صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 26 من 26

الموضوع: إلى أهل العلم: أصعب مثال محرج في التحسين والتقبيح

  1. القسم الثاني: من التعليق على ما كتبته أيها الفاضل:
    لقد قلتَ:
    المتيسر لنا أكثر من المتيسر لهم.
    1- كل كتبهم متيسرة لنا
    2- كثير من كتب خصومهم متيسرة لنا
    3- الإنترنت متيسر لنا حيث يمكنك أن تناقش خصوم الأشاعرة الفكريين في المنتديات
    4- كتب الفلسفة الغربية والشرقية متيسرة لنا.
    5- والجامعات تعرض بشكل أكاديمي مواقع المدارس الفكرية المختلفة في تاريخ الفكر الإنساني
    6- وهناك التطور العلمي الحديث الذي جلب معه شبها فكرية كثيرة نقاشاتها تصقل الأفكار
    7- وهناك تطورات علم الرياضيات والمنطق الرياضي
    8- وهناك الاختراعات الحديثة التي نشطت قدرة الخيال العلمي
    9- وهناك قصص الخيال العلمي وأفلام السينما .... الخ
    10- وهناك الكمبيوتر

    أقول:
    أنا أصلا أتكلم معك أنت لا مع مجموع الناس الموجودين في هذا العالم، ولعلك لم تعلم مرادي عندما قلت لك في تعليقي الأول
    "قولك المتيسر لنا، بصيغة المجموع:
    إن أردت به لمجموع البشرية فلا ينفعك هنا لأنك أنت الذي تتكلم في هذه المسألة.
    وإن أردت به أنت فلا أسلم أنا به لأنه يظهر من كلامك أنك غير مطلع كفاية على ما قالوه، وأخص علماء الأشاعرة، نعم يظهر من كلامك أنك قد فكرت كثيرا في هذه المسائل، ولكنك غير مطلع على كثير مما قالوه، كما سأظهره لك. "
    وقد ظهر لي حتى الآن صدق كلامي السابق لا كلامك.
    فادعاؤك أن كل كتب الأشاعرة متوفرة لنا، فهذا غير صحيح لا لي ولا لك ولا لنا أي أهل هذا المنتدى.
    وتعميمك عبارة عن مغالطة أخرى منك ومجرد تسرع آخر.

    هل تعول كثيرا على أن من تصادفهم على الإنترنت يمثلون فعلا خصوم الأشاعرة، أن أن من يناقشهم على أنه أشعري أنه فعلا أشعري، كيف وحالتنا على خلاف ذلك أصلا.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. القسم الثاني: من التعليق على ما كتبته أيها الفاضل:
    لقد قلتَ:
    المتيسر لنا أكثر من المتيسر لهم.
    1- كل كتبهم متيسرة لنا
    2- كثير من كتب خصومهم متيسرة لنا
    3- الإنترنت متيسر لنا حيث يمكنك أن تناقش خصوم الأشاعرة الفكريين في المنتديات
    4- كتب الفلسفة الغربية والشرقية متيسرة لنا.
    5- والجامعات تعرض بشكل أكاديمي مواقع المدارس الفكرية المختلفة في تاريخ الفكر الإنساني
    6- وهناك التطور العلمي الحديث الذي جلب معه شبها فكرية كثيرة نقاشاتها تصقل الأفكار
    7- وهناك تطورات علم الرياضيات والمنطق الرياضي
    8- وهناك الاختراعات الحديثة التي نشطت قدرة الخيال العلمي
    9- وهناك قصص الخيال العلمي وأفلام السينما .... الخ
    10- وهناك الكمبيوتر

    أقول:
    أنا أصلا أتكلم معك أنت لا مع مجموع الناس الموجودين في هذا العالم، ولعلك لم تتبين مرادي عندما قلتُ لك في تعليقي الأول
    "قولك المتيسر لنا، بصيغة المجموع:
    إن أردت به لمجموع البشرية فلا ينفعك هنا لأنك أنت الذي تتكلم في هذه المسألة.
    وإن أردت به أنت فلا أسلم أنا به لأنه يظهر من كلامك أنك غير مطلع كفاية على ما قالوه، وأخص علماء الأشاعرة، نعم يظهر من كلامك أنك قد فكرت كثيرا في هذه المسائل، ولكنك غير مطلع على كثير مما قالوه، كما سأظهره لك. "
    وقد ظهر لي حتى الآن صدق كلامي السابق لا كلامك.
    فادعاؤك أن كل كتب الأشاعرة متوفرة لنا، فهذا غير صحيح لا لي ولا لك ولا لنا أي أهل هذا المنتدى.
    وتعميمك عبارة عن مغالطة أخرى منك ومجرد تسرع آخر.

    وهل تعول كثيرا على أن من تصادفهم على الإنترنت يمثلون فعلا خصوم الأشاعرة، أن أن من يناقشهم على أنه أشعري أنه فعلا أشعري، كيف وحالتنا على خلاف ذلك أصلا.
    وأما قولك" كتب الفلسفة الغربية والشرقية متيسرة لنا."
    فهذا فيه ما سبق.
    وأما قولك" والجامعات تعرض بشكل أكاديمي مواقع المدارس الفكرية المختلفة في تاريخ الفكر الإنساني "
    فأقول إن كنت تعتمد فعلا على الجامعات وأراك تعتمد ذلك كثيرا، فهذه مصيبة أو أنك لا تعرف مصائب الجامعات، ومن قال لك أن فكرا عربيا تطور من خلال إحدى الجامعات العربية والإسلامية الموجودة حاليا؟ وهذا بخلاف الجامعات الغربية حيث إن كثيرا من الأفكار والفلسفات الغربية تطورت من خلال الجامعات.
    فقولك هذا لا يفيدك، ويدل على ضعف اطلاعك على ما تشتمل عليه الجامعات.
    وأما كلامك عن التطورات العلمية في مختلف الميادين حتى في السينما، فنحن على اطلاع على كثير من ذلك، وما ذكرته أنت حتى الآن لا يفيد كثيرا في معالجة المسائل وحلها حلا جديدا كما تدعي.
    على أننا لا نلقي على ما ذكرتَه أملا كبيرا، لأن هذا لا يؤثر على جوهر المسائل التي يدور عليها الكلام.
    ولعلك لو لاحظت التطور الفكري في هذه المسائل العقائدية منذ القدم حتى الآن لعرفت حقيقة ما أقول من أنها لا تعتمد في أكثرها على المخترعات العلمية أصالة أي في أصولها الكلية، بل نعتقد أن أكثر العلوم المعاصرة والتظورات في المذاهب العلمية والنظريات، لو اعتمد المذاهب الكلامية والنظريات التي فيه، لدفعته هذه كثيرا إلى الأمام.

    معظم كلامك حتى الآن خطابي لا قيمة فعلية له.

    وسوف أكمل الكلام على ما أودعتَه في رسالتك الأخيرة تباعا.
    والله الموفق.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #18
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128

    القسم الأول من الرد على أسئلة إسماعيل

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله

    وبعد، فهذه مناقشات وإجابات لما سألت عنه.
    فسؤالك: (هل من الجائز عقلا أن يجعلك الله تعالى تقتنع اقتناعاً خاطئاً بأنك مكلف؟)
    أقول فيه: المفهوم من السؤال أنه عن الإمكانية العقلية لاقتناع غير المكلف بأنه مكلف. لأن هذا الأمر إما أنه ممكن أو محال، لاتفاقنا على أنه ليس بواجب. وأخرجت من فهمي للسؤال قولك أن يجعلك الله، لأن الأمر إن صح إمكانه فالله قادر عليه، وإن صح وقوعه فلا خالق له إلا رب العالمين. وما العبد إلا كاسباً أو مضطراً، وعلى القولين فما من قناعة إلا والله خالقها.
    وأود لو تلاحظ أن الحقيقة في نفس الأمر بحسب فرضك هو أن المسؤول غير مكلف، والقناعة أو الاعتقاد الحاصل في نفسه هو أنه مكلف. وعليه فلا أشك أنك توافقني على أن هذا الاعتقاد الذي في نفسه هو على خلاف الواقع بدليل تقييدك له بالخاطئ. فيلزم على ذلك أنه في تلك الحالة غير عالم بحقيقة حاله من عدم التكليف. بل هو إما واهم بتلك القناعة أو ظانّ في أحسن أحواله، ضرورة أنه العلم لا يمكن أن يقع على خلاف الواقع. بخلاف القناعة والاعتقاد. ودليله الشاهد.
    إذا تقرر ذلك فينبغي أن يلاحظ السائل والمجيب أن المعني بالقناعة هنا ليس هو المعني بالمعرفة والعلم، وإلا كان معنى السؤال: هل يمكن أن يعلم المسؤول بعلم يخالف الواقع. والتناقض فيه ظاهر. لأن العلم لا يكون إلا مطابقاً للواقع، فكأنا قلنا: هل يمكن أن تكون قضية القناعة مطابقة للواقع، وغير مطابقة له في آن. فيكون الجواب بالنفي على الاستحالة، لأن المتناقضتين لا تصدقان معاً، ولا تكذبان معاً. فعلم أن السؤال قطعاً عن إمكان حصول القناعة على خلاف الواقع، لا عن إمكان العلم على خلاف الواقع. وفرق كبير بين الأمرين. وعليه فكل قناعة على خلاف الواقع فهي غير مبنية على علم، بل على ظن وما دونه. فتنبه.
    ثم إن سلمت أن الإنسان غير خالق لأفعاله، وانفعالاته، وكيفيات نفسه، علمت أن كل قناعة فإن الله خالقها، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، وسواء قلت إنه كاسب أو مضطر. وبناء على ما مضى من التوضيح، أقول: نعم يجوز أن يخلق الله في نفس الإنسان اقتناعاً بقضايا مخالفة للواقع. ومنكر هذا مكابر. لأنه في الشهد واقع وكثير.
    ولكن ههنا بحث لطيف ومفيد، فقد قلنا إن الإنسان في قناعته تلك إما أنه كان مختاراً حراً كاسباً، أو أنه كان مضطراً. وعلى كل إما أن يكون قد حصل تلك القناعة بالبداهة أو النظر. وطريق البداهة لا يسلم لاختلاف العقلاء في معرفة هل هم مكلفون أو لا. فيبقى طريق النظر. فأقول: إذا كان السائل يسأل عن تأدي المسؤول لقناعته بمقدمات كل واحدة منها قطعية، وكانت مرتبة في صورة منتجة. أي أن ذلك الإنسان حصل برهاناً تاماً على أنه مكلف في حين أنه غير مكلف، فهذا مستحيل الحصول، ولا يمكن أن يجوزه عاقل. لأن البرهان العقلي مفيد للعلم، فالكلام فيه كالكلام في العلم كما مضى.
    فيبقى أن تكون تلك القناعة قد حصلت له بالكسب لا عن برهان وهذه القناعة لا اعتداد بها ولا إشكال فيها. أو بالاضطرار دون سبب عادي، بحيث وجد نفسه مقتنعاً بتلك القناعة إثر خلق الله لها في قلبه دون استخدام منه لأي طريق عادي من طرق المعرفة، وهذا صريح في الجبر، كقوله تعالى (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) فإن الآية كما تحتمل أن يهيء لهم من الأسباب العادية وطرق الهداية ما يجعلهم مهتدين، فهي تحتمل أيضاً الصورة التي ذكرناها من حملهم على الهدى قسراً وجبراً دون اختيار وإرادة منهم. ولكنا نعلم من الشاهد أن بعض الناس مؤمنون بالتكليف وبعضهم ليسوا كذلك. فعلمنا أن الله لم يشأ ذلك. فسقط أن يكون الله تعالى قد حمل الناس جميعاً على الإيمان بذلك أو أنه حملهم جميعاً على إنكار ذلك. فبقي من الاحتمالات عند اعتبار الاضطرار أن يكون قد حمل بعضهم على الإيمان وبعضهم على الإنكار. أو أن بعض الناس كسبوا إيمانهم، وبعضهم كسب إنكاره وهو القسم الذي لا إشكال فيه، وبعضهم مجبور على إيمانه، وبعضهم مجبور على إنكاره. ولكن السؤال المهم هنا هو هل بإمكان الإنسان المجبور على قناعة ما، أن يتوصل بما خلقه الله تعالى من وسائل المعرفة إلى صحة أو خطأ قناعته أم لا؟ أي أن يعرف فيما إذا كان مكلفاً أم لا. ويتفرع على هذا السؤال أسئلة أخرى، مثل هل يمكن أن يكون الإنسان الذي حصل برهاناً على صحة أو خطأ قناعته راغباً في تبديل هذه القناعة على وفق الدليل ولكنه غير قادر على ذلك. أما أنا فأقول بالإمكان معرفة البرهان على ثبوت أو نفي التكليف، وأنه يمكن لكل إنسان أن يبدل قناعاته لبواعث من الأدلة أو الأهواء، ولا تلازم بين الدليل والقناعة، وكل إنسان يعرف ذلك من نفسه، ومنكره في الشاهد مكابر. وأقول أيضاً بأن معرفة أننا مكلفون حصلت لنا من خبر الرسول، وليس قبل ذلك. لأن مستند التكليف الأوامر والنواهي، ولا حكم قبل الشرع والبعثة. ولأن من شروط التكليف بلوغ الدعوة، ولا بلوغ للدعوة قبلها. ولأنا لم نكن نعرف أن البلوغ شرط في التكليف إلا من الخبر، فما أدرانا قبل البعثة أن الصبي المميز الذي لم يناهز الحلم ليس مكلفاً مع أن بوسعه القيام بالتكاليف الشرعية. فأقول نحن لم نعرف أن الله كلفنا بشيء إلا بعد أن أرسل لنا رسولاً أخبرنا بذلك. فتوقيف معرفة (أن هذا رسول من عند الله صادق فيما يقول) على معرفة (أن الله كلفنا بتكاليف معينة أو حتى أنه كلفنا مطلقاً) ادعاء غريب منك، وهو دور لا محالة.
    لا أقول إن معرفة (أنه يجوز أن يكلفنا الله تعالى قبل البعثة) هو الادعاء الغريب الذي يلزم عنه الدور، بل هذا لو لم يصح في العقول لم يأبه أحد بالرسل. وهذا الإمكان يجب قطعاً تسليمه قبل التصديق بأن الله كلفنا. ولكن الغريب هو القول بتوقف معرفة صدق الرسول على معرفة أن الله كلفنا. وفرق كبير بين معرفتنا لجواز أن يكلفنا الله تعالى، وبين معرفتنا بأن الله كلفنا بالفعل. وحين أتأمل قضية أن الله كلفنا مع قضية صدق الرسول فيما يقول لا أجد تلازماً بين القضيتين. فلا أجد أن معرفة صدق الرسول سواء بالمعجزة أو بغيرها من الأدلة متوقفة على معرفة أن الله كلفنا بالفعل أو أنه يجوز أن يكلفنا. وقد تكلمت في هذا الموضوع في رسائلي السابقة، ومنعت هذه الملازمة، أي أنني طالبتك بالدليل عليها، لأنك لا شك إذا كان لك اطلاع على المنطق فإنك ستسلم لي أن هذه الملازمة غير بينة. وما دامت غير بينة فلا بد أن تقيم لي الدليل بياناً لها. ولا يقبل منك أن تقول إنني أقول بهذه الملازمة ولا دليل عندي على هذا الادعاء.
    وتلخيص الجواب عن سؤالك هو أن السؤال بالفرض مبني على أن الله تعالى لم يكلف الإنسان، لأن السائل وصف الاقتناع بالخاطئ. وهذه مقدمة غير مسلمة للسائل. والصيغة المقبولة والأعم للسؤال هي أنه هل يجوز أن يجعل الله الإنسان مقتنعاً بصحة أمر خاطئ؟ والجواب نعم. ومنكره مكابر، ودليله الشاهد. وما قناعة السلفية على أن الله تعالى ذا حد وفي جهة وأنه جالس على العرش إلا أمثلة على قناعة خاطئة مخالفة للواقع المكشوف عنه بالدليل العقلي. والله تعالى خالق هذه القناعة وجاعلها في نفوسهم بتلك الكيفية، سواء قلت بالكسب أو قلت بالجبر، كما لا يخفى. وأن كل قناعة خاطئة فلا يمكن أن تكون منبنية على علم.
    قولك: (هل من الجائز عقلا أن يخلق الله تعالى أفعالاً تجعلك تعتقد اعتقاداً خاطئا بأن مشيئته تعلقت بشيء ما)
    أقول: أنا أجيب بنعم على ما هو أعم من سؤالك. وهو (هل يجوز عقلاً أن يخلق الله تعالى أفعالاً تجعلك تعتقد اعتقاداً خاطئاً) فأقول نعم.
    ولكني أنبه على أن المراد من السؤال، هو أنه إذا جاز ذلك، فلم لا يقال إن الله تعالى خلق المعجزة وجعلك تعتقد بصدق الرسول، وهذا الفعل في نفس الأمر غير دال على صدقه. وقد يراد من السؤال أنه لم لا يجوز أن يكون الله قد أجرى المعجزة على يد كذاب وأوهم الناس بصدقه. فهذا فعل لله وأنتم تجوزون أن يخلق الله فعلاً يحصل للناس اعتقادات باطلة.
    فأقول: اعلم أن إجابتي بنعم هي التزام بالإجابة على السؤال على ما هو المفهوم من السؤال، وكذلك كل إجابة أجيبها عن سؤال يطرحه على أي واحد. وأنت قد تعني أشياء أخرى تقصدها من وراء سؤالك ولكن سؤالك إذا لم يطلبها صراحة فلا أكون ملزماً بالإجابة عنها. وهذا ما دعاك سابقاً إلى القول بأنني أقطع الكلام أو أنني لا أتفاعل مع أسئلتك التفاعل المطلوب، مع أن هذا لا يلزمني. ولكني بدءاً من الرسالة السابقة اتبعت أسلوباً آخر في الكتابة كما ترى يعتمد على التحليل والاستدلال وذكر بعض من التفاصيل.
    وعلى أي حال، فلا يلزم من جوابي عن سؤالك بنعم، أن كل فعل يفعله الله تعالى فمن شأنه أن يؤدي إلى اعتقاد خاطئ لدى شاهده أو مبلَّغه بالتواتر. كما لا يخفى. بل إن بعض الأفعال يمكن أن نتصور أن تقع على صورة لا يمكن معها ورود احتمال الخطأ في فهم دلالتها. وبالتالي فإن الاعتقاد المبني على المدلول أي المفهوم من هذا الفعل الدال، لا يمكن أن يكون اعتقاداً خاطئاً. وإنما يكون الاعتقاد خاطئاً في هكذا حالة إذا لم يستند هذا الاعتقاد إلى هذا الفعل بوصفه دالاً دلالة مستيقنة عليه أي على الاعتقاد. ولو كان كل فعل يقع في العالم يدل على احتمالات كثيرة، واعتبر في ذلك محض الجواز العقلي دون القانوني العادي، لما استقام في الأذهان ولا انضبط لا شرع ولا علم طبيعي مطلقاً. ومثال ذلك من الفيزياء التي تختص أنت بها أن رذرفورد لما قذف رقاقة الذهب بجسيمات بيتا وخرجت معظم الأشعة من الجانب الآخر مستقيمة. لزم عنده أن معظم حجم الذرات المكونة لتلك الرقاقة فراغ. فهل هذا اللزوم لزوم عادي أم عقلي محض. إنه لا شك لزوم عادي. لأن العقل يحتمل أنه: لم تكون جسيمات بيتا استقرت في الرقاقة وخرجت من الرقاقة جسيمات بيتا جديدة. أو لم لا تكون جسيمات بيتا حين وصلت رقاقة الذهب وحين بلغت الرقاقة دخل جز منها الرقاقة والتف الجزء الأكبر حولها عشر مرات مثلاً ثم خرج مستقيماً بالقرب من طرفها الثاني بحيث يبدو كأنه خارجاً منها. ولو أردت أن أضع احتمالات عقلية جائزة من حيث هي جائزة في العقل دون العادة لوضعت على هذه التجربة وحدها آلاف الاحتمالات. ولكن العلم الذي تدعي أنك تتمسك به لا يبني استنتاجاته أبداً على مجرد الاحتمالات العقلية، بل يعتبر العادة قطعاً لأنه يسلم مسبقاً بنتيجة فلسفية ليس أصلاً من اختصاص العلم إثباتها، وهي أن للعالم حقايق، منضبطة بقوانين، فيستيمت العلماء في الكشف عن هذه القوانين، وبناء التطبيقات على أساسها، ولو لم يثق العلماء بالعادة القانونية لما اخترع أي منهم اختراعاً واحداً. وهذا من الفروق الدقيقة بين العلم من جهة والكلام والفلسفة من جهة أخرى كما أراك تجهله. وكذا الفرق بين محض الإمكان العقلي والعادة الذي لا أراك حققته بما يكفي.
    وإني أقول: إن المعجزة تقع بحيث يفيد النظر فيها العلم القطعي بصدق الرسول. وبذلك تكون دالة دلالة عادية قاطعة على صدقه. وهذا ما سأبرهن لك عليه كما وعدتك باستخدام صفة الكلام النفسي إذا أردت وبطرق أخرى أيضاً إذا طالبتني بالمزيد. ولا تتعجل في الحكم على ما أدعي قبل أن تقرأه فإنك لم تقرأ شيئاً مما لدي بعد. وسأثبت لك أنه لا مصادرة على المطلوب مطلقاً كما تدعي أنت.
    المهم أنه إذا وجب عندنا عادة صدق الرسول، فيكون كل ما يأتي به فهو صدق وحق، وهذا هو عين البرهان عندي على أن الله تعالى كلفنا. فإني أقول: الرسول وجب صدقه. والرسول قال أنتم مكلفون. فوجب صدق أننا مكلفون. فهذا البرهان تام إذا برهنت على مقدمتيه. أما الأولى فسآتي بها عما قليل. وأما الثانية فثابتة بالتواتر.
    واعلم أني أقول: إن كل ما ثبت عن الرسول أنه قاله فيجب أن يكون صحيحاً مطابقاً للواقع، لوجوب صدق الرسول. سواء استطعنا البرهنة على ما قاله من طريق آخر أو لا. مع قولي بأن كل ما أثبته الشرع فيمكن الاستدلال على ثبوته، وكل ما أبطله الشرع فيمكن الاستدلال على فساده. وهذا مما اشتغل به المتكلمون. وما دام يمكن معرفة الحق بالاستدلال ارتفع الإشكال عن احتمال ابتلاء الله أناساً بالكثير من الشبه، فإن تلك الشبه سواء أدت بهم إلى اعتقاد خاطئ أم لا، فبالإمكان دائماً التوصل إلى الحق فيها إما بالنظر المباشر ممن عرضت له تلك الشبهة إذا كان أهلاً للنظر فيها أو بسؤال القادرين على النظر، ولهذا شرع السؤال فقال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وقال: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
    وعودة إلى السؤال: فإذا كان السؤال دائراً على أن الله تعالى حين خلق المعجزة اضطر الناس الشاهدين عليها جميعاً إلى الإيمان بصدق الرسول، لأنه ليس في المعجزة دلالة على صدق ما يقوله الرسول، أفلا يحق لي أن أسأل النافي على ماذا تقول أنت أن المعجزة دلت إذا لم يكن فيها دلالة على صدقه. فحين دعا موسى ربه أني إن كنت صادقاً فيما أقول فظلل بني إسرائيل بجبل يكون فوق رؤوسهم. فكان كما دعا. ثم إنهم كلما آمنوا به وصدقوه ارتفع الجبل عنهم نحو السماء، وكلما عاندوه وماحكوه وهموا بتكذيبه اقترب الجبل من رؤوسهم حتى كأنه سيسقط على رؤوسهم فيخافون ويرتجعون فيرتفع الجبل عنهم، فهل يقول العقل والعلم والأكاديميا أن الله تعالى يفعل هذا الأمر على هذه الصورة مقارنة لدعوى الصدق هكذا اتفاقاً، وأنه ليس في هذا الفعل دلالة على صدق موسى عليه السلام؟ أنا فعلاً أسأل النفاة إذا لم يكن في هذا دلالة على صدقه فعلى ماذا تدل؟ أم أنها لا تدل على شيء؟ وأنا لا أريد أن أستبق الأمور فسأتكلم كما وعدت في كيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول بتفصيل عند الإجابة على سؤالك الأخير.
    وأختم مناقشة سؤالك الثاني بالتنبيه على أن مشيئة الله تعالى قديمة قدم ذاته العلي، لأنها صفة من صفاته، وأنا لا نملك الكشف عن تلك المشيئة إلا بعد تحقق متعلقها بالفعل، أو عن طريق الخبر الصادق فيما لم نطلع عليه مما كان أو سيكون. ومن باب الأخير ما ادعيناه من علمنا القطعي بثواب المحسن وعقاب المسيء، وأنه يستحيل أن يقع عكس ذلك.
    ولقد ادعى المعتزلي أن كلام الله فعل. وباركت قوله بصورة أو بأخرى، وادعيت أنت فوق ما ادعاه أن العقل يجيز أن يكذب الله علينا. لأن الكلام عندك فعل ممكن في نفسه، وقلت في نفس الوقت بأنه لا يجب على الله فعل شيء ولا يستحيل عليه فعل شيء من الأفعال، فيجوز عليه فعل الكذب. فلزم على قولك من أن الله إذا قال لنا: (سيصلى ناراً ذات لهب) أنه لا ثقة لنا بهذا الخبر. فقد يقع في يوم القيامة خلافه فيدخل الله أبا لهب الفردوس الأعلى، لأنه لم لا يكون الله قد فعل هذا الفعل الذي هو إخباره في القرآن أنه سيصليه في النار ليجعلنا نعتقد اعتقاداً خاطئاً بذلك. وأنا أسألك على ما اخترته: هذا الفعل الذي هو قول الله (سيصلى ناراً ذات لهب) إذا اطلعنا عليه فهل يجعلنا نعتقد اعتقاداً خاطئاً أم اعتقاداً صحيحاً بالمفهوم منه؟ أم أنا لا يمكننا معرفة ذلك؟ وعلى الكل، فهل المفهوم منه كذلك في الحقيقة ونفس الأمر أم أننا نفهم منه ذلك لأن الله يفهمنا ذلك وهو الحقيقة غير دال على ما فهمنا منه. أم هذه أيضاً مما لا نقدر على الإجابة عليه. أنا لا أريد إجابات على هذه الأسئلة، ولكني أذكرها للقراء على سبيل تأملها.
    وعلى أي حال، فحاصل الجواب عن السؤال هو ما ذكرته أولاً، مع عدم تسليمي بأن خلق الله للمعجزة مقارنة لادعاء النبوة والصدق والتحدي هي من باب أفعال الله تعالى التي يمكن أن تفيد لذاتها مدلولاً ينبني عليه اعتقاد فاسد هو صدق الرسول عند العقلاء.
    هذا جواب سؤاليك الأولين، وستأتيك الإجابة عن الباقي على التوالي كلما فرغت من طباعة قدر يحسن الوقوف عليه بالحجم المسموح به في المشاركة والواحد، وأرجو أن لا تجيبني بشيء قبل أن أتم الجواب عن جميع أسئلتك.
    يتبع......
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  4. #19
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128

    القسم الثاني من الرد على أسئلة إسماعيل

    الحمد لله، وبعد
    فقولك: (المعتزلة يقولون: هذا مستحيل لأنه قبيح)
    أقول: لست معنياً بقول المعتزلة الآن. أنا أتكلم معك أنت. فإذا قلت لي إن جواب المعتزلة صحيح بينت لك تهافت هذا القول، وأنه كلام إقناعي واهٍ جداً لو تأملته، لأن قولهم هذا مبني على الحسن والقبح العقليين. وأنه يجب على الله فعل الحسن، ويستحيل عليه فعل القبيح، المبني على أن للأشياء حسناً وقبحاً ذاتيين. مع أن كل إنسان عاقل لو تأمل دقيقة وترك المراء لعرف أن حسن الأشياء وقبحها أمران إضافيان يقاسان بالنسبة إلى أمر آخر، لا أنهما صفتان للأشياء. ولعمري كيف يثبت المعتزلي حسن صوم رمضان وقبح صوم شوال إذا لم يستند في ذلك إلى تحسين الشارع وتقبيحه.
    وأود أن ألفت النظر إلى تحقيق طرف من قول الأشعرية في مسألة الحسن والقبح لعل بعض الناس لا يتنبهون إليه، وهو أننا نميز بين ثلاثة إطلاقات للحسن والقبح، الأول أنه يمكن أن يراد بالحسن ما يكون صفة كمال، وبالقبيح ما يكون صفة نقص، والثاني أنه قد يراد بالحسن ما يلائم الطبع وبالقبيح ما ينافره. والثالث: أن يراد بالحسن ما يتعلق به في العاجل المدح وفي الآجل الثواب، والقبيح ما يتعلق به في العاجل الذم وفي الآجل العقاب. فأما الأولان فلا نخالف في كونهما عقليين بمعنى أنهما يمكن أن يدركا بالعقل. فتنبه.
    وأما المعتزلة فإذا كانوا يمنعون مثلاً أن يكذب الله تعالى لأن ذلك قبيح على معنى أنه يستلزم النقص والافتقار وهو مستحيل على الله تعالى، قبلت ذلك منهم وبصمت بالعشرة. ولكن بشرط واحد هو أن يسلموا لي أن الصدق والكذب وصفان للكلام الذي هو صفة للمتكلم، وليس فعلاً له، لأن الصفة إذا قامت بالموصوف فإنها إما أن توجب له نقصاً أو توجب له كمالاً، وأما إذا نظروا إلى الكلام على أنه فعل، وأنه في ذاته قبيح، لذلك لا يفعله الله تعالى. فلا نقب منهم هذا المعنى أبداً لقبح الكذب، مع موافقتنا اللفظية لهم بأن الله تعالى يستحيل عليه الكذب. وبالله كيف يستلزم الكذب النقص في ذاته تعالى إذا كان فعلاً، ومعلوم أن فعله لا يقوم به. وهذا هو الفرق بين قولنا نحن إن الكذب مستحيل على الله تعالى لكونه يوجب أن يكون ذات الإله المقدس ناقصاً، وبين قولهم بأن الله لا يكذب لأن هذا فعل قبيح. فهم نظروا إلى أن الكذب قبيح في ذاته، وما دام كذلك والله عالم بذلك قطعاً فهو لا يفعل ما يعلم أنه قبيح. فلعمري أليس هذا تخصيصاً للإرادة بالعلم يلزمهم كما حاولت إلزامي بأن الكلام يخصص الإرادة وهو لا يلزمني كما سأبينه لك في محله، ثم لعمري كيف عرفوا بأن الكذب قبيح في ذاته ومن الكذب ما هو نافع وضار. والعقلاء مجمعون على أن من الكذب ما هو نافع كالذي يمشى به في الإصلاح بين الناس وقد أجازه الشرع. والكذب في الحالين له حقيقة واحدة، والحقايق المتساوية لها لوازم متساوية قطعاً، فكيف حكموا على الكذب النافع بالحسن وعلى الكذب الضار بالقبح، والنفع والضر المذكوران لم ينظر فيهما إلى الكذب باعتبارهما وصفين ذاتيين له أوجبا قبحه أو حسنه، بل هما أمران خارجان عن حقيقة الكذب يفهمان من حال من يلقى عليهم ذلك الكذب. وإن من فهم قول المعتزلة بالحسن والقبح العقليين والتزمه، فإنه يلزمه الكثير من اللوازم الظاهرة البطلان، وإذا أردت أن نفتح في ذلك حواراً في موضوع منفصل فلا مانع عندي أبداً.
    وأما الثالث فنحن لا نقول إنه من المستحيل أن يكشف العقل عن ما هو حسن أو قبيح بهذا المعنى، ولكننا نقول إن العقل لا يوجب ذلك، ولا اعتبار في هذا الأمر إلا لكلمة الشارع. لأن الثواب والعقاب هما مما يترتب على موافقة أو مخالفة الأحكام الشرعية، ولا حكم قبل الشرع، والحاكمية لله تعالى وحده لأنه رب العالمين. فالمعتبر في التحسين والتقبيح بهذا المعنى هو قول الشارع. فالله تعالى أوجب علينا أشياء وندبنا إلى أشياء وأباح لنا أشياء وكره لنا أشياء وحرم علينا أشياء. وبعض ما أباحه لنا وحسنه كان قد حرمه وقبحه على غيرنا من الأمم، والعكس صحيح. فكيف يفسر المعتزلي ذلك بناء على الحسن والقبح الذاتيين للأشياء؟ وشحم البقر والغنم هو هو لم يختلف، فلم حرمه الله تعالى على اليهود واستقبحه لهم وأحله لنا واستحسنه. الجواب على هذا لا يمكن أن يصح إلا على مذهب الأشعرية وهو أن الله تعالى لا يسأل عما يفعل، وما حسنه فهو حسن، وقبحه فهو قبيح، كل ذلك بإرادته، ولو أراد غير ذلك لنا لوقع. ولا نمنع أن يستطيع العقل التوصل إلى حكمة الله البالغة من وراء بعض هذه الأمور، ولكننا لا نقول إن العقل هو الذي يوجب أن يكون هذا الفعل قبيحاً وذاك حسناً على المعنى الثالث، كما ذكرنا. وهذا غيض من فيض في مسألة الحسن والقبح. والاستدلال على فساد قول المعتزلة فيه يكون باستدلالات أخرى، لا أقول بوجوه أخرى للدليل الواحد، بل بأدلة أخرى، وهو منثورة في كتب الأشاعرة إذا أردت الاطلاع عليها.
    قولك: (أنا أقول: هذا فعل. وكل فعل ممكن في نفسه لا تخصصه إلا المشيئة الإلهية فتوجبه أو تمنعه)
    أقول: هذا الكلام لا غبار عليه، إذا وافقتني على التنبيهات والتقييدات التي قيدت بها المراد من السؤالين.
    قولك: (والقول بأننا نعلم بأن المشيئة الإلهية تمنع هذا الشيء هو مصادرة على المطلوب)
    أقول: بصرف النظر عن كيفية وقوع المصادرة من قول أحدهم إن هذا الفعل لن يقع لأن الله تعالى لم يشأ له أن يقع، فإن هذه المصادرة إن سلمت فلا تلزمني لأني أجبت على السؤالين بنعم. ولكني أسأل: إذا كان علمنا بالمشيئة لا يمكن أن يقع لنا إلا بالخبر أو بوقوع الحادث في الوجود. فهل يمنع العقل أن يقع الفعل على صورة تكشف عن إرادة الله أمراً معيناً آخر غير الذي وقع فعرفنا من وقوعه إرادة الله لوقوعه؟ وهل يمنع العقل أن نفهم من وقوع ذلك الفعل على صورة معينة شيئاً يريده منا الفاعل؟ وهل يمنع العقل أن يقع الفعل على صورة تدلنا على صحة قضية تتعلق بمن وقع له الفعل؟ ثم هل يمنع العقل أن يقع الفعل على صورة تدلنا على معنى قائم بالفاعل، ثم إذا نظر العقل في هذا المعنى علم أن هذا المعنى القائم بذاته لا يمكن إلا أن يكون قديماً، لأن هذا الفاعل قديم لا تقوم به الحوادث؟
    هذه أسئلة أريدك أن تجيب عليها. وإن نفيت أياً فبين لم نفيت.
    وأخيراً أنبه على أن مطلوب السائل من سؤاليه إذا كان هو معرفة إمكانية وقوع فعل ما من الله مستقبلاً. وسلم جواز ذلك الفعل بمعنى المفعول في نفسه، ونحن نعلم أن كل فعل جائز في نفسه لا يمكن أن يقع إلا إذا تعلقت إرادة الله تعالى وقدرته بوقوعه، ولم يكن لدينا معرفة سابقة من خبر صادق أن الله تعالى لم يشأ خلق ذلك الفعل، فإن الجواب بأن الله تعالى لا يمكن أن يقع منه ذلك الفعل أبداً لأنه لم يشأ ذلك، جواب تحكم لا عن دليل. لأن معرفة أنه سيقع أوْ لا متوقفة على معرفة وجود مانع قديم هو مشيئة الله تعالى، وذلك لا يعرف إلا بالخبر الصادق، فإذا فقد الخبر امتنع معرفة أن هذا لن يحدث أبداً، وعليه يكون القول بأن هذا الفعل لن يقع تحكم. وأريد من باب الاستفسار والاطلاع على معرفتك بالمنطق أن ترتب لي استدلال المجيب بالنفي بحيث لزم عندك أنه صادر على المطلوب.
    قول: (هو جائز عقلاً ولكنه لا يحصل -كما أؤمن- وليس عندي برهان)
    أقول: جوابك معناه أن هذا الأمر جائز الوجود في نفسه، مستحيل الوجود لغيره. فعليك أن تبين ما هو غيره هذا الذي أحال وجوده. فإن سلم لك الخصم تلك الإحالة، وإلا فعليك أن تقيم الدليل على إحالة ذلك الغير لوقوعه. ولا يقبل منك أن تقول هذا ما أومن به وليس عندي برهان. لأن الإيمان إما أن يقع عن دليل أو لا عن دليل، والأول لم يقع لك كما أشرت إليه. والثاني قد يقع تقليداً لإنسان آخر سواء وافق الهوى أو لا، وقد يقع عن محض هوى النفس لا عن تقليد أحد. ولا يشترط في الإيمان الذي عن دليل أن يكون الدليل فيه برهاناً (وهذا لا يعني مطلقاً أننا أقمنا أصول ديننا على المظان لا على البراهين، ولكني أتكلم عن الإيمان عموماً بوصفه كيفية للنفس قد تحدث للمؤمن دون أدلة، كما هي حالك في هذه المسألة). ولكن المهم أنه لا بد من مرجح لاختيارك هذا الإيمان دون غيره من المحتملات، فعليك أن تبين لم ترجح عندك هذا القول على ذاك.
    ولو كنت مكانك لما قلت هذا الكلام الذي لا قيمة له، ولقلت مثلاً أنا أتوقف في هذه المسألة، فلا أزيد على جوازه المسؤول عنه شيئاً. لأني مثلاً نظرت فإذا بالأدلة على احتمال الأمرين متساوية، ولا ترجح لأدلة أحد القولين على الآخر.. إلخ من كلام معقول يقبله مباحثك. فإنك نصبت نفسك في موقع الناظر الباحث، فعليك أن تقرن القول بالدليل.
    قولك: (أنت تقول: هذا لا يكون. وعندك البرهان: ..... (ما هو؟ أعتقد أنك ستقول ببرهان يعتمد على الكلام النفسي كما فهمت منك على الهاتف)
    أقول: أنا قلت ما كتبت وما قرأت أنت وغيرك في هذا المنتدى، ولكن يبدو أنك لم تفهم كلامي بدقة، ولعلي أجبت عن السؤالين السابقين بكلام مفيد جداً في رسالتي السابقة، وبينت بالضبط ما الذي أجيزه وما الذي لا أجيزه. وسأكمل الإجابة عن أسئلتك جميعها إن شاء الله تعالى، بحيث تتبين بما لا يدع مجالاً للبس حقيقة قولي في كل ما سألت عنه. أما سؤالك عن البرهان، فإن كنت تقصد برهاناً على استحالة أن يكون الله تعالى قد أظهر المعجزة على يد الكذاب تصديقاً له، مع أن هذا فعل جائز عندك فسيأتيك الكلام في تفصيله عند الإجابة عن سؤالك الأخير زيادة على ما كتبته لك حتى الآن وما سأكتبه حتى أبلغ ذلك الموضع، كما وعدتك، وسأستخدم الكلام النفسي فلا تقلق.

    سؤالك: (هل تفكرت في هذه المسألة قبل حوارنا هذا أم هي من ثمرات هذا الحوار؟ وإذا كان الجواب نعم فهل قرأت هذه المسألة في مكان ما؟)
    أجيب: مع أن هذا لا يعنيك ولا علاقة له ببحثنا، ولا أعرف على التحديد الغاية من سؤاله. والسبب في إجابتي أني أريد أو أوضح بعض الأمور لك وللقراء. فأقول: قد قابلت أناساً كثيرين في حياتي، ورأيت وبخاصة ممن هم من أبناء جيلي ممن درسوا العلوم البحتة والتطبيقية في الجامعات أنهم ينظرون بعين الاستصغار للتراث الفكري للمسلمين، وما ذلك إلا لعدم اطلاعهم الكافي على هذا التراث. وهم مفتونون بالنظريات الغربية الحديثة في شتى العلوم. ولما يستخدم الواحد منهم نظرية ما –وكثيراً ما أكتشف من حديثي معه أن لا يفهم تلك النظرية بشكل صحيح- ليخرج عليها بحسب فهمه تفسيراً لخبر ديني، أو يرد قولاً لأحد القدماء –وأيضاً كثيراً ما تجد أنه لا يفهم معنى ذلك الخبر من جهة الوضع اللغوي وأنه هل يحتمل ذلك المعنى الذي يريد أن يلبسه له أو لا- أقول تراه إذا فعل ذلك حسب أنه وحيد دهره، وأنه جاء بالمعجز المبهر، وبنهاية التحقيق، ومنتهى القول، وفصل الخطاب، ويرى فضله على كل السابقين والمعاصرين بأنه لم يتنبه لهذا الأمر غيره. مع أن ذلك يكون مكتوباً في الكتب ومقرراً ومعلوماً بالضرورة عند العلماء، وقد حصل ذلك معي شخصياً عند بداية طلبي للكلام، وتكرر معي حتى لم يعد يدهشني، وقد وقع لبعض أصحابي، فلما أطلعتهم على معرفة القدماء بذلك اندهشوا غاية الدهشة. والسبب في ذلك كما أشار الشيخ سعيد في كلامه مع إسماعيل أن هذه الأمور غير مرتبطة بالاكتشافات الحديثة، بل هي مما يمكن للعقل أن يتوصل إليه بالنظر.
    لا أقول إنه لا يمكن أن يأتي واحد بشيء جديد فهذا سخف. ولكني أقول كثيراً ما يتوهم الناس أنهم توصلوا إلى أشياء لم ينتبه إليها أحد من قبلهم وهي في الحقيقة معلومة ومتقررة ومشهورة منذ زمن بعيد.
    وإن الطريقة العقلية التي اعتمد عليها علماؤنا القدماء طريقة محكمة في غاية الدقة، وما التجربة التي يتبجح العالم اليوم إلا فرعها حين لا يقدر العقل عن ترجيح واحد من المحتملات لتوقف ذلك الترجيح على معرفة العادة والطبيعة اللازمة عن الحقيقة في نفس الأمر، فيلجأ للبرهنة على ثبوت واحد من المحتملات العقلية بالتجربة، التي لا يمكن أن ينتج عنها أمراً يحيله العقل عادة، ولكن ناتجها بالضرورة هو أحد المحتملات العقلية التي يتوقف العقل في معرفتها على أمر آخر فيصار إلى التجربة لتكشف عن المقدمة التي تنقص العقل ليصل إلى النتيجة.
    وعلى أي حال، فأريد أن أقول لك إنني فكرت قبل أن أعرفك وأقرأ كلامك في هذه المسألة، لا لأني العبقري الفذ، ولكن كل من يقرأ استدلالات العلماء على جواز إرسال الرسل وجواز التكليف وصحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكيفية دلالة المعجزة على صدقه وغير ذلك من المسائل فإنه سيفكر في هذه المسألة لأنه ببساطة سيجد ما سألت عنه موجوداً في كتبهم ومبحوثاً في أحسن ترتيب وسيجد الجواب عنها. ولقد قرأت كتاب الأربعين للإمام الرازي، وحضرت عن الشيخ سعيد قسماً جيداً من شرحه له، قبل أن أعرفك، وقد ذكر الرازي في مسألة إثبات النبوة أهم الشبه المتعلقة بالتكليف، والبعثة، والتواتر، وخرق العادات، وعبثية التكليف، وذكر أهم الاعتراضات على دلالة المعجزة على وجوب صدق الرسول. وزاد على الشبه من عنده على سبيل التبرع –كما قال- شبهاً، وذكر أمثال هذه الأسئلة التي سألتها وأصعب منها. وأجاب عنها. وعقد في المطالب العالية أربعة عشر فصلاً في شبه الطوائف المنكرة للنبوة ودلالة المعجزة وذكر في الفصل الثامن والتاسع والعاشر شبهك هذه وسؤالك الأخير بالنص، وجميع ما أشرت إليه من أسئلة فقد نثره الرازي رحمه الله في هذه الفصول، ورتبها وقواها على أتم وجه، ولو اطلعت عليها لهالتك صدقني، ثم عقد فصلاً من أربع صفحات بين فيه ثلاثة أصول تلزم للنقض على هذه الشبه، في إشارات ذكية للإجابة عنها دون تفصيل، كما هو المعهود من طريقته. وسيف الدين الآمدي في أبكار الأفكار وضع أربعين شبهة على أدلة إثبات النبوة، أقلها في مستوى صعوبة أسئلتك، وذكر في ثناياها جميع أسئلتك. وأجاب عنها جميعاً بما يرفع الإشكال. وغيرهم كثير. فما تتكلم فيه شبه مشهورة عند علماء الأشاعرة، لأنها مجرد احتمالات عقلية ترد على الدليل، ولذلك فقد فكروا فيها وأجابوا عنها، لأن الدليل لا يتم إلا بمنع الاحتمالات الواردة عليه. ولهذا لزمهم أن يبطلوا تلك الاحتمالات، فلزمهم التفكر في تلك الشبهات.
    وأحسبك ذكياً بما يكفي لتلاحظ أنني لا أجيب على قدر السؤال بالقدر الذي يكتفي به المناظر من المناظر، ذلك لئلا تقول إني لا أرغب في التفاعل معك ومع أسئلتك بحسب طلبك. وأحيطك علماً بأني لم أقل كل شيء خطر ببالي ولا وقع تحت يدي، ولا اعتمدت حتى الآن على الإجابات التي أودعها المتكلمون في كتبهم بحرفيتها لئلا تقول هذا ينسخ من الكتب ويأتيني فأين فهمه لها، وفي كل كلمة قلتها فاعلم أني بحسب علمي وفهمي للمذهب الأشعري فإني لم أخرج عن أصوله، بل ألتزم في إجابتك كأشعري. وأنا ألزم نفسي بمواصلة البحث ما دمت أردد النفس، فقد قلت لك سابقاً إنني كنت مشغولاً وقد فرغت لك.
    هذا ما أردته في هذه الرسالة، وفي القسم القادم من الإجابة سأبحث الكلام النفسي إن شاء الله وما سألت بخصوصه، وإن بقي مجال أتممت الحديث في موضوع دلالة المعجزات على صدق الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والحمد لله رب العالمين.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  5. الأخ إسماعيل المحترم،

    أعلق هنا بشكل مختصر على بقية كلامك السابق
    أولا: توضيحك لبرهان التطبيق وإبطال التسلسل، فيه فكر وتصوير ساذج، كما كنت ستعلم لو راجعت معلوماتك!
    ثانيا: السنوسي لم يقل بما نسبته أنت إليه في السنوسية الكبرى. فراجعها، لو سمحت. فيكون اتهامك له باطلا وبلا دليل.
    ثالثا: الضوابط للمذهب الأشعري، بل لأي مذهب آخر، لا يمكن أن يدركها إلا واحد تعمق قليلا في محاولة فهم ما قاله أصحاب المذهب، وهذا ما لا أراه فيك حتى الآن، بل أنت تعتمد على مجرد فكرك، أنت! ولكل مسألة ضابط فيها.
    رابعا: أما الخلاف بين العلماء كما هو في اعتراض السنوسي على الرازي، وكما في خلاف السعد والشريف في بعض المسائل، وغيرهم، فهذا ناتج لكون هؤلاء علماء، ولا يستلزم ذلك خروج واحد منهم عن المذهب بالكلية، إلا بعد تحقيق وجه خروجه، واعلم أن اعتراض السنوسي على الرازي، غير موجه، كما تتخيل أنت، وبناء على ذلك فلا يستلزم خروج أحدهما عن المذهب. وأما الشيخ مصطفى صبري والكوثري فهو الخلاف القديم بين الأشاعرة والماتريدية في مسألة الأفعال، ومن قال من العلماء أنه لا يوجد خلاف بينهم؟!
    خامسا: وماذا يعني لو خالف واحد من هؤلاء الإمام الأشعري، أليس العالم يجب عليه القول بما يترجح عنده، ولكن على كل الأقوال، فإنه إذا خالف الأشعري، يعرف أين خالفه ولم خالفه، ويعترف أنه خالفه، ولذلك ينسب إليه خلافه، فهذا هو البحث الحقيقي المجرد لطلب الحق. وأما من يخالف ولا يعرف لم خالف ولا يقول أنه يخالف، أو يراوغ في إعلان خلافه تحت ستار البحث؟ ! فهذا تصرف مقدوح عندي. بل الواجب على الباحث التصريح بما يعتقد بوضوح، وإن خالف.
    سادسا: إنا وإن كنا نقول فلان خالف المذهب، فإن عمدتنا في مناقضته، ليس مجرد كونه خالف المذهب، بل هي مخالفته للأدلة التي يستند إليها المذهب. ولذلك نحاكمه إليها. وهذا هو التفكير الحقيقي والالتزام الحقيقي بالمذهب.
    ولا تظن أن الالتزام بالمذهب يجيء عندنا بالتشهي والتمني، ولا لأننا نحب فلانا أو نكره فلانا، لا والله، بل كل ما قلنا فإنما نقوله للدليل الذي يعجز كثير من المدعين عن نيله أو إدراك وجهه.
    والسلام عليكم
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  6. #21
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128

