الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ..
فإن من المسائل العظيمة في الفقه الإسلامي، التي حفظت لهذه الأمة دينها عن مثل تحريف النصارى واليهود وتبديلهم لأحكام شرعيتهم، مسائل أصول الفقه، التي قننت ووضعت الأصول الدقيقة لفهم نصوص الوحيين (الكتاب والسنة) ..
وإن من الأصول الثابتة في هذا الباب حجية إجماع أهل العلم، على مسائل الشريعة وفقهها، ولذا فإن الإجماع كان أحد الثوابت التي تثبت أحكام الشريعة بين المسلمين منذ فجر الإسلام إلى اليوم. فهو بهذا المعنى حفظ للأمة هويتها وكيانها من أن تبدله أيدي أي كان، ومن أن يعبث بها أي عابث ..
ولذا فقد كان من أحد أهداف المدارس المنحرفة عن الدين هدم هذا الأساس، ونقله من مرتبته في أحكام الشريعة يشمل جميع أحكامها، إلى مرتبة المعلوم من الدين بالضرورة فحسب، ثم نقله بعد ذلك من هذه الرتبة أيضاً إلى الإيمان بوجود الله تعالى والإيمان بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقط.
وقد حاول الكثير من الذين يحاولون تطوير أحكام الشريعة الثابتة أن يجهزوا على قيمة هذا الأصل، منذ أن بدأت المدرسة العصرية في القرن الماضي عملها في الجسم العلمي للأمة.
ومع قوة هذا التيار في العقود الماضية، حاول المتبعون لهذه المدرسة سواء عن علم أم جهل- أن يجهزوا على هذا الأصل، فكتب طلابهم ومناصروهم رسائل الماجستير والدكتوراه في هذه المسألة أعني حجية الإجماع-، بذلوا فيها جهد طاقتهم بانتقاء النصوص من أطراف كتب الأصول المشهورة، بقلة تمحيص وبضعف قواعد الفهم والاستنباط، حتى اشتهر لدى المثقفين الاستخفاف بالإجماع، واستغل ذلك العلمانيون الحداثيون للإجهاز على مسائل الشريعة في أبوابه المختلفة..
والكلام في هذا الأمر طويل الذيل، فإن الفتاوى الشاذة التي اشتهرت في زماننا، ومازالت، إنما ظهرت بعد الاستخفاف بهذا الأصل.
ودع عنك تفاصيل المسألة، وأقوال العلماء هنا وهناك، فإن انعقاد الإجماع قد حصل في عصور الإسلام، ولم يلتفت فقهاء المسلمين وعلمائهم إلى شذوذات الشاذين في هذا الباب، سواء في ذلك ما صدر عن بعض الفقهاء، أو ما صدر عن أهل البدع والأهواء .. فحصول الإجماع ليس بالأمر المتوهم، ومسائل الإجماع ثابتة محصورة مبثوثة في مصنفات عامة وخاصة .. وفي الحالات التي ثبت فيها مخالفة من يخالف فإن الأدلة الشرعية الأخرى والقواعد الأصولية كانت في جانب رأي جماهير الفقهاء لا في جانب من خالف رأيهم، والمتتبع لتفاصيل المسائل يدرك ذلك تماماً.
وأحببت في هذا أن أنقل تفسير الإمام البيضاوي لأحد الآيات القرآنية الدالة على حجية الإجماع، لتكون زاداً لطالب العلم، يلزم به حدوده العلمية ..
قال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً):
(ومن يشاقق الرسول) أي يخالفه، من الشّقّ، فإن كلا من المتخلفين في شق غير شق الآخر.
(من بعد ما تبين له الهدى) ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات.
(ويتبع غير سبيل المؤمنين) غير ما هم عليه من اعتقاد وعمل
(نوله ما تولى) نجعله والياً لما تولى من الضلال، ونخلي بينه وبين ما اختاره
(ونصله جهنم) وندخله فيها. وقرئ بفتح النون من صلاه.
والآية تدلُّ على حرمة مخالفة الإجماع؛ لأنه تعالى رتَّب الوعيد الشديد على المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك: إما لحرمة كل واحدٍ منهما، أو أحدهما، أو الجمع بينهما.
والثاني باطل؛ إذ يقبح أن يقال: من شرب الخمر وأكل الخبز استوجب الحد.
وكذا الثالث؛ لأن المشاقة محرمة، ضم إليها غيرها أم لم يضم.
وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرماً، كان اتباع سبيلهم واجباً؛ لأن ترك اتباع سبيلهم ممن عرف سبيلهم اتباع غير سبيلهم.
وقد استقصيت الكلام فيه في مرصاد الأفهام إلى مبادئ الأحكام، انتهى بنصه ..
فإن من المسائل العظيمة في الفقه الإسلامي، التي حفظت لهذه الأمة دينها عن مثل تحريف النصارى واليهود وتبديلهم لأحكام شرعيتهم، مسائل أصول الفقه، التي قننت ووضعت الأصول الدقيقة لفهم نصوص الوحيين (الكتاب والسنة) ..
وإن من الأصول الثابتة في هذا الباب حجية إجماع أهل العلم، على مسائل الشريعة وفقهها، ولذا فإن الإجماع كان أحد الثوابت التي تثبت أحكام الشريعة بين المسلمين منذ فجر الإسلام إلى اليوم. فهو بهذا المعنى حفظ للأمة هويتها وكيانها من أن تبدله أيدي أي كان، ومن أن يعبث بها أي عابث ..
ولذا فقد كان من أحد أهداف المدارس المنحرفة عن الدين هدم هذا الأساس، ونقله من مرتبته في أحكام الشريعة يشمل جميع أحكامها، إلى مرتبة المعلوم من الدين بالضرورة فحسب، ثم نقله بعد ذلك من هذه الرتبة أيضاً إلى الإيمان بوجود الله تعالى والإيمان بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقط.
وقد حاول الكثير من الذين يحاولون تطوير أحكام الشريعة الثابتة أن يجهزوا على قيمة هذا الأصل، منذ أن بدأت المدرسة العصرية في القرن الماضي عملها في الجسم العلمي للأمة.
ومع قوة هذا التيار في العقود الماضية، حاول المتبعون لهذه المدرسة سواء عن علم أم جهل- أن يجهزوا على هذا الأصل، فكتب طلابهم ومناصروهم رسائل الماجستير والدكتوراه في هذه المسألة أعني حجية الإجماع-، بذلوا فيها جهد طاقتهم بانتقاء النصوص من أطراف كتب الأصول المشهورة، بقلة تمحيص وبضعف قواعد الفهم والاستنباط، حتى اشتهر لدى المثقفين الاستخفاف بالإجماع، واستغل ذلك العلمانيون الحداثيون للإجهاز على مسائل الشريعة في أبوابه المختلفة..
والكلام في هذا الأمر طويل الذيل، فإن الفتاوى الشاذة التي اشتهرت في زماننا، ومازالت، إنما ظهرت بعد الاستخفاف بهذا الأصل.
ودع عنك تفاصيل المسألة، وأقوال العلماء هنا وهناك، فإن انعقاد الإجماع قد حصل في عصور الإسلام، ولم يلتفت فقهاء المسلمين وعلمائهم إلى شذوذات الشاذين في هذا الباب، سواء في ذلك ما صدر عن بعض الفقهاء، أو ما صدر عن أهل البدع والأهواء .. فحصول الإجماع ليس بالأمر المتوهم، ومسائل الإجماع ثابتة محصورة مبثوثة في مصنفات عامة وخاصة .. وفي الحالات التي ثبت فيها مخالفة من يخالف فإن الأدلة الشرعية الأخرى والقواعد الأصولية كانت في جانب رأي جماهير الفقهاء لا في جانب من خالف رأيهم، والمتتبع لتفاصيل المسائل يدرك ذلك تماماً.
وأحببت في هذا أن أنقل تفسير الإمام البيضاوي لأحد الآيات القرآنية الدالة على حجية الإجماع، لتكون زاداً لطالب العلم، يلزم به حدوده العلمية ..
قال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً):
(ومن يشاقق الرسول) أي يخالفه، من الشّقّ، فإن كلا من المتخلفين في شق غير شق الآخر.
(من بعد ما تبين له الهدى) ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات.
(ويتبع غير سبيل المؤمنين) غير ما هم عليه من اعتقاد وعمل
(نوله ما تولى) نجعله والياً لما تولى من الضلال، ونخلي بينه وبين ما اختاره
(ونصله جهنم) وندخله فيها. وقرئ بفتح النون من صلاه.
والآية تدلُّ على حرمة مخالفة الإجماع؛ لأنه تعالى رتَّب الوعيد الشديد على المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك: إما لحرمة كل واحدٍ منهما، أو أحدهما، أو الجمع بينهما.
والثاني باطل؛ إذ يقبح أن يقال: من شرب الخمر وأكل الخبز استوجب الحد.
وكذا الثالث؛ لأن المشاقة محرمة، ضم إليها غيرها أم لم يضم.
وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرماً، كان اتباع سبيلهم واجباً؛ لأن ترك اتباع سبيلهم ممن عرف سبيلهم اتباع غير سبيلهم.
وقد استقصيت الكلام فيه في مرصاد الأفهام إلى مبادئ الأحكام، انتهى بنصه ..
تعليق