صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 32

الموضوع: هل ثمة محذور في القول بعدم مجعولية الماهيات؟

  1. الأستاذ الفاضل والأخ الحبيب الأديب الأريب محمد سيد نصار
    زادك الله علما وحكمة ورفع الله درجتك في الدنيا والآخرة

    وإنه لا بد أن يكون للمرء على الحق أعوان وأنصار، فإن أهل الباطل متآزرون متضامنون على باطلهم.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. الحمد لله
    الإمام السرهندي يقول بمجعولية الماهيات

    صرح الإمام السرهندي في مكتوباته بأن الله تعالى جاعل الماهيات، وأن الماهيات ليس بحاكمة على الله تعالى.
    ومما ذكره في هذا الباب، قوله في المكتوب الثاني عشر(1/29):"وكذلك أرى ذوات الأشياء مجعولة، وأرى أصل القابليات والاستعدادات مجعولة ومصنوعة، والله سبحانه ليس بمحكوم القابليات، فإنه لا ينبغي أن يحكم عليه بشيء".
    وهذا نصٌّ منه في أن الماهيات مجعولة، وعلى أن فعل الله تعالى ليس تابعاً للماهيات الثابتة في نفس الأمر، أو لما هو في علم الله تعالى، فإن الله تعالى عالم بكل شيء ما يكون منه وما لا يكون، فلو كان الماهيات التي انكشفت له بعلمه سبب فعله، لما ترك فعل شيء علمه، وهو يجرُّ كما هو ظاهر إلى الإيجاب عليه جل وعلا.
    ولذلك حذّر السرهندي من ذلك فقال في المكتوب الثامن (1/20):"وأتصوَّر القدرة بمعنى صحة الفعل والترك، ولا أقول إن الشرطية الثانية ممتنعة الوقوع، كما قال به الحكماء -يعني الفلاسفة السفهاء- وبعض الصوفية، فإن هذا ينجر إلى القول بالإيجاب ويوافق أصول الحكماء.
    وأعتقد أن مسألة القضاء والقدر على طور العلماء فإن للمالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولا أرى للقابلية والاستعداد دخلا أصلا، فإنه ينجرُّ إلى الإيجاب وهو سبحانه مختار فعال لما يريد، وعلى هذا القياس".
    فهذا الكلام الشريف العالي من السرهندي -قدس سره- يفشي بمذهب أهل الحق، ويكر على المخالف له بالإبطال والتشنيع، ولا بدَّ أن نلاحظ أنه لا يقول إن القول بعدم مجعولية الماهيات أو الممكنات الثابتة هو مذهب الصوفية، بل يقرر بدقة بالغة إنه مذهب بعض الصوفية، وقد وافقوا فيه الفلاسفة السفهاء على حد قوله. فلا بدَّ من الاحتياط في هذه المسائل، ونحن علم أن أكثر الصوفية موافقون لمذهب أهل السنة أهل الحق لا يخالفونهم.
    فالقائلون بعدم مجعولية الماهيات يؤول قولهم إلى نفي إرادة الله تعالى، وهذا نفي لإرادته واختياره جل شأنه، لأنهم يقولون بأن الفاعل يفيض فعله بحسب القابل، فإن كان القابل ثابتا بدون إثبات الله تعالى، فكان له ثبوت في نفسه بغض النظر عن جعل الإله، فإن ذلك يستلزم بلا ريب أن الله تعالى موجب مضطرٌّ لا فاعل مختار. فإن أضاف هذا القائل عدمَ وجود غير الله تعالى، وأنه لا وجود إلا لله تعالى، وأرجع المخلوقات إلى تجليات الله تعالى بأحكام المخلوقات التي لم تفارق العدم، وأن إيجاد شيء لم يكن محال، كما أن إعدام وجود محال، علمنا على سبيل القطع أن حقيقة قولهم أن الله تعالى لم يوجد شيئا بمعنى أنه لم يبرز بقدرته وجودا لم يكن، بل غاية فعله ظهور بأحكام الممكنات الثابتة في نفس الأمر. فالأمر كله خيال، ولا فرق بين شيء وآخر –في حسن وقبح أو كمال ونقص- إلا بالاعتبار، وكل ما في الكون محبوب الله تعالى لأنه راجع إليه وإلى صفاته وتجلياتها...الخ.
    والسرهندي يشير في عبارته الأخيرة (أعني قوله: وأعتقد أن مسألة القضاء والقدر ...الخ، وكذلك قوله: والله سبحانه ليس بمحكوم القابليات...الخ) إلى ردِّ مذهب من قال إن مرجع حقيقة سر القدر إلى القابليات الراجعة إلى الأعيان الثابتة.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. زادكم الله رفعة مولانا الأستاذ سعيد، وجعل ما بينتم في ميزان أعمالكم وحسناتكم.. آمين. وقد كنت أتساءل عن موقف الإمام السرهندي من مجعولية الماهيات ولما أقف على الكلام الذي تفضلتم بنقله حتى رأيته فحمدت الله تعالى.

  4. الحمد لله

    الأعيان الثابتة:

    يبني ابن عربي كثيرا من مسائل مذهبه على الأعيان الثابتة، ويحرر الإمام السرهندي المراد بالأعيان الثابتة عند ابن عربي فيقول ف المكتوب الرابع والثلاثين والمائتين (1/314):"والأعيان الثابتة عند صاحب الفصوص عبارة عن تلك الكمالات المفصلة التي اكتسبت وجودا علمياً في موطن العلم".
    وأما الأعيان الثابتة عند السرهندي فهي:"العدمات التي هي مبادئ جميع الشر والنقص مع تلك الكمالات التي انعكست عليها"، وقال السرهندي (1/315):" ان تلك العدمات كاصول تلك الماهيات وموادها وتلك
    الكمالات كالصور الحالة فيها فالاعيان الثابتة عند هذا الحقير عبارة عن تلك العدمات
    وتلك الكمالات اللتين امتزجت كل منهما بالأخرى والقادر المختار جل سلطانه صبغ
    تلك الماهية العدمية مع لوزامها ومع الكمالات الظلالية الوجودية المنعكسة عليها في
    حضرة العلم المسماة بماهية الممكنات بصبغ الوجود الظلي في وقت اراده وجعلها
    موجودات خارجية ومبدأ للآثار الخارجية"، فالمخلوقات عنده لها وجود خارجي غير وجود الله تعالى، يسميه بالوجود الظلي، وليست الموجودات المخلوقة مجرد تجليات لذات الإله أو خيال أو صور العلم الإلهي!
    ويقول في بيان ذلك (1/315):" ان الممكنات عرض لها
    الوجود في الخارج على طبق تلك الصور العلمية وراء الوجود العلمي كما ان النجار
    يتصور في ذهنه صورة السرير ثم يخترعها في الخارج ففي هذه الصورة لا تخرج تلك
    الصورة الذهنية السريرية التي هي بمثابة الماهية للسرير من علم النجار بل عرض للسرير
    وجود في الخارج على طبق تلك الصورة الذهنية فافهم".


    هل يجيز السرهندي اجتماع النقيضين؟


    الإمام السرهندي ينفي جواز اجتماع النقيضين، ولا يقول إن العدم من حيث هو عدم حل فيه الوجود، ولا يقول بالعكس أيضا، بل إنه يبطل ذلك فتأمل في قوله (1/317):" واجتماع الخير والشر والكمال والنقص الذي هو اجتماع
    الوجود والعدم في الحقيقة ليس من قبيل اجتماع النقيضين الذي يعد محالا فان نقيض
    الوجود الصرف هو العدم الصرف وهذه المراتب الظلية كما أنها تترلت في جانب
    الوجود من ذروة الاصل الى حضيض التترلات كذلك ترقت في جانب العدم من
    حضيض صرافة العدم بل اجتماعها من قبيل اجتماع العناصر المتضادة المجتمعة بعد
    كسر السورة المضادة من كل منها فسبحان من جمع بين الظلمة والنور".
    فلا يريد السرهندي إذن باجتماع النقيضين أو اتصاف الوجود بالعدم أي حال كون العدم عدما يتصف بالوجود، ولا العكس كما هو ظاهر.


    هل يقول السرهندي بانفكاك الذات عن الصفات في بعض المراتب في نفس الأمر؟

    إن الإمام السرهندي لا يقول بذلك أبدا، بل هذا الانفكاك مقام من مقامات العارف، بقيد اللحاظ والمعرفة والتنبه لا باعتبار نفس الأمر، قال السرهندي (1/318):" ان العارف الذي قبلة توجهه أحدية الذات تعالت وتقدست
    لا يكون له شئ من الاسماء والصفات ملحوظا أصلا فيجد الذات في ذلك الموطن ألبتة
    ولا يكون شئ من الصفات ملحوظا له أصلا لا ان الصفات ليست بحاصلة في ذلك
    الوقت فانفكاك الصفات من حضرة الذات ان ثبت ثبت باعتبار ملاحظة العارف لا
    باعتبار نفس الامر حتى يكون مخالفًا لما عليه أهل السنة".
    المخلوقات موجودة بإيجاد الله تعالى، وهو القادر المختار، لا يكون فعله بلحاظ القابليات فقط كما يقول بعض الصوفية، فإن ذلك مستلزم للإيجاب على الله تعالى، يقول الإمام السرهندي(1/319):" فتقرر أن ذوات
    الممكنات واصولها عدمات وصفاتهم النقائص والرذائل التي هي مقتضيات تلك
    العدمات وجدت بايجاد القادر المختار جل سلطانه والصفات الكاملة فيهم مستعارة
    من ظلال كمالات حضرة الوجود تعالى وتقدس ظهرت فيهم بطريق الانعكاس
    ووجدت بايجاد القادر المختار ايضًا".


    الإمام السرهندي يخال أصول ابن عربي في وحدة الوجود ولوازمها:

    يعترض الإمام السرهندي على كثير من الأصول التي يقول بها ابن عربي، ويعارضه في أن ذلك كله أي ما يقرره ابن عربي نتيجة الكشف الكامل، بل يقول إن ذلك كشف ناقص، ومرتبة من المراتب العلية في سلوك السالكين، والعارف الكامل لا يقول بذلك، بل ربما يتجلى له لحظة ولا يدوم ذلك إلا باستصحاب حالة السكر، أو لوازم تلك الحالة، والخطأ في اعتبار ما يتراءى للسالك في تلك المرحلة الحق اليقين الخالص.
    ومما قرره السرهندي في مكتوباته مما يتعلق بذلك ما ذكره في هذا المكتوب رقم[234] (1/320):" (و الشيخ) الاجل محيي الدين بن العربي قدس
    سره لما لم يقع نظره على حقيقة شر الممكنات ونقصها وقبحها جعل حقائق الممكنات
    الصور العلمية الالهية جل وعلا وقال ان تلك الصور انعكست على مرآة حضرة
    الذات التي لا يقول بوجود شئ غيرها في الخارج فحصلت لها بسبب ذلك الانعكاس
    يعني ظهور خارجي ولا يرى هذه الصور العلمية غير صور شؤن الواجب وصفاته جل
    سلطانه فلا جرم حكم بوحدة الوجود وقال بعينية وجود الممكنات بوجود الواجب
    تعالى وتقدس وقال بنسبية الشر والنقص ونفي الشر المطلق والنقص المحض ومن ههنا
    لا يقول بوجود قبيح بالذات حتى انه يقول ان قبح الكفر والضلالة انما هو بالنسبة الى
    الايمان والهداية لا بالنسبة الى ذاتهما بل يراهما عين الخير و الصلاح ويحكم باستقامتها
    بالنسبة الى أربابهما ويجعل قوله تعالى ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان ربي على
    صراط مستقيم شاهدًا لهذا المعنى نعم ان من يحكم بوحدة الوجود لا يتحاشا من أمثال
    هذه الكلمات وما ظهر لهذا الفقير ان ماهيات الممكنات عدمات مع الكمالات
    الوجودية المنعكسة عليها والممتزجة بها كما مر مفصلا والله سبحانه يحق الحق وهو
    يهدي السبيل".
    فها أنت تراه: ينقض مذهب وحدة الوجود، وهو من العرفاء الذين لا يعارض أحد في رتبتهم في التصوف الحق الموافق لأهل السنة والجماعة.
    ويقول بتقرر أعيان المخلوقات في الخارج بإيجاد الله تعالى، وأن ذلك أكمل من القول بأنها مجرد تجليات قائمة بعين ذات الإله، أو أنها صور وكمالات له، أو أنه جل شأنه تجلى بأحكامها، وأن الله تعالى لم يوجد شيئا من عدم أصلا، ولا يعدم وجوداً! كل ذلك وغيره من الأصول التي يقررها ابن عربي في كتبه الكثيرة ترى الإمام السرهندي يعارضه بلا تردد، ومن ذلك قول ابن عربي بان كل ما في الموجودات والتجليات الإلهية حسن في نفسه وفي ذاته، وقد ذكر السرهندي ذلك في غير موضع من مكتوباته بالإضافة إلى ما نقلناه عنه في هذا الموضع.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. السلام عليكم..

    كنت قد دخلت المنتدى لأسأل سؤالا له تعلق بجعل الماهيات، فوجدت هذا الموضوع، ورأيت أن أضع سؤالي فيه، راجية أن أجد إجابة من مشايخنا الكرام..

    أولا: هل يصح مانسبه الإمام الدسوقي في حاشيته على ((شرح السنوسية)) للإمام السنوسي من أنه يميل للقول بأن الماهيات ليست بجعل جاعل، حيث قال:
    ماهيات الأمور الممكنة وحقائقها وقع فيها خلاف، فقيل: إنها بجعل جاعل مطلقا، أي إنها مخلوقة للمولى تعلقت بها قدرته، فأحدثتها من العدم للوجود.
    وقيل: إنها ليست بجعل جاعل مطلقا، بل هي متقررة وثابتة في نفسهاأزلا، وإنما تعلقت بها القدرة، فأظهرتها بالوجود لخارج الأعيان بحيث صار يمكن رؤيتها، فالقدرة لم تأثر في المهاية، بل في إظهارهافقط، فالجاعل لم يجعل المشمش مثلا مشمشا، بل جعل المشمش موجودا.
    وقيل: إن الماهية البسيطة كالجوهر غير مجعولة، والمركبة كالجسم مجعولة.
    إذا علمت ذلك فقول الشارح: (تؤثر في وجود الممكن)، ولم يقل: تؤثر في ذات الممكن، ظاهر في أن الماهية غير مجعولة، بل هي ثابتة في نفسها أزلا، والقدرة تعلقت بإظهارها بالوجود في خارج الأعيان، فهي بمنزلة ثوب مخبأ في صندوق، تفتح الصندوق وتخرجه منه، وميل المصنف لهذا القول مما يدل على أنه مما لا يختص بالمعتزلة والفلاسفة، إذ لو كان مختصا بهم، لما مال إليه كما هو اللائق بمقامه، والمناسب بحاله من الرد على من خالف أهل السنة، خلافا لبعض الحواشي حيث نسب هذا القول للمعتزلة والفلاسفة فقط.
    واعلم أن هذا القول لا يضر اعتقاده، وإن لزم عليه تعدد القدماء؛ لأن المضر القول بتعدد القدماء من الذوات الموجودة في الخارج، لا الثابتة في نفسها. اهـ

    وما رأيكم بقوله الأخير من أنه لا يضر هذا الاعتقاد؟

    ثم كيف ينفي المعتزلة صفات المعاني لله تعالى خوفا من تعدد القدماء، ثم يقولون بثبوت الماهيات؟

    وهل قولهم بثبوت الماهيات يشمل ثبوت صفاتها في ذاتها، أم أن الماهية الثابتة عندهم هي المجردة، و إنما تكون صفاتها بجعل الله تعالى؟!

    وإن كان كلامهم الأول، فالماهيات ثابتة في نفسها، وبعد إظهارهاتسير بما أودع الله فيها من قوى، فيخلق الإنسان أفعال نفسه ونحو هذا، فماذا بقي للإرادة والقدرة؟!


    وهناك سؤال آخر ربما يكون بعيدا عن هذا الموضوع:

    ما الفرق بين العلم بالشيء، والوجود الذهني للشيء؟
    ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
    فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
    فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!

  6. قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: "و ( شيء ) : ما يصح أن يعلم ويخبر عنه . وهذا هو الإطلاق الأصلي في اللغة . وقد يطلق ( الشيء ) على خصوص الموجود بحسب دلالة القرائن والمقامات . وأما التزام الأشاعرة : أن الشيء لا يطلق إلا على الموجود فهو التزام ما لا يلزم دعا إليه سد باب الحجاج مع المعتزلة في أن الوجود عين الموجود أو زائد على الموجود فتفرعت عليه مسألة : أن المعدوم شيء عند جمهور المعتزلة وأن الشيء لا يطلق إلا على الموجود عند الأشعري وبعض المعتزلة وهي مسألة لا طائل تحتها والخلاف فيها لفظي والحق أنها مبنية على الاصطلاح في مسائل علم الكلام لا على تحقيق المعنى في اللغة"

  7. فتح الله عليكم سيدي الشيخ سعيداً وزادكم من فضله. كنت قد عرضت موضعاً بالمكتوب المشار إليه وهو رقم 234 على بعض الأحبة فأشاروا إلى أن فيه ما يستشكل فهل سيدي وجدت الأمر على هذا النحو وما موضع الاستشكال ووجهه خصوصاً مع ما ذكره الأستاذ علي عبد اللطيف من إشارة شيخ الإسلام مصطفى صبري لهذا المكتوب بالمخالفة- رضي الله عنكم-؟

  8. يطلق على المعدوم خارجا المعلوم في علم العالم أنه شيء بهذا الاعتبار، أي باعتبار المعلومية، وهذا إطلاق لغوي لا يترتب عليه شيء.
    أما مسألة تلبس الوجود بالعدم، فلا يريد به الإمام السرهندي كون الوجود -حال وجوده- عدما، ولا يريد إن الماهية المعدومة حال عدمها تكون موجودة، فهذا محال، وقد وضحه في مكتوباته ونقلت منه شيئا يدل على ذلك سابقا، وقد أوضح أخونا الفاضل علي عبد اللطيف ما قد يرد على من يقول باجتماع النقيضين من حيث هما نقيضان في امر واحد، فهذا لا يقول به السرهندي كما قررنا.
    ولو تنقلون كلام الشيخ مصطفى صبري لننظر فيه بصحبة أنفاسكم لكان ذلك مما نسعد به ويطيب لنا أن ننفق الوقت فيه مع أمثالكم ...
    وما قرره الشيخ ابن عاشور -من أن المسألة لفظية- ليس على إطلاقه ، فلو كان الخلاف في مجرد الإطلاق، أي إطلاق اسم الشيء على المعلوم أو الموجود أو عدم إطلاقه، لصح كلامه، ولكن لو كان الخلاف مترتبا على بعض الأمور التي ترجع إلى المعاني العقلية كما في أن الماهيات مجعولة في نفسها أو لا أي ثابتة في أنفسها ، فكيف يصحُّ كونها لفظية....!؟
    وتفريعه هذه المسألة على مسألة زيادة الوجود وجعله اختيار الأشاعرة ما قالوا به لمعارضة ما قرره المعتزلة! قد لا يسلم له؛ لأن كثيرا من الأشاعرة قائلون بزيادة الوجود، ومع ذلك يقولون بأن الشيء هو الموجود أي مساوق له لا مرادف له.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  9. بسم الله الرحمن الرحيم
    جزاكم الله خيرا على طرق أبواب هذه الأبحاث العميقة
    ويعجبني في هذا المقام كلام للإمام الفخر الرازي في تفسيره حيث يقول:
    واعلم أن قوله تعالى: {فإني قريب} فيه سر عقلي، وذلك لأن اتصاف ماهيات الممكنات بوجوداتها إنما كان بإيجاد الصانع، فكان إيجاد الصانع كالمتوسط بين ماهيات الممكنات وبين وجوداتها، فكان الصانع أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها.
    بل ههنا كلام أعلى من ذلك وهو أن الصانع هو الذي لأجله صارت ماهيات الممكنات موجودة، فهو أيضا لأجله كان الجوهر جوهرا والسواد سوادا والعقل عقلا والنفس نفسا، فكما أن بتأثيره وتكوينه صارت الماهيات موجودة، فكذلك بتأثيره وتكوينه صارت كل ماهية تلك الماهية، فعلى قياس ما سبق كان الصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهية إلى نفسها.
    فإن قيل: تكوين الماهية ممتنع لأنه لا يعقل جعل السواد سوادا.
    فنقول: فكذلك أيضا لا يمكن جعل الوجود وجودا لأنه ماهية، ولا يمكن جعل الموصوفية دالة للماهية، فإذن الماهية ليست بالفاعل، والوجود ماهية أيضا فلا يكون بالفاعل، وموصوفية الماهية بالوجود هو أيضا ماهية فلا تكون بالفاعل، فإذن لم يقع شيء ألبتة بالفاعل، وذلك باطل ظاهر البطلان، فإذن وجب الحكم بأن الكل بالفاعل، وعند ذلك يظهر الكلام الذي قررناه. (التفسير الكبير، ج5/ص104، دار الفكر)
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  10. وأما ما سألت عنه الأخت الفاضلة شفاء،
    وهو ما استخرجه الدسوقي واستنبطه من قول الإمام السنوسي إن القدرة (تؤثر في وجود الممكن) أنه يظهر منه أن الإمام السنوسي قائل بقدم ذوات الممكنات أي ماهياتها، أقول: فهذا التخريج والتفريع غير صحيح، ولا يستند إلى دليل كما يظهر لي، فإن السنوسي وإن قال إن القدرة تؤثر في الإيجاد والإعدام أو في الإيجاد فقط على الخلاف المشهور عند الأشاعرة، إلا أنه لا ينفي أن الإرادة هي التي تخصص كل ممكن بعض ما يجوز عليه -فالمخصص للذوات لتكون على ما هي عليه الإرادة لا القدرة ، وهذا هو المراد بالإبداع لا على مثال سابق، فتفهم!- حتى يفهم من قول السنوسي إن القدرة تؤثر في الوجود أن الذوات والماهيات غير مجعولة.
    ثم إن ما عزاه إلى بعض الحواشي نم أن القول بمجعولية الماهيات قول الأشاعرة وأن القائل بعدم المجعولية غيرهم من المعتزلة والفلاسفة أو جمهورهم، فلم تختص به تلك الحواشي، بل نقلته الكتب الكبار أيضا كالمواقف والمقاصد والصحائف ونحوها، فقال السمرقندي صاحب الصحائف ص105:"اختلفوا في ذلك -أي في أن الماهيات مجعولة أم لا- فذهب أهل التحقيق إلى أنها مجعولة اي بجعل جاعل، وخالفهم الفلاسفة والمعتزلة ، وفصل بعضهم بأن المركبة مجعولة دون البسيطة".
    وأيضا، فإن الإمام السنوسي قال في شرح كبراه [ص338 مع حاشية الحامدي] واصفا رأي الأستاذ والباقلاني في أن قدرة العبد تؤثر في أخص وصف الفعل لا في وجوده:"وهذا أعدل من قول المعتزلة ، فإنهم أثبتوا الأشياء على حقائقها في العدم والفاعل لا يفعل فعلاً فيها غير الوجود عندهم"
    وقد ذكر العلامة السبكي هذه الأقوال فقال مع شرح المحلي على جمع الجوامع:"(والماهيات)الممكنات أي حقائقها (مجعولة) بسيطة كانت أو مركبة أي كل ماهية بجعل الجاعل، وقيل لا مطلقا، بل كل ماهية متقررة بذاتها، (وثالثها) مجعولة (إن كانت مركبة) بخلاف البسيطة"[انظر شرح المحلي (4/285) مع حاشية ابن قاسم العبادي]
    فهذا القول من السنوسي صريح في أن القول بعدم مجعولية الماهيات والذوات قول للمعتزلة، وأنه يخالفهم فيه.
    ولذلك علق على كلامه الحامدي فقال:"(قوله فإنهم أثبتوا الخ) حاصله أنهم قالوا بشيئية المعدوم الممكن وإن حقيقته وأوصافه النفسية ومن جملتها أخص الأوصاف ثابتة له متقررة في حال عدمه، والوجود عندهم زائد على الماهية مشترك بالاشتراك المعنوي لأنه عبارة عن إظهار المعدوم وإبرازه، فالصلاة مثلا الواقعة من زيد كانت ثابتة ومتقررة في حال عدمها، ولكنها كانت مستورة والشخص إنما تعلقت قدرته بإظهارها، وكذا ذات زيد كانت متقررة وثابتة في نفس الأمر بلحمه وعظمه قبل ولادته وكانت مخبأة مستورة تشبه ثوباً في صندوق، والمولى إنما أثر فيها بقدرته الوجودَ فقط، أي أظهرها وأبرزها لخارج الأعيان فلم يصفوا الرب بالاقتدار على خلق الذات، وإنما أثر القادرية عندهم إخراج الذوات إلى الوجود، فعلى كلامهم يكون المكلف به هو الوجود لأنه متعلق القدرة ....الخ).

    والله أحكم وأعلم
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  11. جزاكم الله خيراً على هذا التفصيل.
    سأل أحد الإخوة في الرياحين عما يلزم من ثبوت الأعيان في العلم الإلهي فأجبته بملخص للمسألة قلت فيه:
    بناء على طلب الأخ الواعي أفرد هذه المشاركة لبيان بعض المسائل الأصولية وما يبنى عليه فأقول والله الموفق:
    إن علم الله سبحانه وتعالى ليس محلاً للصور أوالانتقاش وثبوت الأعيان في العلم الإلهي يستلزم التبعيض والانقسام للمحل الذي قامت به هذه الأعيان وأصحاب هذه الفلسفة بنوا عليها أن حقائق الممكنات بقيت على عدمها الأصلي لم تشم رائحة الوجود فليس في الخارج موجود سوى المولى سبحانه وتعالى وأما الممكنات فهي ظلال وأوهام أو اعتبارات عقلية ناتجة من تجلي الحق بذاته على ذاته أو على الأعيان الثابتة في علمه أزلاً.
    أما الذي عليه أهل السنة والجماعة في مسألة العلم أن علم المولى سبحانه وتعالى ليس محلاً للصور لما يلزم عليه من الفساد السابق، بل علم الله صفة كاشفة تتعلق بجميع المعلومات سواء كانت واجبات أو مستحيلات أو ممكنات والممكنات التي يريد الله وجودها يخصصها ببعض ما تجوز عليه من المتقابلات وهذه الممكنات قبل تعلق القدرة معدومة لا ثبوت لها ولا تحقق ولا وجود وهنا صح أن نقول ما شمت رائحة الوجود بل وجودها على وفق الإرادة على وفق العلم بصفة القدرة عند الأشعرية أو بصفة التكوين عند الماتريدية.

    ثم القائلون بثبوت الأعيان في العلم الإلهي يقولون بقدم الاستعدادات الممكنة يعني أن ذوات هذه الممكنات في الأزل لها قابلية للشر أو الخير فأنت مثلاً أزلاً لك قابلية لفعل الإيمان وما يلزم عليه من صلاة وصيام وزكاة وغيرها فصلاتك مثلاً لها ثبوت قبل أن تقوم أنت بفعلها ولم تكن عدماً محضاً ثم أنت تظهرها على ما كانت عليه من أزليتها، ويعنون بذلك أن قدرة الله وإرادته لم تتعلق بهذه القابلية لقدمها وإنما تعلقت القدرة بإيجاد الأشياء على حسب القابلية الأزلية وهاهنا باب للإيجاب لأن الله تعالى عن ذلك تعين عليه إيجاد صلاتك مثلاً لما عليه ذاتك أو ماهيتك أزلاً من هذا الاستعداد والقابلية وبالمقابل فإن زيد الشرير إنما شره أزلي لأن ذاته وماهيته شر أزلاً وهنا لا بد من ظهور الشر الأزلي، ولا يمكن أن يظهر منه الخير لأزلية استعداده الشرير، فيلزم على أصل قدم الاستعدادات جبر المكلف أولاً وإيجاب المولى ثانياً بينما حقيقة الأمر أن الله عز وجل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا حاكم عليه ولا موجب.

    وعند أهل السنة والجماعة العلم صفة كاشفة كما ذكرت آنفاً والعلم عندهم تابع للمعلوم فلهذا الكشف الأزلي لزيد الشرير علم الله أنه سيختار الشر ويفعله فخصص الله تعالى له ذلك الشر لعلمه بهذا الوقوع بإرادته وأوجده بقدرته كما قلت لك أي لسبق علم الله عز وجل لكسب زيد الشرير، وعلى هذا لا جبر لزيد لأن العلم صفة كاشفة وليست مؤثرة ولا إيجاب على المولى سبحانه لأن المولى خصص شر زيد بإرادته وليس شره استعداداً أزلياً لا تتعلق به الإرادة بل يحكمها كما يقول من يقول بثبوت الأعيان أزلاً والحق أن الله تعالى هو خالق الاستعدادات والله بصفاته قديم لا قديم سواه جل جلاله وعز سلطانه ولا إله غيره.
    الحمد لله

  12. [align=justify]الأخ الفاضل علي عبد اللطيف بارك الله فيك
    أنت من القلائل الذين أفخر بهم وأسعد عندما أقرأ لهم
    الالتزام بمنهج أهل السنة وعقائدهم منجاة في الآخرة، وهو حبل الله الممدود، خلافا لمن تشبث بما توهمه كشفا إلهيا أو تحقيقا فلسفيا أو تمسكا بما زعمه مدلولا للنصوص الشرعية مما يخالف ما قرره أهل الحق.
    [/align]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  13. جزاك الله خيراً سيدي ومولاي وأستاذي على هذا التشجيع الذي أسعد به كثيراً.
    اللهم أرني وجه الشيخ سعيد بعافية دينه ودنياه...آمين.
    الحمد لله

  14. طيب هذا النص من الفتوحات المكية مخالف لما تقرر من مذهب الشيخ الأكبر وأن مذهبه يؤول إلى الإيجاب:
    قال:
    غير أن الفارق بينك وبين الله في الوزن أن الله يرفع بالمشيئة ويخفض بالمشيئة. وأنت لا أثر لمشيئتك في الوزن، وإنما تَزِنُ لمن ترى الحقَ بيده [من بين المتقاضيين مثلاً]، فأنت صاحب علامة، تعرف صاحب الحق [أي المتقاضي مثلاً] فتزنُ له. والحق [تعالى]صاحب مشيئة. وقد وضعت شرحاً لبعض العبارات بين معقوفات لأن الشيخ يستخدم لفظ "الحق" بمعنيين، فشرحت كلاً منهما في موضعه:

    وهنا سر يخفى عن بعض العارفين: وهو أن المشيئةَ تُعَيِّنُ بالميزان إذا رفعت أو خفضت أن استعدادَ المحل أعطىٰ ذلك، كما أن وجود الحق [مع أحد المتقاضيين] في نفس الأمر أعطى لصاحب العلامة أن يَزِنَ له، لعلمه بأن الحق [أي الحق المقضي به] له؛ كما علم الحق تعالى أن استعداد هذا المحل أعطاه الوزن له.
    ولا أثر للمشيئة في الاستعداد بما هو استعداد، وإنما أثرها في تعيين هذا المحل الخاص لهذا الاستعداد الخاص، إذ يجوز أن يكون لغيره.
    لا يجوز أن تزول حقيقة الاستعداد ولا أن تنقلب، مثلما نقول في علم الطبيعة: إن الحرارة لا تنقلب برودة لكن الحار ينقلب بارداً من جهة كونه محلاً وعيناً لا من كونه حاراً ولا بارداً.
    فالاستعداد الذي هو كذا لا ينقلب للاستعداد الذي هو كذا؛ وإنما المحل القابل لهذا الاستعداد المعين قابلٌ لغيره من الاستعدادات، فالمشيئة خصصته بهذا الاستعداد دون غيره، ما خصصت الاستعداد، فإني رأيت جماعة من أصحابنا غلطوا في هذه المسألة ورأوا أن المشيئة لا أثر لها في هذا المحل لما يعطيه استعداد ذلك المحل إذ لا أثر لها في الاستعداد، والأمر على ما بيناه إن عقلت.
    والمفهوم من الكلام أن التخصيص يقع على المحل لا على الاستعداد، لأن الاستعداد لا تحقق له إلا فيمن قام به.
    والحرارة والبرودة اللذان مثل بهما الشيخ للمسألة عرضان، فلا يقومان بنفسهما، بل يوجدان مع الجواهر التي يقومان بها. فالتخصيص لا يلحق بهما إلا من جهة قيامهما بالجوهر، حتى من حيث الإيجاد، فلا يتخصصان به إلا من جهة قيامهما بالجوهر، فصفة هذا العرض ومقداره مثلاً إنما يلحقهما التخصيص من جهة الجوهر لا من جهة نفسهما. وهما مجعولان قطعاً ولكنهما لا يقومان إلا بالجوهر فالمخصص في الحقيقة هو الجوهر لا العرض.

    وهذا يقال في مثال السواد الذي أورده الشيخ نزار عن الإمام الرازي، فليس التخصيص حقيقة لاحقاً بالسواد بل هو لاحق بما قام به السواد. ووجود السواد ومقداره تابع للجوهر مرتبةً. فالتخصيص لا يلحق بالسواد حقيقة ولكن يلحق بما قام به السواد، وقيام التخصيص بالعرض هو قيام معنى بمعنى وهو محال.

    والاستعدادت في هذا كالأعراض، بل هي أدنى رتبة من الأعراض.

  15. وقفت على اعتراض شيخ الإسلام مصطفى صبري على المكتوب الذي نحن بصدده.

    والاعتراض الأساسي يتعلق بتقسيم الإمام السرهندي الوجود إلى أصل هو مرتبة الذات المحض حيث لا شائبة مغايرة بوجه من الوجوه، ومرتبة الوجود الظلي الذي عرض فيه التفصيل للكمالات المجملة في مرتبة الوجود الأصلي التي هي حينئذ عين الذات، فالذات في مرتبة الوجود الأصلي عالمة بالذات قادرة بالذات ثم يعرض التفصيل لهذه الكمالات في حضرة العلم فتظهر أحكام الصفات. وهذا الوجود هو بالنسبة للأول ظل. والأدق أن يقال: كالظل، إلا أن الكاف من عندي ولكن التشبيه لا حقيقته هو المقصود، وبهذا أرى انحلال اعتراض العلامة صبري في هذه النقطة، إذ عنده صاحب الظل لا يكون له ظل بالاختيار فيلزم من هذا: الإيجاب. وأرى أن الوجود الظلي هنا مجرد اصطلاح ولا يقصد به حقيقة الظل والله أعلم.

    والاعتراض الأهم في نظري هو قول الإمام إن الله تعالى في مرتبة الوجود الأصل هو وجود صرف بسيط محمول بالمواطأة على الذات. فهذا عند الشيخ صبري قول بما قال به الفلاسفة من كون الله تعالى وجوداً محضاً. وهو عنده مفض للقول بوحدة الوجود التي أنكرها الإمام السرهندي. وهذه الجزئية تحديداً لم أستطع تتبع حجته فيها لضيق وقتي حال القرآة.

    ملحوظة لمولانا الشيخ سعيد: كلام العلامة مصطفى صبري هذا ورد في المجلد الثالث من طبعة دار إحياء التراث صفحة 300 وما بعدها.

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •