إذا قيل لا داعى للمذاهب ويكفينا الاجتماع حول الكتاب والسنة ؟؟

إذا قيل لك : لا داعى أن نقول : " مذهب فلان" / ولكن يكفي أن نقول: كلنا مسلمون / و يجمعنا الكتاب والسنة / وأن الفروق بين آراء المذاهب كلها فروق بسيطة - لأنها لو كانت كبيرة لكانت ذكرت في الكتاب والسنة / ولذلك فإن هذه الفروق البسيطة لا داعي لإجبار الناس على بعضٍ منها دون الآخر / ولكن يكفي أن يختار كلُّ واحدٍ منا ما يشاء منها وفى الوقت والحكم الذى يشاؤه أيضاً... فلماذا لا نغض البصر عن هذه الإختلافات الفقهية و نتعايش ببساطة : نعبد الله ونتلو القرآن ونقرأ كتاب رياض الصالحين وصحيح البخارى؟ ألا يكفينا هذا ؟

نقول : إن غض البصر عن الإختلافات الفقهية / وإنكارها : ليس هو بالرأى الرشيد ، لأن الله تعالى ذكرها وأقرها . قال تعالى: (ولا يزالون مختلفين) 119 – هود. بل علّمنا الله تعالى ماذا نفعل حيال ذلك الإختلاف ، ليس بالتجاهل والإنكار للإختلاف ، ولكن بأن نرده إلى من يحسن إستنباط (أى إستنتاج) الأحكام من النصوص. قال تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) 83 – النساء.
يعنى مثلاً :

المسافر لو يصلى الجمعة
الحديث فى هذا الباب (فى كتبنا) يقول :" أربعة لا جمعة عليهم العبد والمريض والمسافر والمرأة " . والأعمى كذلك لا يلزمه شهودها عند أبى حنيفة عملاً بقوله تعالى : " ليس على الأعمى حرج "،
والمبحث الآن : ما الحكم التكليفىّ الإصطلاحىّ المترتب على قوله صلى الله عليه وسلم : لا جمعة عليهم ؟
يعنى ماذا لو صلاها المسافر مع علمه أنها ليست عليه : (مستحب/مباح/مكروه؟)


وبالفعل رأينا الصحابة لمّا اختلفوا فيما بينهم واحتكموا إلى النبى صلى الله عليه وسلم لم يتجاهل الإختلاف، ولكنه – تارةً - أقر الصواب وأنكر الخطأ بكل حزمٍ كما فى مسألة الجنب الذى حكموا عليه بالغسل بالماء البارد فمات، - وتارةً أخرى - عفا عن المخطىء وأقر رأى الطرفين كما فى مسألة صلاة العصر فى بنى قريظة.
ثم إن الصحابة لمّا اختلفوا من بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، احتكموا إلى مجلس قضاء عمر رضى الله عنه، ثم إلى مجلس علىّ رضى الله عنه. وكذلك فعل التابعون من بعدهم احتكموا إلى الفقهاء منهم ولم يستنبط كل واحد منهم لنفسه بنفسه.
وكل خلفاء وأمراء الدولة الإسلامية على مر عصورها كانوا على دراية باختلاف الفقهاء، وكان لهم وجهة ورأى حيال ذلك الإختلاف، ولم يقفوا حائرين تائهين، ولا ملفقين بأهوائهم ليقولوا : " الكل صواب " ! بل كانوا يختارون ويبحثون عن الصواب ويحكمون بمنهج واضح المعالم. (مع ملاحظة أن الدولة العثمانية كانت تحكم بالمذهب الحنفى على مر ستمائة عام)
ذلك أن الفقه بأحكامه فى المعاملات الحياتية اليومية / من عقودٍ وقضاءٍ وميراثٍ وحدودٍ وجناياتٍ ودياتٍ – وكل ما يدخل فى ذلك من أمور خلافية خطيرة ومصيرية – كل ذلك : لا غنى عنه ولا بد منه فى حياة الناس التفصيلية ولا يمكن أن يقال أنها خلافيّات فى أمور فرعية . واعلم أن رجال الفقه هم الفقهاء. والإختلاف بينهم فى الإستنباط : هو واقع حتماً وأثبته الله فى قرآنه كما ذكرنا بأعلاه.
إذاً ختاماً - نقول : إن إنكار الإختلاف والقول بكلمة كتاب وسنة فقط بلا منهج ترجيحىّ : إنما هو غفلة أو تغافل/
والنجاح كل النجاح : لمن عزم واجتهد فى البحث عن الصواب فى المسائل بأدلته، واتباع ذلك الصواب ونصرته والعمل به،
وتذكر إن شئت أن النبى صلى الله عليه وسلم – هو نفسه – توقع وأثبت : بأننا ربما لا نجد للكثير من الأمور: حلولاً مباشرة فى ظاهر نصوص الكتاب والسنة، وذلك عندما قال صلى الله عليه وسلم : " فإن لم تجد ؟ " ، قيل : "أجتهد رأيى".
فهذا الإجتهاد : لابد له من منهج : وهذا المنهج هو الذى يسمى : "ما ذهب" إليه فلان ، ثم سهّلت إلى كلمة : "مذهب فلان".
وإلا سيكون العموم والشمول الذى يؤدى إلى السطحية والتهميش وانعدام الوجهة والهوية وفقدان المنهج والقصد، أو يكون البديل بأن يلتزم الكل بقانون مدنى ذى أصول أجنبية ويبقى الدين للعبادة، وكلاهما شىء شديد الخطر. كل ذلك بسبب إعجاب السلفية بظاهر النصوص والأسانيد وإعجاب الأزهر بوسطيته التوفيقية التى لا منهج لها فى الجمع بين آراء المذاهب إلا بحسب حال السائل. ولم يعتبر أحد منهم مقام أبى حنيفة فى المنهج الأصولى الذى أثمر كل اعتدالٍ وسماحةٍ وتيسيرٍ. والله تعالى ولىّ التوفيق.