النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: لغتنا الجميلة .. هموم مُدَرّسـة

  1. #1

    لغتنا الجميلة .. هموم مُدَرّسـة


    إحبّائي الأَعِزّاء ، كتبت إحدى تلميذاتنا الفاضلات منذ مُدّة هذه المقالة المُؤثّرة التي ما زالت تُبْكي عيني وَ فُؤادي كُلَّما عاوَدتُ فيها النظَر ، فَاستحسَنْتُها ، وَ انشرح خاطري لأُطلِعَ عليها أحباب منتدانا العزيز ، كما هي بلا استدراك و لا تعقيب ، لصدق عفويّتها ، قالت جزاها الله خيراً :

    هُمُومُ يَعْرُبيّ ...
    بِيَراعَةِ يَعْرُبِيَّةٍ، مُغْتَرِبَةٍ أَبِيَّة... حَرَّرْتُها على عَجَلٍ و اللَيْلُ قَد سَجى، و أَرسَلْتُها على خجلٍ في صميم الدُجى، من غير تَنْقيحٍ و لا رَوِيَّة، و أطلقتُها كما جاءَت على السَجِيَّةِ ... عَسى أَنْ تكونَ أَصْدَقَ مَوْقِعاً وَ أَصفى طَبَعِيّةً، فَأَرجُو المعذرة لِبعض الإضطراب و التكرار ... وَ كانَ المطلوب أَنْ تَكُونَ مُبَسَّطَةً للغاية، لأَنَّ المقصود (في الأصل) كان إرسالُها لأولياءِ تلامِذَةِ مَدرَسَتِنا (في بلدةٍ من أُوستراليَه) نَتَوَخّى حَضَّهُم على مزيد العناية و الإهتمام لترغيب أولادهم بتعلُّم العربيّة بِشَوقٍ و حِرص وَ هِمَّةٍ و احتساب، و لكن أبَى فارسُ الفِكْرَةِ إلاّ أَنْ يُطْلِقَ لِفَرَسِ القَلَمِ العِنان في ميدان الطُروس، ليبقى اللِسانُ العرَبِيُّ في كُلِّ جلْوَةٍ أَبْهى من العروس...
    و ما كانَ بَعدَهُ ثلاثُ نُقَطٍ هكذا: "..." فَلِعَجْزِ لِسانِي عَنْ بَقِيَّةِ ما تَدَفَّقَ لَيْلَتَها على جَنانِي من فُيُوضِ الهُمُومِ و المعاني، و لِقُصُورِ عِبارتِي عَمّا ازْدَحَمَ في خَلَدي مِنْ تَقاوُدِ جَحافِلِ الخواطِرِ و الأَفكار... و قد كان من نِيَّتِيْ و أنا أَكْتُبُها أَن يكونَ عُنوانُها "عَظَمَة العَرَبِيَّة"، و لكِن لَمّا اقتَصَرْتُ أَثناء الكتابة على تقييد الخاطرات، غير مدعمَةٍ بالشواهد و الأَدِلَّةِ من الآثار و الأقوال و العِبَر و الروايات، (و ما زالت قَيْدَ التَرميم و التتميم)، سَمَّيْتُها هكذا و أَرْسلْتُها كما هي فقُلْتُ:
    " لُغَتُـنا الجَميلةُ " :
    ... لَطالَما كُنْتُ أَتَشَوَّفُ بُرهَةً من الزَمَنِ وَ يُعاوِدُني التَطَلُّعُ بين آونةٍ و أُخرى إلى استكشافِ بعضِ الأسرارِ التي تَكْمُنُ وَراءَ اعتلاءِ اللُّغَةِ العربيّةِ عرْشَ السيادةِ بيْنَ سائرِ اللُّغاتِ و احتوائِها على رايَةِ الْمَجْدِ في ميادينِ الإنسانيّة و حضاراتِها وَ أُحاوِلُ أَنْ أسْتَشِفَّ أسرارَ جمالِها و حيويَّتِها، و كيفَ أنَّها الوَحيدَةُ التي إستمَرَّت على مَرِّ العصور محتفظةً بأصالتها و جِدَّتِها وَ رَوْنَقِها الخَلاّب إلى اليَوم مَعَ خصائصَ فَرِيدَةٍ جَعَلَتْها مُتَمَيِّزَةً في طليعَةِ اللُغات الحيَّةِ في العصر الحديثِ مِنْ بَيْنِ سائِرِ اللغات القديمة التي بادَ أكثرُها أو تَحَرَّفَ مُعظَمُها عَبْرَ الأزْمانِ الغابرة... فوجَدْتُ مِنْ ذلكَ مِيْزاتٍ كثيرةً تَفَرَّدَتْ بِها وفاقت كافَّةَ الأَلْسُنِ: مِنْ أبْرَزِها تِلْكَ الغَزَارَةُ المُدهِشَةُ في المادَّةِ من حيثُ وَفْرَة المفرَدات وَ تَعَدُّد الصِيَغِ مع تمام الترابط و إنضباط القَواعِدِ فضلاً عن سلاسة الألفاظ لسهولة النطق وحلاوة الوَقْع لتناسُب الحروف و مخارجها في الكلمةِ و حَرَكاتِها .. و امكان كمال التبيين مع وجازة العبارة، إلى خَصائص عِدّةٍ من كثرةِ تَنَوُّع أساليب التعبير بِها و وُجوه المعاني، ثُمَّ كِفايَتها العجيبة لإستيعابِ جميع المواضيع بِصُنُوفِها، كتَهَيُّؤِها لِلإعرابِ عَنْ حقائِقِ الكَوْنِ و شُمُولِها لِكافّةِ مُتَطَلَّبات الحضارات على إختلافها بِما أثبتَتهُ عبر العصور و الأزمنةِ المتطاولة من تمام صُلُوحِها الباهرِ للوَفاءِ بسائر ما يُعوِزُ من المصطلحات العلميَّة قديماً و حديثاً في شتّى الميادين و ما قدْ يَطْرَأُ مِنْ حاجَات... كلُّ ذلكَ على أَتَمِّ وجهٍ وَ بأصدَقِ تَعبير و أدقِّ تَصْوِيْر. و قدْ يَسْتَشْكِلُ ذلكَ قاصرٌ غير مُطَّلِعٍ، وْ يستَعْصِيْ تَصَوُّرُ هذه الحقيقةِ على مَنْ تَعَمَّقَ، و لِلأسَفِ، في لُغاتٍ أُخرى دُونَها في الفخامة و الإستيعاب، و تَمَرَّسَ فيها، قَبْلَ أَنْ يَتَبَحَّرَ في علومِ العربيّةِ و عُبابِها، و ظلمَ نَهْمَتَهُ بتوانيه في خوض لُجَّةِ معاجم لغاتِها العامرة و دواوين آدابِها الزاخرة، و لَمْ يتنعَّم بِلَذَّةِ تفصيل الوصف وَ وَصف التفاصيل عند العرب بما يُقضى منه العَجَب...
    و لا يَخفى أنَّ اللغة التي يَتَكلَّمُها الفَردُ أو المجتَمَعُ من بَنِي الإنسان هي مِنْ أبرز عناصرِ شخصِيَّةِ ذلك الفرد و مِنْ أَهَمِّ المُقَوّمات التي تُمَيِّزُ بُنْيَةَ ذلك الْمُجتَمَع، بَلْ مِنْ أظْهَرِ خصائِصِهِ. كما أنَّه باتَ كَالمُسَلَّم عند العُلَماء، و أضحى معروفاً لدى الدارسين و الخُبَراء، و أهلِ التجرِبة من الباحثين في التربيةِ و الإجتِماعِ و أَحوالِ النُجَبَاءِ، لا سِيَّما في ميادين اللغاتِ المَحكِيَّةِ وَ الأَعرافِ المَرْعِيَّةِ، أنَّ الذي يكُونُ بارِعاً في لُغَتِهِ الأُمّ يُرجى أنْ يَكونَ بارعاً أيضاً في ما يَتَعَلَّمُ من لُغَةٍ ثانِيَةِ إذا تلقّاها بالإهتمام وَعلى الوَجْهِ الصحيحٍ. ولا سِيَّما مَنْ كانَ من أهل اللسانِ العربيِّ فَإِنَّهُ كُلَّما ازدادَ إتقاناً لِلُغَتِهِ الأُمِّ و صارَ أَشَدَّ تَمَكُّناً في مَلَكَةِ التعبير بِها، ضليعاً في مَعارِفِها، وافِر الثَراءِ مِنْ مَوادِّها، وافِيَ الغَنَاءِ في مُفرَداتِها، بارِعاً في استعمالِ صِيَغِها العَدِيْدَةِ مَلِيّاً من فُنُونِ أساليبها المُتَنَوِّعَةِ عارِفاً بِمَقاصِدِها بصيراً بمصادر الكلام و مواردِهِ، قَوِيَّ التَصّرُّفِ على وجه الصواب حَتَّى غَدا ماهِراً في تَكَلُّمِها فَصِيحَ اللِسانِ بَلِيغَ الجَنَانِ،أقول كُلَّما ازداد من ذلك، تَيَسَّـرَ لهُ، إذا تعَلَّمَ لُغَةً أُخْرىْ بِطَرِيقَةٍ سَلِيمَةٍ، أنْ يَكونَ أبْرَعَ في تلك اللغةِ و أقوى في تَكَلُّمِها و أمهَرَ في التعبيرِ بِها و التَصَرُّفِ فيها مِنْ أُولئِكَ الذين لم يُحسِنُوا لُغَتَهُم الأصلِيَّةَ و لَمْ يُعيرُوها كثيراً مِنْ اهتمامِهِمْ و لم يُنْعِمُوا النظَرَ في مَوادِّها و لم يُمْعِنوا في إستِخراجِ كُنُوزِها و إستنباطِ مَعِينِها و إستِكْشافِ نِفائِس الجواهرِ مِنْ مُدَّخَراتِ مُخَبَّآتِها، لا سِيَّما لُغَةٌ عَظِيمَةٌ جليلةٌ كَلُغَتِنا العَرَبِيَّةِ الجَميلَةِ.
    فَحَرِيٌّ بنا مَعْشَرَ بقِيَّةِ العَرَبِ العَرْباء، وَ صُبابَةَ الشُّمِّ الصِبَاحِ مِنْ ذَوِي القِمَمِ العَلْياء وَ مُرْتَقِي ذُرَىْ المَجْدِ مِنْ المَفَاخِرِ القَعْساءِ، التي فاقت الثُرَيّا وَ زَهَتْ عَلَى الجَوْزاءِ، أنْ نَزدادَ حِرصاً على إتْقانِ هذه اللُغَةِ الأثيرةِ الحبيبةِ ، و على التَضَلُّعِ مِنْ مَعينِ فُيُوضِها العَذْبَةِ و اجتِناءِ أطايبِ الثِمارِ و اقْتِطافِ أرِجِ الأزْهارِ مِنْ رِياضِها البَهيجَة الغَنَّاء، و أنْ نَفِيَ بِأَمانَةِ المُحافَظَةِ علَيْها في حُلَّتِها الفاخِرَةِ البَهِيَّةِ و طَلْعَتِها الباهِرَةِ السَنِيَّةِ، كما وَفَّى بذلِكَ أجدادُنا الطاهِرونَ و أسلافُنا الماهِرونَ الَّذِينَ أفْنَوا في حِفْظِها و التَنافُسِ لِخِدمَتِها نَفائِسَ الأنفاسِ وَ جلائِلَ الأوقاتِ، وَ قَضَوا عَزيزَ الأَعمارِ وَ الآجال، و أنْفَقُوا التَليدَ و الطَرِيفَ مِنْ كَرَائِمِ الأَمْوالِ، وَ جَدّوا وَ أجادوا في الجمعِ و التَأْليف وَ اجْتَهَدُوا وَ تَفَنَّنوا في الإستخلاصِ و التصنيف، فَأَثْمَرَتْ جُهُوْدُهُم خِضَمّاً زاخِراً من المُخْتَصَرات و المُطَوَّلاتِ التي أضْحَتْ غُرَّةً مِنْ جَليل المآثِرِ و مَحاسِنِ الأَعمال، فَأنْجَزُوا وُعُوداً غَدَتْ مِنْ غَنائِمِ الآمال، حتّى أَدَّوا إِلَينا هذه الأمانَةَ العَزيزَةَ الغالِيَةَ، و أدرَكْنا العَرَبِيَّةَ على فِطْرَتِها الأصلِيَّةِ وَ جِدَّتِها النَقِيَّةِ غَضَّةً طَرِيَّةً يانِعَةً جَنِيَّةً، مَحْفُوظَةً مِنْ إفْكِ الزَيْفِ وَ التَزْيِيْفِ سالِمَةً مِنْ مُشْكِلاتِ التَصحيفِ و مُعْضِلاتِ التَحرِيفِ ، فما غادَرُوا مَعْتَباً للائِمٍ و لا تَرَكُوا عُذْرَاً وَ لا حُجَّةً لِناقِدٍ و لا ناقِم. فَلا يَلِيْقُ بِأَبْناءَ الكِرامِ اليَومَ أَن يُخَيِّبوا مِنْ أسْلافِهِمُ الآمال و يَغْفَلوا عَنْ مَسؤولِيَّتِهِمْ في حَقِّ النَشْءِ الجَديدِ و قادِمِ الأجْيالِ. و لا يَسَعُنا، بَلْ لا بُدَّ مِنْ أَنْ نَجِدَّ في السَيْرِ قُدُمَاً في العِنايَةِ بِهذا التُراثِ العَظيم، الزاخِرِ بالآثارِ الجليلَةِ و المَآثِر النبيلَةِ التي قَصُرَتْ عَنْ أَوْجِها شامِخاتُ القِمَمُ و قَصَّرَتْ عَنْها أَكْثَرُ الهِمَمِ وَ حَسَدَنا عَلَيها سائِرُ الأَمَمِ، وَ مَنْ سَدّد الخُطَى وَ جَدَّ في السَيرِ فَيُرْجَى أَنْ يَصِلَ و يَتَقَدَّمَ، فَيَحمَدَ السُرى عِنْدَ الصَباح و لا يَتَحَسَّرَ وَ يَنْدَمَْ...
    وَلِلْحَديْثِ بَقِيَّةٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .....
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  2. #2
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إنصاف بنت محمد الشامي مشاهدة المشاركة

    ... ... و لكِن لَمّا اقتَصَرْتُ أَثناء الكتابة على تقييد الخاطرات، غير مدعمَةٍ بالشواهد و الأَدِلَّةِ من الآثار و الأقوال و العِبَر و الروايات، (و ما زالت قَيْدَ التَرميم و التتميم)، سَمَّيْتُها هكذا و أَرْسلْتُها كما هي فقُلْتُ: " لُغَتُـنا الجَميلةُ " : ... لَطالَما كُنْتُ أَتَشَوَّفُ بُرهَةً من الزَمَنِ وَ يُعاوِدُني التَطَلُّعُ بين آونةٍ و أُخرى إلى استكشافِ بعضِ الأسرارِ التي تَكْمُنُ وَراءَ اعتلاءِ اللُّغَةِ العربيّةِ عرْشَ السيادةِ بيْنَ سائرِ اللُّغاتِ و احتوائِها على رايَةِ الْمَجْدِ في ميادينِ الإنسانيّة و حضاراتِها ... ... لا بُدَّ مِنْ أَنْ نَجِدَّ في السَيْرِ قُدُمَاً في العِنايَةِ بِهذا التُراثِ العَظيم، الزاخِرِ بالآثارِ الجليلَةِ و المَآثِر النبيلَةِ التي قَصُرَتْ عَنْ أَوْجِها شامِخاتُ القِمَمُ و قَصَّرَتْ عَنْها أَكْثَرُ الهِمَمِ وَ حَسَدَنا عَلَيها سائِرُ الأَمَمِ، وَ مَنْ سَدّد الخُطَى وَ جَدَّ في السَيرِ فَيُرْجَى أَنْ يَصِلَ و يَتَقَدَّمَ، فَيَحمَدَ السُرى عِنْدَ الصَباح و لا يَتَحَسَّرَ وَ يَنْدَمَْ ... ... وَ لِلْحَديْثِ بَقِيَّةٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .....
    من جملة ما وَرَد في خطورة الجهل باللسان العربيّ تَمَثُّل أسلافنا الصالحين بِقَوْلِ مَنْ قال لمن حَرَّف معانيَ القرآن بسوء فهمه: " مِنَ العُجْمَةِ أُتِيْتَ يا أَخا خُراسان " و قول كثيرٍ من سادتنا السلف الصالح رحمهم الله تعالى: " ما تَزَنْدَقَ مَنْ تَزَنْدَقَ في المَشْرِقِ إلاّ لِجَهْلِهِم بِلِسانِ العَرَبِ " و قول سيّدنا الحسن البصريّ رضي الله عنه في المُبْتَدِعةِ: " أَهْلَكَتْهُمُ العُجْمَةُ " و قول سيّدنا الإمام الشافعيّ رضي الله عنه: " ما جَهِلَ الناسُ و لا اختَلَفُوا إلاّ لِتَرْكِهِم لِسانَ العَرَبِ "...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  3. بارك الله فيك أختنا الفاضلة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •