بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وبعد..

فقد وفقني الله سبحانه في اليوم الثاني من أيام شهر رمضان المبارك بزيارة قبر الإمام الحكيم صاحب الحكم/ ابن عطاء الله السكندي - رحمه الله ورضي عنه -

وبمناسبة ذكر ابن عطاء الله وقبل أن أود المراد الرئيس من تلك الكلمات، فإن حكم ابن عطاء الله وكلماته هي من أكثر الكلمات التي يقتبسها الوهابية في كلماتهم ويتشدقون بها وكأنها من كلماتهم أو كلمات أئمتهم، وربما ينقلها بعضهم وهو لا يعرف مراده فرعا عن عدم معرفتهم بألفاظهم كالحال. وهم في كل في ذلك - في برامجهم وفي كتبهم التي يحلونها بكلمات ابن عطاء الله رضي الله عنه - لا ينسبون إليه هذه الكلمات، فترى الناس تتداول الكلمات عن لسان هذا الشخص وتشتهر عنه وتلتصق به زورا.. فغذا سألت هذا الشخص عن ابن عطاء الله بدعه وأسقطه!!... وأنا لا أدري أي دين واية أمانة واية عقيدة هذه التي تسوغ لهؤلاء مثل هذا الصنيع؛ أن لا ينسبوا الحكمة إلى أهلها - والحكمة أخص من المعلومة وأعمق في النفس وفي مولدها من التأمل، فكانت أولى في حتمية نسبتها إلى أصحابها - ثم يذكرون أصحابها بالسوء وبأنهم أهل البدع - وهم والله كيل البدعة الفائض - فهلا ساقهم دينهم أو أخلاقهم إلى نسبة الكلام صحبه على أقل تقدير ولو أسقطوه بعد؟... إنهم يتشوقون إلى كلامه ويتلوون بجماله وحكمته، فيسرقوه مغمضين أعينهم عن الأمانة العلمية المتحتمة عليهم، معتمدين في ذلك على جهل الناس بالدين عموما فضلا عن معرفتهم بحكم ابن عطاء الله فيشيعون تلك الكلمات على ألسنتهم فبما لو سالت أحدهم عن شهرة الكلمة عنه أو عن شيخه فلان قال لك : وهل قال إنها له؟! وهكذا (ثقافة التعريض) التي أسفف فيها هؤلاء أيما إسفاف كما يعرف ذلك كل من خبرهم، حتى استعملوا التعريض في تمرير أية خيانة علمية منهجية يدفعون لها اللوم عن رؤوس يقدسونها، وكأن الأشخاص فوق المناهج، أما أهل السنة فمناهجهم فوق أشخاصهم.

إلا أن هؤلاء مساحاتهم محدودة ولو اتسعت، فمساحتهم محدودة بالجهال ممن لا يقؤون ولا يعرفون، أما غير هؤلاء فهل يخيل عليهم الكلام بأن لا يعرفوا كلام ابن عطاء الله؟ .. إن كلامه الأنور لهو من أشهر ما يتداوله الحكماء والمربون، ولكنهم مؤدبون ؛ ينسبونه إلى صاحبه، أوسع الله تعالى له في قربه.

زرت قبر ابن عطاء الله رحمه الله ورضي عنه، وعلى قدر ما سعدت بزيارته، ضاق صدري بما رأيت..

فقد رأيت قيام جهلة الناس بعدد من البدع ليست من الله في شيء.. وإذا بالقبر عليه عمامة ضخمة وطيلسان فوق العمامة - لبسة العلماء السالفين والمالكية منهم خاصة كما كانت لبسة الإمام الوقور الجليل مالك بن أنس إمام دار الهجرة - ومصحف طباعة مصرية متوسط الحكم في علبة خشبية مزخرفة، وطبعا ليست هي لابن عطاء الله وإنما هي عمامة وطيلسان يقومون كل عام بإخراجهما وتقطيعهما وبيعهما للناس (بالقطعة) ولا أدري لو كان المصحف كذلك ولكنه الظاهر.. فنظرت داخل زجاج الضريح فإذا أوراق مكتوبة! وغذا عملات وررقية من فئة 5 جنيهات مصرية! كل ذلك ألقاه الناس من دوائر مفتوحة في الجدار الزجاجي للضريح..

اين الذين يقولون إن القبور معظمة ومفخمة؟ .. إن ما رأيته هو من صور الإهانة والاستهانة بقبر مسلم فضلا عن أن يكون ابن عطاء الله صاحب الحكم العطائية التي تنهل منها الدنيا.

إن القبر يشكل (سبوبة*) كما يقول المصريون لمجموعة من (المقاطيع*) فيفتحون حانوتهم طوال اليوم وهم جالسون يشاهدون الأموال ترمى وبعد العام تكون (السبوبة الكبيرة) حيث يقصقصون العمامة والطيلسان ويبيعون القصاصات هذه بعشرين جنيها وتلك بخمسين.

أهذه مبالغة في التعظيم أم في الإهانة والاستهانة؟ كانوا يقولون إن الحكومات تفع القبور وتعظمها، ووالله إن الحكومات لا ناقة ولا جمل في شيء من الدين، فلو كانت تعظم القبور لجعلوه شاهدا عظيما ولحوطوه ورهّبوه كما يرهبون أقل قطعة أثرية في المتاحف، وسنكون منكرين لهذا أيضا لأنه خلاف سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

وإني أبرأ إلى الله سبحانه من كل ما خالف صراط السنة المستقيم إفراطا أو تفريطا يمينا أو شمالا. والله تعالى المستعان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* السبوبة كلمة عامية مصرية رديئة، يراد بها مصدر مال لمن لا يجيدون ولا يقدمون ثم يفتح لهم باب لا دخل لهم فيه أو بمجهود قليل، فهو اقرب لمعنى الفرصة.
* العاطلون الكسالى.