أخي الكريم
الرياضيات المعروفة اليوم جمعت عدداً من العلوم التي كانت معروفة في الماضي كالحساب والجبر والهندسة وغير ذلك وزادت عليها علوماً كثيرة منها التفاضل والتكامل والتوبولوجيا والإحصاء والاحتمالات وغير ذلك كثير. إن موضوعها اليوم واسع جداً والقول إن الكمّ -بقسميه المنفصل والمتصل الذي كان موضوع العلوم التي القديمة التي اندمجت اليوم في الرياضيات- ما زال هو موضوع الرياضيات دعوى لا بد من النظر فيها لإثباتها، لا سيّما أن مفهوم العدد نفسه باعتباره كماً منفصلاً صار أوسع بكثير مما كان عليه في الماضي، ولعلنا نحتاج إلى إعادة تعريف الكم كمصطلح خاص بالرياضيات ليتناول مباحث الرياضيات التخيلية الكثيرة ومباحث اللانهايات وغيرها. ما أنبه عليه هنا هو ضرورة بيان موضوع الرياضيات أعني ما تبحث الرياضيات عن عوارضه الذاتية، وبيان جهات الوحدة الذاتية والعرضية التي تنظم عقد المسائل الرياضية وتجمعها في علم واحد تميّزه عن غيره. وخاصة مع وجود هذا التداخل الهائل بين العلوم اليوم.
وهنالك جدل كبير دار طيلة القرن الماضي وما زال دائراً حول طبيعة العلاقة بين الرياضيات والمنطق، فمن قائل بالانفصال بينهما إلى قائل بانبناء الرياضيات على قواعد المنطق الكلية، إلى قائل بأن الرياضيات هي عين المنطق كما ينقل عن بيرتراند راسل. هذا الخلاف رافق محاولات واضحة لتوسيع موضوع الرياضيات كما ينقل عن بعض الرياضيين والمناطقة قوله (ليس من جوهر الرياضيات البحث في العدد والكم).
ما أستطيع أن أقطع به هو أنه لا غنى للرياضيات عن المنطق على الأقل في جميع مراحل البرهان على النظريات الرياضية واستنباط القوانين وتعميمها.
وفي القرن الماضي أدخلت بحوث منطقية مختلفة سواء من المنطق القديم (كالبرهان المباشر وغير المباشر مثلاً) وبحوث من المنطق الحديث كالمنطق الرمزي أو ما يعرف بالمنطق الرياضي. وصارت تدرس كمباحث في الرياضيات المعاصرة.
وما يسمى بالمنطق الرياضي أو الرمزي، الذي أسس له رياضيون ومناطقة من أمثال بيرس وفين وبوول وديمورغان وطوره وزاد في بحوثه وتطبيقاته كثيرون لاحقاً إلى هذا اليوم، انبنى عليه علوم الجبر المنطقي وبحوث العمليات والتصميم المنطقي وتحليل النظم وغير ذلك مما شكل ركيزة أساسية للتقدم الإلكتروني والمعلوماتي والتكنولوجي الهائل الذي نشهده اليوم. حتى لقد أضحت الحواسيب والتطبيقات المحوسبة آلات قياسية واستكشافية وأنظمة محاكاة... إلخ آلات لا يستغنى عنها في تحصيل العلوم الطبيعية والكونية وحتى الإنسانية.
أقول إن استعمال الدراسات المنطقية الحديثة للمنطق القديم أو ما يسمى اليوم (بالمنطق الكلاسيكي) واعتمادها عليه وكذلك أن المنطق هو أساس الرياضيات الحديثة وأنها قائمة عليه هو مما لا شكّ فيه عندي.
واستعمال الرموز في الرياضيات والمنطق الرمزي للتعبير عن قيم متغيّرة أو ثابتة، وتسهيل تركيب القياسات منها، والدمج بين الجبر والمنطق فيما يسمى بالجبر البوليني أو المنطقي، واستعمال الجداول والمجموعات لتسهيل حلّ تلك المعادلات، واستعمال المجموعات والرسوم لتمثيل العلاقات المنطقية... إلخ بل والبرهان المستعمل في إثبات النظريات الرياضية، كلّ ذلك وغيره إما أنه موجود بمادته وصورته في المنطق الصوري أو أن أصوله موجودة فيه. بل إن جداول الحقيقة أو جداول الخطأ والصواب المنسوبة إلى ك. س. بيرس أو تيجنشتاين اكتشف مؤخراً أنها كانت معروفة عند عند بعض الفلاسفة مثل فيلو، وديودوراس كروناس من مدرسة الفلاسفة الميغاريين التي أسسها إقليدس ميغارا في القرن الرابع قبل الميلاد وهو أحد تلاميذ سقراط وهو غير إقليدس الإسكندرية أبو الهندسة المعروف وقد عاش قبله بنحو قرن.
وأقول لا ننكر أنّ هنالك تطورات حدثت، ولكنها في أغلبها تقنيات فنيّة وتطبيقات واكتشافات كان لها فوائد نظرية وعملية كثيرة وهي لا تتعارض مع نفس المنطق. لا بل هي قائمة عليه متفرعة عن كلياته. هذا وإنه ليكتنف الكلام عن منطق الإسلاميين خاصة بل ومنطق أرسطو الكثير من الظلم وسوء الفهم والاتهامات غير الصحيحة مما يدور بين (المثقفين) ويؤخذ مسلماً تقليداً من واحد لآخر إلا من رحم الله فاطلع فأنصف. وسبب كثير من الأحكام المتعسفة على منطق الإسلاميين هو عدم الاطلاع عليه بقدر كاف والاعتقاد بأن الإسلاميين أخذوا منطقهم عن منطق أرسطو كما هو ولم ينقدوه ولم يضيفوا له شيئاً، وأن المنطق مجرد صور وقوالب فارغة من المضامين وأنه نوع من التلاعب بالكلام يمكن لكائن من كان استعماله لبلوغ نتائج متناقضة بشأن مطلوب واحد، وأنه مستورد من أمة وثنية بثّت فيه معتقداتها الفاسدة، والانبهار بالاكتشافات والاختراعات العلمية وتطبيقاتها التقنية عند الغرب...إلخ ذلك من الأسباب المعرفية والنفسية والآيديولوجية والأحكام المبنية على تصورات خاطئة لما هو المنطق عامّة وأي شيء هو عند المسلمين على وجه الخصوص. على أنّ البحث عن مواد القضايا لا عن صورها المنتجة فقط لهو من أهم البحوث التي حققها الإسلاميون خلافاً لمن ثار على المنطق وأزرى عليه ظنّاً منه أن المنطق صوري شكلي لم يعتن بمادة الفكر. بل لقد كان منطق أرسطو أيضاً باحثاً في مواد القضايا.
أما المنطق عند الغرب فقد مرّ بعدة أطوار بدءاً من الاعتداد بمنطق أرسطو كما هو، مروراً بنقده نقوداً تفاوتت في شدتها نشأ عنها نظرات جديدة في المنطق ونظرية المعرفة بعضها مقبول وبعضها مرفوض في نظرنا، من ذلك مثلاً إنكار وجود حقائق مطلقة والحكم على كلّ شيء بالنسبية وأنّه لا مصدر للمعرفة إلا التجربة كما هو ماثل في آراء جماعة فينا أصحاب التجريبية المنطقية أو الوضعية المنطقية، ومثل رفض القياس الكليّ باعتباره سبيلاً إلى العلم اليقيني، وظهور ما يسمّى بالمنطق الإسمي القائم على استقراء الجزئيات...إلخ.
ولعل أعظم ما أنتجه الغرب فيما يسمى بالمنطق الحديث هو المنطق الرمزي أو الرياضي، وما نشهده من تطور هائل في مجال المعلوماتية والاتصالات والكمبيوتر والتقنيات عامة في جميع مجالات الحياة فقد ساهم فيه المنطق الرمزي مساهمة كبيرة عند تطبيقه فيما يسمى التصميم المنطقي أعني تصميم الدوائر الإلكترونية المحتوية على البوابات المنطقية فيما يسمى بالدوائر المتكاملة (ic)، وفي نظري إن أصول الترميز وإعمال قوانين الجبر فيها وتشكيل المعادلات وحلها بالجداول وبقوانين المجموعات أقول أصول ذلك عرفها المسلمون ووجد في كتبهم تطبيقات لبعضها. فالجبر اكتشفه الخوارزمي والترميز كان شائعاً مستعملاً، وحلّ المعادلات الجبرية كان معروفاً. أقول مرة أخرى لا ننكر التطورات النظرية والعملية التي ظهرت في الغرب، ولا القوانين التي اكتشفت في هذا الشأن ولكننا لا نعتقد أنّ هنالك تعارضاً وتناقضاً بين المنطق الإسلامي خاصة وأي من البحوث المنطقية الصحيحة التي ظهرت في الغرب. بل إنه بالإمكان ردّ تلك البحوث إلى أصولها في منطقنا، وبيان أن تلك البحوث هي تفصيلات وتطبيقات مبنية على أسس منطقنا الكلية ولا تتعارض معه.
والحديث عن المنطق الحديث طويل جداً لا يمكن استيعابه في هذه السطور، وليس جميع مقالات الغرب في نظرية المعرفة خاصة مقبول عندنا. فلا بدّ أن يستعرض تاريخه ليلم الباحث بالنظرات الجديدة فيه إلماماً إجمالياً أولاً، ولا بدّ أن تبين الأصول التي قامت عليها تلك النظرات. ثم لا بد من عقد مقارنات فيما بين تلك النظرات من جهة، وما بين تلك النظرات ومنطقنا الإسلامي وإبراز ما في تاريخنا المنطقي من كنوز. فإن منطقنا لا يكاد يشار إليه عند الحديث عن تاريخ المنطق، وهو من العجب العجاب! ثم أخيراً لا بد من استيفاء نقد البحوث المنطقية الحديثة ليظهر ما يمكن أن يقبل منها، وما لا يمكن، وما يمكن أن يقبل بعد إعادة تأسيسه على أصولنا المعرفية والفكرية. وهذا بحد ذاته عمل يستغرق وقتاً ليس بالهين بل يحتاج إلى سنوات. ونحن إن شاء الله تعالى شارعون في هذا الأمر، لأنه أمر لا بدّ منه، وفكرنا الإسلاميّ كان وما زال حيّاً متفاعلاً مع الحضارات الأخرى ولا يقبل أو يرد شيئاً من نتائج أفكارهم إلا بعد البحث فيه وتمحيصه ونقده، فكما استوفى علماؤنا في الماضي نقد منطق اليونان والهند وفارس وفلسفاتهم واستخلصوا منطقنا الإسلامي بعد إعادة تأسيسه على أصولنا المعرفية والاعتقادية العلمية. فواجبنا اليوم أن نعيد هذه العملية مع المنطق الحديث والفلسفات المعاصرة وننقد ذلك كله لفصل غثه عن سمينه، بياناً لها وبياناً لمنطقنا وأصولنا ثم اتخاذ موقفنا من ذلك كله. والله تعالى الموفق لما فيه الخير.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين