بيع العملة بالعملة ربااذا كانت مقصودة لذاتها:
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله:
أتناول في هذا البحث المختصر مسألة بيع العملة بالعملة وجعلها سلعاً تجارية وقد إعتمدت فيه على عدة أبحاث -غالبها حنبلي- ولكني ما رأيت من توصل الى نفس النتيجة وهي التحريم أي تحريم جعل العملات سلعاً كبيع الدولار بالريال مثلاً إلا للحاجة، وقد نشرته في بعض المنتديات قبل سنوات ولم أجدمناقشة حوله فأرجو مناقشته من فقهاء المنتدى:
*1* إثبات أن الذهب بالذهب ولو مع اختلاف الوزن والنوع ربا :
روى عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { الذهب بالذهب مثلا بمثل ، والفضة بالفضة مثلا بمثل ، والتمر بالتمر مثلا بمثل ، والبر بالبر مثلا بمثل ، والملح بالملح مثلا بمثل ، والشعير بالشعير مثلا بمثل ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى ، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد ، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد ، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد } .
** قال ابن قدامة في المغني : ( والجيد والرديء ، والتبر والمضروب ، والصحيح والمكسور ، سواء في جواز البيع مع التماثل ، وتحريمه مع التفاضل .
وهذا قول أكثر أهل العلم ، منهم ؛ أبو حنيفة ، والشافعي) .
ويؤيده كذلك ما روى أبو سعيد ، قال : { جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : من أين هذا ؟ .
قال بلال : كان عندنا تمر رديء ، فبعت صاعين بصاع ؛ ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم .
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أوه ، عين الربا ، لا تفعل ، ولكن إذاأردت أن تشتري ، فبع التمر ببيع آخر ، ثم اشتر به}
وروى أيضا أبو سعيد ، وأبو هريرة : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر ، فجاءه بتمر جنيب ، فقال : أكل تمر خيبر هكذا ؟ .
قال : لا والله .إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفعل ، بع التمر بالدراهم ، ثم اشتر بالدراهم جنيبا } متفق عليهما .
وقال في شرح منتهى الإرادات : (
و ( لا ) يصح بيع ( ربوي بجنسه ومعهما ) أي العوضين ( أو ) مع ( أحدهما من غير جنسهما كمد عجوة ودرهم بمثلهما ) أي بمد عجوة ودرهم ولو أن المدين والدرهمين من نوع واحد ( أو ) بيع مد عجوة ودرهم ( بمدين ) من عجوة ( أو بدرهمين ) وكبيع محلى بذهب بذهب أو محلى بفضة بفضة ، وتسمى مسألة مد عجوة ودرهم) ؛
*قال في المغني : ( والمذهب أنه لا يجوز ذلك .
نص على ذلك أحمد ، في مواضع كثيرة ، وذكره قدماء الأصحاب ، قال ابن أبي موسى في السيف المحلى والمنطقة والمراكب المحلاة بجنس ما عليها : لا يجوز ، قولا واحدا .
وروي هذا عن سالم بن عبد الله ، والقاسم بن محمد ، وشريح ، وابن سيرين وبه قال الشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور )..
وروى حرب ، قال : قلت لأحمد : دفعت دينارا كوفيا ودرهما ، وأخذت دينارا شاميا ، وزنهما سواء ، لكن الكوفي أوضع ؟ قال : لا يجوز ، إلا أن ينقص الدينار ، فيعطيه بحسابه فضة .( بمعنى أن ينقص من قيمة الدينار الشامي فيعطيه الآخر فضة بقيمته) وكذلك روى عنه محمد بن أبي حرب الجرجرائي .
2- إثبات أن النقود تأخذ حكم الذهب والفضة:
النقد اصطلاحًا: هو كل شيء يلقى قبولًا عامًّا كوسيط للتبادل، مهما كان ذلك الشيء وعلى أي حالٍ يكون.
وعلى ذلك فالذهب نقد مستقل وهو صنف (جنس) واحد وتحته أنواع كثيرة ، والفضة كذلك، والراجح في الورق النقدي أنه نقد مستقل كذلك يجري فيه الربا بنوعيه، وتجب فيه الزكاة ما دام ملازماً لوصف الثمنية الذي يكتسبه بالرواج. وأن العملات جميعها صنف واحد إلا أن أنواعها تختلف بحسب قوتها الشرائية فلا يجوز بيع دولار أمريكي بجنيه مصري مثلاً. قياساً على بيع الذهب الجيد بالذهب الرخيص فهي نفس المسألة.وهي نفس مسألة مد عجوة ودرهم السابقة.
روى حرب ، قال : قلت لأحمد : دفعت دينارا كوفيا ودرهما ، وأخذت دينارا شاميا ، وزنهما سواء ، لكن الكوفي أوضع ؟ قال : لا يجوز ، إلا أن ينقص الدينار ، فيعطيه بحسابه فضة .(بمعنى أن ينقص من قيمة الدينار الشامي فيعطيه الآخر فضة بقيمته)
* ولذلك فإنّ الربَا يَجري في النقدين ، وَذلك أنّهُ لمْ يَعْدْ الإسْتعمَال اليَوم للديْنَار الذهبي ولا الدرهم الفضي .وَحلَّ مَحلّ النّقديْن اليوم الأورَاقُ النقديّة التي يَتعَاملُ بها كلُّ البَشر. والفلُوسُ لمْ تكن هيَ المُتدَاولة رسْميّاً في العصُور السّالفَة ، ولو كانتْ تدَوالهُا كوَاقعنا اليَوم لألحقوها بهما .
كمَا فَعَل أهلُ خرَاسان ، فإنّهُ لمّا رَاجت الفلوس في أقليم خراسان ألحقَها علماؤها من الشافعيّة بالدنانير والدراهم لمّا رأوا أنّ علة الثمنيّة مَوْجُودَة .
وَهذا هوَ ظاهرُ نصوص بَعض أئمّة المَالكيّة والشافعيّة ، فقد قال الأمَام مالك في المُدوّنة : { لو أنّ النّاسَ أجَازوا بينهم الجلود حتى يَكونَ لها سكّة وعين لكرهتها أنْ تُبَاع بالذهب وَالوَرق نَظرةً) .
فظاهرُ كلام الإمَام مَالك أنّ المَرْجِعَ في ذَلكَ إلى النّاس وَعرْفهم .
قال ابن القيم : ( وأما الدراهم والدنانير ، فقالت طائفة : العلة فيهما كونهما موزونين ، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة ، وطائفة قالت : العلة فيهما الثمنية ، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى ، وهذا هو الصحيح بل الصواب ، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما ؛ فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا ؛ فإن ما يجري فيه الرد إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء ، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها .
وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة ، فهو طرد محض ، بخلاف التعليل بالثمنية ، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات ، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال ، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض ؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات ، بل الجميع سلع ، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة ، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة ، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ، ويستمر على حالة واحدة ، ولا يقوم هوبغيره ؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض ، فتفسد معاملات الناس ، ويقع الخلف ، ويشتد الضرر ، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم ، ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس ، فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير - مثل أن يعطي صحاحا ويأخذ مكسرة أو خفافا ويأخذ ثقالا أكثر منها - لصارت متجرا" (إعلام الموقعين )
وهذه المعاني كلها متحققة اليوم في عملية بيع العملة بعملة من نوع آخر لأنها كلها جنس واحد.
*3*لا يجوز جعل العملات سلعاً تجارية تباع وتشترى
قال ابن القيم رحمه الله:" فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض ... فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل تقصد للتوسل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعًا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود ولا يتعدى إلى سائر الموزونات". أ هـ [إعلام الموقعين، (2/156)].
* وقد منع الإسلام من مبادلة الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا مثلًا بمثل، لأن ذلك يؤدي إلى العزوف عن الأعمال بالضرب في الأرض، كما أن دورانه يؤدي إلى تكثير الاستفادة منه بخلاف تكدسه في أيدي فئةٍ قليلة. وهذه العلة موجودة في بيع وشراء العملات المعروف في مكاتب البورصة.*
*
أكثر طلبة العلم اليوم يقولون العملات أجناس مختلفة باختلاف بلد المصدر وهذا قول لا أدري كيف قالوه ؟؟ ولماذا لم يقولوا بأن الذهب أجناس مختلفة باختلاف بلد المصدر والمنشأ. ولماذا لا يقولون كذلك بأن المطعوم من جنس واحد كالقمح مثلاً أجناس مختلفة باختلاف بلد المنشأ. بل الصحيح إن العملات كلها جنس واحد لأن الأعيان تُقوّم بها ولكن تختلف أنواعها باختلاف قوتها الشرائية لأنها أثمان.
وختاما أقول : إن على جهمور المفتين اليوم مراجعة هذه المسألة التي تحتار العقول فيها لتدليس النظام المالي الغربي على الفكر الاقتصادي حتى صور أحد كبار علماء الاقتصاد في الغرب النظام المالي العالمي بالكازينو الكبير بسبب أنواع البورصة الكثيرة القائمة على جعل العملات سلعاً مقصودة لذاتهاثم ثم عدم وجود الغطاء الحقيقي لها.مما كان له أسوأ الآثار على اقتصاد الدول الاسلامية.
قال ابن القيم :" وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل ، وباطنها مكر وخداع وظلم ؟ فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه ، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها ؛ فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم ، والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود ".
**النتيجة:
وعليه فإن العملات هي نقد مستقل وصنف( جنس ) واحد لها حكم الذهب والفضة فيجب فيها الزكاة ويجري بين أنواعها الربا . فالعملات جنس واحد وأنواعها مختلفة بحسب القوة الشرائية لها. فيقع الربا بين الدولار والريال ويحرم إذا كان المقصود جعل العملات سلعاً تجارية أما إذا كان ذلك مجرد تبديل عملات للحاجة كما يقع للمسافر فلابأس به إستحساناً .والله أعلم.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله:
أتناول في هذا البحث المختصر مسألة بيع العملة بالعملة وجعلها سلعاً تجارية وقد إعتمدت فيه على عدة أبحاث -غالبها حنبلي- ولكني ما رأيت من توصل الى نفس النتيجة وهي التحريم أي تحريم جعل العملات سلعاً كبيع الدولار بالريال مثلاً إلا للحاجة، وقد نشرته في بعض المنتديات قبل سنوات ولم أجدمناقشة حوله فأرجو مناقشته من فقهاء المنتدى:
*1* إثبات أن الذهب بالذهب ولو مع اختلاف الوزن والنوع ربا :
روى عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { الذهب بالذهب مثلا بمثل ، والفضة بالفضة مثلا بمثل ، والتمر بالتمر مثلا بمثل ، والبر بالبر مثلا بمثل ، والملح بالملح مثلا بمثل ، والشعير بالشعير مثلا بمثل ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى ، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد ، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد ، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد } .
** قال ابن قدامة في المغني : ( والجيد والرديء ، والتبر والمضروب ، والصحيح والمكسور ، سواء في جواز البيع مع التماثل ، وتحريمه مع التفاضل .
وهذا قول أكثر أهل العلم ، منهم ؛ أبو حنيفة ، والشافعي) .
ويؤيده كذلك ما روى أبو سعيد ، قال : { جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : من أين هذا ؟ .
قال بلال : كان عندنا تمر رديء ، فبعت صاعين بصاع ؛ ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم .
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أوه ، عين الربا ، لا تفعل ، ولكن إذاأردت أن تشتري ، فبع التمر ببيع آخر ، ثم اشتر به}
وروى أيضا أبو سعيد ، وأبو هريرة : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر ، فجاءه بتمر جنيب ، فقال : أكل تمر خيبر هكذا ؟ .
قال : لا والله .إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفعل ، بع التمر بالدراهم ، ثم اشتر بالدراهم جنيبا } متفق عليهما .
وقال في شرح منتهى الإرادات : (
و ( لا ) يصح بيع ( ربوي بجنسه ومعهما ) أي العوضين ( أو ) مع ( أحدهما من غير جنسهما كمد عجوة ودرهم بمثلهما ) أي بمد عجوة ودرهم ولو أن المدين والدرهمين من نوع واحد ( أو ) بيع مد عجوة ودرهم ( بمدين ) من عجوة ( أو بدرهمين ) وكبيع محلى بذهب بذهب أو محلى بفضة بفضة ، وتسمى مسألة مد عجوة ودرهم) ؛
*قال في المغني : ( والمذهب أنه لا يجوز ذلك .
نص على ذلك أحمد ، في مواضع كثيرة ، وذكره قدماء الأصحاب ، قال ابن أبي موسى في السيف المحلى والمنطقة والمراكب المحلاة بجنس ما عليها : لا يجوز ، قولا واحدا .
وروي هذا عن سالم بن عبد الله ، والقاسم بن محمد ، وشريح ، وابن سيرين وبه قال الشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور )..
وروى حرب ، قال : قلت لأحمد : دفعت دينارا كوفيا ودرهما ، وأخذت دينارا شاميا ، وزنهما سواء ، لكن الكوفي أوضع ؟ قال : لا يجوز ، إلا أن ينقص الدينار ، فيعطيه بحسابه فضة .( بمعنى أن ينقص من قيمة الدينار الشامي فيعطيه الآخر فضة بقيمته) وكذلك روى عنه محمد بن أبي حرب الجرجرائي .
2- إثبات أن النقود تأخذ حكم الذهب والفضة:
النقد اصطلاحًا: هو كل شيء يلقى قبولًا عامًّا كوسيط للتبادل، مهما كان ذلك الشيء وعلى أي حالٍ يكون.
وعلى ذلك فالذهب نقد مستقل وهو صنف (جنس) واحد وتحته أنواع كثيرة ، والفضة كذلك، والراجح في الورق النقدي أنه نقد مستقل كذلك يجري فيه الربا بنوعيه، وتجب فيه الزكاة ما دام ملازماً لوصف الثمنية الذي يكتسبه بالرواج. وأن العملات جميعها صنف واحد إلا أن أنواعها تختلف بحسب قوتها الشرائية فلا يجوز بيع دولار أمريكي بجنيه مصري مثلاً. قياساً على بيع الذهب الجيد بالذهب الرخيص فهي نفس المسألة.وهي نفس مسألة مد عجوة ودرهم السابقة.
روى حرب ، قال : قلت لأحمد : دفعت دينارا كوفيا ودرهما ، وأخذت دينارا شاميا ، وزنهما سواء ، لكن الكوفي أوضع ؟ قال : لا يجوز ، إلا أن ينقص الدينار ، فيعطيه بحسابه فضة .(بمعنى أن ينقص من قيمة الدينار الشامي فيعطيه الآخر فضة بقيمته)
* ولذلك فإنّ الربَا يَجري في النقدين ، وَذلك أنّهُ لمْ يَعْدْ الإسْتعمَال اليَوم للديْنَار الذهبي ولا الدرهم الفضي .وَحلَّ مَحلّ النّقديْن اليوم الأورَاقُ النقديّة التي يَتعَاملُ بها كلُّ البَشر. والفلُوسُ لمْ تكن هيَ المُتدَاولة رسْميّاً في العصُور السّالفَة ، ولو كانتْ تدَوالهُا كوَاقعنا اليَوم لألحقوها بهما .
كمَا فَعَل أهلُ خرَاسان ، فإنّهُ لمّا رَاجت الفلوس في أقليم خراسان ألحقَها علماؤها من الشافعيّة بالدنانير والدراهم لمّا رأوا أنّ علة الثمنيّة مَوْجُودَة .
وَهذا هوَ ظاهرُ نصوص بَعض أئمّة المَالكيّة والشافعيّة ، فقد قال الأمَام مالك في المُدوّنة : { لو أنّ النّاسَ أجَازوا بينهم الجلود حتى يَكونَ لها سكّة وعين لكرهتها أنْ تُبَاع بالذهب وَالوَرق نَظرةً) .
فظاهرُ كلام الإمَام مَالك أنّ المَرْجِعَ في ذَلكَ إلى النّاس وَعرْفهم .
قال ابن القيم : ( وأما الدراهم والدنانير ، فقالت طائفة : العلة فيهما كونهما موزونين ، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة ، وطائفة قالت : العلة فيهما الثمنية ، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى ، وهذا هو الصحيح بل الصواب ، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما ؛ فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا ؛ فإن ما يجري فيه الرد إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء ، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها .
وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة ، فهو طرد محض ، بخلاف التعليل بالثمنية ، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات ، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال ، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض ؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات ، بل الجميع سلع ، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة ، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة ، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ، ويستمر على حالة واحدة ، ولا يقوم هوبغيره ؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض ، فتفسد معاملات الناس ، ويقع الخلف ، ويشتد الضرر ، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم ، ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس ، فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير - مثل أن يعطي صحاحا ويأخذ مكسرة أو خفافا ويأخذ ثقالا أكثر منها - لصارت متجرا" (إعلام الموقعين )
وهذه المعاني كلها متحققة اليوم في عملية بيع العملة بعملة من نوع آخر لأنها كلها جنس واحد.
*3*لا يجوز جعل العملات سلعاً تجارية تباع وتشترى
قال ابن القيم رحمه الله:" فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض ... فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل تقصد للتوسل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعًا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود ولا يتعدى إلى سائر الموزونات". أ هـ [إعلام الموقعين، (2/156)].
* وقد منع الإسلام من مبادلة الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا مثلًا بمثل، لأن ذلك يؤدي إلى العزوف عن الأعمال بالضرب في الأرض، كما أن دورانه يؤدي إلى تكثير الاستفادة منه بخلاف تكدسه في أيدي فئةٍ قليلة. وهذه العلة موجودة في بيع وشراء العملات المعروف في مكاتب البورصة.*
*
أكثر طلبة العلم اليوم يقولون العملات أجناس مختلفة باختلاف بلد المصدر وهذا قول لا أدري كيف قالوه ؟؟ ولماذا لم يقولوا بأن الذهب أجناس مختلفة باختلاف بلد المصدر والمنشأ. ولماذا لا يقولون كذلك بأن المطعوم من جنس واحد كالقمح مثلاً أجناس مختلفة باختلاف بلد المنشأ. بل الصحيح إن العملات كلها جنس واحد لأن الأعيان تُقوّم بها ولكن تختلف أنواعها باختلاف قوتها الشرائية لأنها أثمان.
وختاما أقول : إن على جهمور المفتين اليوم مراجعة هذه المسألة التي تحتار العقول فيها لتدليس النظام المالي الغربي على الفكر الاقتصادي حتى صور أحد كبار علماء الاقتصاد في الغرب النظام المالي العالمي بالكازينو الكبير بسبب أنواع البورصة الكثيرة القائمة على جعل العملات سلعاً مقصودة لذاتهاثم ثم عدم وجود الغطاء الحقيقي لها.مما كان له أسوأ الآثار على اقتصاد الدول الاسلامية.
قال ابن القيم :" وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل ، وباطنها مكر وخداع وظلم ؟ فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه ، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها ؛ فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم ، والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود ".
**النتيجة:
وعليه فإن العملات هي نقد مستقل وصنف( جنس ) واحد لها حكم الذهب والفضة فيجب فيها الزكاة ويجري بين أنواعها الربا . فالعملات جنس واحد وأنواعها مختلفة بحسب القوة الشرائية لها. فيقع الربا بين الدولار والريال ويحرم إذا كان المقصود جعل العملات سلعاً تجارية أما إذا كان ذلك مجرد تبديل عملات للحاجة كما يقع للمسافر فلابأس به إستحساناً .والله أعلم.
تعليق