النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الإختيار السليم للمذهب أفضل من التلفيق

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    بالقاهرة hossamuddin@hotmail.com
    المشاركات
    71

    الإختيار السليم للمذهب أفضل من التلفيق

    الإختيار أفضل أم التلفيق ؟
    الناس فى هذه الأيام (بالنسبة للأخذ بأحكام الدين) على نوعين :
    • عامّى غير متخصص , ضاق وقته و عزمه عن تعلم الأحكام من مصادرها و التمييز بين أصول الاستنباط و أصحابها . فنراه لا يبالى من أى المذاهب يأخذ و لا عمن من أصحابها يقرأ , فاضطر إلى التلفيق بينهم بما يرتاح إليه قلبه, ظناً منه أن هذا هو المعنىّ من الحديثين : "إستفت قلبك" و "إلا اختار أيسرهما" . و هذا معذور رفع عنه الحرج لجهله بأن التوصية الشريفة فى الأول تستلزم صلاح القلب للإفتاء و أن الهدى النبوى فى الثانى هو مخصوص بالمشرّع إن كان فى أحكام الشرع, أو على عمومه إن كان فى أحوال المعيشة . و هذا هو الملفق الأول .
    • أو عالم , يعرف لكل صاحبِ مذهبٍ منهجه . و هو على نوعين :

    1. عالمٌ متحرر , رَأى منزلة نفسه و علمه - هو- فوق منزلة صاحب المذهب , و رأى فى نفسه مجتهداً مطلقاً . و ذلك بأن يرجح (برأيه و علمه و اجتهاده) بين أقوال الأئمة الأربعة و أدلتهم . بل و ربما يخرج عنهم إلى رأى غيرهم , أو إلى رأى نفسه ، و ينشىء على يديه بذلك مذهباً خامساً أو تاسعاً أو عاشراً . . و كأنه أهلٌ لذلك . بل و ربما ابتلى بملفق مثله يرى رأيه أبلغ منه و يسلطه الله عليه و يجعل له الغلبة و يضيع أمر الفتوى على يد الملفقين بعضهم من بعض . و هو الحال الآن .

    ولقد علمنا أنه ما خالف الأئمة الأربعة فهو مخالف للإجماع , حيث صرح فى التحرير : أن الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة لانضباط مذاهبهم و اشتهارهم و كثرة أتباعهم . انتهى . ووجهه : أن المذاهب الأربعة نقلت نقلاً متواتراً فالعمل بمذهب آخر هو عدولٌ عن الموثوق به إلى ما يحتمل . (زواهر القلائد). انتهى . - و من ثم فهو الملفق الثانى .

    2. و عالمٌ ذو أدبٍ , يعرف و يدرك بقلبه : لكل صاحب مذهبٍ : قدره و منزلته . فيختار قول مذهبٍ واحد و يلزم به نفسه , و يفتى به , و لا يجاوزه . و هو على نوعين :

    • مؤدب موفق , أحسن الإختيار . فاختار مذهباً أكثر آرائه راجحة ( أى غالبة نافذة تقنع العقل و لا تغلب بأدلة المخالف) و هو : مذهب أبى حنيفة . فنجا من التُّهم و وجد راحة يسر الدين الحنيف و سماحته و وسطيته و أمنه بين الحاكم و الرعية . وجد ذلك ثمرة منهج محكم وضعه الإمام الأعظم للإستنباط . فجاءت الأحكام التكليفية فى ذلك المذهب فى العبادات و المعاملات و العقائد موافقةً لما أوصانا بهذا الله تعالى فى الآية : "يريد الله بكم اليسر" و فى الحديث الشريف فى أقواله عليه الصلاة و السلام : " أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة" و "خير الأمور الوسط" .
    • و مؤدب متورط , أساء الإختيار . فتورط و اختار مذهباً أغلب آرائه مرجوحة ( أى مغلوبة ضعيفة يسهل الرد عليها من المخالف و لا يتقبلها العقل و لا يمكن تطبيقها و الإعتماد على نتائجها) . و هو على نوعين :

    1. متورط صـادق , رجع عن سوء اختياره و ذهب للصواب بعد أن عرفه فغيّر مذهبه و مصدر علمه بلا مكابرة .
    2. و متورط ظالم , لنفسه و لغيره , يتقلب فى التلفيق لكن خفاءً و مغالطةً و معاندةً , و يدّعى أمام نفسه و أمام الناس أنه شافعىٌّ أو مالكىٌّ أو حنبلىٌّ . و هو فى الحقيقة لا يطيق أن يلتزم بواحد من هؤلاء . فهو الملفق الثالث .



    و إلى كل ملفقٍ من الثلاثة نقول :

    مع أنك لا تخلط بين شريعتين (أى ديانتين : أى تختار الإسلام مع علمك بأديان أخرى تبدو أسهل فى بعض أحكامها) و لا تخلط بين عقيدتين (أى تختار أن تكون من أهل السنة مع علمك أن الشيعة أباحوا و يسروا بعض الأحكام) و لا تخلط بين قراءتين للقرآن فتتلو فى بيتك تعبداً على حفص مثلاً (إلا أن يكون لنشر العلم) و لا تخلط بين جامعتين فى أثناء تلقى العلم و الإجازاة و العالمية . بل و لا تخلط بين لحمين فى طعامك حال قنوعك و لا بين شرابين إن كنت ضيفا أو مضيفاً . فكيف بدا لك أن تخلط بين مذهبين للعبادة أو المعاملة أو الإفتاء فيهما ؟

    o أما علمت أنهم اختلفوا فى أصول الإستنباط : كقبول الرواة جرحا و تعديلاً , و منهج الترجيح بين الروايتين المتعارضتين , و فى تعريف الحديث المرسل و العمل به , و فى تعريف فعل الأمر و النهى و أحكامهما , و فى حكم عموم النكرة و عموم المجاز و عموم المشترك و عموم المقتضى , و فى حمل المطلق على المقيَّد , و فى حكم القِران فى النَّظم , و فى شروط قبول أخبار الآحاد و العمل به , و فى شروط الطَّعن و أنواعه , و فى عمل التَّعليق بالشرط و الإستثناء و أنواعهما , و فى شروط القياس و الإستصحاب ...

    o أما علمت أنهم اختلفوا فى الأحكام المبنية على هذه الأصول : اختلافاً بيِّناً : فى أمور مصيرية كقطع يدٍ , أو رجم , أو منع من الميراث , أو تحديد مستحقى الوصية , أو حق الشفعة فى الدار , أو إبطال بعض العقود من بيع أو نكاح , أو إيقاع طلاق أو يمين , أو قبول الشهادة عند القاضى ...

    ثم بعد ذلك تأخذ بنتيجة واحدٍ منهم فى مرة و بالآخر فى مرة ؟ فكأنك لا منهج لك إلا هوى نفسك : تيسيرا عند الضعف و تشديداً عند العزيمة . و تتخبط فى الدين المتين بهواك و تحبط علم الأكابر , الذين أوصانا باتباعهم رسول الله صلى الله عليه و سلم لما قال : "إنما يؤخذ العلم من الأكابر" و تراضى نفسك بأن تقول (بالغلط) : إنهم ما اختلفوا إلا فى أشياء بسيطة .

    فإن كنت بعد كلامى هذا قد عزمت على ترك التلفيق : فعليك بالتأنّى و أنت تختار , لكيلا تتورط و يصعب عليك الرجوع إلى الصواب عنداً أو حسداً (من عند أنفسهم كما حكى لنا القرآن) . و يكون علمك الذى حملت حينئذ بلاءً عليك لأنه يصعب عليك الإنصاف أو الرجوع إلى الصواب أو تتمادى فى تشدد أو تعنّت فيلتحق بك الشين.

    فالإختيار الحسن لا شك أفضل و أنجى من التلفيق . . انتهى .

    و إذا وجدت عند المذهب الحنفى مسألة معضلة أُشكِلَ عليك ظاهرُها بما يفسد عليك الإختيار و يدخل الريب فى صدرك أنك أمام كلام غير مقنع و يدفع بك ثانيةً إلى ظلمات التلفيق , ,
    فارجع إلى فقيهٍ حنفىٍّ مخلص للحق و منصف للصواب و يحسن كشف المسائل بأدلتها .

    فلقد قال شدّاد بن حكيم (رواه عنه نصير بن يحيى) لسائله : (إن كنت ممن يختار فاختر , و إن لم تكن تختار : فرأىُ أبى حنيفة هو أنجى لك)
    و قال عنه يزيد بن هارون (و هو من هو عند أهل الحديث الشريف) : (و الفقه صناعته و صناعة أصحابه و الفرائض , كأنهم خلقوا لها)
    و قال سفيان بن عيينة : (من أراد الفقه : فالكوفة , و يلزم أصحاب أبى حنيفة)

    قال داوود الطائى عن فقه أبى حنيفة : (ذلك نجم يهتدى به السارى , و علم تقبله قلوب المؤمنين , فكل علمٍ ليس من علمه فهو بلاءٌ على حامله)
    و قال عبد الله بن المبارك (و هو من هو عند أهل الحديث الشريف):(فمن ابتغى العلم فى غير طريق أبى حنيفة فقد ضل)

    و قال سفيان الثورى : (إنه ليكشف لك من العلم عن شئ كلنا عنه غافل) و كان يقدمه و يمشى خلفه
    و قال : (إن الذى يخالف أبا حنيفة يحتاج لأن يكون أعلى منه قدراً و أوفر منه علماً و بعيد ما يوجد ذلك

    و قال وكيع بن الجراح (شيخ الشافعىّ) : (فمن كان أصحابه و جلساؤه هؤلاء (1) كيف يخطىء و هو بينهم)

    و قال مالك : (لقد وفق له الفقه حتى ما عليه فيه كبير مؤنة)
    و قال الشافعىّ : (لم يتبحر فى الفقه : من لم ينظر فى كتب أبى حنيفة)

    و قال يحيى بن سعيد القطان (إمام الجرح و التعديل) : (إن أبا حنيفة و الله لأعلمُ هذه الأمة بما جاء عن الله و رسوله)

    و قال مسعر بن كدام : (من جعل أبا حنيفة بينه و بين الله : رجوت ألا يخاف و لا يكون فرط فى الإحتياط لنفسه) .
    و قال عبد الله بن داوود الخريبى : (من أراد أن يخرج من ذل العمى و الجهل و يجد لذة الفقه فلينظر فى كتاب أبى حنيفة)


    و الحاصلة : أن الناس أغلبهم عوامّ (و بالتالى معذورون كما ذكرنا فى أول الكلام) و لكن تقع الكارثة إذا ساد عليهم ملفق يفرض عليهم سوء اختياره (سواء بقصدٍ : من ظلم أو طمع ، أو بغير قصدٍ : كسوء الإلهام). قال تعالى " و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً "
    و تكون النتيجة أن العوامّ – بفطرتهم – يفقدون الثقة فيما يسمّيه لهم سادتهم و علماؤهم ( الملفقون ) من صواب أو حق أو نظام ، لأنهم يشعرون أنه رأى مرجوح و لا يمكن العمل به ، فيتعمدون الهمجية فيما بينهم و يستسيغون العصيان.

    أمثلة و تطبيق:
    o عسكرى المرور : لو أساء الإختيار بين من يسير و من يقف ، تنتج أزمة مرورية ، ثم يستهينون بوجوده
    o المدير : لو أساء اختيار أصحاب المهمات و التكليفات و النفقات ، ينتج تمرد و استهانة
    o العالم (الشرعىّ) : لو أساء الإختيار بين أصحاب المذاهب الأربعة ، ينتج الخروج عن تعاليم الدين سراً أو جهراً و تفضيل للعلمانية . . . إلخ

    إنها دعوةٌ عامة : نرجو فيها كل عالم أو من له سلطان على ذلك العالم أن يحسن الإختيار و المتابعة حتى يرفع عنا غياهب الهمجية و العصيان و التمرد الذى تفشى فينا جليّاً واضحاً .

    حسام الدين حمدى ( الحنفى – بلا تخاليط ) .














    (1) أصل الكلام أن رجلاً قال: أخطأ أبو حنيفة . فقال وكيع : و كيف يقدر أبو حنيفة أن يخطىء و معه مثل أبى يوسف و محمد بن الحسن و زفر فى قياسهم، و مثل يحيى بن زكريا بن أبى زائدة و حفص بن غياث و حبان و مندل ابنى على فى حفظهم للحديث و مثل القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود فى معرفته بالنحو و مثل داوود الطائى و الفضل بن عياض فى زهدهما و عبد الله بن المبارك فى معرفته بالتفسير و الحديث و التواريخ . كيف يخطىء و هو بينهم و كل منهم يثنى عليه ؟ لو أخطأ لردوه إلى الصواب .

  2. جزاك الله خيرا سيدي
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •