قال العلامة سلامة القضاعي رحمه الله في كتابه البراهين الساطعة ص 249 – 254:
"أرى من النصيحة لطالب الرشاد أن أختم هذا الفصل بالكلام على أمثلة من المتشابهات التي جعلوها محكما وغرروا بها العوا حتى تعلم أنهم خادعون أو مخدوعون، دعاة إلى أوهامهم لا إلى كتاب الله سوسنة رسوله.
فمن ذلك الآيات التي فيها ذكر الاستواء على العرش وهي عمدة ما احتجوا به على باطلهم من إثبات الجهة لله عز وجل والاستقرار في المكانن وصالوا وأطالوا وأضافوا إليها من النقول عن السلف ما كذبوا فيه، أو مالم يفهموه، بل نقلوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في المسألة ما بين أهل العلم بالحديث أنه موضوع أو ضعيف لا يحتج بمثله في الفروع فضلا عن أن يحتج به في أصول الدين ويعتمد عليه في إثبات صفة لله لا تكون إلا لمخلوقه، ويتقدس عنها جلال قدسه وعلو ذاته، وقد بين هذه الآيات الأكابر من علماء السلف الأولين بما يزيل عنها التشابه لقوم يعلمون.
فمن ذلك ما روي عن أم سلمة وربيعة ومالك وأحمد بن حنبل وغيرهم إذ سئلوا عن الاستواء على العرش فقالوا: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، ويروى الاستواء غير مجهول، والكيف مجهول، ويروى الاستواء مذكور الخ وهذا القدر من البيان كاف لأولي الألباب، إذا كانوا من أهل اللسان الذي نزل به القرآن، أو ممن يفهمون لسانهم وطرائقهم في دلالاتهم.
وتوضيحه أن الاستواء مذكور في كتاب الله، ومعلوم معناه في لغة العرب، وغير مجهول استعماله في المعاني المتعددة، فمن عرفها عرف ما يراد بالاستواء على العرش في حق الله، وحينئذ لا يجد محلا لكيف ولا للسؤال فلا يكون السؤال إلا عن مرض في القلب، أو عجمة في الفهم، وجهل بأسرار هذه اللغة التي أنزل الله بها القرآن، وجرى على أساليبهم في التخاطب وطرق محاوراتهم في أنواع المجازات، وأصناف الكنايات، ومن استبحر في علم ذلك لم يخف عليه ما يراد من كلامهم، والاستواء من تلك الألفاظ العربية يكون لازما فيكون له معنى، ومتعديا بإلى فيكون له معنى آخر، وبعلى فيكون له معنى ثالث، وباختلاف المجرور بعلى يختلف المعنى المراد به أيضا فيقال استوى الزرع، إذا أدرك واستوى الشاب، إذا تكامل شبابه، واستوى إليه، إذا قصد إليه بالإرادة والتوجه، واستوى على الدابة إذا ركب عليها، واستوى على السرير إذا قعد عليه.
وكان مما سبق قبل نزول القرآن أن من روادف الملك الجلوس على السرير والاستواء على عرش المملكة، ثم شاع التجوز بهذا التركيب عن تولي المملكة والقيام بالتصرف فيها، حتى صار يقال استوى على عرش المملكة الفلانية إذا تولى ملكها. ويقال ثل عرشه إذا زال عنه الملك، وكثر ذلك حتى أصبح لا يكاد يلتفت الذهن إلى المعنى الأصلي الأولي المنقول منه فإذا سمع العربي استوى فلان على عرش العراق أو على عرش مصر لم يخطر بباله قعود على عرش ولا جلوس على سرير بل يسبق فهمه إلى المعنى المراد بهذا التركيب، وهو أنه تولى الملك على ذلك القطر ولو لم يكن له عرش بل لو قيل بدل هذا التركيب جلس فلان على عرش المملكة الفلانية أو قعد لم يتوجه ذهن صاحب السليقة العربية والعارف بأساليبها إلى قعود ولا إلى عرش بل إلى أنه قد ملك وقام بأمر الملك حتى لو فرض أن ذهب السامع إلى تلك المملكة ورأى ذلك الملك لا يجلس على سرير ولا عرش له، ولكنه هو القائم بالملك يقعد للحكم كيف اتفق ويجلس للرعية على الحصير أو الأرض لم يخطر على باله أنه قد كذبه محدثه بجلوسه على عرش تلك المملكة بل يستيقن أن الخبر (بالضم) قد صدق الحبر (بالفتح) فإنه لم يفهم من ذكر القعود على العرش إلا الإخبار بأنه هو الملك، ولو أنه حين ذهب إلى تلك المملكة رأى المحدث عنه قاعدا على سرير ملكه ولكنه ليس بحاكم ولا ملك وإنما الملك رجل آخر سواه لجزم حينئذ بكذب محدثه، ولو أن محدثه اعتذر إليه بأنه قصد المعنى الأول المنقول منه لم يقبل له عذرا ورآه عن الأسلوب العربي المعتاد بمعزل، إذ المقصود بذكر هذا التركيب الإخبار بالملك إثباتا أو نفيا، فإذا قال القائل إن فلانا جلس على عرش كذا من الأقطار أو لم يستو عليه، كان معنى كلامه المتعارف عليه عند المخاطبين أنه هو الملك في الإثبات أو ليس هو الملك في النفي، ولم يزل الأمر على ذلك في العربية مهيعا مسلوكا وطريقا مألوفا حتى نزل القرآن العزيز، والعربية في أوج فصاحتها ومنتهى بلاغتها، فخاطبهم بما بز أساليبهم وأعجز مصاقعهم في كل معنى من المعاني التي أراد تنويرهم ببيانها، وإخراجهم من ظلماتهم إلى نورها وكان مما شاع بينهم الشرك على أنواع متنوعة وأشكال مختلفة، بل الشرك كان شائعا بين أصناف البشر كلها، وكان منه الإشراك به تعالى في الخالقية فيقولون بخالقين أو أكثر، ومنهم من يشرك به في الملك، فيقولون إن له ملك السموات، وأما الأرض ففيها معه شركاء يتصرفون في الملك، فهدم الله هذا وهذا فقال (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) فبين بالجملة الأولى أنه الواحد في خلق العوالم كلها لا خالق معه ولا شريك له في الخلق ثم بين بالجملة الثانية أنه المنفرد بالملك، لا شريك له في ملكه، لا في العوالم العليا ولا في العوالم السفلى، ولذلك ختم الآية بهذه الجملة الشريفة الآتية في أروع أسلوب وأعذب بيان وهي قوله تعالى (ألا له الخلق والأمر) مقدما الخبر لإفادة الحصر، والمعنى أن الخلق له لا لسواه وهو إجمال الجملة الأولى، وأن الأمر له لا لغيره، وهو معنى الجملة الثانية والأمر من لوازم الملك كما لا يخفى، فحاصل الكلام أن ربكم هو الخالق لا خالق سواه وهو الملك المتفرد بالملك، لا ملك سواه، وظاهر أن الملك الذي هو التصرف من الملك كما يشاء في الأشياء الموجودة إنما هو بعد إيجادها على ما شاء لها من أقدار وأشكال وصفات، ولهذا أتى بثم.
وقد علمت مما أسلفنا أن معنى الملك يؤدى بعدة ألفاظ، كقعد على العرش وجلس عليه وعلا عليه، ولكن القرآن العزيز مع كونه كرر هذا المعنى في سبعة مواضع منه –ومن عادته التفنن- لم يأت بجلس ولا بعلا ولا نحوهما، وإنما اختار استوى لأنها أعذب مبنى وأثرى معنى: فإن في معنى الاستواء فوق إفادة الملك الإشارة إلى أنه تصرف فيه على السواء (وهو القسط والعدل) ولا توجد هذه الإشارة في غير هذا اللفظ الشريف، وترى القرآن في هذه المواضع كلها ما ذكر الاستواء على العرش إلا بعد ذكر خلقه للعوالم أو رفعه السموات بغير عمد، كما يعلم من استقراء الآيات الشريفة، والخلق الذي هو الإيجاد على قدر مخصوص لا يكون إلا ممن وجب وجوده وتنزه عن الإمكان فضلا عن الحدوث ولوازمه، وكذلك رفع السموات بغير عمد فهو قرينة لفظية تصرف معنى الاستواء عما يتوهمه الجاهلون ويخطر بأسارى الأوهام والساقطين عن درجة أهل الأفهام، ومن أجل ذلك قالوا الاستواء معلوم غير مجهول، والكيف غير معقول وصدقوا رضي الله عنهم إذ الكيف الذي يسأل عنه إنما يتصور إذا كان هذا الاستواء جلوس جسم على جسم، وقد عرفت أنه إذا قيل جلس فلان على عرش القطر الفلاني، لم يرد منه جلوسه على السرير وإنما يراد منه تولى الملك، مع أن من شأن فلان الجلوس، فكيف إذا قيل ذلك فيمن تسجد الأجسام لعزته، ويتعالى عن أن تشابهه، ويتقدس سبحانه أن يمس ساحة حماه شيء من لوازمها؟ وإني أذكر إخواننا المصريين بحادثة لا تزال عالقة بالأذهان منها يستبين ما قررنا في ذلك فضل استبانة.
انتقل صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول تغمده الله برحمته إلى جوار ربه سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وألف، وولي عهده جلالة الملك فاروق حرسه الله بلندن عاصمة بلاد الإنجليز، فإجريت المرسيم المعتادة، وولي ولي العهد ملك أبيه، وأرسلت البرقيات من رياسة الوزراء يومئذ إلى جلالته لتهنئته بالاستواء على عرش مصر، وكان هذا الكلام صدقا لا يرتاب في صدقه من سمعه، ولم يخطر ببال أحد فضلا عن أن يقوله أن هذا كذب، لأنه لم يجلس على العرش، بل لم يجئ بعد إلى القطر لأنه لم يفهم أحد من هذا الكلام جلوسا على سرير ولا علوا على عرش، وإنما الذي يستقر في الأذهان أنه قد تولى ملك أبيه ولا منازع له فيه. فكيف يقول القائل بملء شدقيه، إنه تعالى في جهة الفوق، جالس على عرشه، وأهل السماء أقرب إليه من أهل الأرض؟ بل قال عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه (النقض) الذي طبع في هذه البلاد: إن من هو على ظهر الجبل أقرب إلى الله ممن هو في أسفله...".