    القسم الثالث من الرد على أسئلة إسماعيل

    بسم الله الرحمن الرحيم،
    الأخ إسماعيل،
    سؤالك: (ألست تحتاج الآن إلى صفة الكلام لبيان معاني جديدة واجبة للألوهية غير متضمنة في العلم والإرادة؟)
    أقول: الكلام معنى مغاير قطعاً للعلم والإرادة. أما أنني أحتاجه أو لا أحتاجه فذلك يعتمد على موضع ذلك الاحتياج، فإن إثبات الكلام النفسي لله تعالى حل وفسر كثيراً من الأمور التي يصعب فهمها دون ملاحظة أن الله تعالى متكلم بالمعنى الذي يقصده الأشاعرة. وسيأتي تفصيل لذلك في هذه الرسالة.
    قولك: (ألا يعني هذا أن دليل صفة الكلام النفسي لا يجوز أن يكون سمعيا فقط، وإنما يجب أن يكون عقليا؟)
    أقول: القضية ليست أنه يجوز أو لا يجوز، فلو صرح الشرع في الخبر بأن كلام الله تعالى صفته، وأنه كلام نفسي بالمعنى الذي يقول به الأشاعرة لما وقع الخلاف بيننا وبين نفاته. ولكن الذي حصل أن القدر الذي صرح به الشرع، أوجب وقوع الإجماع على أن الله تعالى متكلم. ثم اختلف في معناه. فقالت المعتزلة خالق للكلام، وقالت الكرامية محدث للكلام في ذاته، وقالت الأشعرية الكلام صفة المتكلم كما هو المفهوم من الاشتقاق اللغوي، وهو معنى مغاير للعلم الذي هو صفة انكشاف، وللإرادة والقدرة وهما صفتا تخصيص، لأن الكلام صفة بيان، وما يبين عنه لا يشترط فيه أن يكون مراداً أو غير مراد، أو مقدوراً أو غير مقدور، ولكن الإبانة لا تعقل إلا عن معان، فلو لم تطابق الواقع لوقع الكلام عن جهل يستلزم نقص الإله. فلما ثبتت الإبانة قطعاً لمغايرتها للعلم والإرادة والقدرة عقلاً، قطعنا أنها تتعلق بكل ما تعلق به العلم من المتعلقات، وأن ما يفيده هذا البيان والكلام لا بد وأن يكون علماً، إذا كانت دلالته على المفهوم منه سواء بالمطابقة أو التضمن أو باللزوم دلالة قطعية. وهذا ما نقوله في وعد الله للمؤمنين بالجنة أو بأنه يستخلفهم في الأرض إلى غير ذلك مما وقع في القرآن الكريم مما يدل على المفهوم منه دلالة قاطعة، ولما دل الكلام دلالة قاطعة على هذه الأمور، علمنا أنها لا شك واقعة، وأنه لا يمكن أن تقع على خلاف ما أخبر به الله ورسوله، لأن ذلك يستلزم نقص الإله، وهو محال. فوجب أن يقع كل ما أخبر به على الوجه الذي أخبر. وأن هذا الكلام لكونه صفة فلا يتصور فيه الكذب، كما بينته في الرسالة السابقة.
    والمعنى الذي أدور عليه هو أن الأشعرية لما زادوا على القدر المجمع عليه بين الفرق الإسلامية وهو (أن الله متكلم) وزيادتهم هذه هي أن الكلام صفة وأنه مغاير للعلم والاعتقاد والقدرة والإرادة. طالبهم الخصوم بدليل عقلي على ذلك. وهذا حقهم. لأنهم لم يجدوا دليلاً بيناً من الشرع على قولهم. فأقاموا الأدلة العقلية على قضاياهم هذه، لأن ما جاء به الشرع ظاهر في ذلك وليس نصاً فيه، فصرف معنى الآيات والأحاديث الواردة في ذلك إلى هذا المعنى الذي يقصده الأشعرية دون ما دونه من المعاني يحتاج إلى دليل. وهو ما سنبينه حالاً إن شاء الله. فالقضية ليست كما تقول أنت أنه لا يجوز أن يكون الدليل على الكلام النفسي أو حتى أي معتقد مطلقاً شرعياً فقط، بل يجب أن يكون عقلياً. بل ذلك جائز فيما لم يكن ثبوت الشرع متوقفاً عليه، كوجود الجنة والنار والملائكة مثلاً فهذا من المعلوم من الدين بالضرورة إلا أن دليله مستفاد من الشرع لا من العقل. وهو كاف للعلم بوجود هؤلاء جميعاً إذا قام الدليل على وجوب صدق الخبر. والعلم بأن الله سميع بصير لا يتوقف ثبوت الشرع على ثبوته، فيكتفى بإثباته له بدليل الشرع. وكذا كونه متكلماً فلا يتوقف ثبوت الشرع على ثبوته، ولكن لما زدنا على هذا القدر المجمع عليه لا تشهياً بل لأن النظر أدى بنا إلى القول به، احتجنا للاستدلال على هذا القدر الزائد من طريق العقل وبيانه للمخالف.
    وأود أن أنبه على أنك ربما توهمت بأني أقول (إننا لا نعرف بأن الله متكلم إلا من الشرع، وأنني أقصد بكونه تعالى متكلماً أنه متصف بصفة الكلام، وأستدل على كون الرسول صادقاً بأن الله متكلم، فهذا دور، لأن إثبات الكلام يتوقف على ثبوت الشرع، وثبوت الشرع يتوقف على صدق الرسول، فإذا أوقفنا صدق الرسول على إثبات الكلام لله وهو لا يعلم إلا من الشرع، فقد أوقفنا ثبوت الشرع على أمر يثبت بالشرع، فهذا دور).
    ولكن الأمر ليس كذلك، فإني أقول إن صدق الرسول فرع وجوب صدق الله واستحالة تصور الكذب عليه، فلو أجزنا الكذب على الله تعالى ارتفعت الثقة بكلام الأنبياء فوراً ولم يثبت شرع مطلقاً. ومعرفة وجوب صدق الله تعالى واستحالة الكذب عليه لا تتوقف على مجيء الشرع بأن الله يجب له الصدق ويستحيل عليه الكذب. بل إن ذلك يعرف بالعقل. ويعرف بالعقل أيضاً من المعجزة أن الله تعالى يصدق ما يخبر به هذا الرسول عنه، فيلزم عند الناظر من هاتين المقدمتين أن الرسول صادق فيما يخبر. كما سأبينه في موضعه. فليس هناك دور يبطل إثبات النبوة بالمرة.
    قولك: (هلا وضحت إذن ماذا تعني بالكلام النفسي ودليل وجوده العقلي وصلاح هذه الصفة لحل الإشكال)
    أقول: إنا نلاحظ في الشاهد أن كل من يلفظ لفظاً مستعملاً فإنه يعبر به عن معنى يختلج نفسه. وحقيقة ذلك المعنى الذي قام في النفس تختلف عن حقيقة اللفظ. لأن المعنى يبقى هو هو وتختلف الألفاظ الدالة عليه في اللغة الواحدة واللغات المختلفة. فلو أشرت لك بأن تسقيني لفهمت طلبي، ولو قلت لك اسقني لفهمت نفس المعنى، مع أن حقيقة الإشارة تختلف عن حقيقة اللفظ، وكلاهما يختلفان عن حقيقة المعنى القائم بالنفس، مع أن كلا الأمرين دال عليه. ولأنه لا شك بأن هذه الأمور المتعددة دالة على ذلك المدلول، والدال غير المدلول قطعاً. ولأن هذا الدال لكي يدل على ذلك المدلول يحتاج فيه إلى تواضع الناس واصطلاحهم على ذلك، أما المعنى الحقيقي القائم بالنفس فلا يحتاج فيه إلى الوضع والاصطلاح ولا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والألسنة. وهنالك بحوث أخرى أكثر من ذلك لارتكاب إثبات التغاير بين الدال والمدلول. وأظن أن هذا القدر للمطلع على المنطق واضح لا نزاع فيه.
    وعلى أي حال إذا ثبت هذا الفرق والتغاير والتمايز بين الدال والمدلول. فإننا نقول لا خلاف بيننا على أننا نعرف هذا الدال سواء كان لفظياً أو غير لفظي، ولكن الخلاف في مدلول ذلك الدال، ما هو. ولا خلاف أيضاً في أن المدلول منحصر في أنه إما أن يكون هو الإرادة أو العلم أو الاعتقاد أو شيئاً آخر متميزاً غير هذه جميعاً وهو ما تسميه الأشعرية الكلام النفسي.
    كما أننا نلاحظ أيضاً تميزاً في الذهن بين المدلول إذا كان طلباً أو إذا كان إسناداً عقلياً. وعليه يلزمنا أن نفرق بين الكلام بوصفه طلباً من جهة وبين الإرادة والقدرة والعلم والاعتقاد من جهة أخرى، كما يلزمنا أن نفرق بين الكلام بوصفه إسناداً عقلياً أو حكماً ذهنياً وهو ما يسمى بالقضية أو الخير من جهة وبين الإرادة والقدرة والعلم والاعتقاد من جهة اخرى.
    وأما الدليل على أن الطلب ليس هو الإرادة فوجوه:
    أولها: أن الله تعالى أمر بإيمان من يعلم أنه لن يؤمن. ولا يمكن أن يقال إنه تعالى أمره بالإيمان بمعنى أنه أراد منه أن يؤمن، لأنه لو أراد ذلك منه لوقع. ولأن خلاف المعلوم بأنه سيقع يستحيل وقوعه. فلما تحقق الطلب مع علمنا بعدم إرادة المطلوب، علمنا بأن حقيقة الطلب مغايرة لحقيقة الإرادة. لأنه لو كانت حقيقة الطلب هي عين حقيقة الإرادة لكان كل ما يطلب متحققاً قطعاً ووجوباً. لأن الإرادة متى تعلقت بوجود أمر ما وجد ذلك الأمر وجوباً كما وافقت عليه في أكثر من موضع في كلامك.
    وثانيها: أنه قد يوجد الطلب بدون الإرادة، وقد توجد الإرادة بدون الطلب. أما الثاني فظاهر لأن كل إنسان يتصوره في الشاهد، وكم نقول لبعضنا أنا أريد منك أن تفعل كذا، ولكني لا أطلب ذلك منك. وأما مثال الأول أنك إذا أمرت زيداً بأن يأمر عمرواً بفعل شيء ما، وفعل، فإن زيداً قد يكون كارهاً وغير مريد لأن يفعل عمرو ما أمره به. فههنا حصل في الشاهد الطلب ولم تحصل الإرادة. ومثاله أيضاً: أن عبداً لو شكا للقاضي أن سيده يضربه، فسأل القاضي السيد لم بطشت به، فقال السيد إنه لا يطيعني مهما أمرته، فأمر القاضي السيد أن يأمر العبد بشيء لكي ينظر أيطيعه عبده أم لا، فإن السيد سيأمر عبده بأمر وهو لا يريد منه أن يأتمر به ويفعله لكي يثبت حجته عند القاضي. فههنا وقع الطلب في الشاهد على خلاف الإرادة. فثبت منه تغايرهما.
    وأما الدليل على أن الخبر ليس هو الإرادة: فلا شك أن إسنادنا القيام لزيد في قولنا زيد قائم أو قام زيد ليس هو قدرتنا على إقامة زيد ولا قدرتنا قول ذلك ولا علاقة له بالقدرة مطلقاً، وظاهر أيضاً أن قولنا ذلك ليس هو إرادتنا لقيامه ولا إرادتنا لقول ذلك ولا تعلق له بالإرادة مطلقاً، ولكن ما يمكن أن يتوهم فعلاً، هو أن هذا الإسناد الذهني هل هو نفس علمنا بقيامه أو أنه نفس اعتقادنا بذلك القيام أم أنه أمر آخر غير ذلك العلم وذلك الاعتقاد.
    فنحتاج إلى البرهان على أن هذا الخبر القائم بالنفس هو معنى مغاير للعلم والاعتقاد والقدرة والإرادة ليتم كلامنا. والدليل على هذه المغايرة أني حال علمي واعتقادي بأن العالم حادث يمكنني أن أقول إن العالم قديم، لأن الذهن كما يمكنه أن يركب قضايا صادقة فيمكنه أيضاً تركيب قضايا كاذبة. والقضية الكاذبة يكون العلم بها والاعتقاد المبني عليه غير حاصل، فههنا حصل الحكم الذهني ولم يحصل العلم والاعتقاد المنبني عليه، فعرفنا قطعاً التغاير بين الحكم الذهني وبين العلم والاعتقاد المنبني عليه.
    ومن مجموع ما مضى نعلم أن الطلب الذهني المدلول عليه بالألفاظ وغيرها مغاير للإرادة التي قد تتوهم أنها عينه، وأن الخبر الذهني مغاير للعلم والاعتقاد اللذين قد يتوهم أنهما عينه.
    (واعلم أن ما ذكرته هنا تلخيص حسن لما هو مذكور ومقرر في كتب الأشعرية، وأن أئمة المذهب استفاضوا في بحث ذلك في كتبهم المطولة وأغنوا بحوثهم بمناقشات كثيرة، فارجع إلى ذلك لو أحببت)
    وتحرير الخلاف بيننا وبين المعتزلة في مسألة الكلام: أنهم قالوا إن الله تعالى إذا أراد أمراً أو لم يرده خلق أصواتاً في جسم ما، تدل هذه الأصوات بوصفها أفعالاً له على أنه تعالى أراد ذلك الشيء أو كرهه. أو أنه حاكم بثبوت أمر ما أو حاكم بانتفائه.
    أما نحن فإننا نقول: إن المعنى الذي يقوله المعتزلة نحن لا ننكره، بل نقول إن الله تعالى يمكن أن يخلق ما يدل على مراداته ويدل على ثبوت أمور يريد منا أن نعلم ثبوتها ويدل على أمور يريد منا أن نعلم انتفاءها. بل إنا ننظر إلى العالم بكل ما فيه على أنه أفعال الله تعالى الدالة على وجوب وجوده وعظمة ذاته وكمال صفاته وعلى كثير من الأحكام سواء تعلقت به سبحانه أو تعلقت بالعالم. ونرى في عقولنا أداة لفهم هذه المعاني والمدلولات بشرط الحس كما بينته سابقاً.
    ومع ذلك فإننا نثبت معنى آخر وراء ما قالت به المعتزلة، وهم ينكرونه. وهو أنا نقول إنه ثبت أن الكلام الحقيقي هو ذلك المعنى القائم بالنفس المغاير للقدرة والإرادة والعلم والاعتقاد في الشاهد. وندعي بأن الله سبحانه موصوف بهذا المعنى، وكل ما اتصف به الله تعالى وجب أن يكون قديماً وواحداً لا يتكثر مع كونه معبراً عن مدلولات كثيرة طلبية وخبرية.
    وما ينكره المعتزلة والكرامية علينا هو إثبات معنى آخر وراء الإرادة والعلم والاعتقاد. وإذا سلموه تنـزلاً فإنهم ينكرون أن يكون الله تعالى موصوفاً به، وإذا سلموه تنـزلاً فإنهم ينكرون كونه قديماً، وإذا سلموه تنـزلاً فإنهم ينكرون كونه واحداً.
    ولا يستقيم لنا الدليل إلا بإثبات تلك الخصائص التي ذكرناها نخن للكلام النفسي رداً على أسئلتهم علينا. أما إثبات التغاير بين الكلام والعلم والاعتقاد والقدرة والإرادة فقد بيناه. فيبقى أن نثبت أن الله تعالى موصوف به فنقول:
    ثبت بالتواتر من خبر الرسل أن الله تعالى أمر ونهى وأخبر كما جاء في الكتب السماوية ذات اللغات المختلفة. وهذه الألفاظ والعبارات الواردة في تلك الكتب دلتنا على مدلولات معينة، وهذه المدلولات إما أن تكون هي نفس العلم أو القدرة أو الإرادة أو الاعتقاد أو تكون شيئاً آخر. لا جائز أن تكون دالة على أي من هذه لثبوت التغاير بين حقيقة تلك المدلولات وبين حقيقة كل منها في العقل. فثبت أنه تعالى موصوف بمعنى حقيقي هو مدلول قوله تعالى افعل وهو مغاير لإرادته، وموصوف بمعنى حقيقي هو مدلول قوله سبحان الله وهو مغاير لعلمه، وهكذا. وهو المطلوب. إذ نحن نسمي هذا المعنى الكلام.
    (فصل في بيان توهمات وقعت لك من قراءتك لكلامي السابق مع أنه لا يدل عليه)
    وفي هذا المقام يجب أن تفهم أني لا أستدل ابتداءً على ثبوت صدق النبي (الذي هو فرع ثبوت صدق الله تعالى) بإثبات الكلام النفسي. لأني ببساطة أقول إن ما ألزمني القول بأن هنالك صفة وراء الإرادة والقدرة والعلم هي الكلام النفسي القديم هو ما أخبرنا به الرسول من أوامر الله ونواهيه وأخباره، أي أن إثبات الكلام النفسي ينبني على ثبوت كون النبي صادقاً ومبلغاً عن الله الأوامر والنواهي والأخبار. فأنا لا أقول مطلقاً بأن العلم بصدق ونبوة الرسول موقوف على العلم بكونه تعالى متكلماً. ولكن حين أتكلم مع أشعري يؤمن بأن الله تعالى متكلم بكلام نفسي، ويؤمن باستحالة الكذب على الله تعالى، ثم يسألني هذا الأشعري لماذا لا يجوز أن يكون الله تعالى قد خلق المعجزة تصديقاً لكاذب فإني يحق لي أن أجيب بأن المعجزة دالة على تصديق الله تعالى له، فصار تصديق الله تعالى لهذا الإنسان بمنزلة قوله تعالى هو صادق، لأن العبرة ليست في الدال بل في المدلول، فلا يرد علي أن الله لم يقل ذلك بمعنى أنه لم يخلق ألفاظاً تدل عليه، لأنا قد بينا أن الدال قد يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وغيرها ولكن المدلول وهو هنا القضية الذهنية الحاكمة بصدق الرسول هو معنى ثابت وحقيقي ولا علاقة له لا بالزمان ولا بالمكان، لذا فإنه يتصور قدمه وقيامه كمعنى في ذات الله تعالى مغاير للعلم والقدرة والإرادة، ويستحيل أن يكون على خلاف علمه تعالى. فأقول له بناء على ذلك ما قلته لك في أول رسالة، وهو أنك كأشعري كان لا بد أن تلتفت إلى أن ادعاء إمكان أن الله تعالى خلق المعجزة على يد كاذب يلزم منه لوازم باطلة تكفي لإحالته. لأنه يستلزم دلالته على كلام الله يكون على خلاف علمه، وهذا لا يعقل في كلامه القديم.
    ولأن الشيعي أو المعتزلي الذي كنت تناقشه لا يخالفك في أن الله أرسل رسولاً، ولا أن الرسول هذا صادق، ولا أن الله متكلم، ولا أن المعجزة دالة على صدق الرسول، ولا أن الله لا يقع منه الكذب سواء كان فعلاً أو صفة، فلهذا جاز لك أن تقدم هذا الدليل، فإذا قدمته نازعوك في الكلام النفسي، فعندها ينتقل الكلام إلى تلك الصفة فتقيم عليها الدليل كما بيناه، فإذا سلموا بثبوت الكلام النفسي صفة للباري تعالى، تم دليلك عليهم بإحالة تصديق الله دجالاً بالمعجزة، لأنه يلزم منه الكذب كصفة لا يمكن تعقلها في حقه تعالى، لأن المعجزة دالة على كلامه النفسي القائل بتصديقه، ويستحيل أن يتصور الكذب في الكلام النفسي. وأنت أقمت الدنيا ولم تقعدها لما قلت لك ذلك، واتهمتني بأني لم أتفاعل مع أسئلتك ولم أفهمها، مع أنني فهمت تماماً محل الكلام والسؤال ومضايقه ومزالقه، وكان كل بحث بحثته في رسائلي يدلك على أني أعي تماماً وأتنبه إلى كل المعاني التي تريدها. ولكني اشتبه علي أمرك كما اشتبه على غيري لإحساني الظن بك في مقالتك الأولى، فقلت ربما الرجل يقول بقول الأشاعرة ولكنه حين نقل المحادثات التي وقعت بينه وبين خصومه دخل شيء من كلامهم في كلامه، فلذلك سألتك أن ترتب كلامك بحيث نعرف ونميز أقوالك من أقوال مباحثيك، فكتبت لي ملاحظة لم تدل على فطنتك، قلت فيها إن الذي بالأزرق هو كلامك... إلخ. أوتحسبني لم أنتبه إلى ذلك؟ إن ما أردته من ذلك هو التحقق من أنك هل فعلاً تقول بتلك الأقوال الفاسدة مع ادعائك بأنك على مذهب أهل السنة الأشاعرة أم لا؟ فمباحثك الصدر كان يلزمك بإلزامات باطلة بناها على تجويزك القول بإمكان تصديق الله تعالى لمدع كذاب، وأنت تصر على إمكان ذلك لكونه فعلاً ممكناً فلم تمنع من وقوعه. فقلت لك ما قلت، من أن من يفهم المذهب الأشعري ويعتقد به لا يقول بقولك هذا لأنه لا يتبادر عند من يقول بالكلام النفسي القديم جواز تصديق الله لكاذب. (انتهى الفصل)
    وأعود للكلام النفسي، فبعد أن أثبتنا التغاير بين الكلام النفسي وغيره من صفات المعاني، وأثبتنا أنه صفة قائمة بالله تعالى، بقي إثبات كونه قديماً وكونه واحداً. أما كونه قديماً فلأنه لو كان حادثاً، فإنه إما أن يقوم به أو يقوم بغيره أو يقوم لا في محل. الأول باطل لكونه ليس محلاً للحوادث على الاستحالة. والثاني مثله لأنا بينا أن الكلام صفته، والصفة تقوم بالموصوف لا بغيره. فلو قامت بغيره لم يكن متصفاً بها ولكان صفة لغيره، كيف وقد أثبتنا اتصافه بها. وتنبه إلى أن المعتزلة حين قالوا إن كلام الله تعالى قائم بغيره لم يقصدوا كونه صفة بل قصدوا كونها فعلاً، وهذا هو الفرق بين تجويزنا لقولهم بأنه يقوم كلامه بغيره على مذهبهم، وبين إحالتنا لنفس المقالة على مذهبنا. فهم إنما قالوا بأن الله يخلق أصواتاً وحروفاً دالة بالوضع على مراده. ولكننا نقول إن الله تعالى قد خلق العالم بما فيه هذه الحروف والأصوات، وهذا العالم دال على وجوده ودال على علمه، ودال على إرادته، ودال على قدرته، ودال على حياته، وقدمه وبقائه ومخالفته للحوادث وعلى قيامه تعالى بنفسه، ودال على وحدانيته، فما الذي يمنع ما دام العالم يدل على جميع أوصافه وصفاته أن يدل على صفة هي كلامه أيضاً؟ إنني كما أشار لي شيخي العلامة الفهامة سعيد فودة مرة في بعض دروسه: أرى العالم كله كتاباً مفتوحاً أقرأ فيه ما يدل على كلامه سبحانه وتعالى. وهذا عين قولنا بأن المعجزة دالة على قوله تعالى: صدق عبدي فيما يبلغ عني. ومع ذلك فإننا لا نقول إن معرفة صدق الله أو معرفة صدق الرسول تنبني على إثبات الكلام النفسي لله تعالى. مع أن المثبت للكلام النفسي القديم يرى من هذه الجهة، أن الله تعالى يجب له الصدق ويستحيل عليه الكذب، فيبني على ذلك استحالة أن يصدق الله تعالى بالمعجزة دجالاً، لأن المعجزة دالة على تصديق الله له، ولا نفهم من هذا التصديق إلا معنى قائماً بذاته تعالى يغاير إرادته وعلمه وقدرته، وهو كلامه الذي يستحيل أن يكون على خلاف الواقع، كما يستحيل أن يؤدي النظر الصحيح في الدال على كلامه إلى إثبات شيء على خلاف الواقع. لأنا نقول إن النظر الصحيح في الدال على كلامه النفسي القديم إن توصلنا به إلى العلم القطعي، فلا يمكن أن يكون العلم على خلاف الواقع. وإن لم يتأد النظر بنا إلى العلم فلا عبرة به في هذا المقام، فلا يرد علينا أن فلاناً من الناس ممن لا يعرف كوعه من بوعه قد نظر في المعجزة فلم يتأد إلى القطع بأنها دالة على صدقه، بل نقول إنه لو توصل إلى العلم فلا يمكن أن ينافي الواقع، وإن توصل إلى غيره فليقل ما يريد، فلا حجة له علينا، لأنا نظرنا فأدى بنا النظر إلى العلم. ونظره لم يقد في نظرنا. لأنه إنما ما تأداه نظره إلى القطع بدلالة المعجزة على صدق الرسول إلا لأن نظره كان فاسداً.
    وبقي أن قيام الكلام لا في محل مع القول بأنه صفة لله باطل.
    أما كونه واحداً مع كونه أمراً ونهياً وخبراً ...إلخ، فلأن الكلام كله يرجع في الأصل إلى الخبر. وكل متعمق في هذه المباحث يعرف إمكان إعادة كل إنشاء إلى الخبر. وعليه يرتفع الإشكال إذا قلنا إن كلامه تعالى واحد لا يتنوع، ولا يتقسم. وإذا سلمت لي ما مضى فهذا الموضع هين. ولكني أركز الآن على مفاصل الخلاف والنـزاع بيننا ولا أريد أن أفصل الكلام في كل شيء.
    وبكل ما مضى من الكلام حتى الآن، نكون قد حررنا موضع النزاع بيننا وبين المعتزلة في مسألة الكلام. وأثبتنا ما نازعونا فيه من كونه مغايراً لصفات المعاني، وكونه صفة، وكونه قديماً، وكونه واحداً. وأكون قد أجبتك على سؤالك على أحسن الوجوه. والحمد لله رب العالمين.
    يتبع......
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  7. #22
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128

    تتمة القسم الثالث من الجواب عن أسئلة إسماعيل

    قولك: (الواضح في مدعاك أن صفة الكلام عندك تخصص الأفعال الجائزة فتجعل بعضها واجبة وبعضها مستحيلة. هذا لا نعلمه نحن إلا في صفة الإرادة)
    أقول: أبداً ليس هذا واضحاً من كلامي لو تأملته. وإذا فهمت أنت ذلك فأنا لا يلزمني ذلك ولا أقصده أبداً، فارجع للكلام وتأمله ولا تلزمني بما لا يلزمني. فأنا لا أقول الكلام صفة تخصيص. وحتى تفهم مرادي، سلم معي جدلاً أن الكلام النفسي صفة لله قديمة قائمة به تعالى، وأن القرآن دال عليها. إذا سلمت ذلك لحظة، ثم علمت أن الله تعالى أخبرنا في القرآن أن أبا لهب لن يؤمن. فهل يلزم من إخباره لنا ذلك الخبر أن كلامه هو المخصص لأبي لهب بالكفر؟ هذا غير لازم أبداً. لم لا يقال إن الله أخبر عن الغيب الذي لا يعلمه إلا هو، فأطلعنا على أنه لم يشأ إيمان أبي لهب، فمهما فعلتم ومهما فعل أبو لهب، فإنه لن يؤمن لأني لم أشأ حصول ذلك الإيمان. فالتخصيص حاصل بالإرادة لا بالكلام كما ترى. وأمثل لك بمثال آخر حصل مع كثير منا، وهو إخبار الواحد لأهل صاحبه قائلاً: بأن ابنكم لن يعود هذه الليلة إلى البيت. فإذا سألوه عن السبب، قال لهم: لأني أعلم أنه وقع له حادث مع سيارة أخرى، وهو في المستشفى للعلاج. فهل عدم عودة هذا الصاحب للبيت مسببة عن الكلام الذي قاله المخبر. الجواب بالنفي قطعاً، فكذا ههنا، فإني أقول إن إخبار الله تعالى لا يخصص، فإذا أخبرنا الله تعالى بأن أمراً ما لن يحصل فليس لكلامه مدخلية في تخصيصه. ودوران وقوع أمر أو عدم وقوعه دائماً على وفق ما أخبر، لا يستلزم تعليل الوقوع أو اللاقوع بالكلام كما لا يخفى على فاهم. بل يستلزم أن الإله مخبر عن كل ما تعلق به العلم من المتعلقات بكلامه القديم أزلاً وما زال متكلماً وسيظل كذلك أبداً، لأنه لا يتصور فيه أن يتكلم ويسكت، لأن الكلام ثبت قدمه، فاستحال عدمه. ولأن الكلام صفة قديمة فلا يمكن أن تدل على خلاف الواقع، لأن كلامه لو اعتراه ذلك لكان اتصافه تعالى به نقصاً على ما بيناه في الرسالة السابقة وزدناه بياناً في هذه. وهو على الله تعالى محال.
    قولك: (فهل قال أحد من الأشاعرة ما تقول؟ وهل هناك صفة ثالثة بخلاف المشيئة والكلام تخصص الأفعال كذلك؟)
    أقول: أنا لا أقول بأن الكلام يخصص الأفعال، وليس أحد من الأشعرية يقول بذلك. ثم إن المعتزلة يقولون بأن الله لا يفعل القبيح، فإذا سألتهم لماذا لا يفعل الله هذا القبيح ويفعل الحسن فقط، قالوا لأنه يعلم أنه قبيح، فهل تسمي عدم فعله القبيح لعلمه بأنه قبيح تخصيصاً للأفعال بصفة العلم. إذا قلت نعم، فأقل ما يقال فيه مع تنزل أنه يلزمني ولا أسلمه أن الإلزام مشترك. وقد تكلمت في ذلك بما فيه الكفاية حتى الآن، وبينت أنه لا يلزمني شيء من ذلك، بل الإلزام متوجه على المعتزلة لا علينا. وسؤالك على هذا النحو فيه ما لا يخفى من الاستهانة بفهمي لأقوال الأشعرية، وحسن بياني لمذهبهم. ولا داعي لمثل هذا الكلام. ولو أردت أن أتكلم بهذا الأسلوب لأسمعتك مما يؤذي ما لا تقدر على أن تتابع الكلام معي بعده، ولكني أترفع عن ذلك. وما فلتاتي بالتعريض بكلامك أحياناً إلا ردوداً على مثل هذه الطريقة في كلامك. فأرجوك يا أخ إسماعيل أن ترتفع إلى المستوى العلمي والأدبي الذي يعبر عنه كلامنا هذا، إذا كان في نيتك أن تتابع البحث معي. ولا أظن أن منصفاً يقرأ ما كتبت فيحكم علي بأني لم أخلص للبحث، فأرجو أن تثبت لي مثل هذا الالتزام في البحث والإخلاص مع الله والنفس في أثنائه. وأنا من هذه اللحظة أنتظر إجاباتك، على ما كتبت، وقد أجلت الكلام في سؤالك الأخير وهو وهو ما الذي يمنع أن يتسلى الملك لا لغرض؟ الذي أحيطك علماً بأنه مبحوث باستفاضة في كتب المتكلمين وهو عبارة عن مجرد احتمال عقلي وارد على التمثيل على الاستدلال لا على نفس الاستدلال، كما تتوهم، وكما قلت سابقاً فهم ناقشوا احتمالات كثيرة جداً بأضبط من مثل هكذا سؤال، وهو ليس بشيء، ولكني أؤجل الكلام فيه لأني أريد أن أبحث ذلك في قدر ما تتسع له مشاركة كاملة، في أثناء بياني لكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول، ولمعنى قول الأشعرية تتـنـزل المعجزة منـزلة قول الله تعالى صدق عبدي، فإنها عبارة على ما يغتر البعض من سهولتها وبساطتها من أعمق ما قرأته في حياتي، وأدقه، ونادراً ما رأيت من يردد كثيراً من كلام المشيخة ويحسن فهمه. وسآتي إن شاء الله بكلام جديد، وبحوث لطيفة، غير ما كتبته حتى الآن، وسأبين ما علقته ووعدت ببيانه في السؤال الأخير من مثل شرح عدم الاحتياج إلى إثبات الكلام الثابت بالشرع لإثبات صدق الرسول والشرع بالقدر الذي يلزم منه الدور أو المصادرة.
    أما قولك : (في الختام أذكر بقناعتي بأن ما أوردته من استدلالات بالمعجزة أو بصدق الرسول لا يكون إلا بعد ثبوت التكليف)
    فأقول: إنه كلام لا قيمة له بعد كل الأسئلة والمناقشات التي قدمتها على هذا الادعاء الغريب، وهو قول لا يقول به الأشعرية بحسب علمي وفهمي لمذهبهم. فإن كنت ما تزال ترى هذا الرأي فاقدح في استدلالاتي، وائتني بالدليل بياناً لهذه الملازمة كما سألتك في أثناء مناقشاتي لهذا القول. واعلم بأنا قد انتقلنا من مقام تحقيق الأقوال ونثر الشبهة والأسئلة، إلى مقام الاستدلال كل على ما يدعيه، وإبطال أدلة الآخر فيما ينازعه فيه. ولذا فلن أقبل منك أبداً من الآن فصاعداً قولاً غير مقترن بالدليل.
    والسلام عليكم
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  8. #23
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128

    القسم الأخير من الرد على إسماعيل

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخ إسماعيل،
    السلام عليكم، وبعد فهذا هو القسم الأخير من الرد على أسئلتك ومناقشتها، وذكر ما خطر على البال من التنبيهات والإشارات حولها، وأسأل الله سبحانه أن أكون قد وفيت الأسئلة حقها من الإجابة والبحث. وهذا ما بقي من وعد لم أنجزه، أشرع فيه طالباً من الله السداد والعصمة من الزلل.

    أوردت سؤالك الأخير وهو: (ما الذي يمنع أن يتسلى الملك لا لغرض فيغير عادته موافقاً للكذاب؟؟(
    على كلامي التالي: (أظن أنني بينت كيفية دلالة المعجزة على وجوب صدق النبي في بداية الرسالة إجمالاً، وإذا احتاج الأمر نقاشاً وتفصيلاً أكثر فيمكن أن نتكلم في ذلك حتى الصباح. ولكن هذه ليست مصادرة على المطلوب يا إسماعيل، لأن النبي كما قلت سابقاً، يدعي النبوة ويطلب أن يصدق، والمعجزة لا يقدر على عملها البشر، فإذا حدثت علم أنها من عند خالق البشر، وظهورها على يدي النبي وهو على تلك الحال من دعوى الصدق والإبلاغ عن الرب سبحانه، تشبه حال من حضر مجلس الملك فقال أيها الناس إن الملك يأمركم أن تفعلوا كذا وكذا وأنا رسول الملك إليكم، فصدقوني، وافعلوا ما تؤمرون، فمن أطاعني فقد أطاع الملك وأرضاه ونال عطاياه، ومن عصاني فقد عصاه وأسخطه ونال عقابه. فقالوا فما الدليل على صدقك؟ فقال الدليل أني أقول للملك خالف عادتك أيها الملك وافعل كذا وكذا إذا كنت صادقاً، فإذا فعل الملك ذلك تنزل فعله عند الحاضرين منزلة قوله صدق رسولي فيما يبلغكم عني. وإذا لم يفعل بان كذبه، ألا ترى أن هذا دليلاً كافياً للحاضرين لكي يصدقوه؟)
    فأقول: هذا ليس هو عين استدلالنا بل ليس هذا سوى مثال للتوضيح نستطيع أن نأتي بغيره، وأن نأتي به هو على وجه نقلل فيه كثيراً من الاحتمالات العقلية التي ترد علينا، كأن يكون ما طلبه الرسول من الملك أمراً يبعد تصور أن يتلهى الملك به على سبيل المجاراة له وبخاصة عند حفه بالمزيد من القرائن. ولو أنصف السائل وتأمل في القرائن المحتفة بدعوى الأنبياء لما قال ذلك. فهو إذاً مثال للتوضيح والتقريب دون الاستدلال. ثم إن سؤالك ينطوي على شيئين متنافيين وهما فرضك أنه لا غرض للملك في فعله، وفرضك أنه يتسلى. فالتسلي قطعاً غرض، والمجاراة غرض، وكل ما يمكنك أن تفرضه سبباً يدعو الملك لتصديق الرسول مع علمه بأنه كاذب لا يخرج عن أن يكون غرضاً. وعليه فنفيك الغرض عن الملك لئلا ألزمك بأن الله تعالى متعال عن الأغراض في أفعاله لم ينفعك هنا. مع أنني لم أكن أنوي ذلك لو لم تقيد السؤال بنفي الغرض.
    واعلم أن الأشعرية لا يقولون إن الله تعالى خلق المعجزة لغرض تصديق الرسول، فهذا مخالف لأصلهم في تنـزيهه تعالى عن الأغراض في أفعاله، بل يقولون خلقها لعين إرادته، بحيث تكون هي نفسها دالة على تصديق الله له.
    ولا نفهم من هذا التصديق إلا معنى قديماً قائماً بذات الإله سبحانه يشهد بصدق ذلك الرجل. وهو ما نعبر عنه بقولنا: إن المعجزة تتنزل منزلة قول الله تعالى صدق عبدي فيما يبلغكم عني.
    فلا نقول الغرض من خلق المعجزة التصديق لأن التصديق حاصل وقديم في كلام الله تعالى، بل نقول خلق المعجزة دالة على تصديق الله له، ونسأل أنفسنا هل تصديق الله سبحانه له فعل أم صفة. إننا نقول إن الفعل هو المعجزة الدالة على التصديق، أما التصديق نفسه فهو المدلول وهو ليس فعلاً قطعاً. كما فرقنا لك بين الدال والمدلول، في الرسالة السابقة.
    ولذلك لزمنا أن نقول إن هذا المعنى لما جاز أن يقوم بالإله، ودل على قيامه الدليل الشرعي لاحقاً، أثبتنا قيامه بالإله على أنه صفة قديمة سميناها الكلام النفسي.
    ولا يرد علي أن الشاهد على المعجزة لا يتبادر إلى ذهنه أن هذا التصديق ما هو وأنه لا بد أن يكون كلاماً نفسياً وقديماً. لأني لا أقول بذلك، بل أقول إن الكلام ما ثبت أول ما ثبت إلا بالشرع. والشاهد حين يعاين المعجزة تقع من الرسول على وفق الدعوى يعلم علماُ عادياً قطعياً بأن الله تعالى أراد بهذه المعجزة تصديق هذا الرسول، بصرف النظر عن التفاته إلى أنه هل هذا التصديق هو علم الله أو إرادته أو قدرته أو كلامه على ما هي الأقوال فيه، أو حتى أي شيء آخر.
    ثم إن علم الشاهد بأن الإله أراد بهذا الفعل تصديقه منطبق تماماً على مذهبنا، وهو كاف لتصديق الإنسان الذي يعلم بوجود الله أن هذا الرجل صادق. بدليل تصديق الله له. سواء فهم أن هذا التصديق هو إرادته -لأنه لا يملك أن يعارض هذه الإرادة، بل لا يملك إلا أن يستسلم ويذعن لها، أو فهم من هذا التصديق علمه تعالى -لأن الله عالم بكل شيء في اعتقاد المؤمن بالله، أو فهم من هذا التصديق كلامه -لأنه يثق بما يقوله الإله، ولا يتبادر لذهن امرئ يؤمن بالله أن الإله يكذب عليه، لأنه يرى الكذب صفة خسيسة لا يمكن أن يتصف بها الإله الخالق الغني الكامل.
    وكلامنا في من يؤمن بوجود الله وعلمه وإرادته وقدرته حين يرى تلك الحال، وأما غيرهم فلا يمكن أن يسلموا للرسل بأنهم رسل ما لم يقم لهم الرسل الأدلة على وجود الله وعلمه وإرادته وقدرته، لأن التصديق بدعوى الرسل ينبني على ذلك. كما لا يخفى.
    والجواب جملة أن جميع الاحتمالات العقلية التي يمكنك أن تفرضها، لا تنافي إمكان وقوع العلم العادي القانوني القطعي عقيب حصول المعجزة على وفق المدعى محتفة بالقرائن الكافية لحصوله، لأن مجرد الاحتمال العقلي لا ينافي حصول العلم القطعي كما وضحته لك بأكثر من مثال في الرسائل السابقة، كتجربة رذرفورد وغيرها. فكذا ههنا.
    فلا نلتفت إلى الاحتمالات المذكورة لا بالنفي ولا بالإثبات، للزوم العلم العادي بالصدق مع بقاء إمكانها. وهذا المعنى مهم جداً ومن ينكره يلزمه أن ينكر كل العلوم القانونية الموجودة الآن، وأنا شخصياً أستغرب أنك فيزيائي وتدعي العلمية والأكاديمية وغيرها، وتنكر ذلك. وكنت أتوقع حين قلت لي إنك فيزيائي أن تنفي مثلاً حدوث الخوارق، لأنها على خلاف القوانين التي تؤمن بها، والتي انبنى عليها الكمبيوتر الذي ما أكثر ما ذكرته.
    فإذا فهمت مضمون الرسائل السابقة وما قلته حتى الآن، علمت أن العلم بصدق الرسول علم عادي، وهو معتبر وكاف لقيام الثقة بالعادة، للشاهد بحواسه وعقله، وللغائب بالتواتر المفيد للعلم القطعي عادة وبعقله. ولا يقوى أحد على نقض الرسالات السماوية إلا إذا نقض ما ينبني عليه الإيمان بها، وهو وجود الله تعالى، وعلمه وقدرته وإرادته، وجواز إرسال الرسل، وجواز تكليف البشر، والثقة بالعلم العادي والذي منه العلم المستفاد من الحواس والعلم المستفاد من التواتر، أو التشكيك في نفس العقل. ولا يخفى عليك أن من ينكر شيئاً من ذلك فلا يمكنه أن يأتي ببراهين على إنكاره لشيء منها دون أن يقع في الكثير من التناقض.
    وتمام الكلام في جواز ظهور المعجزة على يد الكاذب بناء على التسليم بأن هذا الأمر من الجائزات العقلية، ومن المقدورات للإله سبحانه. أن هذا التجويز عقلي محض لا عادي، وعليه فلا يستقيم إلا على تقديرين اثنين:
    الأول أن يقال: إن انخراق العوائد وقلبها غير مستبعد وهو في مقدور الله تعالى، وملازمة العلم بالتصديق لمن ظهرت المعجزة على وفق تحديه وإن كان معتاداً جارياً مجرى سائر العادات المفيدة للعلم القطعي مثل ملازمة العلم الضروري للمتواتر وغليان المادة حين يصبح ضغطها البخاري مساوياً للضغط الجوي وغير ذلك من العادات، فلا يمتنع خرق العادة فيه في مقدور الله تعالى، وذلك بأن توجد المعجزة مع التحدي غير مقترنة بالعلم بتصديق المتحدي. وعليه فلا يمتنع ظهور المعجزة على يد الكذاب، ولكن بشرط أن تنقلب العادة في الملازمة بين ظهور المعجزة وحصول العلم بالتصديق. وذلك لأن العادة تقضي بتصديقه ضرورة عند ظهورها على يديه، وأما مع عدم خرق هذه العادة فلا يتصور أبداً ظهورها على يد كذاب.
    وهذا ما أشرت إله حين أجبتك على تجويزك أن يسمع الإنسان على خلاف ما يقال، حيث قلت لك على ما أذكر بأن المعول عليه ما يسمع لا ما يقال، لأن العادة تقضي بأن ما يسمع هو عين ما يقال، وجائز في العقل أن يسمع غيره، ولكن ذلك خلاف العادة.
    وعليه فلا يجوز وقوعه إلا بتقدير خرق العادة بالفعل، وهي العادية القاضية بأن الحاسة تفيد العلم بأن ما أحسته هو عين ما من شأنها أن تحسه، وهو لازم عن حقيقته في نفس الأمر. ولو تمسكت به يومها ربما كنت ستتوصل إلى ما أقوله الآن، ومع أنه لن ينفعك التمسك به لإثبات ما زعمته كما سأبينه الآن، إلا أنه على الأقل ربما كان أنفع لك من تمسكك بمجرد الاحتمال والجواز العقلي الذي لا يقدم ولا يؤخر ولا ينتهض دليلاً نافياً لحصول العلم الضروري بصدق الرسول عند ظهور المعجزة على الوجه الذي صورناه.
    والتقدير الثاني: أن يقال وإن كان إظهار المعجزة على يد الكذاب من المقدورات لله تعالى، إلا أنه لا يلزم أن يكون وقوعه جائزاً، حتى لو قدرنا خرق العادة، لأنه لا يجوز أن يقع خلاف معلوم الله سبحانه وإن كان مقدوراً. ولا فرق بين المقدور الذي علم الله تعالى أنه لن يوجد وبين المستحيل لذاته إلا في العقل كما لا يخفى عليك، فإن كلا الأمرين بات مستحيلاً، سواء كان لغيره أو لذاته. وكلام المشكك لا يتم إلا مع تقدير الوقوع، فإذا استحال الوقوع، امتنع حصول شيء مما زعم، فلم ترتفع الثقة بالرسالات.
    ولعل سبب توهمك للدور حين تمسكت أنا بهذا الوجه وقررته بطرق ووجوه كثيرة في رسائلي. أنك قلت: هذا يدعي أن صدق النبي واجب لأنه معلوم الله أو لأنه موافق كلامه الذي لا يمكن أن يكون الواقع على خلافه، والطريق إلى معرفة معلومه وموافق كلامه لا يعرف إلا بثبوت صدق النبي، وصدق النبي لا يجب إلا بانخرام العادة، وانخرام العادة على وجه يكون مصدقاً لكذاب لا تعرف استحالته -لكونه غير مراد ولا معلوم الحصول لله مع كونه جائزاً عقلاً ومقدوراً له- إلا من طريق النبي، والنبي لا يؤخذ منه شيء إلا بثبوت صدقه. فتوقف معرفة صدق النبي على معرفة صدقه. فلزم الدور. وهذا فكرت لك فيه لأجد تبريراً لك لإلزامي بالدور. ولكن هذا الكلام المرتب المنمق وإن بدا للبعض شبهة قوية، إلا أنه فارغ ومتهافت من وجوه أبينها لك:
    أما أولاً فلأن حصول العلم بصدق الرسول للشاهد ومن في حكمه -وإن استدل على امتناع كذبه بما ذكرته من امتناع وقوع خلاف معلوم الله تعالى وخلاف مدلول كلامه- إلا أنه لا يشترط ملاحظة الشاهد لهذا الدليل بهذا التفصيل ليحصل العلم الضروري عنده بصدقه. بل يكفيه مقدمة قاطعة تفيده استحالة أن يكذب الله عليه وأن يضلله. ولأن المشكك لم ينكر وجود الله وعلمه وإرادته وقدرته. فهو قد قال ألا يمكن أن يكون الإله أجرى المعجز على يد الكاذب تصديقاً له لا لغرض. وهذا أمر جائز في العقل فلم تمنعوه وأنتم لا تقولون بالقبح العقلي. والجواب أنك يا مشكك تقول إن الله تعالى يعلم أن هذا المدعي كاذب ومع ذلك يصدقه، فبصرف النظر عن حقيقة هذا التصديق اللازم عن المعجزة فالشاهد ومن في حكمه سينسبانه إلى الله تعالى. ومجرد نسبته إلى الله توجب حقيته واستحالة مخالفته للواقع. فيحصل العلم العادي للشاهد ومن في حكمه بصدق الرسول من باب العادة الجارية. وهذا هو القدر الذي ندعيه برهاناً كافياً على صدقه. ونحيل لأجله عادة فرض واحتمال المشكك. والعجب من هذا المشكك أنه لا ينازعنا في إحالته عادة، ولكنه ينازعنا في إحالته عقلاً، مع أن بعض أصحابنا قائلون بجوازه عقلاً على نحو ما ذكرته في أولاً بشرط انخرام الملازمة. وغاية الأمر أنه لو سلمنا لك إمكانه العقلي، فنحن لا نقول بالاستحالة العقلية فلم تنازعنا في ما لا نقول به. وإذا أردت أن ترفع الثقة عن الرسالات لأن برهانها يستند إلى العلم العادي لا العقلي، فافعل ما تشاء، ولكن عليك أن تلتزم ما لا يحصى من اللوازم الباطلة. أولها أنا لن نقبل منك في كلامك الذي سترفع به الثقة عن الرسالات أي مقدمة تستند فيها إلى ما طريق علمه العادة. ولعمري أي مأزق يقع فيه من يرتكب ذلك. وهذا بشأن أول مقدمة.
    وأما الثانية وهي قول المشكك: (والطريق إلى معرفة معلومه وكلامه لا يعرف إلا بثبوت صدق النبي) فنقول إن مستندنا في البرهان ليس إلى معرفة معلومه وكلامه بل إلى معرفة تصديقه تعالى، وهذا هو ما ندعي حصوله، بأن تكون المعجزة دالة عليه، ولا خلاف بيننا وبين المشكك أن المعجزة دالة على تصديق الله له لأنه ما شكك في ذلك، وإنما شكك في صدق الرسول حال تصديق الله له مدعياً أن الدال على التصديق فعل مقدور لله فلم لا يوقعه للكاذب. والجواب أن تصديق الله للكاذب لا يسلم أنه فعل كما بينا. ثم إن هنالك فرقاً كبيراً بين استنادنا إلى معرفة (معلوم الله وكلامه)، ومعرفة (تصديق الله تعالى للنبي بصرف النظر عن حقيقة هذا التصديق). ثم أخيراً نحن لا نسلم أن الطريق إلى معرفة معلوم الله تعالى لا يعرف إلا من طريق النبي، بل نقول لم لا يجوز أن يقع فعل ما يدلنا عادة على معلوم الله تعالى بأن شيئاً آخر يستحيل عادة أن يقع، وهذا ما ندعيه بشأن صدق النبي، فنقول إن المعجزة دلتنا عادة على علم الله بأن هذا صادق، وهذا الدليل العادي أوجب علمنا العادي بما يوافق علم الله تعالى بأن هذا المدعي صادق، وأوجب علمنا العادي بأن هذا المدعي يستحيل أن يكون كاذباً. وهذا يكفي.
    وأخيراً قوله: وانخرام العادة على وجه يكون مصدقاً لكذاب لا تعرف استحالته -لكونه غير مراد ولا معلوم الحصول لله مع كونه جائزاً عقلاً ومقدوراً له- إلا من طريق النبي.
    هذا عين المتنازع فيه فكيف تقدمه ولا نسلمه. فإنا أحلنا انخرام العادة تصديقاً للكاذب والنزاع فيه، فكيف نسلمه. ولئن سلم تنزلاً فلا نسلمه إلا على تسليم انخرام عادة ثانية تقضي بقطع الملازمة بين العلم الضروري وظهور المعجزة الذي لو قلنا به لانسد الطريق إلى معرفة العلوم التي من هذا الباب ولبطلت الشرائع ولهمنا على وجوهنا لا ندري ولا ندري أننا لا ندري ويتسلسل.
    ولئن سلم مع عدم اشتراطنا لانقلاب العادة في الملازمة فلا نسلم أن انخرام العادة على وجه يكون مصدقاً للكاذب لا تعرف استحالته إلا من طريق النبي. لأنا نلزمك بأنك كيف عرفت عدم استحالته إن كان من طريق النبي فالإلزام مشترك، وإن كان بالعقل فالعقل لا أن يتناقض فيقبل -مع بقاء الملازمة بين العلم الضروري بالصدق وظهور المعجزة- أن يكون الدليل الدال على الصدق هو عينه دليلاً دالاً على الكذب. لأن هذا محال. فتأمل. فبان لك فساد إلزامنا بالدور من القدح في أهم مقدماته. ولو اكتفينا بأول الكلام لكفانا.
    وبان لك من شرح التقديرين السابقين كما رأيت أنهما لا يمكن معهما تقرير تصديق الكاذب بالمعجزة. لأن الأول مبني على تصور انعدام الملازمة بين حصول العلم بالتصديق وظهور المعجزة على الوجه الذي يفيده، وهو يؤدي إلى تناقض العقل، إلا أن يرفع الله من عقولنا هذه الملازمة. فأسال أسئلة شبيهة بالتي سألتها لك عند الكلام عن المحسوسات وأنت أهملتها كأني لم أذكرها، فأقول: هل ارتفعت الملازمة من العقول مطلقاً أي في هذا الأمر وفي كل عادة، أم في هذا الأمر وحده وبقيت العادة جارية في غيره، أم ارتفعت في هذا الأمر وحده ثم عادت بعد حصول العلم بصدق الكذاب. ولو تأملت هذه الاحتمالات لاستيقنت فساد كل واحد منها.
    ولأن الثاني مبني على أنه وإن كان إظهار المعجزة على يد الكذاب من الجائزات العقلية التي عند تصورها مستقلة يحكم العقل بجوازها وكونها مقدورة لله تعالى، فلا يلزم أن يكون وقوعها جائزاً لاسحالة وقوع خلاف المعلوم لله وإن كان مقدوراً، والطريق إلى معرفة معلوم الله في هذا الأمر لا تتوقف على إخبار الرسول الكريم بذلك، ولكنها تعرف أيضاً من استحالة تصديق الله للكاذب، المسلمة عادة عن الشاهد. ومع تسليم وقوع أي من هذين التقديرين يبقى ظهور المعجزة على يد الكذاب مستحيلة.
    ثم ههنا أمر ينبغي أن يتنبه إليه المشكك، وكثير من الناس الذي لا أدري كيف ينظرون إلى الرسل، وهو أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، لم يبعثوا صماً ولا بكماً ولا عمياناً ولا بلهاً، فإذا عرض لهم منكر لوجود الله أو صفاته استدلوا له عليه وأفحموه وألزموه، وإذا رأوا في مجادلهم نقصاً في مقدمات بينوها له، وهم من هم في الفطنة والذكاء مما لم أعرف أحداً على وجه الأرض ممن يخالفنا ينكره، فحتى أشد الناس عداوة للأديان يشهدون بعبقرية الأنبياء على حد تعبيرهم، فإذا كانت هذه حالهم فكيف يستبعد أن يبين الأنبياء لأقوامهم أن الله لا يمكن أن يكون صدقه بالمعجزة حال كونه كاذباً لأن الله تعالى يستحيل أن يكذب لكون تصديقه له من صفته لا من فعله ولو اتصف بها لكان ناقصاً ولا يمكن أن يتصف الله تعالى بالنقص. وكيف يستبعد أن يستدل عليهم بأعظم من ذلك على أحسن الوجوه من أوتي جوامع الكلم، وكان الله تعالى له ملهماً ومعلماً ومؤدباً ومؤيداً.
    وختاماً فمن أنصف علم أن استنادي إلى أصول المذهب الأشعري بهذا القدر فقط من طاقتي، في تبيين ما ورد علينا من الشبه، وردها كان على أقل تقدير موفقاً وظاهر القوة. وللقراء من بعد ذلك أن يحكموا على كلامي وعلى كلام إسماعيل بوضعهما في ميزان العقل والقدر الذي يسلمه السائل من قضايا الشرع. ثم لهم أن يحاكموا هذه الأقوال ويبدوا آراءهم، وسأتقبلها بكل رحابة صدر. كما أدعو الأخ إسماعيل أن يقول لي رأيه في كل ما سمع. ويرد على أسئلتي واحداً واحداً كما التزمت بالإجابة عن جميع أسئلته بما تأدى إليه فكري وبقدر ما أعلم، وأنا المبتدي، ولست بحجة على المذهب الأشعري. فإن وجد أحد من الإخوة خطأ في كلامي فأرجوه أن يبينه لي، وسأكون له من الشاكرين، ورحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي. وهذا آخر الكلام في أسئلة إسماعيل، وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  9. من باب الطرافة أنقل ما فهمه بعض السلفية في المسألة:

    http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?p=837705
    اللهم اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك

  10. #25
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد، إليك المشتكى، وأنت المستعان. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  11. "الالتزام بمذهب لا يستلزم مسخ الهوية الفكرية ولا سحق الاستقلال، بل يؤكده، ولا يستطيع الالتزام بمذهب إلا صاحب قدم راسخة في العلوم العقلية أصلا"

    كلام جوهري .. بوركتم مشايخنا الكرام
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •