بسم الله الرحمن الرحيم
تعليقات على كتاب [مراتب الوجود]
للشيخ عبد الكريم الجيلي
[ملاحظة: اعتمدت على طبعة مكتبة الجندي]
تعليقات على كتاب [مراتب الوجود]
للشيخ عبد الكريم الجيلي
[ملاحظة: اعتمدت على طبعة مكتبة الجندي]
الحمد لله رب العالمين والصلة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وبعد
فهذه ملاحظات وتعليقات مختصرة موجزة كتبتها منذ سنوات كثيرة على كتاب (مراتب الوجود) لعبد الكريم الجيلي الصوفي الشهير، ذكرنا فيها بعض ما يمكن أن يقال فيها، واكتفينا بالإشارات بديلا عن التطويل في العبارات، والمراد منها أن نوصل إلى طالب العلم أنه لا بدَّ من دليل صحيح على كل ما يقال في الدين، ولا يجوز أن يدرج في الدين ما ليس منه، أو يخلط بغيره، مع اعترافنا بحسن قصدهم على ما يظهر ولا نزكِّي على الله أحداً، والله هو علام الغيوب، ولكن كتب الله تعالى على الإنسان أن يبين الحق بحسب ما يعلم وعلى قدر ما تبلغه طاقته وقدره. وهذا قدرنا وتلك طاقتنا، فإن أخطأنا فمنا ومن الشيطان، وإن أصبنا فبتوفيق الله تعالى.
قال في المقدمة ص7:"وأشهد أن لا إله إلا الله الكبير المتعال الظاهر بكل موجود بكماله من غير حلول ولا اتصال ولا انفصال، ظهور بلا كيف يصوره العقل ويحيط به الخيال."
قوله (الظاهر بكل موجود بكماله من غير حلول ولا اتصال ولا انفصال) هذا تمهيد مبني على وحدة الوجود كما لا يخفى على العارف لما يقال.
وقد ذكر في بداية الرسالة أهمية العلم بالله تعالى، وضرورة الأخذ عن أصحاب التجليات الإلهية، وشكى قلَّة التوجه لتجليات الحقِّ، مع أنَّ"الله تعالى لم يزل متجليا بجميع تجلياته مفيضا على خلقه بمقتضى أسمائه وصفاته" كما قرره في ص6، وهذا القول مبني على أنّ الفيض قديم النوع لا بداية له، ولا يزال كذلك، فلا مظهر من المظاهر التي يتجلى بها الله تعالى يعود إلى التجلي به عينه، وعلى هذا يحمل قوله تعالى (كل يوم هو في شأن) لأنه لا شأن من شؤون الحق يتكرر بعينه.
وحضَّ على قراءة كتب الشيخ ابن عربي ونقل عن شيخه إسماعيل الجبرتي أن الذي يريد يصبو إليه المريد من المجاهدات موجود بعينه في كتب الشيخ، فالقراءة من كتب القوم تنفع في هذا الحالة لتقريب البعيد. وقال إن النهي عن الأخذ عن الكتب إنما هو لقاصر الفهم خوفا من تضييع عمره فيما لا ينفعه، قال:"وأما من كان ذا عقل ذكيّ وفهم عليّ، وإيمان قوي، يأخذ من كتبنا كل ما يأخذه وناله منها وينال منها كل مقصده". وقال في ص11:"فإني رأيت صبيانا من أهل الطريق من إخواني بلغوا بمطالعة هذه الكتب في الأيام القليلة ما لم يبلغه رجال باجتهاد أربعين وخمسين سنة، على أنهم كانوا سببا لدخول أولئك الصبيان إلى الطريق، ولكنهم لما وقفوا مع سلوكهم وسار أولئك الصبيان في مطالعة كتب الحقيقة وفهمها، وتأخروا عن مداهم صار الصبيان شيوخا في الحقيقة، والشيوخ لهم صبيانا". وكلامه في فائدة الكتب عموما لا يستطيع أن يخالفه فيه مخالف إلا أن يكون معانداً.
ثم أورد بيتا من الشعر:
[gasida="type=1 bkcolor=#cccc00 width="70%" border="4px groove " font="bold large arial" bkimage="""]وقد تبنيت آبائي على ثقة=ولا محالة أني وجه كلّ أبِ[/gasida]
ثم قال ص11:"وهذا البيت لرجل من تلامذة شيخ لم نعلم له من أعمال الطريق سوى مطالعة كتب الحقيقة حتى بلغ في هذا العلم ما سبق به كثيرا من السابقين، واسمه أبو بكر بن محمد الحكاك، له نظم كثير في علم الحقيقة، فمن وقف على ديوان شعره وعرف مقداره حظي بطائل".
فالأخذ عن الكتب حتى في طريقة هذه المدرسة صحيح إذن، وليس كل ما يقولونه يكون عن كشف خاص بهم، بل كثير منهم مقلدون لبعضهم البعض في ذلك، ونحن لا نغفل عن دعاوى كثيرين منهم أنهم لا يقولون إلا عن كشف، ولا نلتفت إلى دعاوى بعضهم أيضا أن قراءة كتبهم لغير المتأهل!! (وهذه نضع تحتها آلاف الخطوط) يراد بها ما لا يجوز أن يراد بمثله ، فإنما يريد به كثيرون منهم تخويف الناس من وإرهابهم، وخصوصاً من عارضهم في بعض مدعاهم، يخوفونه بالكشف والإلهام الذي يزعمونه، حتى إن كان لا يزن الأمور إلا بميزان الشريعة، ولا يقرر إلا ما يقرره أهل السنة الأفاضل، فقد سمعت من بعض الناس ممن يزعم الانتساب إلى الشيخ استهانته بأهل السنة وقال من ضمن ما قاله: ومن قال إن الحقَّ محصور فيما قرره الأشاعرة والماتريدية، ولمي منع أن يكون ما بينوه باطلاً، وأن يكون ما عارضهم به من الحق لأنه يتلقاه كما يزعم عن الحق بالكشف الإلهيّ!! ونحن لا نلتفت إلى هذه الدعاوى ما دامت مخالفة في غاياتها للأدلة الشرعية ومعارضة لما قرره أهل السنة من علماء الشريعة.
ولذلك لا نستغرب من هؤلاء أن يتهموا أهل الشريعة بأنهم أهل حجاب وقصور فهم وتقليد، وأن علومهم يأخذونها عن الأموات، أما هم فبزعمهم لا يأخذون إلا عن الحي الذي لا يموت!
ثم تكلم الجيلي بكلام على فائدة القراءة من الكتب وتسريع القراءة للوصول بشكل كبير، بحيث يتكمل القارئ بسرعة أكبر مما هي عند من لم يقرأ. وكلامه في ذلك لطيف جدا، واستعمله أيضا للتدليل على فائدة التعلم على المشايخ وخاصة في العلوم الحقيقية أعني علومهم. وعلى العموم فكلامه فيه حق وفيه ما ينتقد، ومعظمه هنا مقبول غير مردود.
قال في ص12:"واعلم أن معرفة الله تعالى منوطة بمعرفة هذا الوجود فمن لا يعرف الوجود لم يعرف الموجود سبحانه وتعالى وعلى قدر معرفته لهذا الوجود يعرف موجده".
هذا الكلام مبني على القول بوحدة الوجود، وليس مراده هنا أن معرفة الوجود يستدل منها العارف على خالق الوجود، بل إنه بنفس معرفة الوجود يعرف الله تعالى، لأنه عين الحقيقة. وذلك على ما بينه صاحب الفصوص في الفص المتعلق بنوح عليه السلام، حين تكلم على التنزيه والتشبيه وأن الحق الجمع بينهما ، وأن التنزيه تشريك، والتشبيه تقييد، كما ذكر ذلك في غير موضع.
ومراتب الوجود عنده أربعون مرتبة، وهي أمهات المراتب وبين كل مرتبة وغيرها مراتب كثيرة لكنها تدخل في أحكامها.
فمن مراتب الوجود عنده (ص 12و ما بعدها) المرتبة الأولى وهي الغيب المطلق، المعبر عنها بالغيب المطلق وبغيب الغيب لصرافة ذاته المقدسة عن سائر النسب والتجليات، ولهذا عبر عنها القوم بالذات الإلهية الساذج إذ كلت العبارات دونها. وكذلك سماها بعض العارفين بالعدم المقدم على الوجود، يريد بذلك عدم لحوق النسبة الوجودية بمطلق الصرافة الذاتية التي علت على النسبة وغيرها، لا يريد بأنها عدمه، أي معدومة فوجدت، بل لكونها حقيقة الوجود البحت التي هي ظلمة الأنوار فيها أي مجهولة من كل الجهات لا سبيل إلى معرفتها بوجه من الوجوه، ولها سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعما. راجع تعليقتنا على كتاب الكهف والرقيم للجيلي، فهو هناك يشير إلى هذه التسمية، ويقول إن وراءها سرا بيناه هنا.
قال قي ص13 ولذلك يسميها بعضهم بالمسكوت عنه، ولا يدخلها في مراتب الوجود، فيقول إنه أمر وراء الوجود. وذكر الجيلي أنه لا يريد بها ما قرره هذا القائل، بل لا يريد إلا ما بينه هو مما وضحناه، مع أنه يقبل قوله.
والمرتبة الثانية من مراتب الوجود الوجود المطلق، وهي أول التنزلات الذاتية المعبر عنها بالتجلي الأول وبالأحدية وبالوجود المطلق. وهذا التجلي يصلح أن يكون برزخا بين البطون والظهور وذلك هو عبارة عن حقيقة الحقيقة المحمدية. وهي عبارة عن العلم المطلق والشأن الصرف العشق المجرد عن نسبة العاشق والمعشوق. فتسقط فيها جميع الاعتبارات والسب والإضافات، وقد تسمى بمرتبة الهوية "لأنها غيب الأسماء والصفات في الشأن الثاني المخصوص".
والمرتبة الثالثة: الواحدية وهو التنزل الثاني المعبر عنها بالواحدية ومنها تنشأ الكثرة بداية وفيها تنعدم الكثرة وتتلاشى نهاية، لأنها ذات قابلة للبطون والظهور فيصدق عليها كل واحد من هذين الشيئين، وفيها تظهر الأسماء والصفات وجميع المظاهر الإلهية بالشأن الذاتي لا بشئونها فيكون فيها كل واحد عين الثاني، ولهذا يسمى المحققون هذه المرتبة بالعين الثابتة وبمنشئ السوى وبحضرة الجميع والوجود وبحضرة الأسماء والصفات.
والرتبة الرابعة من المراتب: الألوهية، وهي عبارة عن الظهور بالصرف وذلك هو إعطاء الحقائق حقها من الوجود، ومن هذه الحضرة تتعين الكثرة، فليس كل من المظاهر فيها عين الثاني كما هو الواحدية، بل كل شيء فيها متميز عن الآخر تميزا كليا ومن هنا سميت بنشأة الكثرة الوجودية وحضرة التعينات الإلهية وحضرة جمع الجمع ومجلى الأسماء والصفات والحضرة الأكملية ومرتبة المراتب.
ولا بد أن نلاحظ أن هذه المرتبة مبنية على تعين الأشياء في نفسها أزلا في العلم الإلهي، فإن التجليات الإلهية لا تعطي أحدا إلا ما له، ولا تحكم على الشخق ولا تقضي عليه إلا بحسب ما يستحف في نفس الأمر، وكما يعطيه إياه نفسه وحقيقته الثابتة أزلاً، وذلك بأن يتجلى الله تعالى بأحكامها ويتصور بصورها من غير حلول ولا اتحاد إذ لا اثنينية، فما ثم إلا هو، ولذلك فإنك إذا فنيت عن قيد وجودك، أي وجودك الشخصي، عرفتَ أنه ما ثم إلا الحقَّ. فأنت حدٌّ من الحدود، ولا يعرف حدود الله تعالى إلا هو، لأنه لا يحيط بمظاهره وتجلياته إلا هو. وهذا الامر مبني على الجمع بين التنزيه والتشبيه، الذي يقول عنه أصحاب هذه المدرسة أنه عين الشريعة ولب الحقيقة.
ومنها مرتبة الوجود الساري وهي المعبر عنها بالرحمانية الذي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفس الرحمن.
ومن المراتب الربوبية وفيها يتعين وجود العبودية ويظهر موقع الجلال والجمال لتأثير الهيبة والأنس. ومن هذه الحضرة أرسلت الرسل وشرعت الشرائع وأنزلت الكتب. ولهذه المرتبة التعالي المطلق ولهذا لما سأل موسى عليه السلام ربه الرؤية في هذه المرتبة (رب أرني أنظر إليك) قال الله تعالى له(لن تراني) ولو سأله في تجلي الرحمانية أو تجلي الألوهية أو الوحدانية لما كان يقع المنع أبداً، فإن الربوبية شأنها التقديس، "فطلب العبد من ربه رؤيته سوء أدب منه بالنظر إلى محل العبودية والبروبية لا بالنظر إلى موسى عليه الصلاة والسلام، فإنه أكمل الأدباء"، إذن هذا هو السبب عندهم في عدم حصول الرؤية، فهل كان موسى عليه السلام جاهلاً بهذا المقام وأحواله وأحكامه؟ وغير عارف بالحال الذي هو فيه حتى يجهل أن الرؤية ممنوعة فيه، ولا يمكن حصولها! وهل كان عليه السلام جاهلاً بأنه لو خاطب الله تعالى بتجلي الرحمانية أو الوحدانية لأجابه!؟
وقال في مرتبة الأسماء والصفات في أثناء الكلام على اسمه المتكلم ص19:"فتعين أن هذا الاسم والصفة من الصفات النفسية لأن به كمال وجود في نفسه، وإيجاده لغيره، فصارت جملة الأسماء النفسية سبعة"، فأنت ترى أنه يربط الإيجاد بالكلام على طريقة هذه المدرسة، وقد قرر أعلام العلماء من أهل السنة أن هذا القول ضعيف، وأن المراد في الآية الكناية عدم تخلف الإيجاد عند الإرادة والتعلق التنجيزي للقدرة ، وذلك كما ذكرناه في مواضع أخرى.
قال الإمام النسفي (2/256) في تفسير قوله تعالى {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }النحل40:"وهذه عبارة عن سرعة الإيجاد يبين أن مرادا لا يمتنع عليه وأن وجوده عند إرادته غير متوقف كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذ أورد على المأمور المطيع الممتثل ولا قول ثم والمعنى أن إيجاد كل مقدور على الله بهذه السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات".
وقال العلامة أبو السعود:"إنما هو تمثيل لسهولة تأتي المقدورات حسب تعلق مشيئته تعالى بها وتصوير لسرعة حدوثها بما هو علم في ذلك من طاعة المأمور المطيع لأمر الآمر المطاع فالمعنى إنما إيجادنا لشيء عند تعلق مشيئتنا به أن نوجده في أسرع ما يكون".
وذكر الجيلي باقي المراتب على نفس النسق، ثم قال في مرتبة عالم الإمكان ص20 بأن الإمكان برزخ بين الوجود القديم والوجود الحادث. مرتبة بين الوجود والعدم، وقال ص21:"العدم عند المحققين عبارة عن الخلق، والوجود عبارة عن الحق، والخلق معدوم والحق موجود، والممكن متوسط بين المرتبتين".
و"حضرة الحقّ هي حضرة الجمع لأنها جامعة لحضرات الجمع والوجود والكشف والشهود".
والمرتبة الثالثة عشر من مراتب الوجود هي العقل الأول، والعقل عندهم هو القلم والقلم هو الروح المحمديّ، وقد أودع الله جميع العلوم في العقل الأول، أو القلم أو الروح المحمدي، وقال في ص21:"فالعلوم في العقل الأول مجملة كإجمال الكلام في الفؤاد، وهي مفصلة في النفس الكلي تفصيل الكلام على اللسان"وقال في ص 21 :"واعلم أن العقول العشرة أعلاها العقل الأول وأدناها العقل الفعال وكلها مندرجة اليوم في ذات النفس الكلية، ولكل من العقول والنفوس الكلية فيك نسخة كاملة فميزها ترشد إن شاء الله تعالى".
أقول كلامه هنا (وخصوصا في العقول، وعددها) ظاهر في تأثره بالفلاسفة المتأخرين المتأثرين بالمدرسة الاسكندرانية المتأخرة المسماة بفلسفة أفلوطين، وهي الإشراقية.فكيف يمكن ان نسلم ان هذا كله مأخوذ بالكشف الإلهي الذي يوجب على الناس اتباعه، وكيف يقال بعد ذلك إن الواجب التسليم لهم فيما يقولون، وقد قرر كبار العرفاء أن الكشف يمكن ان يخطئ لسبب من الأسباب المعلومة.
وجعل في ص22المرتبة الرابعة عشر من مراتب الوجود :النفس الكلية وهي وهي الروح الأعظم وهي اللوح المحفوظ المعبر عنه بالإمام المبين وبإمام الكتاب..." وقال :"فالعلوم الإلهية منبسطة في النفس ظاهرة فيها ظهور الحروف الرقمية في الورقة واللوح، وهي مندرجة في العقل اندراج الحروف في الدواة، فالعقل هو أم الكتاب بهذا الاعتبر والنفس الكتاب المبين، كما أن القلم الأعلى هو أم الكتاب واللوح المحفوظ الكتاب المبين كما أن العلم الإلهي هو أم الكتاب فالوجود بأسره بهذا الاعتبار هو الكتاب المبين كما أن الذات الإلهية من وجه هي أم الكتاب والعلم الإلهي هو الكتاب المبين، فتأمل هذه الإشارات وافهم مواقعها منك، تفز بسر القدر"، وقد وضح ثاحب الفصوص سرَّ القدر في فص شيث وغيره من الفصوص، وربما نتكلم عليه في محل آخر بإذن الله تعالى. ولكن حاصله انه ما حكم عليك إلا بك، فأنت الحاكم وهو المحكوم.
وكلامهم عن النفس الكلية واللوح وتأويلاتهم عبارة عن مزج بين الفلسفة الإشراقية وما ورد في الشريعة المطهرة، ولا أرى عليه دليلا يوجب التزامه.
وتكلم في المرتبة الثامنة عشر من مراتب الوجود على مرتبة الطبيعة المجردة عن لباس الاسطقسات والأركان التي خلق الله تعالى العالم فيها، وقال في ص24:"ومتى لبست الاسطقسات صورة ركن من الأركان لا يمكن خلعها ، ومتى لبست الأركان صورة من صور الموجودات العنصرية لا يمكن خلعها، فيبقى ذلك الموجود موجوداً بعد فناء ظاهره في الطبيعة، يشاهدها المكاشف عيانا كما كان يشاهدها الناس في الحس، وهذا الفلك الطبيعي واسع جداً، خلق الله تعالى فيه الجنة والنار والمحشر والبرزخ وجميع ما في الدنيا، وما هو قبل خلق الدنيا مما علمنا ومما لا نعلمه من المخلوقات الطبيعية، وظاهره المحسوس لنا اليوم هو العالم الدنياوي وباطنه الغائب عنا هو العالم الأخروي، وقابلية البطون والظهور هو البرزخ، وهو عالم الخيال وعالم المثال وهو عالم السمسمة، فنسخة الدنيا منك طاهرك من الجوارح وغيرها، ونسخة البرزخ منك خيالك ونسخة الآخرة منك العالم الروحي وهو باطنك".
ومن المعلوم أن المتكلمين أنكروا الاسطقسات وأنكروا كونها عناصر كما زعم المتفلسفة، ونصوا على ذلك في كتبهم الكلامية.
وكلامه عن الهيولى في ص 25 يؤيد أخذه وتعلقه بالفلاسفة، فقد قال فيها:"وهي حضرة التشكيل والتصوير، تتولد هذه الصور منها كما تتولد الأمواج في البحر ، فإذا قتضت الهيولى صورة من صور الوجود كان حتماً على الطبيعة إبرازها في العالم بالقدرة والإرادة الإلهية لأن الله تعالى جعل اقتضاء الهيولى سببا لإيجاد تلك الصورة"، وتصورهم للهيولى وآثارها واستعدادها أو طلبها، مبني من جهة أخرى على مفهوم الأعيان الثابتة أزلاً التي تتعلق بها الإرادة الإلهية لتظهر الذات بأحكامها كلما استعدت لأمر ظهر الحق فيه.
وتكلم في ص26على مرتبة الهباء وهي المكان الحكمي اللاوجودي الذي يفترض عند أهل النظر أن الله تعالى أوجد العالم فيه لكي لا يلزم قيام الحوادث بالذات الإلهية، أما عند أهل هذه المدرسة، فقد قال الجيلي:"أما عندنا فهو سبحانه أوجد العالم من علمه إلى عينه، وعلمه عينه، وعينه ذاته، والمراد من قولي أوجد العالم من علمه إلى عينه، هو عبارة عن إضافة الحق تعالى نسبة الوجود إلى عينه، لأن الموجودات بأسرها لم تزل موجوده له في علمه، وعلمه على الحقيقة عينه، وعينه ذاته، ولو قلتَ: يسمع بسمع ويبصر ببصر ويعلم بعلم، قلنا: إن ذلك العلم والسمع والبصر عين ذاته لا غيرها، فوجود العالم في الظاهر الكوني إيجاده لهم في بصره، وهو عبارة عن إضافته تعالى نسبة وجودهم إلى بصره، وهم قبل ذلك موجودون في علمه غير مفارقين للعلم حال إضافة نسبتهم إلى عينه، وغير مفارقين لعينه حال إضافة نسبتهم إلى عينه، وغير مفارقين لعينه حال إضافة نسبة وجودهم إلى علمه"، والكلام يرجع إلى حديث التجليات والنسب الذاتية لا غير، لا زيادة ولا نقصان، ولكن بأسلوب خاص بالجيليّ، فالعالم مظاهر الحقّ يتجلى بأحكام الممكنات بحسب الاستعداد بناء على رحمته الواسعة.
وإيجاد العالم معناه "إضافة الحقّ لهم إلى عينه [أي فهذه الإضافة هو الامر الذي] أكسبهم الإيجاد العيني"، فالعالم مجرد نسبة قائمة بالحق، وليس امرا موجودا له وجوده الخاص الذي هو وجود مغاير لوجود الحق، أقامه الله تعالى لا في نفسه، وأوجده بعد أن لم يكن شيئا مذكوراً، فجعله شيئا مذكوراً، وبقاؤه موجودا إنما يكون بإبقاء الله تعالى له بقدرته وإرادته جل شأنه.
قال في ص41 أثناء الكلام على المركبات النورانية من المرتبة الثانية والعشرين من مراتب الوجود:"فهي الأجرام الفلكية المعبر عنها بالكواكب متركبة الأجزاء من العناصر الأربع التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وكل كوكب منها حقيقة واحدة غير قابلة للتقسيم في نفس الأمر على ما شاهده الحس منها من الكبر والعظمة. حتى أن الفلاسفة مجتمعون على أن الشمس بمقدار الدنيا مائة مرة ونيفا وستين مرة، وقد أيد الشيخ محيي الدين بن العربي هذا وذكره في كتاب الفصوص، وقال فيه ما شابه هذه العبارة وهذا أمر عجيب وهو أن يوجد موجود بهذا العظم لا يقبل التقسيم في نفس الأمر وإدراك هذا على العقل بعيد".
كذا قال ، فهذه الكواكب النورانية على عظمها لا تقبل القسمة، وهو كلام فاسد، فلا دليل على ما قاله، ومتابعة لكلام المتفلسفة، وأقول لما كان إثبات أمر عظيم الحجم، فإن العقل نفسه يمنع عدم قبوله للانقسام، فمن أين جاء الجيلي بمقولة عدم انقسامه في نفسه إلا من الفلاسفة ومن وهمه، بل العقل يثبت جواز انقسامه، وهو ما قرره علماء أهل السنة كالغزالي والرازي وغيرهما، كما أنه ما دللت عليه العلوم المعاصرة كما هو معلوم، وبهذا يثبت أن بعضاً مما هو موجود في كلام هذه المدرسة القوم ما هو إلا مغالطات وكلام مردود لفساد مصادره، والعجب منهم بعد ذلك كيف يقولون إن هذا الكلام حصلوا عليه بالكشف والإلهام!!!؟
وكلامه على الفلك الأطلس في ص33 الذي يدور بدورته الأفلاك كلها، نسخ مباشر من الفلاسفة في قولهم أن الفلك المحيط وهو المحدَّد للجهات يدور أزلا وتدور بدورته الأفلاك كلها، وهذا الدوران واسطة إبراز الصور والهيئات المختلفة في الكون كله، وخصوصا عالم الكون والفساد. وإن حاول أن يطعمه بأن يستعير شيئا من قول أهل السنة أن ذلك كله بإرادة الله تعالى، لكي يخرجه عن الجبر والإيجاب، وبهذا يفسر الجيلي أن العالم كله وجد بإرادة واحدة لله تعالى، وفساد العالم يكون بتوقف حركة الأفلاك هذه، فكيف يُطْلَبُ أن يُسلَّم لهم بأن هذه المقولات نتيجة الكشف والإلهام، وأنها اختصاص إلهي لهم وقد كان فلاسفة اليونان يقولون بها.
وفي المرتبة السادسة والعشرية سماء زحل، وجعلها سماء سيدنا إبراهيم عليه السلام، وجعل سماء المشتري سماء سيدنا موسى عليه السلام، وسماء المريخ سماء سيدنا يحيى عليه السلام، وجعل الشمس سماء سيدنا إدريس عليه السلام، وجعلها قلب الأفلاك، وسماء الزهرة سماء يوسف عليه السلام، وسماء عطارد سماء نوح عليه السلام، وسماء القمر سماء آدم عليه السلام، وكل هذه جعلها من مراتب الوجود!!
ومن الظاهر أنه لا يبني على كشف ولا معاينة، بل على مجرد معلومات فلكية بحسب ما وصل إليه أهل عصره، بعضها صحيح وبعضها خطأ، ثم إنه بعد ذلك- يحاول مزجها بنوع خيال غزير ببعض الإشارات الدينية، ولا دليل على ذلك كله، كما لا يخفى على عاقل.
ولذلك لم يأتِ على ذكر الكواكب التي تم اكتشافها في هذا الزمان زيادة على السبعة المذكورة التي كان الناس يعرفونها من قبل، مع أن مقتضى الكشف أن يعرفها من قبل أن يعرفها المعاصروت بالآلات والمعادلات الرياضية!!
ثم ذكر في ص36 أن المرتبة الثالثة والثلاثين من مراتب الوجود للفلك الأثير :"وهي المسماة بالكرة النارية أو ما تنبعث الحركة الفعلية في عالم الكون والفساد من هذه الكرة بحسب ما يقتضيه العقل الفعال وهو العقل العاشر....." وأكمل شرحه بناء على الاسطقسات الأربعة التي كان يقول بها اليونان وأبطلها المتكلمون ولم يرضَ بها الأشاعرة، وها نحن نرى الجيلي وغيره يتكلم عنها بناء على ما يقولون إنه الكشف والإلهام الإلهيّ، وكله مأخوذ من فلسفات قديمة لم يرتض بها المتكلمون العظام، فقبلها بعض المدارس الصوفية وبنوا عليها ما ترى!
وجعل لكل اسطقس كرة ومرتبة من مراتب الوجود فللنار مرتبة، وللهواء مرتبة، وللماء مرتبة، وللتراب مرتبة من مراتب الوجود.
وهو يحاول في كثير من الأصول التي يأخذها من الفلاسفة الإشراقيين أو المشائين أن يلونها بألوان قواعد مأخوذة من اهل السنة كما كان يرجع الحركات الفليكة للفلك الأعظم ولتأثيراتها إلى إرادة الله تعالى، وقد كان الفلاسفة يرجعونها إلى علاقة العلية والمعلولية، وأنه لا مدخلية لإرادة الله تعالى. فهذا كله يبين أن الجيلي ومن تابعه على ذلك كانوا يعتقدون صحة ما انتهى إليهم من الفلاسفة من هذه المعارف، وكانا لا يرضون إظهار المخالفة الصريحة لمذهب أهل السنة، ولذلك صاروا يحاولون الجمع بينهما كما أشرنا. وهو لاي كاد يخفي أخذه من الفلسفة فلذلك تراه يقول فيالمرتبة السادسة والثلاثين:"ولولا الخشية من التطويل والدخول إلى شيء من معلوم الفلسفة لشرحنا جميع ذلك...".
ثم تكلم على مرتبة المعادن، والنبات، والحيوان، وخالف في ص39 التعريف المشهور للحيوان بأنه:"الجسم النامي المتحرك بالإرادة" وقال:"وهو عندنا الروح الممتزج بالجسم لا غير، فلو مزق الجسم وتلاشى وظهرت روحه في عالم بحسب تلك الصورة التي كانت الروح ممتزجة بجسدانيتها سمينا ذلك الروح حيوانا على حسب ما هي عليه تلك الصورة إما فرس وإما إنسان وإما غير ذلك من أنواع الحيوانات..."
والمرتبة الأربعون من المراتب هو الإنسان [انظر ص41 وما بعدها] :"وبه تمت المراتب كمل العالم وظهر الحق تعالى لظهوره الأكمل على حسب أسمائه وصفاته، فالإنسان أنزل الموجودات مرتبة وأعلاها مرتبة في الكمالات". وبناء على أن الإنسان جامع لحقائق الحقية والحقائق الخلقية جملة وتفصيلاً.."فالإنسان هو الحق وهو الذات وهو الصفات وهو العرش وهو الكرسي وهو اللوح وهو القلم وهو الملك وهو الجن وهو السموات وكواكبها وهو الأرضون وما فيها وهو العالم الدنياوي، وهو العالم الأخراوي وهو الوجود وما حواه وهو الحق وهو الخلق وهو القديم وهو الحادث. فلله در من عرف نفسه معرفتي إياها لأنه عرف ربه معرفته لنفسه [قال الجيلي] وليكن هذا آخر الكتاب".
وما ذكره هنا مبني عندهم- على أن الإنسان هو العالم الصغير الذي فيه من كل ما في العالم الكبير الذي هو صورة الحق، ولا يضرُّ الإنسان عدم علمه بذلك الحكم أعني كونه العالم الصغير وما فيه من المشابهة بالكبير. فعدم علمه لا يقدح في كونه كذلك. وكون الإنسان هو العالم الصغير مبناه أيضا على أنه الخليفة لرب العالمين وعلى أمور أخرى ذكرها صاحب الفصوص في فص آدم عليه السلام، وهو الأول من فصوص الحكم، وفي غيره من الفصوص.
أقول انتهيت من هذا في ليلة الجمعة 14/2/2002
تعليق