صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 25 من 25

الموضوع: مفاجأة الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية للأستاذ الفاضل سعيد فودة (1-المقدمة والتمهيد)

  1. أولاً: الإمام أبو الحسن الأشعري:

    [ALIGN=JUSTIFY]أولاً: الإمام أبو الحسن الأشعري:
    سنذكر هنا بعض ما ذكره الإمام الأشعري من أصول المجسمة على اختلاف فرقهم، كما أشار إليه في كتابه المشهور » مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين«(1):
    » هذا شرح اختلاف الناس في التجسيم.
    قد أخْبَرْنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون إن البارئ جل ثناؤه ليس بجسم ولا ذي نهاية(2)، ونحن نخبر أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم.
    فقال هشام بن الحكم: إن الله جسم محدود عريض عميق طويل، طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه، نور ساطع له قدر من الأقدار بمعنى أن له مقدارًا في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه في مكان دون مكان، كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسَّة، لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسَّه، وهو نفسه لون، ولم يثبت لونًا غيره، وأنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد «.
    ثم قال: » وحكي عنه ابن الراوندي أنه زعم أن الله سبحانه يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات ولولا ذلك ما دلَّت عليه «.اهـ.
    سترى أن معظم ما نقله الإمام الأشعري عن هذا المجسم المشهور فابن تيمية يقول بكثير منه صراحة، وينسبه إلى السلف الصالح إلا إنني لم أجد له نصًا يقول فيه بأن طوله مثل عرضه مثل عمقه، ولا أنه كالسبيكة الصافية.
    فقد عرفنا الآن سلفه.
    وأما أن الله يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات فإن ابن تيمية قد نص على ذلك في أكثر من موضع، بل إن مذهبه قائم على هذا الأصل.
    ثم قال الأشعري ص208: » وقد ذُكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت البارئ ملوَّنًا ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجّسة، وأن يكون طويلاً وعريضًا وعميقًا، وزعم أنه في مكان دون مكان متحرك من وقت خلق الخلق.
    وقال قائلون: إن البارئ جسم وأنكروا أن يكون موصوفًا بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصف به » هشام « غير أنه على العرش مماسٌ له دون ما سواه «.
    وسوف ترى أن ابن تيمية قد نسب إلى أهل السنة كون الله مماسًا للعرش وجعله أحد أقوالهم.
    وأمّا الحركة فقد أثبتها كذلك ابن تيمية، واللازم على مذهبه أن تكون قديمة النوع حادثة الإفراد، فيلزم إذن موافقته لهؤلاء في كونه تعالى متحركًا من وقت خلق الخلق.
    قال الأشعري: » واختلفوا في مقدار الباري بعد أن جعلوه جسمًا.
    فقال قائلون: هو جسم وهو في كل مكان وفاضل عن جميع الأماكن، وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكثر من مساحة العالم لأنه أكبر من كل شيء.
    وقال بعضهم: مساحته على قدر العالم، وقال بعضهم إن الباري جسم له مقدار في المساحة ولا ندري كم ذلك القدر.
    وقال بعضهم هو في أحسن الأقدار وأحسن أن يكون ليس بالعظيم الجافي ولا القليل القميء، وحكي عن هشام بن الحكم أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه «. اهـ.
    قلت: إذن فالمجسمة كلهم اتفقوا على وجود قدر لله، والقدر في اصطلاحهم هو الحَجْمُ كما ترى من هذه العبارات.
    ثم قال الأشعري: » وقال بعضهم: ليس لمساحة البارئ نهاية ولا غاية وأنه ذاهب في الجهات الستَ اليمين والشمال والخلف والفوق والتحت.
    قالوا: وما كان كذلك لا يقع عليه اسم جسم، ولا طويل ولا عريض ولا عميق، وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب «. اهـ.
    وهذا القول الأخير ستعلم في هذا الكتاب أنه أحد قولي القاضي أبي يعلي المجسم المشهور أحد الذين ردَّ الإمام ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه.
    ثم قال الإمام الأشعري: » وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان، إن الله جسم وإنه جثة على صورة الأنسان لحم ودمٌ وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره«. اهـ.
    واعلم أن الشطر الأول من قول الجواربي هذا اقصد أنه من لحم ودم، هو القولُ الوحيدُ الذي نفاه ابن تيمية بشدة ولم يجعله محل خلاف في النفي.
    أما أن لله أعضاءً هي ما ذكرها هنا أثبتها ابن تيمية كما ستراه في هذا الكتاب.
    قال الأشعري: » وحُكَي عن الجواربي أنه كان يقول: أجوف من فيه إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك « ا هـ.
    استمع إلى هذا الكفر الصريح كيف يقول أن الله أجوف من فيه أي من فمه؟! إلى صدره، ومصمت ما سوى ذلك.
    ثم قال: » وكثير من الناس يقولون: هو مصمت ويتأولون قول الله:  اللهُ الصَّمَدُ ، المصمت الذي ليس بأجوف «. اهـ.
    وهذا القول في تفسير قوله تعالى: :  اللهُ الصَّمَدُ  هو نفس قول ابن تيمية، وقد أفردنا لتفسيره هذه الآية مسألة خاصة.ثم ذكر الإمام الأشعري اختلافهم في البارئ عز وجل هل هو في مكان دون مكان أم لا في مكان أم في كل مكان، وهل تحمله الحملة أم يحمله العرش.
    فقال في هذا الباب ض210: » وقال قائلون هو جسم خارج من جميع صفات الجسم ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ولا يوصف بلون ولا طعم ولا مجسّة ولا شيء من صفات الأجسام وأنه ليس في الأشياء ولا على العرش إلا على معنى أنه فوقه غير مماس له وأنه فوق الأشياء وفوق العرش، ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها «. اهـ.
    هذا هو قول هؤلاء المجسمة، وهم ليسوا مُغْرقينَ في التشبيه، بل يمكن أن يقال إنهم مجسمة معتدلون وقولهم هذا قريبٌ من قولِ بعض الحنابلة.
    ولنر الآن قول هشام بن الحكم، قال الأشعري: » وقال هشام بن الحكم إن ربه في مكان دون مكان وإن مكانه هو العرش وأنه مماس للعرش وإن العرش قد حواه وحدَّه «. اهـ.
    وهذا القول سترى أنَّه هُوَ عَيْنُ قول ابن تيمية بالضبط إلا قوله أن العرش قد حواه فلم يذكره ابن تيمية حسب علمي صراحةً.
    قال الأشعري يحكي مذاهبهم: » وقال بعض أصحابه إن الباري قد ملأ العرش وإنه مماسٌ له «. اهـ.
    وهذا القول أقرب إلى قول ابن تيمية، فهو يقول: إن العرش لا يخلو منه الله، وهذا قريب من معنى كون البارئ قد ملأ العرش.
    قال الأشعري: » وقال بعض أصحابه ممن ينتحل الحديث إن العرش لم يمتلئ به وإنه يُقعد نبيَّه عليه السلام معه على العرش «. اهـ.
    وهذا القول هو نفس ما سننقله عن ابن تيمية، وقد نسبه إلى العلماء المقبولين من الأمة.
    وقد ذكرنا هناك تعليق الإمام الطبري على هذا القول، بعد أن حكاه عن مجاهد.
    واستمع الآن كيف وضح الإمام الأشعري قول أهل السنة وأصحاب الحديث، فقد قال ص211: » وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء «. اهـ.
    وذكر أنهم أجروا الآيات كما وردت وفوضوا معانيها إلى الله تعالى وخالفوا بذلك المجسمة ثم قال الأشعري مكملاً شرح أقوال المجسمة: » وقال بعض الناس: الاستواء القعود والتمكن «. اهـ.
    وهو قول ابن تيمية كما وضحناه في محله.
    ثم أكمل توضيح مذاهب الناس في حملة العرش فقال: » واختلف الناس في حملة العرش ما الذي تحمل.
    فقال قائلون: الحملة تحمل الباري، وأنه إذا غضب ثقل على كواهلهم وإذا رضي خف فيتبينون غضبه من ضاه، وأن العرش له أطيط إذا ثقل عليه كأطيط الرَّحْل، وقال بعضهم ليس يثقل الباري ولا يخف، ولا تحمله الحملة ولكن العرش هو الذي يخف ويثقل وتحمله الحملة «. اهـ.
    القول الأول من هذين هو: قول ابن تيمية ونسبه إلى السنة، والقول الثاني هو: قول القاضي أبي يعلي كما رواه عنه ابن تيمية.
    ونقل عن بعضهم أنهم قالوا في رؤية الله: » نرى جسمًا محدودًا مقابلاً لنا في مكان دون مكان « . اهـ.
    وهو عين قول ابن تيمية.

    وقال في مذهبهم في اليد والعين والوجه ص217: » فقالت المجسمة: له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى الجوارح والأعضاء «.
    وهذا هو حاصل قول ابن تيمية بالضبط وإن لم يصرح به بهذا الوضوح.
    ثم وضح الأشعري قول أصحاب الحديث فقال: » وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عز وجل أو جاءت به الرواية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف «. اهـ.
    هل رأيت كيف ينقل الإمام الأشعري أن مذهب أصحاب الحديث نفي الكيف، وهذا خلاف ما ينسبه ابن تيمية إليهم فيدعي أنهم قائلون بوجود كيفية لهذه الصفات، أي أنها أعضاء وجوارح، ولكن ينفي علمه وعلمهم بالكيفية هذه.
    ومن هذا تعلم أن ابن تيمية يلبِّسُ على الناس، فيدعي أن أقوال المجسمة هي بعينها أقوال أهل السنة والحديث وهو غير معيب في ذلك.
    والآن فلننظر في هذا النص الخطير الذي يوضح التشابه الكبير بين مذهب ابن تيمية ومذهب هشام بن الحكم المجسم المعروف فقد قال الأشعري ص213: » فزعم هشام إن حركة الباري هي فعله الشيء، وكان يأبى أن يكون البارئ يزول مع قوله يتحرك «. اهـ.
    فانظر في القسم الأول من مقالة هشام، فإن كلامه هو عين كلام ابن تيمية فحركة الباري هي فعله، والباري يفعل الشيء بحركة، فيحرك إما ذاته أو يديه، فالاستواء والنزول مثلاً أفعال يحرك فيها ذاته، وخَلْقُ آدم وغَرْسُ الجنةِ مثلا أفعالٌ يحرِّك فيها يديه .
    وأما القسم الثاني الذي نفاه هشام، فهو مطابق لما ذكره ابن تيمية في شرح حديث النزول حيث قال إن نزول الله حركة ولكن لا يترتب على حركة الله خلو العرش منه وزواله عنه.
    بل حال كون الله متحركًا إلى السماء الدنيا فهو لا يزال مستويًا على العرش.
    ويحق للواحد حين يسمع هذا الكلام أن يتصور الإنسان الجالس على الكرسي ينزل بنصف جسمه إلى الأرض لكي يتناول شيئًا منها وهو ما يزال مستويًا على كرسيه الذي هو عرش له، وإلا فما معنى هذا الكلام؟ فالله تعالى يكون بحالة هذا الإنسان في نزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل.
    وهذا تجسيم محض.
    ونقل الإمام الأشعري عن كثير من المجسمة ما يلي ص212: » وزعم كثير من المجسمة أن الباري كان قبل أن يخلق الخلق ليس بعالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا مريد ثم أراد «. اهـ.
    وهذا القول في جانب منه هو عين قول ابن تيمية، لأنه يقول بأن سمع الله يحدث فيه بعد وجود المسموع، وبصره يحدث فيه بعد وجود المبصرات وهكذا حتى أحد نوعي علمه كما وضحناه في محله، وهو العلم الحادث، وأما الإرادة فابن تيمية يصرح بكل وضوح بأنها ليست قديمة بل حادثة كما يقول المجسمة.
    والحق أنه بعد مُجَرَّد الاطلاع على كتب الفرق وملاحظة كلام وعقائد المجسمة، فإن الواحد لا يبقى في قلبه شك في أن ابن تيمية مجسم حقيقي.
    خلاصة ما ذكره الإمام الأشعري:
    نستطيع أن نلخص بعض الأصول التي اجتمع عليها كثير مِنَ المجسمة، وذلك بالاعتماد على كلام الإمام الأشعري عنهم، وذلك كما يلي:
    أولاً: الله تعالى له قدر أي حجم أي طول وعرض وارتفاع
    ثانيًا: الله يمكن أن يحس غيره ويمسه، ويمكن للأجسام المخلوقة أن تحس الله وتمسّه.
    ثالثًا: الله مماسٌ للعرش، والملائكة يحملونه على العرش.
    والعرش مكان لله.
    رابعًا: لله تعالى أعضاء وأركان وأدوات مثل الوجه واليد والعين.
    خامساً: الله محدود من جميع الجهات الست، أو له حيز غير متناهي الأبعاد.
    سادسًا: سمع الله وبصره وعلمه وغير ذلك تحدث في الله بعد وجود الأشياء.
    سابعًا: فعل الله يقتضي حركته.
    [/ALIGN]
    _______________________
    (1) مقالات الإسلاميين، 207، طبعة دار إحياء التراث العربي بتصحيح هلموت ريتر.
    (2) لاحظ كيف يُصَرِّح الإمام الأشعري بأن المنكرين للتجسيم ينفون كون الله جسمًا وينفون أن يكون محدودًا وذا نهاية، هو معنى نفي المجسمة والحدود والنهايات عن الله تعالى، ويفهم من هذا أن المجسمة يثبتون كل ذلك لله تعالى.

  2. ثانيًا: ابن حزم الأندلسي.

    [ALIGN=JUSTIFY]ثانيًا: ابن حزم الأندلسي.
    قال ابن حزم في كتاب الفصل في الملل والنحل 2/117: » ذهبت طائفة إلى القول بأن الله تعالى جسم، وحجتهم في ذلك أنه لا يقوم في المعقول إلا جسم أو عرض(1)، فلما بطل أن يكون الله تعالى عرضًا، ثبت أنه جسم وقالوا إن الفعل لا يصح إلا من جسم، والباري تعالى فاعل، فوجب أنه جسم، واحتجوا بآيات من القرآن فيها ذكر اليد واليدين والأيدي والعين والوجه والجنب، وبقوله تعالى: وجاء ربك - ويأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وتجليه تعالى للجبل، وبأحاديث فيها ذكر القدم واليمين والرجل والأصابع والتنزل «. اهـ.
    وقال في ص119: » ويبطل قول من وصف الله تعالى بأنه جسم وقول من وصفه بحركةٍ(2)،تعالى الله عن ذلك، أن الضرورة توجب أن كل متحرك فذو حركة، وأن الحركة لمتحرك بها، وهذا من باب الإضافة والصورة في المتصور، وهذا أيضًا من باب الإضافة فلو كان كل مُصَوِّر مُتَصَوِّرًا وكل مُحَرِّك مُتَحَرِّكًا لوجب وجود أفعال لا أوائل لها وهذا قد أبطلناه فيما خلا من كتابنا(3) بعون الله وتأييده «. اهـ.
    هذا كما ترى بعض ما قاله ابن حزم في توضيح كلام المجسمة.
    ومذهبُهم كما يوضحه يعتمد على الأصول التالية:

    1- لا يوجد فاعل إلا وهو جسم.
    2- لا فعل إلا بحركة، والفاعل لا يفعل إلا بتحركه.
    3- الفاعل المتحرك متحرك منذ الأزل، فهم يقولون بوقوع التسلسل في الأزل.
    4- إثبات الأعضاء والأركان والأدوات.
    5- إثبات كون الله متحركًا وغير ذلك كما تراه.
    وهذه الأقوال كما تراها هي عين الأقوال التي يعتمد عليها ابن تيمية في مذهبه وقد أجملنا نحن ذلك في تلخيصنا لعقائده، وفصلنا فيه أثناء فصول هذا الكتاب.
    فراجعه لتعلم حقيقة الأمر.[/ALIGN]

    ______________________
    (1) سوف ترى أن هذه هي نفس الحجة التي يحتجُّ بها ابن تيمية على مذهبه.
    فتأمَّل كيف ينفيها ابن حزم بلا تردُّدِ، لتعلم بعد ذلك أنّ مذهب ابن حزم في العقائد مخالف أشدَّ المخالفة لمذهب ابن تيميةً، وهو قريب من مذهب الأشاعرة خاصة في باب التنزية، وأما ذمّ ابن حزم لمذهب الأشاعرة في العديد من المواضع فهو راجع إلى جهله بحقيقة مذهبهم، ولو عرفه لما خالفه.
    (2) ينفي ابن حزم هنا الجسمية والحركة عن الله تعالى.
    (3) تأمل رحمك الله كيف ينفي ابن حزم تسلسل الأفعال في الأزل بكل صراحة، لتعلم أنه يوافق أهل الحق في ذلك ويخالفه ابن تيمية الذي يدعي أن إثبات التسلسل هو مذهب السلف.

  3. ثانيًا: ابن حزم الأندلسي.

    [ALIGN=JUSTIFY]ثانيًا: ابن حزم الأندلسي.
    قال ابن حزم في كتاب الفصل في الملل والنحل 2/117: » ذهبت طائفة إلى القول بأن الله تعالى جسم، وحجتهم في ذلك أنه لا يقوم في المعقول إلا جسم أو عرض(1)، فلما بطل أن يكون الله تعالى عرضًا، ثبت أنه جسم وقالوا إن الفعل لا يصح إلا من جسم، والباري تعالى فاعل، فوجب أنه جسم، واحتجوا بآيات من القرآن فيها ذكر اليد واليدين والأيدي والعين والوجه والجنب، وبقوله تعالى: وجاء ربك - ويأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وتجليه تعالى للجبل، وبأحاديث فيها ذكر القدم واليمين والرجل والأصابع والتنزل «. اهـ.
    وقال في ص119: » ويبطل قول من وصف الله تعالى بأنه جسم وقول من وصفه بحركةٍ(2)،تعالى الله عن ذلك، أن الضرورة توجب أن كل متحرك فذو حركة، وأن الحركة لمتحرك بها، وهذا من باب الإضافة والصورة في المتصور، وهذا أيضًا من باب الإضافة فلو كان كل مُصَوِّر مُتَصَوِّرًا وكل مُحَرِّك مُتَحَرِّكًا لوجب وجود أفعال لا أوائل لها وهذا قد أبطلناه فيما خلا من كتابنا(3) بعون الله وتأييده «. اهـ.
    هذا كما ترى بعض ما قاله ابن حزم في توضيح كلام المجسمة.
    ومذهبُهم كما يوضحه يعتمد على الأصول التالية:

    1- لا يوجد فاعل إلا وهو جسم.
    2- لا فعل إلا بحركة، والفاعل لا يفعل إلا بتحركه.
    3- الفاعل المتحرك متحرك منذ الأزل، فهم يقولون بوقوع التسلسل في الأزل.
    4- إثبات الأعضاء والأركان والأدوات.
    5- إثبات كون الله متحركًا وغير ذلك كما تراه.
    وهذه الأقوال كما تراها هي عين الأقوال التي يعتمد عليها ابن تيمية في مذهبه وقد أجملنا نحن ذلك في تلخيصنا لعقائده، وفصلنا فيه أثناء فصول هذا الكتاب.
    فراجعه لتعلم حقيقة الأمر.[/ALIGN]

    ______________________
    (1) سوف ترى أن هذه هي نفس الحجة التي يحتجُّ بها ابن تيمية على مذهبه.
    فتأمَّل كيف ينفيها ابن حزم بلا تردُّدِ، لتعلم بعد ذلك أنّ مذهب ابن حزم في العقائد مخالف أشدَّ المخالفة لمذهب ابن تيميةً، وهو قريب من مذهب الأشاعرة خاصة في باب التنزية، وأما ذمّ ابن حزم لمذهب الأشاعرة في العديد من المواضع فهو راجع إلى جهله بحقيقة مذهبهم، ولو عرفه لما خالفه.
    (2) ينفي ابن حزم هنا الجسمية والحركة عن الله تعالى.
    (3) تأمل رحمك الله كيف ينفي ابن حزم تسلسل الأفعال في الأزل بكل صراحة، لتعلم أنه يوافق أهل الحق في ذلك ويخالفه ابن تيمية الذي يدعي أن إثبات التسلسل هو مذهب السلف.

  4. ثالثًا: الإمام أبو المظفر الإسفراييني.

    [SIZE=5][ALIGN=JUSTIFY]ثالثًا: الإمام أبو المظفر الإسفراييني.
    تكلم الإمام الإسفراييني في كتاب التبصير في الدين الباب الحادي عشر في تفصيل مقالات الكرامية وبيان فضائحهم، وذكر نبذة عن تاريخ هذه الفرقة المبتدعة، ثم شرع يعدد مقالاتهم، فقال في ص65: » منها أنه كان(1) يسمي معبوده جسمًا « اهـ.
    وسوف ترى أن ابن تيمية يسمي الله جسمًا في بعض المواضع وكذلك تبعه الفاهمون لمذهبه مثل بعض شراح الواسطية.
    قال: » وكان يقول(2): له حد واحد من الجانب الذي ينتهي إلى العرش ولا نهاية له من الجوانب الأخر، كما قالت الثنوية في معبودهم أنه نور متناهٍ من الجانب الذي يلي الظلام، فأما من الجوانب الخمس فلا يتناهى «. اهـ.
    وقد أثبتنا في هذا الكتاب كما ستراه في مسألة الحد، أن هذا القول، هو قول القاضي أبي يعلي، وهو أحد قوليه، وقد نقل هذا القول عنه ابن تيمية في موضعين من كتاب الرد على أساس التقديس.
    وبينّا أن ابن تيمية يخالفه في هذا المذهب ويدعي أن الله له حدود من سائر الجهات الستة لا حدٌ واحدٌ من جهة التحت كما يقول القاضي أبو يعلي، ونسب هذا القول إلى الإمام احمد وادعي أن هذا هو ما عليه السلف.
    قال: » ومما ذَكَر في ذلك الكتاب(3) قوله أنه تعالى مماس للعرش والعرش مكان له، ولما نظر أتباعه إليه، فروا من هذه الشنعة فقالوا: لا نقول أنه مماس للعرش، ولكنا نقول إنه ملاق للعرش.
    وليت شعري أي تفرقة بينهما لولا غباوة الخلق وغفلتهم عن التحقيق «. اهـ.
    فأنت تعلم الآن أن زعيم الكرامية يقول بأن الله مماس للعرش، وقد صرح ابن تيمية بهذه الشناعة ونسبها إلى السلف،وادعي أن هذا هو الموافق للعقول، وهو لا يقصد إلا عقول المجسمة من أمثاله وأمثال ابن كرام والدارمي المجسم صاحب كتاب الرد على بشر المريسي.[/SIZE]
    وانظر إلى أصحاب ابن كرام كيف فروا من التلفظ بلفظ المماسة إلى الملاقاة وهو نفس ما اختاره القاضي أبو يعلي فإنه ينفي القول بأن الله مماس لمخلوقاته لا للعرش ولا بغيره، ويقول أنه فوقه بلا مماسة.
    قال » ومما ابتدعوه من الضلالات مما لم يتجاسر على إطلاقه قبلهم واحد من الأمم لعلمهم بافتضاحه هو قولهم: بأن معبودهم محل الحوادث تحدث في ذاته أقواله وإرادته وإدراكه للمسموعات والمبصرات،وسموا ذلك سمعًا، وتبصرًا«. اهـ.
    وهذه الأقوال وهي حلول الحوادث من الأقوال والإرادات والإدراكات في ذات الله تعالى هي عين أقوال ابن تيمية كما أثبتناه في هذا الكتاب.فانظر كيف يقول الإمام الاسفراييني هنا بأن القول بحلول الحوادث في ذات الله قول تفرد به هؤلاء المجسمة ولم يسبقهم إليه أحد، بينما نرى ابن تيمية يدعي بكل جرأة أن هذا القول هو قول السلف ونصُّ الكتاب والسنة عليه!! ولا سلف له إلا هؤلاء المجسمة.
    ثم قال في وصف مذهبهم: » وكذلك قالوا: تحدث في ذاته ملاقاته للصفحة العليا من العرش، زعموا أن هذه أعراض تحدث في ذاته، تعالى الله عن قولهم، قالوا: إن هذه الحوادث هي الخلق والقدرة، تتعلق بهذه الحوادث، والمخلوق يقع تحت الخلق لا تتعلق به القدرة(4)، فالخلق عندهم هو القدرة على التخليق « . اهـ.
    فتأمل في هذا القول. وسوف ترى أنه عين قول ابن تيمية في التفريق بين الخلق والمخلوق، فالخلق عنده حادث قائم بذاته تعالى، والمخلوق هو الذي يوجد بوجود الخلق الحادث. ثم قال العلامة الاسفراييني موضحاً معنى الخلق عندهم.»
    فالخلق عندهم هو القدرة على التخليق وهو قوله لما يريد أن يخلقه كن جوهرًا وهذا يوجب أن يحدث في ذاته كاف ونون وجيم وواو وهاء وراء وألف، وسمع وإرادة، قالوا إذا أراد إعدام شيء يقول له افنَ، فيصير الشيء فانياً« . اهـ.
    وهذا القول يصرح به ابن تيمية في أكثر من موضع، وهو حقيقة مذهبه.
    ثم وضح العلامة الاسفرايين وقاحتهم في قولهم بحدوث الحوادث في ذات الله تعالى.
    ثمَّ قال:» وقالوا إنه كان خالقاً قبل أن يخلق « ، وقالوا: » قادر بقادرية«.
    وامتنعوا عن القول بوجود المخلوقات منذ الأزل كما قال الإمام الأسفراييني:
    » ثم امتنعوا أن يقولوا إنه في الأزل خالق بخلقه أو لخلقه، قالوا: إذا لم يكن خلق، لا يمكن أن يقال إنه خالق بخلقه « . اهـ.
    فأنت ترى بعينك أنهم امتنعوا عن القول بتسلسل المخلوقات في الأزل وصرحوا أنه في الأزل لا يوجد ثم مخلوق، وهذا الأمر خالفهم فيه ابن تيمية وصرح بأنه يوجد مخلوق لا بعينه مع الله تعالى منذ الأزل. وهو قوله بقدم المخلوقات النوعي أي أنه لم يزل مع الله مخلوق، ولم يمرَّ على الله وقت تقديري أو وهمي أو إضافي إلا وكان معه بعض مخلوقاته.
    ثم وضح الإمام الأسفراييني قولهم في كلام الله فقال ص 68: »
    واعلم أن من نوادر جهالاتهم فَرْقُهُم بين القول والكلام، وقولهم أن كلام الله قديم، وقوله حادث وليس بمحدث، وله حروف وأصوات، وإنما هو قدرته على التكليم والتكلم، وأي عاقل يسوغ تفسير الكلام بالقدرة « أهـ.
    أقول: ابن تيمية صرح في أكثر من موضع كما وضحناه بالتفريق بين حدوث أفراد الكلام أي الكلمات المفردة وبين قدم نوع الكلمات. وصرح بأن الكلمات عبارة عن أصوات وحروف حادثة تحدث في ذات الله تعالى. وصرح أيضاً بأن الكلام هو القدرة على الكلام كما نقلناه بحروفه ونصه في أكثر من موضع من كتبه، وفي مسألة كلام الله تعالى .
    وللكرامية بدع وشناعات وقبائح أخرى عديدة غير هذه، والحقيقة أن ابن تيمية قائل بغالب هذه التفاهات والأقوال،
    وقد أتينا بالدلائل الواضحة القوية على أنه يقول بجميع ذلك وذلك بصريح كلماته التي لا يستطيع اتباعه الجهلة إلا أن يفهموها على ما أراد هو، ولا يمكنهم أن يفسروها بمعانٍ أخرى تنقذ هذا المبتدع من كونه مجسماً تابعاً للكرامية في أغلب جهالاتهم وأصولهم.[/ALIGN]

    _____________________
    (1) أي ابن كرّام.
    (2) أي ابن كرّام.
    (3) يقصد كتابًا لمحمد بن كرام زعيم الكرامية، واسم الكتاب » عذب القبر «.
    (4) معنى هذا الكلام أنهم قالوا: إن الله له صفة هي القدرة، وبالقدرة تحدث أفعال حادثة في ذاته ومن هذه الأفعال فعل الخلق، فالخلق هو فعل حادث قائم في ذات الله، وإذا حدث هذا الفعل في الذات صدرَ عنه المخلوق، والمخلوق هو مثل زيد وعمرو والشمس والقمر، فهذه المخلوقات صادرةٌ عن خلق الله، فهي من متعلَّقات الخلق لا من متعلقات القدرة، والخلق هو مِنْ متعلقات القدرة، فالقدرة تتعلق بالخلق لا بالمخلوق، والخلق يتعلق بالمخلوق. وهذا هو عين قول ابن تيمية، فتنبه.

  5. خلاصة تحتوي على بعض قواعد مذاهب المجسمة كما ذكرها علماء الإسلام:

    [ALIGN=JUSTIFY]خلاصة تحتوي على بعض قواعد مذاهب المجسمة كما ذكرها علماء الإسلام:
    مما مضى، تستطيع أيها القارئ أن تعرف القواعد والمسائل الكبرى التي اتفق عليها المجسمة أو غالبهم، وقد سردناها لك مفصلة فيما نقلناه عن الإمام أبي الحسن الأشعري.
    ويمكن أن تضيف إليها ما ذكره الإمام الأسفراييني عنهم من كون الكلام حروفًا وأصواتًا، وأن معنى كون الله متكلماً هو كونه قادراً على إيجاد الكلام، وكون الله محدوداً من جهة واحدة وهي العرش.
    فيصير الحاصل أصولاً ثمانية هي كما يلي:
    أولاً: الله تعالى له قدر أي حجم، فله طول وعرض وارتفاع. وهو تعريف الجسم كما تعلم، وجمهور المجسمة يطلقون على الله اسم الجسم.
    ثانياً: الله يمكن أن يُحَس بالحواس الخمس، ويمكن أن يمسَّ أيضاً.
    وذلك لأنه جسم فتحسه الأجسام المخلوقة وهو يحسها.
    ثالثاً: الله مماس للعرش لأنه جالس عليه، كما عليه طائفة منهم، وكما نص عليه ابن تيمية، وعند طائفة هو فوق العرش بلا مماسَّة له.
    رابعاً: لله أعضاء وأركان هي اليدان والعينان والوجه والرجل وغيرها.
    خامساً: الله محدود من سائر الجهات عند كثير منهم.
    وهذا قول ابن تيمية، وقال بعضهم هو غير محدود من أي جهة من الجهات الست ومع ذلك فله قدر أي حجم، وهذا القول القديم للقاضي أبي يعلي ، وقال بعضهم الله محدود من جهة العرض فقط كما عليه الكرامية والقاضي أبو يعلى في قوله الثاني، ويترتب على ذلك كونه في جهةٍ خاصة كما هو معلوم.
    سادساً: سمع الله وبصره وعلمه وقدرته وغيرها كلها صفات حادثة تحدث فيه شيئاً بعد شيء. فعند ابن تيمية هي قديمة النوع حادثة الأفراد كما بينّا ذلك تفصيلاً في محله.
    سابعاً: فعل الله يقتضي الحركة، فالله إذا فعل شيئاً فإنه يتحرك فيفعله، بل عند بعضهم فعله هو عين حركته.
    وأما ابن تيمية فالله عنده متصف بهذين الأمرين، فله أفعال هي حركات لذاته وانتقالات من حال إلى حال، لا يترتب عليها وجود مخلوقات غير الله. وله أفعال وحركات ليديه وغير ذلك يترتب عليها وجود بعض المخلوقات.
    ثامناً: بعض المجسمة صرحوا بأن الله منذ الأزل كان وحده ولم يكن شيء غيره، وبعضهم كابن تيمية لم يرتض ذلك بل قال إن الحوادث والمخلوقات لا بداية لها منذ الأزل، فلم يزل الله يخلق شيئاً ثم يفنيه، وسيستمر الحال كذلك فيما لا يزال.
    فهذه هي الأصول الكبرى الثمانية لخصناها هنا، وقد أثبتنا في هذا الكتاب أن ابن تيمية قائل بها جميعاً على التفصيل الذي تجده في محله، بالأدلة والنصوص الصريحة التي لا تقبل التأويل.
    ويصرح ابن تيمية بأن هذه الأصول هي الأصول التي أجمع عليها السلف الصالح والتي جاءت بها النصوص المتواترة من القرآن والسنة!! ويعتبر كل من خالفها جهمياً مؤولاً ومُحَرِّفاً لعقائد الإسلام.
    فالعقائد الصحيحة عند ابن تيمية هي عقائد المجسمة لا غير، وكل من نفاها فإنه يخالف الله ورسوله، على حَسَبِ زعمه.
    [/ALIGN]

  6. سؤال بل أسئلة

    بعد أن منّ الله تعالى بنقل المقدمة والتقريظ والتمهيد لكتاب الكاشف لدي بعض الأسئلة فهل يسمح وقت المؤلف الفاضل للرد عليها وشكر

  7. بارك الله تعالى فيك أيها العين الحاذق،
    إذا كان عندك أي سؤال فأنا أدعو الله تعالى أن يمكنني من الحصول على بعض الوقت لإجابتك، قاصدا من ذلك كله النفع.
    والله الموفق.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. ماشاء الله لاقوة الا بالله
    سلمت يداك أخي العين
    وأدام الله لنا فضيلة الدكتور سعيد فودة ذخراً للمسلمين
    بانتظار التتمة ؟؟؟؟؟؟؟
    ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

  9. أشكر الجميع
    وهذا رابط الباب الأول من الكتاب:
    الباب الأول: في بيان بعض أصول كلية في مذهب ابن تيمية
    http://www.al-razi.net/vb/showthread...=&threadid=142

  10. #25
    كتاب شيخنا سعيد حفظه الله تعالى موجود الآن بحمد الله تعالى في مكتبة الأصلين على هذا الرابط .

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •