النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: تمهيد لتعريف عام بأهل السنة الأشاعرة ووضعهم في المملكة الأردنية الهاشمية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    المشاركات
    2,379

    تمهيد لتعريف عام بأهل السنة الأشاعرة ووضعهم في المملكة الأردنية الهاشمية

    تمهيد

    لتعريف عامٍّ بالأشاعرة

    ونبذة عن وضعهم في المملكة الأردنية الهاشمية












    كتبه

    سعيد فودة









    بسم الله الرحمن الرحيم



    مذهب أهل السنة والجماعة

    ووضعهم في الأردن


    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وبعد

    فهذه نظرات في التعريف بالأشاعرة على سبيل الإجمال، وتعريج على وجودهم ووضعهم في المملكة الأردنية الهاشمية.

    تمهيد:

    اشتهر عند العلماء أن أهل السنة والجماعة هم من سار على نهج النبي e وأصحابه الكرام عليهم رضوان الله تعالى، ولم ينحرفوا بابتداع ولا بهوى.

    وجاءت نسبتهم إلى السنة إشارة إلى حفاظهم عليها، وعملهم بها، تحقيقاً لكونها وحيا من عند الله تعالى، ولكونها ذادرة من رسول الله عليه السلام الذي لا ينطق عن الهوى، وفي مقابل من شكك في الأخذ بها وفي اعبتارها مصدرا من مصادر التشريع، كبعض المبتدعة الذين رفضوا العمل بها مع القرآن، ومن وافقوهم في هذا الزعم من المعاصرين سواء كانوا من العلمانيين أو منحرفي الأفهام. وفي مقابل من أنكر كثيرا من السنة لا بصورة صريحة، لكن بشكل ضمني، كالشيعة الذين رفضوا كثيرا من روايات أهل السنة لرفضهم كثيرا من رجال أهل السنة، فآل ذلك الموقف منهم إلى رفض كثير من السنة، وإنكار كثير مما كان واقعا من الأحداث والأحكام عند السلف.

    وأما نسبتهم إلى الجماعة، فالمقصود منهم إجمالا جماعة الحق، وقصدا أول صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، حيث إن أهل السنة أعظم الفرق الإسلامية التي حفظت لهم مقامهم العظيم من الإسلام، فلم يقدحوا في أكابرهم كما فعل الخوارج، والشيعة، ولم يتهاونوا في اتباع اجتهاداتهم والاستفادة منها كما وقع فيه غيرهم.

    ثم صار اسم أهل السنة والجماعة علما مخصوصا بهم، وإن زعم غيرهم أنه عامل بما جاء عن النبي e أو موقر لأصحابه عليه السلام.

    وقد اشتهر عند العلماء أن اسم أهل السنة يندرج فيه أكثر العلماء في مختلف العلوم الدينية والدنيوية، وكذلك يندرج فيهم أكثر الملوك والسلاطين، ومعهم أكثر دول الإسلام كالدولة السلجوقية والأيوبية والمماليك والعثمانية، والموحدين وملوك الاندلس وأكثر الملوك في أقاصي البلاد كانوا على طريقة أهل السنة والجماعة.

    وكذلك يندرج فيهم أكثر العوام على مرِّ السنين، بحيث إن إحصاءهم وعدهم عدا يعتبر من قبيل المحال.

    ومن أعظم من قام بحق هذا مذهب أهل السنة والجماعة العظيم من الدفاع عنه والترويج لمفاهيمه وردا على خصومه الأشاعرة والماتريدية.

    فالأشاعرة أتباع الإمام أبي الحسن الأشعري (ت 324هـ)، والماتريدية أتباع الإمام أبي منصور الماتريدي (ت333هـ)، ومن وافقهم وإن لم ينتسب إليهم يعد منهم حكماً. فهذان الإمامان هما إماما أهل السنة اللذان قعَّدا القواعد واهتما أبلغ الاهتمام بنصرة طريقتهم والرد على خصومهم، والذب عن مواقفهم على مدار التاريخ، وهما الإمامان اللذان أسسا مدرستين متوافقتين في الأصول وأكثر الفروع، وإن لم يعرف عن واحد منهما أنه تلاقى مع الآخر، بل كانا في بلدين بعيدين عن بعضهما، ولكن توافقها الذي عرفه العلماء من بعد معرفتهم بنتاج هذين الإمامين، كان دليلاً على صواب نظرهم، واتباعهم قواعد الأئمة العظام، وسيرهم على الطريق النظريِّ الصحيح. ولذلك اتبعهم أكثر العلماء من بعدُ، وانتسبوا إليهما عن رضى ومعرفة وعلم بحقيقة آرائهما وما قرراه في كتبهم، ولم يكن اتباع الأعلام العلماء لهذين الإمامين تقليدا، ولا محاباة ولا مواطأة لهما، ولا بأثر من عوامل سياسية محضة، كما يحلو لكثير من المغرضين والمخالفين والعلمانيين والملحدين في هذا الزمان أن يزعموا كذباً منهم، وحرصاً على تنفير الناس عنهما، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره.







    تعريف موجز بالمذهب الأشعري

    أولا:مؤسسه


    هو الإمام أبو الحسن الأشعري (260-324هـ)، وإليه ينسب أهل السنّة والجماعة، حتّى لُقِّبُوا بالأشاعرة. قال الإمام المحقّق ابن السّبكيّ في ترجمة الإمام أبي الحسن الأشعريّ:

    "عليّ ابن إسماعيل بن أبي بشر واسمه إسحاق ابن سالم بن إسماعيل بن عبد اللـه بن موسى بن بلال بن أبي بردة ابن صاحب رسول اللـه صلّى اللـه عليه وسلّم أبي موسى عبد اللـه بن قيس. شيخنا وقدوتنا إلى اللـه تعالى الشّيخ أبو الحسن الأشعريّ البصريّ شيخ طريقة أهل السنّة والجماعة، وإمام المتكلّمين، وناصر سنّة سيّد المرسلين والذّابّ عن الدّين، والسّاعي في حفظ عقائد المسلمين، سعياً يبقى أثره إلى يوم يقوم النّاس لربّ العالمين. وإمام حبر، وتقيّ برّ، حمى جناب الشّرع من الحديث المفترى، وقام في نصرة ملّة الإسلام فنصرها نصراً مؤزّراً:

    بهمّة في الثريّا إثر أخمصها وعَزْمَةٍ ليس مِنْ عاداتها السّأم

    وما برح يُدْلِجُ ويسير، وينهض بساعد التّشمير، حتّى نقّى الصّدور من الشّبه، كما ينقّى الثّوب الأبيض من الدّنس، وقال فلم يترك مقالاً لقائل، وأزاح الأباطيل، والحقّ يدفع ترّهات الباطل. ولد الشّيخ سنة ستّين ومائتين([1])".

    ثمّ ذكر الإمام ابن السّبكيّ أنّ الإمام الأشعريّ كان في بداية أمره قد أخذ عن أبي عليّ الجبّائي، وتبعه في الاعتزال. وقد شكّك القاضي عياض في هذا الأمر فقال: "ويُرْوَى أنّه كان في بادية أمره معتزليّاً ثمّ رجع إلى هذا المذهب؛ أي إلى مذهب أهل السّنة كما وضّحه هو، وهذا إن صحّ لا ينقصه، فقد كان من هو أفضل منه كافراً، ثمّ أسلم، بل هذا أدلّ على ثبات قدمه وصحّة يقينه في التزام السنّة، إذ لم يلتزمها لأنّه نشأ عليها، ولا اعتقدها إلاّ بما نوّر اللـه لـه بها من قلبه وأيّده بروحه ورشده، وتكنّفه من عنايته ونصره، فذكر أبو عبد اللـه الأزديّ أنّه كان أوّلاً معتزليّاً أخذ عن الشحام والعطويّ، وتقدّم في ذلك على نظائره، ثمّ رجع إلى الحقّ، ومذهب أهل السنّة، فكثر المتعجّب منه([2])". اهـ.

    ولم يبتدع الإمام الأشعريّ مذهبه ابتداعاً، بل كان عملـه كما قلنا عبارة عن شرح وتدعيم لأقوال أهل السنة، قال القاضي عياض في ترجمته:"وصنّف لأهل السنة التصانيف، وأقام الحجج على إثبات السنة، وما نفاه أهل البدع من صفات اللـه تعالى ورؤيته وقِدَمِ كلامه وقدرته وأمور السمع الواردة من الصراط والميزان والشفاعة والحوض وفتنة القبر مما نفت المعتزلة وغير ذلك من مذاهب أهل السنة والحديث، فأقام الحجج الواضحة عليها من الكتاب والسنة والدلائل الواضحة العقلية، ودفع شبه المبتدعة ومن بعدهم من الملحدة والرافضة، وصنف في ذلك التصانيف المبسوطة التي نفع اللـه بها الأمة، وناظر المعتزلة، وكان يقصدهم بنفسه للمناظرة، وكلم في ذلك، فقيل لـه: كيف تخالط أهل البدع وقد أُمرتَ بهجرهم -وكان أمرهم في ذلك الوقت شائعاً وكلمتهم غالبة- فقال: هُمْ أهل الرياسة، وفيهم الوالي والقاضي، فهم لرياستهم لا ينزلون إليّ، فإن لم نَسِِرْ إليهم فكيف يظهر الحقُّ ويعلم أن لأهلـه ناصراً بالحجة([3])؟

    ..... فلما كثرت تواليفه وانتفع بقولـه، وظهر لأهل الحديث والفقه ذبّه عن السنن والدين، تعلق بكتبه أهل السّنة وأخذوا عنه ودرسوا عليه وتفقهوا في طريقه، وكثر طلبته وأتباعه لتعلم تلك الطرق في الذبّ عن السنة، وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة، فسمّوا باسمه، وتلاهم أتباعهم وطلبتهم فعرفوا بذلك، وإنما كانوا يُعرفون قبل ذلك بالمثبتة، سمة عرفتهم بها المعتزلة، إذْ أثبتوا من السنة والشرع ما نفوه. فبهذه السّمة أولاً كان يعرف أئمة الذب عن السنة من أهل الحديث كالمحاسبي و ابن كُلَّاب وعبد العزيز بن عبد الملك المكيّ والكرابيسيّ إلى أن جاء أبو الحسن وأشهر نفسه فنسب طلبته والمتفقهة عليه في علمه بنسبه، كما نسب أصحاب الشافعي إلى نسبه، وأصحاب مالك وأبي حنيفة وغيرهم من الأئمة إلى أسماء أئمتهم الذين درسوا كتبهم وتفقهوا بطرقهم في الشريعة، وهم لم يُحْدِثُوا فيها ما ليس منها. فكذلك أبو الحسن، فأهل المشرق والمغرب بحججه يحتجون وعلى منهاجه يذهبون، وقد أثنى عليه خلق كثير منهم، وأثنوا على مذهبه وطريقه.

    .... ونُظَّارُ أهل الحديث راضون عنه مقتبسون منه، وقد درس عليه وعلى أصحابه منهم جماعة حتى صاروا أئمة في طريقه وصنفوا الكتب على نهج طريقته وتصانيفه([4])".

    وقال الإمام تاج الدين السبكي:

    "اعلم أن أبا الحسن لم يبدع رأياً، ولم يُنْشِ مذهباً، وإنما هو مُقَرِّرٌ لمذاهب السّلف، مناضل عما كانت عليه أصحاب رسول e، فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقاً، وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيلـه في الدلائل يسمى أشعريّاً، ولقد قلت مرة للشيخ الإمام رحمه اللـه ـ يقصد والده الإمام المجتهد تقي الدين السبكي ـ : أنا أعجب من الحافظ ابن عساكر في عَدِّه طوائفَ من أتباع الشيخ، ولم يذكر إلا نزراً يسيراً، وعدداً قليلا، ولو وفَّى الاستيعابَ حقَّه لاستوعب غالب علماء المذاهب الأربعة، فإنهم برأي أبي الحسن يدينون اللـه تعالى، فقال: إنما ذكر من اشتهر بالمناضلة عن أبي الحسن، وإلا فالأمر على ما ذكرت من أن غالب علماء المذاهب معه.

    وقد ذكر الشيخ شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام أن عقيدته اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفيَّة جمال الدين الحصيريّ([5])".

    وقال في موضع أخر:

    " قال المآيُرْقِيُّ: ولم يكن أبو الحسن أول متكلم بلسان أهل السنة إنما جرى على سنن غيره، وعلى نصرة مذهب معروف، فزاد المذهب حجة وبياناً ولم يبتدع مقالة اخترعها ولا مذهباً انفرد به، ألا ترى أن مذهب أهل المدينة نسب إلى مالك، ومن كان على مذهب أهل المدينة يقال لـه مالكيّ، ومالك إنما جرى على سنن من كان قبلـه وكان كثير الاتباع لـهم، إلا أنه لمّا زاد المذهب بياناً وبسطاً عزي إليه، كذلك أبو الحسن الأشعري، لا فرق، ليس لـه في مذهب السلف أكثر من بسطه وشرحه وتواليفه في نصرته.

    إلى أن يقول القابسيّ: وما أبو الحسن إلا واحداً من جملة القائمين في نصرة الحق، ما سمعنا من أهل الإنصاف من يؤخره عن رتبة ذلك، ولا من يؤثر عليه في عصره غيره، ومن بعده من أهل الحق سلكوا سبيلـه.

    إلى أن قال: لقد مات الأشعري يوم مات، وأهل السنة باكون عليه، وأهل البدع مستريحون منه([6])".

    ثانياً: من أبرز أئمة المذهب

    ظهر في المذهب الأشعري علماء جهابذة في كل العلوم والفنون العقلية والنقلية، واستقصاء ذكرهم والإحاطة بهم لا يمكن هنا، ولكن نذكر بعض أهم أعلامهم:

    1-القاضي أبو بكر الباقلاني (328-403هـ) (950-1013م)، وهو محمد بن الطيب، من كبار علماء الأشاعرة، هذب أصول المذهب، ورد على الخصوم، وأيده بالحجج، وله مناظرات مع أهل الأديان الأخرى، وتآليف رائقة عظيمة النفع، منها: الانتصار للقرآن، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، الإنصاف، مناقب الأئمة، إعجاز القرآن، وغيرها كثير.

    2-أبو إسحق الإسفراييني(418هـ)1027م)، هو إبراهيم بن محمد، كان عالما بالفقه والأصول، له كتاب الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين.

    3-إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (419-478هـ)1028-1085م)، هو عبد الملك بن عبدالله بن يوسف الجويني، الفقيه الشافعي الشهير، الذي يعول عليه أكثر أصحاب الشافعي في كتبهم، كان يدرس ويعليم في نيسابور، وتعرض لفتنة اخترعها المجسمة مع الشيعة والمعتزلة، اضطر على إثرها أن يخرج من نيسابور، وجاور في مكة والمدينة، وبقي في مكة أربع سنوات، يدرس ويدافع عن الأشعرية من غير مدافع يقف أمامه، حتى رجع الأمر إلى الصواب فرجع إلى نيسابور بعدما أعاد الوزير نظام الملك الأمور إلى نصابها. له كتب في مختلف العلوم، تعتبر من أعظم ما ألف فيها، منها: البهان في أصول الفقه، وهو أحد أربعة كتب تعتبر أعظم كتب الأصول، وكتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة، والشامل في أصول الدين، في علم التوحيد والكلام، والنظامية في الأركان الإسلامية، وصلنا منها قسم العقيدة، وقد ألفها للوزير نظام الملك، وله كتاب نهاية المطلب في دراية المذهب، في فقه الشافعي يعد من أعظم ما ألف في المذهب الشافعي، وعليه مدار كتب الشافعية من بعده.

    4-أبو إسحق الشيرازي(393-476هـ) 1003-1083م)، هو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآباذي الشيرازي، العالم المناظر، كان فقيها مجيدا، كان حسن المجالسة، طلق الوجه، فصيحا، مناظراً. من مصنفاته: التنبيه في أصول الفقه وشرحه، المهذب في الفقه، التبصرة في أصول الشافعية، المعونة في الجدل.

    5-أبو حامد الغزالي (450-505هـ) 1058-1111م)، وهو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، حجة الإسلام، وقد كان تلميذا للإمام الجويني، وشهرته تغني عن الكلام عنه، من كتبه: إحياء علوم الدين، والاقتصاد في الاعتقاد، والمستصفى في أصول الفقه، ومجموعة كبيرة من الرسائل في مختلف العلوم والمعارف، وله كتاب تهافت الفلاسفة، وفضائح الباطنية، وغيرها كثير.

    6-الإمام فخر الدين الرازي (544-1150هـ)(606-1210م)، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الطبرستاني، وهو من أعلم الناس بالكلام والفلسفة والمنطق، ردَّ على اللاسفة والمخالفين من أهل الملل والنحل، وله مناظرات كثيرة، وترك مؤلفات ما زال يعتمد عليها في العلوم، منها التفسير الكبير الذي لم يؤلف مثله في بابه، وعليه اعتمد كثير من المفسرين المتأخرين، ومنها كتاب المحصول في أصول الفقه، من أعظم ما ألف في أصول الفقه، والأربعين في أصول الدين، ومعالم أصول الدين، ونهاية العقول في دراية الأصول، والمحصَّل في أصول الدين، كلها في علم التوحيد، وله كتب غيرها تركناها خوف الإطالة.

    ومن أعلام الأمة في علم التوحيد ابن فورك والقشيري والبيضاوي والسمرقندي وابن الحاجب والعضد الإيجي والتفتازاني والسيد الشريف، والكاتبي، كأعلام المغرب مثل الإمام السجلماسي وابن التلمساني وتقي الدين أبي العزِّ المقترَح وأبي عثمان العقباني. ومن أهل المشرق ومصر أمثال إمام الدنيا الإمام الرازي وطلابه كالكاتبي والأبهري وأتباع مدرسته وهم كثيرون منتشرون في الآفاق، والإمام سيف الدين الآمدي، الإمام العز بن عبد السلام ، وابن دقيق العيد، والقرافي، والتقي السبكي والتاج السبكي، والأصفهاني، والشيخ زكريا الأنصاري وتلامذته وقد ملأوا الدنيا، ومن الأعلام المشهورين مثل الإمام السنوسي صاحب العقائد الشهيرة، والإمام اللقاني صاحب جوهر التوحيد، وشراحهما، وهم كثيرون، فضلاء مدققون كالدواني صاحب الشرح الشهير على العقائد العضدية، والخيالي عبد الحكيم والعصام والفرهاري أصحاب الحواشي والشروح الشهيرة على شرح العقائد النسفية. والبدر الزركشي والسيوطي، والبيجوري والدسوقي.

    واتصلت جهود أهل الحق في الدنيا شرقا وغرباً حتى أيامنا هذه، فمن الأعلام الذين أثروا بأعمالهم في هذا المجال الشيخ مصطفى صبري والإمام محمد زاهد الكوثري اللذين كان لهم أثر عظيم في المشتغلين بعلم التوحيد وغيره من العلوم في هذا العصر، لا نزال نتعطر بذكرهم ونستفيد من عبق طيبهم. وتلامذتهم منتشرون في البلاد، مفيدين ومستفيدين عاملين حاملين هذه الوظيفة العالية على أكتافهم، حافظين إياها في أرواحهم.

    يتبع......

    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    المشاركات
    2,379
    ثالثا: خلاصة عقائد الأشاعرة

    خلاصة العقائد عندهم: يؤمن الأشاعرة بأنَّ الله تعالى واحد لا إله غيره، وأنه منزه عن الجسمية ومشابهة الحوادث، وأن صفاته كلها قديمة، فإنه لا يتصف بصفة حادثة، ولذلك فإنهم يقومون بتفويض أو تأويل كل خبر أوهم خلاف ذلك، ولا يحملون المعاني على ما هو ثابت للبشر لتأدية ذلك إلى المحظور من تشبيه أو تمثيل، وكل صفاته كمالات لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وأنه متكلم بكلام نفسيٍّ قديم غير حادث، وأنه يراه المؤمنون من خلقه يوم القيامة، بلا حيز ولا حدِّ ولا جهة له في نفسه، كما يعلمونه منزها عن ذلك، وأنه تعالى متصف بالقدرة المطلقة، وأنه فعال لما يريد، لا يفعل بالعلة ولا بالطبيعة، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد وموجدها من العدم إلى الوجود، وأنهم مكتسبوها غير مجبورين عليها، بل مختارون لها مكلفون بناء على هذا الكسب القائم بهم، وأن العالم حادث لأنه من فعل الله تعالى، وأن الله تعالى اختار أن ينزل رسالاته إلى البشر، وليس ذلك واجبا عليه، وأن الأنبياء صادقون لا يكذبون على الله تعالى، مؤيدون بالمعجزات الدالة على صدقهم فيما يبلغون عن الله تعالى، وأنهم أمناء على الشريعة، لا يخونون الله تعالى بقول ولا فعل. وأن الله تعالى يثيب ويعاقب بإرادته، ليس ذلك بواجب عليه، بل كل أفعال الله تعالى فهي بإرادته واختياره ليس شيء منها بواجب عليه جل شأنه.

    وأن اليوم الآخر حق، والبعث وجميع ما أخبر به النبي الصادق المصدوق e حقٌّ، وأن الأصل في أحوال القيامة والتصديق بها على ظاهر ما أخبر به النبيُّ e إذا لا موجب لتأويلها.

    مناهجهم في العقائد: أسباب العلم عند الإنسان الحس أو الخبر الصادق أو العقل السليم، والعقائد، إما أن يستدل عليها بعقل أو نقل، فالأصول منها التي تتوقف عليها المعجزة، إثبات وجود الله تعالى، لا يستدل عليه استدلال إثبات على المنكر إلا بالعقل، ثم يؤتى بالأدلة النقلية لإثبات صدق ما توصل إليه العقل، وما سوى ذلك يجوز الاستدلال عليه بالنقل لا محالة.

    فلا تعارض مطلقا بين العقل والنقل القطعيين، وإن حصل تعارض بين ظاهر وقاطع، فالمعتمد هو القاطع مطلقا، وأما الظاهر المظنون فيؤول إن أمكن، ولا يقدمون العقل على النقل، إذ مفهوم ذلك إبطال النقل، وهم يحيلون ذلك. والتقديم فرع التعارض، ولا تعارض فلا ترجيح إلا مع الظنيِّ.

    ولا يثبت الأشاعرة حكما شرعيا إلا بالنقل، إذ لا حاكم إلا الله تعالى، وهذا الأصل مما تميز الأشاعرة بالبناء عليه، والتفريع، والدفاع عنه فلم يخصصوه بشيء دون شيء.

    رابعاً: وظيفتهم وشمول علومهم

    معارف أهل السنة تشمل العلوم جميعا، أقصد العلوم الأصلية والفرعية والآلية، ولا يتسع المجال لذكر فضائلهم وثمراتهم في هذه العلوم جميعا. ولكن المقصود أن نبين أنهم لا يقتصرون على فنٍّ دون غيره، ولا على علم ويتركون سواه، لأنهم يعلمون أن العلوم تتكاتف وتتآلف، ويؤيد بعضها بعض، ويتفرع بعضها عن بعض.

    وحاصل معارفهم الأصلية نجملها فيما يأتي:

    1- علم التوحيد وهو علم أصول الدين، وهو الذي يتكفل الإجابة عن أهمِّ الأسئلة الأصلية التي يعانيها جنس البشر، ويؤيد أجوبته بالأدلة العقلية والنقلية الكافية الكفيلة ببعث الطمأنينة في القلوب الزكية.

    وهو العلم الذي يتمُّ فيه الجواب عن تأسيس الدين في قلوب العباد، والرد على الشبه الطارئة والقديمة. ونقيح كلام الملل والأديان في كل ما يتعلق بالدين من قريب أو بعيد.

    ولذلك فقد شملت بحوثهم أكثر معارف البشر، من الطبيعيات والرياضيات والفلسفة والأديان، والمنقول والمعقول، وهذا العلم أهم العلوم على الإطلاق، ومنه تستمد سائر العلوم مبادئها، وتتأيد به قواعدها، وتركن إليه نتائجها.

    وفيه بيان المبدأ والمعاد، فهو علم يخدم حقيقة الإنسان، بمعرفة خالقه والاعتقاد بكماله، لا حكم إلا لله. منه المبدأ وإليه المعاد.

    2- علوم الفقه والشريعة والأحكام: وتشتمل على البحث في أحكام البشر في أعمالهم الجزئية العملية، بعد تأسيس اعتقادهم في علم الكلام السابق، وبهذا العلم تتأيد الأخلاق الزكية، وترتاح النفوس العلية، ويسود العدل بين البشر، فما أنزل الله تعالى هذا الدين إلا لما فيه مصلحة الخلق، ولا يستفيد الله تعالى منه ذرة، ولا يتأيد ملكه بما يفعله البشر، كفروا كلهم أو آمنوا.

    ويتكفل الفقه بالبحث عن أحكام الجوارح الظاهرة والباطنة، فهو فقه كيفية العمل الظاهر والباطن.

    3- السلوك والتصوف، وعلم التصوف علم في حقيقته عمل بالعلوم السابقة، التي تؤسس أحكامه، وتضبط قواعده. وبالسلوك في هذا الطريق ينكشف للإنسان ثمرات الإيمان علما وعملاً، ولا يتميز الصوفية عن غيرهم من أهل السنة بعقيدة خاصة، ولا بفقه خاص، بل يتميزون بالعمل والإخلاص لله تعالى، والإخلاص في بواظنهم وظواهرهم له جلَّ شأنه.

    فصار الحاصل: أن علم التوحيد يبحث في علية العمل، وتأسيس ذلك على إثبات وجود الله تعالى، وإرسال الرسل وإثبات النبوات، وحقية خاتم الرسالات، وعلم الفقه يبحث في كيفية العمل الجزئي المبني على تلك الأصول العقائدية الكلية، والتصوف والسلوك هدفه الوصول إلى الغاية التي جعل الدين لها في هذه الدنيا وفي الآخرة، وذلك بجعل الإنسان عاملا بحيث يصير متأهلا لأن ينعم عليه الله تعالى من فيوضاته ومدده، فيزيد من حقيقته وعلو شأنه، ويتخلص من شوائب الأهواء التي تدفع به إلى الحضيض في دنياه وآخرته.

    خامساً: جهودهم في التاريخ الإسلامي

    قام أهل السنة بجليل الوظائف في تاريخ المسلمين، في العلم والعمل جميعا.

    فأهم العلوم كما مرَّ معناه كانت من إنتاجهم، وأهم الدول التي حافظت على بيضة الإسلام ونفوذه كانت دولهم، وما انكسر شأن المسلمين إلا في العصور التي انخفضت فيها رايتهم. وأعمال الصحابة والتابعين في فتوح البلدان ومن تبعهم من دول الأمويين في الشرق والغرب، والعباسيين ومن تبعهم من السلاجقة والأيوبيين والمماليك والعثمانيين، وكذلك الدول التي قامت في المغرب كدولة بني أمية في الأندلس والمرابطين والموحدين في بلاد المغرب، ودول بلاد الهند وما وراء النهر، كل هذه الدول التي قاومت أعداء الدين ووقفت في وجه أعداء المسلمين من التتار والمغول والصليبيين والفرنجة على اختلاف ألوانهم وأشكالهم، وأوقفوا الفرق الزائغة عن التخريب في بلاد المسلمين كمقاومتهم لدولة الفاطميين والقرامطة وغيرهم مما قامت في الشرق والغرب، نقول كل هذا الدول كانت على طريقة أهل السنة والجماعة.

    وأكثر حركات التحرير من استعمار الغربيين والحركات الجهادية في مقاومة الاستعمار كانت ذات عقيدة سنية.

    ولكن أحوال الزمان انقلبت وتغيرهم، وانكسرت شوكة أهل السنة في عصورنا هذه إلى حد كبير، حتى صارت الفرق الشاذة هي المذكورة في هذا الزمان، وانخفضت راية أهل السنة وذلك لتكالب الدول عليهم، واشتداد الأمر وتكالب الظلمات عليهم، والكلام في هذا الشأن يحتاج إلى محل خاص.

    وكذلك قام أهل السنة بالرد على المخالفين للدين من أهل الأديان والمتفلسفة والمنحرفين من الفرق الإسلامية، والمنتسبين إليه من الباطنية والملاحدة، وجهودهم غير خافية على أحد من الناس.

    يتبع....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    المشاركات
    2,379
    سادساً: الأشاعرة في الأردن

    تفاعل الأردن -كغيره من بلاد المسلمين- مع العلوم الإسلامية والمعارف الدينية، وظهر فيه أعلام كثيرون كالمحدث العجلوني صاحب كشف الخفاء، والكركي الفقيه، وغيرهما. وقد كانت منطقة الأردن مركزا مهما في مختلف الدول الإسلامية، ولذلك ظهرت فيها مراكز عسكرية وسياسية مهمة في مختلف الفترات، كمدينة عجلون بما تشتمل عليه من مواقع كالقلعة المشهورة، وبعض مناطق الصحراء في منطقة الأزرق، ومدينة الكرك، والعقبة وغيرها من مدن. ولا سيما أنه قربها من بيت المقدس، وإطلالها عليه واختلاط أهلها بأهل تلك الديار، كان عاملا رئيسا أضفى أهمية عظيمة على الأردن الجغرافية في الأزمنة المختلفة. ولا يجوز أن نغفل تأثير الدولة العثمانية مع تبنيها مذاهب أهل السنة في الفقه والعقيدة على أهلها كغيرها من البلدان الإسلامية.

    ومنذ تأسيس الأردن كأمارة ثم مملكة، كانت الدولة حريصة على روح الاعتدال أن تسود في البلاد، وبناء على ذلك فقد جاءت إشارات كثيرة تدلُّ على ميل الحكام والقضاة والموظفين الكبار من أساتذة الجامعات إلى المذاهب المعتدلة، وعلى رأسها مذهب الأشاعرة بصفته ممثلا مهما لأهل السنة والجماعة الذي ينتمي إليه أغلب سكان الأردنّ.

    ومما يدلُّ على أهمية المذهب الأشعري بالنسبة لمؤسسي الأردن، ما جاء في بعض كتب مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية الملك عبدالله الأول، فقد ورد في كتابه المسمى "عربي يتحدث عن العرب" في الفصل الأول منه بعنوان "من أنا":"ما هي كيفية الإيمان بالله؟ تؤمن بوجوده تعالى وبصفاته العشرين، كالوجود والقدم والبقاء والحدانية، ومخالفة الحوادث، والقدرة، والإرادة، والسمع والبصر، وما يستحيل في حقه تعلى من ضد تلك الصفات العشرين، كالعدم والحدوث والمماثلة للحوادث،والعجز والجهل، وما يجوز في حقه تعالى كفعل كل ممكن وتركه، وغير ذلك مما تجده في مطولات كتب التوحيد([7])"، ولا شكَّ في أن هذا الكلام عبارة عن ملخص في العقيدة على مذهب الأشاعرة، فها هو يعدُّ الصفات العشرين، سبعة معاني، وسبعة معنوية، وخمسة سلبية، وواحدة هي الوجود، يكون الناتج عشرين صفة، يعرف العالم أنه يتبع في ذلك ما اشتهر من علماء التوحيد على طريقة الإمام السنوسي، كما اعتمدها متأخرو علماء التوحيد. وترى أنه لا يصرف طالب العلم عن طلب التفاصيل التي لم يذكرها في كلامه المختصر هذا، بل يحيله بكل تواضع إلى مطولات علم التوحيد، وهي كتب علم العقيدة التي كتبها أهل السنة والجماعة.

    ويلاحظ أن عدداً من كبار أساتذة الجامعات –في الأردنَّ- كانوا قد درسوا في الأزهر الشريف ذي العقيدة الأزهرية، ولذلك ظهر تأثيرهم –وإن كان بصورة متفاوتة- على طلابهم عندما رجعوا إلى البلاد يدرسون فيها ويفيدون طلابهم. ولكن لا بدَّ من القول أن كثيرا من الأساتذة الأفاضل قد احجموا –بتأثير واضح منا لهجمة الواهبية وأساتذة الجامعات السعودية الذين لا يتركون فرصة للدفاع عن مذهبهم وترويج رؤيتهم- عن تدريس تفاصيل علم التوحيد نظراً لما كانت تواجهه البلاد الإسلامية في تلك الفترة الزمانية من هجمات على كل ما هو أصيل عند المسلمين، وعلى رأس ذلك كله علم التوحيد، على طريقة الأشاعرة من أهل السنة، فقد كان أغلب الكتاب في ذلك المجال ينفرون الناس –عامتهم وخاصتهم- من الدخول في تفاصيل المسائل العقائدية، وكانوا يحضونهم على اتباع طريقة الإجمال والاقتصار على نظرات أولية في نصوص الكتاب والسنة، بدعوى أنَّ التعمق يدعو إلى الخطأ وإلى التعصب للرأي وإلى تشتيت جهود المسلمين، وتفرقهم. مع أننا نعلم جميعا مما درسناه من التاريخ أن وحدة المسلمين في كل عصر من العصور الصعاب التي واجهتها أمة الإسلام، لم يمكن الوصول إليها إلا بعد فترة نهضة علمية دقيقة وعميقة يتم فيها دراسة معارف أهل السنة وعلومهم، تلك المعارف والعلوم التي تشكل العون الأعظم على تجاوز الصعاب في هذا الحياة الدنيا وإيجاد الحلول للإشكالات التي تواجهها أمة الإسلام. ولذلك فإننا نستطيع أن نقول إن أثر هؤلاء الأساتذة لم يظهر كما ينبغي في توجيه الأجيال المتعاقبة إلى النهل من عقيدة الأشاعرة والاستفادة منها كما ينبغي، بل كانت عقيدة الأشاعرة تدرس عند أكثر هؤلاء الأساتذة في الجامعات الأردنية، كما بنفس الطريقة التي يدرسون فيها خصائص الاعتزال والتشيع وغيرهما من المذاهب العقائدية الإسلامية، فلا يحضون الطلاب على التمسك بعلوم الأشاعرة، ولا حتى على التعمق فيها، بل إن التحذير من هذا كله هو السائد في مختلف الجامعات الأردنية، كما أن هذا تصاحب مع هجمة شديدة على علم الكلام في مختلف الكليات والتخصصات الشرعية الأخرى في الجامعات الأردنية، كأصول الفقه والفقه والتفسير والحديث، فقد درج أغلب الأساتذة فيها على تنفير الطلاب من علم الكلام، وادعاء أن علم الكلام كان السبب في تأخر العلوم الشرعية كلها، وقد سمعت بأذني أحد كبار الأساتذة في الجامعة الأردنية يقول في مناقشة لرسالة دكتوراه:"إن امثال ابن الحاجب عقدوا أصول الفقه، ولم يكونوا يهتمون بامور المسلمين، وأغرقوا في التعقيد، أين كان ابن الحاجب حينما احتلت فلسطين"، وسمعت غيره من أساتذة العقيدة في الجامعة الأردنية أيضا، بل من الراسخين فيها يقول غير مرة:"إن علم الكلام شتت الأمة، وبدل عقائدها، ولا بدَّ للأمة من أن تعود إلى عقيدة ما قبل الخلاف، ولا بدَّ أن تنبذ كل مذهب وطريقة، سواء كانت طريقة الأشاعرة أو المعتزلة أو غيرها"، وفي الوقت نفسه ترى هذا الدكتور الذي يدعي التجديد وبعد النظر يبالغ في توقير ابن تيمية في مختلف مواقفه، ويحض الطلاب على الاستفادة منه، بل إنه يقرر شرح العقيدة الطحاوية مع ما فيه من دراسة لتفاصيل المسائل على طريقة أخرى غير طريقة أهل السنة، ومع ما فيه من خطل وتشوهات، فهؤلاء الأساتذة يكتفون بالإشارة إلى الأشاعرة ولا ينسون من تحذير الطلاب من الخوض في مسائل التوحيد، وكأن علم التوحيد غول يخوَّف منه الناسُ، مع أنه من أهمِّ العلوم كما اتفقت عليه كلمة العلماء الأعلام، ويكتفى في هذه الكليات الشرعية بأن يُلقَّن الطالب بعض المسائل تُلقى إليه من خارج، وكأنه يشرف على دار غيره! فلا يجوز له أن يتعمق في معفة التفاصيل، ويحذر من ذلك كله بشتى الوسائل والطرق، وانعدام الغوص فيها يفقد الطالب تذوق معانيها الحقيقية، وتفوته الفائدة العظيمة التي كان علماؤنا يحثون طلاب العلم على اقتناصها، فظلت أكثر عقول طلاب العلم قاصرة عن إدراك حقيقتها.

    مفتو المملكة الأردنية الهاشمية والأشاعرة

    أُسِّسَتْ دائرةُ الإفتاء في المملكة الأردنية الهاشمية في عام 1921م، ومنذ ذلك التاريخ كان الإفتاء يراعي فيه المذهب الحنفي والذي كان معمولا به في أيام العهد العثماني، وكان المفتي يجيب الناس عن أسئلتهم سواء منها ما يتعلق بالعبادات أو المعاملات أو الأحوال الشخصية.

    وكان يعين إلى جانب كلِّ قاضٍ أحد المفتين في المدن الكبيرة والصغيرة، ويستعين القاضي بالمفتي على حل المشكلات الإجتماعية، كما أن المفتي يحيل إلى القاضي الأمور التي لا تدخل تحت اختصاصه مما يحتاج إلى بينات وشهود. وبقي الإفتاء على هذا الحال حتى تم تعين الشيخ حمزة العربي مفتيا للدولة سنة 1944م بإرادة سامية. كما عين في العام نفسه الشيخ عبد الله العزب مفتيا للجيش الأردني.

    وفي عام 2006م صدر قانون يقتضي باستقلال دائرة الإفتاء العام عن وزارة الأوقاف وغيرها من الجهات الرسمية وأصبحت رتبة المفتي تعادل رتبة وزير في الدولة، وبهذا استقل الإفتاء عن أجهزة الدولة الأخرى، وما يزال العمل جاريا لترتيب شؤون الفتوى ودعمه بالفقهاء والمتخصصين بعلوم الشريعة الإسلامية، بحيث تقسم الواجبات فيما بينهم، ويتولى كل قسم رعاية ومعالجة جانب من جوانب حاجات المجتمع.

    هذا وقد تولى منصب المفتي العام في الأردن عدد من العلماء هم : الشيخ حمزة العربي ثم الشيخ عبد الله القلقيلي ثم الشيخ محمد عادل الشريف ثم الشيخ محمد عبده هاشم ثم الشيخ عز الدين الخطيب ثم الشيخ سعيد الحجاوي ومن بعده الشيخ الدكتور نوح علي سلمان، وهو آخر المفتين في الأردن، وله شرح على جوهرة التوحيد أشهر متن من متون الأشاعرة.

    وهؤلاء الأكابر على طريقة الأشاعرة في العقائد، أما في الفقه فهم إما أحناف أو شافعية.

    ومما جاء مؤيداً لقبول المذهب الأشعريِّ في الدوائر الرسمية للمملكة الأردنية، ومنها دائرة الإفتاء العام في الأردن جواب سؤال نوردهما للأهميته:

     رقم الفتوى : 489

     التاريخ : 02/02/2010

    السؤال: هل أهل السنة في الأردن هم الأشاعرة؟

    الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

    الأشاعرة هم جمهور أهل السنة والجماعة من المالكية والشافعية، وأما الحنفية فهم ماتريدية يتبعون أبا منصور الماتريدي (333هـ)، والخلاف بينهم وبين الأشاعرة محدود، وأما الحنابلة فبعضهم أشاعرة، وبعضهم عرفوا بـ " الحنابلة "، وأطلق عليهم فيما بعد اسم " السلفية ": وجميع هؤلاء هم أهل السنة. ويقابلهم المعتزلة والخوارج.

    ومجمل العقيدة التي يقررها أهل السنة مستمدة من أصول الكتاب والسنة، وأما بعض التفاصيل الكلامية فهي مسائل اجتهادية الخلاف فيها سائع، ولا ينكر علماء الكلام فيها بعضهم على بعض.

    ونسبة الأشاعرة ترجع إلى الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (324هـ) رحمه الله، وهو الإمام الذي سلمت الأمة له بالقبول والرضا في علوم التوحيد، وأثنى على تقريراته العلماء، إذ كان صاحب سنة ومنهج معتدل، حتى روى الإمام البيهقي رحمه الله في "السنن الكبرى" (10/207) أنه لمَّا قَرُبَ حضور أجل أبي الحسن الأشعري قال لبعض أصحابه: اشهَدْ عليَّ أنِّي لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات.

    وقد ظهر الإمام أبو الحسن الأشعري في زمن استفحل فيه أمر المعتزلة والفلاسفة الذين يُقَدِّمُون معطياتِ عقولهم على نصوص الكتاب والسنة، وكان يقابلهم بعض الحنابلة الذين يُقَدِّمُون ظاهر النصوص على معطيات العقول، فاختط أبو الحسن الأشعري منهجا يجمع بين العقل والنقل، وقال تلاميذه: الشرع كالشمس، والعقل كالعين، ولا يكون الإبصار إلا بهما.

    وقد ارتضى منهجه كبار علماء المسلمين من الحنفية والشافعية والمالكية وطائفة كبيرة من الحنابلة. والله أعلم.اهـ وقد روجع الجواب ودُقِّقَ بإشراف الشيخ نوح القضاة المفتي العام للمملكة.


    انتشار المذهب في الأردن:

    يلاحظ أنه في حتى السبعينات والثمانينات والتسعينات كان أكثر الحضور للمذهب الوهابي القادم بدعمٍ من المملكة العربية السعودية، وكان يعمل من أجله كثير من الموظفين الرسميين وغير الرسميين لتسويغه إلى الناس وتقريبهم منه، وقد تأثر الأردن كما تأثرت غيره من البلدان العربية، بهذا الانتشار لهذا المذهب، وأثر ذلك في حضور المذهب الأشعري وتمثيل رجالاته في مختلف المواقع الأكاديمية وغيرها، وتزعزعت مكانته في نفوس الناس، إلى حدِّ أن إعلان أحد عن أشعريته كان مستغربا جدا، بل محل مواجهة عنيفة في أكثر الأحيان.

    ولكن هذا الوضع قد تغير بعد ذلك، تبعا لظهور صحوة أشعرية، وجهود جبارة بُذِلَتْ للدفاع عن المذهب الأشعريِّ وإثبات مكانته عند أهل السنة والجماعة، وأنه ليس مذهبا مبتدعا كما يصفه الآخرون. وتبعا لتلك الهجمة الشرسة التي وُجِّهَتْ إلى المذهب الأشعري، ولما تبعها من آثار في أتباع المذهب في البلاد، جاء في رسالة عمان النصُّ الآتي:"ووفقاً لما جاء في فتوى فضيلة شيخ الأزهر، لا يجوز تكفير أصحاب العقيدة الأشعريّة، ومن يمارس التصوّف الحقيقي([8])"، حفاظا على حقيقة احترام هذا المذهب، وأصالته وكونه ممثلاً لأه السنة والجماعة.

    وقد بدأ المذهب الأشعري –مذهب أهل السنة والجماعة- في الانتشار شيئا فشيئا إلى أن وصل الآن إلى منزلة مقبولة بين المثقفين وكبار الموظفين، وبدأت الثقة تعود بهذا المذهب العريق شيئا فشيئا، ولكن ما يزال يلزم الكثير لتوطيد اركانه في نفوس طلاب العلم ورواده.

    ومن المعلوم أن هناك نسبة كبيرة من أئمة المساجد ينتمون إلى الأشاعرة، ويعرفون المذهب الأشعريَّ معرفة جيدة، وكذلك أساتذة المدارس، فضلا عن تبني بعض مشايخ القبائل الأردنية لبعض الطرق الصوفية، وتغلغل هذه الطرق فيهم، وتراهم يصرحون بانتمائهم إلى المذهب الأشعريِّ ويفخرون بذلك. وهذا يعطي فكرة عن مدى انتشاره بين أبناء الأردن.

    ومما يذكر أن كثيراً من الطرق الصوفية تنتمي إلى هذا المذهب، وإن لم يصرح جميعهم بذلك، بل يكتفون بالقول بأنهم صوفية، ولكن الناقد الخبير يعلم أن أغلب عقائد الصوفية مرجعها إلى المذهب الأشعري. ولا يطرد هذا الحكم على بعض الطرق الصوفية التي خرجت عن معتقد الأشاعرة وزادت عليه ونقصت منه، وهذا ليس بمستغرب، فإننا لا ننسى أن الدولة العثمانية كانت تعتمد اعتمادا عظيما على الطرق والمشايخ الصوفية في توطيد اركانها بين المسلمين في مختلف البلاد.

    وصار الباحث يرى بين حين وآخر مقالات في الصحف تدافع عن المذهب الأشعري، وتؤكد رسوخه في مذهب أهل السنة ومكانته العالية بينهم، وذلك في مقابل الذين يتهمونه بالابتداع والانحراف، وصار ينتشر عدد من الكتب لا بأس به في المكتبات العامة والتجارية توضح مفاهيم الأشاعرة وتدافع عنهم أمام متهميهم.

    ويُظهِرُ إعادة تأسيسِ [جامعة العلوم الإسلامية العالمية] على أسس تحاول أن تراعي عدم مخالفة المذهب الأشعري بوصفه الممثل الاٌقوى لأهل السنة والجماعة، مدى القَبول الذي انتهى إليه طور هذا المذهب في الأردن حتى هذا الوقت، ولكن ما يزال ذلك الغرض -في نظرنا- تحت الخوف من أن تتعرض هذه الفكرة لأن تُهضم وتُغَـيَّـر عمَّا أُريدَ لها شيئا فشيئا، وذلك نتيجة لعواملَ كثيرةٍ لا يتسع المجال لحصرها الآن.

    وليس من الدقة أن يقال: إن مذهب الأشاعرة يلاقي -الآنَ- قبولا جادا أو عاما لدى المؤسسات والمعاهد التعليمية والبحثية، ولا عميقا واعياً لدى كثير من الناس، وذلك نتيجة للحملة الشديدة من حملات التشويه التي قامت بها أكثر من جهة تواطأت على ذلك التيمية (الوهابية) والعلمانيون من مختلف الاتجاهات وغيرهم.
    ولكن يمكن القول: إنَّ أبواب القبول والارتياح بدأت تنفتح أمام معارف أهل السنة من الأشاعرة، وما زال الأمر تنتظر كثيرا من الدراسات التي تكشف عن عمق علومهم ودقة محاكماتهم للآراء والأفكار، مما يشكل عيناً يستمدُّ منها أصحاب الأفكار الجادة لمجابهة كثير من شؤون العلم والمعرفة في هذا العصر.



    والله الموفق



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1] ) انظر طبقات الشافعية الكبرى (3/347) وما بعدها.

    ([2] ) ترتيب المدارك في أعلام مذهب الإمام مالك (5/27).

    ([3] ) وهذه كلمة حقيقة أن تكتب بماء الذهب لتكون نبراسا وعبرة وقاعدة للعاملين.

    ([4] ) ترتيب المدارك، (5/24).

    ([5] ) طبقات الشافعية الكبرى (3/365).

    ([6] ) طبقات الشافعية الكبرى(3/367)

    ([7] ) الآثار الكاملة للملك عبدالله بن الحسين، ط4، 2008، مطبعة السفير، ص397.

    ([8] ) وهذه العبارة جاءت في النصِّ الأول من رسالة عمان، وقد جاء في التعريف برسالة عمان في موقعها الرسمي على شبكة المعلومات الدولية "رسالة عمان" النص الآتي: جاءت رسالة عمان كبيان مفصّل أصدره صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، عشيّة السابع والعشرين من رمضان المبارك عام 1425هـ/ التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2004م، في عمّان، الأردن. وغايتها أن تعلن على الملأ حقيقة الإسلام وما هو الإسلام الحقيقي ، وتنقية ما علق بالإسلام مما ليس فيه، والأعمال التي تمثّله وتلك التي لا تمثّله. وكان هدفها أن توضح للعالم الحديث الطبيعة الحقيقية للإسلام وطبيعة الإسلام الحقيقي".
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    المشاركات
    2,379
    وها نحن نرفق لكم البحث بصورة ملف يعمل تلقائيا e-book
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,917
    جزاكم الله عنا خير الجزاء سيدي أبا الفداء .. وبارك لكم في عمركم وعملكم ..
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    المشاركات
    158
    بارك الله فيك شيخنا و أستاذنا

    اللهم أعز أهل السنة و أذل أهل البدعة
    في الصحيحين : عن أبي هريرة قال : ما زلت أحب بني تميم منذ ثلاث ، سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيهم ، سمعته يقول : " هم أشد أمتي ، على الدجال " ، قال : وجاءت صدقاتهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذه صدقات قومنا " ، وكانت سبية منهم عند عائشة ، فقال : " أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل "

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jun 2004
    المشاركات
    2,542
    بارك الله فيكم سيدي الشيخ سعيد
    وأسأل الله تعالى العزة والثبات لأهل الحق
    وأسأله أن يكشف زيف وعوار من خلّط على الناس صحيح معتقدهم.
    ولعل في ما كتبتم لفتة لأهل العلم والشأن بإعلاء قدر علماء أهل السنة، وتقرير مناهجهم في المدارس والجامعات، دون أن يكون ذلك على استحياء منهم.
    وفيه لفتة كريمة لأدعياء العلم بالعودة إلى المصادر الأصيلة من كتب علمائنا، وأن يتداركوا أنفسهم بتعلمها، وأن لا يبقوا على ما هم عليه من جهل بمعتقد أهل السنة وعلومهم، وإن كان منهم من وصل مبلغا في الشهادة العلمية دون أن يتقن شيئا من علومهم.

    ولعلكم سيدي تكملوا الحديث حول المناهج، وما ترونه مناسبا ليعمم تدريسه في بلدنا الحبيب، عودة لأصالة منهج علمائنا وعلومهم.
    ودمتم بخير وعافية
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •