النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: تعريف علم التوحيد وأقسامه (د. عبد القادر بطار المغربي المالكي الأشعري)

  1. تعريف علم التوحيد وأقسامه (د. عبد القادر بطار المغربي المالكي الأشعري)

    الدكتور عبد القادر بطار

    1431 هـ /2010


    تعريف علم التوحيد

    أولا: المدلول اللغـوي:

    تدل مادة "وَحَّدَ " في أصولها اللغوية على عدة معان ترجع كلها إلى معنى الانفراد والتميز.

    نقول: وَحِدَ ووَحُدَ وِحَادَةً وَوَحْداً وتَوَحَّدَ بقي وحده. ووحَّده توحيدا جعله واحدا. ورجل وَحْدٌ وأَحَدٌ ووَحِدٌ ووَحيدٌ ومتوِّحد منفرد. أما وصفه بكونه واحدا فمعناه أنه متقدم في بأس أو علم أو غير ذلك كأنه لا مثيل له فهو وحده.

    ووصفه سبحانه بأنه الأوحد أو المتوحد فمعناه: أنه ذو الوحدانية.([1])

    وقد اعتبر الراغب الأصفهاني لفظ الواحد الشيء الذي لا جزء له البتة، وهو عنده لفظ مشترك يستعمل على ستة أوجه:

    1 . ما كان واحدا في الجنس أو في النوع كقولنا: إن الإنسان والفرس واحد في الجنس، وزيد وعمرو واحد في النوع.

    2 . ما كان واحدا بالاتصال، إما من حيث الخلقة كقولنا: شخص واحد، وإما من حيث الصناعة كقولنا: حرفة واحدة.

    3 . ما كان واحدا لعدم نظيره، إما في الخلقة كقولنا: الشمس واحدة، وإما في دعوى الفضيلة كقولنا: فلان واحد دهره.

    4 . ما كان واحدا لامتناع التجزيء فيه، إما لصغره كالهباء، وإما لصلابته كالماس.

    5 . للمبدأ: إما لمبدأ العدد كقولنا واحد اثنان... وإما لمبدأ الخط كقولنا النقطة واحدة.

    6 . الذي لا يصح عليه التجزيء ولا الكثرة وهذا الوصف مختص بالله تعالى...([2])

    إذن لفظ الواحد من الألفاظ المشتركة فهو في حق المخلوق يدل على نوع من الانفراد، ولكنه انفراد محدود في الزمان والمكان، أما إطلاقه على الخالق فهو يدل على انفراد مطلق يتجاوز هذه المفاهيم كلها.

    كما أن الوحدة في حق المخلوق تنتهي إلى معنى سلبي لا يجعل له مزية على غيره بخلاف، الوحدة في حق الخالق، فهي تدل على الإيجاب والامتياز والكمال. فإذا أقررنا أنه تعالى واحد أو أحد، كان معنى ذلك انفراده بما له من ذات وصفات، وعدم مشاركة غيره له فيها.

    ثانيــا: المدلول الاصطلاحي:

    التوحيد مصدر فعله الماضي وحد، وهو يطلق ويراد به المعاني اللغوية السابقة، كما يطلق ويراد به الفن المدون المسمى بهذا الاسم.

    كما يعتبر التوحيد من الأصول الكلامية التي تميز المشتغلين بالدراسات العقدية عن غيرهم من العلماء: " فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا. فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع هو موضوع علم الفقـه". ([3])

    وعلى هذا الأساس فتحصيل التوحيد على نحو ما أصل عقدي تردده جميع الفرق الإسلامية، وتحوم حول قضاياه، غير أن عبارات القوم لا تكاد تتفق على مضمون هذا اللفظ، كما يظهر ذلك عند معظم الفرق الكلامية أثناء التطبيق.

    وللعلماء في تعريف علم الكلام عبارات مختلفة كثيرا ما تدل على الاختلاف في وجهة النظر.

    أبو نصر الفارابي (تـ 339 هـ): له قول في تعريف علم الكلام والفرق بينه وبين الفقه، وهو من أقدم ما وصل إلينا من تعاريف هذا العلم، قال في الكلام:" صناعة الكلام: وصناعة الكلام يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل. وهذا ينقسم إلى جزئين أيضا: جزء في الآراء، وجزء في الأفعال، وهي غير الفقه، لأن الفقه يأخذ الآراء والأفعال التي صرح بها واضع الملة مسلمة ويجعلها أصولا، فاستنبط منها الأشياء اللازمة عنها. والمتكلم ينصر الأشياء التي يستعملها الفقيه أصولا من غير أن يستنبط منها شيئا آخر. فإذا اتفق أن يكون لإنسان ما قدرة على الأمرين جميعا فهو فقيه متكلم، فيكون نصرته لها بما هو متكلم واستنباطه عنها بما هو فقيه...([4])

    القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني (تـ 403 هـ) : " والتوحيد هو: الإقرار بأنه – تعالى - موجود، إله واحد فرد معبود، ّ" وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" سورة البقرة الآية 163 " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " سورة الشورى الآية 11.([5])

    الإمام أبو حامد الغزالي: (تـ 505 هـ): " القول في بيان مقصود علم الكلام... وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنـة وحراستها عن تشويش أهل البدعة... " ([6])

    عضد الدين القاضي عبد الرحمن الإيجي: (تـ 756 هـ): " والكلام علم يقتدر معه إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه، والمراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد دون العمل، وبالدينية المنسوبة إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم فإن الخصم وإن خطأناه لا نخرجه من علماء الكلام..." ([7])

    سعد الدين التفتزاني: ( تـ 792 هـ) هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية... ويتميز عن الإلهي بكونه على قانون الإسلام، أي ما علم قطعا من الدين بالضرورة... ككون العالم محفوفا بالعدم والفناء إلى غير ذلك مما تجزم به الملة دون الفلسفة. " ([8])

    عبد الرحمن ابن خلدون: ( تـ 806 هـ ): " علم الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد هو التوحيد..." ([9])

    الشيخ المولوي محمد أعلى بن علي التهانوي: حاول أن يجمع في تعريفه لعلم الكلام معظم ما قيل في تعريف هذا العلم. فقال: " علم الكلام، ويسمى بأصول الدين أيضا، وسماه أبو حنيفة – رحمه الله بالفقه الأكبر. وفي مجمع السلوك ويسمى بعلم النظر والاستدلال، ويسمى أيضا بعلم التوحيد والصفات، وفي شرح العقائد للتفتزاني: العلم المتعلق بالأحكام الفرعية، أي العملية يسمى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام الأصلية، أي الاعتقادية: يسمى علم التوحيد والصفات. وهو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه..." ([10])

    إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري: ( تـ 1277 هـ ) " التوحيد لغة العلم بأن الشيء واحد، وشرعا هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتا وصفات وأفعالا ... ([11])

    الشريف علي بن محمد الجرجاني : " الكلام علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام والقيد الأخير لإحراج العلم الإلهي للفلاسفة " ([12])

    الشيخ محمد عبده: ( تـ 1323 هـ ): " التوحيد علم يبحث فيه عن وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفات وما يجوز أن يوصف به، وما يجب أن ينفى عنه، وعن الرسل لإثبات رسالتهم، وما يحب أن يكونوا عليه وما يجوز أن ينسب إليهم، وما يمتنع أن يلحق بهم.

    أصل معنى التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، وسمي هذا العلم به تسمية له بأهم أجزائه، وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد" ([13]).

    تثير التعريفات السابقة عدة قضايا، منها:

    هل علم الكلام علم للدفاع عن العقائد الدينية، أو لأثباتها ابتداء ؟
    هل علم الكلام يشمل الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة أو يشمل أيضا كل العقائد المتعلقة بأصول الدين، سواء منها المخالف أم الموافق ؟
    ما الفارق بين علم الكلام وعلم الإلهيات ؟

    يظهر من خلال هذه التعريفات أن المتكلمين متفقون على أن علم الكلام في صورته التقليدية يعتمد النظر العقلي في أمر العقائد الدينية، ثم هم يختلفون في أن الكلام يثبت العقائد الدينية بالبراهين العقلية كما يدافع عنها، أو هو إنما يدفع الشبه عن العقائد الإيمانية بالكتاب والسنة، وهذا الخلاف يرجع إلى الخلاف في كون العقائد الإيمانية ثابتة بالشرع وإنما يفهمها العقل عن الشرع ويلتمس بعد ذلك البراهـين النظريـة أو هي ثابتة بالعقل على معنى أن النصوص الدينية قررت العقائد الدينية بأدلتها التفصيلية.

    والحق أن العقائد الدينية ثابتة ابتداء، وأنها مقررة بأدلتها النقلية والعقلية، لكون الدليل النقلي لا يمكن فهمه إلا باستعمال العقل، وهذا هو الجانب العقلي في تلك الأدلة. كما أن العقل يمكنه أن يلتمس أدلة أخرى على سبيل إقناع من يجادل في الأدلة النقلية.

    ü إن تعريف الفارابي لم يقصد إلى بيان الكلام الإسلامي والفرق بينه وبين الفقـه على مصطلح أهل الإسلام، بل قصده الكلام في العلوم الدينية جملة فجعلها طائفتين. كما أن تطبيق ما قاله الفارابي على المصطلح المتداول عند مفكري الإسلام ليس بظاهر.

    ü من القضايا التي تثيرها هذه التعريفات كذلك هي أن طائفة منها تجعل الكلام علما سنيا صرفا وأداة لنصرة عقائد السلف ودفاعا عن السنة. في حين تجعله بعض التعريفات أداة دفاع لكل معتقد عن عقيدته فدفاع المبتدع عن عقيدته بالبراهين العقلية كلام أيضا.

    ü تحدد التعريفات السابقة ثلاث مهام رئيسية لعلم التوحيد:

    1. تبيين العقائد الدينية.

    2. إثبات العقائد الدينية.

    3. الدفاع عن العقائد الدينية.

    ü إن القيد الذي وضعه التفتزاني يعتبر حدا فاصلا بين علم الكلام الإسلامي وعلم الإلهيات الذي اشتغل عليه بعض الفلاسفة المسلمين وحاولوا على ضوئه التوفيق بين الفلسفة والدين.

    ü أغفلت التعريفات السابقة الإشارة إلى اليوم الآخر وما يرتبط به من حقائق إيمانية على الرغم من كونها من جملة مكونات مسمى العقيدة الإسلامية أو علم التوحيد.

    ü إن التأكيد على الدور الدفاعي لعلم الكلام لا يعني أن هذا العلم مجرد أداة للدفاع عن العقائد الدينية بل هو علم تحصيلي ذو مهمة تنويرية يقصد منه فهم الإيمان، ومعرفة واجب الوجود... ([14] )

    ü لعل التأكيد على الدور الدفاعي لعلم الكلام جاء كرد فعل على الحملة التي قام بها الحنابلة ضد هذا العلم. وهي حملة بدأها الإمام أحمد نفسه ( تـ 241 هـ) فقد أثر عنه أنه قال: لست أنا بصاحب كلام وإنما مذهبـي الحديث. كما ظهرت هذه الحملة عند الحافظ ابن عبد البر (تـ 463 هـ) في كتابه" جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله" وتلاه عبد الله الأنصاري الهروي ( تـ 481 هـ) في كتابه " ذم الكلام "...

    وكان الإمام الأشعري من أوائل من ردوا على دعوى الحنابلة في ذم الكلام والنهي عن الخوض فيه في رسالة بعنوان " استحسان الخوض في علم الكلام" فقال: إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأسَ مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين. ومالوا إلى التخفيف والتقليـد وطعنوا على من فتـش عن أصول الدين، ونسبـوه إلى الضلال..." )[15] (

    وقد نقض الإمام الأشعري دعاوى الحنابلة من خلال تفكيك خطابهم التبديعي لينتهي بعد ذلك إلى إقرار شرعية علم الكلام لكون أصوله النظرية مضمنة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية.

    ويقول ابن خمير السبتي ( تـ 614 هـ ) "... ومعلوم أنه ما صح عمن يؤبه به ويقتدى بقوله من فقهاء الدين والفضلاء المتدينين، أنه ذم هذا العلم ولا طعن فيه، وحاشا لمن توسم بالحنفية أن ينكر علما يثبت توحيد الباري تعالى ووصفه بإثبات صفات الكمال ونفي النقص عنه تعالى، وتنزيهه عما نسب إليه أصناف الكفرة وأهل الأهواء، وكذلك إثبات النبوة بالمعجزات والاستدلال على صحتها وصحة التفرقة بين الصادق والكاذب، وما يجب على الكلف ومتى يجب، وكيف يجب، وأي عقلة تبقى من إيمان من ينكر العلم بهذه الأمور ويحض على تركها ." ([16])

    وعن شرف علم التوحيد ومنزلته يقول الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن سالم المعرف بسيف الدين الآمدي : " وأشرف العلوم إنما هو العلم الملقب بعلم الكلام، الباحث عن ذات واجب الوجود وصفاته، وأفعاله ومتعلقاته، إذ شرف كل علم إنما هو تابع لشرف موضوعه الباحث عن أحواله العارضة لذاته، ولا محال أن شرف موضوع هذا العلم يزيد على شرف كل موضوع، ويتقاصر عن حلول ذراه كل موجود مصنوع، إذ هو مبدئ الكائنات، ومنشيء الحادثات، وهو بذاته مستغن عن الحقائق والذوات، مبرأ في وجوده عن الاحتياج إلى العلل والمعلولات، كيف والعلم به أصل الشرائع والديانات، ومرجع النواميس والديانات، ومسند صلاح نظام المخلوقات" ([17])

    يقول سعد الدين التفتزاني: " ... وبالجملة فهو – علم التوحيد – أشرف العلوم لكونه أساس الأحكام الشرعية ورئيس العلوم الدينية، وكون معلوماته: العقائد الإسلامية، وغايته: الفوز بالسعادة الدينية والدنيوية ... وما نقل عن بعض السلف من الطعن فيه والمنع عنه فإنما هو للمتعصب في الدين، والقاصر عن تحصيل اليقين، والقاصد إفساد عقائد المسامين، والخائض فيما لا يفتقر إليه من غوامض المتفلسفين، وإلا فكيف يتصور المنع عما هو أصل الواجبات، وأساس المشروعات ".([18])

    فائدة علم التوحيد:

    إذا كان علم التوحيد أشرف العلوم لكونه متعلقا بذاته تعالى وذوات رسله عليهم الصلاة والسلام فإن فائدته تظهر أيضا من خلال تحقيق المقاصد الآتيـة:

    الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان، إذ من شروط المعرفة العقدية: الجزم، والمطابقة للواقع، وكونها ناشئة عن دليل.
    القيام بفرض مجمع عليه وهو معرفة الله تعالى بصفاته الواجب ثبوتها له مع تنزيهه عما يستحيل اتصافه به، والتصديق برسله على وجه اليقين الذي تطمئن به النفس اعتمادا على الدليل لا استرسالا مع التقليد.
    إرشاد المسترشدين بإيضاح المحجة، وإلزام المعاندين بإقامة الحجة.
    حفظ قواعد الدين عن أن تزلزلها شبه المبطلين.
    أن يبنى عليه العلوم الشرعية فإنه أساسها ومرجعها.
    صحة النية والاعتقاد. إذ به يرجى قبول العمل وغاية ذلك كله الفوز بسعادة الدارين. ([19])

    أقسام التوحيد:

    قسم علماء العقيدة التوحيد إلى ثلاثة أقسام: ما يعتقد من الإلهيات، وما يعتقد من النبوات وما يعتقد من الأخرويات أو السمعيات. ([20]) وهذا التقسم باعتبار طرق إثبات هذه العقائد.

    القسم الأول: الإلهيات:

    يتناول هذا القسم ما يتعلق بوجود الله تعالى وما يجب في حقه عز وجل من صفات وما يجوز وما يستحيل ... مما يحب على كل مكلف اعتقاده.

    فمما يجب في حقه سبحانه تعالى جملة من الصفات سنفصل الكلام عليها في المباحث الموالية. وأما المستحيل في حقه سبحانه وتعالى فهو كل ما ينافي الصفات الواجبة، أو قل إن شئت: يستحيل في حقه سبحانه وتعالى أضداد الصفات الواجبة في حقه سبحانه وتعالى. وأما الجائز في حقه عز وجل ففعل كل ممكن أو تركه... فيدخل في هذا القسم الثواب والعقاب وبعث الرسل ...

    القسم الثاني: النبوات.

    ويسميها بعض العلماء بالرساليات، ويتناول هذا القسم كل ما يتعلق بالنبوة والرسالة، من حيث جوازها على الله تعالى، ثم الصفات الواجبة في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام وكذا الجائز والمستحيل في حقهم مما يجب على كل مكلف اعتقاده. وسنفصل الكلام أيضا على القسم في موضوعه.



    القسم الثالث:السمعيات.

    يتناول مصطلح السمعيات أو الأخرويات ما يسميها بعض العلماء بالعقائد الدينية التي مصدره السمع أو النقل فقط، ويندرج في هذا القسم جملة من العقائد الإيمانية سنقف على طائفة منها في موضعه.





    القسم الأول: الإلهيات

    إن من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان أن خلقه وكرمه وبعث إليه رسلا يرشدونه إلى معرفة حقائق التوحيد التي لا يستطيع أن يتعرف عليها بشكل صحيح لو ترك وقدراته العقلية المحدودة في الزمان والمكان.

    لقد أتى على هذا الإنسان حين من الدهر فقد فيه أنوار التوحيد المشرقة، وعاش في ظلم الشكوك والأوهام، أسير الخرافات والخوف من مصير مجهول لا يعرف عنه شيئا، ويحيى حياة قلقة تعسة لا هدف لها ولا غاية من ورائها. والإيمان بالله تعالى وتوحيده سبحانه هو الطريق المستقيم، وهو المنهج القويم، وهو الحياة المطمئنة، وهو الفطرة التي فطر عليها الإنسان في أول الأمر:" فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . [الروم: 30]

    لقد اهتم الإسلام بأمور العقيدة اهتماما كبيرا لا يدانيه إلا شرف هذه العقيدة نفسها، التي يعد تحصيلها على نحو صحيح، والعلم بمفرداتها على سبيل اليقين الناتج عن دليل مطابق للواقع، ضرورة شرعية يلزم جميع المكلفين، لقوله تعالى " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد : 19]

    فهذا الخطاب وإن كان موجها للنبيr فإن كل واحد من أفراد الأمة داخل معه فيه.([21])

    ويتحدد مفهوم العلم في هذا الموضع بالإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له، أي تحقيق الوحدانية له سبحانه وتعالى في أسمى تجلياتها، على مستوى الذات والصفات والأفعال. على أن مصدر هذه المعرفة إنما هو الشرع الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذه الحقيقة المطلقة –حقيقة الوحدانية- أطلع الله سبحانه تعالى نبيه محمدا r عليها وأعلمه بها، وأمر أمته بالتبعية أن يعلموا هذه الحقيقة الكبرى انطلاقا من الوحي الذي يملك وحده حقيقتهاالمطلقة.

    كما يتحدد مفهوم التوحيد بمعناه الأعم الذي يلزم جميع المكلفين على سبيل الوجوب العيني بالإيمان بالله تعالى والتصديق له ولرسله وكتبه وما جاء من عنده. ([22])

    وقد دلت السنة النبوية المطهرة على مثل ما دل عليه الكتاب العزيز، فقد ورد في الحديث الصحيح:" من مات وهو يعلم لا إله إلا الله، دخل الجنة".([23])

    فقد شرط النبي r اليقين والعلم وهما ضدان للتقليد لتحصيل علم التوحيد الذي هو أشرف العلوم وأوجبها.

    وقد أرسل الله جميع الرسل ونزل جميع الكتب بالتوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى:

    " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء : 25]

    وقال عز وجل:" وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ " [الزخرف : 45]

    وقال سبحانه وتعالى:" وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [النحل : 36]

    وقال سبحانه وتعالى :" يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون : 51-52]

    وقد جاء الإسلام يقررأن الدين الحق واحد، هو وحي الله تعالى إلى جميع أنبيائه، وهو عبارة عن الأصول التي لا تتبدل بالنسخ، ولا يختلف فيها الرسل وهي هدى أبدا. ([24])

    إن التوحيد بالصورة التي يقررها الإسلام عظيم الفائدة للجنس البشري، لأنه يجمع البشر حول إله واحد، وفي ذلك توحيد اتجاههم وغرس نظام الأخوة بينهم. وأما تفرق الآلهة فمعناه تفرق البشر، وذهاب كل فريق إلى التعصب لما وجه إليه قلبه، وفي ذلك خسارة للبشرية وفساد للنظام.([25])

    وعن شرف علم التوحيد ومنزلته يقول الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي : " وأشرف العلوم إنما هو العلم الملقب بعلم الكلام، الباحث عن ذات واجب الوجود وصفاته، وأفعاله ومتعلقاته، إذ شرف كل علم إنما هو تابع لشرف موضوعه الباحث عن أحواله العارضة لذاته، ولا محال أن شرف موضوع هذا العلم يزيد على شرف كل موضوع، ويتقاصر عن حلول ذراه كل موجود مصنوع، إذ هو مبدئ الكائنات، ومنشيء الحادثات، وهو بذاته مستغن عن الحقائق والذوات، مبرأ في وجوده عن الاحتياج إلى العلل والمعلولات، كيف والعلم به أصل الشرائع والديانات، ومرجع النواميس والديانات، ومسند صلاح نظام المخلوقات". ([26])

    ويقول سعد الدين التفتزاني: " ... وبالجملة فهو –علم التوحيد– أشرف العلوم لكونه أساس الأحكام الشرعية ورئيس العلوم الدينية، وكون معلوماته: العقائد الإسلامية، وغايته: الفوز بالسعادة الدينية والدنيوية ... وما نقل عن بعض السلف من الطعن فيه والمنع عنه فإنما هو للمتعصب في الدين، والقاصر عن تحصيل اليقين، والقاصد إفساد عقائد المسامين، والخائض فيما لا يفتقر إليه من غوامض المتفلسفين، وإلا فكيف يتصور المنع عما هو أصل الواجبات، وأساس المشروعات ".([27])

    وإذا كان مقررا أن علم التوحيد هو أشرف العلوم لكونه متعلقا بذاته تعالى وذوات رسله عليهم الصلاة والسلام أولا، ولكونه أساس العلوم الشرعية ومرجعها الذي تبنى عليه ثانيا فإن فائدته تظهر أيضا من خلال تحقيق المقاصد العقدية الآتية:

    الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان، إذ من شروط المعرفة العقدية الصحيحة: الجزم، والمطابقة للواقع، وكونها ناشئة عن دليل.
    القيام بفرض مجمع عليه وهو معرفة الله تعالى بصفاته الواجب ثبوتها له مع تنزيهه عما يستحيل اتصافه به، والتصديق برسله على وجه اليقين الذي تطمئن به النفس اعتمادا على الدليل لا استرسالا مع التقليد.
    إرشاد المسترشدين بإيضاح المحجة، وإلزام المعاندين بإقامة الحجة.
    حفظ قواعد الدين عن أن تزلزلها شبه المبطلين. خصوصا وأن أدلة التوحيد رأيناها كما يقول الإمام الجويني: عصاما للتسديد، ورباطا للتأييد.
    صحة النية والاعتقاد. إذ به يرجى قبول العمل وغاية ذلك كله الفوز بسعادة الدارين. ([28])

    بقية المقال هنا:
    http://www.majlissala.com/index.php?...emid=89#_ftn26
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    الدولة
    الجزائر-المسيلة
    المشاركات
    1,049
    بارك الله فيك الشيخ نزار....
    وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

  3. السلام عليكم
    من فضلكم رابط تتمة الموضوع معطل
    أرجو إدراج رابط آخر أو تتمة الموضوع
    مشكورين مسبقا

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •