النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الإِنْبَاءُ بِمَحَاذِيرِ تَصْوِيرِ الصَّحَّابَةِ والأنبياء

  1. الإِنْبَاءُ بِمَحَاذِيرِ تَصْوِيرِ الصَّحَّابَةِ والأنبياء

    هذه المقالة الّتي كتبت غرضها أن تبيّن بالحجج العقليّة مساوئ تصوير الصّحابة والأنبياء عليهم السّلام.
    لطفي خيرالله

    بسم الله الرّحمن الرّحيم


    الإِنْبَاءُ بِمَحَاذِيرِ تَصْوِيرِ الصَّحَّابَةِ والأنبياء

    بقلم لطفي خيرالله

    بسم الله الرّحمان الرّحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يوسف. 111.
    ****
    إنّه من المعلوم أنّ مسألة هل يجوز تصوير الأنبياء والصّحّابة هي من مباحث الفقه، وهو يكاد يكون الإجماع حاصلا بين فقهاء أهل السّنّة على المنع إلاّ من شَذَّ مِمَّنْ ليس بذي بال. أمّا أنا ففي هذه المقالة اليسيرة فإنّما أَرُومُ أن أُدَلِّلَ أنّ العقل أيضا هو يَعْضُدُ هذا الحكم، وأُظْهِرَ كيف أنّ تصوير تلكم الذَّوَاتِ الشّريفة أو المقدّسة إنّما تَلْزَمُ عنه آثَارٌ تكون بِعَيْنِهَا مُبْطِلَةً للغاية من ذِكْرِهَا ووجودها، ومُنَاقِضَةً لها.
    تُوجَدُ في الحكمة قاعدة معروفة مضمونها أنّ كلّ شيء في الطّبيعة فَذُو مَقْصُودٍ؛ ولو أُرْسِلَ على سَجِيَّتِهِ، ولم يَضْبِطْهُ ضَابِطٌ، أو يمنعه مانع، فإنّه يطلب مقصوده إلى الغاية، ويغيب فيه، وينصرف ألبتّة عن كلّ معنى غيره. ومن الأمور الأخرى فيها المعروفة أيضا أنّ مَلَكَاتِ الإنسان اُلْمَعْرِفِيَّةِ البَيِّنَةِ ثلاث: الحسّ، والخيال، والعقل. أمّا الحسّ فَيَطْلُبُ الموضوع الجزئيّ الحاضِرَ على أنّ الحسّ هو مُنْفَعِلٌ عن الموضوع؛ وأمّا الخيال فيطلب الموضوع الجزئيّ الغَائِبَ على أنّ الخيال هو الفاعل للموضوع، وأمّا العقل فيطلب المعاني الكلّيّة المجرّدة عن كلّ تَعَيُّنٍ تَعَيُّنٍ. والفرق بين الحسّ والخيال، أنّ الأوّل يُعْطِي الوَاقِعَ، والواقع هو الّذي يُوجِبُ حُكْمَهُ على الحسّ، والموضوع في الحسّ إنّما يَحْضُرُ بِلَحْمِهِ ودمه، والحسّ إنّما يكون تَابِعًا للموضوع؛ أمّا في الخيال، فعلى الخِلاَفِ، بل الموضوع يُعْطَى على أنّه غير حاضر، تَابِعًا للخيال، واقعا تحت حكمه، لا يُقَاوِمُهُ أدنى مقاومة، لِذَلِكَ جَازَ لِلْخَيَالِ أن يَنْبَسِطَ إلى ما لانهاية، ولا يَلْفَى أيّ عناء في تناوله للأشياء، ويكون فيه الموضوع تابعا للإرادة. إذًا فَمَقْصُودُ الخيال الدّقيق هو أن يخلع على العالم معنى اللاّوجود، وهو أشبه بالفعل السّحريّ الّّذي يَقْلِبُ مَثَلاً العصا إلى خَيْطٍ، فَمَطْلُوبُهُ أن يَقْلِبَ الحاضر إلى اللاّحاضر.
    وَإِذْ ذَكَّرْنَا بِذَلِكَ، فَأَنْتَ سَتَكُونُ على بَيِّنَةٍ أَتَمَّ لِمَ قِيلَ في الحكمة بأنّ اُلْمَلَكَةَ الذَّائِقَةَ للأمور الفنيّة إنّما هو الخيال، وأنّ الفنّ إنّما هو مُتَعَلَّقُ الخيال، كما أنّ هذا الجبل الّذي أنا على قِمَّتِهِ هو مُتَعَلَّقُ الحسّ، والمعنى الرّياضيّ المجرّد هو مُتَعَلَّقُ العقل. وَسَتَعْلَمُ أيضا لِمَ كان الفنّ مُتْعَةً للمَرْءِ، ويُحْتَاجُ إليه في الحياة بين الحين والحين لإِجْمَامِ النّفس، ورَفْعِ العَنَاءِ، وذلك لأنّا حينما نَحْيَ بالحسّ، فَإِنَّا ندخل تحت حُكْمِ الواقع، ونكون مَقْهُورِينَ به، ولو اسْتَمَرَّ هذا القهر بلا انْقِطَاعٍ، فَسَنُرْهَقُ، ونَمَلُّ، وتَمْرَضُ نُفُوسُنَا. لذلك فإنّا نَفْزَعُ إلى الخيال الأشْبَهِ بالطَّلْسَمِ السّحريّ الّذي يَقْلِبُ العالم القَاهِرَ لنا بِحُضُورِهِ، إلى عَالَمٍ غير حاضر، نَتَصَرَّفُ فيه بإرادتنا كما نشاء، ونُوَسِّعُ فيه أو نُضَيِّقُهُ كما نشاء بلا أدنى عناء، فَنُصِيبُ فَتْرَةًً من الانبساط، والرّاحة، واللاّتقيّد.
    ولِمُعْتَرِضٍ أن يقول وكيف تَصِفُونَ بأنّ مُتَعَلَّقَ الخيال هو الفنّ، وفي ضَرْبٍ منه مثلا، كَالتَّمْثِيلِ، على عبارة اليوم الخاطئة في اللّغة، بل الأصحّ أن نقول التَّمَثُّلُ، كالمسرح، أو الفلم، فإنّ اُلْمُمَثِّلِينَ، والأصَحُّ أن نقول اُلْمُتَمَثِّلِينَ*، إنّما هم أشخاص بِعَيْنِهِمْ من لحم ودم وليسوا من صُنْعِ الوَهْمِ، وإذَا ما شاهدناهم يَتَمَثَّلُونَ فلا نَسْلَبُ عنهم معنى الوجود ألبتّة. فأنا لو أخذت مَقْعَدِي في مسرح لأُشَاهِدَ مسرحيّة عنترة ابن شدّاد، فإنّي سأرى شَخْصًا يُقَالُ له فريد شوقيّ، ورؤيتي له إنّما تَجِبُ عليّ على جِهَةِ الحُضُورِ، لا على جهة سَلْبِ الوجود عنه، بل إنّه ما لَمْ يَحْضُرْ فريد شوقيّ، لَمْ يَحْضُرْ عنترة بن شدّاد.
    والجواب مِنْ نَفْسِ الجزء الأخير من الاعْتِرَاضِ، فالموضوع المسلوب عنه الحضور والّذي هو مُتَعَلَّقُ الخيال، ليس فريد شوقيّ، بل عنترة بن شدّاد، إذ أنّ عنترة بن شدّاد لو كان حاضرا حضورا أَصِيلاً يكون مُتَعَلَّقَ الحسّ، لَحَضَرَ بِذَاتِهِ، ولَمَا نَابَ عنه فريد شوقيّ، إذًا فافْتِقَارُهُ إليه لكي يَحْضُرَ هو، لَدَلِيلٌ قَاطِعٌ على أنّه ليس بِحَاضِرٍ، بل غَائِبٌ؛ وأنا حينما أنظر إلى فريد شوقيّ الّذي هو موضوع الحسّ، لا يمكنني أن أرى عنترة الغائب إلاّ إذا خَرَجْتُ من فعل الحسّ إلى فعل الخيال اُلْمُنْبَنِي على الفعل الأوّل، واتَّخَذْتُ مَادَّةَ فريد شوقيّ لا على أنّها مَقْصُودَةٌ بذاتها، بل على أنّها ذَرِيعَةٌ لِلْوُصُولِ إلى عنترة بن شدّاد الغائب. ولكن ليس يعني ذلك أَنْ ليس للمادّة الحاضرة تَأْثِيرًا في إِحْضَارِ الموضوع الغائب، وأنّ الأمر كُلَّهُ لَمَوْكُولٌ إلى تَأْوِيلِنَا وفعلنا. على معنى أنّه لَنَا أن نَتَّخِذَ أَيَّ موضوع لِيَكُونَ ذَرِيعَةً لإحضار أي موضوع غائب، كما لو أنّي قد اتَّخِذُ مَثَلاً جُرَذًا لأُحْضِرَ القذّافي الغَائِبَ. بل إنّ الموضوع الحاضر به الغائب لا بدّ من أن يكون قد تَهَيَّأَ فيه الشَّكْلُ أو الفعل، حتّى يُسَاعِدَنَا على إحضار الغائب، وذلك كلّ حقيقة الخيال. فمثلا ليس يكفي لِفَرِيدِ شوقي أن يَحْضُرَ بين أيدينا ثمّ يخاطبنا: "يا مشاهديّ انطلقوا بخيالكم، واجعلوا عنترة يَحْضُرْ فِيَّ"، بل لا بدّ من أن يقوم هو بأفعال، وحركات، ويقول أقوالا، تُهَيِّئُ كلّها لِحُضُورِ عنترة فيه، وتُسَاعِدُ الخيال لأن يرى ذلك الفارس العَبْسِيَّ ظاهرا وهو غائب. إذًا فَلِلْمَادَّةِ حُكْمٌ على الصّورة الخياليّة، وإنّه ما فيها من صفات أو خِصَالٍ، فقد يَسْرِي لا محالة إليها أيضا.
    ثمّ إنّ الموضوع الحاضر في غيابه، أو الصّورة الخياليّة قد تكون من ضربين: فإمّا أن يكون الموضوع قد اُعْتُقِدَ وُجُودُهُ، ولم يُعْرَفْ، كاعتقادنا بوجود عنترة، ولكن لم نره عِيَانًا أو نَسْتَوْفِ مَعْرِفَتَنَا به سَمَاعًا؛ أو أن يكون الموضوع كان قد عُرِفَ عِيَانًا، أو اسْتُوفِيَتْ معرفتنا به سَمَاعًا، كَمَعْرِفَتِنَا بسَاركُوزِي قبل مُشَاهَدَتِنَا للفلم الّذي يَحْكِي عَنْهُ. وغَيْر رَيْبٍ أنّه إذا كنّا قد قَرَّرْنَا أنّ للمادّة بعض الحكم على كُنْهِ الموضوع الغائب الحاضر فيها، فإنّه في الضّرب الأوّل سَيَكُونُ أَشَدَّ تَأْثِيرًا منه في الثّاني، لأنّه في الثّاني قد نُحَاجِجُ المادّة بِمَا كُنَّا قد علمنا من حقيقة الموضوع، فلا نَدَعُهَا تُضِلُّنَا فيه، أمّا في الأوّل، فَإِنَّا لَرَهْنٌ بِمَا تُفِيدُنَا به المادّة لاسْتِكْنَاهِ حقيقة الموضوع الغائب، ولذلك فإنّ كلّ من لم يُحَصِّلْ مَعْرِفَةً مُتَقَدِّمَةً بالموضوع، فإنّه من حيث لا يشعر سَيُقِيمُ لاَ مَحَالَةَ حَقِيقَةَ المادّة الّتي يَظْهَرُ فيها الموضوع الغائب بأنّها هي بِعَيْنِهَا ذلكم الموضوع الغائب. فلو اسْتَفْتَيْنَا مثلا كثيرا من النّاس مِمَّنْ شَاهَدُوا فيلم الرّسالة عن حقيقة حمزة عمّ الرّسول عليه السّلام، لَرَأَيْتَ منهم مَيْلاً شديدا لِتَسْوِيَتِهِ بِنَفْسِ اُلْمُتَمَثِّلِ عبد الله غيث حَتَّى أنّهم ما يَسْتَطِيعُونَ الفَصْلَ بين مَادَّةِ ظُهُورِ حمزة الغائب أي عبد الله غيث، وبين حمزة الصّحّابي الجليل عليه رضوان الله.
    وبعد أن قرّرنا على جهة الاقْتِضَابِ هذه المقدّمات الحِكَمِيَّةَ، لِنَأْخُذْ الآن في بَيَانِ أيّ شيء المساوئ اللاّزمة عن تصوير الذَّوَاتِ الشّريفة والمقدّسة، والّتي معناها وفائدتها إنّما بأن تكون مثالا، وقُدْوَةً، وأُسْوَةً وأُمَّةً لِسَائِرِ النّاس من العامّة أو الخاصّة.
    إنّ معرفة النّاس بالصّحابة والأنبياء على ثلاثة مقامات، فمنهم من حَصَّلَ معرفة وَافِيَةً ودقيقة بِطَرِيقِ السّماع والقراءة، وأولائك خاصّة وقِلَّةٌ. ومنهم من له قَدْرٌ من المعرفة يُجْزِي. ومنهم من له معرفة يَسِيرَةٌ جدّا أو لا معرفة له ألبتّة، وهم عَامَّةُ النّاس. وغير شكّ أنّ الّذين هم من الطّبقة الأولى لو وَقَعُوا على تَجْسِيمٍ لِقِصَّةِ وَاحِدٍ أو أكثر من الصّحابة أوالأنبياء، وأقبلوا على مشاهدتها، فلو كان باعثهم المعرفة، فَلِيَتَحَقَّقُوا إن كان ما صُوِّرَ يُوَافِقُ الحقيقة المعلومة، ولا يمكن أن يكون طَلَبُهُمْ لِمَزِيدَ التَّحَقُّقِ مِمَّا عَلِمُوهُ؛ وإن لم يكن الباعث المعرفة، فَسَيَكُونُ الفَنَّ ومُتْعَةَ الخيال ليس غير، كإِقْبَالِهِمْ على أيّ قصّة أخرى فيها تَشْوِيقٌ وخيال. ومن الصّنف الثّاني من قد يَلْحَقُ بالصّنف الأوّل، ومنهم من قد يلحق بالصّنف الثّالث الغَالِبِ، وهؤلاء إذا ما عُرِضَ لهم مثل ذلك التّصوير، وأقبلوا عليه، فإقبالهم سيكون بِبَاعِثِ تَحْصِيلِ المعرفة بِحَقِيقَةِ الذَّوَاتِ الشَّرِيفَةِ، مَمْزُوجًا بِطَلَبٍ خَفِيٍّ أَوْ ظَاهِرٍ للمُتْعَةِ الفنّية الّتي لو تَجَرَّدَتْ فَمِنْ شَأْنِهِمْ أن يجدوها في أفلام أخرى أمريكيّة أو غيرها. ولَمَّا كان هذا الجمهور الغالب لا معرفة له بالموضوع اُلْمُصَوَّرِ، وأنّ سبيله الوحيد إليه إنّما المادّة، أي الشّخص اُلْمُتَمَثِّلُ الّذي يَتَجَلَّى فيه الموضوع الحقيقيّ، فَلاَ جَرَمَ، كما قرّرنا آنِفًا، أنّه من حيث لا يشعر، فَسَيُقِيمُ المادَّةَ مَقَامَ الموضوع، وأنّ كلّ حقيقة الموضوع ستكون عنده كلّ حقيقة المادّة، أي أنّ كلّ حقيقة حمزة ستختلط بكلّ حقيقة عبد الله غيث، كما في المثال الّذي أسلفنا ذكره. وهاهنا لَعَمْرِي، كلّ الطّامة واللاَّمّة ! ولئلاّ يكون كلامنا كلّه تجريدا، فلنأخذ مثالا قريبا، نَبْنِي عليه حُجَّتَنَا:
    فقد شاع هذه الأيّام تصوير الأنبياء كالنّبيّ يوسف عليه السّلام، أو الصحّابة العظام كالحسن والحسين. فالّذين قد شاهدوا أو سيشاهدون مثلا الفلم الوَاصِفَ لِيُوسُفَ، فَأَغْلَبُهُمْ من الطّبقة الثّالثة الّتي ذكرنا آنفا، وهم غالب النّاس. ولكن يوسف الّذي سَتَقَعُ عليه أبصارهم في الفلم ليس هو بِعَيْنِهِ يوسف النّبيّ المعصوم، والذّات المقدّسة، والمثال الّّذي ظهر في زمن مَا لِيَهْدِي النَّاس بقوله، وفعله، والّذي أَوْرَدَ ذِكْرَهُ القرآن لِيَكُونَ أيضا أُسْوَةً ومثالا لكلّ المسلمين. بل إنّه اُلْمُتَمَثِّلُ الفُلاَنِيُّ فَيْرُوزُ بن مِنْيَارِ الّّذي بأفعاله وأقواله سَيَسْعَى، كَمُحْضِرِ أرواح، لِيُحْضِرَ فيه، يُوسُفَ الغَائِبَ. بَيْدَ أَنَّ عامّة المشاهدين إذ هم من الطّبقة الثّالثة المذكورة خَاصَّةً، فإنّهم لاَ مَحَالَةَ سَيُسَوُّونَ بين فيروز و يوسف، بِحَيْثُ سَيَكُونُ يوسف عِنْدَهُمْ إِنَّمَا هو بِعَيْنِهِ اُلْمُتَمَثِّلَ فيروز بن منيار. وعلى هذا فإنّ كلّ فعل قد يأتيه هذا اُلْمُتَمَثِّلُ، ولا يكون دَاخِلَ قصّة يوسف اُلْمُتَمَثَّلَةِ، أي في قِصَّةٍ أخرى قد تكون ذَاتِ مُجُونٍ، أو في الحياة الطّبيعيّة، ويَرَاهُ منه كُلُّ مُشَاهِدٍ مِمَّنْ كان قد شَاهَدَ يوسف، فَسَتَمِيلُ نَفْسُهُ من حيث لا يشعر لأن يُلْحِقَ ذلك الفعل السَّفِيهِ إلى النّبيّ يوسف حاشاه، فَيَهُونُ اسْمُهُ عنده، ويَحْصُلُ نوع من الاسْتِخْفَافِ به، والحَالُ أنّ الواجب من ذكر قصّة يوسف في القرآن والإِتْيَانِ على بعض أخباره قد كان أن يزيد تَعْضِيمُنَا له وتَنْزِيهًا، وأن يَتَقَرَّرَ عندنا على أنّه قُدْوَةٌ لَنَا في العِفَّةِ والصَّبْرِ أَبَدًا. فَإِذًا فبِتَصْوِيرِنَا له كَمَا رام من رام، إنّما نَنَالُ حَتْمًا مَعْنَاهُ بِالهَوَانِ، والضَّعَةِ والسُّقُوطِ. ذَلكم إذًا بَيَانُ قولي صَدْرَ اُلْمَقَالَةِ "وأُظْهِرُ كيف أنّ تصوير تلكم الذّوات الشّريفة أو المقدّسة إنّما تلزم عنه أثار تكون بعينها مبطلة للغاية من ذكرها ووجودها، ومناقضة لها."
    ثمّ هناك مَحْذُورٌ آخر أَدَقُّ وأَلْطَفُ، وهو أنّ المقصود من ذكر الأنبياء في القرآن إنّما هو اُلْمَوْعِضَةُ والعِبْرَةُ. والعِبْرَةُ مَصْدَرُ عَبَرَ، أي العبور من المعنى المذكور إلى نفسك لِتُقِيمَهَا على مَعْنَى مَا قَامَ عليه المعنى المذكور، كَذِكْرِهِ لِقِصَّةِ أَيُّوبَ، لِتَعْبُرَ من حَالِهِ إذا ما علمتها إلى نفسك فَتُقِيمَهَا على الصّبر حين يَحْزُبُكَ أمر، أو تحلّ بك مصيبة. إذًا، فالموضوع في العِبْرَةِ ليس بِمَقْصُود لِذَاتِهِ، ولا يكون مَقْصُودًا لذاته إلاّ في المعرفة الحسيّة أو الخياليّة، بل مقصود لأجل اُلْمَوْعِظَةِ. وإِذَا ما كان مقصودا لِذَاتِهِ كان مَوْضُوعَ مَعْرِفَةٍ أو مُتْعَةٍ خياليّة، لذلك كانت المعرفة أو الخيال إذا أُرْسِلَتْ على سَجِيَّتِهَا طَلَبَتْ التَّفْصِيلَ والتَّدْقِيقَ في الموضوع إلى الغَايَةِ، وانْصَرَفَتْ عن كلّ معنى غيرها. والموضوع لا يمكن أن يصير مَادَّةً وَعْضِيَّةً إلاّ إذا انْبَنَي فِعْلٌ آخر على الفعل الأوّل يَكْبِحُ جِمَاحَهُ، ويَنْتَقِلُ منه إلى المعنى المقصود من المعنى الأوّل. وبَيِّنٌ أنّه كُلَّمَا كُسِرَتْ سَوْرَةُ الفعل الأوّل ومَقْصُودُه الذَّاتِيُّ، سَهُلُ على الفعل الثّاني، أي الفعل الوَعْضِيِّ تَحْصِيلُهُ فائدته ومقصوده اُلْمُنْبَنِيَ على الفعل الأوّل. والعكس بالعكس. ولا ريب في أنّ مِمَّا يُقَوِّي الفعل الأوّل، ويَجْعَلُهُ أَشَدَّ عَرِيكَةً وعَصِيًّا على الحركة الوَعْضِيَّةِ، إنّما هو مُسَاعَدَتُنا له على مقصوده، ومُجَارَتُهُ في غَايَتِهِ، أي الاسْتِرْسَالُ في التَّفْصِيلِ، وذِكْرُ دَقَائِقَ ذَات تَعَلُّقٍ بالموضوع الوَعْضِيِّ. ومن هنا يَبِينُ في رَأْيِيِ السِّرُّ العظيم الّّذي قد يَظْهَرُ لِذَوِي الأبصار الخُفَّاشِيَّةِ بِأَنَّهُ عَيْبٌ ونَقْصٌ، مَا بَالُ القرآن في قَصَصِهِ لا يَنْبَسِطُ كَثِيرًا في ذكر أَخْبَارِ الأنبياء وتفصيلاتهم، بل يَنْتَقِلُ من حادثة إلى حادثة في نسق واحد، قد يكون الفاصل بينهما سَنَوَاتٌ كثيرة؛ ذلك لأنّه لو توسّع لَقَوَّى المقصود الأوّل المعرفيّ أو الخيالي، وإذَا قَوَّاهُ، صَعَّبَ أو مَنَعَ مَقْصُودَهُ الحقيقيّ وهو الوعظ والإرشاد؛ فإذًا فَبِقَدْرِ ما يَقْتَصِرُ في ذكر أَخْبَارِ نَبِيٍّ على ما هو ضروريّ للمقصود الوعضيّ، قَوَّى هَذَا المقصود وغلّبه على الأوّل.
    وإذ بَيَّنَا ذلك، فلا أحد قد يَخْفَى عليه أنّ من صوّر نَبِيًّا أو صحابيّا، وجعله مَادَّةَ فيلم، أو مسرحيّة، فإنّه قد جعله مَادَّةً معرفيّة وفنيّة على الإطلاق، وبالقصد الأوّل لاَ مَحَالَةَ. وإِذْ جعله كذلك فإنّ الحركة الوعضيّة الّتي من شأنها الانْبِنَاءِ على الفعل الأوّل إمّا أن تُصْبِحَ ضَعِيفَةً غَايَةَ الضّعف، أو أنّها تَبْطُلُ أَصْلاً، ولا يبقى حينئذ فَرْقٌ بين عَمَلٍ فَنّيّ من ذلك الجنس، أو عَمَلٍ فنيّ آخر، وتَصِيرُ اُلْمُفَاضَلَةُ بينهما فنيّة أو مَعْرِفِيَّةً بِمُجَرَّدِهَا، حتّى أنّه قد يَفْضُلُ فيلم أمركيّ يُصَوِّرُ جورش واشطن فيلما يصف نَبِيًّا، فَيُولَعُ مُشَاهِدٌ غِرٌّ من حيث لا يعلم بجورج واشطن أشدّ من وُلُوعِهِ بذلكم النّبيّ. والله أعلم.


    *﴿ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ مريم. 17.
    لطفي خيرالله
    تونس
    البريد الالكترونيّ: kirallahlotfi@gmail.com

    ــــــــــ
    تمّ تحرير المقالة في الحادي عشر من شوّال سنة 1432 هجريّة، الموافق للتّاسع من سبتمبر سنة 2011 ميلاديّة.

  2. #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    جزاكم الله خيراً أستاذنا الفاضل...

    ثمَّ إنَّ عندي سؤالاً على المسألة الثَّانية وهي أنَّ الاستغراق في التَّفاصيل مضيع لمقصود القصَّة الوعظيِّ...

    فالسؤال بأنَّ هذا في حال أن يكون الأمر مقصوداً لغيره، أمَّا لو كان مقصوداً لذاته كمعرفة أحوال النَّاس في تلك القصَّة فسيفيد التَّمثُّل أكثر من مطل القراءة.

    فمثلاً حال الإمام العزِّ بن عبد السلام رحمه الله تعالى ورضي عنه لو قرأناه من كتب الأخبار أو القصص فسيؤثِّر فيَّ لما فيه من أحداث عظيمة عجيبة. لكن لو تمثَّل أحدهم بشخصيَّته وظهر لنا عياناً ما كان مقروءاً فسيكون التَّأثير -لا بدَّ- أكبر، وسيكون الحاصل أنِّي سأحبُّ هذا الإمام أكثر.

    ثمَّ في هذا المثال سيكون إدراكي لتفاصيل حياة الإمام أكبر ممَّا لو كنت قرأتها في كتاب، فإنّ هذا التَّفصيل في الكتاب كلمات في سطر أو سطرين أو سطور، فقد أغفل عنها أو لا أتنبَّه لأهمِّيَّتها، أمَّا في التَّمثُّل فإنَّها ستكون مدركة بالمشاهدة فلا تغيب.

    فيكون الحاصل كون المعلومات التي أستفيد أكبر.

    وقد يُقال العكس فيما قد أخبرني أحد أصدقائي من أنَّه قرأ رواية "شيفرة دافنشي" ثمَّ شاهد الفيلم فوجد الفيلم مشتِّتاً عن فهم نفس المطلوب بذكر تفاصيل جانبيَّة، وقد لا يصل المطلوب أصلاً.

    وأقول بعد هذا إنَّ ما ذكرتُ هاهنا إنَّما هو مقيَّد في حالة أن يكون المطلوب نفس العلم بهذه التَّفاصيل، فلا يرد على قولكم أصلاً، ولكنَّه سؤال عن فائدة ذلك المحتملة عندما يكون المقصود ما ذكرتُ.

    أمَّا المسألة الأولى في أنَّ المتمثِّل قد يكون في فعله إهانة للمتمثَّل به فقد قال لي صديق هو مخرج مسرحيٌّ عن أستاذ مدرِّس في المسرح إنَّ أحدهم مرَّة وجد عبد الله غيث رحمه الله فذهب إليه ليسلِّم عليه لحبِّه لما تمثَّل فوجد عبد الله غيث سكراناً فلطمه وقال له إنَّ سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه لا يكون هكذا!

    هذه القصة أُسنِدُها فتخرج من عهدتي! ورحم الله عبد الله غيث. وعلى كلٍّ هي مصدِّقة ما ذكرتم.

    ومسألة ثانية ذكر لي صديقي المخرج إيَّاه عليها مثلاً وهو أنَّه قال لي إنَّه قد قرأ رواية هاري بوتر، ثمَّ شاهد الفيلم فوجد فرقاً كبيراً في أنَّ القراءة تفتح مجال الخيال أكثر كثيراً من الفيلم الذي يقيِّدك بما هو مشاهد أمامك.

    فيكون الخيال البسيط عند قراءتي للقصَّة الخياليَّة أوسع من الخيال المركَّب على تصوير حسِّيٍّ.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  3. هناك بعض الأخطاء في الرّقن، لذا فسأعيد نشر المقالة
    بسم الله الرّحمن الرّحيم


    الإِنْبَاءُ بِمَحَاذِيرِ تَصْوِيرِ الصَّحَّابَةِ والأنبياء

    بقلم لطفي خيرالله

    بسم الله الرّحمان الرّحيم ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يوسف. 111.
    ****
    إنّه من المعلوم أنّ مسألة هل يجوز تصوير الأنبياء والصّحّابة هي من مباحث الفقه، وهو يكاد يكون الإجماع حاصلا بين فقهاء أهل السّنّة على المنع إلاّ من شَذَّ مِمَّنْ ليس بذي بال. أمّا أنا ففي هذه المقالة اليسيرة فإنّما أَرُومُ أن أُدَلِّلَ أنّ العقل أيضا هو يَعْضُدُ هذا الحكم، وأُظْهِرَ كيف أنّ تصوير تلكم الذَّوَاتِ الشّريفة أو المقدّسة إنّما تَلْزَمُ عنه آثَارٌ تكون بِعَيْنِهَا مُبْطِلَةً للغاية من ذِكْرِهَا ووجودها، ومُنَاقِضَةً لها.
    تُوجَدُ في الحكمة قاعدة معروفة مضمونها أنّ كلّ شيء في الطّبيعة فَذُو مَقْصُودٍ؛ ولو أُرْسِلَ على سَجِيَّتِهِ، ولم يَضْبِطْهُ ضَابِطٌ، أو يمنعه مانع، فإنّه يطلب مقصوده إلى الغاية، ويغيب فيه، وينصرف ألبتّة عن كلّ معنى غيره. ومن الأمور الأخرى فيها المعروفة أيضا أنّ مَلَكَاتِ الإنسان اُلْمَعْرِفِيَّةِ البَيِّنَةِ ثلاث: الحسّ، والخيال، والعقل. أمّا الحسّ فَيَطْلُبُ الموضوع الجزئيّ الحاضِرَ على أنّ الحسّ هو مُنْفَعِلٌ عن الموضوع؛ وأمّا الخيال فيطلب الموضوع الجزئيّ الغَائِبَ على أنّ الخيال هو الفاعل للموضوع، وأمّا العقل فيطلب المعاني الكلّيّة المجرّدة عن كلّ تَعَيُّنٍ تَعَيُّنٍ. والفرق بين الحسّ والخيال، أنّ الأوّل يُعْطِي الوَاقِعَ، والواقع هو الّذي يُوجِبُ حُكْمَهُ على الحسّ، والموضوع في الحسّ إنّما يَحْضُرُ بِلَحْمِهِ ودمه، والحسّ إنّما يكون تَابِعًا للموضوع؛ أمّا في الخيال، فعلى الخِلاَفِ، بل الموضوع يُعْطَى على أنّه غير حاضر، تَابِعًا للخيال، واقعا تحت حكمه، لا يُقَاوِمُهُ أدنى مقاومة، لِذَلِكَ جَازَ لِلْخَيَالِ أن يَنْبَسِطَ إلى ما لانهاية، ولا يَلْفَى أيّ عناء في تناوله للأشياء، ويكون فيه الموضوع تابعا للإرادة. إذًا فَمَقْصُودُ الخيال الدّقيق هو أن يخلع على العالم معنى اللاّوجود، وهو أشبه بالفعل السّحريّ الّّذي يَقْلِبُ مَثَلاً العصا إلى خَيْطٍ، فَمَطْلُوبُهُ أن يَقْلِبَ الحاضر إلى اللاّحاضر.
    وَإِذْ ذَكَّرْنَا بِذَلِكَ، فَأَنْتَ سَتَكُونُ على بَيِّنَةٍ أَتَمَّ لِمَ قِيلَ في الحكمة بأنّ اُلْمَلَكَةَ الذَّائِقَةَ للأمور الفنيّة إنّما هو الخيال، وأنّ الفنّ إنّما هو مُتَعَلَّقُ الخيال، كما أنّ هذا الجبل الّذي أنا على قِمَّتِهِ هو مُتَعَلَّقُ الحسّ، والمعنى الرّياضيّ المجرّد هو مُتَعَلَّقُ العقل. وَسَتَعْلَمُ أيضا لِمَ كان الفنّ مُتْعَةً للمَرْءِ، ويُحْتَاجُ إليه في الحياة بين الحين والحين لإِجْمَامِ النّفس، ورَفْعِ العَنَاءِ، وذلك لأنّا حينما نَحْيَ بالحسّ، فَإِنَّا ندخل تحت حُكْمِ الواقع، ونكون مَقْهُورِينَ به، ولو اسْتَمَرَّ هذا القهر بلا انْقِطَاعٍ، فَسَنُرْهَقُ، ونَمَلُّ، وتَمْرَضُ نُفُوسُنَا. لذلك فإنّا نَفْزَعُ إلى الخيال الأشْبَهِ بالطَّلْسَمِ السّحريّ الّذي يَقْلِبُ العالم القَاهِرَ لنا بِحُضُورِهِ، إلى عَالَمٍ غير حاضر، نَتَصَرَّفُ فيه بإرادتنا كما نشاء، ونُوَسِّعُ فيه أو نُضَيِّقُهُ كما نشاء بلا أدنى عناء، فَنُصِيبُ فَتْرَةًً من الانبساط، والرّاحة، واللاّتقيّد.
    ولِمُعْتَرِضٍ أن يقول وكيف تَصِفُونَ بأنّ مُتَعَلَّقَ الخيال هو الفنّ، وفي ضَرْبٍ منه مثلا، كَالتَّمْثِيلِ، على عبارة اليوم الخاطئة في اللّغة، بل الأصحّ أن نقول التَّمَثُّلُ، كالمسرح، أو الفلم، فإنّ اُلْمُمَثِّلِينَ، والأصَحُّ أن نقول اُلْمُتَمَثِّلِينَ*، إنّما هم أشخاص بِعَيْنِهِمْ من لحم ودم وليسوا من صُنْعِ الوَهْمِ، وإذَا ما شاهدناهم يَتَمَثَّلُونَ فلا نَسْلَبُ عنهم معنى الوجود ألبتّة. فأنا لو أخذت مَقْعَدِي في مسرح لأُشَاهِدَ مسرحيّة عنترة ابن شدّاد، فإنّي سأرى شَخْصًا يُقَالُ له فريد شوقيّ، ورؤيتي له إنّما تَجِبُ عليّ على جِهَةِ الحُضُورِ، لا على جهة سَلْبِ الوجود عنه، بل إنّه ما لَمْ يَحْضُرْ فريد شوقيّ، لَمْ يَحْضُرْ عنترة بن شدّاد.
    والجواب مِنْ نَفْسِ الجزء الأخير من الاعْتِرَاضِ، فالموضوع المسلوب عنه الحضور والّذي هو مُتَعَلَّقُ الخيال، ليس فريد شوقيّ، بل عنترة بن شدّاد، إذ أنّ عنترة بن شدّاد لو كان حاضرا حضورا أَصِيلاً يكون مُتَعَلَّقَ الحسّ، لَحَضَرَ بِذَاتِهِ، ولَمَا نَابَ عنه فريد شوقيّ، إذًا فافْتِقَارُهُ إليه لكي يَحْضُرَ هو، لَدَلِيلٌ قَاطِعٌ على أنّه ليس بِحَاضِرٍ، بل غَائِبٌ؛ وأنا حينما أنظر إلى فريد شوقيّ الّذي هو موضوع الحسّ، لا يمكنني أن أرى عنترة الغائب إلاّ إذا خَرَجْتُ من فعل الحسّ إلى فعل الخيال اُلْمُنْبَنِي على الفعل الأوّل، واتَّخَذْتُ مَادَّةَ فريد شوقيّ لا على أنّها مَقْصُودَةٌ بذاتها، بل على أنّها ذَرِيعَةٌ لِلْوُصُولِ إلى عنترة بن شدّاد الغائب. ولكن ليس يعني ذلك أَنْ ليس للمادّة الحاضرة تَأْثِيرًا في إِحْضَارِ الموضوع الغائب، وأنّ الأمر كُلَّهُ لَمَوْكُولٌ إلى تَأْوِيلِنَا وفعلنا. على معنى أنّه لَنَا أن نَتَّخِذَ أَيَّ موضوع لِيَكُونَ ذَرِيعَةً لإحضار أي موضوع غائب، كما لو أنّي قد اتَّخِذُ مَثَلاً جُرَذًا لأُحْضِرَ القذّافي الغَائِبَ. بل إنّ الموضوع الحاضر به الغائب لا بدّ من أن يكون قد تَهَيَّأَ فيه الشَّكْلُ أو الفعل، حتّى يُسَاعِدَنَا على إحضار الغائب، وذلك كلّ حقيقة الخيال. فمثلا ليس يكفي لِفَرِيدِ شوقي أن يَحْضُرَ بين أيدينا ثمّ يخاطبنا: "يا مشاهديّ انطلقوا بخيالكم، واجعلوا عنترة يَحْضُرْ فِيَّ"، بل لا بدّ من أن يقوم هو بأفعال، وحركات، ويقول أقوالا، تُهَيِّئُ كلّها لِحُضُورِ عنترة فيه، وتُسَاعِدُ الخيال لأن يرى ذلك الفارس العَبْسِيَّ ظاهرا وهو غائب. إذًا فَلِلْمَادَّةِ حُكْمٌ على الصّورة الخياليّة، وإنّه ما فيها من صفات أو خِصَالٍ، فقد يَسْرِي لا محالة إليها أيضا.
    ثمّ إنّ الموضوع الحاضر في غيابه، أو الصّورة الخياليّة قد تكون من ضربين: فإمّا أن يكون الموضوع قد اُعْتُقِدَ وُجُودُهُ، ولم يُعْرَفْ، كاعتقادنا بوجود عنترة، ولكن لم نره عِيَانًا أو نَسْتَوْفِ مَعْرِفَتَنَا به سَمَاعًا؛ أو أن يكون الموضوع كان قد عُرِفَ عِيَانًا، أو اسْتُوفِيَتْ معرفتنا به سَمَاعًا، كَمَعْرِفَتِنَا بسَاركُوزِي قبل مُشَاهَدَتِنَا للفلم الّذي يَحْكِي عَنْهُ. وغَيْر رَيْبٍ أنّه إذا كنّا قد قَرَّرْنَا أنّ للمادّة بعض الحكم على كُنْهِ الموضوع الغائب الحاضر فيها، فإنّه في الضّرب الأوّل سَيَكُونُ أَشَدَّ تَأْثِيرًا منه في الثّاني، لأنّه في الثّاني قد نُحَاجِجُ المادّة بِمَا كُنَّا قد علمنا من حقيقة الموضوع، فلا نَدَعُهَا تُضِلُّنَا فيه، أمّا في الأوّل، فَإِنَّا لَرَهْنٌ بِمَا تُفِيدُنَا به المادّة لاسْتِكْنَاهِ حقيقة الموضوع الغائب، ولذلك فإنّ كلّ من لم يُحَصِّلْ مَعْرِفَةً مُتَقَدِّمَةً بالموضوع، فإنّه من حيث لا يشعر سَيُقِيمُ لاَ مَحَالَةَ حَقِيقَةَ المادّة الّتي يَظْهَرُ فيها الموضوع الغائب بأنّها هي بِعَيْنِهَا ذلكم الموضوع الغائب. فلو اسْتَفْتَيْنَا مثلا كثيرا من النّاس مِمَّنْ شَاهَدُوا فيلم الرّسالة عن حقيقة حمزة عمّ الرّسول عليه السّلام، لَرَأَيْتَ منهم مَيْلاً شديدا لِتَسْوِيَتِهِ بِنَفْسِ اُلْمُتَمَثِّلِ عبد الله غيث حَتَّى أنّهم ما يَسْتَطِيعُونَ الفَصْلَ بين مَادَّةِ ظُهُورِ حمزة الغائب أي عبد الله غيث، وبين حمزة الصّحّابي الجليل عليه رضوان الله.
    وبعد أن قرّرنا على جهة الاقْتِضَابِ هذه المقدّمات الحِكَمِيَّةَ، لِنَأْخُذْ الآن في بَيَانِ أيّ شيء المساوئ اللاّزمة عن تصوير الذَّوَاتِ الشّريفة والمقدّسة، والّتي معناها وفائدتها إنّما بأن تكون مثالا، وقُدْوَةً، وأُسْوَةً وأُمَّةً لِسَائِرِ النّاس من العامّة أو الخاصّة.
    إنّ معرفة النّاس بالصّحابة والأنبياء على ثلاثة مقامات، فمنهم من حَصَّلَ معرفة وَافِيَةً ودقيقة بِطَرِيقِ السّماع والقراءة، وأولائك خاصّة وقِلَّةٌ. ومنهم من له قَدْرٌ من المعرفة يُجْزِي. ومنهم من له معرفة يَسِيرَةٌ جدّا أو لا معرفة له ألبتّة، وهم عَامَّةُ النّاس. وغير شكّ أنّ الّذين هم من الطّبقة الأولى لو وَقَعُوا على تَجْسِيمٍ لِقِصَّةِ وَاحِدٍ أو أكثر من الصّحابة أوالأنبياء، وأقبلوا على مشاهدتها، فلو كان باعثهم المعرفة، فَلِيَتَحَقَّقُوا إن كان ما صُوِّرَ يُوَافِقُ الحقيقة المعلومة، ولا يمكن أن يكون طَلَبُهُمْ لِمَزِيدَ التَّحَقُّقِ مِمَّا عَلِمُوهُ؛ وإن لم يكن الباعث المعرفة، فَسَيَكُونُ الفَنَّ ومُتْعَةَ الخيال ليس غير، كإِقْبَالِهِمْ على أيّ قصّة أخرى فيها تَشْوِيقٌ وخيال. ومن الصّنف الثّاني من قد يَلْحَقُ بالصّنف الأوّل، ومنهم من قد يلحق بالصّنف الثّالث الغَالِبِ، وهؤلاء إذا ما عُرِضَ لهم مثل ذلك التّصوير، وأقبلوا عليه، فإقبالهم سيكون بِبَاعِثِ تَحْصِيلِ المعرفة بِحَقِيقَةِ الذَّوَاتِ الشَّرِيفَةِ، مَمْزُوجًا بِطَلَبٍ خَفِيٍّ أَوْ ظَاهِرٍ للمُتْعَةِ الفنّية الّتي لو تَجَرَّدَتْ فَمِنْ شَأْنِهِمْ أن يجدوها في أفلام أخرى أمريكيّة أو غيرها. ولَمَّا كان هذا الجمهور الغالب لا معرفة له بالموضوع اُلْمُصَوَّرِ، وأنّ سبيله الوحيد إليه إنّما المادّة، أي الشّخص اُلْمُتَمَثِّلُ الّذي يَتَجَلَّى فيه الموضوع الحقيقيّ، فَلاَ جَرَمَ، كما قرّرنا آنِفًا، أنّه من حيث لا يشعر، فَسَيُقِيمُ المادَّةَ مَقَامَ الموضوع، وأنّ كلّ حقيقة الموضوع ستكون عنده كلّ حقيقة المادّة، أي أنّ كلّ حقيقة حمزة ستختلط بكلّ حقيقة عبد الله غيث، كما في المثال الّذي أسلفنا ذكره. وهاهنا لَعَمْرِي، كلّ الطّامة واللاَّمّة ! ولئلاّ يكون كلامنا كلّه تجريدا، فلنأخذ مثالا قريبا، نَبْنِي عليه حُجَّتَنَا:
    فقد شاع هذه الأيّام تصوير الأنبياء كالنّبيّ يوسف عليه السّلام، أو الصحّابة العظام كالحسن والحسين. فالّذين قد شاهدوا أو سيشاهدون مثلا الفلم الوَاصِفَ لِيُوسُفَ، فَأَغْلَبُهُمْ من الطّبقة الثّالثة الّتي ذكرنا آنفا، وهم غالب النّاس. ولكن يوسف الّذي سَتَقَعُ عليه أبصارهم في الفلم ليس هو بِعَيْنِهِ يوسف النّبيّ المعصوم، والذّات المقدّسة، والمثال الّّذي ظهر في زمن مَا لِيَهْدِي النَّاس بقوله، وفعله، والّذي أَوْرَدَ ذِكْرَهُ القرآن لِيَكُونَ أيضا أُسْوَةً ومثالا لكلّ المسلمين. بل إنّه اُلْمُتَمَثِّلُ الفُلاَنِيُّ فَيْرُوزُ بن مِنْيَارِ الّّذي بأفعاله وأقواله سَيَسْعَى، كَمُحْضِرِ أرواح، لِيُحْضِرَ فيه، يُوسُفَ الغَائِبَ. بَيْدَ أَنَّ عامّة المشاهدين إذ هم من الطّبقة الثّالثة المذكورة خَاصَّةً، فإنّهم لاَ مَحَالَةَ سَيُسَوُّونَ بين فيروز و يوسف، بِحَيْثُ سَيَكُونُ يوسف عِنْدَهُمْ إِنَّمَا هو بِعَيْنِهِ اُلْمُتَمَثِّلَ فيروز بن منيار. وعلى هذا فإنّ كلّ فعل قد يأتيه هذا اُلْمُتَمَثِّلُ، ولا يكون دَاخِلَ قصّة يوسف اُلْمُتَمَثَّلَةِ، أي في قِصَّةٍ أخرى قد تكون ذَاتِ مُجُونٍ، أو في الحياة الطّبيعيّة، ويَرَاهُ منه كُلُّ مُشَاهِدٍ مِمَّنْ كان قد شَاهَدَ يوسف، فَسَتَمِيلُ نَفْسُهُ من حيث لا يشعر لأن يُلْحِقَ ذلك الفعل السَّفِيهِ إلى النّبيّ يوسف حاشاه، فَيَهُونُ اسْمُهُ عنده، ويَحْصُلُ نوع من الاسْتِخْفَافِ به، والحَالُ أنّ الواجب من ذكر قصّة يوسف في القرآن والإِتْيَانِ على بعض أخباره قد كان أن يزيد تَعْظيمُنَا له وتَنْزِيهًا، وأن يَتَقَرَّرَ عندنا على أنّه قُدْوَةٌ لَنَا في العِفَّةِ والصَّبْرِ أَبَدًا. فَإِذًا فبِتَصْوِيرِنَا له كَمَا رام من رام، إنّما نَنَالُ حَتْمًا مَعْنَاهُ بِالهَوَانِ، والضَّعَةِ والسُّقُوطِ. ذَلكم إذًا بَيَانُ قولي صَدْرَ اُلْمَقَالَةِ "وأُظْهِرُ كيف أنّ تصوير تلكم الذّوات الشّريفة أو المقدّسة إنّما تلزم عنه أثار تكون بعينها مبطلة للغاية من ذكرها ووجودها، ومناقضة لها."
    ثمّ هناك مَحْذُورٌ آخر أَدَقُّ وأَلْطَفُ، وهو أنّ المقصود من ذكر الأنبياء في القرآن إنّما هو اُلْمَوْعِظةُ والعِبْرَةُ. والعِبْرَةُ مَصْدَرُ عَبَرَ، أي العبور من المعنى المذكور إلى نفسك لِتُقِيمَهَا على مَعْنَى مَا قَامَ عليه المعنى المذكور، كَذِكْرِهِ لِقِصَّةِ أَيُّوبَ، لِتَعْبُرَ من حَالِهِ إذا ما علمتها إلى نفسك فَتُقِيمَهَا على الصّبر حين يَحْزُبُكَ أمر، أو تحلّ بك مصيبة. إذًا، فالموضوع في العِبْرَةِ ليس بِمَقْصُود لِذَاتِهِ، ولا يكون مَقْصُودًا لذاته إلاّ في المعرفة الحسيّة أو الخياليّة، بل مقصود لأجل اُلْمَوْعِظَةِ. وإِذَا ما كان مقصودا لِذَاتِهِ كان مَوْضُوعَ مَعْرِفَةٍ أو مُتْعَةٍ خياليّة، لذلك كانت المعرفة أو الخيال إذا أُرْسِلَتْ على سَجِيَّتِهَا طَلَبَتْ التَّفْصِيلَ والتَّدْقِيقَ في الموضوع إلى الغَايَةِ، وانْصَرَفَتْ عن كلّ معنى غيرها. والموضوع لا يمكن أن يصير مَادَّةً وَعْظيَّةً إلاّ إذا انْبَنَي فِعْلٌ آخر على الفعل الأوّل يَكْبِحُ جِمَاحَهُ، ويَنْتَقِلُ منه إلى المعنى المقصود من المعنى الأوّل. وبَيِّنٌ أنّه كُلَّمَا كُسِرَتْ سَوْرَةُ الفعل الأوّل ومَقْصُودُه الذَّاتِيُّ، سَهُلُ على الفعل الثّاني، أي الفعل الوَعْظيِّ تَحْصِيلُهُ فائدته ومقصوده اُلْمُنْبَنِيَ على الفعل الأوّل. والعكس بالعكس. ولا ريب في أنّ مِمَّا يُقَوِّي الفعل الأوّل، ويَجْعَلُهُ أَشَدَّ عَرِيكَةً وعَصِيًّا على الحركة الوَعْظيَّةِ، إنّما هو مُسَاعَدَتُنا له على مقصوده، ومُجَارَتُهُ في غَايَتِهِ، أي الاسْتِرْسَالُ في التَّفْصِيلِ، وذِكْرُ دَقَائِقَ ذَات تَعَلُّقٍ بالموضوع الوَعْظيِّ. ومن هنا يَبِينُ في رَأْيِيِ السِّرُّ العظيم الّّذي قد يَظْهَرُ لِذَوِي الأبصار الخُفَّاشِيَّةِ بِأَنَّهُ عَيْبٌ ونَقْصٌ، مَا بَالُ القرآن في قَصَصِهِ لا يَنْبَسِطُ كَثِيرًا في ذكر أَخْبَارِ الأنبياء وتفصيلاتهم، بل يَنْتَقِلُ من حادثة إلى حادثة في نسق واحد، قد يكون الفاصل بينهما سَنَوَاتٌ كثيرة؛ ذلك لأنّه لو توسّع لَقَوَّى المقصود الأوّل المعرفيّ أو الخيالي، وإذَا قَوَّاهُ، صَعَّبَ أو مَنَعَ مَقْصُودَهُ الحقيقيّ وهو الوعظ والإرشاد؛ فإذًا فَبِقَدْرِ ما يَقْتَصِرُ في ذكر أَخْبَارِ نَبِيٍّ على ما هو ضروريّ للمقصود الوعظيّ، قَوَّى هَذَا المقصود وغلّبه على الأوّل.
    وإذ بَيَّنَا ذلك، فلا أحد قد يَخْفَى عليه أنّ من صوّر نَبِيًّا أو صحابيّا، وجعله مَادَّةَ فيلم، أو مسرحيّة، فإنّه قد جعله مَادَّةً معرفيّة وفنيّة على الإطلاق، وبالقصد الأوّل لاَ مَحَالَةَ. وإِذْ جعله كذلك فإنّ الحركة الوعظيّة الّتي من شأنها الانْبِنَاءِ على الفعل الأوّل إمّا أن تُصْبِحَ ضَعِيفَةً غَايَةَ الضّعف، أو أنّها تَبْطُلُ أَصْلاً، ولا يبقى حينئذ فَرْقٌ بين عَمَلٍ فَنّيّ من ذلك الجنس، أو عَمَلٍ فنيّ آخر، وتَصِيرُ اُلْمُفَاضَلَةُ بينهما فنيّة أو مَعْرِفِيَّةً بِمُجَرَّدِهَا، حتّى أنّه قد يَفْضُلُ فيلم أمركيّ يُصَوِّرُ جورش واشطن فيلما يصف نَبِيًّا، فَيُولَعُ مُشَاهِدٌ غِرٌّ من حيث لا يعلم بجورج واشطن أشدّ من وُلُوعِهِ بذلكم النّبيّ. والله أعلم.


    *﴿ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ مريم. 17.
    لطفي خيرالله
    تونس
    البريد الالكترونيّ: kirallahlotfi@gmail.com

    ــــــــــ
    تمّ تحرير المقالة في الحادي عشر من شوّال سنة 1432 هجريّة، الموافق للتّاسع من سبتمبر سنة 2011 ميلاديّة.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •