة ليست هي الأجابةالألحادية ،بل هي الأجابة المؤمنة بوجود قوة خالقة مريدة عاقلة.
    فريد هويل لم يكن يؤمن بوجود أي تسبب من خارجالطبيعة، وإنما انتقاده طال آليات الصدفة حسبما حسبها، وحسب فهم خاطئ للإصطفاءالدارويني كما أظهر مؤلفون آخرون.

    بالمقابل فهويل كان مؤيدي نظرية الكونالمستقر، لرفضه لفكرة الخلق الدينية..

    لذلك أقترح التمهل قبل نسب "الإجابةالمؤمنة" له..
    اقتباس:
    وهو ما يؤكده أيضا عالم الفزياء النظرية المعاصر [بول دفيز عندمايقول ثمة دليل أكيد على أن وراء حدوث الكون كائن قام بتصميمه.
    بينما بول ديفيز، بعد عدة تقلبات في رأيه، ينطلقاليوم من نظرية الأكوان المتعددة.

    وهذه تدعم فكرة الصدفة من جديد، لأن حظنا هوأننا موجودون في الكون المناسب..

    على أي حال، فكل فرضيات الاحتمال إنماتدافع عن الجهل اليوم.

    أي أنها تنسب ما لا نعرفه اليوم إلى عمل كائن خفي.

    ومع ازدياد المعرفة يتقلص دور ذلك الكائن الخفي (إله الفجوات الذي ذكرته فيالمداخلة الأولى).
    اقتباس:
    إنه فعل الصدفة، بل أقول بكل بساطة إنه تطبيق عملي لتفكير إلحادييثق في الصدفة ويجعلها مصدر النظام والانتظام!! فقلت في نفسي دعني أضغط كيفما اتفقلعل دليلا إلحاديا جديدا يحصل بالصدفة !!

    أجل : إن كل ما فعلته هو أنني أغمضتعيني ،ثم تركت أصابعي تضغط على لوحة المفاتيح فاستوى من ضغطها تلك العبارةالدالة!!!

    أكيد لا دلالة في تلك الأسطر و لا معنى ، فهل تقبلون أن تكون الصدفةصانعة هذا الانتظام الكوني ؟

    لست أدري هدف هذهالمناورة الخطابية، فهي لا تقدم ولا تؤخر.

    طيب إليك واحدة تشبهها:

    [
    ]
    المساحة الفارغة بين القوسين (الأقواس من عندي، وكذلك الأسطرالجديدة)، هي ما كتبه الإله.

    انتظرته كثيرا ليعبر عن إرادته العاقلة، ولكن شيئالم يحصل.

    فهل تصدق أن إلها كهذا قام بكل ما تنسبه إليه؟
    اقتباس:
    إذا كان الملحد يتصور وجود الكون بكل انتظاماته المذهلة صدفة،فإننا نفسره بوجود قوة عاقلة (الله) مفارقة للكون قامت بخلقه وتنظيمه.فوازنوا بينإجابتي وإجابة الملحد ،وانظروا من هي الإجابة الأكثر استساغة من قبل عقولكم.
    لا شك في أنك تناشد العقول التي اعتادت علىالتربية الدينية، وليس على العمل العلمي.

    لأن في إجابتك تعليق للعقل والتفكيروالبحث عن الظواهر وعلاقاتها ببعضها.

    فمن اعتاد على البحث عن "آليات"،و"انتظامات"، و"نماذج رياضية" ليصف بها الطبيعة، ثم يتحقق من هذه النماذج عبرالتجربة والملاحظة، لن يقتنع بهذه السهولة بفكرة القوة العاقلة.
    اقتباس:
    فالذي يقول بأزلية المادة ليس كالذي يقول بأزلية الله.فالفرق كبير بين توقيف وجود الوجود عند علة عاقلة ،وتوقيفه عندعلة مادية غير عاقلة.

    ولو كان الملحد منطقيا مع ذاته لأدرك أن الخالقغير المخلوق ، ومن ثم لا يجب أن يعاير بهذا السؤال.

    من أين جاء الفرق؟
    بالأحرى، من أين لك أنتعرف بوجود أي فرق؟
    المادة هي ما نتعامل معه ضمن هذا الكون، وحتى هذه لانعرف جميع صفاتها وخصائصها.

    ولا نستطيع منطقا، حتى تعميم ما نعرفه عنها علىمجمل الكون.

    أما خصائص العلة العاقلة، فهي لا تزيد عن كونها ألعاب لفظيةوتكهنات لا دليل عليها.
    اقتباس:
    لكن نواجهك بالسؤال مرة أخرى : من خلق ذلك الثالث ؟ الرابع ..ومنخلق الرابع الخامس .. سادس ...سابع ..ثامن ؟؟؟

    ستضطر للوقوف بالسلسلة إلى كائنما هو الذي خلق الجميع . وهذا ما نطلبه فهو الله الخالق.
    طبعا عندما يطرح هذا السؤال، إنما هو من مبدأ "ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم".


    ولكن مع ذلك، فكيف تصل إلى أي استنتاجاتفي عالم الغيب؟
    هل من صفات ذلك الإله الثالث أنه خلق الكون؟ أو يكترث بما يحدثفيه؟
    كيف ربطت هذه بتلك؟
    قد يكون الإله الثامن غير عاقل، بينما الإلهالسابع غير أزلي، والعقل والإرادة من صفات الإله السابع..الخ
    اقتباس:

    إذا لم تقل بالتسلسل ستقول بالدور وكلاهما محال عقليا.

    لذا أقول :

    إن الخالق غير حادث ،وبالتالي من غير المعقول الاستفهام بخصوصه (من خلقه؟). فهو أصلا ليس حادثا حتى يحتاج إلى خالق يحدثه ويوجده. تماما كهذهالصفحة البيضاء التي أمامي لا يصح لك أن تسألني من كتبها؟؟

    ماذا يعني هنا محال عقليا؟
    نحن نتحدث عنظواهر طبيعية، فإن كان هناك تسلسل أو دور فعلا، فعلينا تغيير منطقنا العقليالمعتاد.

    قمنا بذلك مرات كثيرة مع كل مكتشف علمي، ولا شيء يمنع القيام بذلك هناأيضا.
    اقتباس:

    لماذا ؟

    لأنها أصلا بيضاء فلا يصح السؤال عن كاتبها،كذلك لا يصح السؤال عن خالق الله من هو ؟ لأنه اللهالخالق لا المخلوق .

    طبعا من الممكن أن يكونهناك اختلاف بين الظواهر والكينونات على مستويات مختلفة.

    ولكن كيف وصلت إلى هذهالمعرفة؟
    هنا يبدو أن العملية التي تمت هي مجرد عملية "تعريف" لذلك الاختلاف [5]، ثم توقيف عملية التفكير نفسها دون مبرر واضح.
    اقتباس:
    وختاما أقول :

    إن الموقف الألحادي موقف ينقصه الحكمة ،بل إنهموقف غير حكيم بالمرة مادام يجعل البحث عن سبب العالم وسبب الوجود أمرا غير ذيأهمية !!

    لعل الأقرب إلى الحكمة مقولة "رحم اللهامرأ عرف حده فوقف عنده".


    الموقف الحكيم يتطلب الاعتراف بحدود المعرفة الحاليةوطرق الحصول عليها.

    كما يتطلب الاتعاظ من دروس الماضي.

    وفي ذلك الماضيرأينا أن إلحاق الصفات العاقلة بظواهر الطبيعة، والتعامل معها كتعبير عن إرادةأشخاص يقفون وراءها، كان الطريقة التي استخدمها البشر في محاولتهم للفهم.

    واليوم نعرف أن ذلك يعبر عن آليات نفسية، ونبحث عن تفسيرات طبيعية للظواهر.

    وهذا حقق تقدما هائلا في المعرفة، لم يكن متوفرا عند التفكير بالطريقةالمشخصنة.

    يقول عالم الإجتماع أوغست كومت:

    "
    هناك ثلاثة مراحل فيالمعرفة تمر بها كل العلوم أثناء البحث عن الفهم.

    المرحلة الدينية، أي مرحلةالتفسير بنسب الأحداث والظواهر إلى إرادة وقصد يشبه قصد الإنسان وإرادته (روحانيةالطبيعة، وحتى الأديان التوحيدية).

    ثم تأتي المرحلة الميتافيزيقية، أي تفسيرالأشياء بجوهرها، بأسباب وآليات غير شخصية، ولا محل للإرادة أو القصد فيها.

    فيالمرحلة الأخيرة يصبح هدف البحث العلمي هو وصف التشابه والتتالي دون الحاجة إلىافتراض أي جوهر خفي".

    يبدو أن حوارنا هو بالدرجة الأولى عن الانتقال منالمرحلة الأولى إلى الثانية.

    =============================
    [1]
    قام الزميل حاتم3، ربما من فرط حماسه، باستخدام عبارات لا تدعم الحجة،ربما كان بإمكانه الاستغناء عنها.

    (
    الملحد المشاكس، الذي لا يحترم عقله، الجوابالمستهتر، الغير حكيم..الخ)

    هذا يعبر عن التعالي الخطابي، ليس إلا.

    الملحدغير حكيم، بينما المؤمن في قمة الحكمة. يا سلام!

    طبعا من الممكن أن أقول أنالمؤمن هو إنسان بدائي يرى آلهته حيث يخاف، وأن عليه أن ينضج قليلا.

    ولكندعنا في ساحة مقارعة الحجج وليس الحكم على الأشخاص.

    فالحكمة برأيي هي فيالالتفات إلى الحياة المباشرة والبحث عن المعنى في العلاقة مع البشر الآخرينوالطبيعة حولنا، وليس وراءها.

    فإن كان هناك إله أم لا، فجميعنا يبحث عنالانتماء إلى المجتمع حولنا وعن الحب والصداقة والتعاون..

    [2]
    هوكنج

    So long as the universe had a beginning, we could suppose that it had a creator. But if the universe is really completely self-contained, having no boundary or edge, it would have neither beginning nor end: it would simply be. What place, then, for a creator?
    [3]
    أتكنز

    The only way of explaining the creation is to show that the creator had absolutely no job at all to do, and so might as well not have existed
    [4]
    هوكنج 1987

    In general relativity, time ... does not have any meaning outside the spacetime manifold. To ask what happened before the universe began is like asking for a point on the Earth at 91 north latitude; it just is not defined. Instead of talking about the univers being created, and maybe coming to an end, one should just say: The universe is.
    However, the use of the word "create" would seem to imply that there was some concept of time in which the universe did not exist before a certain instant and then came into being. But time is defined only within the universe, and does not exist outside it.
    [5] you cannot define things into existence
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  13. الرد الثانى لحاتم3
    --------

    بعد تحديدات و تعريفات أولية للإلحاد والأيمان انتقل الزميل القبطانإلى مناقشة وجود الله. ونحن ننتقل معه إلى هذه المناقشة دون الوقوف عند هذه التحديدات مع أن لدينا فيها رأيا،وذلك احتراما لطريقة ومنهج الزميل القبطان في طرح موضوعه فهو نفسه لم يركز على إشكالية التحديد ويؤسسه على منظور محدد ، حيث قال في معرض تعريفه للألحاد:
    اقتباس:

    لا يهمني في هذا السياق الأصل اللغوي للكلمة، أو التعريفاتالمتباينة لها، علاقتها بمدارس فكرية مختلفة، أو أن كلمات أخرى أقل شيوعا قد تكونأكثر دلالة



    هذا وإن كنت منهجيا أطلب من زميليومن كل ملحد أو مؤمن أن يعتني بموقفه ويعطي لأمر التحديد الدلالي قيمة فيبنيهويؤسسه على تصور واضح مقنع ...
    لنتابع نقدنا لمداخلة الزميل

    قصور المنهجية الحسية في التفكير في قضايا الألوهية


    يقول الزميل القبطان
    اقتباس:

    سنختار لهذا الحوار الاعتقاد الشائع بوجود الله..
    الزعم بوجودإله أو آلهة، هو زعم استثنائي بكل المقاييس.
    فلم ير أحد منا إلها في حياتهاليومية، ولا يعرف أحد شكل مثل هذا الإله، ملمسه، أو يستطيع التخاطب معه للتأكد منأفكاره حوله.




    وأرى أنه :
    بغض النظر عما فيكلام الزميل من نزوع نحو تسفيه موضوع الألوهية بقوله "لم ير أحد منا إلها في حياته"،وكأن الرؤية بجهازالعين تصلح أن تكون دليلا للاعتقاد أو عدمه، أقول : لو اعتمد مثل هذاالاستدلال حتى في المجال العلمي لتم شطب البناء المفاهيمي العلمي من أساسه،فلا أحد من العلماء رأى الجاذبية و لا أحد منهم رأي الألكترونولا الأثير ، ولا الطبيعة التموجية للضوء ، ولا طبيعته الذرية... و لا ...و... لا .. الخ
    ولكن إذا كان الزميل القبطان في مبتدأ كلامه يرتكز على منظورمنهجي وليس فقط على مجرد كلمة أطلقها عفويا ، فلا بد من مناقشة هذا المنظور المنهجي، ومن حقه تبنيه ومن واجبنا نقاشه فيه. لذا عليه أن يعلن هذا المنظور في مستقبلمداخلاته وعندها سأفصل القول في شأنه ،،،
    لكن يكفيني هنا أن أشير إلى فساد هذاالمنهج في التفكير بمصير الوضعية المنطقية عند أمثال فتجنشطين الذي انطلق من مفهوم المطابقة الحسية للمفاهيمفانتهى إلى ما انتهت إليه حلقة فيينا مع كارناب ورايشنباخحيث تم شطب قضايا الألوهية ،بل ومجمل البناء المفاهيم لثقافة البشرية بدءا بالحق والعدل وانتهاء بالجمال، وذلك بدعوى كونها ليس لها مدلول في الواقع الحسيتنطبق عليه ، ومن ثم فهي مفاهيم لغو يجب انتزاعها من المعجم !!! ولكن نعرف جميعاالمأزق الذي خلصت إليه الوضعية المنطقية حتى أسقطها في مواقف ساذجة مثيرة للسخريةفي الوسط الفلسفي ، وهذا ما وعاه فتجنشطين بذكاء الأمر الذي جعله يتراجع عن هذاالمنظور الحسي في التعامل مع المفاهيم،وإن لم يخلص به ذاك إلى الأيمان.
    لكن إذأذكر بهذا أود أيضا الأشارة إلى أن هذا المنهج منهج الرؤية والحس في قياس المفاهيموالنظر إلى الوجودهو منهج فاسد. لايقول به اليوم لا الفلاسفة ولا العلماء . ومن ثم فالقول بأن الله لم يره أحد ولم يلمسه أحد ليس بدليل يحتجبه ، لا فلسفيا و لا علميا ،فضلا عن دينيا.




    اقتباس:

    ولذلك فهذا الإعتقاد بحاجة إلى أدلة استثنائية لتبريره.
    .......
    على المؤمن بإله أو آلهة أن يبرر إيمانه بأدلة استثنائية.





    وهنا كنت أتمنى أن يعطي زميلي معنى الدليلالأستثنائي الذي يطالبنا بالأتيان به.
    فما معنى الدليل الاستثنائي ؟
    ثملنفترض :إذا كان ما جاء به الموقف الأيماني لم يرق إلى الدليل الاستثنائي ،فهل ماجاء به الموقف الألحادي يرقى إلى هذا النوع من الأدلة؟
    أو أن الأدلةالأستثنائية هي أدلة ضعيفة مهزوزة ، وأدلة الملحد غير استثنائية؟؟؟؟
    تساؤلاتنحتاج إلى أن نستعلم من زميلنا القبطان موقفه لكي نناقشه فيه عن بينة.
    لكن قبل ذلك أقول في سياق الحديث عن الأدلة :
    إن كان للموقف الأيماني أدلة – بغض النظرعن نوعها وقيمتها الابستمولوجية– فإن الموقف الألحادي ليس له أدلة على الأطلاق ،فهوفي مسلكه عادة ما ينحصر في نقد أدلة الأيمان.
    وهذا ما سنجد الزميل القبطان يقومبه هو أيضا ،لننصت إليه يقول :



    اقتباس:

    ويكفي لتبرير الموقف الإلحادي، أن أظهر ضعف هذه الأدلة وعدمتماسكها.
    بينما ليس من الضروري لتبرير الإلحاد بالمعنى الذي أقصده أن أبرهن علىعدم وجود هذه الآلهة.
    أو حتى تقديم تفسيرات بديلة.
    (البعض يسمي هذا الموقف "الإلحاد السلبي"، أو اللاأدرية المعرفية مع الإلحاد العملي)





    وجوابي :
    إن الكلام السابق هو بحد ذاته دليل على ضعف الموقف الألحادي ،لأنه لا يقدم دليلا ،بليقتصر على نقد أدلة الايمان. وهو اعتراف ضمني بوجود أدلة على الأيمان وعدموجودها على الالحاد.


    مفهوم المعجزة

    لنر هذا النقد لأدلة الأيمان واحدا تلو آخر :

    أول فكرة طرحها زميليهي المعجزة ، وإن كنت لم أجد مبررا كافيا لطرحها لأنها خارجة عن موضوع الأيمانبالله على الأقل في لحظة حوارنا هذا.

    حيث يقول :
    اقتباس:

    المعجزات والكوارث الطبيعية والظواهر الخارجة عن المألوف:
    هذاهو الدليل الأكثر رواجا في المعتقدات الشعبية لتبرير فكرة النبوة (القرآن معجزةمحمد)، أو تجسد الآلهة (المسيحية، الهندوسية).
    وهي أهم دليل على الإهتمامالمفترض الذي توليه الآلهة بالجنس البشري، والتخاطب معه والتدخل في مجرى حياتهوالتعامل مع سلوكه بالرضى أو الغضب.

    ولكن يكفيني عدم اعتراف المعتقدين بدينبمعجزات الأديان الأخرى، لكي نرى التأثير "المحلي جدا" لهذه المعجزات.





    عندي على ما سبق نقد منهجي، حيث أرى فيه اختلالا لأنه من حيث التصنيفالعلمي الدقيق ليس نقدا لدليل وجود الله ،بل هو نقد لدليل النبوة.فالمعجزة دليل علىالنبوة أكثر منها دليلا على الألوهية.
    والنبوة ليست موضوعنا ،بل إن موضوعنا هوإثبات وجود إله لهذا الكون، وعندما نكمله لنا أن نفتح موضوعا جديدا نعنونه ب"هلالقرآن كلام الله ؟" أو "هل محمد رسول الله؟ " أو نناقش مبتدأ الأمر ،أقصد "ماالحاجة إلى النبوة أصلا؟"

    نقد نقد أدلة الأيمان: مفهوم السببية

    لكن بعد هذا الانحراف نحو موضوع النبوة يدخل الزميلالقبطان في سياق الموضوع (نقد أدلة الأيمان) فيقول بادئا بنقد :
    اقتباس:

    العلة الأولى:
    "نظرا لأن لكل شيء سبب، فلا بد لهذه الأسباب أنتلتقي في سبب أول، هو الله".
    نقطة الضعف الأساسية هي أن افتراض وجود "سبب أول" ينقض الفرضية الأولى، وهي أن "لكل شيء سبب".
    بعد ذلك تبدأ دوامة طويلة، لتبريرالرغبة في استثناء الله من هذه السببية.
    فيصبح البرهان دائريا.
    أي عوضا عنالانطلاق من فرضية عامة، إلى استنتاج خاص.
    يتم تفصيل البرهان ليناسب النتيجةالتي يريد المؤمن التوصل إليها.




    وتعليقي على ماسبق هو :
    1- أولا :
    إذا كنت تعيب على المؤمن استثناء وجود الله من سبب وجودفأنتم تستثنون وجود الكون /العالم من سبب وجود.
    إذن فأنتم تتساوون مع المؤمن فياستثناء كائن من السؤال عن خالق له.
    المؤمن يستثني الله.
    وأنتم تستثنونالعالم.
    إذن فتلك الدوامة الطويلة التي تعيبونها على الموقف الأيماني لأستثناءالله من المخلوقية تسقطون فيها أنتم أيضا.
    فلماذا تستعجبون ؟
    2- ثانيا :
    يقوم نقد الزميل القبطان لمبدأ العلة الأولى على نقد مبدأ السببية لذا سنفصلالقول فيه على النحو التالي :
    2-1 إن التعبير الذي عبر به زميلي أي قوله :

    "نظرا لأن لكل شيء سبب"


    فيها اختلال في لغة الأصطلاح ،فنحن لا نقول "لكل شيء سبب" حتى يتم الرد علينا بالقول،فلماذا تستثنون الله من انطباق قانون السببية عليه؟
    بل نقول :"لكل حادث سبب ". وإذا قلنا "لكل شيء سبب"فمعناه لكل شيء حادث سبب.
    فالحادث أي الذي لم يكن منقبل ثم كان هو الذي يحتاج إلى من يحدثه ويخرجه من اللاوجود إلى الوجود.
    وأرى أنهذا الخطأ في التعبير هو ما سقط فيه بول دفيز نفسه ، وهو معذور كفزيائي في عدممعرفته بعلم اللاهوت واستدلالاته ولغته الاصطلاحية الخاصة ،ولعل هذا الخطأ فيالتعبير انتقل إلى الزميل القبطان من كتابات بول دفيز أو من غيره من الكتاب. وبولدفيز ، بالمناسبة ، هو الذي زعم زميلي أنني أخطأت فهمه في تعقيبه علي ، وسأوضحالأمر في التعقيب الثاني مستدلا بأقوال بول دفيز نفسه.
    إذن ثمة خطأ في الصيغةالتعبيرية لمفهوم العلة الأولى التي طرحها وانتقدها الزميل.
    ثالثا :
    من المعلوم لكل قارئ مهتم بتاريخ الفلسفة أن الاستهانة بمبدأ السببية وإنكاره يرجع إلىدفيد هيوم ، وقد ركز هيوم كثيرا على نقد استثناء الله من قانون العلية.
    لكن مشكلة دفيد هيوم هي أصلا مشكلة في مفهومه للسببية/العلية ،قبل أن تكون مشكلة في فهم مدلول الألوهية . فهو لا يعتقد بكينونة وجودية للسببية بل هي مجرد اقتران ، أو عادة ذهنية. وهي الفكرة التي سينزلق إليها كانط أيضا فيحول السببية إلى مقولة عقلية.
    وهنا يجب أن ننبه إلى أن في فلسفة دفيد هيومهشاشة واضحة لمقولة السببية التي هي عنده مقولة فكر لا مقولة وجود. بمعنى أنهاقانون ذهني لا قانون ينتظم الموجودات في صيغ تعالقها الأنطلوجي.( وفلسفيا ثمة فارقبين منظور الغزالي للسببية ومنظور دفيد هيوم ليس هذا مقام بسط القول فيه).
    ويمكنني أن أفهم عدم اهتمام دفيد هيوم بالسببية وعدم احترامه وتقديره لها. لكنلا يمكن أن نستسيغ من فزيائي عدم تقديره للسببية مثل بول دفيز.
    ولا أقول إندفيز لم يقدر مفهوم السببية إنما أقول إنه لم يفهمها فلسفيا . بل تجده ينطلق مماانطلق منه الزميل القبطان " لكل شيء سبب" ، ويحسب أن هذا هو الصيغة التي يطرح بهافي علم الكلام أو في الاستدلال الكوسمولوجي. وهذا خطأ منه.
    وقد كرره القبطان في مداخلته ،حيث نجده يعيد عبارة لكل شيء سبب أكثر من مرة ويحسب أنها هي القاعدة التي ينطلق منها الاستدلال على وجود الله. بينما القاعدة هي" لكل حادث سبب".
    قد يقال فما الفرق ؟


    أولا لكل علم لغته واصطلاحه ، وعندما يخطئ أحد في الاصطلاح عند أهل العلم والاختصاص ،فإنهم يعدونه منخارج العلم ولا يدرك لغته فضلا عن الاقتدار على نقده. فلو قلت مثلا إن "الحدس" هومعرفة مباشرة بلاوساطة من تجربة حسية ولا من استلالات وأقيسة عقلية. فهذا تعريفاصطلاحي دقيق ومقبول ،ويمكن أن ينطبق على مختلف الفلاسفة القائلين بالحدوسأوالمحددين لمدلولها. لكن تأمل معي لو قلت في وسط فلسفي وفي معرض الحديث عن كانطالعبارة التالية" إن الحدس معرفة مباشرة بلا وساطة من تجربة حسية..." ؟؟؟؟
    ماذاسيكون حالي عند أهل الأختصاص الفلسفي ؟؟ إنهم بكل بساطة سيكشفون أنني لا أعرف كانطالبتة ،لأنني أخطأت مصطلحيا خطأ فادحا في التعبير ،فالحدس عند كانط هو معرفة حسية.
    وهكذا تلاحظ أن الارتكاز على القول "إن لكل شيء سببا" هو مزلق في التعبيرالاصطلاحي.
    هذا من حيث الخطأ في التعبير و الاصطلاح . وللأمانة نقول إن كثيرامن الإخوة الدينيين يسقطون هم أيضا فيه.
    أما الخطأ من حيث معرفة معنى الاستدلال فأبينه بما يلي :
    عندما نتفق عن كون الكون حادث ، وعندما نرى العلم يشتغلبمقولة السببية ، وعندما يشتغل الملحد كما المؤمن في حياته اليومية وفق مقولةالسببية ،فإننا يجب علينا نحن جميعا مؤمنين وملحدين أن نحترم عقولنا ونعمل وفق مبدأالسببية ،فنتساءل : ما سبب الكون ؟ أي من أوجد هذا الكون الحادث؟
    الأجابةالمؤمنة إجابة عقلانية في تقديري ،فهي لا تقول بكون الكون أوجد نفسه وأحدث ذاته ،بالقول بأنه أوجده خالق مريد .
    هنا يطرح الفكر الالحادي اعتراضه :
    من خلق الله؟ويريد أن يطبق مبدا السببية عليه. وقد أجبتفي مداخلتي الأولى عن هذا السؤال.وأكتفي هنا فقط بالتذكير بأننا نقول لكل حادث سبب، وليس لكل شيء سبب. وبما أن الله ليس حادثا فهو ليس له سبب.
    وإذا اعترض الملحدبالقول "وما أدرانا أن الله ليس حادثا" ،نرد إذااعتبرناه حادثا فسنحتاج عندئذ إلى خالق له ، وإذا اعتبرنا هذا الخالق مخلوقا محدثا سنكون مضطرين للبحث عمن أحدثه وخلقه ،وهكذا دواليك حتى نصل إلى سبب أول غير حادث تقف عنده سلسلة العلل. وبذلك فقط نتجنب التسلسل المرفوض عقلا ، كما نتجنب الدور المرفوض عقلا.

    ولم أقرأ بعد أي نقد إلحادي معقول لدليل الأحتياج إلى العلة الأولى. ولقد قرأت مرارا كتاب "الدين الطبيعي" لدفيد هيوم ولم أزدد إلا اقتناعابدليل الأيمان ووجوب علة أولى لهذا الكون.
    واختلال النقد الإلحادي للأيمان واضححتى من ذاته سواء عند هيوم أو غيره من الفلاسفة مثل شوبنهور.

    وسيتضح لنامظهر من مظاهر هذا الاختلال في نقد زميلي القبطان لمبدأ السببية ،لننصت إليه يقول:



    اقتباس:


    ناهيك عن أن قاعدة "لكل شيء سبب" إنما استنتجناها من ملاحظاتناللظواهر ضمن الكون.
    وهذا يدخلنا في مشكلة الاستقراء، حيث قد نكتشف ظاهرة جديدةليس لها مسبب، فتسقط القاعدة وجميع استنتاجاتها.




    يكفي ما سبق دليلا على ضعف النقد الألحادي
    تأمل قوله
    اقتباس:

    "قد نكتشف ظاهرة ليس لها مسبب"



    إذن فرفض مبدأ نسيرعليه كلنا في يوميات حياته موقوف على احتمال ظني خلاصته قد نكتشف ظاهرة ليس لهاسبب؟؟؟

    وهنا أقول :
    إلى حين اكتشافها يبقى الواجب هو الاشتغال بمبدأ السببية ويبقى التفكير المؤمن هو التفكير المنسجم ، مع العقل ومع كينونة الوجود.
    .فمن الذي يقوم بالتفكير وفق أصول عقلانية ، هلالذي يستنتج من حدوث الوجود محدث له وفق قانون السببية أم الذي يرفض ذلك بدعوى احتمالية مفادها " حيث قد نكتشف ظاهرة جديدة ليس لها مسبب، فتسقط القاعدة وجميعاستنتاجاتها. "؟؟؟؟ !!!!


    ثم لما يحس الموقف الالحادي بضعف نقده لوجوبالعلة الأولى يريد أن يسلم بها ، لكن مع إلصاقها بكائن آخر غير الأله الخالق ، وهذابحد ذاته دليل على قوة الدليل الأيماني
    لنتأمل ما قاله محاوري:



    اقتباس:

    ولكن حتى في حال الموافقة جدلا على العلة الأولى (رغم عدم خبرتنابأي "علة أولى" حولنا)، فلا يوجد أي مبرر لافتراض أن "الله" هو تلك العلة الأولى.
    فالعلة الأولى كما يتم استنتاجها لا تظهر صفات أخرى تزيد عما يحتاجه ذلكالبرهان، فهي ليست بالضرورة واعية، عالمة أو مطلقة القدرة..الخ
    فقد يكون الكون،أو ظاهرة طبيعية أخرى، هو تلك العلة الأولى.




    أليس هذا أيضا دليل كاف على ضعف الموقف الألحادي؟
    فالعلة الأولى يتم نقدها بمجرد القول
    اقتباس:

    " قد لا تكون هذه العلة الألوى هي الله ، قد تكون هي الكون أوظاهرة طبيعية أخرى‍..."

    ؟؟؟؟؟؟

    فهل من المعقولنقد الاستدلال اللأيماني على العلة الأولى القائم على منطق محكم يتم به استبعادالتسلسل والدور المحال منطقيا بمجرد هذا القول ؟؟؟؟
    لكن رغم ذلك أجيب :

    إذا كان الموقف الألحادي يرفض أن تكون العلة الأولى التي أوجدت الكون هيخالق قادر مريد (الله)
    أرجو تحديد ماهية هذه العلة الأخرى البديلة حتى يصار إلىبحثها .
    لكن أعرف مسبقا لماذا يتم استبعاد التحديد ،لأن أي علة أخرى غير اللهتسقط الفكر الألحادي في مآزق .
    فالقول بأن الكون او الطبيعة علة ذاتها يسقطالفكر الألحادي في مأزقين اثنين :
    أولا إرجاع وجود الكون إلى ذاته.
    فيصبحأمام الفكر الألحادي سؤالا عصيا :
    كيف أوجد الكون ذاته من عدم ؟
    وهنا أريد من قارئي أن يتنبه جديا لهذا السؤال ليحسبمقدار اختلال الموقف الألحادي :
    لنستبعد وجود الله ، أي وجود الخالق.
    يبقىأمامنا هذا الوجود / الكون.
    هنا يجد الموقف اللاحادي المعاصر بعد اهتزازالنظرية الفزيائية القائلة بأزلية المادة أمام مأزق جديد ،حيث يصطدم فلسفيا بمقولةالعدم . فتخيلوا عدما مطلقا ثم وجد من هذا العدم وجود هائل هو هذا الكون.
    هليعقل هذا ؟؟؟ كيف ينبثق الكون من العدم ؟؟؟؟ كيف يوجد وجود من لاوجود؟؟؟
    أليساليونانيون في أقدم القدم كانوا حكماء عندما أعلنوا "لاشيء من لاشيء"؟؟؟؟
    قديقال إن مقولة اليونانيين هذه كانت مرتكزا للقول بقدم الهيولى.
    على فرض صحةمفهوم قدم الهيولى ،بل دعنا نساعد الموقف اللحادي فنقول له لنفترض أن الكون قديم،أي انفجر ثم تكرر الأنفجار على نحو لانهائي :
    إن المأزق الثاني الذي سيسقط فيهالموقف اللألحادي هو :كيف انتظم الكون مع أنه مادة غير عاقلة بذاتها؟
    ثم كيفوجدت الحياة من مادة سديمية غير حية؟
    ثم كيف من مادة غير عاقلة سينبثق العقلوالفكر (الأنسان)؟؟؟؟
    أسئلة ليس للموقف الألحادي أي جواب .


    دلالة التحولات الأبستملوجية المعاصرة:فزياء الكوانطا ونقدمفهوم الحتمية

    ولكي يتخطى الزميل القبطان إشكالية السببية ، ومأزقرفض العلة الأولى ينتقل إلى الأستعانة بالتطور العلمي والتحولات الأبستمولوجية التيمست مفاهيم العلم حيث يقول :
    اقتباس:

    في بداية القرن العشرين أظهرت التجارب الفيزيائية والنظرياتالحديثة لتفسيرها (النسبية، الكم)، تناقضات جوهرية مع المفاهيم المعتادة، طالتمفهوم السببية، ومفاهيم الزمان والمكان.
    بذلك أصبحت مقولة "لكل شيء سبب"، هيمجرد تعبير عن عادة فكرية من الحياة اليومية، ولكن لا يمكن تطبيقها بهذه البساطةعلى جميع الظواهر في الكون.



    وتعليقي على ما سبقألخصه في مجموعة من النقط النقدية :

    أولا إن الزميل القبطان في كلامه هذايخلط بين السببية والحتمية ، وسأوضح الأمر بشيء من التفصيل مع استحضار مواقفالعلماء واتجاهاتهم
    :
    أولا بالنسبة لنظرية الحتمية فإن البعض يطرحها وكأنهامسألة منفية من العلم الفزيائي المعاصر ،و كأن كل من قال بالحتمية فهو ينتمي إلى الفزياء الكلاسيكية ، الفزياء الجاليلية / النيوتونية ،وهذا ليس تصورا صحيحا ، ويكفيني هنا للتنبيه فيما يخص الخلاف حول الحتمية فيالفزياء المعاصرة أن أستحضر خلاف أينشتين وهوكنج.ثم إلى جانب الفزيائيين الذين يرفضون وجود حتمية في الظواهر الكونية مثل هيزنبرغ ولوي دوبروي في أبحاثه الأولى ،يمكن أن نضيف إليهم بعض الفلاسفة مثل إرنست ماخ و بريدجمان وديطوش ،نجد فزيائين وفلاسفة آخرين يرون أنه رغم التحولات التي مست مفاهيم الفزياء أن ثمة حتميةفي الكينونة الطبيعية ، مثل أينشتين وبياجيه وفاطاليت... الخ وهنا ينبغي أن نذكر بالصخب الذي أثارته الميكرو- فزياء ، بل وللرفض الذي جوبهت به مفاهيمها من قبلعلماء الفزياء أنفسهم. فأينشتين كلما سئل عن فزياء الكم إلا وأجاب " إن الله لا يلعب النرد" رافضا فكرة العشوائية رفضاشديدا. مؤكدا أننا نحن الذين " أسأنا فهم الطبيعة" .


    والقائلون بالحتمية يقولون إن الكينونة الطبيعية حتى داخل الذرة فيها حتمية ناظمة ،غير أننالم نصل بعد إلى الإمساك بها نتيجة ضعف أدوات القياس العلمي.ومن بين هؤلاء نجد لويدوبروي الذي قال مع هيزنبرغ باللاحتمية سنة 1925 سيتراجع عن قوله هذا في أخرياتحياته ويقول بوجود الحتمية .

    لكن قبل أن نقف عند الخلط بين السببيةوالحتمية ،لنتحدث أولا عن المجال الذي تنتفي منه الحتمية حسب بعض الفزيائيين ، وذلكحتى لا يبقى الأنطباع الخاطئ الذي يريد الموقف الإلحادي أن يوحيه لقارئه بأنالفزياء نفت الحتمية تماما.

    فأقول :
    عندما تنتقد الحتمية في الفزياءالمعاصرة فينبغي هنا أن نفهم محدودية مجال هذا النقد ودلالته.
    بالنسبة لمحدوديةمجال هذا النقد فأقصد به العالم الميكروسكوبي ، والعالم الأكبر ، ومن ثم فإن فزياءالكم لا تعطينا فهما لكل مجالات الكون ، وهنا أحيل على تجربة epr ( تجربة أينشتينوبولداسكي و رووزن ) التي جعلت إينشتين يقول بحق إن فزياء الكم لا تقدم فهما عاماوكاملا عن الوجود .
    وأعود إلى فزياء الكم ولنستحضر تجربة هيزنبرغ في إشكال موقعالألكترون وسرعته. لأقول :
    لقد أثارت ميكانيكا الكم كما هو معلوم انقلابا فيالأبستملولجيا الفزيائية ، فقد طرحت فزياء هيزنبرغ نقاشا مستفيضا في مبادئ الفزياءالنيوتونية وخاصة في مبدأ الحتمية. فأمام إشكالية قياس سرعة الالكترون وتحديد موقعهلم يجد هيزبرغ سوى تطبيق مبدأ اللاتعين. لأنه كلما اقتربنا من تحديد موقع الألكترونكلما ابتعدنا عن تحديد سرعته.
    لكن الخطأ الكبير الذي يرتكبه الفكر الألحادي في رده على مقولة السببية التي يستدل بها المؤمن على وجودمنظم للكون هو اعتباره أن مبدأ اللاحتمية يفيد انتفاء القوانين والسببية من حركة الطبيعة.
    وهنا أعود إلى شرودنجر وإلى هيزنبرج في حساب حركة الألكترونوموقعه. فأقول :
    هل بإمكان العلم اليوم تحديد موقع الألكترون ؟
    أقول : لا .
    إذن هل يجب الآن تطبيق نظرية العشوائية وقرينها الميتودولوجي أي لغة الأحصاء ؟
    أقول: نعم.
    لكن بعد هذا أقول :
    عندي سؤالثالث:
    هل عشوائية قياسنا واحتماليته في تحديد موقع الإلكترون يعني انتفاء السببية من البناء الذري ؟ هل يعنيعدم معرفتنا بدقة كاملة لقوانين انتظام الحركة الثاوية في الذرة أنها ليست لها قوانين ؟
    بالتأكيدلا،فالذرة كينونةمنظمة ، ونظرتنا إليها هي التي تفتقر إلى الانتظام ولو كانت غير منظمة ما انتظم مايتكون منها وهو كل هذه البناء الفيزيائي.
    إن النظرية العشوائية لا تعني انتفاءالسببية من الكون .

    النتيجة
    لذايبقى الإستدلال بمقولة السببية استدلال معقول ، والأحتجاجعليه بتطورات الفزياء المعاصرة احتجاج مردود يخفي اختلاله بالتباس مفهومي حيثيخلطها بالنقد الذي وجه لمبدأ الحتمية.
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  14. الرد الثانى لحاتم3
    --------

    بعد تحديدات و تعريفات أولية للإلحاد والأيمان انتقل الزميل القبطانإلى مناقشة وجود الله. ونحن ننتقل معه إلى هذه المناقشة دون الوقوف عند هذه التحديدات مع أن لدينا فيها رأيا،وذلك احتراما لطريقة ومنهج الزميل القبطان في طرح موضوعه فهو نفسه لم يركز على إشكالية التحديد ويؤسسه على منظور محدد ، حيث قال في معرض تعريفه للألحاد:
    اقتباس:

    لا يهمني في هذا السياق الأصل اللغوي للكلمة، أو التعريفاتالمتباينة لها، علاقتها بمدارس فكرية مختلفة، أو أن كلمات أخرى أقل شيوعا قد تكونأكثر دلالة



    هذا وإن كنت منهجيا أطلب من زميليومن كل ملحد أو مؤمن أن يعتني بموقفه ويعطي لأمر التحديد الدلالي قيمة فيبنيهويؤسسه على تصور واضح مقنع ...
    لنتابع نقدنا لمداخلة الزميل

    قصور المنهجية الحسية في التفكير في قضايا الألوهية


    يقول الزميل القبطان
    اقتباس:

    سنختار لهذا الحوار الاعتقاد الشائع بوجود الله..
    الزعم بوجودإله أو آلهة، هو زعم استثنائي بكل المقاييس.
    فلم ير أحد منا إلها في حياتهاليومية، ولا يعرف أحد شكل مثل هذا الإله، ملمسه، أو يستطيع التخاطب معه للتأكد منأفكاره حوله.




    وأرى أنه :
    بغض النظر عما فيكلام الزميل من نزوع نحو تسفيه موضوع الألوهية بقوله "لم ير أحد منا إلها في حياته"،وكأن الرؤية بجهازالعين تصلح أن تكون دليلا للاعتقاد أو عدمه، أقول : لو اعتمد مثل هذاالاستدلال حتى في المجال العلمي لتم شطب البناء المفاهيمي العلمي من أساسه،فلا أحد من العلماء رأى الجاذبية و لا أحد منهم رأي الألكترونولا الأثير ، ولا الطبيعة التموجية للضوء ، ولا طبيعته الذرية... و لا ...و... لا .. الخ
    ولكن إذا كان الزميل القبطان في مبتدأ كلامه يرتكز على منظورمنهجي وليس فقط على مجرد كلمة أطلقها عفويا ، فلا بد من مناقشة هذا المنظور المنهجي، ومن حقه تبنيه ومن واجبنا نقاشه فيه. لذا عليه أن يعلن هذا المنظور في مستقبلمداخلاته وعندها سأفصل القول في شأنه ،،،
    لكن يكفيني هنا أن أشير إلى فساد هذاالمنهج في التفكير بمصير الوضعية المنطقية عند أمثال فتجنشطين الذي انطلق من مفهوم المطابقة الحسية للمفاهيمفانتهى إلى ما انتهت إليه حلقة فيينا مع كارناب ورايشنباخحيث تم شطب قضايا الألوهية ،بل ومجمل البناء المفاهيم لثقافة البشرية بدءا بالحق والعدل وانتهاء بالجمال، وذلك بدعوى كونها ليس لها مدلول في الواقع الحسيتنطبق عليه ، ومن ثم فهي مفاهيم لغو يجب انتزاعها من المعجم !!! ولكن نعرف جميعاالمأزق الذي خلصت إليه الوضعية المنطقية حتى أسقطها في مواقف ساذجة مثيرة للسخريةفي الوسط الفلسفي ، وهذا ما وعاه فتجنشطين بذكاء الأمر الذي جعله يتراجع عن هذاالمنظور الحسي في التعامل مع المفاهيم،وإن لم يخلص به ذاك إلى الأيمان.
    لكن إذأذكر بهذا أود أيضا الأشارة إلى أن هذا المنهج منهج الرؤية والحس في قياس المفاهيموالنظر إلى الوجودهو منهج فاسد. لايقول به اليوم لا الفلاسفة ولا العلماء . ومن ثم فالقول بأن الله لم يره أحد ولم يلمسه أحد ليس بدليل يحتجبه ، لا فلسفيا و لا علميا ،فضلا عن دينيا.




    اقتباس:

    ولذلك فهذا الإعتقاد بحاجة إلى أدلة استثنائية لتبريره.
    .......
    على المؤمن بإله أو آلهة أن يبرر إيمانه بأدلة استثنائية.





    وهنا كنت أتمنى أن يعطي زميلي معنى الدليلالأستثنائي الذي يطالبنا بالأتيان به.
    فما معنى الدليل الاستثنائي ؟
    ثملنفترض :إذا كان ما جاء به الموقف الأيماني لم يرق إلى الدليل الاستثنائي ،فهل ماجاء به الموقف الألحادي يرقى إلى هذا النوع من الأدلة؟
    أو أن الأدلةالأستثنائية هي أدلة ضعيفة مهزوزة ، وأدلة الملحد غير استثنائية؟؟؟؟
    تساؤلاتنحتاج إلى أن نستعلم من زميلنا القبطان موقفه لكي نناقشه فيه عن بينة.
    لكن قبل ذلك أقول في سياق الحديث عن الأدلة :
    إن كان للموقف الأيماني أدلة – بغض النظرعن نوعها وقيمتها الابستمولوجية– فإن الموقف الألحادي ليس له أدلة على الأطلاق ،فهوفي مسلكه عادة ما ينحصر في نقد أدلة الأيمان.
    وهذا ما سنجد الزميل القبطان يقومبه هو أيضا ،لننصت إليه يقول :



    اقتباس:

    ويكفي لتبرير الموقف الإلحادي، أن أظهر ضعف هذه الأدلة وعدمتماسكها.
    بينما ليس من الضروري لتبرير الإلحاد بالمعنى الذي أقصده أن أبرهن علىعدم وجود هذه الآلهة.
    أو حتى تقديم تفسيرات بديلة.
    (البعض يسمي هذا الموقف "الإلحاد السلبي"، أو اللاأدرية المعرفية مع الإلحاد العملي)





    وجوابي :
    إن الكلام السابق هو بحد ذاته دليل على ضعف الموقف الألحادي ،لأنه لا يقدم دليلا ،بليقتصر على نقد أدلة الايمان. وهو اعتراف ضمني بوجود أدلة على الأيمان وعدموجودها على الالحاد.


    مفهوم المعجزة

    لنر هذا النقد لأدلة الأيمان واحدا تلو آخر :

    أول فكرة طرحها زميليهي المعجزة ، وإن كنت لم أجد مبررا كافيا لطرحها لأنها خارجة عن موضوع الأيمانبالله على الأقل في لحظة حوارنا هذا.

    حيث يقول :
    اقتباس:

    المعجزات والكوارث الطبيعية والظواهر الخارجة عن المألوف:
    هذاهو الدليل الأكثر رواجا في المعتقدات الشعبية لتبرير فكرة النبوة (القرآن معجزةمحمد)، أو تجسد الآلهة (المسيحية، الهندوسية).
    وهي أهم دليل على الإهتمامالمفترض الذي توليه الآلهة بالجنس البشري، والتخاطب معه والتدخل في مجرى حياتهوالتعامل مع سلوكه بالرضى أو الغضب.

    ولكن يكفيني عدم اعتراف المعتقدين بدينبمعجزات الأديان الأخرى، لكي نرى التأثير "المحلي جدا" لهذه المعجزات.





    عندي على ما سبق نقد منهجي، حيث أرى فيه اختلالا لأنه من حيث التصنيفالعلمي الدقيق ليس نقدا لدليل وجود الله ،بل هو نقد لدليل النبوة.فالمعجزة دليل علىالنبوة أكثر منها دليلا على الألوهية.
    والنبوة ليست موضوعنا ،بل إن موضوعنا هوإثبات وجود إله لهذا الكون، وعندما نكمله لنا أن نفتح موضوعا جديدا نعنونه ب"هلالقرآن كلام الله ؟" أو "هل محمد رسول الله؟ " أو نناقش مبتدأ الأمر ،أقصد "ماالحاجة إلى النبوة أصلا؟"

    نقد نقد أدلة الأيمان: مفهوم السببية

    لكن بعد هذا الانحراف نحو موضوع النبوة يدخل الزميلالقبطان في سياق الموضوع (نقد أدلة الأيمان) فيقول بادئا بنقد :
    اقتباس:

    العلة الأولى:
    "نظرا لأن لكل شيء سبب، فلا بد لهذه الأسباب أنتلتقي في سبب أول، هو الله".
    نقطة الضعف الأساسية هي أن افتراض وجود "سبب أول" ينقض الفرضية الأولى، وهي أن "لكل شيء سبب".
    بعد ذلك تبدأ دوامة طويلة، لتبريرالرغبة في استثناء الله من هذه السببية.
    فيصبح البرهان دائريا.
    أي عوضا عنالانطلاق من فرضية عامة، إلى استنتاج خاص.
    يتم تفصيل البرهان ليناسب النتيجةالتي يريد المؤمن التوصل إليها.




    وتعليقي على ماسبق هو :
    1- أولا :
    إذا كنت تعيب على المؤمن استثناء وجود الله من سبب وجودفأنتم تستثنون وجود الكون /العالم من سبب وجود.
    إذن فأنتم تتساوون مع المؤمن فياستثناء كائن من السؤال عن خالق له.
    المؤمن يستثني الله.
    وأنتم تستثنونالعالم.
    إذن فتلك الدوامة الطويلة التي تعيبونها على الموقف الأيماني لأستثناءالله من المخلوقية تسقطون فيها أنتم أيضا.
    فلماذا تستعجبون ؟
    2- ثانيا :
    يقوم نقد الزميل القبطان لمبدأ العلة الأولى على نقد مبدأ السببية لذا سنفصلالقول فيه على النحو التالي :
    2-1 إن التعبير الذي عبر به زميلي أي قوله :

    "نظرا لأن لكل شيء سبب"


    فيها اختلال في لغة الأصطلاح ،فنحن لا نقول "لكل شيء سبب" حتى يتم الرد علينا بالقول،فلماذا تستثنون الله من انطباق قانون السببية عليه؟
    بل نقول :"لكل حادث سبب ". وإذا قلنا "لكل شيء سبب"فمعناه لكل شيء حادث سبب.
    فالحادث أي الذي لم يكن منقبل ثم كان هو الذي يحتاج إلى من يحدثه ويخرجه من اللاوجود إلى الوجود.
    وأرى أنهذا الخطأ في التعبير هو ما سقط فيه بول دفيز نفسه ، وهو معذور كفزيائي في عدممعرفته بعلم اللاهوت واستدلالاته ولغته الاصطلاحية الخاصة ،ولعل هذا الخطأ فيالتعبير انتقل إلى الزميل القبطان من كتابات بول دفيز أو من غيره من الكتاب. وبولدفيز ، بالمناسبة ، هو الذي زعم زميلي أنني أخطأت فهمه في تعقيبه علي ، وسأوضحالأمر في التعقيب الثاني مستدلا بأقوال بول دفيز نفسه.
    إذن ثمة خطأ في الصيغةالتعبيرية لمفهوم العلة الأولى التي طرحها وانتقدها الزميل.
    ثالثا :
    من المعلوم لكل قارئ مهتم بتاريخ الفلسفة أن الاستهانة بمبدأ السببية وإنكاره يرجع إلىدفيد هيوم ، وقد ركز هيوم كثيرا على نقد استثناء الله من قانون العلية.
    لكن مشكلة دفيد هيوم هي أصلا مشكلة في مفهومه للسببية/العلية ،قبل أن تكون مشكلة في فهم مدلول الألوهية . فهو لا يعتقد بكينونة وجودية للسببية بل هي مجرد اقتران ، أو عادة ذهنية. وهي الفكرة التي سينزلق إليها كانط أيضا فيحول السببية إلى مقولة عقلية.
    وهنا يجب أن ننبه إلى أن في فلسفة دفيد هيومهشاشة واضحة لمقولة السببية التي هي عنده مقولة فكر لا مقولة وجود. بمعنى أنهاقانون ذهني لا قانون ينتظم الموجودات في صيغ تعالقها الأنطلوجي.( وفلسفيا ثمة فارقبين منظور الغزالي للسببية ومنظور دفيد هيوم ليس هذا مقام بسط القول فيه).
    ويمكنني أن أفهم عدم اهتمام دفيد هيوم بالسببية وعدم احترامه وتقديره لها. لكنلا يمكن أن نستسيغ من فزيائي عدم تقديره للسببية مثل بول دفيز.
    ولا أقول إندفيز لم يقدر مفهوم السببية إنما أقول إنه لم يفهمها فلسفيا . بل تجده ينطلق مماانطلق منه الزميل القبطان " لكل شيء سبب" ، ويحسب أن هذا هو الصيغة التي يطرح بهافي علم الكلام أو في الاستدلال الكوسمولوجي. وهذا خطأ منه.
    وقد كرره القبطان في مداخلته ،حيث نجده يعيد عبارة لكل شيء سبب أكثر من مرة ويحسب أنها هي القاعدة التي ينطلق منها الاستدلال على وجود الله. بينما القاعدة هي" لكل حادث سبب".
    قد يقال فما الفرق ؟


    أولا لكل علم لغته واصطلاحه ، وعندما يخطئ أحد في الاصطلاح عند أهل العلم والاختصاص ،فإنهم يعدونه منخارج العلم ولا يدرك لغته فضلا عن الاقتدار على نقده. فلو قلت مثلا إن "الحدس" هومعرفة مباشرة بلاوساطة من تجربة حسية ولا من استلالات وأقيسة عقلية. فهذا تعريفاصطلاحي دقيق ومقبول ،ويمكن أن ينطبق على مختلف الفلاسفة القائلين بالحدوسأوالمحددين لمدلولها. لكن تأمل معي لو قلت في وسط فلسفي وفي معرض الحديث عن كانطالعبارة التالية" إن الحدس معرفة مباشرة بلا وساطة من تجربة حسية..." ؟؟؟؟
    ماذاسيكون حالي عند أهل الأختصاص الفلسفي ؟؟ إنهم بكل بساطة سيكشفون أنني لا أعرف كانطالبتة ،لأنني أخطأت مصطلحيا خطأ فادحا في التعبير ،فالحدس عند كانط هو معرفة حسية.
    وهكذا تلاحظ أن الارتكاز على القول "إن لكل شيء سببا" هو مزلق في التعبيرالاصطلاحي.
    هذا من حيث الخطأ في التعبير و الاصطلاح . وللأمانة نقول إن كثيرامن الإخوة الدينيين يسقطون هم أيضا فيه.
    أما الخطأ من حيث معرفة معنى الاستدلال فأبينه بما يلي :
    عندما نتفق عن كون الكون حادث ، وعندما نرى العلم يشتغلبمقولة السببية ، وعندما يشتغل الملحد كما المؤمن في حياته اليومية وفق مقولةالسببية ،فإننا يجب علينا نحن جميعا مؤمنين وملحدين أن نحترم عقولنا ونعمل وفق مبدأالسببية ،فنتساءل : ما سبب الكون ؟ أي من أوجد هذا الكون الحادث؟
    الأجابةالمؤمنة إجابة عقلانية في تقديري ،فهي لا تقول بكون الكون أوجد نفسه وأحدث ذاته ،بالقول بأنه أوجده خالق مريد .
    هنا يطرح الفكر الالحادي اعتراضه :
    من خلق الله؟ويريد أن يطبق مبدا السببية عليه. وقد أجبتفي مداخلتي الأولى عن هذا السؤال.وأكتفي هنا فقط بالتذكير بأننا نقول لكل حادث سبب، وليس لكل شيء سبب. وبما أن الله ليس حادثا فهو ليس له سبب.
    وإذا اعترض الملحدبالقول "وما أدرانا أن الله ليس حادثا" ،نرد إذااعتبرناه حادثا فسنحتاج عندئذ إلى خالق له ، وإذا اعتبرنا هذا الخالق مخلوقا محدثا سنكون مضطرين للبحث عمن أحدثه وخلقه ،وهكذا دواليك حتى نصل إلى سبب أول غير حادث تقف عنده سلسلة العلل. وبذلك فقط نتجنب التسلسل المرفوض عقلا ، كما نتجنب الدور المرفوض عقلا.

    ولم أقرأ بعد أي نقد إلحادي معقول لدليل الأحتياج إلى العلة الأولى. ولقد قرأت مرارا كتاب "الدين الطبيعي" لدفيد هيوم ولم أزدد إلا اقتناعابدليل الأيمان ووجوب علة أولى لهذا الكون.
    واختلال النقد الإلحادي للأيمان واضححتى من ذاته سواء عند هيوم أو غيره من الفلاسفة مثل شوبنهور.

    وسيتضح لنامظهر من مظاهر هذا الاختلال في نقد زميلي القبطان لمبدأ السببية ،لننصت إليه يقول:



    اقتباس:


    ناهيك عن أن قاعدة "لكل شيء سبب" إنما استنتجناها من ملاحظاتناللظواهر ضمن الكون.
    وهذا يدخلنا في مشكلة الاستقراء، حيث قد نكتشف ظاهرة جديدةليس لها مسبب، فتسقط القاعدة وجميع استنتاجاتها.




    يكفي ما سبق دليلا على ضعف النقد الألحادي
    تأمل قوله
    اقتباس:

    "قد نكتشف ظاهرة ليس لها مسبب"



    إذن فرفض مبدأ نسيرعليه كلنا في يوميات حياته موقوف على احتمال ظني خلاصته قد نكتشف ظاهرة ليس لهاسبب؟؟؟

    وهنا أقول :
    إلى حين اكتشافها يبقى الواجب هو الاشتغال بمبدأ السببية ويبقى التفكير المؤمن هو التفكير المنسجم ، مع العقل ومع كينونة الوجود.
    .فمن الذي يقوم بالتفكير وفق أصول عقلانية ، هلالذي يستنتج من حدوث الوجود محدث له وفق قانون السببية أم الذي يرفض ذلك بدعوى احتمالية مفادها " حيث قد نكتشف ظاهرة جديدة ليس لها مسبب، فتسقط القاعدة وجميعاستنتاجاتها. "؟؟؟؟ !!!!


    ثم لما يحس الموقف الالحادي بضعف نقده لوجوبالعلة الأولى يريد أن يسلم بها ، لكن مع إلصاقها بكائن آخر غير الأله الخالق ، وهذابحد ذاته دليل على قوة الدليل الأيماني
    لنتأمل ما قاله محاوري:



    اقتباس:

    ولكن حتى في حال الموافقة جدلا على العلة الأولى (رغم عدم خبرتنابأي "علة أولى" حولنا)، فلا يوجد أي مبرر لافتراض أن "الله" هو تلك العلة الأولى.
    فالعلة الأولى كما يتم استنتاجها لا تظهر صفات أخرى تزيد عما يحتاجه ذلكالبرهان، فهي ليست بالضرورة واعية، عالمة أو مطلقة القدرة..الخ
    فقد يكون الكون،أو ظاهرة طبيعية أخرى، هو تلك العلة الأولى.




    أليس هذا أيضا دليل كاف على ضعف الموقف الألحادي؟
    فالعلة الأولى يتم نقدها بمجرد القول
    اقتباس:

    " قد لا تكون هذه العلة الألوى هي الله ، قد تكون هي الكون أوظاهرة طبيعية أخرى‍..."

    ؟؟؟؟؟؟

    فهل من المعقولنقد الاستدلال اللأيماني على العلة الأولى القائم على منطق محكم يتم به استبعادالتسلسل والدور المحال منطقيا بمجرد هذا القول ؟؟؟؟
    لكن رغم ذلك أجيب :

    إذا كان الموقف الألحادي يرفض أن تكون العلة الأولى التي أوجدت الكون هيخالق قادر مريد (الله)
    أرجو تحديد ماهية هذه العلة الأخرى البديلة حتى يصار إلىبحثها .
    لكن أعرف مسبقا لماذا يتم استبعاد التحديد ،لأن أي علة أخرى غير اللهتسقط الفكر الألحادي في مآزق .
    فالقول بأن الكون او الطبيعة علة ذاتها يسقطالفكر الألحادي في مأزقين اثنين :
    أولا إرجاع وجود الكون إلى ذاته.
    فيصبحأمام الفكر الألحادي سؤالا عصيا :
    كيف أوجد الكون ذاته من عدم ؟
    وهنا أريد من قارئي أن يتنبه جديا لهذا السؤال ليحسبمقدار اختلال الموقف الألحادي :
    لنستبعد وجود الله ، أي وجود الخالق.
    يبقىأمامنا هذا الوجود / الكون.
    هنا يجد الموقف اللاحادي المعاصر بعد اهتزازالنظرية الفزيائية القائلة بأزلية المادة أمام مأزق جديد ،حيث يصطدم فلسفيا بمقولةالعدم . فتخيلوا عدما مطلقا ثم وجد من هذا العدم وجود هائل هو هذا الكون.
    هليعقل هذا ؟؟؟ كيف ينبثق الكون من العدم ؟؟؟؟ كيف يوجد وجود من لاوجود؟؟؟
    أليساليونانيون في أقدم القدم كانوا حكماء عندما أعلنوا "لاشيء من لاشيء"؟؟؟؟
    قديقال إن مقولة اليونانيين هذه كانت مرتكزا للقول بقدم الهيولى.
    على فرض صحةمفهوم قدم الهيولى ،بل دعنا نساعد الموقف اللحادي فنقول له لنفترض أن الكون قديم،أي انفجر ثم تكرر الأنفجار على نحو لانهائي :
    إن المأزق الثاني الذي سيسقط فيهالموقف اللألحادي هو :كيف انتظم الكون مع أنه مادة غير عاقلة بذاتها؟
    ثم كيفوجدت الحياة من مادة سديمية غير حية؟
    ثم كيف من مادة غير عاقلة سينبثق العقلوالفكر (الأنسان)؟؟؟؟
    أسئلة ليس للموقف الألحادي أي جواب .


    دلالة التحولات الأبستملوجية المعاصرة:فزياء الكوانطا ونقدمفهوم الحتمية

    ولكي يتخطى الزميل القبطان إشكالية السببية ، ومأزقرفض العلة الأولى ينتقل إلى الأستعانة بالتطور العلمي والتحولات الأبستمولوجية التيمست مفاهيم العلم حيث يقول :
    اقتباس:

    في بداية القرن العشرين أظهرت التجارب الفيزيائية والنظرياتالحديثة لتفسيرها (النسبية، الكم)، تناقضات جوهرية مع المفاهيم المعتادة، طالتمفهوم السببية، ومفاهيم الزمان والمكان.
    بذلك أصبحت مقولة "لكل شيء سبب"، هيمجرد تعبير عن عادة فكرية من الحياة اليومية، ولكن لا يمكن تطبيقها بهذه البساطةعلى جميع الظواهر في الكون.



    وتعليقي على ما سبقألخصه في مجموعة من النقط النقدية :

    أولا إن الزميل القبطان في كلامه هذايخلط بين السببية والحتمية ، وسأوضح الأمر بشيء من التفصيل مع استحضار مواقفالعلماء واتجاهاتهم
    :
    أولا بالنسبة لنظرية الحتمية فإن البعض يطرحها وكأنهامسألة منفية من العلم الفزيائي المعاصر ،و كأن كل من قال بالحتمية فهو ينتمي إلى الفزياء الكلاسيكية ، الفزياء الجاليلية / النيوتونية ،وهذا ليس تصورا صحيحا ، ويكفيني هنا للتنبيه فيما يخص الخلاف حول الحتمية فيالفزياء المعاصرة أن أستحضر خلاف أينشتين وهوكنج.ثم إلى جانب الفزيائيين الذين يرفضون وجود حتمية في الظواهر الكونية مثل هيزنبرغ ولوي دوبروي في أبحاثه الأولى ،يمكن أن نضيف إليهم بعض الفلاسفة مثل إرنست ماخ و بريدجمان وديطوش ،نجد فزيائين وفلاسفة آخرين يرون أنه رغم التحولات التي مست مفاهيم الفزياء أن ثمة حتميةفي الكينونة الطبيعية ، مثل أينشتين وبياجيه وفاطاليت... الخ وهنا ينبغي أن نذكر بالصخب الذي أثارته الميكرو- فزياء ، بل وللرفض الذي جوبهت به مفاهيمها من قبلعلماء الفزياء أنفسهم. فأينشتين كلما سئل عن فزياء الكم إلا وأجاب " إن الله لا يلعب النرد" رافضا فكرة العشوائية رفضاشديدا. مؤكدا أننا نحن الذين " أسأنا فهم الطبيعة" .


    والقائلون بالحتمية يقولون إن الكينونة الطبيعية حتى داخل الذرة فيها حتمية ناظمة ،غير أننالم نصل بعد إلى الإمساك بها نتيجة ضعف أدوات القياس العلمي.ومن بين هؤلاء نجد لويدوبروي الذي قال مع هيزنبرغ باللاحتمية سنة 1925 سيتراجع عن قوله هذا في أخرياتحياته ويقول بوجود الحتمية .

    لكن قبل أن نقف عند الخلط بين السببيةوالحتمية ،لنتحدث أولا عن المجال الذي تنتفي منه الحتمية حسب بعض الفزيائيين ، وذلكحتى لا يبقى الأنطباع الخاطئ الذي يريد الموقف الإلحادي أن يوحيه لقارئه بأنالفزياء نفت الحتمية تماما.

    فأقول :
    عندما تنتقد الحتمية في الفزياءالمعاصرة فينبغي هنا أن نفهم محدودية مجال هذا النقد ودلالته.
    بالنسبة لمحدوديةمجال هذا النقد فأقصد به العالم الميكروسكوبي ، والعالم الأكبر ، ومن ثم فإن فزياءالكم لا تعطينا فهما لكل مجالات الكون ، وهنا أحيل على تجربة epr ( تجربة أينشتينوبولداسكي و رووزن ) التي جعلت إينشتين يقول بحق إن فزياء الكم لا تقدم فهما عاماوكاملا عن الوجود .
    وأعود إلى فزياء الكم ولنستحضر تجربة هيزنبرغ في إشكال موقعالألكترون وسرعته. لأقول :
    لقد أثارت ميكانيكا الكم كما هو معلوم انقلابا فيالأبستملولجيا الفزيائية ، فقد طرحت فزياء هيزنبرغ نقاشا مستفيضا في مبادئ الفزياءالنيوتونية وخاصة في مبدأ الحتمية. فأمام إشكالية قياس سرعة الالكترون وتحديد موقعهلم يجد هيزبرغ سوى تطبيق مبدأ اللاتعين. لأنه كلما اقتربنا من تحديد موقع الألكترونكلما ابتعدنا عن تحديد سرعته.
    لكن الخطأ الكبير الذي يرتكبه الفكر الألحادي في رده على مقولة السببية التي يستدل بها المؤمن على وجودمنظم للكون هو اعتباره أن مبدأ اللاحتمية يفيد انتفاء القوانين والسببية من حركة الطبيعة.
    وهنا أعود إلى شرودنجر وإلى هيزنبرج في حساب حركة الألكترونوموقعه. فأقول :
    هل بإمكان العلم اليوم تحديد موقع الألكترون ؟
    أقول : لا .
    إذن هل يجب الآن تطبيق نظرية العشوائية وقرينها الميتودولوجي أي لغة الأحصاء ؟
    أقول: نعم.
    لكن بعد هذا أقول :
    عندي سؤالثالث:
    هل عشوائية قياسنا واحتماليته في تحديد موقع الإلكترون يعني انتفاء السببية من البناء الذري ؟ هل يعنيعدم معرفتنا بدقة كاملة لقوانين انتظام الحركة الثاوية في الذرة أنها ليست لها قوانين ؟
    بالتأكيدلا،فالذرة كينونةمنظمة ، ونظرتنا إليها هي التي تفتقر إلى الانتظام ولو كانت غير منظمة ما انتظم مايتكون منها وهو كل هذه البناء الفيزيائي.
    إن النظرية العشوائية لا تعني انتفاءالسببية من الكون .

    النتيجة
    لذايبقى الإستدلال بمقولة السببية استدلال معقول ، والأحتجاجعليه بتطورات الفزياء المعاصرة احتجاج مردود يخفي اختلاله بالتباس مفهومي حيثيخلطها بالنقد الذي وجه لمبدأ الحتمية.
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  15. تكملة رد حاتم3
    ---------
    ولكي أوضح - لأي قارئ مهما كان تكوينه المعرفي بعيدا عن حقل الفزياء - معنى الخلط الذي وقع فيه زميلي بينالحتمية والسببية ،سأفسر دلالة الحتمية وانتفائها من المجال الكمومي ، ثم أنتقل إلىخارج هذا المجال بمثال واضح أستمده من الظاهرة المناخية لأبرهن أن نقد الحتمية لايعني نقد السببية فأقول :

    أولا ما مدلول الحتمية في الفزياء:

    إن الحتمية ترتبط بالتوقع أو التنبؤ. فعندما تجتمع هذهالعوامل لابد حتما وأن تحدث هذه الظاهرة. فالحتمية في االعمق مدخل للتنبؤ. هذا هوالتعريف المقبول فيزيائيا. رغم كونه يثير عند التطبيق الكثير من الاشكالات.
    أرجو أن نحتفظ بهذا المعنى ولننتقل إلى ما يلي:
    على مستوى الأجراء والتطبيقنرى أن مبدأ الحتمية صعب إجرائيا ، وذلك لأن بنية الكون مترابطة. وكما يقول لوي دوبروي "إن حركة أصغر الذرات يمكن أن تتأثر بحركةأبعد الكواكب" ومادام الأمر كذلك " فان التوقع الصارم بظاهرة ما تقع مستقبلا قديقتضي مبدئيا معرفة حالة الكون الراهنة معرفة تامة ، وهذا ما لا يمكن تحقيقه ."
    بمعنى أن الحتمية في تطبيقها الفزيائي مسألة تحوطها صعوبات ،ليست آتية من كونالعالم لا ينتظم بأسباب بل لأنه منظم على نحو جد معقد تتداخل فيه عوامل أكثر من أنتعد أو تحصى ، لذا فنحن نجهل مكونات وطرائق هذا النظام. أي هو بينة مترابطة متأثربعضها ببعض ، ونحتاج من ثم لفهم ظاهرة معينة أن نفهم مجموع البنية وهذا ما لم يصلإليه العلم اليوم.
    وفي حقل الكوانطوم يصعب علينا في الظرف الراهن لتطور العلمأن نصل إلى تطبيق الحتمية ،بل ربما لن يصل العلم نتيجة التركيب الخاص للذرة وتعقدهاإلى ذلك في الأفق القريب لتطور الفيزياء. والذي يبدو هو أن نظام الذرة يخالف تماماالمقاييس والمفاهيم التي اشتغلت بها الفيزياء لحد الآن. ولذا لا مناص عند العلماءمن اعتماد علاقات الارتياب عند هيزنبرغ ، ونظرية العشوائية.

    لكن يجب الوقوفعند هذه العشوائية . لنتساءل : هل الطبيعة في مجالها الكمومي تسلك وفق اللامبدأ أو لنقل تسلك عشوائيا بدون أسباب ؟
    أولا في المجال الكمومي لم نستطع بعد تطبيق مبدأ الملاحظة بمدلوله القائم على حياد الذات ( أشير هنا فقط إلى أن معرفة الألكترون تحتاح إلى تدخل الذات / العالم بإثارته كهربياوهنا مس بحيادية الذات بمدلولها الجاليلي أيضا ،أي الشرط الإبستمولوجي الكلاسيكي للموضوعية). كما أن طبيعة مكونات المجال الكموميمجهولة ، فلحد الآن لا نعلم هل نأخذ بالطبيعة التموجية أم بالطبيعة الذرية المنفصلة، وأعجب من هذا أن كلا الفرضيتين (التموجية أو الذرية ) تنطبق في المجال الأجرائي ،الأمر الذي أشعر الفزيائيين بغرابة الموضوع المدروس وشدة تعقيده !!!!
    إنالعشوائية هي حسب بعض الاجتهادات المطروحة في حقل إبستمولوجيا علم الفزياء هي نتاجلعدم معرفة مزدوجة :
    فهي نتاج عدم الأحاطة بالمجال المدروس بكافة متغيراته ،ومن أهم أسبابها ضعف أدوات القياس والملاحظة.
    والسبب الثاني هو عدم القدرة علىالأمساك بالمنطق الذي تشتغل به الطبيعة الكونية في هذا المجال. فالفزياء اليوم لاتزال تتلمس الطريق إلى منهج في التفكير والمقاربة ينسجم مع المجال الكمومي .
    ونفس الازدواجية تطرح على المجال الأكبر أيضا .


    وهذا ما يدفع الفزياء المعاصرة إلىالتخلي عن مفهوم الحتمية في المجال الكمومي، والاستعاضة عنه بمنظورات منهجية بديلة تقوم على حساب الاحتمالوعلاقات الارتياب.
    لكن هنا نطرح السؤال حتى يتضح لنا بجلاء الخلط الذي وقع فيهالزميل القبطان :
    هل يعني غياب الحتمية انهيار مفهوم السببية ؟؟
    لا أبدا.
    وأوضح :
    لنأخذ التجربة المناخية نموذجا :
    من المعروف أن التنبؤ بحالة الطقس يعتمد على استحضار أسباب وتوقع حركة التيارات المناخية.
    لكن لا زال علمالمناخ إلى الآن لا يستطيع أن يضع تنبؤا حتمي الوقوع ،لذا فلا حتمية في علم المناخ. ولا نستطيع أن نقول بأن التنبؤ العلمي هو حتمي وذلك لكثرة المجاهيل . لكن حتى لوأحصيناها فإننا سنضطر وقتها أيضا لاصطناع لغة الاحتمال :
    لأنه مهما كانت هذهالمجاهيل معروفة فإن فعلها غير متوقع تماما ،فكما يقال لو رفرفت فراشة في اليابان فإن الاهتزاز البسيط الذي تحدثه في الهواء قد يحدث إعصارافي جزر الكرايبي،أي أن مقدار ذلك الأهتزاز هو تلك النقطة التي ستفيض الكأس،أي ينضاف ذلك الاهتزاز البسيط فينتج الاعصار.
    فهل لا وجود للحتمية في علم المناخ؟
    نعم لا وجود لها.
    لكن السؤال الذي يطرح هوهل يعني هذا غيابا للسببية؟ هل يعني هذا أن الأمطارتنزل بدون أسباب ؟ هل إذا عجزنا عن استجماع جميع المتغيرات والتنبؤ بحركتها ، معناهأن الطبيعة لا تسلك وفق السببية ؟؟؟
    لا ،أبدا إن الطبيعة خاضعة لقوانين وأسباب، ولكننا نحن العاجزون عن حساب جميع متغيراتها بدقةلتكتمل لنا شروط تحقيق التوقع بمعناه الحتمي.
    وهكذا نلاحظ أن ارتكازالزميل القبطان على التحولات التي مست مفهوم الحتمية مع فزياء الكم لنقد مفهومالسببية ارتكاز يقوم على خلط والتباس.


    دفاع عن دليل الغائية والنظام


    ثم ينتقل إلى نقد دليل النظام والغائية فيقول :
    اقتباس:

    الغائية:
    أو حجة التصميم.. الانتظام في حركة كواكب المجموعةالشمسية، مناسبة الأرض للحياة البشرية، تناسب أعضاء الجسم الإنساني ليعيش حياته.
    ألا يظهر ذلك قصدا وإرادة لتتلائم هذه الأمور بهذا الشكل؟
    وما هو البديل؟

    مشكلة الغائية هو أنها دليل قائم على التشابه. يرى المؤمن الانتظام فيالكون، فيقارنه بالانتظام الذي تحققه الأدوات التي اخترعها الانسان لتناسب حاجته،فيقوم بتصميمها حرفي حاذق، يضع مخططا وتصورا في تفكيره، قبل أن ينفذه مستخدمامهارته اليدوية.
    فيستنتج من ذلك أن إلها قام بعمل مشابه، .......



    يبدو دليل الغائية مجرد حالة من "الإسقاط النفسي"، ومن بقايا "روحانيةالطبيعة" التي ترى في كل الجمادات روحا، يمكن للإنسان مخاطبتها والتعامل معهاباستجداء رضاها وتجنب غضبها.




    وأتسائل :
    هل حقا الغائية مجرد إسقاط نفسي ؟ أم لها وجود في الواقع ؟
    هل هي مجردتفكير خرافي أم استدلال عقلي منطقي ؟؟

    إن جوابي على كلام الزميل القبطان يتلخص في مسلكين استدلاليين :
    الأول :
    البرهنةعلى أن الغائية تقوم على تفكير عقلي . وليس على الاسقاط النفسي ، فمفهومالأسقاط هنا قد يحيل إلى نوع من الأنيميزم أو حتى الأنثربومورفيزم ، وهو إيحاء يريدبه زميلي القبطان أن يجعل التفكير بالغائية تفكيرا غير عقلاني بل هو تفكير خرافي.
    والثاني : هو أن الغائية موجودة داخل كينونة العالم ، وتفسيرها من قبل الموقف الألحادي يجعله هو الذي يسقط في الأنيميزم بكل ماتدل عليه من خرافية !!!


    وأوضح مع البرهنة والاستدلال :
    من خلال كلام الزميل القبطان نلاحظ مسلكا في التفكير الألحادي خلاصته التهرب من المجال الذي للعلم فيه قول أقرب إلى اليقين- بمدلوله العلمي لا بمدلوله الوثوقي -إلى مجالات أدق كمجال الميكروفيزياء التي لا تزال معطياتها مجهولة ولا تزال محط بحث ومراجعةواحتمال ثم يبني على المجهول موقفا معلوما وهو انتفاء الغائية ومن ثم القولبالالحاد،
    بينما يكفي لوضع الدليل أن يتساءل المؤمن تجاه ما يلاحظ من ظاهرةالنظام في الكون : من فاعل هذا النظام؟؟؟
    من هو مصمم الكون؟؟؟
    ومن حقالمؤمن أن يطلب من الملحد إجابة معقولة.
    ومن حق المؤمن أن يرفض الاجابة الملحدة القائلة بأن هذا الانتظام الكوني نتج صدفة ،لأنها بكل بساطة إجابة غير معقولة. لأنالصدفة لا تنتج نظاما .
    وهنا نحن أمام أمر يحتاج إلى تأمل لأدراك استحالةالصدفة . أو لنقل لأدراك لامعقوليتها.
    لقد قرأت لأحد الزملاء الملحدين قوله أنالإنفجار الكوني بكل صدفويته هو الذي خلق النظام الكوني .
    هذا القول المستغربيحتاج إلى أن نقتنع به أن يجيبني الملحد على أكثر من استفهام نقتصر على التساؤلالتالي:
    1- كيف وجدت مادة الكون التي حدث فيها الأنفجار ؟؟؟؟ما أو من الذي أوجدها ؟
    2- إن أمر وجود النظام والحياة فيالكون صدفة أمر غير معقول البتة، لأنه قد نقبلوجود شيء مفرد بالصدفة ، ولكن الظاهرة الكونية هي أكبر من أن تكون ظواهر معدوداتانتظمت صدفة.


    أما مسألة الصدفة كخالقة للنظام والحياة بفعل انفجاريفهذا أمر غير مقبول حتى بالنسبة لأولى لحظات تكون الكون،أي للحظة بدايته ،بل إن العلم يتحدث عن الثانية الأولى للأنفجار بوصفه كانلحظة حرجة تحتاج إلى نظام دقيق . ففي الثانية الأولى للأنفجار كان لابد من حسابمسبق لسرعة التمدد ،فلو كانت هذه السرعة أقل من جزء من مليون مضروب في مليار جزء لانهار الكون حول نفسه . ولو كان التسارع أعلى مما كان عليه لتناثرت المادة الأولية للكون ولما انتظمت منها كواكب ومجرات ... فهل من الصدفة أنيحدث من فعل الإنفجار هذه الدقة المتناهية إلىدرجة لو أن سرعة التفجير كانت أقل منجزء واحد مضروب في مليار جزء لأنهار الكون؟؟؟؟؟

    هذا عن فعل الانفجار أما لودخلنا في حساب احتمالات تخلق ADN ووجود الماء وانبثاق الحياة فالأمر لايحتملهالحساب الرياضي أصلا!!!!!

    إذن إن التفسيرالإيماني الذي يقول بوجود خالق عالم مريد هو الذي صمم هذا الكون تفسير معقول ومقبولعقلا ،بينما التفسير الألحادي الذي يرجع ظهور الكون وانتظامه المذهل إلى فعل الصدفة تفسير لامعقول.
    هذا فيما يخص البرهنة على كون مبدأ النظام والغائية يقومعلى تفكير عقلي. لا على إسقاط نفسي.
    أما استدلالي الثاني فهو الاستدلال على كونالموقف الألحادي هو الذي يجعل القائل به يسقط في الأنيميزم أو الأنثربومورفيزم.
    وأشرح المصطلح قبل بلورة الدليل:
    إن الأنيميزم هو إسقاط الوعي والشعور علىالظاهرة الطبيعية. أو بعبارة أخرى إنه أنسنة الطبيعة.والأنيميزم هوحالة طفولة الوعي البشري.فالطفل عندما يسقطه الكرسي يقوم بضربه. وهو يعتقد أنهأن الكرسي يحس بالضرب والتأنيب !!!!
    وعلى الرغم من كون بعض علماء الأديانيرجعون بعض الديانات البدائية إلى نزعة الأنيميزم،فإنني أجد الألحاد المعاصر في تعليله لظاهرة الغائية والتنظيم في الكون يسقط مضطرا في هذه النزعة حتى يتخلص من القول بوجود خالق عالم مريد .
    كيف ذلك ؟
    ما دليلي على كون الموقف الألحادي ينزلق إلى الأنيميزم ، أي إلى هذه الحالة الطفولية في التفكير؟



    إن إنكاروجود الخالق يجعل العالم الملحد يسقط في مأزق التفكير الخرافي رغما عنه ، وذلكعندما يصطدم بدلائل الغائية في الوجود ويحاول تفسير هذه الغائية ،لنتأمل مثلا تفسيرلامارك لظهور القرون في بعض الحيوانات :

    لقد فسر لامارك ظهور قرون عند بعضالحيوانات بوجود شعور داخلي يسكن الكائن الحيواني ،شعور يسكن كينونته العضوية. فيجعل هذه الكينونة تفرز وتكون من الأعضاء ما يحتاجها الكائن !!!
    أنظر كتابه (Philosophie zoologique, , p.234).
    كيف ظهرت قرون فوق رؤوس بعض الحيوانات؟
    ليس الجواب عند لامارك أنه مجرد فعل صدفوي بل ثمة وعي يسكن العضوية الحيةيجعلها تفرز ما تفرزه !!! شعور أدرك الحاجة إلى تخلق القرون فتم إفراز مادة تكوينهافي موضع الرأس بالضبط وليس في موضع آخر!

    أليس هذا نوع من الأنيميزم ، أليس هذا إضفاء للوعي على الظاهرة المادية والعضوية؟؟ أليس هذا تعبيرا عن سقوط في الوعي الطفولي ؟ ألا يتساوى هذا التفكير "العلمي" مع تفكير الطفل الذي يضرب الكرسي ويؤنبه؟
    إن السلوك الغائي لظواهر الوجود نفسرها بوجود خالق عالم نظمها ،واستثناء وجود الخالق يجعل بعض التوجهات الإلحادية مضطرة لتفسير الغائية بوجود وعيساكن داخل كينونة الوجود.
    لنأخذ مثالا آخر قد يبدو مبتذلا ،لأنه يعرفه الجميع ،لكنني أكتب مداخلتي هذه ليستفيد منها الجميع، وبالتالي أحرص على إيضاح نقاطهابأمثلة متداولة.
    المثال الذي أقصد هو سلوك الدجاجة في تفريخها للبيض ،ففي هذاالمثال البسيط ما يكفي لنفهم مأزق الموقف الألحادي في محاولته تفسير الغائيةالملحوظة في ظواهر الكون والحياة.
    وأوضح :
    من بين الحدوس العلمية ما خطرلأحد العلماء فيي القرن التاسع عشر حين تساءل لماذا نترك الدجاجة تحتضن البيضبطريقتها الطبيعية ؟ لماذا لا نسرع عملية الأنتاج فنستفرخ البيض بلا حضانة الدجاجوذلك بوضع البيض تحت نفس الحرارة التي يحصل عليها عندما تجلس عليه الدجاجة .
    وكذلك كان ، فوضع البيض تحت التجربة ففشلت ولم تفقس بيضة واحدة.
    وهنا نبهه أحد المزارعين العاملين في المزرعة بأنه لم يستحضر كل عناصر التجربة فالدجاجة خلالالحضانة لا تعطي الحرارة للبيض فقط ، بل تقوم أيضا بحركة غريبة وهي قلب البيضبرجليها بين لحظة وأخرى .
    وفي الوهلة الأولى رفض العالم أن يقوم بقلب البيض ؟لأن الدجاجة حسب تصوره تقلب البيض من أجل إعطاء الحرارة لكل ناحية فيها ، أما هوفلا يحتاج لذلك لأنه أصلا أحاط البيض بجهاز يشع بحرارة ثابتة تشمل كل أجزاء البيضة . واستمر هذا العالم في إعادة التجربة مرات ، وينتهي إلى الفشل في كل مرة ، ثم كانأن حدث أحد زملائه بالتجربة ،فحدس هذا الأخير سبب الفشل في كونه إذا لم يقلب البيضفسيموت الكتكوت لأن الجاذبية الأرضية تجذب الغذاء/الحرارة ، فتترسب المواد الغذائيةفي الجزء الأسفل من جسم الفرخ ، فإذا ظل دون قلب و تحريك فإن أوعيته تتمزق.
    فتلك العملية الغربية التي تقوم بها الدجاجة هي الطريقة الوحيدة لتخطي مشكلالجاذبية .
    وأعاد التجربة وقام بقلب البيض فنجحت حيث تم تفقيس البيض بنجاح. ومنه نتج لنا هذا الدجاج الأبيض...
    فهل يمكن إنكار الغائية في سلوك الدجاجة هذه؟
    وهل بإمكاننا أن نفسر : من أين للدجاجة أن تفهم جاذبية نيوتن؟

    نحنأمام تفسيرين :
    التفسير الألحادي وهو أن الدجاجة تسلك صدفة.
    لكن هذا التفسير لا يقبله العقل،لأن الصدفة لا تتكرر على هذا النحو المنتظم والدائم.
    ولا يمكن القول بأن الدجاجة واعية بما تفعل وإلا سيسقط الموقف الألحادي في موقفمضحك . وهو ما أسميته بموقف الأنيميزم التي ينزلق إليها الإلحاد.
    ثم كيف تعيالدجاجة ما تفعل ونحن لا نرى طريقة اكتسابها لهذا الوعي ، فالدجاجة حتى ولو لم ترغيرها من الدجاج يقوم بهذا السلوك فإنها تهتدي إليه بذاتها تلقائيا ودون تجربة ولا "تفكير".
    يبقى التفسير المعقول :
    هو أن ننسب هذه الغائية في سلوك الدجاجةإلى وجود خالق مريد عالم وضع الكون وصممه ونظمه . وهيأ لاستمرار الحياة شروطاوعوامل وقوانين محكمة.


    نقد التبريرات الإضافية
    ثم بعد هذا ينتقل الزميل القبطان إلى تبريرات إضافية للموقفالألحادي :
    اقتباس:

    رابعا:
    تبريرات إضافية للموقف الإلحادي:

    دليل تناقض الأديان:
    إذا كانت الغاية الإلهية هي "هداية" البشر إلى دين الإسلام، فقد فشلتفي ذلك بشكل غريب.
    فالإسلام نفسه انقسم إلى فرق مختلفة لا تتفق بينها على الكثير، وتصعب علي رؤية الغاية الإلهية وراء ذلك.
    ومن سكان الأرض ليس أكثر منسدسهم على دين الإسلام (ولو على الهوية).
    والسبب الرئيسي في ازدياد عددالمؤمنين بالإسلام إنما هو نسب الولادة المرتفعة في المناطق الجغرافية التي تمإخضاعها لحكم إسلامي خلال القرون الإسلامية الأولى.

    بينما تغيير الناسلدينهم (إلى الإسلام أو إلى غيره)، عملية لا علاقة لها بالاقناع أو الإقتناع فيمعظم الحالات.
    بذلك تبدو الطريقة السائدة لتنفيذ المخطط الإلهي لنشر الدين، عبركثرة الأولاد، أو عبر حروب وفتوحات حصلت في الماضي البعيد ثم توقفت وتراجعت، فكرةغريبة جدا.

    إن كان يريد هدايتهم ومكافأة أكبر عدد منهم لعبادتهم له، خصوصاعن اقتناع عميق، فلماذا يعتمد على هذه الطريقة الغريبة؟
    هناك طرق أبسط من ذلكبكثير.. خصوصا اليوم في عصر العولمة.
    كأن يستخدم التلفزيون، فيحجز جميع الأقنية، كل يوم، في ساعة محددة، ويخاطب البشر بما يحتاجونه (مثلا يتلو لهم القرآن).. دون أن يكون هناك تفسير طبيعي لما يحدث.

    الطريقة الحالية تنتجمليارات من البشر الذين لا خيار لهم إلا الذهاب إلى الجحيم لنقص الأدلة المقنعة (رغم "إقامة الحجة عليهم حسب المفهوم الشرعي")، فهي لا تتناسب مع الآليات النفسيةللبشر عند اعتناق الأديان أو تغييرها..





    أولاحقيقة استغربت هذه الطريقة في التفكير من الزميل القبطان الذي عهدت فيه مستوى أرفعبكثير من هذا الاعتراض القائم على أن يحتل الله جميع القنوات الفضائية في توقيتواحد ليسمع الناس القرآن ، وأنه إذا لم يفعل ذلك فلا إيمان به.
    وكأن الأيمانبالله يحتاج إلى هذا النمط من الإشعار بوجود الله.
    لكن لا أريد تسفيه هذاالاستدلال أدبا مع زميلي .
    ولذا سأنتقل إلى تفسير مسألة شيوع الكفر وقلةالمؤمنين بالأسلام.
    لقد ربط الزميل القبطان هذا بالحساب ثم بنى عليه الموقفالألحادي.
    والحق عندما نراجع القرآن الكريم نجد أن خلق آدم في حوار الله معالملائكة كانت الغاية منه هو وجود كائن جديد يختلف عن الملائكة الذين بطبعهم لايعصون الله ما أمرهم. فكان الأنسان كائنا فيه قابلية الكفر وقابلية الأيمان. أييمكن أن يسلك سبيل الشر ويمكن أن يسلك سبيل الخير.
    فلديه القدرة على الأختيار.
    لذا لوشاء الله لجعل الناس كلهم مؤمنين.
    ولكن إرادة الله جعلت للناس حريةالأختيار ،فمن شاء أن يؤمن يؤمن ومن شاء الكفر يكفر.
    أما الحساب ،فأمره لله ،ولكن عدم تدين الناس بالاسلام لا يعني بالضرورة تعذيبهم لقول القرآن"وما كنا معذبينحتى نبعث رسولا"
    فحسابهم إذن مرهون بوصول الرسالة إليهم وصولا لا غبش فيه ،وعلى نحو يتحقق به البيان.
    ومن بين المذاهب الاسلامية التي لها قول في شأنالحساب ، المذهب المعتزلي الذي يقول بأن الله سيحاسب هؤلاء الأقوام - التي لم تصلهارسالة الوحي - بحسب رسول العقل. بمعنى أن في العقل قدرة على التقبيح والتحسين. فذلكالنرويجي أو ذلك الصيني ... الذي لم تصله الرسالة النبوية يحاسب بحسب العقل ،فإذاقتل وسرق وظلم واعتدى... فتلك مساوئ يقر بقبحها العقل ، ومن ثم سيحاسبه الله عليها. وذاك الذي يعطف على الفقراء ويرحم من في الأرض ويسهم في خير الأنسانية بالعلموالحكمة فذاك سلوك خير سيجازيه الله...هذا باختصار موقف الأعتزال...
    ورغم كونيلست معتزليا ، ورغم أنه لدي شخصيا أفكار أخرى في شأن هذا الموضوع فلا أجده متعلقابشكل مباشر بالاستدلال على وجود الله .لذا نحتاج هنا إلى حصر الموضوع والتحقق مناستكماله أولا قبل بحث مسائل النبوة والقدر والحساب ...الخ لكن رغم ذلك أرى فيماسبق مؤشرات للجواب .
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •