نقل أخونا الأستاذ الفاضل نزار بن علي قال: قال الشيخ قاراباغي في حاشيته على شرح الجلال الدواني على العقائد العضدية، مقررا هذه الشبهة ودافعا لها:
واعترض بأنا لا نسلم أن الخلو عن صفة الكمال نقص، وإنما يكون نقصا لو لم يكن حال الخلو متصفا بكمال يكون زواله شرطا لحدوث هذا الكمال، وذلك بأن يتصف دائما بنوع كمال يتعاقب أفراده بغير بداية ونهاية، ويكون حصول كمال لاحق مشروطا بزوال السابق على ما ذكره الحكماء في حركات الأفلاك، والخلوّ عن كل فرد يكون شرطا لحصول كمال، بل لاستمرار كمالات غير متناهية فلا يكون نقصا، ولا يلزم قدم حادث ولا حدوث الواجب.
أقول: الجواب بأنه متصف بكمال آخر قبل هذا الكمال لا ينفع في الاتصاف بالبعض والخلو عن كمال لأن الكلام في هذا الحادث مثلا، فإنه إما كمال فيلزم الاتصاف به في جميع الأوقات، أو نقص فيلزم أن لا يتصف به الآن أيضا. بل على تقدير كماليته يجب أن لا يكون مشروطا بزوال كمال آخر، بل يصح أن يكون مجتمعا مع الآخر، ويجتمع مع لأن استحالة الاجتماع تستلزم خلوّ ذات الواجب عن صفة كمال.
توضيحه أن يكون كل كمال مشروطا بزوال كمال قبله لا يخرج الكمال اللاحق عن كونه كمالا حال وجود الكمال الأول نظرا إلى ذات الواجب والكمال اللاحق، وكون عدمه نقصا بالنظر إلى ذاتهما، وهو ظاهر وإلا لزم الانقلاب لاتصاف الواجب به في وقت ثان، فإن الممتنع بالنظر إلى ذات الشيء لا يكون ممكنا بسبب شيء، فالكمال ليس إلا نفسه، لا هو مع وصف الحدوث أو المسبوقية، غايته أن الكمال اللاحق لما كان مشروطا بزوال الكمال السابق لم يمكن أن يجامعه لانتفاء جزء علته التامة وهو عدم الكمال السابق المتقدم لانتفائها، فيكون مثله كمثل أن يكون لشخص مطلوبان محبوبان لا يجتمعان، فيضطر ذلك الشخص عند اختيار أحدهما إلى ترك الآخر، لا أنه لا يحبه وليس مطلوبا له، بل بضرورة امتناع الاجتماع يختار واحدا ويترك آخر، وحاشاه تعالى عن أمثال ذلك ومما يوهم الاضطرار. اهـ (مخ/ ص55)
وقد وجه الأخ العزيز أحمد محمود علي إشكالا بناء على هذا النقل، طلب الإجابة عنه، وتقريره كما يأتي:
قال الأخ أحمد: الإشكال مرة أخرى:
(( لماذا لا يكون طريان الوجود والعدم على الصفة المتجددة هو بحسب مقتضى الكمال، فيقال مثلا الصفة الآن طرأ عليها العدم لأن في بقائها نقص، ثم طرأ عليها الوجود في آن آخر لأن في فقدها حينئذ نقص، فوجودها كمال في وقته، وعدمها كمال في وقته، وإنما يكون النقص في دوام وجودها أو دوام عدمها.
ووجود صفات من هذا القبيل متصور بشكل عام، وحينئذ فلا يُسئل عن التغير الحاصل عنها هل زاد الكمال أم نقص منه؛ لأن التغير لم يزد شيئا في الكمال أو ينقصه، وإنما هو من مقتضيات الكمال، فالكمال هو المؤثر في حصول التغير، وليس التغير هو المؤثر في حصول الكمال )).
أقول:
هذا التقرير ففي غاية النفع والإفادة، كذا الإشكال الوارد على لسان الأخ الفاضل، وسنحاول أن نعيد توضيحه والإجابة عنهما بنوع تفصيل، كما يأتي:
الجواب:الحمد لله
إنَّ الإله ثبت له وجوب الاتصاف بالصفات الكمالية، ووجب تنزهه عن صفات النقص، فكل صفة كمال فإنها يجب أن تثبت لله تعالى، وكل صفة نقص فإنها يجب أن تنفى عنه جل شأنه.
هذه المقدمة لا ينبغي أن يختلف عليها اثنان من عقلاء المسلمين.
ولكن الوهم قد يكون دافعا ، والهوى قد يكون مرجِّحاً لمخالفة هذه المقدمة، كما سنبين.
إذا قلنا: إن صفة واجبة لله تعالى، فإما أن يكون هذا الوجوب وجوبا لذات الواجب، أو لا لذات الواجب، أي لإرادته أو لترجيح مرجح آخر غير الواجب.
فإن كانت الصفة واجبة لذات الواجب، فيستحيل عقلا أن تتغير ويستحيل عقلا أن تنعدم أو تزول عنه جل شأنه ليتصف بصفة أخرى، تقوم محلها. وذلك لأن الواجب للذات يبقى واجبا ما بقيت الذات واجبة، والذات واجبة بالضرورة، ووجوبها لا يزول، لأن في ذلك قدحا في وجوب وجود الإله جل شأنه. فإن قلنا إن الصفة واجبة للذات، فإن ذلك يستلزم بالضرورة عدم إمكان انعدامها وزوالها عن الذات.
وهذه هي قاعدة أهل السنة، فما اتصف الله تعالى به من صفات وجودية استحالة زواله عنه، واستحالة عدمه، وهذا هو المقصود باستحالة اتصاف الله تعالى بالحوادث سواء فرضت كمالا أو نقصا. فالحادث لعين كونه حادثا من المحال أن يتصف به الله تعالى كما سنبين لاحقا. فإذا كان الحادث المراد نقصا، انضم إلى كونه حادثا كونه نقصا فكل من هذين الوصفين كافٍ وحدَه لانتفاء اتصاف الله تعالى به، فكيف لو اجتمعا؟
وإن أخذنا في حسباننا الاحتمال الثاني، وهو كون تلك الصفة يجب الاتصاف بها لا للذات بل لغير الذات، كأن يكون المرجح والموجب للاتصاف بها الإرادة، سواء أكانت الإرادة الإرادة الإلهية أو غيرها. فهذا معناه، أن نسبة تلك الصفة للذات الإلهية غير واجبة لمحض النظر للذات والصفة، بل إنه قد يجب أي يثبت في الواقع لغير الذات ولغير الصفة، فتكون الإرادة مرجحة لانتساب الصفة أو قيامها بالذات الإلهية، فتكون تلك النسبة في نفسها ممكنة، وإلا لو كانت واجبة أو محالة، لامتنع تعلق الإرادة الإلهية بها. ولكن لو فرضنا أن تلك النسبة في نفسها ممكنة، للزم أن الإمكان إما أن يكون من طرف الذات، أو من طرف الصفة، أو من الإضافة بينهما. فإن فرضنا الإمكان من طرف الذات فهذا محال لأن الذات واجبة في كل حيثياتها، وطروء الإمكان عليها من حيث كونها ذاتا يقدح في وجوب وجودها. والإضافة لا ثبوت لها بنفسها. وإن فرضنا الإمكان في نفس الصفة، فتلك الصفة لا بد أن تكون حادثة، على مذهب الإسلاميين، لاستحالة قدم ممكن بعينه، عندهم، حتى على مذهب المجسمة كابن تيمية ومن يلحقه.
إذن فينبغي أن تكون تلك الصفة في نفسها ممكنة، والإمكان صفة نقص في ذاته، ولذلك لا يقال على الله تعالى لا ذاتا ولا صفاتٍ.
فالقول إذن بأن صفة معينة حادثة يمكن أن يتصف بها ذات الله تعالى، يستلزم قيام الممكن بالقديم، وهذا يستلزم قابلية الذات من حيث هي ذات للممكن، أي قبول الذات قيامَ الممكن فيها، قيامَ الصفة بالموصوف. ولكنا قد قلنا إن كل ما قام بالذات الإلهية يجب أن يكون كمالا، فإن أجزنا قيام صفة ما حادثة، وكل حادث ممكن، فإنه يلزمنا أن نقول إن كمال الذات الواجبة حصل بالممكن الحادث. وهذا محال في العقل السليم.
فإنَّ توقُّفَ كمال القديم على الممكن الحادث غيرُ متعقَّلٍ أصلا، لا نقول إنه غير متعقل بمعنى إنه غير مفهوم، فإن المحال مفهوم، ولكنه ممتنع، ولكنه غير مقبول بالعقل السليم، لما ذكرنا من أن الذات وجب أن تكون كاملة، ولكن فرض كونها قابلة لصفة ممكنة يقدح في كمالها ووجوبها الذاتي. فالإمكان ينافي الوجوب في الحكم العقلي. فلا يجتمع الإمكان والوجوب في الذات الإلهية.
وهذا المحال لازم خصوصا على من يقول بأن كل ممكن يجب أن يكون حادثاً، ولا يوجد ممكن قديم.
وأيضا، فإن من قال باتصاف الذات الإلهية بصفة حادثة، يلزمه فوق ما مضى كون الذات عارية عن الاتصاف بتلك الصفة قبل وجود تلك الصفة، ولكنه قد فرض أن نسبة الصفة للذات هي نسبة كمال لا نسبة نقص. فيلزمه أن بعض كمالات الله تعالى استحال وجودها له في الأزل، لاستحالة وجود الحادث أزلا.
ومحل الإشكال الذي قد يتحاذق بالتمسك به بعض المتحاذقين، أن تلك الصفة هي كمال في ذلك الوقت، وليست كمالا في وقت قبله. ويعنون بالوقت نسبة متغير إلى متغير.
وها هنا نسألهم:
إذا كان الوقت نسبة متغير إلى متغير، فقد تحصل من قولكم أن كمال الله تعالى موقوف على حصول بعض المتغيرات، والموقوف عليه شرط في حصول الموقوف.
وهذه المتغيرات إما أن تكون كلها تابعة لإرادة الله تعالى بلا توسط مخلوقات، أو تكون بتوسط بعض المخلوقات، كما يقول التيمية المجسمة إن وجود الله تعالى جالسا بمماسة على العرش هو كمال لله تعالى، ولكنه موقوف على وجود العرش الذي لا يكون قديما في نفسه، فيكون كمال ذات الله تعالى باتصافها ببعض الصفات الحادثة الموقوفة على وجود بعض المخلوقات، مشروطا على وجود تلك المخلوقات؟ وهذا قول في غاية القبح، لأن معناه الصريح أن كمال الله تعالى مشروط بوجود المخلوقات، فمعنى ذلك أن الله تعالى يستمد كماله من المخلوقات، ويتوقف كماله عليها، وهذا منافٍ للألوهية منافاة واضحة.
فتوقف كمال الله تعالى على وجود بعض مخلوقاته مناف لكونه إلها.
ولكن بعض ذوي الهوى يحاولون التهرب من هذه الأدلة الواضحة المبينة للحق، بأن يقول: إن اتصاف الله تعالى بتلك الصفة الحادثة لا يتوقف إلا على إرادته نفسه، ولا يتوقف على غيره أبداً. وتوقف كمال الله تعالى على إرادته لا ضير فيه؟
فنقول لهذا المتوهم.
إن الإرادة الإلهية لا تتعلق إلا بالممكنات كما هو واضح، يعني إن الإرادة لا تخصص إلا الممكنات، لا تعلق لها بالواجبات، وكل ممكن فهو فقير في ذاته إلى الواجب، فكيف يمكن أن تتصور الممكن الذي تعلقت به الإرادة الإلهية وهو ممكن فقير في ذاته، كمالا لله تعالى، فكيف يكون الفقير الناقص كمالا للواجب الكامل؟!
إن هذا القول لا يتلبس به إلا كل مخبول منحرف العقل متلبس بالهوى والريب.
ثم إذا قلتم إن الإرادة الإلهية هي التي ترجح اتصافه جل شأنه ببعض الصفات دون بعض، ألا يعني هذا القول الأثيم إن الله تعالى يكمِّل ذاته شيئا فشيئا، وأن كمالات الله تعالى لم تحصل له في الأزل؟ إن القائل بتلك العقيدة الأثيمة لا يمكنه أن يتبرأ من هذا القول الفاسد مهما حاول من تلاعبات.
فيلزم أن بعض الكمالات التي يمكن أن يتصف بها الله تعالى لم يتصف بها بالفعل.
ولذلك فإنهم يهربون من هذه الفضيحة الواضحة إلى القول: بأن الذات لما كانت متصفة ببعض الصفات الحادثة، وكان يستحيل على الذات ما دامت متصفة بتلك الصفة أن تتصف بصفة اخرى حادثة تقوم بعين محل الصفة الأولى.
فإنا نسألهم: ما السبب الذي من اجله قلتم إن الذات لما اتصفت ببعض الصفات الحادثة استحال اتصافها بصفة حادثة أخرى حتى تزول عنها تلك الصفة الأولى. هل السبب يرجع إلى استحالة قبول الذات تلك الصفة الثانية إلا بعد ان تنفك عنها الصفة الأولى، أم ماذا؟
فإنه يستحيل أن تقولوا إن السبب هو أن الصفة الثانية نقص لله لأنكم لو قلتم بذلك، لكفرتم. ولكنكم تتهربون ن هذا الكفر الصريح بأن تتلاعبوا فتقولوا: إن الاتصاف بالثانية ما دامت الأولى غير ممكن. فيكون اتصافه بالثانية متوقفا على زوال اتصاف بالأولى.
فإن كان زوال الأولى أو اتصافه بالثانية غير راجع إلى إرادته المحضة، كفرتم بالله العظيم، لأنكم تقولون عندئذ إن كمال الله تعالى مستمدٌّ من غيره بلا توسط إرادته جل شأنه.
وإن قلتم إن ذلك متوقف على إرادته جل شأنه توجه عليكم السؤال الأول، وهو ما السبب في عدم إرادة الله تعالى أن يتصف بجميع الكمالات التي له في الأزل، ولم اشترطتم زوال الأولى ليتصف بالثانية؟ مع أنها لو كانت كمالا لما لزم إيجاب زوالها. فالكمالات لا تتدافع، ولو فرضنا فيها التدافع، للزم بالضرورة عدم كونها كمالا، وهذه العبارة وحدَها لو تأملها العاقل لكفته في هذا المقام.
إذن لا مهرب لكم إلا التصريح بأن الصفة الثانية تحل في محل الصفة الأولى، ولما كان يستحيل على الذات قبول الصفتين معاً، لاستحالة اجتماع الضدين أو المثلين، كما هو مقرر في علم الكلام، فلذلك قلتم إن الاتصاف بالثانية مشروط بزوال الأولى.
فنسألكم عندئذ: هل كان اتصاف بالأولى كمالا للذات مطلقا أو كان كمالا للذات إلى وقت معين. بمعنى هل يمكن أن يبقى الذات متصفا بالصفة الأولى ويستمر ذلك الاتصاف إلى الأبد، أم إنَّ ذلك في نفسه محال.
إذا قلتم إنه جائز، استحال قولكم بإمكان زواله عن ذات الله تعالى، لأنه حال زواله يكون كمالا لله تعالى مع فرض جواز بقائه، فيلزمكم زوال كمال عن الله تعالى، وهو عين النقص.
وإن قلتم إن بقاء الصفة الأولى محال. فنسألكم لم كان ذلك الأمر محالاً، هل الإحالة راجعة لذات تلك الصفة أم لعدم إمكان قبول الذات بقاء تلك الصفة. إن قلتم برجوع الإحالة إلى ذات تلك الصفة، يلزمكم القول بأنها كانت محالة في الزمان الاول أيضا، لأن بقاء الصفة الوجودية في نفسه ممكن، فإن كان كمالا لذاته، فبقاؤه كمال أيضا، فزواله في ثاني الأوان مخالف لقانون كمال الذات.
وإن قلتم إن تلك الصفة من المحال بقاؤها لأنها عرض، والعرض لا يبقى لذاته، فصرحوا إذن بأن صفات الله التي تثبتونها لذاته عبارة عن أعراض لا تقبل البقاء. فيلزمكم التصريح بما يستحيي منه المجانين، ويلزمكم التشبيه الواضح الصريح. ولن تقدروا على ذلك لجبنكم وحماقتكم التي تدفعكم إلى المعاندة.
وإن قلتم إن الإحالة راجعة إلى ذات الإله، فإنها لا تقبل الاتصاف بجميع الكمالات في نفس الحال! فهذا القول أقبح من صاحبه، وأوضح في البطلان، فكيف تكون الذات الواجبة واجبة وفي الوقت نفسه كاملة كمالا تاما، كما تزعمون وتكذبون على خصومكم، ثم تقولون إنها لا تقبل الاتصاف بجميع كمالاتها في الحال نفسه.
إذن لا يبقى لكم إلا المراوحة بين هذه الاحتمالات الفاسدة.
ولذلك يقولون إن الله تعالى بإرادته يوجد صفاته لنفسه بإرادته. ولكن هيهات لا يسلم لهم أنَّ هذا الأصل الفاسد منسجمٌ مع تنزيه الإله عن النقائص، فكيف يخلق الإله صفاته في ذاته، وهم وإن لم يعبروا عن ذلك بالخلق لزعم كبيرهم الذي علمهم السحر أن الخلق هو إيجاد خارج ذات الله، وأما الإيجاد لصفة في ذات الإله فيطلق عليه إحداث، وعلى موجَد محدَث لا مخلوق، لكي يندفع عنه التشنيع المجمع عليه عند اليلفوالخلق والعقلاء جميعا، باستحالة حلول المخلوق في الخالق والخالق في المخلوق. ولكن من الظاهر عند ذوي العقول أن هذا المهرب لفظيٌّ بحت، لا معنى واءه يُستَندُ إليه. فالمراد بالحادث هو عين حقيقة الماد المخلوق، وكون محل القيام هو الذات أو غير الذات لا يجعل التمايز ذاتيا بين الاثنين، بل هو أمر اعتباري.
ولزيادة بيان ذلك، نسألهم: هل الحركة التي خلقها الله تعالى في ذاته، أو الصوت والحرف المخلوقين في ذاته بإردته كما تزعمون، يمكنه أن يخلقهما في بعض مخلوقاته؟ إن قالوا بالإحالة فهو تحكم بالهوى، فكل صوت يمكن أن يخلقه الله تعالى في بعض مخلوقاته، ونفي ذلك فيه تعجيز لله تعالى وتحديد لقدرته التامة التعلق. وإن أجازوا ذلك لزمهم أن صفات الإله نفسها يجوز أن تكون مماثلة لصفات المخلوقات في حقيقتها، وهو تصريح بالتمثيل في صفات الإله، ويستلزم التمثيل في ذات الإله ذلك التمثيل الذي يزعم ابن تيمية أنه ينفيه عن الله تعالى ويتشبث في بعض مقولاته بأن التشبيه لم يرد نفيه عن السلف ولم يرد نفيه في الكتاب والسنة، وبأن كل موجودين فلا بد من وجود بعض وجوه الشبه بينهما، ونفيُ ذلك نفيٌ للموجود في نفسه. إلى غير ذلك من مغالطاته ودعاويه الباطلة التي يتبجح بها ويتابعه فيها أتباعه الذين تخللت بدعته في نفوسهم.
فالصفة الأولى التي يفترضون أن الله تعالى متصف بها: إن كانت كمالا في نفسها، استحال زوالها عنه، وإن كانت نقصا في نفسها، استحال اتصافه بها. وإن زعموا أنها كمال في وقت دون وقت لزمهم توقف كمال الله تعالى على بعض مخلوقاته، لأن الوقت من مخلوقاته أيضا عندهم، أو هو متوقف على بعض مخلوقاته. وعلى كل حال وتقدير يلزمهم نقص ذات الإله وتوقف مكاله على بعض مخلوقاته. ويستلزم عراء ذاته عن ذلك الكمال أزلاً، ويستلزم عدم كمال الذات لأنها لم تقبل بعض الكمالات في جميع الأوقات. وهذا مؤدٍّ إلى الحكم عليها بالإمكان في نفسها، وما كان كذلك يستحيل كونه إلها واجب الوجود. فإن القبول صفة إمكان لا وجوب، وهو صفة نفسية، لازمة لها، فهي ممكنة لا واجبة إذ كيف تكون واجبة وما تقبله غير متحقق لها بالفعل.
وعلى الجملة فمذهب المجسمة آيل إلى مذهب وحدة الوجود -بصورته الباطلة- بلا ريب وهو المذهب الذي يبالغ التيمية المجسمة في التبرؤ منه، فها هم وقعوا فيه! أو إلى نفي وجود الخالق الواجب الوجود عند المتبحرين بالأدلة! وهم يزعمون أنهم يثبتونه! ويكذبون على الخلق في زعمهم أنهم يثبتون واجب الوجود، فما يعبدونه وما يقولون بإلهيته ما هو إلا ممكن الوجود بنصهم وتصريحهم عند المحاققة كما رأينا. فليس واجب الوجود متصفا بالصفات التي ينسبونها إليه.
وتوجد وجوه كثيرة عندنا بها يظهر فساد قولهم. أرجو أن تكون هذه الكلمات كافية للبيان وإن احتجت إلى زيادة بيان فلا تتردد في السؤال، فإن أمثالك لحقيقون أن نخصص لهم وقتا رجاء الدعاء بالحسنى.
والله الموفق.
واعترض بأنا لا نسلم أن الخلو عن صفة الكمال نقص، وإنما يكون نقصا لو لم يكن حال الخلو متصفا بكمال يكون زواله شرطا لحدوث هذا الكمال، وذلك بأن يتصف دائما بنوع كمال يتعاقب أفراده بغير بداية ونهاية، ويكون حصول كمال لاحق مشروطا بزوال السابق على ما ذكره الحكماء في حركات الأفلاك، والخلوّ عن كل فرد يكون شرطا لحصول كمال، بل لاستمرار كمالات غير متناهية فلا يكون نقصا، ولا يلزم قدم حادث ولا حدوث الواجب.
أقول: الجواب بأنه متصف بكمال آخر قبل هذا الكمال لا ينفع في الاتصاف بالبعض والخلو عن كمال لأن الكلام في هذا الحادث مثلا، فإنه إما كمال فيلزم الاتصاف به في جميع الأوقات، أو نقص فيلزم أن لا يتصف به الآن أيضا. بل على تقدير كماليته يجب أن لا يكون مشروطا بزوال كمال آخر، بل يصح أن يكون مجتمعا مع الآخر، ويجتمع مع لأن استحالة الاجتماع تستلزم خلوّ ذات الواجب عن صفة كمال.
توضيحه أن يكون كل كمال مشروطا بزوال كمال قبله لا يخرج الكمال اللاحق عن كونه كمالا حال وجود الكمال الأول نظرا إلى ذات الواجب والكمال اللاحق، وكون عدمه نقصا بالنظر إلى ذاتهما، وهو ظاهر وإلا لزم الانقلاب لاتصاف الواجب به في وقت ثان، فإن الممتنع بالنظر إلى ذات الشيء لا يكون ممكنا بسبب شيء، فالكمال ليس إلا نفسه، لا هو مع وصف الحدوث أو المسبوقية، غايته أن الكمال اللاحق لما كان مشروطا بزوال الكمال السابق لم يمكن أن يجامعه لانتفاء جزء علته التامة وهو عدم الكمال السابق المتقدم لانتفائها، فيكون مثله كمثل أن يكون لشخص مطلوبان محبوبان لا يجتمعان، فيضطر ذلك الشخص عند اختيار أحدهما إلى ترك الآخر، لا أنه لا يحبه وليس مطلوبا له، بل بضرورة امتناع الاجتماع يختار واحدا ويترك آخر، وحاشاه تعالى عن أمثال ذلك ومما يوهم الاضطرار. اهـ (مخ/ ص55)
وقد وجه الأخ العزيز أحمد محمود علي إشكالا بناء على هذا النقل، طلب الإجابة عنه، وتقريره كما يأتي:
قال الأخ أحمد: الإشكال مرة أخرى:
(( لماذا لا يكون طريان الوجود والعدم على الصفة المتجددة هو بحسب مقتضى الكمال، فيقال مثلا الصفة الآن طرأ عليها العدم لأن في بقائها نقص، ثم طرأ عليها الوجود في آن آخر لأن في فقدها حينئذ نقص، فوجودها كمال في وقته، وعدمها كمال في وقته، وإنما يكون النقص في دوام وجودها أو دوام عدمها.
ووجود صفات من هذا القبيل متصور بشكل عام، وحينئذ فلا يُسئل عن التغير الحاصل عنها هل زاد الكمال أم نقص منه؛ لأن التغير لم يزد شيئا في الكمال أو ينقصه، وإنما هو من مقتضيات الكمال، فالكمال هو المؤثر في حصول التغير، وليس التغير هو المؤثر في حصول الكمال )).
أقول:
هذا التقرير ففي غاية النفع والإفادة، كذا الإشكال الوارد على لسان الأخ الفاضل، وسنحاول أن نعيد توضيحه والإجابة عنهما بنوع تفصيل، كما يأتي:
الجواب:الحمد لله
إنَّ الإله ثبت له وجوب الاتصاف بالصفات الكمالية، ووجب تنزهه عن صفات النقص، فكل صفة كمال فإنها يجب أن تثبت لله تعالى، وكل صفة نقص فإنها يجب أن تنفى عنه جل شأنه.
هذه المقدمة لا ينبغي أن يختلف عليها اثنان من عقلاء المسلمين.
ولكن الوهم قد يكون دافعا ، والهوى قد يكون مرجِّحاً لمخالفة هذه المقدمة، كما سنبين.
إذا قلنا: إن صفة واجبة لله تعالى، فإما أن يكون هذا الوجوب وجوبا لذات الواجب، أو لا لذات الواجب، أي لإرادته أو لترجيح مرجح آخر غير الواجب.
فإن كانت الصفة واجبة لذات الواجب، فيستحيل عقلا أن تتغير ويستحيل عقلا أن تنعدم أو تزول عنه جل شأنه ليتصف بصفة أخرى، تقوم محلها. وذلك لأن الواجب للذات يبقى واجبا ما بقيت الذات واجبة، والذات واجبة بالضرورة، ووجوبها لا يزول، لأن في ذلك قدحا في وجوب وجود الإله جل شأنه. فإن قلنا إن الصفة واجبة للذات، فإن ذلك يستلزم بالضرورة عدم إمكان انعدامها وزوالها عن الذات.
وهذه هي قاعدة أهل السنة، فما اتصف الله تعالى به من صفات وجودية استحالة زواله عنه، واستحالة عدمه، وهذا هو المقصود باستحالة اتصاف الله تعالى بالحوادث سواء فرضت كمالا أو نقصا. فالحادث لعين كونه حادثا من المحال أن يتصف به الله تعالى كما سنبين لاحقا. فإذا كان الحادث المراد نقصا، انضم إلى كونه حادثا كونه نقصا فكل من هذين الوصفين كافٍ وحدَه لانتفاء اتصاف الله تعالى به، فكيف لو اجتمعا؟
وإن أخذنا في حسباننا الاحتمال الثاني، وهو كون تلك الصفة يجب الاتصاف بها لا للذات بل لغير الذات، كأن يكون المرجح والموجب للاتصاف بها الإرادة، سواء أكانت الإرادة الإرادة الإلهية أو غيرها. فهذا معناه، أن نسبة تلك الصفة للذات الإلهية غير واجبة لمحض النظر للذات والصفة، بل إنه قد يجب أي يثبت في الواقع لغير الذات ولغير الصفة، فتكون الإرادة مرجحة لانتساب الصفة أو قيامها بالذات الإلهية، فتكون تلك النسبة في نفسها ممكنة، وإلا لو كانت واجبة أو محالة، لامتنع تعلق الإرادة الإلهية بها. ولكن لو فرضنا أن تلك النسبة في نفسها ممكنة، للزم أن الإمكان إما أن يكون من طرف الذات، أو من طرف الصفة، أو من الإضافة بينهما. فإن فرضنا الإمكان من طرف الذات فهذا محال لأن الذات واجبة في كل حيثياتها، وطروء الإمكان عليها من حيث كونها ذاتا يقدح في وجوب وجودها. والإضافة لا ثبوت لها بنفسها. وإن فرضنا الإمكان في نفس الصفة، فتلك الصفة لا بد أن تكون حادثة، على مذهب الإسلاميين، لاستحالة قدم ممكن بعينه، عندهم، حتى على مذهب المجسمة كابن تيمية ومن يلحقه.
إذن فينبغي أن تكون تلك الصفة في نفسها ممكنة، والإمكان صفة نقص في ذاته، ولذلك لا يقال على الله تعالى لا ذاتا ولا صفاتٍ.
فالقول إذن بأن صفة معينة حادثة يمكن أن يتصف بها ذات الله تعالى، يستلزم قيام الممكن بالقديم، وهذا يستلزم قابلية الذات من حيث هي ذات للممكن، أي قبول الذات قيامَ الممكن فيها، قيامَ الصفة بالموصوف. ولكنا قد قلنا إن كل ما قام بالذات الإلهية يجب أن يكون كمالا، فإن أجزنا قيام صفة ما حادثة، وكل حادث ممكن، فإنه يلزمنا أن نقول إن كمال الذات الواجبة حصل بالممكن الحادث. وهذا محال في العقل السليم.
فإنَّ توقُّفَ كمال القديم على الممكن الحادث غيرُ متعقَّلٍ أصلا، لا نقول إنه غير متعقل بمعنى إنه غير مفهوم، فإن المحال مفهوم، ولكنه ممتنع، ولكنه غير مقبول بالعقل السليم، لما ذكرنا من أن الذات وجب أن تكون كاملة، ولكن فرض كونها قابلة لصفة ممكنة يقدح في كمالها ووجوبها الذاتي. فالإمكان ينافي الوجوب في الحكم العقلي. فلا يجتمع الإمكان والوجوب في الذات الإلهية.
وهذا المحال لازم خصوصا على من يقول بأن كل ممكن يجب أن يكون حادثاً، ولا يوجد ممكن قديم.
وأيضا، فإن من قال باتصاف الذات الإلهية بصفة حادثة، يلزمه فوق ما مضى كون الذات عارية عن الاتصاف بتلك الصفة قبل وجود تلك الصفة، ولكنه قد فرض أن نسبة الصفة للذات هي نسبة كمال لا نسبة نقص. فيلزمه أن بعض كمالات الله تعالى استحال وجودها له في الأزل، لاستحالة وجود الحادث أزلا.
ومحل الإشكال الذي قد يتحاذق بالتمسك به بعض المتحاذقين، أن تلك الصفة هي كمال في ذلك الوقت، وليست كمالا في وقت قبله. ويعنون بالوقت نسبة متغير إلى متغير.
وها هنا نسألهم:
إذا كان الوقت نسبة متغير إلى متغير، فقد تحصل من قولكم أن كمال الله تعالى موقوف على حصول بعض المتغيرات، والموقوف عليه شرط في حصول الموقوف.
وهذه المتغيرات إما أن تكون كلها تابعة لإرادة الله تعالى بلا توسط مخلوقات، أو تكون بتوسط بعض المخلوقات، كما يقول التيمية المجسمة إن وجود الله تعالى جالسا بمماسة على العرش هو كمال لله تعالى، ولكنه موقوف على وجود العرش الذي لا يكون قديما في نفسه، فيكون كمال ذات الله تعالى باتصافها ببعض الصفات الحادثة الموقوفة على وجود بعض المخلوقات، مشروطا على وجود تلك المخلوقات؟ وهذا قول في غاية القبح، لأن معناه الصريح أن كمال الله تعالى مشروط بوجود المخلوقات، فمعنى ذلك أن الله تعالى يستمد كماله من المخلوقات، ويتوقف كماله عليها، وهذا منافٍ للألوهية منافاة واضحة.
فتوقف كمال الله تعالى على وجود بعض مخلوقاته مناف لكونه إلها.
ولكن بعض ذوي الهوى يحاولون التهرب من هذه الأدلة الواضحة المبينة للحق، بأن يقول: إن اتصاف الله تعالى بتلك الصفة الحادثة لا يتوقف إلا على إرادته نفسه، ولا يتوقف على غيره أبداً. وتوقف كمال الله تعالى على إرادته لا ضير فيه؟
فنقول لهذا المتوهم.
إن الإرادة الإلهية لا تتعلق إلا بالممكنات كما هو واضح، يعني إن الإرادة لا تخصص إلا الممكنات، لا تعلق لها بالواجبات، وكل ممكن فهو فقير في ذاته إلى الواجب، فكيف يمكن أن تتصور الممكن الذي تعلقت به الإرادة الإلهية وهو ممكن فقير في ذاته، كمالا لله تعالى، فكيف يكون الفقير الناقص كمالا للواجب الكامل؟!
إن هذا القول لا يتلبس به إلا كل مخبول منحرف العقل متلبس بالهوى والريب.
ثم إذا قلتم إن الإرادة الإلهية هي التي ترجح اتصافه جل شأنه ببعض الصفات دون بعض، ألا يعني هذا القول الأثيم إن الله تعالى يكمِّل ذاته شيئا فشيئا، وأن كمالات الله تعالى لم تحصل له في الأزل؟ إن القائل بتلك العقيدة الأثيمة لا يمكنه أن يتبرأ من هذا القول الفاسد مهما حاول من تلاعبات.
فيلزم أن بعض الكمالات التي يمكن أن يتصف بها الله تعالى لم يتصف بها بالفعل.
ولذلك فإنهم يهربون من هذه الفضيحة الواضحة إلى القول: بأن الذات لما كانت متصفة ببعض الصفات الحادثة، وكان يستحيل على الذات ما دامت متصفة بتلك الصفة أن تتصف بصفة اخرى حادثة تقوم بعين محل الصفة الأولى.
فإنا نسألهم: ما السبب الذي من اجله قلتم إن الذات لما اتصفت ببعض الصفات الحادثة استحال اتصافها بصفة حادثة أخرى حتى تزول عنها تلك الصفة الأولى. هل السبب يرجع إلى استحالة قبول الذات تلك الصفة الثانية إلا بعد ان تنفك عنها الصفة الأولى، أم ماذا؟
فإنه يستحيل أن تقولوا إن السبب هو أن الصفة الثانية نقص لله لأنكم لو قلتم بذلك، لكفرتم. ولكنكم تتهربون ن هذا الكفر الصريح بأن تتلاعبوا فتقولوا: إن الاتصاف بالثانية ما دامت الأولى غير ممكن. فيكون اتصافه بالثانية متوقفا على زوال اتصاف بالأولى.
فإن كان زوال الأولى أو اتصافه بالثانية غير راجع إلى إرادته المحضة، كفرتم بالله العظيم، لأنكم تقولون عندئذ إن كمال الله تعالى مستمدٌّ من غيره بلا توسط إرادته جل شأنه.
وإن قلتم إن ذلك متوقف على إرادته جل شأنه توجه عليكم السؤال الأول، وهو ما السبب في عدم إرادة الله تعالى أن يتصف بجميع الكمالات التي له في الأزل، ولم اشترطتم زوال الأولى ليتصف بالثانية؟ مع أنها لو كانت كمالا لما لزم إيجاب زوالها. فالكمالات لا تتدافع، ولو فرضنا فيها التدافع، للزم بالضرورة عدم كونها كمالا، وهذه العبارة وحدَها لو تأملها العاقل لكفته في هذا المقام.
إذن لا مهرب لكم إلا التصريح بأن الصفة الثانية تحل في محل الصفة الأولى، ولما كان يستحيل على الذات قبول الصفتين معاً، لاستحالة اجتماع الضدين أو المثلين، كما هو مقرر في علم الكلام، فلذلك قلتم إن الاتصاف بالثانية مشروط بزوال الأولى.
فنسألكم عندئذ: هل كان اتصاف بالأولى كمالا للذات مطلقا أو كان كمالا للذات إلى وقت معين. بمعنى هل يمكن أن يبقى الذات متصفا بالصفة الأولى ويستمر ذلك الاتصاف إلى الأبد، أم إنَّ ذلك في نفسه محال.
إذا قلتم إنه جائز، استحال قولكم بإمكان زواله عن ذات الله تعالى، لأنه حال زواله يكون كمالا لله تعالى مع فرض جواز بقائه، فيلزمكم زوال كمال عن الله تعالى، وهو عين النقص.
وإن قلتم إن بقاء الصفة الأولى محال. فنسألكم لم كان ذلك الأمر محالاً، هل الإحالة راجعة لذات تلك الصفة أم لعدم إمكان قبول الذات بقاء تلك الصفة. إن قلتم برجوع الإحالة إلى ذات تلك الصفة، يلزمكم القول بأنها كانت محالة في الزمان الاول أيضا، لأن بقاء الصفة الوجودية في نفسه ممكن، فإن كان كمالا لذاته، فبقاؤه كمال أيضا، فزواله في ثاني الأوان مخالف لقانون كمال الذات.
وإن قلتم إن تلك الصفة من المحال بقاؤها لأنها عرض، والعرض لا يبقى لذاته، فصرحوا إذن بأن صفات الله التي تثبتونها لذاته عبارة عن أعراض لا تقبل البقاء. فيلزمكم التصريح بما يستحيي منه المجانين، ويلزمكم التشبيه الواضح الصريح. ولن تقدروا على ذلك لجبنكم وحماقتكم التي تدفعكم إلى المعاندة.
وإن قلتم إن الإحالة راجعة إلى ذات الإله، فإنها لا تقبل الاتصاف بجميع الكمالات في نفس الحال! فهذا القول أقبح من صاحبه، وأوضح في البطلان، فكيف تكون الذات الواجبة واجبة وفي الوقت نفسه كاملة كمالا تاما، كما تزعمون وتكذبون على خصومكم، ثم تقولون إنها لا تقبل الاتصاف بجميع كمالاتها في الحال نفسه.
إذن لا يبقى لكم إلا المراوحة بين هذه الاحتمالات الفاسدة.
ولذلك يقولون إن الله تعالى بإرادته يوجد صفاته لنفسه بإرادته. ولكن هيهات لا يسلم لهم أنَّ هذا الأصل الفاسد منسجمٌ مع تنزيه الإله عن النقائص، فكيف يخلق الإله صفاته في ذاته، وهم وإن لم يعبروا عن ذلك بالخلق لزعم كبيرهم الذي علمهم السحر أن الخلق هو إيجاد خارج ذات الله، وأما الإيجاد لصفة في ذات الإله فيطلق عليه إحداث، وعلى موجَد محدَث لا مخلوق، لكي يندفع عنه التشنيع المجمع عليه عند اليلفوالخلق والعقلاء جميعا، باستحالة حلول المخلوق في الخالق والخالق في المخلوق. ولكن من الظاهر عند ذوي العقول أن هذا المهرب لفظيٌّ بحت، لا معنى واءه يُستَندُ إليه. فالمراد بالحادث هو عين حقيقة الماد المخلوق، وكون محل القيام هو الذات أو غير الذات لا يجعل التمايز ذاتيا بين الاثنين، بل هو أمر اعتباري.
ولزيادة بيان ذلك، نسألهم: هل الحركة التي خلقها الله تعالى في ذاته، أو الصوت والحرف المخلوقين في ذاته بإردته كما تزعمون، يمكنه أن يخلقهما في بعض مخلوقاته؟ إن قالوا بالإحالة فهو تحكم بالهوى، فكل صوت يمكن أن يخلقه الله تعالى في بعض مخلوقاته، ونفي ذلك فيه تعجيز لله تعالى وتحديد لقدرته التامة التعلق. وإن أجازوا ذلك لزمهم أن صفات الإله نفسها يجوز أن تكون مماثلة لصفات المخلوقات في حقيقتها، وهو تصريح بالتمثيل في صفات الإله، ويستلزم التمثيل في ذات الإله ذلك التمثيل الذي يزعم ابن تيمية أنه ينفيه عن الله تعالى ويتشبث في بعض مقولاته بأن التشبيه لم يرد نفيه عن السلف ولم يرد نفيه في الكتاب والسنة، وبأن كل موجودين فلا بد من وجود بعض وجوه الشبه بينهما، ونفيُ ذلك نفيٌ للموجود في نفسه. إلى غير ذلك من مغالطاته ودعاويه الباطلة التي يتبجح بها ويتابعه فيها أتباعه الذين تخللت بدعته في نفوسهم.
فالصفة الأولى التي يفترضون أن الله تعالى متصف بها: إن كانت كمالا في نفسها، استحال زوالها عنه، وإن كانت نقصا في نفسها، استحال اتصافه بها. وإن زعموا أنها كمال في وقت دون وقت لزمهم توقف كمال الله تعالى على بعض مخلوقاته، لأن الوقت من مخلوقاته أيضا عندهم، أو هو متوقف على بعض مخلوقاته. وعلى كل حال وتقدير يلزمهم نقص ذات الإله وتوقف مكاله على بعض مخلوقاته. ويستلزم عراء ذاته عن ذلك الكمال أزلاً، ويستلزم عدم كمال الذات لأنها لم تقبل بعض الكمالات في جميع الأوقات. وهذا مؤدٍّ إلى الحكم عليها بالإمكان في نفسها، وما كان كذلك يستحيل كونه إلها واجب الوجود. فإن القبول صفة إمكان لا وجوب، وهو صفة نفسية، لازمة لها، فهي ممكنة لا واجبة إذ كيف تكون واجبة وما تقبله غير متحقق لها بالفعل.
وعلى الجملة فمذهب المجسمة آيل إلى مذهب وحدة الوجود -بصورته الباطلة- بلا ريب وهو المذهب الذي يبالغ التيمية المجسمة في التبرؤ منه، فها هم وقعوا فيه! أو إلى نفي وجود الخالق الواجب الوجود عند المتبحرين بالأدلة! وهم يزعمون أنهم يثبتونه! ويكذبون على الخلق في زعمهم أنهم يثبتون واجب الوجود، فما يعبدونه وما يقولون بإلهيته ما هو إلا ممكن الوجود بنصهم وتصريحهم عند المحاققة كما رأينا. فليس واجب الوجود متصفا بالصفات التي ينسبونها إليه.
وتوجد وجوه كثيرة عندنا بها يظهر فساد قولهم. أرجو أن تكون هذه الكلمات كافية للبيان وإن احتجت إلى زيادة بيان فلا تتردد في السؤال، فإن أمثالك لحقيقون أن نخصص لهم وقتا رجاء الدعاء بالحسنى.
والله الموفق.
على هذه التحقيقات الغزيرة والتدقيقات المحكمة
تعليق