صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 19

الموضوع: العلة وأثرها عند الأشاعرة

  1. #1

    العلة وأثرها عند الأشاعرة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله خالق الكون مبدعه ومنزل الشرع ورافعه ونصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه
    وبعد
    مقدمة
    اتفق الفقهاء والأصوليون على أن الأحكام الشرعية معللة بالجملة ومن ثم كان القياس الأصولى قياسا شرعيا متفقا عليه عند الجمهور- خلافا للظاهرية- والقياس هو حمل معلوم على معلوم فى اثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيها عنهما – مستصفى الغزالى
    وأركان القياس أربعة 1- الأصل 2- الفرع 3- الحكم 4- العلة
    والعلة الشرعية هى مناط الحكم ومتعلقه والمعرف بوجوده فإن وجدت فى الفرع فانها توجب نفس حكم الأصل وعلى هذا يمكننا أن نقرر- بإطمئنان –أن الأحكام الشرعية –عدا التعبدية المحضة-معللة بعلل متناسبة معها عقلا وعلى هذا يبتنى القياس
    ولتكن هذه مقدمتنا الأولى
    وعندما استقرأ الفقهاء النصوص الشرعية وجدوا أنها معللة بوجه عام برعاية مصالح المكلفين على المستوى الشخصى أو الجماعى
    أى أن مجموع الأحكام والعلل يشكلان خطا عاما ومقصدا واضحا للشارع فى رعاية المصالح وعبروا عن تلكم الفكرة بتعبيرات شتى مثل مقاصد الشريعة أو المصلحة المعتبرة بل ووصل ببعضهم الأمر الى تبنى فكرة المصلحة المرسلة وهى التى لم ينص عليها الشارع
    ولكنها توافق بالجملة مقاصد الشريعة وخطها العام مما يشى بإختمار فكرة ترابط العلل الشرعية لتكوين مقاصد كلية تعبر عن روح الشريعة
    ولتكن تلك مقدمتنا الثانية
    وعلى هذين الحكمين- المتفق عليهما – ظهرت فكرتى القياس الأصولى ومقاصد الشريعة كما هو مفصل تأصيلا وتنظيرا عند الأصوليين وتطبيقا وتفريعا عند الفقهاء
    ولكن ما هو رأى مدرسة المتكلمين الأشعرية فى هاتين النتيجتين؟؟؟
    إن الهدف من اقحام علماء الكلام الأشاعرة فى هذا الموضوع الفقهى المتخصص ان مدرسة المتكلمين الأصولية قد أسست ونظرت لفكرتى القياس الأصولىومقاصد الشريعة وان كانت تلك الأفكار سبقت المذهب الأشعرى زمنيا الا ان علماء الأشاعرة تعرضوا لها بالتبنى والتدليل
    والتأصيل والعرض وارجع ان شئت لبرهان الجوينى ومستصفى الغزالى ومحصول الرازى ومصنفات العز والقرافى وغيرهم كثير
    وفى الوقت ذاته نفت تلك المدرسة علية أفعال الله تعالى مما قد يهدم فكرة القياس الأصولى من أساسها ومن ثم فكرة المقاصد
    وكذا فإنهم قد نفوا أى حسن أو قبح عقليين فلا حسن الا ما أمر به الشرع ولا قبيح الا ما نهى عنه الشرع ولا عبرة لتحسين العقل أو تقبيحه وقالوا بأن الأشياء والأفعال سواءا فى الوضع الأول قبل ورود الشرائع
    وعلى هذا فالمصلحة هى اتباع الشرع أمرا ونهيا وهذا يعكر على الفكر المقاصدى الذى تتمحور فكرته الرئيسة فى أن الأحكام الشرعية ترعى مصالح المكلفين أى أن للمصلحة كيان ذاتى وانما جاءت الشريعة لتوجه المكلف نحو مصالحه
    وهى خلافية فلسفية قديمة
    هل ما أمرنا به حسن لان الله هو الآمر به أم أن الله أمرنا به لأنه حسن
    فقال المتكلمون بالأول وقال الأصولييون بالثانى
    والإشكال أن علماء الأصول الأشاعرة هم هم علماء الكلام الأشاعرة
    وعلى هذا ينسب اليهم تناقض فكرى فى مسألتى العلية والمصلحة ومن ثم ثارت ثلاثة اسئلة ضرورية
    1- كيف نوفق بين فكرتى القياس الأصولى ونفى أى تعليل لأفعال الإله؟؟

    2- هل للمصلحة أى وجود ذاتى فى ظل نفى التحسين والتقبيح العقليين ؟؟؟

    3- كيف تكون الأحكام الشرعية هادفة لمصلحة المكلفين حيث لا تعليل للأولى ولا وجود للثانية؟؟؟؟؟؟؟


  2. #2
    ملاحظات هامة
    1- أرجو من الإخوة الذين يريدون النقد البناء أن ينتظروا اكمال البحث حتى لا يحدث تشويش أو انحراف عن الفكرة الأصلية بين الردود والنقود
    2- هذا البحث مقصده رفع الأشكال والتناقض الذى قد يلحظ فى الفكر الأشعرى
    وعلى هذا فالموضوع لا يتناول صحة الفكر الأشعرى أو خطأه فأرجو الانتباه لهذا وانما هو بحث فى آلية تفكير مدرسة المتكلمين الأصولية
    3- سأحاول الابتعاد عن النقول الكثيرة – الا فى مواضع الضرورة – فشهرة مذهب الأشاعرة معلومة لكل دارس للفكر الأشعرى كلاما وأصولا وكذا سأتجنب الدلائل
    والتأصيل الشرعى للفكر الأشعرى فهم قد كفونا مؤنة ذلك وانما نبحث عن الاتساق
    الفكرى للنظرية الأشعرية كما أسلفنا وسأحاول أيضا الإبتعاد عن الحدود قدر الطاقة
    لأخلص من النقض والمعارضة وسأستعيض عن ذلك بشرح المفاهيم دون قوالب محددة
    4- رأيت أنه من الصعوبة بمكان إثبات كل المراجع التى اطلعت عليها لانى حاولت الاطلاع
    على كل ما أقع عليه من كتب الأشاعرة وانما كانت مرجعيتى الرئيسية الكتب المشهورة
    فى المذهب ككتب الغزالى والرازى وغيرهما وكذا مصنفات بعض المعاصرين الأشاعرة كمصنفات البوطى والطيب وعزوت النقول الى أهلها ورأيت فى ذلك الكفاية
    5-لا أدعى أنى أحل اشكالا حار فيه القدماء ولكننى على يقين أنهم لم يواجهوا هذا التعارض لترابط الأفكار فى أذهانهم ولكن مع تباعد العهد وظهور متكلم لم يدرس الأصول
    وأصولى لم يدرس الكلام بدأت تلك الإشكاليات تظهر على الساحةالفكرية
    والحق أقول أنى مع دراستى للأصول والكلام بدأت تلك التناقضات تظهر لى رويدا رويدا
    وتدفعنى لمزيد بحث وتقصى
    5- لا أدعى أن فهمى لمذهب الأشاعرة هو القول الفصل وانما هو اجتهادى الخاص لفهمهم لا غير وكم من الاختلاف بين المتقدمين والمتأخرين فى صياغة الأفكار
    فقد آخذ بعرض أحدهم لوضوحه وأعرض عن الآخر لغموضه وهكذا
    وبالجملة فان الدارس للعلوم العقلية يجد اختلافا كثيرا فى الأفكار بل وأدعى أن كل مجتهد
    فى العقليات تفرد ببعض الأراء وهذا لازم العلوم العقلية التى لا تعرف التقليد
    وتحضرنى قالة ابن الهمام ( لا أقلد فى المعقول أحدا)

    يتبع بإذن الله تعالى

  3. #3
    أولا العلة
    يعد تعريف العلة من أدق المباحث فلها عدة اطلاقات بحسب موضوع البحث
    فمن ناحية اللغة تأتى بمعنى التكرر والعائق والضعف فى الشىء والسبب
    ومن ناحية الإصطلاحات الشرعية فتأتى بمعنى السبب والدليل والأمارة والداعى والباعث
    والمناط والموجب والمؤثر وغير ذلك

    أ‌-علة أفعال الإله
    لا يخفى على أى دارس للفكر الأشعرى معرفة أن الأشاعرة قد نفوا تعليل أفعال الإله والمعنى المقصود هنا الغرض والباعث والمؤثر
    وهذا لأن لله تعالى الكمال المطلق وأنه المؤثر لا المؤثر عليه وأنه قادر على خلق النتائج دون توسيط الأسباب وأنه ليس له حاجة فى شىء لأنه غنى عن المخلوقات جميعا

    فالمخلوق قد يدفعه البرد الى إيقاد النار ليصطلى بها أويدفعه الجوع الى تناول الطعام ليصل الى الشبع اما الإله فإنه مستغن بنفسه ولا يسعى ليسد نقصا أو يزداد كمالا
    ونفى العلة- بهذا المعنى – عن أفعال الإله لا يعنى أبدا أن أفعاله عبثية غير مقصودة كانما أتت بها المصادفات
    وانما تحدد الإرادة أفعال الله تعالى وسننه الكونية وشرائعه على نحو متسق وحكيم
    دون غرض أو باعث أو علة تتسلط على الإله
    فإرادته تامة لا يشوبها أى معنى من معانى الجبر أو الحمل على ما لا يريد
    ومنشأ الخطأ فى تفكير رافضى نفى العلية عن أفعاله تعالى- تنزيها له عن العبث- أنهم قاسوا أفعال الله على أفعالهم حيث لا يعمل الإنسان الا بالمرجح والعلة الغائية والا كان عابثا ولا يستطيعون تصور أفعالا حكيمة ناشئة عن محض المشيئة
    دون غرض أو باعث كما قال الشيخ مصطفى صبرى فى مصنفه موقف العقل

    يتبع بإذن الله تعالى

  4. #4
    ب‌-العلل الكونية
    أراد الله تعالى أن يسيرالكون وفق سنن مطردة لا تكاد تنخرق وفى تلك السنن نرى عللا يتولد عنها معلولات وأسبابا توصل لنتائج وشروطا يوجب عدمها عدم المشروطات
    ولكن السادة الأشاعرة نفوا أيضا أى ترابط ضرورى بين العلل والمعلولات أو بين الأسباب والنتائج ردا على الفلاسفة الطبيعيين الذين لا يرون وراء المعلول الا علته ولا يدركون الا الأسباب الظاهرة القريبة
    فإيجاد الممكنات أو إعدامها –عند الأشاعرة- يأتى مقارنا للسبب لا بواسطة السبب ذاته فالإحراق يخلق عند ملامسة النار للورق لا بملامسة النار للورق ولكن من اطراد اقتران النار بالإحراق تصور بعض الفلاسفة أن النار هى التى أوجدت الإحراق وأن الماء هو الذى يوجد الرى بذاته
    فانتصب لهم الأشاعرة نافين أى فاعلية للمادة الصماء
    ولكم أضير الأشاعرة من جراء تلكم الفكرة فقد هاجمتهم كل المدارس العقلية بدءا من المعتزلة وحتى الفلاسفة والملاحدة
    فادعى عليهم أنهم صادموا الفطرة حينما قطعوا العلائق بين العلل ومعلولاتها وبين الأسباب ونتائجها
    وادعى عليهم أيضا أنهم صادموا العقل والعلم حين فسروا الظواهر الكونية تفسيرا غيبيا لجهلهم بأساليب البحث العلمى
    وبالجملة فانهم صادموا العقل والفطرة جميعا
    والغريب أن نظرية الأشاعرة لا علاقة لها بالبحث العلمى أصلا
    فعالم الطبيعيات الأشعرى سيرصد نفس الظواهر وقد يخلص لنتائج تتفق تماما مع نتائج زميله الملحد
    أما الأشعرى- أو المؤمن بصفة عامة- فسيعزو الأمر لصانع قدير وأما الملحد فسيعزو الأمر للمادة الصماء
    فأى المسلكين أليق بالعقل عند العقلاء؟؟؟؟؟
    وما دعى الأشاعرة لتقرير تلكم الفكرة أن أخص صفات الإله عندهم هى الخلق والإختراع أو إيجاد الممكنات واعدامها وهو المستبد بها حصرا
    أما العلل القريبة فهى علل جعلية يخلق الله المعلول عندها لا بها ولكن هذا لا يدعو لإهمال تلك العلل وترابطها العادى مع معلولاتها كشروط أو أسباب ولكنهم يعزون التأثير والفاعلية والخلق لله رب العالمين
    وقد تكون مغالاة بعض الأشاعرة فى عرض فكرتهم – ردا على الفلاسفة- سببا من أسباب الهجوم الضارى عليهم وأقرأ – ان شئت- نصا للدكتور أحمد الطيب فى كتابه ( مبدأ العلية بين النفى والإثبات) والذى يقول فيه
    ( غير أننا نود أن نقول أنه حتى الأشاعرة الذين اشتهر عنهم القول بنفى العلية لم يسعهم الا أن يعترفوا بتأثير الحوادث بعضها فى بعض وبصورة تجعل اتهامهم بنفى العلية نفيا مطلقا ضربا من المبالغة والتجاوز فى القول)
    ثم ساق نصا لعبد الحكيم السيالكوتى فى حاشيته على شارح المواقف
    ( مذهب الأشاعرة انحصار الفاعلية فى ذاته تعالى لا انحصار العلية مطلقا وكيف يقول عاقل بعدم احتياج الكل الى الجزء وعدم احتياج العرض الى الموضوع)
    ثم يسوق الطيب تعليقه على النص قائلا ( ان هذا النص يصور لنا مذهب الأشاعرة تصويرا أكثر دقة وأكثر موضوعية ذلك أن الذى يحرص الأشاعرة على انحصاره فى ذاته تعالى من معانى العلية هو معنى الفاعلية فقط أما المعانى الأخرى كالإحتياج والتوقف والإشتراط – وكلها مما ينتمى لمعنى العلية بصورة أو أخرى-فلا بأس فيما يرى الأشاعرة أن تضاف الى الحوادث أنفسها وهذا الفهم هو الأليق بمذهب الأشاعرة
    وهو فهم دقيق بل هو غاية فى الدقة فمما لا شك فيه أن الأشاعرة قائلون باحتياج الكل الى الجزء وبإحتياج العرض الى موضوع يقوم به والإحتياج مما يثبت علية المحتاج اليه فى المحتاج فلولا أنهم يقرون بعلية الأشياء بعضها فى بعض – إجمالا- للزمهم انكار مثل هذه الأحكام الضرورية فى العقول والأذهان ) انتهى
    وهذا الفهم يتناسب تماما مع نظرية الكسب الأشعرى حيث أن الفعل يوجد بإعتبارين الإيجاد والكسب فالأول من الله والآخر من العبد ولو ألغى الأشاعرة أى دور للمكلف لقالوا بالجبر التام
    وبعد أن استبان الترتيب الإلهى فى كونه بقى لنا إدراك بعض الحكم الظاهرة فى هذا الترتيب
    أولا : الدلالة على الصانع
    فمن تتبع العلل الكونية سينقاد الى إدراك علة أولى ضرورية تستند اليها باقى العلل كى لا تتسلسل الى ما لا نهاية والأثر يدل على المؤثر أبدا
    والقول بنفى العلية نفيا تاما – كما فعل هيوم- سيؤدى حتما الى الإلحاد
    فعندما ننفى ترابط العلل مع المعلولات لن نكون مضطرين الى البحث وراء العلة الأولى الموجدة للكون وفلسفة هيوم خير شاهد على هذا
    ثانيا : انتظام حركة البشر لإعمار الكون
    لابد للبشر من قوانين ثابتة مطردة لكى تنتظم حركاتهم وعلومهم ولكى يتمكنوا من إعمار الكون والتمكين فى الأرض ( إنا آتيناه من كل شىء سببا فاتبع سببا)
    والحكمتين ( العبادة – الإعمار) يكونان صيغة ابتلاء للمكلفين ( الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)
    ولا يحتجن أحد علينا بأن تنظيم الكون بسنن معينة لابتلاء العباد عملا الهيا معلولا بعلة غائية
    فالله عز وجل ليس مجبرا لخلق البشر وابتلائهم اصلا بل ونوع الاختبار نفسه ليس ملزما للإله ولكن الله يفعل ما يريد

    ولا نريد الإسهاب أكثر من ذلك كى لا ننجر بعيدا عن المقصود ولننتقل للتحسين والتقبيح ومصالح العباد

    يتبع بإذن الله تعالى

  5. #5
    ثانيا : بين التحسين والتقبيح ومصالح المكلفين

    أ‌-نفى التحسين والتقبيح العقليين
    نفى التحسين والتقبيح العقليين نتيجة حتمية لانحصارالفاعلية فى ذات الله تعالى
    فخالقية الله لجميع الأشياء بجميع صفاتها تقتضى أن هو الخالق للشىء وهو الخالق لمعنى الحسن ومعنى القبح ثم هو الرابط والجامع بين ذلك الشىء وهذا المعنى – كما يقول الدكتور البوطى فى كبرى اليقينيات
    وعلى هذا فالحسن والقبح أمرا اعتباريا وليس جوهريا فى الأشياء
    فجميع الأشياء سواءا فى وضعها الأول فلا توصف بحسن أو قبح ثم صبغ الله بعض الأشياء بهذه الصبغة والبعض الآخر بتلك وجعل لكل منهما دورا
    ويستثنى من هذا بعض الإعتبارات كالفرق بين العلم والجهل لأن العلم يعتبر كمالا فى ذاته والجهل بعكسه كما هو مفصل فى الكتب الأشعرية ولا نريد التفصيل أكثر فى هذا الموضع

    ومن ثم يطلق البشر على ما يلائم غرضهم حسنا وبالعكس بغض النظر عن منفعته الحقيقية لهم
    وفى خلال بحث البشر عن أغراضهم الشخصية تتخبطهم الشهوات والأهواء والنزعات الشخصية والتصورات الخاطئة وبالتالى فإنهم لا يستطيعون تحديد الحسن والقبح بمجرد العقل فجاء الشرع معرفا بما يحسن وما يقبح من الأشياء والأفعال وهذا يجرنا للحديث عن المصلحة


    يتبع بإذن الله تعالى

  6. #6
    ب‌- المصلحة
    لغة : كالمنفعة وزنا ومعنى فهى مصدر بمعنى الصلاح كالمنفعة بمعنى النفع أو هى اسم للواحدة من المصالح فكل ما جلب نفعا – بمعنى اللذة- أو دفع ضررا – بمعنى الألم- يعد مصلحة
    والمنفعة هى اللذة تحصيلا أو ابقاءا
    شاء الخالق الحكيم أن يجعل البشر ذوى نقص واحتياج وهم فى سعى دؤوب نحو سد تلكم الإحتياجات وعادة يعد الإنسان ما لائم غرضه حسنا وما لم يلائم غرضه قبيحا بغض النظر عن ذلك الغرض ومناسبته العقلية وبغض النظر أيضا عن أغراض غيره
    فرب إنسان يعد قتل غريمه منفعة وهو مفسدة لأهل ذلك الغريم
    ورب فاسق يعد الزنا من أغراضه ومنافعه ويعد حق الله فى حقه مفسدة وهكذا
    فالمصالح والمفاسد فى نظر البشر نسبية ومن ثم فليس لديهم القدرة على تحديد مصالحهم الحقيقية بسبب تنوع الأغراض وتهجم الأوهام وقوة الغرائز وأقرأ- ان شئت- كلام الغزالى فى اقتصاده حيث ضرب أمثلة كثيرة لهذا المعنى
    كاستقذار الإنسان للشىء الحسن إن جاء فى صورة القبيح
    بل وأسس لفكرة الإنعكاس الشرطى التى سبق بها بافلوف الروسى وأسماها( سبق الوهم إلى العكس ) وعلق بعدها بالآتى
    (وهذا مع وضوحه للعقل فلا ينبغى أن يغفل عنه لأن إقدام الخلق واحجامهم فى أقوالهم وعقائدهم وأفعالهم تابع لمثل هذه الأوهام واما إتباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق وقواهم على اتباعه)

    ويعرف الغزالى المصلحة بقوله ( أما المصلحة فهى عبارة فى الأصل عن جلب المنفعة أو دفع مضرة ولسنا نعنى به ذلك فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق فى تحصيل مقاصدهم لكنا نعنى بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة ) المستصفى

    ويقول فى شفاء الغليل
    ( فأعلاها ما يقع فى مرتبة الضرورات كحفظ النفوس فإنه مقصود الشارع وهو من ضرورة الخلق والعقول مشيرة اليه وقاضية به لولا ورود الشرائع وهو الذى لا يجوز انفكاك شرع عنه عند من يقول بتحسين العقل وتقبيحه ونحن إن قلنا إن لله سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء بعباده وإنه لا يجب عليه رعاية المصالح فلا ننكر إشارة العقول إلى جهة المصالح والمفاسد وتحذيرها المهالك وترغيبها فى جلب المنافع والمقاصد ولا ننكر أن الرسل عليهم السلام بعثوا لمصالح الخلق فى الدين والدنيا رحمة من الله تعالى على الخلق وفضلا لا حتما ووجوبا عليه )
    ويعلق بعدها ( وإنما نبهنا على هذا القدر كى لا ننسب إلى اعتقاد الإعتزال )
    وفى هذه العبارة يقترب الغزالى كثيرا من الفكر الماتريدى الذى يرى أن للأشياء قبحا وحسنا ذاتيين ولكن لا يجب الثواب أو العقاب إلا بعد ورود الشرائع

    وأحسب أن الأشاعرة والماتريدية اتفقا على أن للأشياء حسن وقبح باعتبار الإضافات والنسب وتحقيق المصالح وانما وقع الإختلاف على آلة الإدراك هل هى منحصرة فى الشرع فقط أم إن العقل يمكن أن يدركها كما قال ابن كمال باشا فى مسائله

    ونخلص من هذا كله بالآتى
    أن الأشياء سواءا فى وضعها الأول ثم أضفى الله على بعضها حسنا وعلى بعضها قبحا حسب الإضافات والنسب ومن ثم سعى الإنسان لتحقيق مصالحه بمحض العقل ولكنه تخبط واختل واصطدم مع مصالح غيره وهكذا فاستبان أن العقل المجرد لا يعتبر وسيلة مضمونة
    لمعرفة مصالحه الحقيقية ثم وردت الشرائع التى كان مقصودها الحفاظ على مصالح الخلق حفاظا حقيقيا وأضفت بعدا آخر للحسن والقبح – غير ملاءمة الغرض- وهو ترتب الثواب والعقاب على الأفعال
    وعلى هذا فالحسن ما يجلب المصلحة الحقيقية فى الدنيا ويترتب عليه الثواب فى الأخرة
    والقبح بعكسه والشرائع دلت على ما يحقق مصلحة الدنيا والآخرة رحمة من الله وتفضلا وليس وجوبا عليه
    وتميزت المصلحة الشريعة بخصائص – بحسب البوطى فى رسالته ضوابط المصلحة-
    نجملها بالتالى
    1- المصلحة الشرعية تعتنى بسعادة الدارين معا
    2- المصلحة الشرعية تلبى احتياجات الروح والجسد معا
    3-المصلحة الشرعية تقدم الدين على الدنيا إن تعارضا

    ومن جملة ما قلناه يتضح أن مسألة الحسن والقبح الشرعيين لا تتعارض مع فكرة مقاصد الشرع التى تحقق مصلحة الخلق

    ومقاصد الشرع الخمسة – كما أسلفنا- عرفت باستقراء الأحكام الشرعية وعللها
    بحسب النصوص وهذا يجرنا للبحث الأهم والأخير فى الموضوع وهو العلة الأصولية


    يتبع بإذن الله تعالى

  7. #7
    العلة الأصولية
    أ‌-العلة التى نبحث عنها
    لابد من التفرقة بين بعض المفاهيم قبل البدء فى بيان مذاهب تعريف العلة الأصولية

    1-بين العلة والسبب
    مال بعض الأصوليين الى اعتبار العلة والسبب بمعنى واحد حيث أن كلا منهما يعد أمارة على وجود الحكم
    وغاير البعض الآخر بين المفهومين فأطلق السبب على ما لا يكون بينه وبين الحكم مناسبة
    كجعل الشارع زوال الشمس سببا لإيجاب الصلاة على المكلف
    أما العلة فهى وصفا يدرك العقل مناسبته مع الحكم
    ولكن يمكننا اعتبار هذا الخلاف لفظى فالفريق الأول قسم السبب الى مناسب للحكم وغير مناسب للحكم فالتقى الفريقان على أن المعرفات تنقسم الى ما تدرك مناسبته وإلى ما لا تدرك مناسبته- راجع اصول الفقه لأبى زهرة والوجيز لعبد الكريم زيدان

    2- الشرط والسبب
    والشرط وإن كان بمعنى العلامة لغة فإنه اصطلاحا ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته
    فالسبب يتحقق الحكم عنده اذا انتفت الموانع أما الشرط فهو مكمل للسبب
    أو نقول أن السبب مناسب فى ذاته والشرط مناسب فى غيره كما نص القرافى فى الفرق السادس من فروقه
    وقسم بعض الأصوليين الشرط الى شرط مكمل للسبب وشرط مكمل للمسبب
    وبضرب المثال يتضح الحال
    جعل الله زوال الشمس سببا لوجوب الصلاة ولكن الصلاة نفسها لا تصح إلا بشرط الوضوء
    فهو مكمل لصحة العبادة التى وجبت بالسبب فكان الشرط مكملا للمسب
    وجعل الله ملك النصاب سببا لوجوب الزكاة لأن ملك النصاب فى معنى الغنى فناسب إيجاب الزكاة على المالك
    وجعل الحول شرطا لأنه يتمم معنى الغنى فكان الشرط مكملا للسبب
    وأظن ما قلناه يغنى فى مثل هذا الموضع حتى تتضح المفاهيم

    يتبع بإذن الله تعالى

  8. #8
    ب‌- بيان أقوال المذاهب فى تعريف العلة
    اختلف الأصوليون فى تعريف العلة على عدة مذاهب نوردها إجمالا ثم نفصل ما احتاج منها للتفصيل
    يقول صاحب جمع الجوامع ما نصه
    (العلة قال أهل الحق المعرف وحكم الأصل ثابت بها لا بالنص خلافا للحنفية وقيل المؤثر بذاته وقال الغزالى بإذن الله وقال الآمدى الباعث)

    1-هى المؤثر بذاته فى الحكم
    وهو تعريف المعتزلة ويتفق تماما مع قولهم بتعليل أفعال الإله بالأغراض والتحسين والتقبيح العقليين

    2-العلة هى المعرف للحكم
    وهو قول الرازى والبيضاوى والسبكى وجمهور الأشاعرة

    3-العلة هى الوصف المؤثر فى الأحكام بجعل الشارع لا لذاته ولا لصفة ذاتية وهو قول الغزالى

    4- الباعث على الحكم وهو قول الآمدى وتابعه عليه ابن الحاجب

    وبإهمال تعريف المعتزلة لكونه خارجا عن المقصود من البحث يتبقى لنا ثلاثة تعريفات للغزالى والآمدى وجمهور الأشاعرة
    وقد شنع على الآمدى بأن تعريفه تعريف من يرى تعليل أفعال الإله بالأغراض – كما فعل الزركشى فى بحره وفى تشنيف المسامع- والغريب أن الآمدى لم يعلل أفعال الإله بالأغراض فى كتبه الكلامية كأبكار الأفكار أو بلوغ المرام وراجع بيان ذلك تفصيلا فى كتاب الآمدى وآراؤه الكلامية لدكتور حسن الشافعى

    وبالرجوع لأحكام الآمدى نجده ينص على الآتى
    ( والمختار أنه لابد وأن تكون العلة فى معنى الأصل بمعنى الباعث أى مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم وإلا فلو كانت وصفا طرديا لا حكمة فيه بل أمارة مجردة فالتعليل بها فى الأصل ممتنع )
    وشرع يعدد وجوه الإمتناع مما لا فائدة لذكره فى هذا الموضع

    ومن ثم تؤول الآراء الى رأيين فقط

    1- من يرى العلة محض أمارة وهو رأى الرازى ومن تبعه 2- من يرى فى العلة وصفا زائدا على الأمارة وهو اشتمالها على حكمة تصلح لأن يرتب الشارع عليها حكمه وهو رأى الغزالى ومن تبعه
    يتبع بإذن الله تعالى

  9. #9
    أولا فخر الدين الرازى

    كل من قرأ محصول الرازى ومعالمه و عرف مذهبه- ومذهب من تبعه كالبيضاوى والسبكى- يدرك جيدا أن العلل والأسباب عند الإمام محض معرفات وليس لها أى تأثير ذاتى أو جعلى
    وأن حكم الأصل ثابت عنده بالنص لا بالمعرف وأن العلة تعد معرفا لباقى أفراد النوع الذى دل الأصل على حكم فرد منها
    بل وقد زيف الإمام تعريف الغزالى للعلة بدعوى أن الحادث لا يؤثر فى القديم
    والغريب أن الإمام قد استخدم كثيرا لفظى المؤثر والتأثير فى خلال بحثه عن مسالك العلة مما جعل د على جمعة – فى كتابه القياس-يرى أن تلك الألفاظ جرت على قلم الإمام دون أن يقصد معناها الحقيقى – لتناقضه مع مذهبه- وأن هذا مما يؤخذ على الإمام
    وننتقل لمباحث مسالك العلة وبالأخص المناسبة ونرى هل جرى قلم الإمام بما لم يقصد أم أن التأثر والتأثير فكرة راسخة فى ذهنه
    وبالطبع فان المواضع كثيرة والنقول أكثر والمختار أن نقتبس بعض النصوص والإشارات والقواعد من المحصول علنا نظفر بنظرية متكاملة عن فكر الإمام الرازى

    1-تعريف المناسب عند الإمام ( الملائم لأفعال العقلاء فى العادات)
    2-المناسب الحقيقى عند الإمام هو ما يتعلق بمصلحة دنيوية أو أخروية أو ما يجلب مصلحة أو يدفع مضرة
    3-من أقسام المناسب عند الإمام ( تأثير النوع فى النوع) وعقب بعدها ممثلا
    (أنه اذا ثبت أن حقيقة السكراقتضت حقيقة التحريم كان النبيذ ملحقا بالخمرلأنه لا تفاوت بين العلتين وبين الحكمين الا اختلاف المحلين واختلاف المحل لا يقتضى ظاهرا اختلاف الحالين)
    ولنا أن نسأل بعدها من المؤثر ومن المقتضى؟؟؟؟؟؟؟
    4-عرف الإمام أحد أقسام الملائم بقوله (الأول ملائم شهد له أصل معين وهو الذى أثر نوع الوصف فى نوع الحكم وأثر جنسه فى جنسه)
    5- ذكر الإمام ستة أدلة على أن الله شرع الأحكام لمصلحة العباد
    6- ذكر الإمام أن المناسبة تفيد ظن العلية – مع انتفاء تعليل أفعال الإله- موضحا فكرته
    بأن جرت سنة الله فى أحكامه أن لها علل تتناسب معها عقلا مثلما جرت سنته الكونية أن الأفلاك تدور بعادة مطردة وأنه من تأمل الشرائع وجد الأحكام والمصالح متقارنين
    7-يرى الإمام أن التعليل بالحكمة جائز وهذا يدل على أنه يرى أن الحكم كان لعلة وأن الوصف دال على الحكمة
    8- يرى الإمام أن الدوران مسلك صحيح من مسالك العلة مع انتفاء الدليل المعارض للعلية
    9-ذكر الإمام أن أحد قوادح العلة عنده ( عدم التأثير) وذكر أنه حق اذا فسرنا العلة بالمؤثر
    اما اذا فسرناها بالمعرف فلا
    10- فى باب تعارض الأقيسة يرى الإمام أن المناسبة أقوى من الدوران وعقب بعدها قائلا
    ( لنا أن الوصف انما يؤثر فى الحكم لمناسبته والمناسبة علة العلة وليس تأثير الوصف فى الحكم لدورانه معه )
    السياق مشعر أنه يعتد بالمناسبة وأن الدوران مظنة العلية ولكن لا يثبتها بذاته
    11- ذكر الزركشى فى بحره – التعريف الرابع للعلة- أنها موجبة بالعادة واختاره فخر الدين الرازى فى الرسالة البهائية فى القياس وهو غير الثانى – يقصد تعريف الغزالى
    بعد كل تلك النقول يصعب أن نقول أن الإمام كان يرى العلة محض معرف وليس لها أى تأثير فى ايجاب الحكم وأحسب أن الإمام كانت تتجاذبه فكرتان
    الأولى : أن الأسباب والعلل مجرد معرفات للحكم والعلاقة بينهما اقترانية محضة تماما كالعلل الكونية مع معلولاتها وانما تثبت الفاعلية لله وحده الذى لا تعلل أفعاله بالأغراض لاستغنائه عنها

    الثانية: ادراكه للمناسبة العقلية بين العلة كوصف منضبط يدل على الحكمة الإلهية فى الأحكام التى شرعها والتى تتبنى المصالح وتوجه اليها مما أثر على بحثه فى تعريف العلة الشرعية ما بين معرف ومؤثر
    ولا أدعى أن فهمى حكما على أقوال الإمام وانما ذلك ما استقر فى وعيى بعد مراجعة محصوله ذلك البحر الزاخر الذى لا ساحل له

    وقد يكون عدل عن فكرة ( المعرف المحض) فى رسالته البهائية والتى أشار اليها الزركشى فى بحره وتشنيفه- كما أسلفنا- ولا أعلم يقينا أى معلومات بشأنها وظنى أنها لم تطبع بعد أو لم يعثر على المخطوط أصلا
    ولا أعلم كذلك ترتيبها الزمنى بين كتب الإمام الأصولية
    وهل كتبها الإمام بعد محصوله ليوفق بين الفكرتين السابقتين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

    وعموما سوف ننتقل الى قطب أشعرى آخر وهو الإمام الغزالى ولنر هل حقق التناسق الفكرى الذى ننشده؟؟؟؟؟؟؟؟


    يتبع بإذن الله

  10. #10
    ثانيا بين الغزالى وفقهاء الأحناف

    بالرجوع إلى مستصفى الغزالى نجده يعرف العلة بالتالى ( أعلم انا نعنى بالعلة فى الشرعيات مناط الحكم أى ما أضاف الشرع الحكم اليه وناطه به ونصبه علامة عليه)

    وفى هذا التعريف يعتبر الغزالى العلة مجرد معرف وهذا بعكس ما أشتهر عنه أنه يرى العلة موجبة للحكم بجعل الشارع – بحسب أقوال الرازى والزركشى وابن السبكى وغيرهم-
    فما سر هذا التناقض فى النقل عنه؟؟؟؟؟

    إن الباحث الجاد وراء آراء الغزالى لابد وأن يوفق بين مختلف آرائه بشكل متكامل كما تتكامل أجزاء الصورة الواحدة
    عندها فقط يستطيع أن يلحظ فكرة الغزالى التى قد تضيع بتشتيت التركيز على الجزئيات دون الوصول لفكرة كلية

    وفى ظنى أن أكثر المباحث أهمية لمعرفة حقيقة العلة هو تعريف العلة ثم شروطها ثم مسالك التعليل وبالأخص المناسب وليس التركيز على التعريفات والحدود فقط

    وبعد أن استعرضنا تعريف العلة عند الغزالى ننتقل لشروط العلة عنده – بحسب المستصفى

    يقول الغزالى فى أحد شروط الوصف الذى يمكننا التعليل به
    (يجوز أن يكون مناسبا أو غير مناسب أو متضمنا لمصلحة مناسبة)
    وفى هذا النص يفرق الغزالى بين نوعى العلة – كمعرف- الأول معنى تعبدى محض لا يوجد فيه أى تناسب مع حكمه والآخر معنى معقول متناسب مع الحكم وفى هذا معنى زائد على مجرد العلامة المعرفة

    ولبيان هذا المعنى الزائد ننتقل مع الغزالى الى مبحث المناسب فيقول

    (المراد بالمناسب ما هو على منهاج المصالح بحيث اذا أضيف الحكم اليه انتظم)

    ويتكلم فى باب المصالح المرسلة فيقول
    (حكمنا أن كل ما أسكر من مشروب أو مأكول فيحرم قياسا على الخمر لأنها حرمت لحفظ العقل الذى هو مناط التكليف فتحديد الشرع الخمر دليل على ملاحظته هذه المصلحة)

    وهذا يكاد أن يكون نصا فى التعليل

    تابع معى باقى النقول المختارة
    ( وكذلك أغلب عادات الشرع فى غير العبادات اتباع المناسبات والمصالح دون التحكمات الجامدة)

    ويقول أيضا فى مبحث المناسب الغريب مفرقا بين الأحكام التعبدية المحضة وبين معقولة المعنى ما نصه
    (واما المناسب الغريب فهذا فى محل الإجتهاد ولا يبعد عندى أن يغلب ذلك على ظن بعض المجتهدين ولا يدل دليل قاطع على بطلان اجتهاده فإن قيل: يدل على بطلانه انه متحكم بالتعليل من غير دليل يشهد لإضافة الحكم الى علته- قلنا- اثبات الحكم على وفقه تلبيس
    اذ معناه أنه تنافى فى الحكم بمناسبة وبعث الشارع على الحكم فأجاب باعثه وانبعثت على وفق بعثه وهذا تحكم لانه يحتمل أن يكون حكم الشرع بتحريم الخمر تعبدا وتحكما كتحريم الخنزير والميتة والدم والحمر الأهلية وكل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير
    مع تحليل الضبع والثعلب على بعض المذاهب وهى تحكمات لكن اتفق معنى الإسكار فى الخمر فظن أنه لأجل الإسكار ولم يتفق مثله فى الميتة والخنزير فقيل أنه تحكم)

    ويقول بعدها ( وكذلك أغلب عادات الشرع فى غير العبادات اتباع المناسبات والمصالح دون التحمات الجامدة)

    ويقول (ودائه أن يعلل الحكم بمناسب أعرض الشرع منه وحكم بنقيض موجبه فهذا لا يعول عليه لأن الشرع كما التفت الى مصالح فقد أعرض عن مصالح فما أعرض عنه لا يعلل به)

    بل ويسمى مسالك العلة فى كتابه شفاء الغليل بالآتى (فى طريق معرفة كون الوصف الجامع علة لحكم الأصل حتى يترتب على وجودها الحكم فى الفرع)

    ويقول فى شفائه عن النوع الثالث من المسالك
    (أن يذكر الشارع فى الحكم وصفا ولم يصرح بالتعليل به ولكن لو قدر ذلك الوصف غير مؤثر فى الحكم وغير موجب له لكان خارجا عن الإفادة ولم تظهر لذكر ذلك الوصف فائدة فيكون ذكر الوصف تنبيها على أنه العلة)

    ويقول ( ان يفرق الشرع بين شيئين فى الحكم بذكر صفة فاصلة فهو ينبه على أن الوصف الفاصل هو الموجب للحكم الذى عرف به المفارقة)

    ويقول على المؤثر( فإنما جعل علة لأن الشارع جعله علة لا لمناسبته ولكن المناسبة قد تكون تعريفا وتنبيها على جعل الشرع اياه علة عند بعض العلماء وما عرف جعل الشرع اياه علة فقد عرف تأثيره اذ لا معنى للتأثير الا حصول الحكم من أثره وبسببه)
    وبالجملة – كى لا نكثر من النصوص أكثرمن هذا- من قرأ مسلك المناسبة فى شفاء الغليل
    لا يرتاب أدنى ريبة فى أن الغزالى يرى العلل – غير التعبدية- مؤثرة فى الحكم بجعل الله لها ذلك وأنها تتناسب عقلا مع الحكم وأنها مشيرة لجهة المصالح ومحققة لمقاصد الشرع

    ويقوى ذلك الرأى رفض الغزالى للطرد والدوران كمسلك كاشف عن علية الأحكام
    اذ لو رأى الغزالى أن العلل الشرعية كالعلل الكونية لا تربطها مع معلولاتها أى علاقة الا محض الاقتران لارتضى بمجرد الطرد والدوران لإثبات العلية
    ولكنه يرى معنى زائدا وهو التناسب مع الحكم والإشارة لجهة المصالح – كما أسلفنا-
    وعلى هذا فقد تعجبت من قول الدكتور البوطى – حفظه الله- حيث طفق يدافع عن الغزالى مؤكدا أنه يرى العلل محض معرفات ويستدل بنقول تؤيد تلكم الفكرة
    وانا لا أدعى بالطبع أن الغزالى ينفى فكرة المعرف ولكنى أدعى أنه يرى قدرا زائدا عن التعريف فى غير الأحكام التعبدية المحضة ومجموع النقول يؤيد ذلك- راجع رسالة الدكتور البوطى ضوابط المصلحة فى الشريعة الأسلامية
    ولا يظن أحد أنى أقدح فى أستاذنا البوطى فله – بعد الله سبحانه- فضل على كاتب تلك السطور ولكن هذا ظنى فيما ذهبت اليه وحسب

    وفى المشاركة القادمة سوف نلخص رأى الغزالى فى نقاط كما سنتحدث عن منشأ
    ذلك التناقض فى الفكر الإسلامى

    يتبع بإذن الله تعالى

    راجى يوسف

  11. #11
    محصل أقوال الغزالى فى نقاط

    1-يرى الغزالى – كسائر الأشاعرة- أن أفعال الإله لا تعلل بعلة غائية
    2-الغزالى يؤكد أن مقصود الشارع من الشريعة حفظ مصالح العباد تفضلا لا وجوبا
    3-لا تكاد تدرك أى تناقض بين الفكرتين السابقتين عند الغزالى مما يؤكد أن فكرة العلة الغائية – إن فهمت على وجهها الصحيح- لا تتناقض مع فكرتى القياس ومقاصد التشريع
    4- يرى الغزالى أن الشارع قد نصب علامات لمعرفة الحكم الشرعى وبعض تلك العلامات تحكمية – كما فى العبادات- والباقى معرفات تحوى وصفا زائدا يتناسب مع الحكم والمصالح عقليا
    5- يرى الغزالى أن العلة قد تعرف بالنص أو بالإجماع أو بمناسبتها للحكم الشرعى وتوجهها نحو حفظ مصالح العباد مما أسماه بالمؤثر ( المناسب- الملائم- المرسل)
    6- يرى الغزالى أن مسلك الطرد والدوران – بمفرده دون أى اشارة أخرى- مسلك فاسد وفى هذا تفترق عنده العلل الكونية التى تربطها بمعلولاتها علاقات اقترانية بحتة عن العلل الشرعية
    7- لم يحاول الغزالى رفع الأشكال أو التناقض السابق لعدم وجوده عنده أصلا
    8-موقف الغزالى موفق- الى حد كبير- بين الفكرتين العقدية والأصولية أوبين العقل والنقل الدالين على عدم علية أفعال الإله وبين النصوص التى دلت على تعليل الأحكام الشرعية
    9- يؤكد الغزالى على أن العلة لا توجب أحكاما بذاتها لأنها كانت موجودة قبل التشريع ولم تكن موجبة حينئذ ولكنها – بورود الشرائع- أصبحت توجب بجعل الله اياها موجبة

    منشأ الإشكال
    إن المتتبع لتاريخ علم الأصول يعلم أنه بدأ كتدوين فى رسالة الشافعى ثم حدثت نقلة نوعية على يد القاضيين الباقلانى وعبد الجبار المعتزلى – كما ذكر الزركشى فى بحره
    ثم كمل تأسيس هذا العلم بأربعة كتب المستصفى والبرهان للأشاعرة والعمد والمعتمد للمعتزلة
    ثم نهض فحلين بتلخيص تلك الكتب الأربعة فى كتابين- ارجع لمقدمة ابن خلدون
    الأول محصول الرازى والآخر إحكام الآمدى
    فكان الرازى لا يكاد يخرج عن المستصفى والمعتمد الا بإجتهاداته الشخصية
    ولما كان كتاب المعتمد يعبر عن وجهة النظر المعتزلية
    أصبح المستصفى هو المرجع الأشعرى الأساسى للرازى فى علم الأصول ويقال أنه كان يحفظه حفظا
    والمستصفى لا يحصر دور العلة فى التعريف بالحكم فقط كما أسلفنا
    وكذا فإن الآمدى – صنو الرازى- يرى أن العلل بواعث بمعنى موجبات بجعل الشارع كما أسلفنا أيضا
    فبالتلى أحسب أن فكرة المعرف المحضة بدأت مع محصول الرازى وتلقفها منه من بعده كالبيضاوى والسبكيين واتفق عليها متأخروا الأشاعرة

    وبالتالى عند تلك النقطة فقط بدأ الإشكال ومن ثم محاولات التوفيق بين الفكرتين العقدية والأصولية ولكن تلك المحاولات لم ترفع الأشكال بالكلية

    وقد يكون الرازى نفسه رجع عن فكرته تلك فى الرسالة البهائية كما أشرنا ولكنه محض ظن مادمنا لا نعرف السابق و اللاحق من كتبه

    وأحسب أن الحل لا يتأتى الا بالرجوع لمصنفات متقدمى الأشاعرة – أقصد عصر الغزالى ومن قبله- حيث كانت أفكارهم نقية الى حد بعيد ولم تتأثر بمثل تلك المشاكل والتناقضات

    وأخيرا نتعرض لمدرسة الأحناف ونرى آلية تفكيرهم فى رفع هذا الإشكال

    يتبع بإذن الله تعالى

  12. #12
    بالرغم من عدة شهرة علماء الأصول الأحناف فى علم مقاصد الشريعة- مقارنة بالمتكلمين- الا أنه لا يستريب مطلع على الفقه الحنفى انه فقه يعنى بالدرجة الأولى بمقاصد الشريعة وبالمصالح وبتعليل الأحكام وأنهم أبعد ما يكون عن الفقه الظاهرى ومنهجه

    وسأنقل بعض العبارات لعلماء الأصول الأحناف وادع بعدها للقارىء الحكم على منهجهم والى أى مدى اقتربوا من فكر الإمام الغزالى فى تعريف العلة وتعليل الأحكام بالمصلحة

    1- السرخسى
    يقول الإمام السرخسى معرفا العلة ( وفى أحكام الشرع العلة معنى فى النصوص وهو تغير حكم الحال بحلوله بالمحل يوقف عليه بإستنباط ----- باعتبار أن الشرع جعلها موجبة لهذه الأحكام)
    ويقول كذلك عن شروط الوصف المعتبر علة (فكذلك لابد من صلاحية الوصف الذى هو بمنزلة الشهادة وذلك بأن يكون ملائما للحكم أو مؤثرا فيه على ما نبين الإختلاف فيه)
    ويقول (قال فريق من العلماء الأصول غير معلولة فى الأصل ما لم يقم الدليل على كونه معلولا فى كل أصل وقال فريق آخر هى معلولة الا بدليل مانع)
    ويقول ( وليس هذا نظير خطاب العباد فى معاملاتهم فإن ذلك مما لا نشتغل فيه بطلب المعنى لجواز أن يكون خاليا عن معنى مؤثر وعن حكمة حميدة بخلاف خطاب الشرع)

    2- البزدوى
    يقول البزدوى فى أصوله عن العلة الشرعية ( وهو فى الشرع عبارة عما يضاف الى وجوب الحكم ابتداء مثل البيع للملك والنكاح للحل والقتل للقصاص وما أشبه ذلك لكن علل الشرع غير موجبة بذواتها وإنما الموجب للأحكام هو الله عز وجل لكن إيجابه لما كان غيبا نسب الوجوب إالى العلل فصارت موجبة فى حق العباد وبجعل صاحب الشرع إياها كذلك وفى حق صاحب الشرع هى أعلام خالصة وهذا كأفعال العباد من الطاعات ليست موجبة للثواب بذواتها بل الله تعالى بفضله جعلها كذلك فصارت النسبة اليها بفضله)


    3- صدر الشريعة
    يقول صدر الشريعة فى التفريق بين العلة والعلامة ما نصه
    (تدخل العلامة فى تعريف العلة ولا يبقى الفرق بينهما لكن الفرق ثابت لأن الأحكام بالنسبة الينا مضافة الى العلل كالملك الى الشراء والقصاص الى القتل وليست الأحكام مضافة الى العلامات كالرجم الى الإحصان فلابد من الفرق بين العلة والعلامة)
    ويقول (واعلم انه يمكن التوفيق بين قول فخر الإسلام وصاحب الهداية أن مراد فخر الإسلام بكونه غير معقول أن العقل لا يستقل بدركه ومراد صاحب الهداية بكونه معقولا انه اذا علم أن هذا الوصف قد وجد وأن الشرع قد حكم بهذا الحكم يحكم العقل بإن هذا الحكم انما هو لأجل هذا الوصف وشرط صحة القياس كون الحكم معقولا بهذا المعنى)


    4- الكمال ابن الهمام
    عرف الكمال العلة فى تحريرة بالتالى ( ما شرع الحكم عنده لحصول الحكمة جلب مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها وهذا معنى اشتماله على حكمة مقصودة للشارع)

    5-يقول أمير باد شاه عن تعليل الأحكام ( ولا يلزم منه أن يكون علة غائية فيلزم استكمال الشارع بها بل هى الحكمة المقتضية للتشريع )


    6- النسفى
    ويشترط النسفى لصلاح العلة- فى المنار- الآتى (ودلالة كون الوصف علة صلاحه وعدالته بظهور أثره فى جنس الحكم المعلل به)

    ويشرح ابن نجيم النص السابق بقوله ( وحاصله أن عدالته عندنا هى الأثر ومعناه أن يكون الوصف مؤثرا بأن جعل له أثر فى الشرع )
    ويقول ابن نجيم ايضا عن العلة ( ثم اعلم أن وجوب الحكم وإن أضيف الى العلة لكن علل الشرع ليست موجبة بذواتها فإنها موجودة قبل ورود الشرع ولم تكن موجبة لهذه الأحكام بخلاف العقلية فإنها موجبة بأنفسها اذ لا يتصور الكسر بدون الإنكسار وإنما الموجب للأحكام هو الله تعالى)

    وقد لاحظت دقتهم فى التفرقة بين العلل والعلامات والأسباب والشروط
    يقول الدكتور عبد الحكيم فى رسالته مباحث العلة فى القياس ملخصا الفرق بين العلة والعلامة عند الأحناف ما نصه ( اتضح لنا من خلال تعريف العلامة فى اصطلاح الأصوليين أنها تكون دليلا على ظهور الحكم عند وجودها فحسب وعليه فإن تعلق الحكم بها تعلق دلالة لا تأثير فالعلامة لا تؤثر فى الحكم ولا يتوقف الحكم عليها بحال من الأحوال وبذلك فارقت كلا من السبب والعلة)

    أحسب أن بعد كل تلك النصوص لا يستريب متابع لنا أن الكثير من أصوليي الأحناف قد اقتربوا من تعريف الغزالى للعلة وأنهم يعللون الأحكام الشرعية بعلل مناسبة لأن تجلب مصلحة أو تدفع مفسدة وأن ذلك ليس من قبيل العلة الغائية وانما من مقتضيات الحكمة
    ولا أدعى أنى استقرأت مذهب الأحناف كاملا فى هذا الشأن ولكنى نقلت من كتبهم الأصولية المعتمدة فى مذهبهم وقد يكون البعض خالف هذا الرأى مما لم أقف على مصنفاته



    يتبع بإذن الله تعالى

  13. #13
    دلالات أصولية

    أ‌-اشكالية ( العلة- العلامة)
    بعد أن استعرضنا موقف الغزالى والرازى ومن تابعه وكذا موقف السادة الأحناف لابد وأن نستعرض ايضا موقف بعض الأصوليين الأخر من اشكالية ( العلة-العلامة) وبالطبع أنا لا أقصد الإستقصاء انما تلك دلالات على توغل فكرة الغزالى فى التدوين الأصولى

    أولا: موقف الأصوليين قبل الغزالى
    1-الباقلانى ( فالعلة التى يساوقها الحكم أولى وأظهر تأثيرا ) تلخيص الجوينى

    2-الجوينى
    أ‌-يقول الجوينى معرفا العلة ( حقيقة العلة هى الجالبة للحكم أو المؤثرة فى الحكم أو الموجبة للحكم)
    ب‌- يقول ( فمنهم من قال انها امارات وعلامات على الأحكام لأنها علل وأن العلل الحقيقية هى الموجبات والشرعيات غير موجبات فانها كانت قبل الشريعة منفردة عن احكامها ............. وانما صارت عللا لهذة الأحكام بجعل الشارع لا بأنفسها)

    3- الباجى فى الإشارة
    ( وكيف يجوز ذلك فى المعلول والذى من حقه أن تؤثر العلة فيه ويتبعها ويزول بزوالها)

    4- الشيرازى
    يقول الشيرازى فى التبصرة معرفا العلة الشرعية ( المعنى المقتضى للحكم والشبه المؤثر فيه)

    5- ابن العربى فى المحصول ( العلة الجالبة للحكم)

    6-السمعانى فى قواطع الأدلة
    أ‌-يقول ( واعلم أن العلة مأخوذة فى اللغة من العلة التى هى المرض لأن لهذه العلة تأثير بين الحكم كتأثير العلة فى ذات المريض)
    ب‌- ويقول ( واما قولهم علل الشارع امارات وليست بموجبات قلنا لا يسلم هذا الأصل على الإطلاق فان الفقهاء كانوا يطلقون هذا ولكن معنى ذلك أنها لا توجب بذواتها شيئا بل بجعل الشارع اياها موجبة)


    ثانيا موقف الأصوليين بعد الغزالى
    1-الآمدى
    يقول فى احكامه ( اختلفوا فى جواز كون العلة فى الأصل بمعنى الأمارة المجردة والمختار انه لابد وان تكون العلة فى الأصل بمعنى الباعث أى مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم والا فلو كانت وصفا طرديا لا حكمة فيه بل أمارة مجردة فالتعليل بها فى الأصل ممتنع)

    2-يقول ابن الحاجب فى مختصره معرفا العلة ( الباعث على التشريع)

    3-الطوفى فى شرح الروضة
    ( الفرق بين الباعث والأمارة المحضة هو أن الباعث يكون مناسبا لحكمه ومقتضيا له على وجه يحصل من اقتضائه اياه مصلحة ........................... بخلاف الأمارة المحضة كزوال الشمس أو طلوع الهلال إذ لا يناسب أن يقال وجبت الصلاة لأن الشمس زالت )

    4-البنانى : يقول البنانى موضحا أصل ذلك الإشكال
    ( وأنت اذا تأملت موارد العلة واستعمالاتها تعلم أنه لا محيص من كون العلة بمعنى الباعث وأن مراد من عبر عنها بالمعرف ما يلزم التعبير بالباعث من الإيهام)


    ثالثا : موقف الأصوليين الذين تابعوا الرازى فى تعريفه
    1-البيضاوى فى منهاجه
    يقول فى مسالك العلة ( الثالث أن يذكر وصفا لو لم يؤثر لم يفد)

    2-السبكى فى الأبهاج شارحا نص البيضاوى السابق يقول
    ( اذا ذكر الشارع وصفا لو لم يؤثر فى الحكم أى لم يكن علة فيه لم يكن لذكره فائدة دل على عليته إيماء وإلا كان ذكره عبثا ولغوا ينزه هذا المنصب الشريف عنه)

    وبالطبع فانا قد ذكرنا آراء الرازى نفسه من قبل مما لا يضطرنا إلى إعادته مرة أخرى




    ب - إشكالية ( العلة الغائية- الحكمة) أو الفرق بين تعليل الأفعال وتعليل الأحكام
    وفق بعض علماء الأصول بين فكرة الغرض أو الباعث أو العلة الغائية المنفية عن الإلهوبين رعاية الحكمة وترتب الفائدة على الحكم الثابتة بالإجماع
    فكلهم يرون أن للأحكام فوائد وحكم مع نفيهم الغرض والحاجة عن الإله واليك بعض النقول التى تعبر عن ذلك

    1-الآمدى فى إحكامه
    ( ان من الأحكام ما يثبت غير معقول المعنى كضرب الدية على العاقلة ونحوه وما كان كذلك فإجراء القياس فيه متعذر وذلك لأن القياس فرع تعقل علة حكم الأصل وتعديتها الى الفرع فما فما لا يعقل له علة فإثباته بالقياس يكون ممتنعا)
    وفى هذا النص يفرق الآمدى بين بعض الأحكام التى تعقل حكمتها والأخرى التى تعد تعبدا محضا


    2-السمرقندى فى ميزان الأصول
    ( والمعنى بقولنا النصوص معلولة هذا أن أحكام الله تعالى متعلقة بمعان ومصالح وحكم فإن كانت معقولة يجب القول بالتعدية ويجوز أن يكون البعض حكما مما لا نعرفه بعقولنا فيكون الأصل ما قلنا)

    3- الشاطبى فى موافقاته
    ( وأما العلة فالمراد بها الحكم والمصالح التى تعلقت بها الأوامر أو المفاسد التى تعلقت بها النواهى فالمشقة علة فى إباحة القصر والفطر فى السفر والسفر هو السبب الموضوع سببا للإباحة فعلى الجملة العلة هى المصلحة نفسها أو المفسدة لا مظنتها كانت ظاهرة أو غير ظاهرة منضبطة أو غير منضبطة )
    وهذا رأى فذ للشاطبى انفرد به فلم أر أصوليا جعل العلة هى الحكمة نفسها

    4-يقول الشيخ عيسى منون فى نبراس العقول موضحا أصل ذلك الإشكال
    (لا ينازع أحد فى أن لأفعاله وأحكامه غايات وحكما وإنما الخلاف فى أنها باعثة على الحقيقة أو لا)

    5- الرازى فى محصوله
    يقول ( أن الله تعالى شرع الأحكام لمصلحة العباد وهذه مصلحة فيحصل ظن أن الله تعالى إنما شرعه لهذه المصلحة)
    ويقول ( أنه تعالى حكيم بإجماع المسلمين والحكيم لا يفعل الا لمصلحة )
    ثم شرع يستدل بستة أمور من المعقول المنقول على صحة ما ذهب اليه

    6-الزركشى فى بحره يقول مفرقا بين المعنيين بوضوح
    ( والحق أن رعاية الحكمة لأفعال الله وأحكامه جائز وواقع ولم ينكره أحد وانما أنكرت الأشعرية العلة والغرض والتحسين العقلى ورعاية الأصلح والفرق بين هذه ورعاية الحكمة واضح)

    وبعد هذا المبحث لا يتبقى الا استعراض أهم النتائج واثبات المراجع المستخدمة فى البحث

    والله أعلى وأعلم

    يتبع بإذن الله تعالى

  14. #14
    أهم النتائج

    1- ينفى الأشاعرة العلة الغائية عن أفعال الإله والعلة المعنية هنا هى الغرض أو الحاجة أو المؤثر ونفى العلة- بهذا المعنى – عن أفعال الإله لا يعنى أبدا أن أفعاله عبثية غير مقصودة كانما أتت بها المصادفات وانما تحدد الإرادة أفعال الله تعالى وسننه الكونية وشرائعه على نحو متسق وحكيم

    2- يرى الأشاعرة أن العلاقة بين العلل الكونية ومعلولاتها محض اقتران وانما تثبت الفاعلية أو خاصيتى الإيجاد والإعدام لله وحده

    3-- يرى الأشاعرة أن الحسن والقبح أمران اعتباريان وليسا جوهريان فى الأشياء ومن ثم يعتبر الإنسان ما يلائم غرضة منفعة وما لا يلائم غرضة مفسدة

    4-- يرى الأشاعرة أن العقل قاصر عن معرفة المنفعة الحقيقية أو المفسدة الحقيقية بسبب قصور العقل وتضارب المصالح وقوة الغرائز وتسلط الأهواء والتصورات الخاطئة ومن ثم جاء الشرع معرفا للحسن والقبح وأضاف لهما بعدا آخر هو الثواب والعقاب


    5-اتفق الفقاء والأصوليون على أن مصالح المكلفين مقصد للشارع ويتم بالحفاظ على دينهم ونفوسهم وعقولهم وأموالهم ونسلهم

    6-نشأ تعارض بين فكرتى نفى تعليل أفعال الإله وبين تعليل أحكامه فى الشرائع مما أدى الى التضارب فى تعريف العلة الأصولية


    7-يرى الغزالى ومعه فريق من الأصوليين الأشاعرة والأحناف أن العلة الشرعية موجبة بجعل الإله لها ذلك ومن ثم فلم يعتدوا بالطرد وحده ككاشف عن علية الأحكام واشترطوا أن يكون الوصف متناسب مع الحكم عقلا وان اختلفت عباراتهم فى ذلك ويحمل كلام الغزالى عن المعرف على أنه يقصد العلامات التى تدل على الأحكام التعبدية المحضة أما العلل فبها معنى زائدعلى مجرد التعريف


    8-يرى الرازى والبيضاوى والسبكيين أن العلل الأصولية محض علامات أو معرفات وليس بينها وبين الأحكام الا علاقات اقترانية كالعلل الكونية تماما ومن ثم اعتبروا مسلك الطرد والدوران ككاشف عن علية الأحكام


    9-الأصوليون قبل الغزالى لم يحدث لهم أى اشكال وعرفوا العلة بالمؤثر أو الباعث ولم تتنافى تلك الفكرة مع نفى العلة الغائية عن أفعال الإله


    10-الإشكال بدأ من لدن الإمام الرازى ومن ثم تابعه فريق من الاصوليين


    11-فرق الأحناف بوضوح بين السبب والعلة والشرط والعلامة


    12-اتفق الجميع على أن الأحكام الشرعية تدل على الحكمة وتتبنى رعاية مصالح المكلفين وعلى هذا لا تصح دعوى من اتهم الأشاعرة بنفى الحكمة عن أفعاله تعالى


    تتمة

    وسط ضجيج الصراعات قد تتشوه المعالم والمفاهيم ومن ثم تضيع الحقائق ولا ينبغى لطالب الحق إلا أن يبحث بصدق وتجرد دون كلل ودون تصورات مسبقة وأن يحمل المتشابهات على المحكمات ويحمل حال المسلمين على الصلاح قدر الإمكان والطاقة عل الله أن يكشف له ما غم على غيره

    ولا أدعى بلوغ الغاية وإنما هو محض إعمال عقلى ودراسة وبحث قد يرفع الإشكال بنفسه وقد يكون نواة لغيره من الدارسين للفكر الأشعرى كلاما وأصولا


    والله أعلى وأعلم



    راجى يوسف

  15. #15
    مراجع البحث

    1- الإقتصاد فى الإعتقاد الغزالى طبعة دار الفرفور

    2- تهافت الفلاسفة الغزالى طبعة دار المعرف تحقيق د سليمان دنيا

    3- شفاء الغليل الغزالى طبعة المكتبة العصرية

    4-أساس القياس الغزالى طبعة العبيكان نسخة مصورة

    5-المستصفى فى علم الأصول الغزالى طبعة دار الكتب العلمية

    6-مسلك المناسبة عند الإمام الغزالى رسالة ماجستير للباحث أيمن الدباغ بالأردن نسخة مصورة

    7-المحصول فى علم الأصول الرازى طبعة مؤسسة الرسالة

    8-المعالم فى أصول الفقه الرازى مؤسسة المختار

    9-أصول السرخسى السرخسى طبعة دار الفكر

    10- كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوى البزدوى بشرح العلاء البخارى طبعة دار الكتب العلمية


    11- فتح الغفار بشرح المنار ابن نجيم الحنفى على متن المنار للنسفى طبعة دار الكتب العلمية


    12- التقرير والتحبير على التحرير ابن أمير الحاج على متن الكمال بن الهمام وبهامشه شرح الإسنوى على متن البيضاوى طبعة دار الكتب العلمية



    13- حاشية البنانى على شرح المحلى على متن جمع الجوامع لتاج الدين السبكى طبعة دار الفكر

    14-نبراس العقول فى تحقيق القياس عند علماء الأصول الشيخ عيسى منون طبعة دار العدالة

    15- الوجيز فى أصول الفقه عبد الكريم زيدان طبعة مؤسسة الرسالة

    16- أصول الفقه الإمام محمد أبو زهرة طبعة دار الفكر العربى

    17-القياس عند الأصوليين د على جمعة طبعة دار الرسالة

    18- الآمدى وآراؤه الكلامية د حسن الشافعى طبعة دار السلام

    19- مباحث العلة فى القياس د عبد الحكيم عبد الرحمن أسعد السعدى طبعة دار البشائر الإسلامية


    20- البحر المحيط الزركشى طبعة دار الكتبى


    21- تشنيف المسامع بجمع الجوامع الزركشى طبعة مؤسسة قرطبة

    22- الموافقات الشاطبى طبعة المكتبة التوقيفية

    23- بيان المختصر فى اصول الفقه شرح الأصبهانى على مختصر ابن الحاجب تحقيق د على جمعة طبعة دار السلام



    24-الإبهاج فى شرح المنهاج شرح السبكى على مختصر البيضاوى طبعة مكتبة الكليات الأزهرية

    25- موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين شيخ الإسلام مصطفى صبرى طبعة احياء التراث العربى

    26- مبدأ العلية بين النفى والإثبات دأحمد الطيب طبعة دار الطباعة المحمدية نسخة مصورة

    27- قواطع الأدلة للسمعانى طبعة دار الكتب العلمية

    28- شرح مختصر الروضة للطوفى الطوفى الحنبلى طبعة الرسالة

    29-الإحكام فى أصول الأحكام الآمدى طبعة دار الفكر

    30-- مسائل الإختلاف بين الأشاعرة والماتريدية ابن كمال باشا تحقيق سعيد فودة طبعة دار الفتح

    31- نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبى د أحمد الريسونى طبعة دار الكلمة

    32-الآمدى وآراؤه الكلامية د حسن الشافعى طبعة دار السلام

    33-كبرى اليقينات الكونية البوطى طبعة دار الفكر

    34-ضوابط المصلحة فى الشريعة الإسلامية رسالة الدكتوراه الخاصة بالدكتور البوطى طبعة دار الفكر

    35-شرح مواقف الجرجانى للعضد الإيجى ومعه حاشية السيالكوتى والجبلى طبعة دار الكتب العلمية




    راجى يوسف

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •