دلالة آية النساء على حجية الإجماع

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4022

    #1

    دلالة آية النساء على حجية الإجماع

    الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ..

    فإن من المسائل العظيمة في الفقه الإسلامي، التي حفظت لهذه الأمة دينها عن مثل تحريف النصارى واليهود وتبديلهم لأحكام شرعيتهم، مسائل أصول الفقه، التي قننت ووضعت الأصول الدقيقة لفهم نصوص الوحيين (الكتاب والسنة) ..

    وإن من الأصول الثابتة في هذا الباب حجية إجماع أهل العلم، على مسائل الشريعة وفقهها، ولذا فإن الإجماع كان أحد الثوابت التي تثبت أحكام الشريعة بين المسلمين منذ فجر الإسلام إلى اليوم. فهو بهذا المعنى حفظ للأمة هويتها وكيانها من أن تبدله أيدي أي كان، ومن أن يعبث بها أي عابث ..

    ولذا فقد كان من أحد أهداف المدارس المنحرفة عن الدين هدم هذا الأساس، ونقله من مرتبته في أحكام الشريعة يشمل جميع أحكامها، إلى مرتبة المعلوم من الدين بالضرورة فحسب، ثم نقله بعد ذلك من هذه الرتبة أيضاً إلى الإيمان بوجود الله تعالى والإيمان بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقط.

    وقد حاول الكثير من الذين يحاولون تطوير أحكام الشريعة الثابتة أن يجهزوا على قيمة هذا الأصل، منذ أن بدأت المدرسة العصرية في القرن الماضي عملها في الجسم العلمي للأمة.

    ومع قوة هذا التيار في العقود الماضية، حاول المتبعون لهذه المدرسة سواء عن علم أم جهل- أن يجهزوا على هذا الأصل، فكتب طلابهم ومناصروهم رسائل الماجستير والدكتوراه في هذه المسألة أعني حجية الإجماع-، بذلوا فيها جهد طاقتهم بانتقاء النصوص من أطراف كتب الأصول المشهورة، بقلة تمحيص وبضعف قواعد الفهم والاستنباط، حتى اشتهر لدى المثقفين الاستخفاف بالإجماع، واستغل ذلك العلمانيون الحداثيون للإجهاز على مسائل الشريعة في أبوابه المختلفة..

    والكلام في هذا الأمر طويل الذيل، فإن الفتاوى الشاذة التي اشتهرت في زماننا، ومازالت، إنما ظهرت بعد الاستخفاف بهذا الأصل.

    ودع عنك تفاصيل المسألة، وأقوال العلماء هنا وهناك، فإن انعقاد الإجماع قد حصل في عصور الإسلام، ولم يلتفت فقهاء المسلمين وعلمائهم إلى شذوذات الشاذين في هذا الباب، سواء في ذلك ما صدر عن بعض الفقهاء، أو ما صدر عن أهل البدع والأهواء .. فحصول الإجماع ليس بالأمر المتوهم، ومسائل الإجماع ثابتة محصورة مبثوثة في مصنفات عامة وخاصة .. وفي الحالات التي ثبت فيها مخالفة من يخالف فإن الأدلة الشرعية الأخرى والقواعد الأصولية كانت في جانب رأي جماهير الفقهاء لا في جانب من خالف رأيهم، والمتتبع لتفاصيل المسائل يدرك ذلك تماماً.

    وأحببت في هذا أن أنقل تفسير الإمام البيضاوي لأحد الآيات القرآنية الدالة على حجية الإجماع، لتكون زاداً لطالب العلم، يلزم به حدوده العلمية ..

    قال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً):
    (ومن يشاقق الرسول) أي يخالفه، من الشّقّ، فإن كلا من المتخلفين في شق غير شق الآخر.
    (من بعد ما تبين له الهدى) ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات.
    (ويتبع غير سبيل المؤمنين) غير ما هم عليه من اعتقاد وعمل
    (نوله ما تولى) نجعله والياً لما تولى من الضلال، ونخلي بينه وبين ما اختاره
    (ونصله جهنم) وندخله فيها. وقرئ بفتح النون من صلاه.

    والآية تدلُّ على حرمة مخالفة الإجماع؛ لأنه تعالى رتَّب الوعيد الشديد على المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك: إما لحرمة كل واحدٍ منهما، أو أحدهما، أو الجمع بينهما.

    والثاني باطل؛ إذ يقبح أن يقال: من شرب الخمر وأكل الخبز استوجب الحد.

    وكذا الثالث؛ لأن المشاقة محرمة، ضم إليها غيرها أم لم يضم.

    وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرماً، كان اتباع سبيلهم واجباً؛ لأن ترك اتباع سبيلهم ممن عرف سبيلهم اتباع غير سبيلهم.

    وقد استقصيت الكلام فيه في مرصاد الأفهام إلى مبادئ الأحكام، انتهى بنصه ..
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا
  • سعيد فودة
    المشرف العام
    • Jul 2003
    • 2447

    #2
    جزاك الله خيرا أخانا الفاضل الشيخ العامل جلال الجهاني ووفقك الله إلى كل خير
    أنت دائما تبادر إلى كل خير
    وها نحن نقتدي بكم ونورد للإخوة الأفاضل شرحنا على هذا الدليل الذي ذكره الإمام البيضاوي في كتابه منهاج الأصول وهو المتن الشهير في أصول الفقه. فقد كتبت على كتاب الإجماع منه شرحا مزجيا أرجو أن يكون فيه فائدة...

    قلتُ في شرحي لهذا الدليل من كتاب المنهاج:

    فالوجه (الأول أنه تعالى جمع بين مشاقة الرسول) صلى الله عليه وسلم (ومتابعة غير سبيل المؤمنين في الوعيد) فرتب الوعيد على كلِّ واحد منهما، لا بشرط انضمامه إلى الآخر، لأن العطف يستلزم الجمع في الحكم المرتب على المعطوفين، ولا يستلزم الجمعية بينهما وترتيب الحكم عليهما معا إلا بقرينة، والقرينة ههنا تنافي ذلك، لأن مشاقة الرسول عليه الصلاة والسلام وحدها كافية لترتيب الوعيد، فلو فرضنا أن اتباع غير سبيل المسلمين غير كاف وحدَه كذلك، لما كان هناك حاجة لعطفه على مشاقة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وهذا يستلزم أن كلا منهما حجة كافية للدلالة على الحق والصواب من الأحكام الشرعية، وذلك (حيث قال) جلَّ شأنه ({وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً}[النساء115]، فتكون) كلٌّ من مشاقة الرسول عليه الصلاة والسلام ومتابعة غير سبيل المؤمنين (محرمةً) بنصِّ الآية الكريمة، وإذا كانت متباعة غير سبيلهم محرمة (فيجب اتباع سبيلهم إذ لا مخرج عنها) لأنه لا يخرج واحد من المكلفين عن أحد أمرين، إما المتابعة لغير سبيل المؤمنين، أو متابعة سبيلهم، فهذا تقسيم حاصر لأنه متردد بين النفي والإثبات كما ترى، فلا وسط بينهما، فكل ما هو غير سبيل المؤمنين، نتحقق بالضرورة أنه سبيل لهم، فيجب اتباعه على وجهه، لأن النهي إنما وقع على متابعة غير سبيلهم، فإن كان سبيلهم مباحاً فاتباعه يكون على سبيل الإباحة، والحكم عليه بالإباحة لا غير، وإن كان حراما فنتبعه على سبيل التحريم على أنفسنا فنمتنع عنه، ونحكم عليه بالحرمة ولا نقول إنه غير حرام، وإن كان واجبا، فاتباعنا له يكون بلزوم العمل به وعدم تركه، والحكم عليه بالوجوب لا غير، وهكذا.

    (قيل) جواباً عن الاستدلال المذكور: نعم ورد في الآية وعيد، ولكن قد (رُتِّبَ الوعيد) لا على كلٍّ من المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، أي لم يرتب على كل واحد على حدا حتى تقولوا ما قلتموه، بل وقع الترتيب (على الكل) المجموع من الاثنين، فالوعيد لا يتعلق إلا إذا خالف الواحد من المكلفين الرسولَ عليه الصلاة والسلام واتبع غير سبيل المؤمنين معا، أما إذا لم يتحقق منه الجمع بينهما فلا يترتب الوعيد المذكور في الآية عليه.

    (قلنا) في الجواب عن هذا التشكيك والتوجيه للآية الكريمة: يمتنع أن يكون الوعيد المذكور في الآية مترتبا فقط على ارتكاب الأمرين المذكورين وأن يكون مشروطا بالجمع بينهما فقط، فهذا خلاف ظاهر ما يفيده حرف العطف الذي يدل على مطلق الجمع، ولا يفهم ضرورة اشتراط الأول بالثاني لترتيب الحكم عليهما، فالحكم مرتب على كلٍّ حسب ظاهر المستفاد من العطف، وعلى هذا لا يصح أن يقال إن الوعيد مرتب على الجمع بينهما، (بل) هو مرتب (على) ارتكاب (كلِّ واحدٍ) منهما على حدا، وهذا مستلزم بالضرورة كما لا يخفى أن من جمع بينهما فهو متوَعَّدٌ أيضاً، (وإلا) أي لو لم نقل بما قلناه (لغى ذكرُ المخالف) ولم يعد له فائدة، والمراد بالمخالف أي مخالف سبيل المتقين، لأنَّ مَنْ شاقَّ الرسولَ الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام فقط، وإن لم يلاحظ فيه مخالفة سبيل المؤمنين، كفى ذلك في توجيه الوعيد عليه، وترقب العذاب في حقه، فلو لم يكن في ذكر اتباع غير سبيل المؤمنين الفائدة التي ذكرناها، لكان ذكرها لغواً، واللغو في القرآن ممتنع، فوجب القول بما قلناه، لا بما ذكرتموه.

    ولو تأمل الخصم في إيراد السبيل بلفظ المفرد، وإضافته إلى المؤمنين بصيغة الجمع، لعلم منه ما نقول، فإن المؤمنين إن كان لهم عدة سبل فلا تحجير على مخالف إحدى السبل ومتبع بعضها، ولا عذاب يترتب على من ترك بعض سبلهم متبعا لبعضها، أما في حال وحدة السبيل المنسوبة للمؤمنين، فإن الظاهر من مجرد الإضافة اختصاصهم بها، وجعلها علامة عليهم، فتاركها يستحق الوعيد بلا ريب، لأنه اتخذ علامة له لم يقل أحد من المؤمنين بها غيره. وهذا التحليل يصح أيضا، فيما لو خالف جميع سبل المؤمنين التي تفرقوا عليها، فلما انحصرت طرقهم في تلك السبل، فمن اخترع غيرها، فهو مخالف لهم جميعا، وهذا كما لا يخفى متوجه فيما إذا كانت الطريقة المخترعة الجديدة متنافية ومبطلة لما اتفقت عليها الطرق جميعا، أما إن لم تكن مبطلة لما اتفقوا عليه، فلا يتأتى ذلك. وسوف يأتي إيضاح هذه المسألة قريباً إن شاء الله.

    (قيل) إذا شرط للمعطوف عليه شرط، وعطف عليه غيره، فما شرط في المعطوف عليه فهو بعينه شرط في المعطوف أيضا، وها هنا: [تَبَيُّنُ الـهُدَى] هو (الشرط في المعطوف عليه) لقوله تعالى "وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى"، فهذا الشرط بعينه (شرطٌ في المعطوف) فيكون الحاصل، أن مخالفة سبيل المؤمنين لا يترتب عليها الوعيد إلا بعد أن يتبين الهدى فيه، فيكون مشروطا بالهدى لا دالاً عليه، وهذا منافٍ لما تريدونه.

    (قلنا) هناك طريقتان للجواب عن هذا الإشكال:
    الطريقة الأولى أن نقول: (لا) نسلم أنَّ الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف مطلقا، بل إذا ادُّعِيَ ذلك فلا بدَّ أن يُستَدَلَّ عليه، وهذه الدعوى غير مسلمة، ولم توردوا عليها دليلاً، وإذا سلم لنا ذلك، بطل اشتراطكم وانتفى قولكم، فسلم لنا ما بيناه من أن مجرد مخالفة سبيل المؤمنين يترتب عليها الوعيد.

    (و) الطريقة الثانية للجواب أن نقول: (إن سُلِّمَ) ما قلتموه تنزلاً، (لم يضرَّ) ما ذكرناه من البيان، (فـ)ـإنا نقول حينئذٍ (إنَّ الهدى) الذي هو شرط المعطوف عليه، وهو الهدى المذكور في الآية الكريمة هو(دليل التوحيد والنبوة) وهذا مشروط فيما قلناه، فإنا لم نعتبر الإجماع حجة إلا لأمة النبي عليه السلام، وأمة النبي عليه الصلاة والسلام محققة لهذا الهدى، فلزم على ذلك أنَّ إجماعهم حجة أيضا على قولكم بالاشتراط.
    (قيل) سلمنا أنَّ هذا الدليل حجة في اتباع ما أجمع عليه المؤمنون، أي سبيل المؤمنين، ولكنه (لا يوجب تحريم كل ما غاير) حتى يلزم حصر السبيل في الذي أجمعوا عليه ويمنع القول بغيره! فلم لا يقال إنها تقتضي تحريم سبيل معين لغير المؤمنين وهو الكفر، خاصة أن الآية نزلت في المرتدِّ.

    فالقائل وافق ههنا -ولو تنزلاً- على حجية الإجماع طردا، أي إن ما أجمع عليه المؤمنون حقٌّ، ولكنه يناقش في العكس، فيريد أن ينفي حصر الحقِّ فيما أجمعوا عليه، ومن المعلوم أن الإجماع المدَّعى حجيته، يدلُّ على وجوب العمل بما أُجمع عليه، ويدلُّ أيضا على المنع من مخالفته، فالمخالف يريد القدح في الشق الثاني بعد عجزه عن القدح في دلالة الدليل على حجية الإجماع.

    (قلنا) في الجواب عن هذا الإشكال، بل الاحتمال، إن الدليل (يقتضي) ما ذكرناه من المنع من المخالفة، لأنه عامٌّ، وإنما قلنا إنه عام، لأنَّ "سبيل" نكرة مضافة إلى معرف باللام "المؤمنين" والمؤمنين عام بلا ريب، فيستفاد منه عموم المضاف أيضا، وأيضا (لجواز الاستثناء) منه، كأن يقال: لا تتبع غير سبيل المؤمنين إلا سبيل كذا. وجواز الاستثناء دليل العموم.
    وأيضا فلو قلنا إن "سبيل المؤمنين" يراد منها الكفر فقط، دون ما عداه من الأحكام التي يتميز بها المؤمن عن غير المؤمن، لكان في إطلاق اللفظ هنا إجمالٌ، واحتاج إلى مبين، ومخصص، فإنه عامٌّ بأصله كما بينَا، ودعوى أنه عام أريد به الخصوص أو مخصوص بلا دليل، يبقيه مجملاً، ويستلزم التحكم عند حمله على معينٍ، والأصل عدم الإجمال خاصة مع دلالته على العموم، والتحكم مردود.
    ولو التفتنا إلى ترتيب الحكم وهو:"نوله ما تولى، ونصله جهنمَ" على الاسم وهو:"غير سبيل المؤمنين"، فيه دلالة على العموم.

    (قيل) سلمنا أنَّ الوعيد مرتب على مخالفة سبيل المؤمنين، ولكن لم لا يكون (السبيل) المراد هنا هو(دليل الإجماع) لا الإجماع نفسه أو ما أجمعوا عليه؛ فإن الدليل سبيل للمؤمنين أيضا.
    (قلنا) هذا تخصيص لدلالة اللفظ بلا دليل، فإنَّ السبيل يعمُّ جميع ما ذكرتم، فلم قصرتموه على واحد دون غيره، فالدليل سبيل، وما أجمعوا عليه سبيل أيضا، فلم قلتم نقصل لفظ السبيل على دليل الإجماع أي سنده دون نتيجته! فهذا القول لا دليل لكم عليه، ولذلك نقول: (حَمْلُهُ) أي السبيل (على الإِجماعِ أولى) أولى من حمله على دليل الإجماعِ وسندِه فقط، وإنما قلنا بالأولية في ذلك (لـ)ـأجل (عمومه) حينئذ كما بيَّنّا، فإنَّ القول بأنَّ السبيلَ الإجماعُ، يستلزم ضمناً اندراجَ الدليلِ أيضاً، بلا عكسٍ.
    وأيضا فإنَّ أولوية الحمل على الإجماع يؤيدها أنَّ الإجماع يستفيد منه العامة والخاصة، وفي هذا تعميم المنفعة، أمّا حمله على الدليل وحده، فإنما يستفيد منه بحقٍّ المجتهد دون العاميِّ، ففي هذا جهة عموم أيضا.
    ولو قصرنا الحجية في الدليل فقط، لخرج الإجماع عن كونه حجة، ولكن الدليل راجع إلى قول الله تعالى وقول الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة، أما الإجماع فهو هيئة لازمة من اجتماع المؤمنين، حيث جعلها الله تعالى دليلا آخر نتيجة اكتسابهم، ولو قلنا إنَّ السبيل هو الدليل فقط، لبطلت الفائدة في العطف.

    (قيل) إذا دلَّ الدليل على وجوب اتباع المؤمنين، فإنما (يجب اتِّـباعُهُم فيما صاروا به مؤمنين) وهو أصل الإيمان دون ما عداه، ولا يجب اتباعهم في كل شيء أجمعوا عليه سواء أكان من الأصول أم من الفروع.
    (قلنا) إذا سلمنا لكم ما اقترحتموه فـ(ـحينئذ تكون المخالفة) هي عينَ (المشاقة) لأن المشاقة للرسول عليه السلام هي مخالفته في أصل الإيمان، فيلزم التكرار على ذلك، والأصل في القرآن عدم التكرار بل التأسيس والإفادة، فبطل إذن ما ذكرتموه.

    (قيل) لم قلتم إن الإجماع يدلُّ على لزوم الاتباع للمؤمنين، ولم لم تقولوا إن المتوعَّد عليه إنما هو اتباع غير سبيل المؤمنين، فيصح إذن للمكلف أن (يترك الاتباع رأسا) ولا يلزمه اتباع السبيل نفسه.
    ومن الواضح أن هذا مبني على أنّ هناك طرفا ثالثا بين "غير سبيل المؤمنين"، وبين "سبيلهم"، وهذا باطل كما أشرنا إليه أولاً.
    (قلنا) هذا هروب ومغالطة لفظية، فإنَّ (الترك) لسبيل المؤمنين لما كان (غير سبيلهم) الذي اتفقوا عليه، فقد دخل تحت الوعيد المذكور.

    (قيل) لو قلتم إنه يجب اتباع المؤمنين في كلِّ شيء، فلو اتفقوا على أمر مباح، لصار المباح واجبا، وهذا قلب للحقائق، إذن تبين أنه (لا يجب اتباعهم في فعل مباح) وبما أنه لا يجب اتباعهم في بعض الأمور، فلا يجب في جميعها، لأن الدليل يجب طرده، ونقضُه قادح في دلالته.
    (قلنا) هذا الذي ذكرتموه غير لازم مطلقا، فإنَّ اتباع المؤمنين في المباح واجب (كـ)ـوجوب (اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم) فيه، وهذا لا يستلزم قلب حقيقة المباح، غاية الأمر أن الإنسان له أن يفعله وله أن لا يفعله، ولكن لا يجوز أن يقول إنه غير مباح، ففي هذا تكمن المخالفة لسبيل المؤمنين وللرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم.

    (قيل) إذا كان (المجمعون) قد (أثبتوا) الحكمَ الذي حصل الإجماع عليه (بالدليل)، فالواجب القول بأن سبيلهم هو الدليل لا الإجماع عينه، فإذا ثبت ذلك فلا حجة في الإجماع بل في الدليل الذي هو سند الإجماع.
    (قلنا) إذن هناك أمران الأول الدليل الذي اتبعوه قبل حصول الإجماع، والثاني نفس إجماعهم على الحكم، والآية تدلُّ على الاثنين لا على واحد فقط، فكل من الاثنين سبيل للمجمعين، وما يجب الاستدلال به أصالة هو الإجماع لأنه الفائدة الزائدة المذكورة في هذه الآية، فقد(خُصَّ النصُّ)هنا (فيه) أي في صورة الإجماع .

    (قيل) إذا كان السبيل مضافا إلى المؤمنين، وهذا لفظ عام، فيعم إذن (كلّ المؤمنين الموجودين إلى يوم القيامة) فلا يتأتى أن يحصل حجية للإجماع إذن إلا بعد انتهاء الحياة الدنيا، وهذا يستلزم استحالة الاحتجاج بالإجماع.
    (قلنا) هذه الطريقة في فهم دلالة اللفظ العام، ليست سديدة، فليس المراد باللفظ العام متوقفا على وجود أفراده التي لم توجد بعدُ، بل على الأفراد بقيد الوجود، فكلما وجد أفراد تندرج تحته حكم علهيا بما حكم عليه، ولا يتوقف تمام الحكم إلى أن يوجد غيرها من الأفراد التي لم توجد بعد ويمكن أن توجد، فما ذكرتموه غير صحيح إذن (بل) المراد بالمؤمنين المؤمنون الذين تحقق وجودهم (في كل عصر) وهذا مقتضى دلالة العام. وأيضا لو قلنا بما قلتم به من فهم بعيد، للزم على ذلك استحالة العمل بهذه الآية بعد تحقيق دلالتها على ما ذكرناه، ولكن هذا باطل، (لأنَّ المقصود) بالآية (العمل) بها، (و) لكنا نعلم أنه (لا عمل) يكلف به (في يوم القيامة) لأن الكائن في يوم القيامة فما بعده هو الحساب على العمل، ولو قلنا إن حجية الإجماع لا تقوم إلا بعد يوم القيامة، لما أمكن الاحتجاج على البشر في أثناء حياتهم الدنيا، فلزم عدم تكليفهم بما لم تقم عليهم به الحجة.

    وبذلك علم بطلان ما زعموه، فسلم لنا الاستدلال.

    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

    تعليق

    • جلال علي الجهاني
      خادم أهل العلم
      • Jun 2003
      • 4022

      #3
      جزاكم الله خيراً .. وما لدي إنما هو مما تعلمته منكم .. جزاكم الله عني وعن طلاب العلم خيراً .. ووفقكم الله حيثما كنتم وحللتم ..
      إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
      آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



      كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
      حمله من هنا

      تعليق

      • أشرف سهيل
        طالب علم
        • Aug 2006
        • 1845

        #4
        جزاكم الله خيرا شيخنا على هذا الشرح المتين الذي نرجو أن يكون بعض كلٍ مكتمل

        قول سيدنا الشيخ سعيد :
        (( فكل ما هو غير سبيل المؤمنين، نتحقق بالضرورة أنه سبيل لهم ))

        هل من توضيح لهذه العبارة

        سبق قلم :
        (( تندرج تحته حكم علهيا بما حكم عليه ))
        اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

        تعليق

        • أشرف سهيل
          طالب علم
          • Aug 2006
          • 1845

          #5
          الحمد لله
          بعد بعض تأمل اتضح المراد من العبارة ، إذ كنت غافلا عن موقعها في الفقرة ، إذ هي مفرَّعة على كون التقسيم حاصراً دائراً بين النفي والإثبات ...
          ..
          اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

          تعليق

          يعمل...