بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
قال الإمام ابن الحاج رحمه الله تعالى في المدخل بعد أن تكلم على السنة في لبس العمامة :
فانظر رحمك الله وإيانا إلى هذه النصوص الصريحة من أئمتنا في العمامة وما تكلموا عليها ، ثم قال بعض المتأخرين : إن العمامة دون تحنيك ودون عذبة جائزة ليست بمكروهة واستدل على ذلك بأن اللبس من باب المباح وتركه ومضى .
فانظر إلى هذا الاستدلال العجيب مع ما تقدم للعلماء فيها من النصوص ، ومع ذلك فليس اللبس من قبيل المباح مطلقا .
ألا ترى أن الفرض منه في حق الرجل أن يستر من سرته إلى ركبته وفي حق المرأة أن تستر جميع بدنها إلا الوجه والكفين ، والسنة في حق الرجل أن يستر جميع جسده على الوجه المشروع فيه فهو مطلوب بذلك لأجل الامتثال .
ثم العمامة على صفتها في السنة كما تقدم ذكره والرداء في الصلاة مطلوب شرعا ، وكذلك هو مطلوب في الشرع بالخروج إلى الجمع والأعياد بثياب غير ثياب مهنته ، فأين المباح المطلق ، وهذا الذي ذكره كله مطلوب في الشرع الشريف .
ثم لو تنزلنا معه إلى ما قاله أنه من قبيل المباح فالأكل أيضا من قبيل المباح ، لكن السنة فيه أن يسمي الله تعالى عند أوله ويأكل بيمينه ، ولا يأكل بيساره وأن لا ينهش الخبز كاللحم وأن يصغر اللقمة ويكثر مضغها وأن يكون الماء حاضرا وأن يحمد الله تعالى عند آخره .
وكذلك في شربه الماء وإن كان مباحا ، وكذلك الدخول إلى البيت والخروج منه هو من باب المباح ، والسنة فيه أن يقدم اليمنى ويسمي الله تعالى في الدخول والخروج .
فإذا كان نفس لبس العمامة من باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن بها من تناولها باليمين ، وقوله : بسم الله " والذكر الوارد إن كان ما لبسه جديدا ، وامتثال السنة في صفة التعميم من فعل التحنيك والعذبة وتصغير العمامة على ما تقدم بيانه .
وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم في تارك شيء من السنن والآداب : إن الواجب أن يقبح له فعله ويذم على ذلك ، فإن أبى أن يرجع وإلا هجر من أجل ما أتى به من خلاف السنة ، فكيف يمكن أن يقول بالجواز دون كراهة مع النصوص .
وقد قال مالك : رحمه الله بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على اليمن وأنه ارتدى بردة وكانت طويلة فانجرت من خلفه فقيل له ارفع ارفع فانجرت من بين يديه فقال له : " هكذا الشيء يجعل بغير قدر" وعزله .
قال ابن رشد رحمه الله : إنما قيل له ارفع ارفع لما انجرت خلفه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا .
فطول الرداء مكروه مخافة أن يغفل عنه فيجره من خلفه ، وقد جاء النهي عن ذلك لمن فعله بطرا ، فالتوقي من ذلك على كل حال من الأمر الذي ينبغي .
وقد قال الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتاب الأربعين له :
اعلم أن مفتاح السعادة في اتباع السنة والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع مصادره وموارده وحركاته وسكناته حتى في هيئة أكله وقيامه ونومه وكلامه لست أقول ذلك في آدابه فقط ؛ لأنه لا وجه لإهمال السنن الواردة فيها بل ذلك في جميع أمور العادات فبه يحصل الاتباع المطلق كما قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }
وقال تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }
فعليك بأن تتسرول قاعدا وتتعمم قائما وتأكل بيمينك وتقلم أظفارك وتبتدئ بمسبحة اليد اليمنى وتختم بإبهامها ، وفي الرجل تبتدئ بخنصر اليمنى وتختم بخنصر اليسرى ، وكذلك في جميع حركاتك وسكناتك
فلقد كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ ؛ لأنه لم تنقل كيفية أكله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسها أحدهم فلبس الخف وابتدأ باليسار فكفر عنه بكر حنطة
فلا ينبغي أن تتساهل في امتثال ذلك فتقول : هذا مما يتعلق بالعادات فلا معنى للاتباع فيه ، فإن ذلك يغلق عنك بابا عظيما من أبواب السعادات انتهى .
اهـ
قال الخروبي في الدرة الشريفة في الكلام على أصول الطريقة شرحه على أصول الطريقة للإمام زروق
الأصل الثاني من أصول الطريقة
قال رحمه الله ورضي عنه : ( اتباع السنة في الأقوال والأفعلا )
قلت : لا شك أن تباع السنة أصل من أصول الطريقة ، فمن لا اتباع له لا طريقة له ، فأهل الطريقة مطالبون باتباع الرسول الكريم والدليل العظيم محمد صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله ، وسواء كانت الأقول من قبيل العادات أو من نوع العبادات ، فلا يصح للمريد السالك تسامح في ترك شيء من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله العادية والعبادية .
وبهذا يظهر لك سر كونه صلى الله عليه وسلم بشري الذات ؛ ليقتدى به في عاداته وعبادته ، فالظواهر تقتدي بظاهره ، والبواطن تقتدي بباطنه صلى الله عليه وسلم قال تعالى { فاتبعوني يحببكم الله }
وفي سير أصحابه ما يدل على شدة اتباعهم رضي الله عنهم له صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله العادية والعبادية ، ونحن مطالبون بذلك .
فأما أقواله صلى الله عليه وسلم التي نطالب بالاقتداء به فيها فكأقواله في الصباح والمساء ، وعند النوم وعند اليقظة ، وعند الأكل ، وعند الشرب ، وعند دخول المنزل ، وعند الخروج منه ، وعند دخول المسجد ، وعند الخروج منه .
وكل فعل مخصوص من أفعاله صلى الله عليه وسلم له فيه أو غيره قول معلوم لزم الاقتداء به فيه .
وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم عند فعل واحد أقوال كثيرة مختلفة المعاني ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم ربما قال عند فعل قولا ثم يقول قولا آخر عند الفعل نفسه ، وذلك بحسب أحواله صلى الله عليه وسلم ، وأحواله بحسب التجليات ، والتجليات بحسب الشهود في كل حال يرد عليه عند فعل يقول قولا مناسبا لحاله الوارد عليه فيه ولتجليه وشهوده حينئذ .
وهذا حال العارفين بالله تعالى ، فمن كان ذو معرفة ووصل إلى هذا المقام بحيث تكون أقواله عند أفعاله بحسب أحواله فذلك الكمال ، ومن لم يصل إلى هذا المقام فليق قولا عند فعل شيء ، ويقول قولا آخر عند الفعل نفسه حتى يستوعب جميع أقواله صلى الله عليه وسلم فيحصل على الكمال .
وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم كصلاته ووضوئه وطهره وجميع أفعاله صلى الله عليه وسلم فواجب الاقتداء به فيها ، فمن لازمَ الاقتداء اهتدى ، فهذه أقواله وأفعاله العبادية .
وأما العادية كلبسه وعمامته وترَجله ، وتقنعه ، وتأزره ، وتختمه ، وخضابه ، وكحله ، وتعطره ، ومشيه ، وجلسته ، واتكائه ، وكلامه ، وضحكه ، وحجامته ، وكذلك أكله وشربه وخبزه وعيشه ، وجميع حركاته وسكناته لزم الاقتداء به فيها صلى الله عليه وسلم .
وقد غلط قوم فظنوا أن الاقتداء إنما هو في أقواله وأفعاله العبادية دون العادية ،
وما علموا أنه بحسب ما يترك المريد السالك من الاقتداء بأفعاله العادية يكون النقص في حاله وطريقه ، لذلك نقل سيدي أبو عبد الله بن الحاج في المدخل عن الشيخ الإمام أبي حامد الغزالي رضي الله عنه أنه قال في كتاب الأربعين ....
ثم نقل الكلام المنقول أعلى ....
ثم قال :
قلتُ : وقد كان شيخنا الإمام المربي القدوة المحقق أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الرعيني الشهير بالحطاب رحمه الله ورضي عنه شديد الاتباع ، ملازم الاقتداء في الحركات والسكنات ، وكان يحضنا على ذلك حتى كان يعلمنا مشية رسل الله صلى الله عليه وسلم وكيفية عمامته وأكله وشربه وغير ذلك من أفعاله صلى الله عليه وسلم وكان لا يهمل من أفعال السن شيئا ويأمرنا بذلك اهـ صـ 39-42
[ السر في المتابعة الظاهرة والباطنة ]
قال الإمام الغزالي في الأربعين
لعلك تشتهي الآن الوقوف على السبب المرغب في الاتباع في هذه الأفعال وتستبعد أن يكون تحت ذلك سر وأو أمر مهم يقتضي هذا التشديد العظيم في المخالفة .
فاعلم أن ذكر السر في آحاد تلك السنن طويل لا يحتمل هذا الكتاب شرحه ، لكن ينبغي أن تفهم أن ذلك ينحصر في ثلاثة أنواع من الأسرار :
الأو ل: إنا نبهناك في مواضع على العلاقة التي بين الملك والملكوت ، وبين الجوارح والقلب ، ويكفية تأثر القلب بعمل الجوارح ، فإن القلب كالمرآة ، ولا تتجلى فيه حقائق الأشياء إلا بتصقيله وتنويره وتعديله .
أما تصقيله : فبإزالة خبث الشهوات ، وكدورة الأخلاق الذميمة .
وأما تنويره : فبأنوار الذكر والمعرفة ، ويعين على ذلك العبادة الخالصة إذا أديت على كمال الحرمة بمقتضى السنة .
وأما تعديله : فبأن تجري جميع حركات الجوارح على قانون العدل ، إذ اليد لا تصل إلى القلب حتى تقصد تعديله ، فتحدث فيه هيئة معتدلة صحيحة لا اعوجاج فيها ، وإنما التصرف في القلب بواسطة تعديل الجوارح ، وتعديل حركاتها ، ولهذا كانت الدنيا مزرعة الآخرة ، ولهذا تعظم حسرة من مات قبل التعديل ؛ لانسداد طريق التعديل بالموت إذ تنقطع علاقة القلب عن الجوارح .
فمهما كانت حركات الجوارح بل حركات الخواطر أيضا موزونة بميزان العدل حدث في القلب هيئة عادلة مستوية تستعد لقبول الحقائق على نعت الصحة والاستقامة ، كما تستعد المرآن المعتدلة لمحاكاة الصور الصحيحة من غير اعوجاج .
ومعنى العدل وضع الأشياء مواضعها ، ومثاله : أن الجهات مثلا أربعة ، وقد خص منها جهة القبلة بالتشريف ، فالعدل أن تستقبل القبلة في أحوال الذكر والعبادة والوضوء ، وأن تنحرف عنها عند قضاء الحاجة وكشف العورة إظهارا لفضل ما ظهر فضله .
ولليمين زيادة على اليسار غالبا لفضل القوة ، فالعدل أن تفضلها على اليسار وتستعملها في الأعمال الشريفة كأخذ المصحف والطعام ، وتترك اليسار للاستنجاء وتناول القاذورات .
وقلم الظفر مثلا تطهير لليد ، وهو إكرام ، فينبغي أن يبدأ بالأكرم والأفضل ، وربما لا يستقل عقلك بالتفطل للترتيب في ذلك وكيفية البداية ، فاتبع فيه السنة وابتدئ بالمسبحة من اليمين ؛ لأن اليد أفضل من الرجل ، واليمنى أفضل من اليسرى ، والمسبحة التي بها الإشارة في كلمة التوحيد أفضل من سائر الأصابع ، ثم بعد ذلك تدور من يمين المسبحة .
وللكف ظهر ووجه ، فوجهه ما يقابله ، فإذا جعلت الكف وجه اليد كان يمين المسبحة من جانب الوسطة ، فقدر اليدين متقابلين بوجهيهما ، وقدر الأصابع كأنها أشخاص ، فيدور المقراض من المسبحة إلى أن يختم بإبهام اليمنى ، كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فإذا أنت تعودت رعاية العدل في دقائق الحركات صارت العدالة والصحة هيئة راسخة في قلبك ، واستوت صورته ، وبذلك تستعد لقبول صورة السعادة ولذلك قال الله تعالى : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } فروح الله مفتاح أبواب السعادة ، ولم يكن نفخها إلا بعد التسوية ، ومعنى التسوية يرجع إلى التعديل ، ووراءه سر يطول كشفه ، وإنما نريد الرمز إلى أصله .
فإن كنت لا تقوى على فهم حقيقته فالتجربة تنفعك ، فانظر إلى من تعود الصدق كيف تصدق رؤياه غالبا ؛ لأن الصدق حصَّل في قلبه هيئة صادقة ، تتلقى لوائح الغيب في النوم على الصحة ، وانظر كيف تكذب رؤيا الكذاب ، بل رؤيا الشاعر ؛ لتعوده التخيلات الكاذبة ، فاعوج لذلك صورته قلبه .
فإذا كنت تريد أن تلمح جناب القدس فاترك ظاهر الإثم وباطنه ، واترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، واترك الكذب حتى في حديث النفس أيضا .
السر الثاني :
أن تعلم أن الأشياء المؤثرة في بدنك بعضها إنما يعقل تأثيرها بنوع من المناسبة إلى الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، كقولك : إن العسل يضر المحرور وينفع البارد مزاجه
ومنها ما لا يدرك بالقياس ويعبر عنه بالخواص ، وتلك الخواص لم يوقف عليها بالقياس ، بل مبدأ الوقوف عليها وحي أو إلهام ، فالمغناطيس يجذب الحديد ، والسقمونيا تجذب خلط الصفراء من أعماق العروق لا على القياس ، بل بخاصية وقف عليها إلما بإلهام أو تجربة ، وأكثر الخواص عرفت بالإلهام ، وأكثر التأثيرات في الأدوية وغيرها من قبيل الخواص.
فكذلك فاعلم أن تأثير الأعمل في القلب ينقسم إلى ما يفهم وجه مناسبته ، كعلمك بأن اتباع الشهوات الدنيوية يؤكد علاقته مع هذا العالم ، فيخرج من العالم منكوس الرأس موليا وجهه إلى هذا العالم إذ فيه محبوبه ، وكعلمك أن المداومة على ذكر الله تعالى تؤكد الأنس بالله تعالى ، وتوجب الحب حتى تعظم اللذة به عند فراق الدنيا والقدوم على الله سبحانه إذ اللذة على قدر الحب ، والحب على قدر المعرفة والذكر .
ومن الأعمال ما يؤثر في الاستعداد لسعادة الآخرة أو لشقاوتها بخاصية ليست على القياس ، لا يوقف عليها إلا بنور النبوة ، فإذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قد عدل عن أحد المباحين إلى الآخر وآثره عليه مع قدرته عليهما فاعلم أنه اطلع بنور النبوة على خاصية فيه ، وكوشف به من عالم الملكوت اهـ
ثم قال :
السر الثاني : إن سعادة الإنسان في أن يتشبه بالملائكة في النزوع عن الشهوات ، وكسر النفس الأمارة بالسوء ، ويبعد عن مشابهة البهيمة المهملة سدى ، التي تسترسل في اتباع الهوى بحسب ما يقتضيه طبعها من غير حاجز .
ومهما تعود الإنسان في جميع أموره أن يفعل ما يشاء من غير حاجز ألِفَ اتباع مراده وهواه ، وغلب على قلبه صفة البهيمة ، فمصلحته أن يكون في جميع حركاته ملجما بلجام يصده عن طريق إلى طريق كي لا تنسى نفسه العبودية ولزوم الصراط المستقيم ، فيكون أثر العبودية ظاهر عليه في كل حركة إذ لا يفعل شيئا بحسب طبعه ، بل بحسب الأمر ، فلا ينفك في جميع أحواله عن مصادمات الزمان بإيثار بعض الأمور على بعض .اهـ
الأربعين 122- 127
قال الإمام ابن الحاج رحمه الله تعالى في المدخل بعد أن تكلم على السنة في لبس العمامة :
فانظر رحمك الله وإيانا إلى هذه النصوص الصريحة من أئمتنا في العمامة وما تكلموا عليها ، ثم قال بعض المتأخرين : إن العمامة دون تحنيك ودون عذبة جائزة ليست بمكروهة واستدل على ذلك بأن اللبس من باب المباح وتركه ومضى .
فانظر إلى هذا الاستدلال العجيب مع ما تقدم للعلماء فيها من النصوص ، ومع ذلك فليس اللبس من قبيل المباح مطلقا .
ألا ترى أن الفرض منه في حق الرجل أن يستر من سرته إلى ركبته وفي حق المرأة أن تستر جميع بدنها إلا الوجه والكفين ، والسنة في حق الرجل أن يستر جميع جسده على الوجه المشروع فيه فهو مطلوب بذلك لأجل الامتثال .
ثم العمامة على صفتها في السنة كما تقدم ذكره والرداء في الصلاة مطلوب شرعا ، وكذلك هو مطلوب في الشرع بالخروج إلى الجمع والأعياد بثياب غير ثياب مهنته ، فأين المباح المطلق ، وهذا الذي ذكره كله مطلوب في الشرع الشريف .
ثم لو تنزلنا معه إلى ما قاله أنه من قبيل المباح فالأكل أيضا من قبيل المباح ، لكن السنة فيه أن يسمي الله تعالى عند أوله ويأكل بيمينه ، ولا يأكل بيساره وأن لا ينهش الخبز كاللحم وأن يصغر اللقمة ويكثر مضغها وأن يكون الماء حاضرا وأن يحمد الله تعالى عند آخره .
وكذلك في شربه الماء وإن كان مباحا ، وكذلك الدخول إلى البيت والخروج منه هو من باب المباح ، والسنة فيه أن يقدم اليمنى ويسمي الله تعالى في الدخول والخروج .
فإذا كان نفس لبس العمامة من باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن بها من تناولها باليمين ، وقوله : بسم الله " والذكر الوارد إن كان ما لبسه جديدا ، وامتثال السنة في صفة التعميم من فعل التحنيك والعذبة وتصغير العمامة على ما تقدم بيانه .
وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم في تارك شيء من السنن والآداب : إن الواجب أن يقبح له فعله ويذم على ذلك ، فإن أبى أن يرجع وإلا هجر من أجل ما أتى به من خلاف السنة ، فكيف يمكن أن يقول بالجواز دون كراهة مع النصوص .
وقد قال مالك : رحمه الله بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على اليمن وأنه ارتدى بردة وكانت طويلة فانجرت من خلفه فقيل له ارفع ارفع فانجرت من بين يديه فقال له : " هكذا الشيء يجعل بغير قدر" وعزله .
قال ابن رشد رحمه الله : إنما قيل له ارفع ارفع لما انجرت خلفه لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا .
فطول الرداء مكروه مخافة أن يغفل عنه فيجره من خلفه ، وقد جاء النهي عن ذلك لمن فعله بطرا ، فالتوقي من ذلك على كل حال من الأمر الذي ينبغي .
وقد قال الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتاب الأربعين له :
اعلم أن مفتاح السعادة في اتباع السنة والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع مصادره وموارده وحركاته وسكناته حتى في هيئة أكله وقيامه ونومه وكلامه لست أقول ذلك في آدابه فقط ؛ لأنه لا وجه لإهمال السنن الواردة فيها بل ذلك في جميع أمور العادات فبه يحصل الاتباع المطلق كما قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }
وقال تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }
فعليك بأن تتسرول قاعدا وتتعمم قائما وتأكل بيمينك وتقلم أظفارك وتبتدئ بمسبحة اليد اليمنى وتختم بإبهامها ، وفي الرجل تبتدئ بخنصر اليمنى وتختم بخنصر اليسرى ، وكذلك في جميع حركاتك وسكناتك
فلقد كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ ؛ لأنه لم تنقل كيفية أكله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسها أحدهم فلبس الخف وابتدأ باليسار فكفر عنه بكر حنطة
فلا ينبغي أن تتساهل في امتثال ذلك فتقول : هذا مما يتعلق بالعادات فلا معنى للاتباع فيه ، فإن ذلك يغلق عنك بابا عظيما من أبواب السعادات انتهى .
اهـ
قال الخروبي في الدرة الشريفة في الكلام على أصول الطريقة شرحه على أصول الطريقة للإمام زروق
الأصل الثاني من أصول الطريقة
قال رحمه الله ورضي عنه : ( اتباع السنة في الأقوال والأفعلا )
قلت : لا شك أن تباع السنة أصل من أصول الطريقة ، فمن لا اتباع له لا طريقة له ، فأهل الطريقة مطالبون باتباع الرسول الكريم والدليل العظيم محمد صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله ، وسواء كانت الأقول من قبيل العادات أو من نوع العبادات ، فلا يصح للمريد السالك تسامح في ترك شيء من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله العادية والعبادية .
وبهذا يظهر لك سر كونه صلى الله عليه وسلم بشري الذات ؛ ليقتدى به في عاداته وعبادته ، فالظواهر تقتدي بظاهره ، والبواطن تقتدي بباطنه صلى الله عليه وسلم قال تعالى { فاتبعوني يحببكم الله }
وفي سير أصحابه ما يدل على شدة اتباعهم رضي الله عنهم له صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله العادية والعبادية ، ونحن مطالبون بذلك .
فأما أقواله صلى الله عليه وسلم التي نطالب بالاقتداء به فيها فكأقواله في الصباح والمساء ، وعند النوم وعند اليقظة ، وعند الأكل ، وعند الشرب ، وعند دخول المنزل ، وعند الخروج منه ، وعند دخول المسجد ، وعند الخروج منه .
وكل فعل مخصوص من أفعاله صلى الله عليه وسلم له فيه أو غيره قول معلوم لزم الاقتداء به فيه .
وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم عند فعل واحد أقوال كثيرة مختلفة المعاني ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم ربما قال عند فعل قولا ثم يقول قولا آخر عند الفعل نفسه ، وذلك بحسب أحواله صلى الله عليه وسلم ، وأحواله بحسب التجليات ، والتجليات بحسب الشهود في كل حال يرد عليه عند فعل يقول قولا مناسبا لحاله الوارد عليه فيه ولتجليه وشهوده حينئذ .
وهذا حال العارفين بالله تعالى ، فمن كان ذو معرفة ووصل إلى هذا المقام بحيث تكون أقواله عند أفعاله بحسب أحواله فذلك الكمال ، ومن لم يصل إلى هذا المقام فليق قولا عند فعل شيء ، ويقول قولا آخر عند الفعل نفسه حتى يستوعب جميع أقواله صلى الله عليه وسلم فيحصل على الكمال .
وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم كصلاته ووضوئه وطهره وجميع أفعاله صلى الله عليه وسلم فواجب الاقتداء به فيها ، فمن لازمَ الاقتداء اهتدى ، فهذه أقواله وأفعاله العبادية .
وأما العادية كلبسه وعمامته وترَجله ، وتقنعه ، وتأزره ، وتختمه ، وخضابه ، وكحله ، وتعطره ، ومشيه ، وجلسته ، واتكائه ، وكلامه ، وضحكه ، وحجامته ، وكذلك أكله وشربه وخبزه وعيشه ، وجميع حركاته وسكناته لزم الاقتداء به فيها صلى الله عليه وسلم .
وقد غلط قوم فظنوا أن الاقتداء إنما هو في أقواله وأفعاله العبادية دون العادية ،
وما علموا أنه بحسب ما يترك المريد السالك من الاقتداء بأفعاله العادية يكون النقص في حاله وطريقه ، لذلك نقل سيدي أبو عبد الله بن الحاج في المدخل عن الشيخ الإمام أبي حامد الغزالي رضي الله عنه أنه قال في كتاب الأربعين ....
ثم نقل الكلام المنقول أعلى ....
ثم قال :
قلتُ : وقد كان شيخنا الإمام المربي القدوة المحقق أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الرعيني الشهير بالحطاب رحمه الله ورضي عنه شديد الاتباع ، ملازم الاقتداء في الحركات والسكنات ، وكان يحضنا على ذلك حتى كان يعلمنا مشية رسل الله صلى الله عليه وسلم وكيفية عمامته وأكله وشربه وغير ذلك من أفعاله صلى الله عليه وسلم وكان لا يهمل من أفعال السن شيئا ويأمرنا بذلك اهـ صـ 39-42
[ السر في المتابعة الظاهرة والباطنة ]
قال الإمام الغزالي في الأربعين
لعلك تشتهي الآن الوقوف على السبب المرغب في الاتباع في هذه الأفعال وتستبعد أن يكون تحت ذلك سر وأو أمر مهم يقتضي هذا التشديد العظيم في المخالفة .
فاعلم أن ذكر السر في آحاد تلك السنن طويل لا يحتمل هذا الكتاب شرحه ، لكن ينبغي أن تفهم أن ذلك ينحصر في ثلاثة أنواع من الأسرار :
الأو ل: إنا نبهناك في مواضع على العلاقة التي بين الملك والملكوت ، وبين الجوارح والقلب ، ويكفية تأثر القلب بعمل الجوارح ، فإن القلب كالمرآة ، ولا تتجلى فيه حقائق الأشياء إلا بتصقيله وتنويره وتعديله .
أما تصقيله : فبإزالة خبث الشهوات ، وكدورة الأخلاق الذميمة .
وأما تنويره : فبأنوار الذكر والمعرفة ، ويعين على ذلك العبادة الخالصة إذا أديت على كمال الحرمة بمقتضى السنة .
وأما تعديله : فبأن تجري جميع حركات الجوارح على قانون العدل ، إذ اليد لا تصل إلى القلب حتى تقصد تعديله ، فتحدث فيه هيئة معتدلة صحيحة لا اعوجاج فيها ، وإنما التصرف في القلب بواسطة تعديل الجوارح ، وتعديل حركاتها ، ولهذا كانت الدنيا مزرعة الآخرة ، ولهذا تعظم حسرة من مات قبل التعديل ؛ لانسداد طريق التعديل بالموت إذ تنقطع علاقة القلب عن الجوارح .
فمهما كانت حركات الجوارح بل حركات الخواطر أيضا موزونة بميزان العدل حدث في القلب هيئة عادلة مستوية تستعد لقبول الحقائق على نعت الصحة والاستقامة ، كما تستعد المرآن المعتدلة لمحاكاة الصور الصحيحة من غير اعوجاج .
ومعنى العدل وضع الأشياء مواضعها ، ومثاله : أن الجهات مثلا أربعة ، وقد خص منها جهة القبلة بالتشريف ، فالعدل أن تستقبل القبلة في أحوال الذكر والعبادة والوضوء ، وأن تنحرف عنها عند قضاء الحاجة وكشف العورة إظهارا لفضل ما ظهر فضله .
ولليمين زيادة على اليسار غالبا لفضل القوة ، فالعدل أن تفضلها على اليسار وتستعملها في الأعمال الشريفة كأخذ المصحف والطعام ، وتترك اليسار للاستنجاء وتناول القاذورات .
وقلم الظفر مثلا تطهير لليد ، وهو إكرام ، فينبغي أن يبدأ بالأكرم والأفضل ، وربما لا يستقل عقلك بالتفطل للترتيب في ذلك وكيفية البداية ، فاتبع فيه السنة وابتدئ بالمسبحة من اليمين ؛ لأن اليد أفضل من الرجل ، واليمنى أفضل من اليسرى ، والمسبحة التي بها الإشارة في كلمة التوحيد أفضل من سائر الأصابع ، ثم بعد ذلك تدور من يمين المسبحة .
وللكف ظهر ووجه ، فوجهه ما يقابله ، فإذا جعلت الكف وجه اليد كان يمين المسبحة من جانب الوسطة ، فقدر اليدين متقابلين بوجهيهما ، وقدر الأصابع كأنها أشخاص ، فيدور المقراض من المسبحة إلى أن يختم بإبهام اليمنى ، كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فإذا أنت تعودت رعاية العدل في دقائق الحركات صارت العدالة والصحة هيئة راسخة في قلبك ، واستوت صورته ، وبذلك تستعد لقبول صورة السعادة ولذلك قال الله تعالى : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } فروح الله مفتاح أبواب السعادة ، ولم يكن نفخها إلا بعد التسوية ، ومعنى التسوية يرجع إلى التعديل ، ووراءه سر يطول كشفه ، وإنما نريد الرمز إلى أصله .
فإن كنت لا تقوى على فهم حقيقته فالتجربة تنفعك ، فانظر إلى من تعود الصدق كيف تصدق رؤياه غالبا ؛ لأن الصدق حصَّل في قلبه هيئة صادقة ، تتلقى لوائح الغيب في النوم على الصحة ، وانظر كيف تكذب رؤيا الكذاب ، بل رؤيا الشاعر ؛ لتعوده التخيلات الكاذبة ، فاعوج لذلك صورته قلبه .
فإذا كنت تريد أن تلمح جناب القدس فاترك ظاهر الإثم وباطنه ، واترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، واترك الكذب حتى في حديث النفس أيضا .
السر الثاني :
أن تعلم أن الأشياء المؤثرة في بدنك بعضها إنما يعقل تأثيرها بنوع من المناسبة إلى الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، كقولك : إن العسل يضر المحرور وينفع البارد مزاجه
ومنها ما لا يدرك بالقياس ويعبر عنه بالخواص ، وتلك الخواص لم يوقف عليها بالقياس ، بل مبدأ الوقوف عليها وحي أو إلهام ، فالمغناطيس يجذب الحديد ، والسقمونيا تجذب خلط الصفراء من أعماق العروق لا على القياس ، بل بخاصية وقف عليها إلما بإلهام أو تجربة ، وأكثر الخواص عرفت بالإلهام ، وأكثر التأثيرات في الأدوية وغيرها من قبيل الخواص.
فكذلك فاعلم أن تأثير الأعمل في القلب ينقسم إلى ما يفهم وجه مناسبته ، كعلمك بأن اتباع الشهوات الدنيوية يؤكد علاقته مع هذا العالم ، فيخرج من العالم منكوس الرأس موليا وجهه إلى هذا العالم إذ فيه محبوبه ، وكعلمك أن المداومة على ذكر الله تعالى تؤكد الأنس بالله تعالى ، وتوجب الحب حتى تعظم اللذة به عند فراق الدنيا والقدوم على الله سبحانه إذ اللذة على قدر الحب ، والحب على قدر المعرفة والذكر .
ومن الأعمال ما يؤثر في الاستعداد لسعادة الآخرة أو لشقاوتها بخاصية ليست على القياس ، لا يوقف عليها إلا بنور النبوة ، فإذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قد عدل عن أحد المباحين إلى الآخر وآثره عليه مع قدرته عليهما فاعلم أنه اطلع بنور النبوة على خاصية فيه ، وكوشف به من عالم الملكوت اهـ
ثم قال :
السر الثاني : إن سعادة الإنسان في أن يتشبه بالملائكة في النزوع عن الشهوات ، وكسر النفس الأمارة بالسوء ، ويبعد عن مشابهة البهيمة المهملة سدى ، التي تسترسل في اتباع الهوى بحسب ما يقتضيه طبعها من غير حاجز .
ومهما تعود الإنسان في جميع أموره أن يفعل ما يشاء من غير حاجز ألِفَ اتباع مراده وهواه ، وغلب على قلبه صفة البهيمة ، فمصلحته أن يكون في جميع حركاته ملجما بلجام يصده عن طريق إلى طريق كي لا تنسى نفسه العبودية ولزوم الصراط المستقيم ، فيكون أثر العبودية ظاهر عليه في كل حركة إذ لا يفعل شيئا بحسب طبعه ، بل بحسب الأمر ، فلا ينفك في جميع أحواله عن مصادمات الزمان بإيثار بعض الأمور على بعض .اهـ
الأربعين 122- 127
تعليق