النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: منهج التعامل مع أحاديث أحوال الآخرة

  1. #1

    منهج التعامل مع أحاديث أحوال الآخرة

    منهج التعامل مع

    أحاديث أحوال الآخرة







    كتبه

    سعيد فودة











    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وبعد

    مقدمة

    لا بدَّ قبل الشروع في البحث من ان نقدم مشكلة البحث، والغاية من هذا البحث، وطريقة البحث المتبعة.

    1-مشكلة البحث

    وردت في الشريعة الإسلامية أحاديث تتكلم عن أوصاف اليوم الآخر، من الحشر والنشر والبعث والميزان والكتب والحساب، والصراط والحوض، ونحو ذلك، وقد درج أكثر المسلمين على التسليم بظواهر هذه الأحاديث، ما دام لا يوجد سبب موجب لصرفها عن ظاهرها، وعلى ذلك درج علماء أهل السنة، ولكن بعض الإسلامين أولّ بعضا منها، لأسباب خاصة بتلك الموارد.

    وبعض الفرق الباطنية المنتسبة إلى الإسلام بالغت في التأويل وصرفها عن ظاهرها، بل إن بعض الفرق الناشئة أولت كل ما يتعلق باليوم الآخر، حتى حقيقته نفسه، فجعلت اليوم الآخر دالا على حياة دنيوية لها قوانين مطردة مستقرة.

    وقد درجت بعض الاتجاهات العلمانية والحداثية المعاصرة على خلخلة الفكر الإسلامي (عقائد وفقها وأخلاقا) عن طريق التشكيك في المفاهيم المأخوذة من الشريعة، ومنها تلك الأحاديث المتعلقة بموضوع البحث، فزعموا أنها مخالفة للعقل، أو لا يجوز حملها إلا على أمور معنوية وغير ذلك من مواقف ناشئة عن نظرتهم الخاصة تجاه الأديان كلها، والمنكرة لها من أساسها، والقاطعة بأن مصدرها ليس إلهيا، وإن كان إلهياً فلا علاقة له بالدنيا، ثم إنه في نظرتهم لا وجود لحياة آخرة بالصورة التي وردت في النصوص الدينية (آيات وأحاديث).

    وهذا التفاوت في النظرة تجاه هذه النصوص تدفعنا إلى البحث عن آلية علمية للتعامل معها، ونقد الآراء الآخرى المشار إليها بناء على الأسس العلمية.

    2-خطوات البحث

    سنقوم بمعالجة المشكلة باتباع الخطوات الآتية

    أولا: وضع الأسس التي تقوم عليها تلك الأحاديث وطرقة فهمها.

    ثانيا: ذكر الأسس التي اعتمد عليها المخالفون بغض النظر عن اتجاهاتهم وغاياتهم.

    ثالثا: ذكر خلاصة البحث والنتيجة.

    وسنعتمد في بحثنا هذا الطريقة التحليلة النقدية، فهي الملائمة لأصل المشكلة المبحوثة.

    3-الغاية من البحث

    الوصول إلى فهم صحيح مبني على طريقة علمية معتبرة عن العقلاء، وتحليل الشبه والأدلة التي يعتمد عليها المخالفون للطريقة التي درج عليها علماء أهل السنة.





    ا
    لباب الأول

    أسس في فهم أحاديث أحوال الآخرة

    تمهيد نظريٌّ



    الأسس العامة التي يتم التعامل بها مع نصوص الشريعة، مبنية على مقدمات ومبادئ إذا سلمت سهل حلُّ المشكلة، وتيسر الوصول إلى تفاهم حول ما ينشأ من أفهام مختلفة فيها.

    أهمَّ الأسس التي يبنى عليها الموقف في هذا المبحث

    1-إن الله تعالى قادر على كلِّ شيء، فقدرته تعالى متتعلقة بكل ممكن، ولا يجوز تخصيص قدرته ببعض الممكنات، ولا يجوز القول إن الله تعالى عاجز عن بعض الممكنات، فإن عجز الإله عن بعض الممكنات يبطل كونه إلها، لأن عموم التعلق لازم من لواز الصفات الإلهية كما أثبته أهل السنة، وعموم المتكلمين في كتب التوحيد.

    كما أنه لا بدَّ من استحضار أن الله تعالى هل هو فاعل بالعلة والإيجاب أو أنه فاعل بالاختيار والإرادة، وهل تكون أفعاله تابعة لأمور يقترحها البشر، ويظنون أنها هي الحكمة والصورة الواجبة.

    لا ريب أنه قد ثبت في قواعد علم الكلام أن الله تعالى فاعل بالاختيار، وأن الزعم بأنه جلَّ شأنه فاعل لغرض أو لعلة أو للإيجاب، ينقص من مقام الألوهية بل يبطلها من أصلها. فلا معنى لإله يجب عليه القيام بأفعال معينة لعباده الذين هم مخلوقات له اخترعهم لا من شيء وكونهم بعد أن لم يكونوا، ولا معنى لأن يقال إن الإله لا يجوز له أن يقوم بفعل معين أو نحو ذلك، فإن ذلككله يقدح في ألوهيته. ويجعله تابعا للمخلوقات متوقفا كماله على مخلوقاته، والحال أن الإله هو فاعل المخلوقات كلها، وهو يعطيها الكمال.

    وهذا يستلزم أن العلاقات الكائنة بين أفراد هذا العالم الموجود ليست علاقات واجبة لها لذاتها، بحيث يستحيل نظام آخر عليها، وتمتنع عقلا صورة أخرى لها، كما يزعمه بعض من يتوهم أن صورة العالم واجبة وجوبا ذاتيا له وأنه يستحيل عليه أي صورة ونظام آخر.

    ووجه مدخلية هذه القاعدة في حلِّ موضوع البحث، هو أن بعض الناظرين فيه قد يعتقدون أن أمرا من الأمور محال، أو لا يليق بالله تعالى، كونه عبثا أو بلا حكمة ظاهرة لهم، أو أن أحوال الآخرة لا يصح ذوقا أن تكون كما هي الصورة التي وضحتها بها الشريعة المطهرة. فيدفعه اعقتاده هذا إلى اعتقاد كون ذلك سببا كافيا لصرف تلك النصوص عن ظواهرها، ثم تجعله بعد هذا الاعتقاد يتلبس بالحيدة عن القواعد العلمية المتبعة في هذا المقام، فيصرف الألافظ عن معانيا الظاهرة بلا دليل كاف، بل ربما يقوم باختراع قواعد وضوابط كلية ينسبها إلى اللغة العربية، لم تعهد عند أصحاب اللغة، ولم ينصَّ عليها أو يقترحها أحد من المتقدمين، وهكذا.

    2-إن الله تعالى أنزل الشريعة لهداية البشر، وخاطب البشر بلغة يفهمونها، فالأصل اتباع قواعد تلك اللغة في فهم النصوص الإلهية، وأحاديث النبيe ، فلا معنى لتخصيص الأحاديث النبوية الشريفة بنوع خاصٍّ من القواعد اللغوية، يتمُّ التعامل بها مع الأحاديث والآيات. فإن الأصل أن الخطاب إذا كان مؤلفا بلغة من اللغات أن يتبع الخطاب قوانين تلك اللغة، وقواعدها، سواء كانت قواعد عامة: كما لو قلنا إن الأصل في الألفاظ حقيقتها، أو أن الأصل عدم التخصيص، أو أن الأصل عدم الاشتراك، ونحو ذلك، كما لو قلنا إنه لا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره إلا بدليل وقرينة كافية، وسبب دافع لهذا التأويل والصرف، أما مع غياب هذا السبب والدليل، فلا وجه للعدول عن ظاهر الخطاب.

    وإنما نقول إنه لا وجه للعدول عن القواعد المطردة في اللغة، إلا بدليل يكون هو في نفسه قاعدة أيضا لها شروطها الخاصة التي توجب العمل بها عند توافرها، لأنه إن لم نقل بذلك، يلزم قلب اللغة عما جعلت له، فاللغة جعلت ووضعت لتكون وسيلة موصلة للمعاني والمفاهيم والتفاهم بين البشر، ولذلك كان لا بدّ أن تضبط اللغة بقواعد معلومة معروفة على الجملة، وإن حصل النزاع في بعضها، لكن النزاع أيضا مضبوط بقواعد كلية لا يجوز العدول عنها. فمجال الوضع المبتدأ بلا قاعدة مطردة في اللغة قليل جدا، ويكاد يقتصر على وضع المفردات التي من قبيل الأسماء أو الإشارات والعلامات.

    أما أن يقال بوضع قواعد لغوية جديدة للغة قديمة ذات تاريخ، ثم يتم الاقتراح أن يعاد فهم النصوص التي تمَّ صياغتها منذ القدم بناء على أساس هذه القواعد المحدثة المقترحة، فلا شك أن ذلك قلب للموازين، وصرف للغة عن نظامها الموضوعة له، وغايتها المجعولة لها.

    ثم إن هذا الفرض يستلزم ألا تكون اللغة وسيلة للتفاهم مطلقا، وذلك لأنا إذا جوزنا اختراع ثقواعد عامة في اللغة يعاد فهم النصوص القديمة بناء عليها، فهذا الفرض يجوز لأي كان أن يعيد وضع قواعد في كل فترة من فترات التاريخ، ويلزم عندئذ ان يستحيل حصول فهم اللاحقين للسابقين، لأن كل طائفة من هؤلاء اعتمدت في صاياغاتها اللغوية على قواعد خاصة لهم، يعرفونها م ويصطلحون عليها. ويكون الامر في الحقيقة أنهم يتعاملون بلغات مختلفة لا لغة واحدة، وفي نفس الوقت –أي مع كونها في حقيقة الأمر لغات مختلفة لتعدد تلك الفقواعد الكلية- يقترحون تفسير نصوص قديمة بقواعد محدثة لا يعتبر مستعمل تلك النصوص ولا مخترعها أبداً. وهذا بلا ريب نوع من السفسطة، يفضي إلى أن لا يكون لواضع النص الأول أي مدخلية في دلالة القارئ على المعاني التي يريدها، لأن القارئ في الحقيقة يستعمل قواعده هو لاستنباط معانٍ جديدة من تلك النصوص القديمة، ولكن هذه القواعد الجديدة المحدثة لم تكن معهودة ولا مقصودة عن المتقدمين. وذلك مفضٍ بلا ريب إلى أن يكون الواضع للمعاني هو القارئ للنصوص، لا مخترع تلك النصوص وقائلها وكاتبها.

    ولو تأملنا في هذه المعاني لرأينا أنه نوع من السفسطة المحضة، المبني على هوى محض، وتحكم بلا دليل.

    بل هو يفضي إلى أمر خطير آخر، وهو: أنه لا هداية بالفعل في الشريعة، لأنه إذا كانت تلك المعاني المقترحة الجديدة لا يمكن الوصول إليها إلا بالقواعد المقترحة والتأويلات التي لا قاعدة لها، وهذه التأويلات والقواعد لم يقصدها الناصُّ ولا واضع تلك النصوص، فيكون الحاصل أن الذي يجعل تلك النصوص القديمة دالة على المعاني المحدثة هو واضه تلك القواعد المبتدعة المحدّثة، فأين معنى الهداية الإلهية إذن؟ وما معنى أن الشريعة هي التي تهدي الناس إلى الحق، وتدلهم على الصواب والخير؟ والحال بناء على ذلك الاقتراح الغريب أن الهادي يكون المعاصرين من البشر المقترحين لتلك الطريقة المحدَّثة من الفهم!

    إنَّ المقترح لهذه الاقتراحات، إنما يريد إلغاء ما جعلته الشريعة من هداية في المعاني المدلول عليها بالنظم الخاص الذي يتوصل إلى فهم معانيه بقواعد معتبرة عنده كما هي معتبرة عند أهل اللغة. فهو إلغاء مبطن لمعاني الشريعة إذن، ودعوى أن لا هداية في الشريعة، والهداية مأخوذة من الناس الذين اخترعوا هذه القواعد المحدثة. ولا ريب أن من يتجرأ على أن يقول بهذا المعنى على سبيل العموم لا يكون إلا من الملحدين المبطلين لأصل الشرائع. وهذا الحكم ليس سبابا، بل هو وصف حالٍ لصاحبه.

    3- من المقبول تماما، أنا إذا فرضنا أن نصا من النصوص النبوية أو القرآنية، يدلنا بناء على القواعد المعتبرة عند أهل اللغة العربية على معانٍ معينة، فهناك أمور:

    الأول: أننا استعملنا قواعد معتبرة في فهم نصوص ثبتت صحتها، أي صحة نسبتها إلى النبيe ، فهذا رجح عند العقلاء أن هذه المعاني المتوصَّل إليها هي المقصودة بالفعل من النبيy لا غيرها، لأنها لو أراد الدلالة على غير هذه المعاني لسلك طرقا أخرى في الكلام تدلُّ بواسطة القواعد المعهودة عليها، ويستحيل عادة –عند العقلاء- أنْ يقوم النبيُّ الكريم صلى الله عليه وسلم بإرادة معان أخرى غير تلك المفهومة منها، وهو يقول للناس أجمعين: إنه يكلمهم بالأمور الواضحة البينة، ويبالغ في البيان لهم، وأنه أرسل إليهم بلسانهم، ومعنى بلسان عربي مبين أي قواعد وألفاظا وطريقة فهم، لا مجرد ألفاظ، ولم يرسل إليهم بلسان أعجمي غريب عنهم، كما يقترحه أهل الحداثة الإلحادية والعلمانيون.

    الثاني: لو نظرنا في ذلك المعنى من حيث هو هو، لا من حيث هو مفهوم من النص النبوي الشريف، وتأملنا فيه، وكان هذا المعنى ممكنا عقلا، لا باطلا، ولا مخالفا لقواعد الشريعة المقطوع بها، لكان ذلك دليلا آخر على كونه مرادا للنبي الكريم عليه السلام. ولكن لو كان هذا المعنى المفهوم بواسطة القواعد الكلية للغية محالا عقلا، ونحن هنا نفرض مجرد فرض، أو كان المعنى المفهوم من حديث آحاد مخالفا لمعنى مدلول عليه بالنصوص القطعية قرآنا كانت أو سنة، لكانت هذه المخالفة نفسها داعية إلى إعادة الفهم، أو تأويل اللفظ عن ظاهره إن أمكن، وربما تكون دالة على كون هذا النص الآحاديِّ غير صحيح، وهذا نوع من نقد المتن بعد نقد السند.

    الثالث: لو فرضنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنني لم أرِد هذا المعنى بل أردت معنى آخر، ودلنا عليه، أو أبهمه علينا، لكان هذا دليلا على عدم جواز أخذنا بهذا المعنى الظاهر، ولزوم توقفنا عند لفظه. ولكن ما دام استعمل القواعد المطردة، تلك القواعد التي اطرد استعمال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إياها في أحاديثه الأخرى، وكان دائما يقول إن ما تفهمونه بحسب فصيح الكلام والقواعد الثابتة هو الذي أريده، لكان ذلك دليلا آخر على كون النبي صلى الله عليه وسلم مريدا هذا المعنى الخاصّ في هذا المورد، استقراءً.

    الخلاصة

    إذن: نخلص مما مضى إلى القول بأن معنى الحديث النبوي الشريف، إذا كان ممكنا عقلا، وغير منافٍ للألوهية، بعد ثبوت نصه، وصحة الفهم منه بحسب القواعد اللغوية المطردة العامة التي يعتمد عليها في فهم الأحاديث الأخرى، فإن الأصل أن لا نصرف هذا الحديث عن ظاهره، ومعنى قولنا إن هذا هو الأصل، أي إنه الواجب، ولا يعني ذلك أنه الأصل ولكن يجوز الخروج عليه، فالعمل بالأصل واجب إلا إذا فرضنا دليلا خاصا يوجب علينا الخروج على هذا الأصل لأصل غيره. ولا خروج ولا عدول عن أصل إلى غيره إلا بدليل، فلا يجوز تحكيم محض الهوى والرأي غير المدعَّم بقرينة ولا بينة. وهذا هو معنى قول أهل السنة في أحوال الآخرة:"إذا كان المعنى ممكنا، وصح سنده، فلا معنى للعدول عنه".

    -------------------------------------------

    يتبع.......
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    الباب الثاني

    النصوص بين الفهم الصحيح والمغلوط







    سنقسم هذا المبحث إلى قسمين، نبحث في كل قسم منه في شطر من الإشكالية.



    الفصل الأول: بيان أمثلة على طريقة التعامل مع أحاديث أحوال الآخرة بين أهل السنة وغيرهم

    الفصل الثاني: أسس النظر في هذه المسألة، تحليل ونقد









    الفصل الأول

    بيان أمثلة على طريقة التعامل مع أحاديث أحوال الآخرة

    بين أهل السنة وغيرهم



    سنذكر في هذا القسم أمثلة على طريقة أهل السنة في فهم أحاديث أحوال الآخرة، ثم نذكر أمثلة على طريقة بعض الفرق الأخرى على اختلاف قواعدها الكلية، ليكون هذا كالتمهيد لما يعقبه من تحليل ونقد.





    المبحث الأول

    أمثلة على طريقة أهل السنة والجماعة

    في فهم أحاديث أحوال الآخرة



    اعتمد علماء أهل السنة على القواعد التي ذكرناها في الباب السابق والتزموا بها. وهي القواعد التي تحقق الفهم الصحيح للشريعة، الذي لا يترك مجالا لأحد كي يتدخل بهواه في التصرف بالمعاين المراد دلالة البشر إليها، فهو منهاج يبعد الانحراف بما يشتمل عليه من قواعد منهجية رصينة، ويتم المحافظة عليها من خلاله على مرِّ السنين.

    وسنورد أحاديث دالة على بعض أحوال يوم القيامة، ولا نستقصي هنا جميع ما ورد، لأن المقام مقام بيان طريقة أهل السنة في فهمهذه الأحاديث.

    الصراط:

    روى الإمام البخاري قال أخبرني سَعِيدُ بن الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بن يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ الناس قالوا يا رَسُولَ اللَّهِ هل نَرَى رَبَّنَا يوم الْقِيَامَةِ قال هل تُمَارُونَ في الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ليس دُونَهُ حجاب قالوا لَا يا رَسُولَ اللَّهِ قال فَهَلْ تُمَارُونَ في الشَّمْسِ ليس دُونَهَا سَحَابٌ قالوا لَا قال فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ يُحْشَرُ الناس يوم الْقِيَامَةِ فيقول من كان يَعْبُدُ شيئا فَلْيَتَّبِعْ فَمِنْهُمْ من يَتَّبِعُ الشَّمْسَ وَمِنْهُمْ من يَتَّبِعُ الْقَمَرَ وَمِنْهُمْ من يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ وَتَبْقَى هذه الْأُمَّةُ فيها مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمْ الله فيقول أنا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ هذا مَكَانُنَا حتى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا فإذا جاء رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمْ الله فيقول أنا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أنت رَبُّنَا فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بين ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَوَّلَ من يَجُوزُ من الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ ولا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إلا الرُّسُلُ وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ ...الخ([1])". وفي رواية أخرى عن أبي هريرة أيضا، بوَّب لها الإمام البخاري (باب الصراط جسر جهنم) وفيها:"وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَكُونُ أَوَّلَ من يُجِيزُ وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ([2])".

    واكتفى أهل السنة بظاهر هذه الأحاديث وغيرها التي ورد فيها ذكر الصراط، فقالوا إنه جسر على متن جهنم يجوزه الناس، فمنهم سالم ومنهم من يسقط في جهنم بذنوبه، ويتفاوتون في المرور عليه بحسب أعمالهم لا بحسب قواهم الجسمانية، ولا مهارتهم في المشي والركض، وتجاوز المصاعب التي عليه، فإن معيار الأعمال في الآخرة هي ما أداه الإنسان في الدنيا. وإنما أبقوه على ظاهره "لوجوب حمل النصوص على ظواهرها إلا ما خالف القواطع([3])"، ومع أن أهل السنة أثبتوه في الجملة إلا أن هذا الاتفاق لم يستلزم خلافهم فيما بينهم في بعض تفاصيله كما خالف العز بن عبد السلام في كونه أدق من الشعر وأحدَّ من السيف([4]).وإنما خالفوا في ذلك لنزاعم في وثاقة النصوص التي وردت في ذلك الوصف، لا لمعنى يستندون إليه من كونه مخالفا للحكمة أو لاستحالة العبور عليه أو نحو ذلك من التوهمات التي استند إليها بعض المعتزلة ومن تأثر بهم في نفسه من اصله، فإن القادر على جعل الحيوانات والملائكة تطير في الهواء أو تمشي على الماء ليس بعاجز عن أن يُقدِرَ المؤمنين على الجواز عليه وهو في تلك الصفة، وليس في ذلك شيء محال ولا بعيد عن صاحب العقل السليم الذهن.

    الميزان:

    جاء في صحيح مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ على اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرحمن سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ([5]).

    قال ابن حجرالعسقلاني:"قال أبو إسحاق الزجاج اجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان وان أعمال العباد توزن يوم القيامة وان الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال وانكرت المعتزلة الميزان وقالوا هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنة لأن الله أخبر انه يضع الموازين لوزن الأعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين.

    وقال ابن فورك: أنكرت المعتزلة الميزان([6])، بناء منهم على أن الاعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها قال وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها انتهى.

    وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء فأسند الطبري من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) قال: إنما هو مثل كما يجوز وزن الأعمال كذلك يجوز الحط.

    ومن طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: الموازين العدل.

    والراجح ما ذهب إليه الجمهور.

    وأخرج أبو القاسم اللالكائي في السنة عن سلمان قال: يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السماوات والأرض ومن فيهن لوسعته. ومن طريق عبد الملك بن أبي سليمان ذكر الميزان عند الحسن فقال له لسان وكفتان.

    وقال الطيبي: قيل إنما توزن الصحف، وأما الأعمال فإنها أعراض فلا توصف بثقل ولا خفة، والحق عند أهل السنة ان الأعمال حينئذ تجسد أو تجعل في أجسام؛ فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة وأعمال المسيئين في صورة قبيحة ثم توزن. ورجح القرطبي ان الذي يوزن الصحائف التي تكتب فيها الأعمال، ونقل عن ابن عمر قال: توزن صحائف الأعمال. قال: فإذا ثبت هذا فالصحف أجسام فيرتفع الاشكال، ويقويه حديث البطاقة الذي أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه وفيه: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة انتهى .

    والصحيح أن الأعمال هي التي توزن.

    وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه بن حبان عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن. وفي حديث جابر رفعه: توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات؛ فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال حبة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار. قيل: فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأعراف أخرجه خيثمة في فوائده([7])".

    ويفهم من هذا النقل المهم، أن أهل السنة يقولون بظواهر الأحاديث مهما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وما دام الحديث لا يستلزم المحال، ولا يناقض المقطوع به القرآن فالأصل أنه حجة، يجب القول بها.

    الشفاعة

    روى الأئمة عن عن أنس بن مالك النبي e قوله:شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي([8]). وورد في مسند الإمام أحمد مسند عن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) قال الشَّفَاعَةُ([9]).

    وروى الإمام البخاري في صحيحه عن جَابِر بن عبد اللَّهِ قال قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ من الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأَيُّمَا رَجُلٍ من أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لي الْغَنَائِمُ وكان النبي يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلى الناس كَافَّةً وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ([10]).

    وروى البخاري عن آدَمَ بن عَلِيٍّ قال سمعت بن عُمَرَ رضي الله عنهما يقول إِنَّ الناس يَصِيرُونَ يوم الْقِيَامَةِ جُثًا كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ يا فُلَانُ اشْفَعْ يا فُلَانُ اشْفَعْ حتى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَذَلِكَ يوم يَبْعَثُهُ الله الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ([11]).

    وجاء في صحيح الإمام مسلم في بَاب إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ من النَّارِ عدة أحاديث في الشفاعة لأهل المعاصي وإخراج بعضهم من النار بالشفاعة، منها ما رواه الإمام مسلم عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال يُدْخِلُ الله أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يُدْخِلُ من يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يقول انْظُرُوا من وَجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ من إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرَجُونَ منها حُمَمًا قد امْتَحَشُوا فَيُلْقَوْنَ في نَهَرِ الْحَيَاةِ أو الْحَيَا فَيَنْبُتُونَ فيه كما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ إلى جَانِبِ السَّيْلِ أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً.

    قال الإمام مسلم: وحدثنا أبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ حدثنا عَفَّانُ حدثنا وُهَيْبٌ ح وحدثنا حَجَّاجُ بن الشَّاعِرِ حدثنا عَمْرُو بن عَوْنٍ أخبرنا خَالِدٌ كلاهما عن عَمْرِو بن يحيى بهذا الإسناد وَقَالَا فَيُلْقَوْنَ في نَهَرٍ يُقَالَ له الْحَيَاةُ ولم يَشُكَّا وفي حديث خَالِدٍ كما تَنْبُتُ الْغُثَاءَةُ في جَانِبِ السَّيْلِ وفي حديث وُهَيْبٍ كما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ في حَمِئَةٍ أو حَمِيلَةِ السَّيْلِ .

    وروى الإمام مسلم بسنده عن أبي سَعِيدٍ قال قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فيها ولا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أو قال بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حتى إذا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا على أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عليهم فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ في حَمِيلِ السَّيْلِ([12]).

    وهذه الاحاديث النبوية الواردة في الشفاعة تدلُّ على مذهب أهل السنة من لزوم أخذها على ظاهرها، وتدلُّ على ان ما فهمه أهل السنة من آيات القرآن من أن الشفاعة المستلزمة للخروج من النار لا تجوز للكفار فقط، وأما عصاة المؤمنين فتجوز لهم، ويكون ذلك من رحمة الله تعالى، خلافا للمعتزلة الذين منعوا ذلك بحجة الاعتماد على بعض القواعد التي زعموا أنها عقلية، وهذه القواعد مبنية على الإيجاب على الله تعالى، ودعوى أن أفعاله تابعة للحسن والقبح العقليين الثابتين في نفس الأمر، وقد برهن أهل السنة في غير موضع على أن أدلة المعتزلة في التحسين والتقبيح غير قاطعة بما يقررونه، وغير كافية لإثبات مزاعمهم، فإذا ثبت ذلك، كان دعواهم وجوبَ عدم الالتفات إلى الأحاديث المثبتة للشفاعة للعصاة غير قائمة على أدلة صحيحة.

    وقد رُويت أحاديث كثيرة في هذا الباب من أئمة المحدثين في جوامع الحديث وسننه، لا مجال لاستقصائها هنا، لضيق المقام، ولكن أردنا إيراد أمثلة لتدلَّ على طريقة أهل السنة في فهمها، وأسلوبهم في التعامل مع الأحاديث النبوية الشريفة في هذا الباب.

    والخلاصة التي نفضي إليها في هذا المبحث المهم، قد وضحها الإمام الغزالي بأن المعلومات ثلاثة أقسام، إما أن يعلم بالضرورة أو بالنظر، والذي يعلم بالنظر إما أن يجب أن يقوم عليه دليل عقلي، أي لا يصح معرفته وإثباته على الآخرين إلا بالعقل، وذلك كحدوث العالم، ووجود المحدِث وقدرته وعلمه وإرادته، والقسم الثاني ما يكفي السمع للعلم به، وهو تخصيص أحد الجائزين بالوقوع، فإن ذلك من مواقف العقول، فلا يعرف إلا بخبر أو حسّ ووحي وإلهام. والقسم الثالث وهو ما يهمنا هنا، قال الغزالي فيه:"وأما الملعلوم بهما، فكل ما هوواقع في مجال العقل ومتأخر في الرتبة عن إثبات كلام الله تعالى، كمسألة الرؤية، وانفراد الله تعالى بخلق الحركات والأعراض كليها، وما يجري هذا المجرى"، ثم ذكر قاعدة عامة اعتمد عليها علماء أهل السنة من قبل ومن بعد فقال:"ثم كل ما ورد السمع به، ينظرُ: فإن كان العقل مجوِّزا له، وجب التصديق به قطعا إن كانت الأدلة السمعية قاطعة في متنها وسندها لا يتطرق إليها احتمال. ووجب التصديق بها ظناً إن كانت ظنية، فإن وجوب التصديق باللسان والقلب هو عمل ينبني على الأدلة الظنية كسائر الأعمال([13])".

    فهذه هي القاعدة المتبعة عند الأشاعرة في المسعيات، ومن السمعيات أحوال الآخرة، وخطوات القاعدة، كما يأتي:

    أولا: النظر في سند الأمر المبحوث فيه، كالميزان والصراط، والبعث والحشر والحساب...الخ، فإن كان ثابتا بطريق معتبر (إما صحيح أو متواتر)، تخطينا إلى الخطوة الثانية. وإلا لم يلزم الاعتقاد به من أصله.

    ثانيا: إن كان الأمر ثابتاً كما مضى، نظرنا فيه، فإما أن يكون جائزا عقلاً([14])، أو ممتنعاً، فإن كان ممتنعاً عقلا أو نقلاً بطريق يقينيٍّ، لزم تأويله، وإلا لزم الأخذ به على ظاهره ما لم توجد قرائن قوية تصرفه عن ظاهره ومدلوله اللغويّ.

    وأهل السنة يلتزمون بهذه القاعدة التي تقوم كما ترى على الضوابط التي ذكرناها في الباب الأول، ويُلزمون خصومهم ومنازعيهم بناء عليها.









    --------------------------
    ([1] ) الجامع الصحيح المختصر ، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي( 256 هـ)، دار ابن كثير , اليمامة - بيروت - 1407 - 1987 ، ط3، ت: د. مصطفى ديب البغا، (1/277). رقم الحديث: 773.

    ([2] ) الجامع الصحيح المختصر، صحيح البخاري، (5/2403).

    ([3] ) هداية المريد على جوهرة التوحيد، للإمام برهان الدين اللقاني المالكي (1041هـ) دار البصائر، ط1 1430هـ-2009م، (2/1096).

    ([4] ) هداية المريد لجوهرة التوحيد، (2/1096).

    ([5] ) صحيح مسلم ، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري( 261هـ) ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، (4/2072). ورواه الإمام البخاري أيضاً في صحيحه برقم (6043).

    ([6] ) سيأتي قريباً أن بعض المعتزلة قالوا: إنَّ الميزان على الحقيقة، فيكون إنكار الميزان غير مجمع عليه عندهم. والمقصود بالمعتزلة في كلام الإمام ابن فورك بعضهم.

    ([7] ) فتح الباري شرح صحيح البخاري ، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي( 852 هـ، دار المعرفة - بيروت ، ت: محب الدين الخطيب، (13/538).

    ([8] ) رواه الترمذي، وأبو داود، وابن حبان، والطبراني في المعجم الصغير. وغيرهم.

    ([9] ) الإمام أحمد بن حنبل ، أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني( 241 هـ)، مؤسسة قرطبة - مصر

    ([10] ) الجامع الصحيح المختصر ، (1/168)

    ([11] ) الجامع الصحيح المختصر ، (4/1748)

    ([12] ) صحيح مسلم مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري(261 هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، ت : محمد فؤاد عبد الباقي،(1/172)

    ([13] ) الاقتصاد في الاعتقاد، أبو حامد الغزالي، دار المنهاج، 1429هـ-2008م. ص271-272.

    ([14] ) وهذا هو الأصل في كل ما تثبته الشريعة، فإنها لا تأتي بمحالات العقول، بل بمجوزاتها. كما نصَّ عليه الأئمة في غير موضع. ولكنا اعتبرنا هذين الاحتمالين للاحاطة بوجوه التقسيم، ولاحتمال أن يكون الأمر ثابتاً بطريق صحيح غير متواتر، ولكنه شاذ متنا، أو معارض لقطعي ثبت بطريق آخر.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3
    المبحث الثاني

    أمثلة على طريقة الفرق من غير أهل السنة والجماعة

    في فهم أحاديث أحوال الآخرة

    وتيسيراً للبحث ولفهم القارئ الكريم، وطلبا للقسط والعدل، سنقسم هذه الفرق بحسب قواعدها، ونميز بين المغالي منها وغير المغالي، مشيرين إلى أصولهم التي اعتمدوا عليها.

    الطائفة الأولى: طريقة المعتزلة ومن تبعهم في التعامل مع أحاديث أحوال الآخرة

    تجري طريقة المعتزلة في تأويل بعض أحوال اليوم الآخر بناء على أدلة يرونها كافية لصرف الألفاظ التي جاءت بها الأحاديث عن ظاهرها، ويلتزمون في طريقتهم بالأساليب العربية المعتمدة ولا يقصدون التحريف للآيات كما يقصد ذلك الباطنية، كما سيظهر لنا.

    المثال الأول: الصراط


    جرى أهل السنة في معتمد كلامهم على أن الصراط جسر ممدود على متن جهنم يجتازه المؤمنون إلى الجنة، ويتساقط عنه بعض المسلمين من أهل المعاصي، وأهل الكفر فيجهنم لينالزا عذابهم الذي يستحقونه، ولا يقطع أهل بوصفه من حيث طوله وعرضه، بل يوردون ما جاء في ذلك على سبيل الاحتمال الممكن، ولا يقولون بأن ذلك محال عقلا، ولكن بما أنه لم يرد بطريق قطعي ولا كاف، فلا يشتغلون في الخلاف فيه، ولا يمنعون الخلاف في بعض تفاصيله كطوله وعرضه. فاكتفوا بهذا القدر الإجمالي، ومشوا عليه.

    أما المعتزلة فقد اشتهر عنهم تأويلهم للصراط إلى الطريق المستقيم، ونفوا أن يكون جسرا ممدوا على متن جهنم. قال العلامة ركن الدين الخوارزمي:"وأما الصراط فهو الطريق، وهما طريقان في الآخرة، طريق إلى الجنة وطريق إلى النار، قال الله تعالى في أهل الجنة(سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة)[محمد5-6]، وقال في أهل النار(فاهدوهم إلى صراط الجحيم)[الصافات 23].فأما ما يروى أن الصراط جسر على جهنم وأن المكلفين يؤمرون بالمرور عليه، وأنه يكون أدقَّ من الشعر وأحدَّ من السيف، فذلك مجوّز ويكون من جنس الثواب والعقاب([15])".

    وتأويل ظواهر أخبار أحوال القيامة عن معانيها ليس قاعدة مطردة عند المعتزلة، فإن بعضهم يجري تلك النصوص على ظاهرها ما دام المعنى الوارد فيها غير محال ولا ممتنع عقلاً، ومما يدلل على ذلك ما قاله ركن الخوارزمي في الميزان:"فأما الميزان فقد أثبته أصحابنا على الحقيقة، قالوا: ويكون له كفتان، ويجوز أن يجعل في إحدى الكفتين نور علامة على الخير، وتوضع في الأخرى ظلمة علامة على ا لشر، ويكون ترجّح كفة الخير ثوابا للمؤمن، وترجّح كفة الشر خزيا وعقاباً للكافر والفاسق، ويجوز أن توزن كتب الخير والشر ويكون الترجيح ثوابا وعقاباً-ثم قال-ومن حمل الوزن والميزان المذكور في القرآن على العدل فقد عدل عن الظاهر مع إمكان حمل الآية على الظاهر([16])".

    وقال القاضي عبد الجبار:"أما وضع الموازين فقد صرح به الله تعالى في محكم كتابه، قال الله تعالى(ونضع الموازين القسط ليوم القيامة)، وقوله فمن ثقلت موازينه فأولئك"الآية، إلى غير ذلك من الآيات لاتي تتضمن هذا المعنى، ولم يرد الله تعالى بالميزان إلا المعقول المتعارف فيما بيننا دون العدل وغيره على ما يقوله بعض الناس([17])".

    قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ):" فإن قلت : ما المراد بوضع الموازين؟ قلت : فيه قولان ، أحدهما : إرصاد الحساب السويّ ، والجزاء على حسب الأعمال بالعدل والنصفة ، من غير أن يظلم عباده مثقال ذرّة ، فمثل ذلك بوضع الموازين لتوزن بها الموزونات . والثاني : أنه يضع الموازين الحقيقية ويزن بها الأعمال . عن الحسن : هو ميزان له كفتان ولسان . ويروى : أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان ، فلما رآه غشي عليه ، ثم أفاق فقال : يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات ، فقال : يا داود ، إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة . فإن قلت : كيف توزن الأعمال وإنما هي أعراض؟ قلت : فيه قولان ، أحدهما : توزن صحائف الأعمال . والثاني : تجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة ، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة".

    فيفهم من ذلك أن صرف أحوال يوم القيامة ليس مقصودا لذاته عندهم، بل وارد حسب الأدلة التي ظهرت لهم. فالخلاف بينهم وبين أهل السنة في هذا القدر وبناء على هذا الأصل، فالكل يؤمنون بصدق الأخبار، ولكن المعوَّل عليه عندهم جميعا هو وثاقة الدليل، فيكون لاخلاف بين الفريقين من هذا الباب، ولكن بما أن هذه المسائل لا يكون المصيب فيها إلا واحداً، فلذلك يخطش بعضهم بعضاً لخلافه القاعدة المعوَّل عليها من لزوم إجراء الأخبار على ظاهرها ما دامت جائز عقلاً كما مرَّ.

    المثال الثاني: الشفاعة


    وخلاف المعتزلة في الشفاعة يجري على القاعدة التي ذكرناها، من دعواهم أنهم يتبعون الدليل، فقد ظنوا أن ما ورد في القرآن قاطع فيما يقولون به، فرجحوه على ما ورد في السنة من أنَّ النبي الكريم e قال:"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" ونحو ذلك من الأحاديث التي ورد فيها ذكر شفاعة رسول الله عليه السلام لأهل المعاصي لا لزيادة درجات المؤمنين فقط كما يدعي المعتزلة، ولأجل مبالغة المعتزلة في هذا الباب وظنهم صواب رأيهم مع خلافه لظواهر الأحاديث النبوية، نسب إليهم كثير من أهل العلم تقديمهم قواعدهم القلية على ما جاء في النقل وتحكمهم بأهوائهم بالكتاب والسنة، فإنهم جروا في دعوى امتناع العفو على المعاصي على قاعدتهم العقلية في التحسين والتقبيح.

    قال الخوارزمي:"اتفق المسلمون على أنَّ لمحمد عليه السلام شفاعة في الدار الآخرة، ثم اختلفوا في أن شفاعته تكون للمؤمنين ليتفضل الله تعالى عليهم بزيادة المنافع، أو تكون لمرتكبي الكبائر الذين خرجوا من الدنيا مصرين عليها، فذهب شيوخنا إلى أنها تكون للمؤمنين، وذهب غيرهم إلى أنها تكون للفساق المصرين عليها([18])"، وذكر أن المعتزلة احتجوا بقوله تعالى(ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)[غافر 18]، فعمَّ كلّ ظالم غيرَه أو نفسَه، ونفى أن يكون لهم شفيع يجاب فيهم، وبقوله تعالى(واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا)إلى قوله(ولا تنفعها شفاعة)[البقرة 123]. قال:"فأخرج الآية مخرج الزجر عن المعاصي اتقاء من اليوم الذي لا تنفع فيه شفاعة، فلا يجوز أن يكون المراد بها إلا الشفاعة في إسقاط المضار دون الشفاعة في زيادة المنافع([19])".وقال القاضي عبد الجبار:"فعندنا أن الشفاعة للتائبين من المؤمنين، وعند المرجئة أنها للفساق من أهل الصلاة([20])".

    فتأمل في كلامه كيف يحاول أن يستدل لقولهم بالآيات القرآنية ويزعم وجود تعارض بينها وبين ما جاء في الأحاديث النبوية الشريفة، بحيث لا يحل هذا التعارض إلا بناء على حمل ما في الأحاديث على الشفاعة للمؤمنين لزيادة درجاتهم، وأما ما جاء من أحاديث في الشفاعة لعصاة المؤمنين فهم يرفضونها، ويزعمون بطلانها لمعارضتها ما يفهمونه من آيات.ولذلك قال القاضي عبد الجبار ردا على من استدل بخبر"فخرج قوم بعدما امتحشوا وصاروا فحما وحمما":"وجوابنا أن هذا الخبر لم تثبت صحته، ولو صح فإنه منقول بطريق الآحاد، وخبر الواحد مما لا يوجب القطع، ومسألتنا طريقها العلم فلا يمكن الاحتجاج به([21])"، مع أن ظواهر عموم الآيات يجوز حمل معانيها على جهات معينة بحيث لا تتعارض مع اأحاديث المتكاثرة في هذا الباب، فلا يلزم ردُّ هذه الأحاديث.

    ولا ريب في وجود اختلاف بين طريقة المعتزلة في فهم الأحاديث النبوية وطريقة تعاملهم وتصريفهم لها، وبين طريقة الفرق الباطنية كما سنرى. ولذلك حكم علماء أهل السنة على كلٍّ بحسب ما يليق به بحسب درجة انحرافه.

    الطائفة الثانية: طريقة الفرق الباطنية في التعامل مع أحاديث أحوال الآخرة

    غالت الفرق الباطنية في تأويل أحوال الآخرة، وساروا على غير هدى في ذلك، فلم يتبعوا قاعدة لغوية ولا عرفا ولا معنى سائداً، بل صاروا يخترعون من عند أنفسهم معاني يريدونها هم لتخدمهم في دعواهم، وعقائدهم، فكان ما يسمونه تأويلا حقيقته التحريف المقصود الذي له غاية معينة عندهم يريدونها لأجل أنفسهم.

    وكان الهدف الأكبر من تلك التأويلات الباطلة، بغض النظر عما يزعمونه من الحقية والتلقي عن الله تعالى، إنما هو صرف الناس عن الدين الحقّ وعن العقائد الصحيحة بغير علم ولا هدى.

    المثال الأول: تأويلات فرقة الرواندية

    جاء في عقائد فرقة الرواندية وهي فرقة غالية اعتقدت بالتناسخ، وبالغوا في التأويل، وأسقطوا وجوب العبادات وتركوا الفرائض "ويعلق الشهرستاني على هذه الآراء المغرضة بقوله:[وكفروا بالقيامة لاعتقادهم أن التناسخ يكون في الدنيا، والثواب والعقاب في هذه الأشخاص]([22])، وإذن فلا معنى للبعث والقيامة والجنة والنار التي تنادي بها الأديان الكتابية جميعها. وقد أنكر الغلاة الذين جاؤوا من بعد البعثَ والقيامةَ بالمفهوم الديني المعروف، وقالوا بدوام الحياة الدنيا، كما يقول فلهوزن عنهم:[فالأرواح تنتقل بالموت من جسم إلى جسم، وثمة بعث مستمر في المجرى الطبيعي للحياة الدنيا([23])]([24])".

    ومن البيِّن أن هذه تأويلات بل تحريفات مقصودة لما جاء في الشرائع من آيات وأحاديث نبوية، لا يلتفتون في ذلك إلى قاعدة لغوية ولا عرفية ولا عقلية، بل يقولون بما قالوا لمجرد الهوى واتباع بدعتهم صداً عن سبيل الله.

    المثال الثاني: تأويلات فرقة البابية

    وهي فرقة تفرعت عن الشيعة الإثني عشرية، ومهَدت لظهور البهائية، وهم اتباع الباب وهو ميرزا على محمد الشيرازي، ويسمون أنفسهم أهل البيان.

    ومما جاء في عقائدهم: المغالاة في تحريف آيات الكتاب والسنة، ويسمُّون ذلك تأويلا، والتأويل إنما يكون بقواعد، وأما ما جاؤوا به بلا قواعد، فهو تحريف مقصود، واتباع للهوى. فهم يضفون معاني ختلقة لما جاء في القرآن والسنة من ألفاظ نحو: القيامة والساعة والبعث والحشر، وما جرى مجراها، على أنه هو ظهوره –أي ظهور الباب- بالأمر، وقيامه بالدعوى، وأن الجنة كناية عن الإيمان به، والنار كناية عن الكفر به، واليوم الآخر كناية عن يوم ظهوره، ولقاء الله تعالى كناية عن لقائه، والنفخ في الصور كناية عن الجهر بدعوته والمناداة بها، وصعق من في السموات والأرض كناية عن نسخ الأديان بدينه وقيام أمته مقام الأمم([25]).

    وينكر البابيون أمور الآخرة جميعها من القيامة والبعث والصراط والحساب والميزان والجنة والنار وغير ذلك، ويقول الباب عن القيامة"إنها عبارة عن وقت ظهور شجرة الحقيقة في كل الأرض، مثلا بعثة عيسى كانت قيامة لموسى، وبعثة رسول الله محمد قيامة لعيسى، وبعثته هو(أي الباب) قيامة لرسول الله، وكل من كان على شريعة القرآن كان ناجيا حتى ظهور الباب، والذي يجب عليهم بعد ذلك أن يؤمنوا بشريعته هو.

    فالجنة: هي السرور بمعرفة الله وبمحبته، والنار: هي حرمان من معرفة الله، وأما ما جاء من أفكار عن البعث الجسماني والحياة الحقيقية الأخروية فهو مجرد وهم([26]).

    ولا نحتاج إلى تعليق لبيان مقدار تهافت تحريفاتهم لمعاني أحوال الآخرة إلا إلى لفت النظر إليها، فإن من لديه أدنى علم باللغة وقانون الشريعة يستنكر هذه التأويلات ويستسخف قائلها، ويعتقد فيه بلا ريب ولا شك أنه قاصد إلى تحريف الشريعة وإبطالها.

    وهذا هو السبب الذي جعل كثيراً من العلمانيين والحداثيين في أثناء حملتهم على الإسلام يحاولون بقدر ما يستطيعون إحياء هذه الفرق البالية، وإظهار أنها لا تختلف عن غيرها من فرق الإسلام بل لا فرق بينها وبين أهل السنة أنفسهم في تمثيلهم لحقائق الدين، وأهل الكفر والباطل يتكاتفون ويتظاهرون!

    بل إنني أذهب إلى مدى أبعد من ذلك فأقول: إن كثيرا من الطرق التي يستعملها العلمانيون والحداثيون في تأويل مفاهيم الدين وإعادة إنتاجها أو قراءتها -كما يزعمون- يعتمدون فيه -إما بوعي أو بلا وعي من بعضهم- على آراء هذه الفرق الباطنية التي كفرها علماء الإسلام قاطبة.


    ولا بدَّ من الإشارة إلى أمر مهمٍّ في هذا الباب، وهو أن كثيرا من العلمانيين والحداثيين في الزمان المعاصر يلجأون إلى وسائل وطرق تأويلية مغالى فيها قريبة جدا من الطرق التي سلكها الفرق الباطنية الأوائل، الذين مثلنا على بعضهم، وذلك بصدد ما يسمونه "إعادة قراءة الإسلام" أو "قراءة النصوص الدينية " أو "القراءات المعاصرة" ، ويتخذون من هذه الطريقة المحدَثة في فهم النصوص طريقا إلى خرق قواعد الشريعة، ونفي أحكامها العقائدية والتشريعية، ولذلك صرتَ ترى بعض هؤلاء ينفون الوحيَ ويعتقدون أنه مجرد كلام نفسي أو رؤى داخلية يحسب الإنسان الذي تحصل له أن هناك شخصا خارجا عن ذاته يكلمه ويلقي إليه تعليمات وأحكاما مفاهيم، ويقولون إن اليوم الآخر والحياة الآخرة ما هي إلا الحياة على سطح الكرة الأرضية عند انتشار العدالة والكفاية الاقتصادية، وشيوع الحكم الديمقراطي وهكذا. فتراهم ينزعون إلى نبذ قواعد الشرعة عن طريق بعض أقاويل لا قيمة لها في معيار العلوم، ولا تقوى على الوقوف في وجه القواعد الراسخة التي جرى عليها العلماء في فهم الشريعة([27]).

    --------------------------
    ([15] ) كتاب الفائق في أصول الدين، ركن الدين بن الملاحمي الخوارزمي (536هـ-1141م)، مؤسسة بروهشي حكمت وفلسفة إيران، ص466.

    ([16] ) كتاب الفائق في أصول الدين، للخوارزمي، ص465-466.

    ([17] ) شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار الهمذاني، ص725.

    ([18] ) كتاب الفائق في أصول الدين، للخوارزمي، ص468.

    ([19] ) كتاب الفائق في أصول الدين، الخوارزمي، ص469.

    ([20] ) شرح الأصول الخمسة، ص688.

    ([21] ) شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار المعتزلي، ت. د. عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، ط1 1384هـ-1965م، ص672.

    ([22] ) الملل والنحل، الشهرستاني (1/202-203).

    ([23] ) الخوارج والشيعة، فلهوزن.الترجمة ص248.

    ([24] ) موسوعة الفرق والمذاهب في العالم الإسلامي، جمهورية مصر العربية، وزارة الأوقاف-المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. 1428هـ-2007م. ص333.

    ([25] ) محمد فاضل، الحراب في صدر البهاء والباب، ص221.

    ([26] ) انظر: موسوعة الفرق والمذاهب، ص155.

    ([27] ) وقد كتبنا بعض المقالات التي نوضح فيها كيفية تسلل هذه الطرق إلى بعض أهل الإسلام، ثم كيف صاروا يبذلون أقصى جهد لنشرها والترويج لها شرقا وغرباً في مختلف البلاد الإسلامية. وذكرنا في مقال آخر، كيف أنّ بعض العلمانيية المعاصرين الذين يتظاهرون باتباع آخر ما توصل إليه البحث العلمي لا يكادون يتجاوزون ما قررته فرق الباطنية المتقدمة.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. #4
    الفصل الثاني

    أسس النظر في هذه المسألة

    تحليل ونقد


    رأينا أن المبادئ التي لا بدّ من الانتباه إليها قبل الشروع في هذه المسألة:

    أولاً: إنّ الله تعالى قادر، فاعل لما يريد، لا يجب عليه فعل شيء من الأشياء، وفعله ليس تابعا للحسن والقبح العقليين. ويتبع ذلك أن العلاقت الكائنة بين الأشياء المخلوقات في هذا العالم ليست علاقات واجبة ما دام هناك تكثر وتغاير بينها، فلا شيء منها يستلزم غيره مع مالغايرة بينهما في الوجود، والتكثر، بل كلها من حيث أفرادها وذواتها ومن حيث العلاقات التي بينها والترتيب والنظام الحاصل لها بقدرة الله تعالى واختياره، لا لأن ذوات المخلوقات تستلزم هذا النوع من الترتيب أو النظام، بحيث يستحيل عقلا نظام غيره عليها، كما يتصوره بعض الناس، فيدفعهم ذلك إلى إنكار بعض الظواهر التي وردت في الشريعة بحجة أن العقل قام على إحالة ذلك، والحال أنه لا دليل عقلا على ما يزعمونه من وجوب ولا عليَّة واجبة لذوات الأمور.

    ثانيأ: الشريعة أنزلت لهداية البشر، ومن لوازم ذلك أن تكون حسب العرف اللغوي والقواعد المطردة المعلومة لغةً، ولا يصحُّ الخروج عن القاعدة المطردة إلا لديل خاصٍّ بتلك المسألة، ولا يجوز تفسير نصٍّ من النصوص بخلاف هذه الضوابط الكلية لأن ذلك يستلزم بالضرورة اتباع الهوى، وجعل الشريعة غير هادية إلى البشر، ولا مصدر الشعاع والنور، بل يستلزم ذلك قلب الحقائق، بأن يكون الإنسان هو الذي يملي الشرائع ويخترعها من عند نفسه، وهذا ما يخالف صراحة المقطوع به في الشريعة نفسها. فكل من استحدث قواعد لم يعتبرها أهل اللغة، ولم يقررها صاحب الشريعة بأن لم ينصَّ عليها ولم يرشد إليها، فيعتبر قاصدا إفساد الشريعة بالضرورة.

    وأما القواعد التي اتبعها أهل السنة في تفسير هذه النصوص، فهي تابعة ومتفرعة عما مضى:

    أولاً: الأصل التحقق من صحة نسبة النص للشريعة.

    ثانيا: التأكد أنّ هذا النص لا يخالف مقطوعا به في العقل أو في النقل (كتابا أو سنة).

    ثالثا: إذا تحققت هذه الأمور، وجب العمل بظاهر النص، وبطل صرفه عن ظاهره إلا لدليل خاص معتبر كما قررنا.

    رابعا: ما دام المعنى الذي تذكره الشريعة جائزا في العقول، ولا يخالف المقطوع العقلي ولا النقلي، فالأصل الأخذ به، ومن ذلك كل الأحوال التي وردت في الآخرة، فلا أحد من البشر يستطيع أن يقرر أنها مخالفة للعقل أو النقل، وكل ما يزعمه المخالفون أو المحرفون لمعانيها، من أنها مخالفة للعقل أو محالة عقلا، فإنما ذلك لوهمهم وخيالهم، أو لقصدهم إفساد الشريعة بالتمويه على العامة لصرفهم عنها.

    وأما الفرق التي عرف عنها التأويل، فقد قسمناها إلى قسمين رئيسين:

    الأول: المعتزلة ومن وافقهم، فهؤلاء وافقوا في الجملة القواعد المقررة عند أهل السنة، من ضرورة العمل بالصحيح من الأخبار، وضرورة عدم مخالفة الخبر للقواعد المقطوع بها عقلا أو نقلاً، ولكنهم اختلفوا مع أهل السنة عندما نظروا في بعض النصوص أو الماعاني بخصوصها، فظنوا أن هذه الأحوال محالة عقلا، كما في الشفاعة للعصاة الذين لم يتوبوا، فأبطلوا الأحاديث، ولم يأخذوا بها، أو زعموا أنها ليست ثابتة، كما فعل بعضهم في بعض أحوال الآخرة كالصراط. وهؤلاء لا يتصور منهم أنهم قصدوا إلى تخريب الشريعة ولا إلى إفسادها أو صرف الناس عنها، ولا يعتقد فيهم أنهم قصدوا اتباع الهوى واختراع المفاهيم من عند أنفسهم عن قصد، ولكنهم أخطأوا السبيل في النظر والفكر، فانحرفوا عن الجادة. ولا يجوز موافقتهم ولا تسويغ أقوالهم للناس فيما قالوه خصوصا إن كان ذا دليل ظاهر الضعف. لأنا وإن سلمنا سلامة مقاصدهم على الجملة، إلا أنا نجزم أن كثيرا من أقوالهم تفضي إلى زعزعة أركان الشريعة خصوصا عندما يتلقفها أصحاب الإلحاد والقادحون في الدين الحق، والباحثون عن كل رأي ولو كان شاذاً ليبنوا عليه ما يرون من مذاهب مخترعة.

    الثاني: أصحاب الفرق الباطنية ومن وافقهم من العامنيين والحادثيين المعاصرين، فهؤلاء لم يتبعوا القواعد المشار إليها آنفا، ولم يلتفتوا إليها في تحريفاتهم التي سموها تأويلات ظُلماً منهم، بل اعتمدوا في ذلك كله على مقاصدهم التي رسموها لأنفسهم سابقأ، فإنه لا يتصور عقلاً أن أحدا يتبع هذا السبيل، ويكون ذلك نتيجة لنظره الحرِّ الباحث عن الحق واليقين، فإن مسالك اليقين والنظر الصحيح تبعدهم بالضرورة عن الانحراف الخطير الذي وقعوا فيه، ولكنهم أناس سولت لهم انفسهم واجتالتهم شياطين الهوى، وربما وقعوا فريسة جهالتهم بعد فترة، أو بعد طول المدة التي أصدروا فيها أكاذيبهم، وربما تبعهم أناس من بعدُ منخدعين بهم لجهلهم.

    وعلى العموم فقد تبين لنا أن من اتبع سبيل الفرق الباطنية، في تحريفاته التي لاتعتمد على قاعدة لغوية مطردة، ولا على ضابط عام معتبر لغة أو شرعاً، فإنهم إنما يتبعون الهوى، ولا يسلم لهم أنهم مجتهدون أصلاً فقد خرجوا عن ضوابط الاجتهاد المعتبر، ولا يسلم لهم دعواهم ذلك، مهما قالوا، مهما حاول الكتاب أن يسوغوا أعمالهم، فإن أهل الحق لا ينخدعون بمثل هؤلاء الشذاذ أصحاب الإفك.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. #5
    الفصل الثاني

    أسس النظر في هذه المسألة

    تحليل ونقد


    رأينا أن المبادئ التي لا بدّ من الانتباه إليها قبل الشروع في هذه المسألة:

    أولاً: إنّ الله تعالى قادر، فاعل لما يريد، لا يجب عليه فعل شيء من الأشياء، وفعله ليس تابعا للحسن والقبح العقليين. ويتبع ذلك أن العلاقت الكائنة بين الأشياء المخلوقات في هذا العالم ليست علاقات واجبة ما دام هناك تكثر وتغاير بينها، فلا شيء منها يستلزم غيره مع مالغايرة بينهما في الوجود، والتكثر، بل كلها من حيث أفرادها وذواتها ومن حيث العلاقات التي بينها والترتيب والنظام الحاصل لها بقدرة الله تعالى واختياره، لا لأن ذوات المخلوقات تستلزم هذا النوع من الترتيب أو النظام، بحيث يستحيل عقلا نظام غيره عليها، كما يتصوره بعض الناس، فيدفعهم ذلك إلى إنكار بعض الظواهر التي وردت في الشريعة بحجة أن العقل قام على إحالة ذلك، والحال أنه لا دليل عقلا على ما يزعمونه من وجوب ولا عليَّة واجبة لذوات الأمور.

    ثانيأ: الشريعة أنزلت لهداية البشر، ومن لوازم ذلك أن تكون حسب العرف اللغوي والقواعد المطردة المعلومة لغةً، ولا يصحُّ الخروج عن القاعدة المطردة إلا لديل خاصٍّ بتلك المسألة، ولا يجوز تفسير نصٍّ من النصوص بخلاف هذه الضوابط الكلية لأن ذلك يستلزم بالضرورة اتباع الهوى، وجعل الشريعة غير هادية إلى البشر، ولا مصدر الشعاع والنور، بل يستلزم ذلك قلب الحقائق، بأن يكون الإنسان هو الذي يملي الشرائع ويخترعها من عند نفسه، وهذا ما يخالف صراحة المقطوع به في الشريعة نفسها. فكل من استحدث قواعد لم يعتبرها أهل اللغة، ولم يقررها صاحب الشريعة بأن لم ينصَّ عليها ولم يرشد إليها، فيعتبر قاصدا إفساد الشريعة بالضرورة.

    وأما القواعد التي اتبعها أهل السنة في تفسير هذه النصوص، فهي تابعة ومتفرعة عما مضى:

    أولاً: الأصل التحقق من صحة نسبة النص للشريعة.

    ثانيا: التأكد أنّ هذا النص لا يخالف مقطوعا به في العقل أو في النقل (كتابا أو سنة).

    ثالثا: إذا تحققت هذه الأمور، وجب العمل بظاهر النص، وبطل صرفه عن ظاهره إلا لدليل خاص معتبر كما قررنا.

    رابعا: ما دام المعنى الذي تذكره الشريعة جائزا في العقول، ولا يخالف المقطوع العقلي ولا النقلي، فالأصل الأخذ به، ومن ذلك كل الأحوال التي وردت في الآخرة، فلا أحد من البشر يستطيع أن يقرر أنها مخالفة للعقل أو النقل، وكل ما يزعمه المخالفون أو المحرفون لمعانيها، من أنها مخالفة للعقل أو محالة عقلا، فإنما ذلك لوهمهم وخيالهم، أو لقصدهم إفساد الشريعة بالتمويه على العامة لصرفهم عنها.

    وأما الفرق التي عرف عنها التأويل، فقد قسمناها إلى قسمين رئيسين:

    الأول: المعتزلة ومن وافقهم، فهؤلاء وافقوا في الجملة القواعد المقررة عند أهل السنة، من ضرورة العمل بالصحيح من الأخبار، وضرورة عدم مخالفة الخبر للقواعد المقطوع بها عقلا أو نقلاً، ولكنهم اختلفوا مع أهل السنة عندما نظروا في بعض النصوص أو الماعاني بخصوصها، فظنوا أن هذه الأحوال محالة عقلا، كما في الشفاعة للعصاة الذين لم يتوبوا، فأبطلوا الأحاديث، ولم يأخذوا بها، أو زعموا أنها ليست ثابتة، كما فعل بعضهم في بعض أحوال الآخرة كالصراط. وهؤلاء لا يتصور منهم أنهم قصدوا إلى تخريب الشريعة ولا إلى إفسادها أو صرف الناس عنها، ولا يعتقد فيهم أنهم قصدوا اتباع الهوى واختراع المفاهيم من عند أنفسهم عن قصد، ولكنهم أخطأوا السبيل في النظر والفكر، فانحرفوا عن الجادة. ولا يجوز موافقتهم ولا تسويغ أقوالهم للناس فيما قالوه خصوصا إن كان ذا دليل ظاهر الضعف. لأنا وإن سلمنا سلامة مقاصدهم على الجملة، إلا أنا نجزم أن كثيرا من أقوالهم تفضي إلى زعزعة أركان الشريعة خصوصا عندما يتلقفها أصحاب الإلحاد والقادحون في الدين الحق، والباحثون عن كل رأي ولو كان شاذاً ليبنوا عليه ما يرون من مذاهب مخترعة.

    الثاني: أصحاب الفرق الباطنية ومن وافقهم من العامنيين والحادثيين المعاصرين، فهؤلاء لم يتبعوا القواعد المشار إليها آنفا، ولم يلتفتوا إليها في تحريفاتهم التي سموها تأويلات ظُلماً منهم، بل اعتمدوا في ذلك كله على مقاصدهم التي رسموها لأنفسهم سابقأ، فإنه لا يتصور عقلاً أن أحدا يتبع هذا السبيل، ويكون ذلك نتيجة لنظره الحرِّ الباحث عن الحق واليقين، فإن مسالك اليقين والنظر الصحيح تبعدهم بالضرورة عن الانحراف الخطير الذي وقعوا فيه، ولكنهم أناس سولت لهم انفسهم واجتالتهم شياطين الهوى، وربما وقعوا فريسة جهالتهم بعد فترة، أو بعد طول المدة التي أصدروا فيها أكاذيبهم، وربما تبعهم أناس من بعدُ منخدعين بهم لجهلهم.

    وعلى العموم فقد تبين لنا أن من اتبع سبيل الفرق الباطنية، في تحريفاته التي لاتعتمد على قاعدة لغوية مطردة، ولا على ضابط عام معتبر لغة أو شرعاً، فإنهم إنما يتبعون الهوى، ولا يسلم لهم أنهم مجتهدون أصلاً فقد خرجوا عن ضوابط الاجتهاد المعتبر، ولا يسلم لهم دعواهم ذلك، مهما قالوا، مهما حاول الكتاب أن يسوغوا أعمالهم، فإن أهل الحق لا ينخدعون بمثل هؤلاء الشذاذ أصحاب الإفك.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •